ويجترئ عليه شياطين الإنس بما يقدرون عليه من أذاه.
ويجترئ عليه أهله وخدمه وأولاده وجيرانه، حتى الحيوان البهيم.
ويجترئ عليه أولياء الأمر بالعقوبة التي إن عدلوا فيها أقاموا عليه الحد.
وتجترئ عليه نفسه فتستأسد عليه، وتصعب عليه، فلا تنقاد له، فلو أرادها لخير لم تطاوعه ولم تنقد له، وتسوقه إلى ما فيه هلاكه شاء أم أبى.
وذلك لأن الطاعة حصن الرب، فمن دخله كان آمناً، فإذا فارق الحصن اجترأ عليه قطاع الطريق وغيرهم، وبحسب اجترائه على معاصي الله تكون جرأتهم عليه، وانتقامهم منه.
والقلب يصدأ بالذنوب، ويصير مثخناً بالمرض، والنفس المطمئنة تخبث بالشهوات والمعاصي وتضعف، وربما ماتت، والمعاصي تخوف العبد أحوج ما يكون إلى نفسه.
فإذا وقع العبد في شدة أو كربة أو بلية خانه قلبه ولسانه وجوارحه عما هو أنفع شيء له، فلا ينجذب قلبه للتوكل على الله، والإنابة إليه، والتضرع والانكسار بين يديه، ولا يطاوعه لسانه لذكره، وإن ذكر ذكر بلسانه دون قلبه.
ولو أراد من جوارحه أن تعينه بطاعة تدفع عنه لم تنقد له ولم تطاوعه، وأدهى من ذلك وأمر أن يخونه قلبه ولسانه عند الاحتضار، فربما لم ينطق بالشهادة عند الموت، بل ربما نطق بضدها أحياناً.
والمعاصي تعمي القلب وتضعف بصيرته، فإذا عمي القلب وضعف فاته من معرفة الله، ومعرفة الهدى، وقدرته على تنفيذه في نفسه وفي غيره بحسب ضعف بصيرته وقوته، فينعكس إدراكه كما ينعكس سيره، فيدرك الباطل حقاً، والحق باطلاً، والمعروف منكراً، والمنكر معروفاً، ويفسد ويرى أنه يصلح، فينتكس في سيره، ويرجع عن سفره إلى الله والدار الآخرة إلى سفره إلى مستقر النفوس المبطلة التي رضيت بالحياة الدنيا واطمأنت بها، وغفلت عن الله وآياته، فماذا أعد الله لهؤلاء من العذاب؟.
стр. 2907
﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ (٧) أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٨)﴾ [يونس: ٧، ٨].
ومن عقوبات الذنوب والمعاصي:
أن المعاصي مدد من الإنسان يمد به عدوه عليه، وجيش يقويه به على حربه، وهو الشيطان الذي لا يفارق الإنسان طرفة عين، يراه الشيطان من حيث لا يراه.
والنفس أول مداخل الشيطان على القلب، فإذا منَّاها وحقق لها مرادها اطمأنت إليه، فخامرت القلب، وصارت مع الشيطان عليه.
وبذلك يملك الشيطان ثغور البلد وهي:
العين .. واللسان .. والأذن .. والفم .. واليد .. والرجل.
ويرابط على هذه الثغور كل المرابطة، ويدخل على القلب منها فيفسده، فيجعل نظر العين نظر تفرج ولهو لا نظر فكر واعتبار، وهذا أخطر شيء.
ويرابط على ثغر الأذن، فلا يدخل منه إلا الباطل، الذي هو خفيف على النفس تستحليه وتستملحه، ولا يسمح بدخول هذا الثغر من كلام الله ورسوله أو كلام النصحاء والوعاظ.
فإن غلب ودخل شيء من ذلك، حال بينه وبين فهمه وتدبره والعظة به، إما بإدخال ضده عليه، أو بتهويل ذلك وتعظيمه، وأنه حمل ثقيل عليها لا تستطيعه، وإما بإرخاصه على النفوس، وأن الاشتغال ينبغي أن يكون بما هو أعلى عند الناس، والذي زبائنه أكثر.
وأما الحق فهو مهجور، وقائله معرِّض نفسه للعداوة والشبهة، يدخل الشيطان عليه الباطل بالقالب الذي يحبه ويقبله ويخف عليه، ويخرج له الحق في كل قالب يكرهه ويثقل عليه، وينفره منه.
ويجتهد الشيطان على ثغر اللسان، وهو الثغر الأعظم، فيجري عليه من الكلام ما يضره ولا ينفعه، ويمنعه أن يتكلم بشيء مما ينفعه من ذكر الله واستغفاره، وتلاوة كتابه، والدعوة إليه، والنصح لعباده، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
стр. 2908
ويرابط الشيطان على اللسان، ويزين له التكلم بالباطل بكل طريق، ويخوفه عن التكلم بالحق بكل طريق، فلا تراه إلا متكلماً بباطل، أو ساكتاً عن حق.
فالأول شيطان ناطق، والآخر شيطان أخرس، والشياطين وأتباعهم في جهنم كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٧)﴾ [آل عمران: ٧٧].
ويجتهد الشيطان كذلك على ثغر اليدين والرجلين، فيمنع اليد أن تبطش بما يضر أعداء الله ورسوله، ويمنع الرجل أن تمشي للخير وجهاد أعداء الله ورسوله، والدعوة إليه.
يحرك الجوارح لكل معصية .. ويثبطها عن كل طاعة.
فما أعظم عداوة الشياطين لبني آدم، وما أشد غفلة بني آدم عنهم؟.
﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠) وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١) وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ (٦٢)﴾ [يس: ٦٠ - ٦٢].
ومما يعين الشياطين على لزوم هذه الثغور مصالحة النفس الأمارة بالسوء، وإعانتها والاستعانة بها، والوقوف معها ضد النفس المطمئنة.
فإن النفس الأمارة إذا قويت وأطاعت الشياطين، أنزلوا القلب من حصنه، وأخرجوه من مملكته، وولوا مكانه النفس الأمارة بالسوء، التي تأمر بما تهوى الشياطين وتحبه، ولا تخالفهم البتة، بل تبادر إلى فعل كل ما يشيرون به من الفواحش والآثام.
والشياطين تغلب بني آدم بجندين:
الأول: جند الغفلة التي تغفل قلوب بني آدم عن الله والدار الآخرة.
الثاني: جند الشهوات التي يزينونها في قلوب بني آدم، ويحسنونها في أعينهم، ثم ينقلونهم منها إلى المحرمات، ثم إلى الكبائر، ثم الخروج من الدين.
стр. 2909
يستعينون تارة بالشهوات على الغفلة، وتارة بالغفلة على الشهوات، يصطادون بني آدم عند الشهوة، وعند الغضب، وعند الغفلة.
ويدعونهم إلى الشهوة من باب الغضب، وإلى الغضب من باب الشهوة، وأبلغ أسلحة الشياطين في بني آدم الغفلة واتباع الهوى، ولذلك حذرنا الله من ذلك بقوله: ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (٢٨)﴾ [الكهف: ٢٨].
ومن عقوبات الذنوب:
أنها تنسي الإنسان نفسه، وإذا نسي العبد نفسه أهملها وتركها ففسدت، وإذا نسي العبد ربه نسيه، وأنساه نفسه.
ونسيان الرب للعبد إهماله وتخليه عنه، وإضاعته، وأما إنساؤه نفسه فهو إنساؤه لأسباب سعادتها وفلاحها وصلاحها، وما تكمل به، فلا يخطر بباله إزالتها وإصلاحها.
وينسيه أمراض نفسه وقلبه وآلامها، فلا يخطر بباله مداواتها، ولا السعي في إزالة عللها وأمراضها التي تؤول به إلى الفساد والهلاك، وكفى بذلك عقوبة، وقد حذرنا الله من ذلك بقوله سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٨) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (١٩)﴾ [الحشر: ١٨،١٩].
وكيف تكون حال الإنسان إذا نسيه ربه؟ ونسي هو ربه؟ ونسي نفسه؟ وأنساه الله نفسه؟.
وإنما يظهر أثر هذا عند الموت، ويزداد ظهوره في القبر، ويبلغ تمامه يوم التغابن.
فالذنوب والمعاصي تنسي العبد حظه من التجارة الرابحة، وتشغله بالتجارة الخاسرة، وتجمع حوله الأشرار، وتنفره من الأتقياء الأبرار.
والمعاصي تزيل النعم الحاضرة، وتقطع النعم الواصلة، فلكل شيء سبب وآفة،
стр. 2910
فنعم الله ما حُفظ موجودها، ولا استُجلب مفقودها بمثل طاعة الله.
وجعل آفاتها المانعة منها المعاصي:
فإذا أراد الله سبحانه حفظ نعمته على عبده ألهمه رعايتها بطاعته فيها، وإذا أراد زوالها عنه خذله حتى عصاه بها كما قال سبحانه: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ (٧)﴾ [إبراهيم: ٧].
ومن عقوبات المعاصي والذنوب:
أنها تباعد عن العبد وليه وأنفع الخلق له، وهو الملك الموكل به، وتدني منه عدوه وأغش الخلق له، وهو الشيطان.
فالعبد إذا عصى الله تباعد منه الملك بقدر تلك المعصية، وقرب منه الشيطان، وإذا أطاع العبد ربه قرب منه الملك، وتباعد منه الشيطان.
ولا يزال الملك يقرب من العبد بالطاعة، فتتولاه الملائكة في حياته، وعند موته، وعند بعثته، وإذا تولاه الملك تولاه أنصح الخلق له، يبشره بالخير، ويعينه عليه، ويدفع عنه عدوه.
وإذا اشتد قرب الملك من العبد تكلم على لسانه بالقول السديد، وإذا اشتد قرب الشيطان من العبد تكلم على لسانه بالفحش والزور.
والمعاصي والذنوب والآثام تستجلب مواد هلاك العبد في الدنيا والآخرة، وتلك أمراض متى استحكمت ولم تعالج قتلت ولا بدّ.
وكما أن صحة البدن تكون بغذاء نافع يحفظ قوته، واستفراغ يستفرغ المواد الفاسدة، والأخلاط الرديئة، وحمية يمتنع بها مما يؤذيه.
فكذلك القلب لا تتم حياته إلا بغذاء من الإيمان والأعمال الصالحة، تحفظ قوته، واستفراغ بالتوبة النصوح تستخرج المواد الفاسدة، والأخلاط الرديئة منه، وحمية توجب له حفظ الصحة بترك النواهي والمحرمات.
فهذه بعض العقوبات القدرية على المعاصي.
стр. 2911
أما عقوبات المعاصي الشرعية:
فالله شرع عقوبات شرعية على الجرائم كقطع اليد في السرقة، وقطع أيدي وأرجل قطاع الطريق، والجلد بالقذف وشرب الخمر، والقتل والجلد في الزنا، وغير ذلك من العقوبات التي شرعها الله ورتبها على الجرائم، وجعلها سبحانه على حسب الدواعي، وحسب الوازع عنها.
فالذنوب والمعاصي تترتب عليها العقوبات الشرعية، أو القدرية، أو هما معاً، وقد يرفعهما الله عمن تاب وأحسن.
وإذا أقيمت العقوبات الشرعية رفعت العقوبات القدرية، أو خففتها كما قال سبحانه: ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ (٩٨)﴾ [يونس: ٩٨].
وإذا عطلت العقوبات الشرعية استحالت قدرية، وربما كانت أشد من الشرعية، وربما كانت دونها، ولكنها تعم، والشرعية تخص كما قال سبحانه: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (٧٨) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٧٩) تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ (٨٠)﴾ [المائدة: ٧٨ - ٨٠].
والعقوبات القدرية نوعان:
نوع على القلوب والنفوس .. ونوع على الأبدان والأموال.
وعقوبات القلوب أشد العقوبتين، وهي تسري من القلب إلى البدن، كما يسري ألم البدن إلى القلب.
والعقوبات على الأبدان نوعان:
نوع في الدنيا .. ونوع في الآخرة.
وشدتها وآلامها بحسب تلك المعصية، وليس في الدنيا والآخرة شراً أصلاً إلا
стр. 2912
الذنوب وعقوباتها.
ومن عقوبات الذنوب:
الخسف بالقلب كما يخسف بالمكان وما فيه، فيخسف به إلى أسفل سافلين وعلامة الخسف بالقلب: أنه لا يزال جوالاً حول السفليات، والقاذورات، والرذائل، كما أن القلب الذي رفعه الله وقربه إليه لا يزال جوالاً حول العلويات، والطاعات، والطيبات.
وأصول الخطايا كلها ثلاثة:
الأول: الكبر .. وهو الذي صير إبليس إلى ما صار إليه.
الثاني: الحرص .. وهو الذي أخرج آدم من الجنة.
الثالث: الحسد .. وهو الذي جر أحد ابني آدم على قتل أخيه، وأول ذنب عُصي الله به في الأرض.
ومن وقي شر هذه الثلاثة فقد وقي الشر، فالكفر من الكبر، والمعاصي من الحرص، والظلم من الحسد.
وقد دخل الناس النار من ثلاثة أبواب:
باب شبهة أورثت شكاً في دين الله.
وباب شهوة أورثت تقديم الهوى على الهدى.
وباب غضب أورث العدوان على خلق الله.
فللسعادة والنجاة في الدنيا والآخرة لا بد من طاعة الله ورسوله، وكلما ازداد المسلم من طاعة الله ورسوله ازداد خيره وكماله، وارتفعت درجته عند الله لزيادة إيمانه وأعماله كما قال سبحانه: ﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ (١٥٨)﴾ [البقرة: ١٥٨].
والله شكور يقبل اليسير من العمل، ويجازي عليه بالأجر العظيم.
فمن أطاعه أعانه على ذلك .. وأثنى عليه ومدحه .. وجازاه في قلبه نوراً وإيماناً وسعة .. وفي بدنه قوة ونشاطاً وعافية.
стр. 2913
وفي جميع أحواله زيادة بركة ونماء .. وفي أعماله زيادة توفيق.
ثم بعد ذلك يقدم على الثواب الآجل عند ربه كاملاً، لم تنقصه هذه الأمور.
ومع أنه سبحانه شاكر، فهو عليم بمن يستحق الثواب الكامل بحسب نيته وإيمانه وتقواه ممن ليس كذلك.
وبالطاعات تصلح أحوال الإنسان في الدنيا والآخرة .. وبالمعاصي تفسد أحوال الإنسان في الدنيا والآخرة.
فالبهائم إذا أكلت الحشائش، والسباع إذا أكلت اللحوم، صح مزاجهما، وإذا علفت البهائم اللحم، وعلفت السباع الحشائش، فسد مزاجهما.
وكذلك الإنسان إذا باشر أعمالاً صالحة صلح مزاجه الملكي، وإذا باشر أعمالاً سيئة فسد مزاجه الملكي.
فلصلاح الإنسان يجب عليه الإيمان بالله، وطاعة الله ورسوله في كل حال، وفعل الأوامر، واجتناب النواهي.
والحيوان مجبول على أكل ما ينفعه، واجتناب ما يضره، أما الإنسان فقد أعطاه الله العقل، وأنزل عليه الكتب، وأرسل إليه الرسل، وبين له ما ينفعه وما يضره، وترك له حرية الاختيار امتحاناً وابتلاءً.
والطاعات كلها منافع، فالسموات والأرض، والشمس والقمر، والحيوان والنبات، كلها أطاعت فنفعت، وخرج منها من المنافع ما لا يعلمه إلا الله.
وكذلك الإنسان كلما أطاع الله نفع نفسه وغيره، وخرج منه من المنافع ما لا يعلمه ولا يحصيه إلا الله من العبادة، والدعوة، والتعليم، والإنفاق، وأعطاه الله من خزائنه ما يريد.
стр. 2914
٤ - فقه النعيم والعذاب
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (١٣) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ (١٤)﴾ [الانفطار: ١٣ - ١٤].
وقال تعالى: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا وَعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ (٣٥)﴾ [الرعد: ٣٥].
الله ﵎ خالق كل شيء، ومالك كل شيء، وبيده كل شيء، له الأسماء الحسنى، والصفات العلا، وهو الحكيم العليم.
يعز ويذل .. ويكرم ويهين .. ويرضى ويغضب .. ويعطي ويمنع .. ويحب ويكره .. ويرفع ويخفض .. ويرحم وينتقم: ﴿يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ (٢٩)﴾ [الرحمن: ٢٩].
اقتضت حكمته سبحانه أن خلق داراً لطالبي رضاه، العاملين بطاعته، المؤثرين لأمره، القائمين بمحابه، المطيعين لرسله، وهي الجنة دار النعيم.
وجعل فيها كل شيء مرضي، وملأها من كل محبوب ومرغوب، ومشتهي ولذيذ، وجعل الخير كله بحذافيره فيها، وجعلها محل كل طيب من الذوات والصفات،
стр. 2915
والأقوال والأعمال، كما قال سبحانه: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٥)﴾ [البقرة: ٢٥].
وخلق سبحانه داراً أخرى لطالبي أسباب سخطه، العاملين بمعصيته، المؤثرين لأغراضهم وحظوظهم على مرضاته، المخالفين لأوامره، القائمين بما يكره من الأقوال والأعمال، الواصفين له بما لا يليق به، الجاحدين لما أخبرت به رسله، وهي جهنم دار العذاب.
وأودعها كل شيء مكروه، وسجنها مليء بكل شيء مؤذ ومؤلم، وجعل الشر كله بحذافيره فيها، وجعلها محل كل خبيث من الذوات والصفات، والأقوال والأعمال.
فهاتان الداران هما دار القرار.
وخلق سبحانه داراً ثالثة، هي كالميناء لهاتين الدارين، ومنها يتزود المسافرون إليهما، وهي دار الدنيا دار العمل.
ثم أخرج سبحانه إليها من أثمار تلك الدارين بعض ما اقتضته أعمال أربابهما، وما يستدل به عليهما، حتى كأنهما رأي عين، ليصير للإيمان بالغيب وجه شهادة تستأنس به النفوس، وتستدل به.
فأخرج سبحانه إلى هذه الدار من آثار رحمته من الثمار والفواكه والطيبات، والملابس الفاخرة، والصور الجميلة، وسائر ملاذ النفس ومشتهياتها، ما هو نفحة من نفحات الدار التي جعل ذلك كله فيها على وجه الكمال والدوام.
فإذا رآه المؤمنون في الدنيا، ذكرهم بما هناك من الخير والسرور، والعيش الرضي في الآخرة، فشمروا إليه وقالوا: اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة.
وأحدثت لهم رؤيته عزمات وهمماً، وجداً وتشميراً؛ لأن النعيم يذكر بالنعيم، والشيء يذكر بجنسه.
فوجود تلك المشتهيات والملذوذات في هذه الدار رحمة من الله يسوق بها عباده المؤمنين إلى تلك الدار التي هي أكمل منها، وزاد لهم من هذه الدار إليها، فهي زاد وعبرة ودليل، وأثر من آثار رحمته التي أودعها تلك الدار.
فالمؤمن يهتز برؤيتها إلى ما أمامه، ويثير ساكن عزماته إلى دار النعيم والخلود، فالنفس ذواقة تواقة، إذا ذاقت شيئاً منها تاقت إلى ما هو أكمل منه، حتى تتوق وتصل إلى النعيم المقيم في جوار الرب الكريم.
وأخرج سبحانه إلى هذه الدار أيضاً من آثار غضبه ونقمته من العقوبات والآلام والمحن والمكروهات من الأعيان والصفات ما يستدل بجنسه على ما في دار الشقاء من ذلك، مع أن ذلك من آثار النفَسَين الشتاء والصيف، اللذين أذن الله سبحانه بحكمته لجهنم أن تتنفس بهما كما قال ﷺ : «اشْتَكَتِ النَّارُ إِلَى رَبِّهَا،
стр. 2916
فَقالتْ: رَبِّ أكَلَ بَعْضِي بَعْضًا، فَأذِنَ لَهَا بِنَفَسَيْنِ: نَفَسٍ فِي الشِّتَاءِ وَنَفَسٍ فِي الصَّيْفِ، فَأشَدُّ مَا تَجِدُونَ مِنَ الْحَرِّ، وَأشَدُّ مَا تَجِدُونَ مِنَ الزَّمْهَرِيرِ» متفق عليه (١).
فاقتضى ذلك النفسان آثاراً ظهرت في هذه الدار كانت دليلاً عليها وعبرة، تذكرة تذكر بنار جهنم، ومنفعة للعباد كما قال سبحانه: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ (٧١) أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ (٧٢) نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ (٧٣)﴾ [الواقعة: ٧١ - ٧٣].
فالله أشهد خلقه في هذه الدار ما أعده لأوليائه وما أعده لأعدائه في دار القرار.
وأخرج إلى هذه الدار من آثار رحمته وعقوبته ما هو عبرة ودلالة على ما في الآخرة من خير وشر ونعيم وعذاب.
وجعل هذه العقوبات والآلام المحن والبلايا سياطاً يسوق بها عباده المؤمنين، فإذا رأوها حذروا كل الحذر، واستدلوا بها على ما في نار جهنم من المكروهات والعقوبات.
وكان وجودها في هذه الدار وإشهادهم إياها، وامتحانهم باليسير منها، رحمة منه بهم، واحساناً إليهم، وتذكرة وتنبيهاً لهم.
ولما كانت هذه الدار ممزوجاً خيرها بشرها، ونعيمها بعذابها، وراحتها بعذابها، اقتضت رحمة أرحم الراحمين، وحكمة أحكم الحاكمين أن خَلَّص خيرها من شرها، ونعيمها من عذابها، وخصه بدار أخرى، هي دار الخيرات المحضة، ودار النعيم والسرور المحض، وهي الجنة دار السلام.
فكتب سبحانه على دار الدنيا حكم الامتزاج والاختلاط، وخلط فيها بين الفريقين، وابتلى بعضهم ببعض، وجعل بعضهم لبعض فتنة، حكمة بالغة بهرت العقول: ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ
стр. 2917
بَصِيرًا (٢٠)﴾ [الفرقان: ٢٠].
فقام بهذا الاختلاط سوق العبودية كما يحبه الله ويرضاه، ولم تكن تقوم عبوديته التي يحبها ويرضاها إلا على هذا الوجه.
بل العبد الواحد جمع فيه سبحانه بين أسباب الخير والشر، وسلط بعضه على بعض، ليستخرج منه ما يحبه ويرضاه من العبودية التي لا تحصل إلا بذلك.
فلما حصلت الحكمة المطلوبة من هذا الامتزاج والاختلاط أعقبه سبحانه بالتمييز والتخليص، فميز بينهما بخلق دارين ومحلين، وجعل لكل دار ما يناسبها، وأسكن فيها من يناسبها.
وخلق سبحانه المؤمنين المتقين المخلِّطين لرحمته .. وخلق أعداءه المشركين والكافرين لنقمته .. وخلق المخلِّطين للأمرين.
فهؤلاء أهل الرحمة، وهؤلاء أهل النقمة، وهؤلاء أهل النقمة والرحمة، وخلق قسماً آخر لا يستحقون ثواباً ولا عقاباً.
ورتب سبحانه على كل قسم من هذه الأقسام حكمه اللائق به، وأظهر فيه حكمته الباهرة، ليعلم العباد كمال قدرته وحكمته، وأنه يخلق ما يشاء ويختار من خلقه من يصلح للاختبار والابتلاء، وأنه يضع ثوابه موضعه، ويضع عقابه موضعه، ويجمع بينهما في المحل المقتضي لذلك.
ولا يظلم سبحانه أحداً، ولا يبخسه شيئاً من حقه، ولا يعاقبه بغير جنايته.
بل يجازي على الحسنة بعشر أمثالها إلى أضعاف كثيرة، ويعاقب على السيئة بمثلها ويعفو عن كثير.
هذا مع ما في هذا الابتلاء والامتحان من الحكم النافعة للعبيد أنفسهم من استخراج شكرهم وصبرهم .. وتوكلهم وجهادهم .. وخوفهم ورجائهم .. واستخراج كمالاتهم الكامنة في أنفسهم من القوة إلى الفعل.
ودفع سبحانه الأسباب بعضها ببعض .. وكسر كل شيء بمقابله لتظهر عليه آثار القهر .. وسمات الضعف والعجز .. ويتيقن العبد أن القهار لا يكون إلا واحداً
стр. 2918
وأنه يستحيل أن يكون له شريك في أسمائه وصفاته وفي خلقه وأمره.
وأن الملك والقدرة والقوة والعزة كلها لله الواحد القهار، وأن ما سواه مربوب مقهور له ضد ومناف ومشارك، والله حكيم عليم.
فخلق سبحانه الرياح وسلط بعضها على بعض تصادمها وتكسر سورتها.
وخلق الماء وسلط عليه الرياح تصرفه وتكسره.
وخلق النار وسلط عليها الماء يكسرها ويطفئها.
وخلق الحديد وسلط عليه النار تذيبه وتكسر قوته.
وخلق الحجارة وسلط عليها الحديد يكسرها ويفتتها.
وخلق آدم وذريته وسلط عليهم إبليس وذريته.
وخلق إبليس وذريته وسلط عليهم الملائكة، يشردونهم كل مشرد، ويطردونهم كل مطرد، ونجوم السماء والشهب التي ترجمهم عند استراق السمع.
وخلق سبحانه الحر والبرد، والشتاء والصيف، والليل والنهار، والرطب واليابس، وسلط كل واحد منهما على الآخر يذهبه ويقهره.
وخلق سبحانه النبات والحيوان والطير، في البر والبحر، وسلط بعضها على بعض، فلكل واحد منها مضاد ومغالب وقاهر.
فسبحان الحكيم الخبير الذي خلق كل شيء، المالك لكل شيء، القاهر لكل شيء: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (٧٣)﴾ [الأنعام: ٧٣].
فاستبان للعقول والفطر أن الحكيم العليم سبحانه هو القاهر الغالب وحده لجميع المخلوقات، فهو خالقها ومالكها ومصرفها، وكلها تحت قهره وأمره.
ومن تمام ملكه إيجاد العالم على هذا الوجه، وربط بعضه ببعض، وابتلاء بعضه ببعض، وامتزاج بعضه ببعض، وقهر بعضه ببعض، وإحواج بعضه إلى بعض، وامتزاج خيره بشره، وجعل شره لخيره الفداء، ولهذا يدفع إلى كل مؤمن يوم
стр. 2919
القيامة كافر، ويقال له هذا فداؤك من النار، ويرث مكانه في الجنة.
وهكذا المؤمن في الدنيا يسلط عليه من الابتلاء والامتحان والمصائب ما يكون فداءه من عذاب الله يوم القيامة، أو يكون فداءً له من شرور أكثر منها في هذا العالم أيضاً.
فسبحان الحكيم العليم، اللطيف الخبير: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (١٢)﴾ [الطلاق: ١٢].
والله ﵎ خالق كل شيء، خلق الملائكة والإنس والجن والشياطين، وجعل لكل منهم أعمالاً وأوامر، وهم يوم القيامة أربعة أصناف:
خلق كلهم في الجنة وهم الملائكة .. وخلق كلهم في النار وهم إبليس وذريته من الشياطين .. وخلق بعضهم في الجنة، وبعضهم في النار وهم الجن والإنس.
فهؤلاء الإنس والجن هم الذين أرسل الله إليهم الرسل، وأنزل عليهم الكتب، وأمرهم بعبادته وطاعته.
فمن قيد حريته منهم في الدنيا بمنهج الله، أطلق الله حريته في الآخرة، فيستدعي في الجنة من النعمة ما شاء، في أي وقت شاء، بأي قدر شاء .. ومن أطلق حريته في الدنيا بما شاء، وأعرض عن منهج الله، قيد الله حريته في الآخرة، ونال في سجن جهنم ألوان العذاب جزاءً وفاقاً.
والإنس والجن من مات منهم على الكفر، فهذا مخلد في النار.
والمؤمن المحسن منهم إذا مات على ذلك، فهذا في الجنة.
والمؤمن المذنب إذا مات تائباً، فهذا في الجنة كذلك.
أما المؤمن المذنب الذي مات قبل توبته:
فآيات الوعد في القرآن والسنة لفظها العموم، والمراد بها الخصوص، فهي في المؤمن المحسن، وفي التائب من الذنب، وفيمن سبق في علم الله العفو عنه.
وآيات الوعيد لفظها العموم، والمراد بها الخصوص، فهي في الكفار
стр. 2920
والمشركين والمنافقين، وفيمن سبق في علم الله أنه يعذبه من العصاة. كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا (٤٨)﴾ [النساء: ٤٨].
وينشأ للعبد من أعماله الصالحة كل ما تشتهيه نفسه وتلذ عينه من سائر المشتهيات، ويكون تنوع تلك المشتهيات وكمالها وبلوغها مرتبة الحسن واللذة والموافقة بحسب كمال عمل العبد وإخلاصه فيه، وتنوعه ومتابعته فيه للرسول ﷺ ، وبلوغه مرتبة الإحسان فيه.
وينشأ له كذلك من أعماله السيئة كل ما تكرهه نفسه، وتستقبحه عينه من سائر المكروهات والمؤلمات، ويكون تنوع تلك الآلام وشدتها، وبلوغها مرتبة القبح والشدة بحسب أعمال العبد السيئة، وصده عن سبيل الله، وبحسب تنوع أعماله السيئة وخبثه وكبره وإعراضه.
فمن تنوعت أعماله المرضية لله المحبوبة له في هذه الدار، تنوعت الأقسام والمصائب التي يتألم بها في تلك الدار، وكثرت بحسب كثرة أعماله.
رأى النبي ﷺ قنواً من حشف معلقاً في المسجد للصدقة فقال: «لَوْ شَاءَ رَبُّ هَذِهِ الصَّدَقَةِ تَصَدَّقَ بِأَطْيَبَ مِنْهَا» وَقَالَ: «إِنَّ رَبَّ هَذِهِ الصَّدَقَةِ يَأْكُلُ الْحَشَفَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» أخرجه أبو داود والنسائي (١).
وقد جعل الله لكل عمل من الأعمال المحبوبة له والمسخوطة أثراً وجزاء، ولذة وألماً يخصه ولا يشبه أثر الآخر وجزاءه.
ولهذا تنوعت لذات أهل الجنة، وآلام أهل النار، وتنوع ما فيهما من الطيبات والعقوبات.
فليست لذة من ضرب في كل مرضاة الله بسهم، وأخذ منها بنصيب كلذة من أنمى سهمه ونصيبه في نوع واحد منها: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا
стр. 2921
أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٧٢)﴾ [آل عمران: ١٧٢].
وليس ألم من ضرب في كل مسخوط لله بسهم وعقوبته كألم من ضرب بسهم واحد في مساخطه سبحانه: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ (٨٨)﴾ [النحل: ٨٨].
والحياة الطيبة تحصل للعبد بالإيمان والأعمال الصالحة من عبادة، ودعوة إلى الله، وتعليم للدين، وحسن خلق، وامتثال أوامر الله واجتناب نواهيه كما قال سبحانه: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٧)﴾ [النحل: ٩٧].
والحياة الطيبة ليست في الدنيا فقط، بل هذه الحياة الطيبة تزداد طيباً وحسناً كلما انتقل من مرحلة إلى أخرى.
فيسعد المؤمن بذلك في الدنيا .. ثم تزداد سعادته عند سكرات الموت، حين تنزل عليه الملائكة تؤنسه وتبشره بالجنة .. ثم تزداد سعادته في القبر حيث يجعله الله روضة من رياض الجنة .. ثم تزداد سعادته في الحشر، حيث يزداد طيباً وحسناً وطمأنينة .. ثم تبلغ سعادته كمالها حين يدخل الجنة، ويفوز برؤية مولاه ورضاه.
وهكذا الإنسان يفسد حياته بنفسه، فكلما أساء في عمله ساءت أحواله، وجاءت عليه المحن والمصائب .. ثم زادت عليه عند الموت.
ثم تزداد في القبر .. ثم تزداد عند الحشر .. ثم تزداد وتبلغ كمالها حين يدخل نار جهنم، ويبوء بسخط الله وغضبه ولعنته.
والحياة الطيبة لا تكون بالأموال والأشياء، ولو كانت تحصل بالأموال لكان قارون أسعد الناس، لكن الله خسف به وبداره الأرض؛ لأنه لم يكسبها ولم يصرفها حسب الإيمان فأهلكه الله وإياها: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ (٨١)﴾ [القصص: ٨١].
ولو كانت الحياة الطيبة تحصل بالزراعة لكان قوم سبأ أول من تصلح وتطيب
стр. 2922
حياتهم، لكنهم لما أعرضوا عن دين الله دمر الله مزارعهم بسيل العرم، ومزقهم كل ممزق كما قال سبحانه: ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ (١٥) فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ (١٦) ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ (١٧)﴾ [سبأ: ١٥ - ١٧].
ولو كانت الحياة الطيبة تحصل بالقوة والصحة لكان قوم عاد أول من تطيب حياتهم، لكنهم لما أعرضوا عن الدين لم تنفعهم قوتهم، وعاقبهم الله بأهون شيء عليهم وهي الريح: ﴿وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ (٤١) مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ (٤٢)﴾ [الذاريات: ٤١ - ٤٢].
ولو كانت الحياة الطيبة تحصل بالتجارة لكان قوم شعيب أسعد الناس، لكنهم لما أعرضوا عن الدين أهلكهم الله بعذاب الرجفة والصيحة كما قال سبحانه: ﴿وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ (٩٤)﴾ [هود: ٩٤].
ولو كانت الحياة الطيبة تحصل بالملك لكان نمرود وفرعون أسعد الناس، لكنهم لما أعرضوا عن الدين أهلكهم الله وأذلهم بين خلقه كما قال سبحانه عن فرعون: ﴿وَفِي مُوسَى إِذْ أَرْسَلْنَاهُ إِلَى فِرْعَوْنَ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٣٨) فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ وَقَالَ سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (٣٩) فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ وَهُوَ مُلِيمٌ (٤٠)﴾ ... [الذاريات: ٣٨ - ٤٠].
ولو كانت كثرة النسل وطول الأعمار تحصل بها السعادة والحياة الطيبة، لكان قوم نوح أسعد الناس، لكنهم لما أعرضوا عن الدين أغرقهم الله كما قال سبحانه: ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْنَاهُمْ وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ عَذَابًا أَلِيمًا (٣٧)﴾ [الفرقان: ٣٧].
ولو كانت الحياة الطيبة تحصل بالبناء والتعمير، وزراعة السهول، وبناء القصور لكانت ثمود أسعد الناس، ولكنهم لما أعرضوا عن الدين أهلكهم ودمرهم كما قال سبحانه: ﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ
стр. 2923
خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ (٦٦) وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ (٦٧) كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلَا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِثَمُودَ (٦٨)﴾ [هود: ٦٦ - ٦٨].
فلا سعادة ولا فلاح ولا نجاة في الدنيا والآخرة إلا بالإيمان والأعمال الصالحة: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى (٧٤) وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى (٧٥) جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى (٧٦)﴾ ... [طه: ٧٤ - ٧٦].
وثواب الله على الطاعات، وجزاؤه على السيئات، حاصل لكل عبد، وذلك في الدنيا والآخرة.
فثواب الله العاجل للعبد على الطاعات:
الأنس بالله .. ومحبته .. والتلذذ بمعرفته وطاعته وعبادته .. والرضا بقضائه .. والطمأنينة بذكره .. وبسط الرزق .. والكفاية والهداية .. وغير ذلك مما عجله الله سبحانه من ثواب الطاعات في الدنيا.
أما ثواب الطاعات الآجل فأنواع:
أحدها: النعيم المادي كالمطاعم والمشارب، والحور والقصور والولدان المخلدون للخدمة ونحو ذلك.
الثاني: النعيم الروحاني كالتعزز بجوار الله وقربه، وسماع كلامه وسلامه، وتبشيره بالرحمة والرضوان.
الثالث: رضا الرحمن، ورؤية رب العالمين، وهما أعلى نعيم الجنان كما قال سبحانه: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٧٢)﴾ ... [التوبة: ٧٢].
وأما عقوبة الله العاجلة على المعاصي فهي:
الوحشة من الله .. والإعراض عنه .. والاشتغال بما يبعده عنه .. ومحبة ما
стр. 2924
يسخطه وما يبغضه من الأقوال والأعمال .. وعدم الرضا بقضائه .. وضيق المعيشة .. والضلالة .. ونسيان ذكره .. والقعود عن طاعته .. وبعد الملائكة عنه .. واقتران الشياطين به .. والدعوة إلى كل شر ..
وأما عقوبة الله الآجلة على المعاصي يوم القيامة فأنواع:
أحدها: العذاب الجسدي في نار جهنم بألوان العذاب من الإحراق بالنار، وأكل الزقوم، وشرب الماء الحميم، وضرب المقامع، وقيد السلاسل وغير ذلك من ألوان العذاب.
الثاني: العذاب الروحاني بالطرد والإهانة، واللعن والإعراض عنه.
الثالث: غضب الله عليه، ومنعه من رؤيته، وهما أشد أنواع العذاب كما قال سبحانه، عن الكفار: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ (١٦)﴾ [المطففين: ١٥ - ١٦].
وما أحسن محسن من مسلم وكافر إلا أثابه الله في الدنيا والآخرة.
أما المسلم فله السعادة في الدنيا، وله الجنة في الآخرة.
وأما الكافر فإن كان قد وصل رحماً، أو تصدق بصدقة، أو عمل حسنة، أثابه الله تعالى في الدنيا المال والولد والصحة ونحو ذلك حتى يلقى الله وليس له حسنة واحدة؛ لأن ما فعله من خير جوزي به في الدنيا.
وأما إثابة الكافر في الآخرة فعذاب دون عذاب، فعذاب من كفر ولم يؤذ المسلمين ليس كعذاب من كفر وصد عن سبيل الله كما قال سبحانه: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ (٨٨)﴾ [النحل: ٨٨].
وقد أرسل الله الرسل لهداية الناس، فمن آمن بهم وأطاعهم سعد في الدنيا والآخرة، ومن عصاهم شقى في الدنيا والآخرة.
وقد عرض الله في كتابه صوراً من صور العذاب الذي وقع بالأمم السابقة الذين كذبوا رسله، فنصر سبحانه أولياءه، وأهلك أعداءه: فمنهم من
стр. 2925
أهلكهم الله بالماء كقوم نوح وفرعون وقومه .. ومنهم من أهلكه الله بالريح الصرصر العاتية كقوم عاد .. ومنهم من أهلكه الله بالصيحة كقوم ثمود .. ومنهم من أهلكه الله بالنار التي أمطرتهم كقوم مدين .. ومنهم من أهلكه الله بالحجارة المصنوعة في جهنم وقلب ديارهم عليهم كقوم لوط .. ومنهم من خسف الله به وبداره الأرض كقارون .. ومنهم من قتله الله بأضعف خلقه البعوض كنمرود: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٤٠)﴾ [العنكبوت: ٤٠].
وقد جعل الله الجزاء على الأعمال في الآخرة لا في الدنيا؛ لأن العبد لو جوزي في الدنيا، وأعطى الله النعم والعافية لأهل الإيمان .. وأعطى الفقر والأمراض والمصائب والعذاب للكفار وأهل السيئات في الدنيا؛ لاهتدى الناس جميعاً بالطبع، وآمنوا جبراً وكرهاً.
وهذا الإيمان والاهتداء لا يقبل عند الله، فالإيمان الجبري ليس مقصوداً عند الله كما قال سبحانه: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٤٨)﴾ [المائدة: ٤٨].
فالذين آمنوا بالله وحققوا إيمانهم بالعمل الصالح لهم جنات النعيم كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ (٨) خَالِدِينَ فِيهَا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٩)﴾ [لقمان: ٨ - ٩].
ألا ما أعظم فضل الرب على عباده، لقد أوجب على نفسه الإحسان إليهم جزاء إحسانهم لأنفسهم لا له سبحانه، وهو الغني عن الجميع كما قال سبحانه: ﴿وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (٦)﴾ [العنكبوت: ٦].
والنعيم الكامل بلا منغصات يكون للمؤمنين يوم القيامة، وهو غاية من غايات الخلق والإعادة، إنه قمة الكمال البشري الذي يمكن أن تصل إليه البشرية.
стр. 2926
والبشرية لا يمكن أن تصل إلى شيء من هذا في هذه الأرض، وفي هذه الحياة الدنيا المشوبة بالقلق والكدر، والتي لا تخلو فيها لذة من غصة إلا لذة الإيمان بالله الخالصة، وهذه قلما تخلص لبشر.
ولو لم يكن في هذه الحياة الدنيا إلا الشعور بنهاية نعيمها، لكان هذا وحده ناقصاً منها، وحائلاً دون كمالها.
فالبشرية لا يمكن أن تصل في هذه الأرض إلى أعلى الدرجات المقدرة لها، وهي التخلص من النقص والضعف، والاستمتاع بلا كدر ولا خوف من الفوت، ولا قلق من الانتهاء.
بل هذا كله تبلغه في الجنة، وما فيها من النعيم الواسع الشامل الكامل، وهناك يبلغ المهتدون من البشرية الذين اتبعوا سنة الحياة الصحيحة التي شرعها الله لعباده، هناك يبلغون في الجنة إلى أعلى مراتب البشرية: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧)﴾ [السجدة: ١٧].
أما الذين كفروا وكذبوا بآيات الله، فهؤلاء لم يسيروا في طريق الكمال البشري، بل جانبوه وأعرضوا عنه.
وهذا يقتضي حسب السنة الإلهية التي لا تتخلف ألا يصلوا إلى مرتبة الكمال؛ لأنهم جانبوا طريق الكمال، فلم يبق إلا أن يلقوا عاقبة انحرافهم كما يلقى المريض عاقبة انحرافه وإعراضه عن أوامر وتعليمات الصحة الجسدية، هذا يلقاه مرضاً وضعفاً، وأولئك يلقونه تردياً وانتكاساً، وغصصاً بلا لذائذ في نار جهنم.
فإعادة الخلق ليبلغوا هناك كمال النعيم لمن أطاع ربه، وكمال العذاب لمن عصى ربه: ﴿إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ (٤)﴾ [يونس: ٤].
والذين يرون هذا الكون وما فيه من المخلوقات والأوامر وتقلب الأحوال، ثم
стр. 2927
لا يتوقعون لقاء الله، ولا يدركون أن من مقتضيات هذا النظام المحكم أن تكون هناك آخرة، وأن الدنيا ليست النهاية؛ لأن البشرية لم تبلغ فيها كمالها المنشود، والذين يمرون بهذه الآيات كلها غافلين، لا تحرك فيهم قلباً يتدبر، ولا عقلاً يتفكر، هؤلاء لم يسلكوا طريق الكمال البشري، ولم يصلوا إلى الجنة التي وعد بها المتقون.
فهذا النظام الكوني البديع، وهذا التصريف والتغيير، وهذا الخلق المتجدد، وهذه الأوامر التي تعقبها الحياة والموت، والسكون والحركة، هذا كله يوحي بأن لهذا الكون خالقاً مدبراً، وهؤلاء لا يدركونه، ولا يدركون أن الآخرة ضرورة من ضرورات هذا النظام وهذه السنن، يتم فيها تحقيق القسط والعدل، كما يتم فيها إبلاغ البشرية إلى آفاقها العليا من كمال ونعيم وخلود.
ومن ثم فهم لا يتوقعون لقاء الله، ونتيجة لهذا يقفون عند الحياة الدنيا بما فيها من نقص وهبوط، ويرضونها ويستغرقون فيها، فلا ينكرون فيها نقصاً، ولا يدركون أنها لا تصلح أن تكون نهاية للبشر، فهؤلاء جزاؤهم النار كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ (٧) أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٨)﴾ [يونس: ٧ - ٨].
أما المؤمنون فيدركون أن هناك آخرة، وأن هناك ما هو أعلى من هذه الحياة الدنيا، وهي الجنة الأبدية التي أعدها الله لهم كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٩)﴾ [يونس: ٩].
وثواب الإيمان والطاعات الجنة .. وعقوبة الكفر والمعاصي النار.
والله لا يعذب أحداً إلا بعد قيام الحجة عليه كما قال سبحانه: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (١٥)﴾ [الإسراء: ١٥].
стр. 2928
وعذاب الله يستحقه المسيء بسببين:
أحدهما: الإعراض عن الحجة، وعدم إرادة العلم بها وبموجبها.
الثاني: العناد لها بعد قيامها، وترك إرادة موجبها.
فالأول كفر إعراض، والثاني كفر عناد.
فأما كفر الجهل مع عدم قيام الحجة، وعدم التمكن من معرفتها، فهذا الذي نفى الله عنه التعذيب حتى تقوم الحجة بالعلم به.
وقيام الحجة يختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة والأشخاص، فقد تقوم حجة الله على الكفار في زمان دون زمان، وفي بقعة دون أخرى.
كما أنها تقوم على شخص دون آخر، إما لعدم عقله وتمييزه كالصغير والمجنون، وإما لعدم فهمه، فهذا بمنزلة الأصم الذي لا يسمع شيئاً.
وأفعال الله تابعة لحكمته فهو الفعال لما يريد، لا يُسأل عما يفعل؛ لكمال حكمته وعلمه، ووضعه الأشياء مواضعها.
ليس في أفعاله سبحانه خلل ولا عبث ولا فساد يُسأل عنه كما يُسأل المخلوق، فهو الفعال لما يريد، ولكنه لا يفعل إلا ما هو خير ومصلحة ورحمة وحكمة كما قال سبحانه: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ (٢٣)﴾ [الأنبياء: ٢٣].
والمؤمنون الأبرار تكون قلوبهم في هذه الدار في جنة عاجلة لا يشبه نعيم أهلها نعيم البتة، بل إن التفاوت الذي بين النعيمين كالتفاوت الذي بين نعيم الدنيا والآخرة، وهذا أمر لا يصدق به إلا من باشر قلبه وذاق حلاوته كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (١٣) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ (١٤)﴾ [الانفطار: ١٣ - ١٤].
فالنعيم والجحيم ليس في الآخرة فقط، بل في الدور الثلاث:
دار الدنيا .. ودار البرزخ .. ودار القرار.
وهل النعيم إلا نعيم القلب؟ .. وهل العذاب إلا عذاب القلب؟.
وأي عذاب أشد من إعراض العبد عن الله والدار الآخرة، وتعلقه بغير الله؟.
وكل شيء تعلق به الإنسان وأحبه من دون الله فإنه يسومه سوء العذاب، فكل
стр. 2929
من أحب شيئاً غير الله عذب به ثلاث مرات في هذه الدار:
يعذب به قبل حصوله حتى يحصل .. فإذا حصل عذب به بالخوف من سلبه وفواته .. فإذا سلبه اشتد عذابه عليه.
فهذه ثلاثة أنواع من العذاب في هذه الدار.
وأما في البرزخ فعذاب يقارنه ألم الفراق الذي لا يرجى عوده بحجاب عن الله .. وألم الحسرة التي تقطع الأكباد.
فالهمّ والغمّ والحزن والحسرة تعمل في نفوسهم كما تعمل الهوام والديدان في أبدانهم، بل عملها في النفوس دائم مستمر حتى يردها الله إلى أجسادها، فحينئذ ينتقل العذاب إلى نوع هو أدهى وأمر في نار جهنم.
فقلوب أهل الكفر والبدع والمعاصي في جحيم قبل الجحيم الأكبر، وقلوب الأبرار في نعيم قبل النعيم الأكبر، لكن تمام وكمال النعيم والعذاب إنما هو في الدار الآخرة، وفي البرزخ دون ذلك، وفي هذه الدار دون ما في البرزخ.
قال تعالى: ﴿لَهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَقُّ وَمَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ (٣٤)﴾ ... [الرعد: ٣٤].
وقال تعالى: ﴿فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ (٤٥) يَوْمَ لَا يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (٤٦) وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٤٧)﴾ [الطور: ٤٥ - ٤٧].
وقد جعل الله ﵎ للطاعات والحسنات آثاراً محبوبة لذيذة طيبة، ولذتها فوق لذة المعصية بأضعاف مضاعفة.
وجعل سبحانه للمعاصي والسيئات آلاماً وآثاراً مكروهة تربي على لذة تناولها بأضعاف مضاعفة.
وقد جرت سنة الله أن كل من خرج عن شيء منه لله، حفظه الله عليه، أو أعاضه الله ما هو أجل منه.
فمن آثر الألم العاجل على الوصال الحرام أعقبه ذلك في الدنيا المسرة التامة،
стр. 2930
وإن هلك فالفوز العظيم، والله سبحانه لا يضيع ما تحمَّل عبده لأجله، فيوسف ﷺ لما ترك امرأة العزيز لله، واختار السجن على الفاحشة، عوضه الله أن مكَّنه في الأرض.
والشهداء في سبيل الله لما خرجوا عن نفوسهم لله، جعلهم الله أحياء عنده يرزقون، وعوضهم عن أبدانهم التي بذلوها لله أبدان طير خضر، جعل أرواحهم فيها تسرح في الجنة حيث شاءت، وتأوي إلى قناديل معلقة بالعرش.
ولما تركوا مساكنهم له عوضهم مساكن طيبة في جنات عدن.
والمعين على الطاعات هو الله وحده .. والحافظ من المعاصي هو الله وحده .. والموفق لكل خير هو الله وحده .. والحافظ من كل شر هو الله وحده لا شريك له.
فلا يركن العبد إلى نفسه وصبره، وحاله وعفته، وعلمه وذكائه، ومتى ركن إلى ذلك تخلت عنه عصمة الله، وأحاط به الخذلان، بل يتوكل على ربه وحده كما قال سبحانه: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢١)﴾ [النور: ٢١].
وقال سبحانه لأكرم خلقه عليه وأحبهم إليه: ﴿وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا (٧٤)﴾ [الإسراء: ٧٤].
стр. 2931
٥ - فقه الصبر عن المعاصي
قال الله تعالى: ﴿قُلْ يَاعِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (١٠)﴾ [الزمر: ١٠].
وقال تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (١٥٧)﴾ [البقرة: ١٥٥ - ١٥٧].
الصبر له ثلاثة أركان:
صبر على طاعة الله .. وصبر عن معصية الله .. وصبر على أقدار الله المؤلمة.
وصبر العبد عن المعاصي ينشأ من أسباب عديدة:
منها الحياء من الله سبحانه عند المعصية، فهو يراه ويسمعه، فكيف يتعرض لمساخطه؟.
ومنها علم العبد بقبحها ورذالتها ودناءتها، وأن الله إنما حرمها ونهى عنها صيانة وحماية عن الدنايا والرذائل، وهذا كاف في تركها، ولو لم يعلِّق عليها وعيد العذاب.
ومنها مراعاة العاقل نعم الله عليه، وإحسانه إليه.
فالذنوب تزيل النعم ولا بدّ، والمعاصي نار النعم تأكلها كما تأكل النار الحطب، وما أذنب عبد ذنباً إلا زالت عنه نعمة من نعم الله بحسب ذلك الذنب، فإن تاب ورجع رجعت إليه أو مثلها أو أكثر منها، وإن أصر لم ترجع إليه، ولا تزال الذنوب تزيل عنه نعمة بعد نعمة، حتى تسلب النعم كلها.
وأعظم النعم الإيمان والطاعات، وذنب الزنا والسرقة وشرب الخمر يزيلها ويسلبها العبد.
ومن أسباب الصبر عن المعاصي محبة الله، وهي من أقوى الأسباب في الصبر عن مخالفته ومعاصيه، فإن المحب لمن يحب مطيع.
стр. 2932
وفرق بين من يحمله على ترك المعصية خوفه من سوط سيده وعقوبته، وبين من يحمله على ذلك حبه لسيده.
ومنها خوف الله وخشية عقابه الذي توعد به من عصاه كما قال سبحانه: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٤)﴾ [النساء: ١٤].
وإذا امتلأ قلب المؤمن من محبة الله وإجلاله وتعظيمه منعه ذلك من معصيته حياء وطاعة لربه، وما عمر القلب شيء كالمحبة المقترنة بإجلال الله وتعظيمه.
ومنها شرف النفس وفضلها وأنفتها أن تختار ما يحطها ويضع من قدرها، ويسوي بينها وبين السفلة.
ومنها قوة العلم بسوء عاقبة المعصية، وقبح أثرها، والضرر الناشئ منها من سواد الوجه، وظلمة القلب، وشدة قلقه واضطرابه، وضعفه عن مقاومة عدوه، وتعريته من زينته، وتخلي وليه وناصره عنه، وتولي عدوه المبين له.
ومنها أن العبد بسبب المعصية يصير أسيراً بيد أعدائه، بعد أن كان ملكاً متصرفاً يخافه أعداؤه.
ومنها زوال أمنه، وتبدله به مخافة، فأخوف الناس أشدهم إساءة.
ومنها زوال الأنس، فكلما ازداد العبد إساءة ازداد وحشة.
ومنها زوال الطمأنينة بالله، والسكون إليه، وزوال الرضا، واستبداله بالسخط ومنها وقوع العاصي في بئر الحسرات، فلا يزال في حسرة دائمة، كلما نال لذة نازعته نفسه إلى نظيرها أو غيرها إن قضى وطره منها.
وكلما اشتد نزوعه .. وعرف عجزه اشتدت حسرته وحزنه.
ومنها فقره بعد غناه، فإنه كان غنياً بما معه من رأس مال الإيمان، وهو يَتَّجِرُ به ويربح الأرباح الكثيرة من الأعمال الصالحة.
ومنها نقصان رزقه، فإن العبد يحرم الرزق بالذنب يصيبه.
ومنها زوال المهابة التي لبسها بالطاعة.
стр. 2933
ومنها حصول النفرة منه، والبغض له في قلوب الناس، فكما جعل الله المودة لكل مؤمن، وكل مطيع فكذلك جعل الكراهية لكل كافر وكل عاصٍ.
ومنها ضياع أعز الأشياء عليه وأنفسها وأغلاها وهو الوقت الذي لا عوض منه.
ومنها الطبع والرَّين على قلبه، ومنها أنه يحرم حلاوة الطاعة، فإذا فعلها لم يجد أثرها في قلبه من الحلاوة والقوة ومزيد الإيمان، والرغبة في الآخرة.
ومنها إعراض الله وملائكته وعباده عنه، فإن العبد إذا أعرض عن طاعة الله واشتغل بمعاصيه أعرض الله عنه، فأعرضت عنه ملائكته وعباده.
ومنها أن الذنب يستدعي ذنباً آخر حتى تهلكه ذنوبه.
ومنها علمه بفوات ما هو أحب إليه منها.
ومنها علمه بأن أعماله هي زاده ووسيلته إلى دار إقامته، فإن تزود من معصية الله أوصله ذلك الزاد إلى دار العصاة والجناة، وإن تزود من طاعة الله أوصله ذلك إلى دار أهل طاعته وولايته.
ومنها علمه أن عمله هو وليه في قبره وأنيسه فيه، فإن شاء جعله له، وإن شاء جعله عليه.
ومنها علمه أن أعمال البر والطاعات تنهض بالعبد وتقوم به، وتصعد إلى الله به، وأعمال الفجور تهوي به، وتجذبه إلى الهاوية، وتجره إلى أسفل سافلين.
كما قال سبحانه: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ (١٠)﴾ [فاطر: ١٠].
وقال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ (٤٠)﴾ [الأعراف: ٤٠].
فلما لم تفتح أبواب السماء لأعمالهم، بل أغلقت عنها، لم تفتح لأرواحهم عند الموت، بل أغلقت عنها.
وأهل الإيمان والعمل الصالح لما كانت أبواب السماء مفتوحة لأعمالهم حتى
стр. 2934
وصلت إلى الله، فتحت كذلك لأرواحهم حتى وصلت إلى ربها وقامت بين يديه، فرحمها وأمر بكتابة اسمها في عليين.
ومن أسباب الصبر عن المعصية علم العبد أنه متى عصى الله فقد خرج من حصنه الذي لا ضيعة على من دخله، فإذا خرج بمعصيته منه صار نهباً للصوص وقطاع الطريق.
ومنها علم العبد بقصر الأمل، وعلمه بسرعة انتقاله، وأنه كمسافر دخل قرية وهو مزمع على الخروج منها، أو كراكب قال تحت ظل شجرة ثم سار وتركها.
ومنها تجنب الفضول في طعامه وشرابه، ولباسه ومنامه، واجتماعه بالناس، فإن قوة الداعي إلى المعاصي إنما تنشأ من هذه الفضلات.
فإنها تطلب مصرفاً، فيضيق عليها المباح، فتتعداه إلى الحرام.
ومنها ثبات شجرة الإيمان في القلب، وهو أعظمها، فصبر العبد عن المعاصي إنما هو بحسب قوة إيمانه، فإن من باشر قلبه الإيمان بالله، وباشر قلبه الإيمان بالثواب والعقاب، والجنة والنار، حجزه ذلك عن المعاصي، ومنعه من أن لا يعمل بموجب هذا العلم.
ومن ظن أنه يقوى على ترك المعاصي بدون الإيمان الراسخ الثابت فقد غلط، فإن سراج الإيمان إذا قوي في القلب، وأضاءت جهاته كلها به، سرى ذلك النور إلى الأعضاء، وانبعث إليها، فأسرعت الإجابة لداعي الإيمان، وانقادت له طائعة مذللة، غير متثاقلة ولا كارهة.
بل تفرح بدعوته حين يدعوها كما يفرح الرجل بدعوة حبيبه المحسن إليه إلى محل كرامته: ﴿وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (١٠٥)﴾ [البقرة: ١٠٥].
وبالجملة فآثار المعاصي أكثر من أن يحيط بها العبد علماً، وآثار الطاعة الحسنة أكثر من أن يحيط العبد بها علماً.
فخير الدنيا والآخرة كله بحذافيره في طاعة الله ورسوله، وشر الدنيا والآخرة
стр. 2935
كله بحذافيره في معصية الله ورسوله.
والصبر على الطاعة ينشأ من معرفة تلك الأسباب، ومن معرفة ما تجلبه الطاعة من العواقب الحميدة، والآثار الجميلة.
ومن أقوى أسبابها الإيمان ومحبة الله، فكلما قوي داعي الإيمان والمحبة في القلب كانت استجابته للطاعة بحسبه.
وصبر العبد على الطاعة، وصبره عن المعصية، أيهما أفضل؟.
ذلك يختلف باختلاف الطاعة والمعصية.
فالصبر على الطاعة المعظمة الكبيرة أفضل من الصبر عن المعصية الصغيرة الدنية، والصبر عن المعصية الكبيرة أفضل من الصبر على الطاعة الصغيرة.
فصبر العبد على الجهاد مثلاً أفضل وأعظم من صبره عن كثير من الصغائر، وصبره عن كبائر الإثم والفواحش أعظم من صبره على صلاة الصبح، وصوم يوم تطوعاً ونحوه.
فالطاعات يفعلها البَرُّ والفاجر، ولكن المعاصي لا يصبر عنها إلا صدِّيق.
والنفس لها قوتان:
قوة الإقدام .. وقوة الإحجام.
فحقيقة الصبر أن يجعل قوة الإقدام مصروفة إلى ما ينفع العبد، وقوة الإحجام إمساكاً عما يضره.
ومن الناس من تكون قوة صبره على فعل ما ينفعه أقوى من صبره عن ما يضره، ومنهم من تكون قوة صبره عن المعاصي أقوى من صبره على مشقة الطاعات، ومنهم من لا يصبر على هذا .. ولا على هذا.
وأفضل الناس أصبرهم على النوعين مع الصبر على أقدار الله فهؤلاء هم الصابرون حقاً، ويأخذون أجرهم بغير حساب كما قال سبحانه: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (١٠)﴾ [الزمر: ١٠].
стр. 2936
وكمال العقل في ثلاثة:
حسن المعرفة بالله .. وحسن الطاعة لله .. وحسن الصبر لله.
إن إكرام الضيف من الناس والإحسان إلى الجار من لوازم الإيمان وموجباته، فما الظن بإكرام أكرم الأضياف وخير الجيران وأبرهم وهم الملائكة.
فإذا آذى العبد الملك بأنواع المعاصي والظلم والفواحش فقد أساء جواره، وبالغ في أذاه وطرده عنه، فهل يليق بالمسلم أن يؤذي جاره فضلاً عن أنصح الخلق له من الملائكة كما قال سبحانه: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَامًا كَاتِبِينَ (١١) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ (١٢)﴾ [الانفطار: ١٠ - ١٢].
فمن ألأم ممن لا يستحي من الكريم العظيم القادر ولا يكرمه ولا يوقره؟.
ألا يستحي العصاة من هؤلاء الملائكة الحافظين الكرام، ويكرمونهم ويجلونهم أن يروا منهم ما يستحون أن يراهم عليه من هو مثلهم؟.
والملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم، وإذا كان ابن آدم يتأذى ممن يَفْجُر ويعصي بين يديه، وإن كان قد يعمل مثل عمله، فما الظن بأذى الملائكة الكرام الكاتبين؟.
وهل يليق بالعاقل فضلاً عن المسلم أن يسكن في أرض الله، ويأكل من رزق الله، ثم يبارز من خلقه وأسكنه ورزقه بالمعاصي؟.
﴿وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (٣٤)﴾ [إبراهيم: ٣٤].
ومن لم يصبر عن المعاصي في الدنيا، فقارفها بلا حياء ولا خوف، فليوطن نفسه على تحمل عقوبتها في الآخرة حيث لا ينفع الصبر كما قال سبحانه عن النار: ﴿اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٦)﴾ [الطور: ١٦].
ومن عقوبة المعصية المعصية بعدها، فإبليس لما عصى ربه تعالى ولم ينقد لأمره وأصر على ذلك، عاقبه الله بأن جعله داعياً إلى كل معصية.
стр. 2937
فعاقبه على معصيته الأولى بأن جعله داعياً إلى كل معصية وفروعها، فمن عقاب السيئة السيئة بعدها، كما أن من ثواب الحسنة الحسنة بعدها.
ونعم الله على العباد لا تعد ولا تحصى، وكل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون، فنسأله أن يعفو عنا عن كل ما ضيعنا من شكر النعم، وعن كل ما ركبنا من الذنوب، وعن كل ما قصرنا فيه من حق الله وحق عباده: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣)﴾ [الأعراف: ٢٣].
وأصل الذنوب نوعان:
ترك مأمور به .. وفعل منهي عنه.
وهذان هما الذنبان اللذان ابتلى الله بهما أَبَوي الإنس والجن، ولكل ذنب عقوبة تناسبه في القدر والعدد.
والعقوبات نوعان:
عقوبات قدرية .. وعقوبات شرعية.
فالعقوبات الشرعية ثلاث أنواع:
القتل .. والقطع .. والجلد.
وعقوبات الذنوب نوعان:
شرعية وقدرية، فإذا أقيمت العقوبات الشرعية رفعت العقوبات القدرية أو خففتها، وإذا عطلت العقوبات الشرعية استحالت قدرية، وربما كانت أشد أو أخف، ولكنها تعم، والشرعية تخص، فالله لا يعاقب شرعاً إلا من باشر الجناية كما قال سبحانه: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٣٨)﴾ [المائدة: ٣٨].
وعقوبات الله للمخالفين نوعان:
عقوبات على عدم قبول الحق .. وعقوبات على مخالفة أوامر الرب.
فالأول كما قال سبحانه: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٧)﴾ [فصلت: ١٧].
والثاني كما قال سبحانه: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا (٩٣)﴾ [النساء: ٩٣].
وقد عذب الله الأمم المكذبة للرسل بعقوبات في الدنيا تناسب جرائمهم، وأما في الآخرة فمأواهم جهنم، فبسبب كفرهم وظلمهم، وتكذيبهم واستكبارهم، وصدهم عن سبيل الله جعل الله: ﴿لَهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَقُّ وَمَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ (٣٤)﴾ [الرعد: ٣٤].
стр. 2940
فقوم نوح ذنوبهم مع الشرك .. الاستكبار والاغترار بكثرة العدد، والسخرية بأهل الإيمان، فلما كذبوا رسولهم نوحاً أغرقهم الله ولم يُنج إلا المؤمنين كما قال سبحانه: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَجَعَلْنَاهُمْ خَلَائِفَ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ (٧٣)﴾ [يونس: ٧٣].
وجعلهم عبرة لمن بعدهم كما قال سبحانه: ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْنَاهُمْ وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ عَذَابًا أَلِيمًا (٣٧)﴾ [الفرقان: ٣٧].
وعاد قوم هود ذنوبهم مع الشرك .. الاستكبار والتجبر في الأرض .. والظلم وشدة البطش .. فلما كذبوا رسولهم هوداً ﷺ عاقبهم الله بريح صرصر عاتية تناسب عتوهم واستكبارهم عن الحق وقوتهم التي اغتروا بها كما قال سبحانه: ﴿فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (١٥)﴾ [فصلت: ١٥].
فلما اجتمعت فيهم هذه الجرائم عاقبهم الله وطهر الأرض من جرائمهم كما قال سبحانه: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ (١٦)﴾ [فصلت: ١٦].
أرسل الله عليهم ريحاً عقيماً شديدة القوة، مزعجة الصوت كالرعد القاصف: ﴿سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ (٧)﴾ [الحاقة: ٧].
فدمرتهم وأهلكتهم، وأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم.
وقوم ثمود ذنوبهم مع الشرك .. انتهاك محارم الله .. وعقر الناقة التي حذرهم الله من مسها بسوء .. والاستكبار عن الحق والاستهزاء به.
فلما كذبوا رسولهم صالحاً ﷺ عاقبهم الله بكفرهم وظلمهم كما قال سبحانه: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٧) وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (١٨)﴾ [فصلت: ١٧ - ١٨].
وقوم لوط ذنوبهم مع الشرك .. إتيان الفاحشة التي لم يسبقوا إليها .. وهي إتيان
стр. 2941
الذكران من الناس .. فلما حذرهم رسولهم لوط ﷺ كما قال سبحانه: ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ (٨٠) إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (٨١)﴾ [الأعراف: ٨٠ - ٨١].
فلما لم يستجيبوا له .. وأصروا على الاستمرار في فعل هذه الفاحشة المنكرة عاقبهم الله بأن أمر جبريل باقتلاع بلادهم ومن فيها، ثم رفعها إلى السماء ثم قلبها عليهم، وجعل عاليها سافلها، وأمطر عليهم حجارة من جهنم متتابعة، عليها علامة الغضب والعذاب كما قال سبحانه: ﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ (٨٢) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ (٨٣)﴾ [هود: ٨٢ - ٨٣].
وقوم مدين ذنوبهم مع الشرك .. الظلم في الأموال .. وبخس المكيال والميزان .. والفساد في الأرض .. فأرسل الله إليهم أخاهم شعيباً يأمرهم بعبادة الله وحده .. والعدل في الكيل والميزان كما قال سبحانه: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ (٨٤) وَيَاقَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٨٥)﴾ [هود: ٨٤ - ٨٥].
فلما كذبوا رسولهم عاقبهم الله بسحابة أمطرتهم ناراً، فأحرقتهم وأحرقت أموالهم التي أخذوها ظلماً، وظلوا تحتها خامدين كما قال سبحانه: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٨٩)﴾ [الشعراء: ١٨٩].
وأنجى الله شعيباً والذين آمنوا معه، وأهلك الظالمين كما قال سبحانه: ﴿وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ (٩٤)﴾ [هود: ٩٤].
وفرعون وقومه ذنوبهم مع الشرك والكفر .. العلو والاستكبار .. والفساد في الأرض كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا
стр. 2942
يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٤)﴾ [القصص: ٤].
وادعى فرعون الربوبية: ﴿فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى (٢٤) فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى (٢٥)﴾ [النازعات: ٢٤ - ٢٥].
وادعى الألوهية: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَاهَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٣٨)﴾ [القصص: ٣٨].
فما أعظم جرم هذا الطاغية، وما أشد ظلمه: ﴿وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ (٨٣)﴾ [يونس: ٨٣].
فأرسل الله رسوله موسى ﷺ إلى فرعون وقومه يدعوهم إلى الله كما قال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَقَالَ إِنِّي رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٦) فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِآيَاتِنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَضْحَكُونَ (٤٧)﴾ [الزخرف: ٤٦ - ٤٧].
ولكن فرعون كذب موسى وعصاه، واتهمه مرة بالجنون حيث: ﴿قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ (٢٧)﴾ [الشعراء: ٢٧].
ومرة بالسحر حيث: ﴿قَالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ (٣٤) يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ (٣٥)﴾ [الشعراء: ٣٤ - ٣٥].
ومرة بالكذب كما قال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٢٣) إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ (٢٤)﴾ [غافر: ٢٣ - ٣٤].
ولكن الطغاة والمفسدين والمستكبرين لا يعبأون بالحق، ولا بمن جاء به، بل يحاربونه بكل وسيلة؛ لأنه يردعهم عن قهر العباد وظلمهم واستعبادهم لهم، وهم لا يريدون ذلك، والله لا يتركهم على هذه الحال، بل يأمر رسله أن يذهبوا إليهم لدعوتهم إلى الله، ورفع الظلم عن العباد كما قال سبحانه لموسى ﷺ : ﴿اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (١٧) فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى (١٨) وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى (١٩) فَأَرَاهُ
стр. 2943
الْآيَةَ الْكُبْرَى (٢٠) فَكَذَّبَ وَعَصَى (٢١) ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى (٢٢) فَحَشَرَ فَنَادَى (٢٣) فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى (٢٤) فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى (٢٥) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى (٢٦)﴾ [النازعات: ١٧ - ٢٦].
وقال سبحانه: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٤٥) إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا عَالِينَ (٤٦) فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ (٤٧) فَكَذَّبُوهُمَا فَكَانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ (٤٨)﴾ [المؤمنون: ٤٥ - ٤٨].
فلما كذبوا موسى، وردوا ما جاء به وأضلوا قومهم عن الهدى، وزاد طغيانهم وأذاهم، ساقهم الله إلى مصارعهم، وعاقبهم بسوء صنيعهم، وحاق بفرعون وآله سوء العذاب.
فلما يئس موسى من إيمانهم بعد ما رأوا الآيات البينات، وحقت عليهم كلمة العذاب، وآن لبني إسرائيل أن ينجيهم الله من أسرهم، ويمكِّن لهم في الأرض كما وعدهم، أوحى الله إلى موسى ﷺ أن يخرج بهم: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ (٥٢)﴾ [الشعراء: ٥٢].
فماذا حصل من فرعون وقومه لما علموا بخروج موسى وبني إسرائيل؟.
لقد حشر فرعون جيشاً عظيماً من مدائن مصر للقضاء على موسى ومن آمن معه: ﴿فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (٥٣) إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ (٥٤) وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ (٥٥) وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ (٥٦)﴾ [الشعراء: ٥٣ - ٥٦].
فأخرجهم الله بحسن تدبيره من بساتين مصر، وجنانها الفائقة، وعيونها المتدفقة، وزروعهم وفواكههم المختلفة، وساقهم إلى مصارعهم كما قال سبحانه: ﴿فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٥٧) وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (٥٨)﴾ [الشعراء: ٥٧ - ٥٨].
وأورث بني إسرائيل فيما بعد هذه الجنات والبساتين والزروع والعيون والمقام الكريم كما قال سبحانه: ﴿كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ (٥٩)﴾ ... [الشعراء: ٥٩].
فتبع فرعون وقومه موسى وقومه وأدركوهم عند شروق الشمس كما قال سبحانه: ﴿فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ (٦٠) فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (٦١) قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ (٦٢)﴾ [الشعراء: ٦٠ - ٦٢].
стр. 2944
وحان وقت الهلاك للمجرمين ونصرة الله للمؤمنين، فأمر الله موسى أن يضرب البحر بعصاه ليفتح به طريقاً آمناً لأوليائه، ويجعله مقبرة لأعدائه كما قال سبحانه: ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ (٦٣) وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ (٦٤) وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ (٦٥) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ (٦٦) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (٦٧) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٦٨)﴾ [الشعراء: ٦٣ - ٦٨].
فسبحان من يؤتي الملك من يشاء، وينزعه ممن يشاء، ويعز من يشاء بطاعته، ويذل من يشاء بمعصيته.
ونزلت عقوبة الله بهؤلاء الطغاة: ﴿فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ (١٣٦)﴾ [الأعراف: ١٣٦].
وحق وعد الله لموسى ومن آمن معه بالنصر والتمكين في الأرض كما قال سبحانه: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ (١٣٧)﴾ ... [الأعراف: ١٣٧].
فكل أمة من الأمم المكذبة للرسل أخذه الله بذنبه على قدره، وبعقوبة مناسبة له، وما ظلمهم الله ولكن الناس أنفسهم يظلمون: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٤٠)﴾ [العنكبوت: ٤٠].
أما عقوبة هذه الأمم المكذبة يوم القيامة فهي بالنار، وهم في العذاب متفاوتون، وأشدهم عذاباً آل فرعون كما قال سبحانه: ﴿وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ (٤٥) النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ (٤٦)﴾ [غافر: ٤٥ - ٤٦].
فجعل عليين مستقر العلية، وأسفل سافلين مستقر السفلة.
стр. 2945
وجعل أهل طاعته الأعلين في الدنيا والآخرة، وجعل أهل معصيته الأسفلين في الدنيا والآخرة.
كما جعل سبحانه أهل طاعته أكرم خلقه عليه كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (١٣)﴾ [الحجرات: ١٣].
وجعل أهل معصيته أهون خلقه عليه، وجعل العزة لأهل طاعته، والذلة والصغار لأهل معصيته.
وكلما عمل العبد معصية نزل إلى أسفل درجة، ولا يزال في نزول حتى يكون من الأسفلين، وكلما عمل طاعة ارتفع بها درجة، ولا يزال في ارتفاع حتى يكون من الأعلين.
فيجب على المؤمن أن يقف بين يدي مولاه موقف المخطئ المذنب، مستحياً منه، خائفاً منه، راجياً له، محباً له.
فأي نعمة وصلت إليه من الله استكثرها على نفسه، ورأى نفسه دونها، وأي نقمة أو بلية وصلت إليه رأى نفسه أهلاً لما هو أكبر منها، ورأى مولاه قد أحسن إليه إذ لم يعاقبه على قدر جرمه وإساءته.
والشر الذي يصيب الإنسان لا يخلو من قسمين:
أحدها: إما ذنوب وقعت منه فيعاقب عليها ويجازى بها؛ لأنه فعلها بنفسه وقصده كما قال سبحانه: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (١٢٣)﴾ [النساء: ١٢٣].
الثاني: شر واقع به من غيره:
إما من مكلف كالإنس والجن .. أو غير مكلف مثل الهوام والحيات والعقارب ونحوها، فيصيبه ذلك لحكم يعلمها الله حسب حاله:
إما عقوبة له على معصية، أو تطهيراً له من ذنب، أو رفعة لدرجاته ونحو ذلك والشر الأول هو الذنوب وموجباتها وهو أعظم الشرين.
وإن الذنب وإن صغر لقبيح، وإن مقابلة العظيم ﷻ به، العظيم الذي لا