← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 37531

موسوعة فقه القلوب

محمد بن إبراهيم التويجري

Полный текст (3 625 стр.). Показаны 2941–2980 · переход к 2946.

стр. 2941

الذكران من الناس .. فلما حذرهم رسولهم لوط ﷺ كما قال سبحانه: ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ (٨٠) إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (٨١)﴾ [الأعراف: ٨٠ - ٨١]. فلما لم يستجيبوا له .. وأصروا على الاستمرار في فعل هذه الفاحشة المنكرة عاقبهم الله بأن أمر جبريل باقتلاع بلادهم ومن فيها، ثم رفعها إلى السماء ثم قلبها عليهم، وجعل عاليها سافلها، وأمطر عليهم حجارة من جهنم متتابعة، عليها علامة الغضب والعذاب كما قال سبحانه: ﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ (٨٢) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ (٨٣)﴾ [هود: ٨٢ - ٨٣]. وقوم مدين ذنوبهم مع الشرك .. الظلم في الأموال .. وبخس المكيال والميزان .. والفساد في الأرض .. فأرسل الله إليهم أخاهم شعيباً يأمرهم بعبادة الله وحده .. والعدل في الكيل والميزان كما قال سبحانه: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ (٨٤) وَيَاقَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٨٥)﴾ [هود: ٨٤ - ٨٥]. فلما كذبوا رسولهم عاقبهم الله بسحابة أمطرتهم ناراً، فأحرقتهم وأحرقت أموالهم التي أخذوها ظلماً، وظلوا تحتها خامدين كما قال سبحانه: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٨٩)﴾ [الشعراء: ١٨٩]. وأنجى الله شعيباً والذين آمنوا معه، وأهلك الظالمين كما قال سبحانه: ﴿وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ (٩٤)﴾ [هود: ٩٤]. وفرعون وقومه ذنوبهم مع الشرك والكفر .. العلو والاستكبار .. والفساد في الأرض كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا

стр. 2942

يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٤)﴾ [القصص: ٤]. وادعى فرعون الربوبية: ﴿فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى (٢٤) فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى (٢٥)﴾ [النازعات: ٢٤ - ٢٥]. وادعى الألوهية: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَاهَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٣٨)﴾ [القصص: ٣٨]. فما أعظم جرم هذا الطاغية، وما أشد ظلمه: ﴿وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ (٨٣)﴾ [يونس: ٨٣]. فأرسل الله رسوله موسى ﷺ إلى فرعون وقومه يدعوهم إلى الله كما قال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَقَالَ إِنِّي رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٦) فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِآيَاتِنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَضْحَكُونَ (٤٧)﴾ [الزخرف: ٤٦ - ٤٧]. ولكن فرعون كذب موسى وعصاه، واتهمه مرة بالجنون حيث: ﴿قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ (٢٧)﴾ [الشعراء: ٢٧]. ومرة بالسحر حيث: ﴿قَالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ (٣٤) يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ (٣٥)﴾ [الشعراء: ٣٤ - ٣٥]. ومرة بالكذب كما قال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٢٣) إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ (٢٤)﴾ [غافر: ٢٣ - ٣٤]. ولكن الطغاة والمفسدين والمستكبرين لا يعبأون بالحق، ولا بمن جاء به، بل يحاربونه بكل وسيلة؛ لأنه يردعهم عن قهر العباد وظلمهم واستعبادهم لهم، وهم لا يريدون ذلك، والله لا يتركهم على هذه الحال، بل يأمر رسله أن يذهبوا إليهم لدعوتهم إلى الله، ورفع الظلم عن العباد كما قال سبحانه لموسى ﷺ : ﴿اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (١٧) فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى (١٨) وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى (١٩) فَأَرَاهُ

стр. 2943

الْآيَةَ الْكُبْرَى (٢٠) فَكَذَّبَ وَعَصَى (٢١) ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى (٢٢) فَحَشَرَ فَنَادَى (٢٣) فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى (٢٤) فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى (٢٥) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى (٢٦)﴾ [النازعات: ١٧ - ٢٦]. وقال سبحانه: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٤٥) إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا عَالِينَ (٤٦) فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ (٤٧) فَكَذَّبُوهُمَا فَكَانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ (٤٨)﴾ [المؤمنون: ٤٥ - ٤٨]. فلما كذبوا موسى، وردوا ما جاء به وأضلوا قومهم عن الهدى، وزاد طغيانهم وأذاهم، ساقهم الله إلى مصارعهم، وعاقبهم بسوء صنيعهم، وحاق بفرعون وآله سوء العذاب. فلما يئس موسى من إيمانهم بعد ما رأوا الآيات البينات، وحقت عليهم كلمة العذاب، وآن لبني إسرائيل أن ينجيهم الله من أسرهم، ويمكِّن لهم في الأرض كما وعدهم، أوحى الله إلى موسى ﷺ أن يخرج بهم: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ (٥٢)﴾ [الشعراء: ٥٢]. فماذا حصل من فرعون وقومه لما علموا بخروج موسى وبني إسرائيل؟. لقد حشر فرعون جيشاً عظيماً من مدائن مصر للقضاء على موسى ومن آمن معه: ﴿فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (٥٣) إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ (٥٤) وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ (٥٥) وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ (٥٦)﴾ [الشعراء: ٥٣ - ٥٦]. فأخرجهم الله بحسن تدبيره من بساتين مصر، وجنانها الفائقة، وعيونها المتدفقة، وزروعهم وفواكههم المختلفة، وساقهم إلى مصارعهم كما قال سبحانه: ﴿فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٥٧) وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (٥٨)﴾ [الشعراء: ٥٧ - ٥٨]. وأورث بني إسرائيل فيما بعد هذه الجنات والبساتين والزروع والعيون والمقام الكريم كما قال سبحانه: ﴿كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ (٥٩)﴾ ... [الشعراء: ٥٩]. فتبع فرعون وقومه موسى وقومه وأدركوهم عند شروق الشمس كما قال سبحانه: ﴿فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ (٦٠) فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (٦١) قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ (٦٢)﴾ [الشعراء: ٦٠ - ٦٢].

стр. 2944

وحان وقت الهلاك للمجرمين ونصرة الله للمؤمنين، فأمر الله موسى أن يضرب البحر بعصاه ليفتح به طريقاً آمناً لأوليائه، ويجعله مقبرة لأعدائه كما قال سبحانه: ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ (٦٣) وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ (٦٤) وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ (٦٥) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ (٦٦) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (٦٧) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٦٨)﴾ [الشعراء: ٦٣ - ٦٨]. فسبحان من يؤتي الملك من يشاء، وينزعه ممن يشاء، ويعز من يشاء بطاعته، ويذل من يشاء بمعصيته. ونزلت عقوبة الله بهؤلاء الطغاة: ﴿فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ (١٣٦)﴾ [الأعراف: ١٣٦]. وحق وعد الله لموسى ومن آمن معه بالنصر والتمكين في الأرض كما قال سبحانه: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ (١٣٧)﴾ ... [الأعراف: ١٣٧]. فكل أمة من الأمم المكذبة للرسل أخذه الله بذنبه على قدره، وبعقوبة مناسبة له، وما ظلمهم الله ولكن الناس أنفسهم يظلمون: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٤٠)﴾ [العنكبوت: ٤٠]. أما عقوبة هذه الأمم المكذبة يوم القيامة فهي بالنار، وهم في العذاب متفاوتون، وأشدهم عذاباً آل فرعون كما قال سبحانه: ﴿وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ (٤٥) النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ (٤٦)﴾ [غافر: ٤٥ - ٤٦]. فجعل عليين مستقر العلية، وأسفل سافلين مستقر السفلة.

стр. 2945

وجعل أهل طاعته الأعلين في الدنيا والآخرة، وجعل أهل معصيته الأسفلين في الدنيا والآخرة. كما جعل سبحانه أهل طاعته أكرم خلقه عليه كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (١٣)﴾ [الحجرات: ١٣]. وجعل أهل معصيته أهون خلقه عليه، وجعل العزة لأهل طاعته، والذلة والصغار لأهل معصيته. وكلما عمل العبد معصية نزل إلى أسفل درجة، ولا يزال في نزول حتى يكون من الأسفلين، وكلما عمل طاعة ارتفع بها درجة، ولا يزال في ارتفاع حتى يكون من الأعلين. فيجب على المؤمن أن يقف بين يدي مولاه موقف المخطئ المذنب، مستحياً منه، خائفاً منه، راجياً له، محباً له. فأي نعمة وصلت إليه من الله استكثرها على نفسه، ورأى نفسه دونها، وأي نقمة أو بلية وصلت إليه رأى نفسه أهلاً لما هو أكبر منها، ورأى مولاه قد أحسن إليه إذ لم يعاقبه على قدر جرمه وإساءته. والشر الذي يصيب الإنسان لا يخلو من قسمين: أحدها: إما ذنوب وقعت منه فيعاقب عليها ويجازى بها؛ لأنه فعلها بنفسه وقصده كما قال سبحانه: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (١٢٣)﴾ [النساء: ١٢٣]. الثاني: شر واقع به من غيره: إما من مكلف كالإنس والجن .. أو غير مكلف مثل الهوام والحيات والعقارب ونحوها، فيصيبه ذلك لحكم يعلمها الله حسب حاله: إما عقوبة له على معصية، أو تطهيراً له من ذنب، أو رفعة لدرجاته ونحو ذلك والشر الأول هو الذنوب وموجباتها وهو أعظم الشرين. وإن الذنب وإن صغر لقبيح، وإن مقابلة العظيم ﷻ به، العظيم الذي لا

стр. 2946

شيء أعظم منه، الكبير الذي لا أكبر منه، القوي الذي لا أقوى منه، المنعم لجميع النعم، يعد من أقبح الأمور وأعظمها وأشنعها. فإن مقابلة العظماء وسادات الناس بمثل ذلك يستقبحه كل أحد مؤمن أو كافر، وأرذل الناس وأسقطهم مروءة من قابلهم بالرذائل. فكيف بعظيم السموات والأرض، ذي الجبروت والملكوت والكبرياء والعظمة؟. هل يليق بالعاقل فضلاً عن المسلم عصيانه ومخالفة أمره؟. ﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا (١٣) وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا (١٤) أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا (١٥) وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا (١٦) وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا (١٧) ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا (١٨)﴾ [نوح: ١٣ - ١٨]. ولولا أن رحمة الله سبقت غضبه، ومغفرته سبقت عقوبته، لتزلزلت الأرض بمن قابله بما لا تليق مقابلته به من الذنوب والمعاصي: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (٩٠)﴾ أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا (٩١) وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا (٩٢) إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (٩٣) لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (٩٤) وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا (٩٥)﴾ [مريم: ٩٠ - ٩٥]. ولولا حلم الله ومغفرته وعفوه لزالت السموات والأرض من معاصي العباد وظلمهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (٤١)﴾ [فاطر: ٤١]. وكل من نسي الله عاقبه بعقوبتين: إحداهما: أن الله سبحانه ينساه، وإذا نسيه الله وأهمله وتركه وتخلى عنه فالهلاك أدنى إليه من اليد إلى الفم كما قال سبحانه: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٦٧)﴾ [التوبة: ٦٧]. الثانية: أن الله سبحانه ينسيه نفسه، فيهمل حظوظها وأسباب سعادتها وفلاحها،

стр. 2947

وينسيه عيوب نفسه وآفاتها فلا يخطر بباله مداواتها، وإزالة عللها، وهذه أعظم خسارة للعبد، وقد حذرنا الله من ذلك بقوله: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (١٩)﴾ [الحشر: ١٩]. ومن نسي دين الله في الدنيا وأعرض عنه أشغله الشيطان بما يضره ويبعده عن ربه، ثم نزلت به عقوبة جنايته كما قال سبحانه: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (٤٤) فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٥)﴾ [الأنعام: ٤٤ - ٤٥]. ومن نسي الله في الدنيا نسيه الله في الدنيا والآخرة، كما قال سبحانه عن الكفار: ﴿وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنْسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٣٤) ذَلِكُمْ بِأَنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا وَغَرَّتْكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ لَا يُخْرَجُونَ مِنْهَا وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (٣٥)﴾ [الجاثية: ٣٤ - ٣٥]. والله لا يكلف نفساً إلا وسعها، والأوامر والنواهي الشرعية ليست من الأمور التي تشق على النفوس، بل هي غذاء للأرواح، ودواء للأبدان، وحمية عن الضرر، فالله سبحانه أمر العباد بما أمرهم به رحمة منه وإحساناً. ولما كان كل عامل سيجازي بعمله، والإنسان عرضة للنسيان والخطأ والتقصير، أخبر الله سبحانه أنه لا يؤاخذ على الخطأ والنسيان كما قال سبحانه: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]. فقال الله : «قَدْ فَعَلْتُ» أخرجه مسلم (١). وقال سبحانه: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٥)﴾ [الأحزاب: ٥]. والنسيان قسمان: نسيان بمعنى ترك الشيء عمداً والإعراض عنه .. ونسيان بمعنى ذهول القلب

стр. 2948

عما أمره الله به فيتركه نسياناً، فالأول محاسب عليه ومعاقب عليه. والثاني معفو عنه. والخطأ: أن يقصد الإنسان شيئاً يجوز له فعله ثم يقع فعله على ما لا يجوز له فعله كأن يرمي صيداً فيصيب إنساناً خطأ، فهذا الخطأ والنسيان بمعنى ذهول القلب قد عفا الله عنهما عن هذه الأمة رحمة بهم وإحساناً. فمن أتلف مالاً أو إنساناً خطأ فليس عليه إثم، لكن الضمان مرتب على الإتلاف، فمن أتلف شيئاً خطأ فعليه ضمانه، الإنسان بالدية والكفارة، والمال أو الشيء بمثله أو قيمته. والله ﵎ أمرنا بأربعة أمور هي: تعلم الدين .. والعمل بالدين .. وتعليم الدين .. والدعوة إلى الدين. فكل سعادة وفلاح في العالم سببه القيام بهذه الأمور الأربعة. وكل شقاء وفساد في العالم سببه الإخلال بهذه الأربعة أو بعضها، فكل نقص فيها نقص من الدين. وإذا نقص الدين خرج من حياة الأمة تدريجياً ثم هلكت. فحارس البستان المملوء بالزورع والأشجار والثمار إذا ترك الحراسة دخلته الكلاب والبهائم والسراق فلعبت به، وأكلت ما فيه، وغيرت صورته حتى ينتهي. وكذلك الدين إذا تركنا الدعوة إلى الله جاءت شياطين الإنس والجن فلعبت بالأمة، وغيرت صورتها ومقصدها، وحياتها وأخلاقها. فجاءت البدع مكان السنن .. والمعاصي مكان الطاعات .. والباطل مكان الحق .. والكفر بدل الإيمان .. والجهد للدنيا بدل الجهد للدين. والله حكيم عليم أعلم عباده أن سبب المصيبة من عند أنفسهم ليحذروه، وأنها بقضاء الله وقدره ليوحدوه، ويتوجهوا إليه وحده في كشفها، وأخبرهم بما له فيها من الحكم، ومالهم فيها من المصالح؛ لئلا يتهموه في قضائه وقدره،

стр. 2949

وليتعرف إليهم بأنواع أسمائه وصفاته. وسلاهم بما أعطاهم بما هو أجل قدراً وأعظم مما فاتهم، فكل مصيبة وبلية تهون أمام منة الله على المؤمنين بالهداية إلى الإسلام كما قال سبحانه: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (١٦٤)﴾ [آل عمران: ١٦٤]. والله قوي عزيز، وهو على كل شيء قدير، والمخلوقات كلها بالنسبة لله أصغر من الخردلة فهو سبحانه وحده الكبير المتعال. والله لا يستعمل قدرته أمام الطغاة والجبابرة، بل يهلكهم ويدمرهم بأضعف مخلوقاته وأصغرها وأهونها؛ ليعلم الناس أنهم ليسوا بشيء، وأن الله قادر على إهلاكهم بأهون شيء عليهم. كما أرسل الله البعوضة على النمرود فأهلكته .. وفتح ماء السماء والأرض على قوم نوح فأغرقهم .. وكما فتح البحر لفرعون وقومه فأغرقهم في جوفه .. وكما فتح السد على قوم سبأ فأهلك زروعهم وخرب ديارهم .. وكما أرسل الريح على قوم عاد فدمرتهم .. وكما أرسل النار على قوم شعيب فأحرقتهم .. وكما أرسل الصيحة على قوم ثمود فأهلكتهم .. وكما أهلك قوم لوط بطرف جناح جبريل .. وأهلك أصحاب الفيل بالطير الأبابيل .. وأرسل الجراد والقمل والضفادع على قوم فرعون. وقد شرع الله سبحانه الجهاد في سبيل الله لإعلاء كلمة الله، ونصرة الدين، وقمع المعتدين، وإذا تركته الأمة هلكت كما قال سبحانه: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٣٩)﴾ [الأنفال: ٣٩]. وإذا أقبلت الأمة على الدنيا وأعرضت عن الآخرة، سلط الله عليها الذل حتى تعود إلى ربها كما قال النبي ﷺ : «إِذَا تَبَايَعْتُمْ بِالْعِينَةِ وَأَخَذْتُمْ أَذْنَابَ الْبَقَرِ

стр. 2950

وَرَضِيتُمْ بِالزَّرْعِ وَتَرَكْتُمُ الْجِهَادَ سَلَّطَ اللهُ عَلَيْكُمْ ذُلاًّ لَا يَنْزِعُهُ حَتَّى تَرْجِعُوا إِلَى دِينِكُمْ» أخرجه أحمد وأبو داود (١). وما يبتلى به العبد من الذنوب والمعاصي وإن كان خلقاً لله فهو عقوبة له على عدم فعل ما خلقه الله من أجله وهو عبادته سبحانه. فلما لم يفعل ما أمره الله به، زين له الشيطان ما يفعله من الشرك والمعاصي، والإيمان يمنع من تسلط الشيطان عليه. ولا بدَّ لكل إنسان من إرادة وحركة، فمن تحرك بالمعاصي والذنوب إما بفعل محظور أو ترك مأمور، فهذا عقوبة له لعدم فعل الطاعات، والشيطان مسلط عليه، فلما لم يتحرك بالحسنات حركه الشيطان بالسيئات، عدل من الله. وتخصيصه سبحانه لمن هداه، بأن استعمله ابتداء فيما خُلق له وفيما يحبه الله فضل منه سبحانه، وهذا منه لا يوجب الظلم ولا يمنع العدل، وهو سبحانه أعلم بمن يستحقه ويشكره كما خص بعض الأبدان بقوى لا توجد في غيرها: ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (١٠٥)﴾ [البقرة: ١٠٥]. فإن قيل معصية الكفر كانت في زمان قليل متناه، والجزاء في جهنم أبدى غير متناه، فكيف ينطبق هذا الجزاء على العدل الإلهي؟. قيل: من مات على الكفر لو بقي أبداً لكان كافراً أبداً لفساد جوهر روحه، فهذا القلب الفاسد استعد لجناية غير متناهية. وبذلك نعلم أن الجزاء الأبدي في مقابلة الجناية غير المتناهية، وذلك عين العدالة. وأيضاً فالكفر كفران لنعم غير متناهية، فجزاؤه غير متناهٍ. وحقيقة الإيمان: التوكل على الله وحده، والتأثر من الله وعدم التأثر من غيره مطلقاً.

стр. 2951

فالأعداء يخوفون الناس بما صنعوه من المدمرات الإنسانية كالقنابل والطائرات والدبابات وغيرها. أما الأنبياء وأتباعهم فيدعون الناس إلى الإيمان والاستقامة على أوامر الله، فمن استجاب فله الجنة، ومن عصى خوفوه بطش ربه في الدنيا وعذابه في الآخرة كما قال سبحانه: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ (١٣) إِذْ جَاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ قَالُوا لَوْ شَاءَ رَبُّنَا لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً فَإِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (١٤)﴾ ... [فصلت: ١٣ - ١٤]. فالأنبياء والمؤمنون معهم قوة الخالق .. والكفار والأعداء معهم قوة المخلوق .. وقوة الخالق أقوى من قوة المخلوق .. ومن كان الله معه فمعه كل شيء .. ومن لم يكن الله معه فليس معه شيء. ولله جنود السموات والأرض من الملائكة والإنس والجن، والمياه والرياح والزلازل، والخوف والرعب، والحر والبرد: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ (٣١)﴾ [المدثر: ٣١]. والله مع الأنبياء والمؤمنين بنصره وتأييده، سواء كان معهم شيء أو لم يكن معهم شيء. فمحمد ﷺ نجاه الله من الكفار حين أرادوا قتله، وأظهر دينه، وخذل أعداءه، ولم يكن له ملك ولا مال. وإبراهيم ﷺ نجاه الله من النار، ونجاه من أعدائه، ولم يكن معه شيء إلا إيمانه بربه. وموسى ﷺ نجاه الله من فرعون وملأه، ونجاه من الغرق، ولم يكن معه إلا إيمانه بربه. ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (٥١)﴾ [غافر: ٥١]. وقارون خسف الله به الأرض مع كثرة أمواله، فلما أعرض عن الله أعرض الله عنه فهلك .. وهلكت أمواله كما قال سبحانه: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا

стр. 2952

كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ (٨١)﴾ [القصص: ٨١]. وفرعون لما طغى أهلكه الله مع أن معه الملك والمال: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ (٥٥)﴾ [الزخرف: ٥٥]. ونمرود أهلكه الله لما أصرَّ على كفره مع أن معه الملك والمال. وهكذا القرى الظالمة، أهلكهم الله بذنوبهم ولم ينفعهم ما تعلقوا به من دون الله: ﴿وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا (٥٩)﴾ [الكهف: ٥٩]. فهل يعتبر العاقل، ويتوب الظالم، ويطيع العاصي، قبل أن تحل بهم عقوبة الظالمين والعصاة: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (٦) إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (٧) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ (٨) وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ (٩) وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ (١٠) الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ (١١) فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ (١٢) فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ (١٣) إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ (١٤)﴾ ... [الفجر: ٦ - ١٤]. إن الدعوة إلى الله كما هي وظيفة الأنبياء والرسل، هي كذلك وظيفة هذه الأمة، وبها تحصل الهداية للدعاة والمدعوين. ولما تركت الأمة الدعوة إلى الله عوقبت بضعف الإيمان، فعطلت أوامر الله في الدين، وأوامر الله في جهد الدين، حتى خرجت من الأمة أوامر الله، وسنن رسول الله ﷺ . وليس هذا فقط، بل لما خرجت السنن والفضائل، أخذت مكانها المحرمات والرذائل، فجاءت المصائب والمشاكل. وليس هذا فقط، بل قام في المسلمين من يحارب الله ورسوله، ويدعو إلى نبذ كتاب الله وراءه، وترك شرعه، ويدعو إلى المحرمات والكبائر والفواحش والرذائل، واتباع سنن اليهود والنصارى. وذلك كله عقوبة ترك الدعوة إلى الله، هذا ما حصل بين المسلمين، فكيف بأحوال الكافرين؟.

стр. 2953

إن في الدعوة إلى الله إحياء دين الله في قلوب المؤمنين، ودخول الكفار في دين رب العالمين، وإنشاء الاستعداد في القلوب للأعمال الصالحة، وبها تعمر الحياة كما كانت حياة الصحابة ﵃. ولن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها، فالحياة حسب أوامر الله بركة ورحمة، والحياة بدون أوامر الله شقاء وتعاسة. وجميع البشرية اليوم يعيشون في المصائب والمشاكل: كل خائف .. كل غير مطمئن في جميع شعب الحياة .. في نفسه، وفي بيته، وفي مجتمعه .. كل يشكو أحواله .. ويشكو ربه الرحمن الرحيم إلى خلقه. والمسلمون خاصة في أعظم المصائب والمشاكل، لتعطيلهم كثير من أوامر الله: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٤١)﴾ [الروم: ٤١]. فكل مسلم إلا من رحم الله يشكو المصيبة، بل المصائب في كل مكان، ويدعو فلا يستجاب له. والسبب: أن المسلمين لم يفكروا في سبب البلاء والمرض، بل يفكرون في الخلاص من البلاء والمرض، فلا يرتفع البلاء، ولا يزول المرض. والنجاة والسلامة أن نعلم أن المصائب من الله ، والمصائب تكون بحسب أعمالنا كما قال سبحانه: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (١٢٣)﴾ [النساء: ١٢٣]. ونحن غافلون عن إصلاح إيماننا وأعمالنا، وبصلاح أعمالنا تصلح أحوالنا، وترفع عنا العقوبات: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٧)﴾ [النحل: ٩٧]. فعلينا تغيير الداخل بالإيمان والتقوى، ثم الله يغير الخارج ويصلحه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ (١١)﴾ [الرعد: ١١].

стр. 2954

وعلينا أن نعيش كحياة الأنبياء والرسل لنسعد في الدنيا والآخرة، ونسلم من العقوبات، وننقل هذه الحياة الطيبة إلى جميع البشرية بالدعوة إلى الله، لتسعد البشرية، وتسلم من العقوبات في الدنيا والآخرة، فمن عاش كحياة الأنبياء حصل له الخير ثم دخل الجنة بعد الموت. وقد خلق الله الإنسان ليعيش في الدنيا كإنسان يعرف ربه ويعبده ويطيع أمره، ليس كالحيوان، وليس كالشيطان، وبذلك يسعد في الدنيا والآخرة. فإذا عاش الإنسان كالحيوان أو عاش كالشيطان جاءت المصائب والمشاكل في الدنيا، وعوقب بالنار في الآخرة. وكلما تشبه المسلم بالملائكة والأنبياء ارتفع مكانه، وعلت درجاته، واطمأنت نفسه، وكثر خيره في الدنيا والآخرة. وكلما تشبه الإنسان بالحيوانات والشياطين ضرَّ نفسه، وآذى غيره، ونزلت قيمته، وهبطت درجته، وشقي في الدنيا والآخرة كما قال سبحانه: ﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (١٢٣) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (١٢٥) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى (١٢٦) وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى (١٢٧)﴾ [طه: ١٢٣ - ١٢٧]. والعقوبات الشرعية نوعان: أحدها: عقوبة على ذنب ماض كجلد الشارب للخمر والقاذف، وقطع السارق والمحارب ونحو ذلك. الثاني: العقوبة لتأدية حق واجب، وترك محرم في المستقبل كما يستتاب المرتد حتى يسلم، وكما يعاقب تارك الصلاة والزكاة، وآخذ حقوق الناس حتى يؤديها. وقد شرع الله العقوبات الشرعية على قدر مفسدة الذنب، وتقاضي الطبع له: فإن

стр. 2955

كان الوازع عنه طبيعياً، وليس في الطباع داع إليه، اكتفى فيه بالتحريم مع التعزير، ولم يرتب عليه حداً كأكل الرجيع، وأكل الميتة، وشرب الدم ونحو ذلك، وما كان في الطباع داع إليه رتب عليه من العقوبة بقدر مفسدته، وبقدر داعي الطبع إليه كالقتل والزنا والسرقة، وجعل عقوبتها: القصاص والرجم والجلد. ولما كان داعي الطبع إلى الزنا من أقوى الدواعي كانت عقوبته العظمى من أشنع القتلات وأعظمها وهي الرجم، وعقوبته الدنيا أعلى أنواع الجلد مع التغريب، فالجلد للبكر، والرجم للثيب. ولما كانت جريمة اللواط فيها الأمران، كان حده القتل بكل حال. وجعل سبحانه القتال بإزاء الكفر، وما يليه ويقرب منه وهو الزنا وعمل قوم لوط، فإن هذا يفسد الأديان، وهذا يفسد الأنساب. وجعل سبحانه القطع بإزاء إفساد الأموال الذي لا يمكن الاحتراز منه. وجعل الجلد بإزاء إفساد العقول، وتمزيق الأعراض بالقذف. وكما جعل الله للطاعات ثواباً، فقد جعل للمعاصي عقاباً. والذنوب ثلاثة أقسام: الأول: قسم فيه الحد، فهذا لم يشرع فيه كفارة؛ اكتفاءً بالحد الشرعي كالقتل قصاصاً، وكسرقة المال فيها القطع، وشرب الخمر فيه الجلد ونحوهما. الثاني: قسم ليس فيه حد، لكن شرعت فيه الكفارة كالوطء في نهار رمضان، والوطء في الإحرام، والظهار، وقتل الخطأ، والحنث في اليمين ونحو ذلك. الثالث: قسم لم يرتب عليه حد ولا كفارة، وهو نوعان: أحدهما: ما كان الوازع عنه طبيعياً كأكل العذرة والنجاسات، وشرب البول والدم ونحو ذلك. الثاني: ما كانت مفسدته أدنى من مفسدة ما رتب عليه الحد كالنظر، والقبلة ونحوهما.

стр. 2956

وشرع الإسلام الكفارات في ثلاثة أنواع: أحدها: ما كان مباح الأصل ثم فرض تحريمه، فباشره الإنسان في الحال التي عرض فيها التحريم كالوطء في حال الإحرام والصيام، والوطء حال الحيض والنفاس ونحوهما. الثاني: ما عقده الإنسان لله من نذر، أو بالله من يمين، أو حرمه على نفسه ثم أراد حله، فشرع الله حله بالكفارة، فالكفارة حل لما عقده كما قال سبحانه: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٢)﴾ [التحريم: ٢]. الثالث: ما تكون فيه الكفارة جابرة لما فات، مثل كفارة قتل الخطأ، وإن لم يكن هناك إثم، وكفارة قتل الصيد خطأ. فإن هذا من باب الجوابر، والأول من باب الزواجر، والأوسط من باب التحلة لما منعه العقد. ولا يجتمع الحد والتعزير في معصية، بل إن كان فيها حد اكتفى به، وإلا اكتفى بالتعزير. ولا يجتمع الحد والكفارة في معصية، بل كل معصية فيها حد فلا كفارة فيها، وما فيه كفارة فلا حد فيه. وعقوبات الذنوب والمعاصي نوعان: عقوبات قدرية .. وعقوبات شرعية. وهي إما في القلب .. وإما في البدن .. وإما فيهما معاً. عقوبات في دار الدنيا .. وعقوبات بعد الموت في القبر .. وعقوبات يوم البعث وحشر الأجساد .. وعقوبات في مستقر الكفار والعصاة في النار كما قال سبحانه: ﴿لَهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَقُّ وَمَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ (٣٤)﴾ [الرعد: ٣٤]. وترتب العقوبات على الذنوب كترتب الإحراق على النار، والغرق على الماء، وفساد البدن على السموم.

стр. 2957

والعقوبة قد تقارن الذنب، وقد تتأخر عنه إما يسيراً وإما مدة، كما يتأخر المرض عن سببه أو يقارنه. أما أصل العقوبة فهو واقع على كل ذنب وما يعفو الله عنه أكثر كما قال سبحانه: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (١٢٣)﴾ [النساء: ١٢٣]. وقال سبحانه: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ (٣٠)﴾ [الشورى: ٣٠]. وأعظم الذنوب ثلاثة: الشرك .. والقتل .. والزنا. وعقوباتها أعظم العقوبات كما قال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (٦٩) إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٧٠)﴾ [الفرقان: ٦٨ - ٧٠]. عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: سألت النبي ﷺ : أي الذنب أعظم عند الله؟ قال: «أنْ تَجْعَلَ لله نِدّاً وَهُوَ خَلَقَكَ». قُلْتُ: إِنَّ ذَلِكَ لَعَظِيمٌ، قُلْتُ: ثُمَّ أيٌّ؟ قَالَ: «وَأنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ تَخَافُ أنْ يَطْعَمَ مَعَكَ». قُلْتُ: ثُمَّ أيٌّ؟ قَالَ: «أنْ تُزَانِيَ حَلِيلَةَ جَارِكَ» متفق عليه (١). فأعظم أنواع الشرك أن يجعل العبد لله نداً. وأعظم أنواع القتل أن يقتل الإنسان ولده خشية أن يطعم معه. وأعظم أنواع الزنا أن يزني الإنسان بحليلة جاره. فإن مفسدة الزنا تتضاعف بتضاعف ما انتهكه من الحق.

стр. 2958

فالزنا بالمرأة التي لها زوج أعظم إثماً وأشد عقوبة من التي لا زوج لها كالبكر؛ لما فيه من انتهاك حرمة الزوج، وإفساد فراشه، وتعليق نسب عليه لم يكن منه. فإن كان زوجها جاراً له فذلك أشد وأعظم البوائق، فإن كان الجار أخاً أو قريباً من أقاربه انضم إلى ذلك قطيعة الرحم، فيتضاعف الإثم له. فإن كان الجار غائباً في طاعة الله كالصلاة وطلب العلم والجهاد تضاعف له الإثم، حتى إن الغازي في سبيل الله يوقف له يوم القيامة، ويقال له خذ من حسناته ما شئت. فإن اتفق أن كانت المرأة رحماً منه انضاف إلى ذلك قطيعة رحمها، فإن كانت خالته أو عمته أو أخته أو بنته فذلك أشد وأعظم، وأقبح وأشنع، نسأل الله السلامة والعافية. فإن اتفق أن كان الزاني محصناً كان الإثم أعظم وأشد، فإن كان شيخاً كبيراً كان أعظم إثماً، فإن اقترن بذلك أن كان الزنا في شهر حرام، وبلد حرام، أو وقت حرام كالصيام، أو وقت معظم عند الله كأوقات الصلاة تضاعف الإثم، وتضاعفت العقوبة. وقد حرم الله على اليهود بعض الطيبات عقوبة لهم على ظلمهم وبغيهم وانتهاكهم حرمات الله كما قال سبحانه: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا (١٦٠)﴾ [النساء: ١٦٠]. وقال سبحانه: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (١٤٦)﴾ [الأنعام: ١٤٦]. أما الإسلام فقد شرع الله فيه للمسلمين لتكفير الخطايا أموراً أخرى غير تحريم الطيبات: أحدها: التوبة النصوح التي تمحو الذنوب كما يمحو الماء الوسخ كما قال سبحانه: ﴿فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ

стр. 2959

رَحِيمٌ (٣٩)﴾ [المائدة: ٣٩]. الثاني: الحسنات اللاتي يذهبن السيئات كما قال سبحانه: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ (١١٤)﴾ [هود: ١١٤]. الثالث: الصدقات التي تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار كما قال النبي ﷺ : «الصَّدَقَةُ تُطْفِئُ الْخَطِيئَةَ كَمَا يُطْفِئُ الْمَاءُ النَّارَ» أخرجه أحمد والترمذي (١). الرابع: المحن والمصائب التي تتناثر بها الخطايا كما يتناثر ورق الشجر إذا يبس كما قال النبي ﷺ : «مَا يُصِيبُ الْمُسْلِمَ، مِنْ نَصَبٍ وَلا وَصَبٍ، وَلا هَمٍّ وَلا حُزْنٍ وَلا أذًى وَلا غَمٍّ، حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا، إِلا كَفَّرَ الله بِهَا مِنْ خَطَايَاهُ» متفق عليه (٢). وصار التحريم كله في الإسلام يتبع الضرر والخبث والفساد. والناس قسمان: الأول: حي قابل للانتفاع، يقبل الإنذار، وينتفع به. الثاني: ميت القلب، لا يقبل الإنذار ولا ينتفع به؛ لأن أرضه غير زاكية ولا قابلة للخير البتة، فيحق عليه القول بالعذاب. وتكون عقوبته بعد قيام الحجة عليه، لا بمجرد كونه غير قابل للهدى والإيمان، بل لأنه غير قابل ولا فاعل. وإنما يتبين كون الإنسان غير قابل بعد قيام الحجة عليه بالوحي والرسول، فإذا رد ما جاء به الرسول تبين أنه غير قابل للهدى، فعوقب بكونه غير فاعل، فحق عليه القول أنه لا يؤمن ولو جاءه الرسول كما قال سبحانه: ﴿كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٣٣)﴾ [يونس: ٣٣]. وإنما يؤمن هؤلاء إذا رأوا العذاب يوم القيامة، وذلك لا ينفعهم كما قال

стр. 2960

سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٩٧)﴾ ... [يونس: ٩٦ - ٩٧]. وكان النبي ﷺ يجتهد كل أوقاته لدعوة الكفار إلى الإسلام، ويدعو ربه، ويبكي لأمته لعل الله أن يهديهم، والكفار كانوا يسبونه ويؤذونه ويشتمونه، فتحمل ذلك وصبر حتى أظهر الله دينه. وفي أيامنا هذه طرد كثير من المسلمين الدين من حياتهم .. من بيوتهم .. ومن أسواقهم .. ومن معاملاتهم .. ومن معاشراتهم .. وفي هذه المرحلة ينبغي أن نكون أشد جهداً، وأشد بكاءً، وأشد دعاء؛ لأن الكفار زمن النبي ﷺ هم الذين يطردون الرسول والدين ويحاربونه. أما اليوم فإن كثيراً من المسلمين هم الذين يطردون الدين وأعمال الرسول، ويعملون بسنن اليهود والنصارى، ويرضون بالخبائث عن الطيبات، وبالباطل عن الحق، وبالمحرمات عما أحل الله، وبالدنيا عن الآخرة. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ (١٠٠) وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٠١)﴾ [آل عمران: ١٠٠ - ١٠١]. وأصبح المسلمون اليوم بسبب ضعف الإيمان، وترك العمل بأوامر الله، كحفرة صغيرة انفصلت من البحر، فصار الناس والبهائم والسباع يلعبون بها لصغرها وقلة مائها وانفصالها من البحر الأعظم. فبدأ الأعداء يلعبون بهذه الأمة التي صارت صغيرة بسبب تركها للدين وجهد الدين، يلعبون بها ولا يخافون منها: يلعبون بشبابها ورجالها .. ويلعبون ببناتها وأولادها .. ويلعبون برجالها ونسائها .. ويسخرون بدينها وأخلاقها .. ويلعبون بأموالها وأعراضها .. وعقولها وأفكارها .. وحكامها وتجارها. يلعبون بالمسلمين هكذا، وهم آمنون مطمئنون، فليس لهذه الأمة صلة متينة

стр. 2961

بمصدر عزها ومجدها وهو القرآن الكريم. وأوامر القرآن الكريم لها قوة لا تقف أمامها أي قوة في الأرض كما قال سبحانه: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ (٣١)﴾ ... [الرعد: ٣١]. وقال سبحانه: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٩٦)﴾ [الأعراف: ٩٦]. والجهاد موجود في العالم الإسلامي، ولكنه جهاد من أجل الدنيا وتكميل الشهوات، جهاد لرفاهية البدن، جهاد لجمع الحطام، جهاد لتكميل شهوات النفس من المطعم والمشرب، والمركب والمسكن، والملبس والمنكح. عبث في الأوقات .. وإضاعة للطاقات .. واقتراف للمحرمات. فلله ما أعظم هذه الجناية، وما أخطرها على أهلها: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (٥٩) إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئًا (٦٠)﴾ [مريم: ٥٩ - ٦٠]. فسبحان الله كم حل بالمسلمين من العقوبات بسبب هذه الجنايات، والإقبال على الدنيا والإعراض عن الآخرة: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ (٢٨) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ (٢٩)﴾ [إبراهيم: ٢٨ - ٢٩]. ولا تزال هذه العقوبات من إغراق وإحراق، وإهلاك وتدمير، تحل بالأمم كلما أعرضت عند دين الله وخالفت رسله. وأما الجهاد لإعلاء كلمة الله وإصلاح النفس فهو موجود، ولكن القائمين به قليل. ومن رحمة الله بعباده أن أرسل إليهم الرسل يدعونهم إلى التوحيد

стр. 2962

والإيمان بالله، فإذا ظهر الشرك والكفر بعد ذلك بعث الله نبياً آخر يردهم إلى التوحيد والإيمان. وقد عاش بنو إسرائيل حياة شديدة مؤلمة في ظل حكم فرعون، الذي أفسد طبيعة بني إسرائيل، وملأها بالالتواء من ناحية، وبالقسوة من ناحية، وبالجبن من ناحية، وبالضعف عن تحمل التبعات من ناحية، وتركها مهلهلة بين هذه النزعات جميعاً. فليس أفسد للنفس البشرية من الذل والخضوع للطغيان طويلاً، ومن الحياة في ظل الإرهاب والخوف والتخفي والالتواء، والحركة في الظلام مع الذعر الدائم، والتوقع الدائم للبلاء. ولقد عاش بنو إسرائيل في هذا العذاب طويلاً، وفرعون يقتل أبناءهم، ويستحيي نساءهم، فإذا فتر هذا النوع من العذاب عاشوا حياة الذل والكد والسخر والمطاردة على كل حال، حتى جاء موسى ﷺ ، ورفع الله بسببه هذا البلاء. فدين الله يجعل الناس في أرض الله أعزاء، ويجب أن يكونوا أعزاء؛ لأنهم عبيد الله ملك الملوك، ويجب أن لا يضربهم الحكام فيذلوهم؛ لأنهم ليسوا عبيداً للحكام، بل عبيد الله وحده: ﴿وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (٤٩)﴾ ... [البقرة: ٤٩]. وقد حقق الله وعده لبني إسرائيل فأنجاهم من عذاب فرعون، وأهلك أعداءهم، وأورثهم أرضهم وديارهم كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٤) وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (٥) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ (٦)﴾ [القصص: ٤ - ٦].

стр. 2963

وعقوبات الله واقعة بكل من كفر بالله وعصاه: ﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ (٣١)﴾ [الرعد: ٣١]. ونحن إذا تركنا الدعوة إلى الله عوقبنا بالدعوة إلى الأموال والأشياء، ثم بالدعوة إلى الشهوات والمحرمات والشبهات، فجاء في قلوبنا تعظيم المخلوق، والخوف من المخلوق، والتأثر منه، فيسلطه الله علينا، فنطيع أمره وإن خالف أمر خالقه: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (٤٤)﴾ [الأنعام: ٤٤]. والصحابة ﵃ لما قاموا بالدعوة إلى الله جاء في قلوبهم عظمة الخالق ، فزاد إيمانهم، وحسنت أعمالهم وتنوعت، وأطاعوا الله ورسوله، فرضي الله عنهم ورضوا عنه: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٠٠)﴾ [التوبة: ١٠٠]. والناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه أوشك الله أن يعمهم بعقاب، وفي هذا تخويف وتحذير لمن سكت عن النهي عن المنكر .. فكيف بمن داهن؟ .. فكيف بمن رضي؟ فكيف بمن أعان؟ فكيف بمن فعل؟. والعقوبة معناها: مؤاخذة المجرم بذنبه، وسميت بذلك لأنها تَعْقُب الذنب. والعقوبة أنواع: منها ما يتعلق بالدين وهي أشدها كأن تخف المعصية في نظر العاصي، أو يتهاون بترك الواجب. ومنها العقوبة في النفس كالمرض .. والعقوبة بفقد الأهل والأولاد .. والعقوبة بفقد المال ونحو ذلك: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (٤٩)﴾ [المائدة: ٤٩]. وإذا أعرض الناس عن تحكيم الكتاب والسنة، واعتقدوا عدم الاكتفاء بهما،

стр. 2964

وعدلوا إلى الأمراء وأقوال الشيوخ عرض لهم من ذلك فساد في فطرهم، وظلمة في قلوبهم، وكدر في أفهامهم. وأعمتهم هذه الأمور وغلبت عليهم فلم يروها منكراً، وجاءتهم دولة أخرى تقوم فيها البدع مقام السنن .. والنفس مقام العقل .. والهوى مكان الهدى .. والضلال مقام الرشد .. والمنكر مقام المعروف .. والجهل مكان العلم .. والباطل مقام الحق .. والرياء مقام الإخلاص .. والظلم مقام العدل .. والظلام مقام النور. فحينذاك بطن الأرض خير من ظهرها، وماذا بعد الحق إلا الضلال. وما ضيع أحد فريضة من الفرائض إلا ابتلي بتضييع السنن، وما ضيع أحد سنة من السنن إلا يوشك أن يبتلي بالبدع. والله عزيز حكيم عليم، إذا منع الناس الزكاة، وحرموا المساكين، حبس الله عنهم الغيث، وابتلاهم بالقحط. فلما منعوا الحق عاقبهم الله بمنع نزول الغيث. ومن صرف الناس عن الهدى والإيمان صرف الله قلبه عن الهدى والإيمان، فصدهم الله عنه كما صدوا عباده عنه، صداً بصد، ومنعاً بمنع: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (١٢٣)﴾ [النساء: ١٢٣]. وإذا جار القوي على الضعيف، ولم يؤخذ للمظلوم حقه من ظالمه، سلط الله العدو عليهم ففعل بهم كفعلهم بضعفائهم. فسبحان من بهرت حكمته العقول، وملكت القلوب. وكفر ساعة يوجب عقاب الأبد في النار؛ لأن الكافر كان على عزم أنه لو عاش أبداً لبقي على ذلك الاعتقاد أبداً، فلما كان ذلك العزم مؤبداً عوقب بعقاب الأبد، والله عليم بذات الصدور. أما المسلم المذنب، فإنه يكون على عزم الإقلاع عن ذلك الذنب فلا جرم كانت عقوبته منقطعة.

стр. 2965

والعبد إذا قصر في طاعة الله سلبه الله من يؤنسه، وكلما زاد الإيمان زادت الطاعات، فاستأنس العبد بربه، واستوحش من غيره، وكلما نقص الإيمان قلت الطاعات، وزادت المعاصي، وانشغل الإنسان بالشهوات عن أوامر الله . وإذا قامت الحياة على أساس الأموال والأشياء، لا على أساس الإيمان والتقوى، سلط الله على الأمة أربعة أشياء: قحط الدهر .. وخيانة الحكام .. وظلم الملوك .. وخوف الأعداء، فالأشياء موجودة لكن الحوائج لا تكمل، والأموال موجودة لكن القلوب غير مطمئنة: ﴿وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٣٣)﴾ [النحل: ٣٣]. ومن سنة الله أن كل من أعرض عن شيء من الحق وقع في باطل، مقابل ما أعرض عنه من الحق. فمن رغب عن العمل لله وحده ابتلاه الله بالعمل لوجوه الخلق، فما أخسره حين رغب عن العمل لمن ضره ونفعه، وحياته وموته، وسعادته وشقاوته بيده، إلى العمل لمن لا يملك من ذلك شيئاً. ومن رغب عن إنفاق ماله في طاعة الله ابتلي بإنفاقه لغير الله وهو راغم. ومن رغب عن التعب لله ابتلي بالتعب لخدمة أدنى الخلق. ومن رغب عن الهدى بالوحي ابتلي بكناسة الآراء، وزبالة الأذهان. والعقوبات نوعان: خاصة: كما عاقب الله قارون وحده، فخسف به وبداره الأرض. وعامة: كما دمر الله فرعون وقومه؛ لأن فرعون ادعى أنه رب وإله، واستخف قومه فأطاعوه واتبعوه، فدمر الله الجميع، وأغرقهم في البحر كما قال سبحانه: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ (٥٥)﴾ [الزخرف: ٥٥]. وكذا كل من عاند الرسل وكذبهم من الأمم كقوم نوح وعاد وثمود وقوم لوط وقريش عاقبهم الله بذنوبهم: ﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ

стр. 2966

تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ (٣١)﴾ [الرعد: ٣١]. والجرائم في الشريعة الإسلامية لها عقوبات تسمى الحدود كالقصاص، والقطع في السرقة، والرجم أو الجلد في الزنا، والجلد في القذف وشرب الخمر ونحوها. أما عقوبة ترك الدعوة فهي الاستبدال كما قال سبحانه: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ (٣٨)﴾ [محمد: ٣٨]. وكما أن الله لم يستثن أحداً من الخيرية، كذلك لم يستثن أحداً من المسئولية، والدعوة ليست عملاً اكتسابياً، بل هي عمل اجتبائي من الخالق، وبعد الاجتباء تأتي المسئولية كما قال سبحانه لموسى: ﴿وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى (١٣)﴾ [طه: ١٣]. وقد اجتبى الله هذه الأمة كما اجتبى الأنبياء كما قال سبحانه: ﴿هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (٧٨)﴾ ... [الحج: ٧٨]. والملوك إذا تعرضوا للدين سُلبوا ملكهم، وذلوا بعد عزهم، كما حصل لفرعون حين استكبر وعارض موسى أهلكه الله، وكما حصل لكسرى حين مزق كتاب النبي ﷺ مزق الله ملكه. وقد أرسل الله الأنبياء السابقين إلى أممهم، وعاقب من خالفهم بعذاب الاستئصال كقوم نوح وهود، وقوم صالح وقوم لوط وغيرهم. والسبب في تأخر عذاب الاستئصال عن هذه الأمة، أن ذلك العذاب مشروط بشرطين: الأول: أن عند الله حداً من الكفر مَنْ بلغه عذبه، ومن لم يبلغه لم يعذبه. الثاني: أن الله لا يعذب قوماً حتى يعلم أن أحداً منهم لا يؤمن. فإذا حصل الشرطان أمر الله الأنبياء أن يدعو على أممهم، فإذا دعوا وشكوا إليه

стр. 2967

سوء أعمالهم استجاب الله دعاءهم، وعذب أممهم بعذاب الاستئصال إلا من آمن منهم فينجيه الله وإياهم. والمسلمون اليوم وإن آمنوا بالله رباً وإلهاً .. إلا أنهم لم يعظموه ولم يطيعوه كما يجب أن يعظم وأن يطاع .. ولم يسلموا وجوههم إلى الله .. ولم يتوكلوا عليه .. ولم يتيقنوا على ذاته وأوامره. فكانت النتيجة أن عوقبت الأمة بعقوبات: فارتابت الأمة في أخبار الله .. وشكت في عدالته فلم تحكم شرعه .. ولم تذعن لأمره ولا لنهيه .. فتركت كثيراً من الفرائض والواجبات .. وارتكبت كثيراً من الكبائر والمحرمات. فقست القلوب .. وضعف الإيمان .. وقلت الطاعات .. وكثرت المعاصي .. فأصبحت الأمة إلا من رحم الله تكره لقاء ربها .. وتخاف من فراق الحياة. وأمست لا همَّ لها إلا ما يعمر دنياها ويحقق شهواتها .. وانقطعت عن السير في طريق الكمال .. وأسرعت السير في طريق الضلال .. فضلَّت وتاهت إلا من رحم الله. وبسبب ترك الدعوة إلى الله ضاع الإسلام أو كاد، ومسئولية ضياع الإسلام مسئولية مشتركة بين أعدائه وأوليائه: فأعداؤه كادوا له بإثارة النعرات والنزاعات، وإيجاد الطرق والمذاهب المتعددة بين أمم الإسلام وشعوبه، وبذر بذور الفرقة والشقاق في صفوفهم: ﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢١٧)﴾ [البقرة: ٢١٧]. وأولياؤه: هم الأمراء والعلماء، فالأمراء والرؤساء فرطوا في إقامة الشرع، وحماية حدوده بما أوتوا من قوة وما خُوِّلوا من سلطان. وأكثر العلماء فرطوا في تعليم الدين للناس، والعمل به، والدعوة إليه.

стр. 2968

وبين كيد الأعداء وتفريط الأولياء ضاع الإسلام أو كاد، وصار كأمة لا يهاب ولا يحترم. لكنه باقٍ في الأرض كأفراد وجماعات تؤمن به، وتعمل بأحكامه وتؤدي فرائضه، وتقيم حدوده، وتدعو إليه في ساحة الأرض كلها، لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم كما قال النبي ﷺ : «لا يَزَالُ مِنْ أُمَّتِي أُمَّةٌ قَائِمَةٌ بِأمْرِ اللهِ، لا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ وَلا مَنْ خَالَفَهُمْ، حَتَّى يَأْتِيَهُمْ أمْرُ اللهِ وَهُمْ عَلَى ذَلِكَ» متفق عليه (١). والله يعاقب على الأسباب المحرمة، وعلى ما تولد منها، كما يثيب على الأسباب المأمور بها، وعلى ما تولد منها. فمن دعا إلى بدعة أو ضلالة فعليه وزرها ووزر من عمل بها؛ لأن فعلهم تولد من فعله، ولذلك كان على ابن آدم القاتل لأخيه كفل من ذنب كل قاتل بغير حق إلى يوم القيامة. ولكل من دل على خير فله مثل أجر فاعله. قال الله تعالى: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ (٢٥)﴾ [النحل: ٢٥]. وقال النبي ﷺ : «مَنْ دَعَا إِلَى هُدًى، كَانَ لَهُ مِنَ الأجْرِ مِثْلُ أجُورِ مَنْ تَبِعَهُ، لا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أجُورِهِمْ شَيْئًا، وَمَنْ دَعَا إِلَى ضَلالَةٍ، كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الإثْمِ مِثْلُ آثَامِ مَنْ تَبِعَهُ، لا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ آثَامِهِمْ شَيْئًا» أخرجه مسلم (٢). والله ﷻ إنما يسلط الشيطان على الذين يتولونه، والذين هم به مشركون، فلما تولوه من دون الله، وأشركوه معه، عوقبوا على ذلك بتسليطه عليهم كما قال سبحانه: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٩٩) إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ (١٠٠)﴾ [النحل: ٩٩ - ١٠٠].

стр. 2969

ولله على أهل المعاصي عقوبتان: إحداهما: جعل الإنسان خاطئاً مذنباً لا يحس بألم المعصية ومضرتها لموافقتها شهوته وإرادته، وهي في الحقيقة من أعظم العقوبات. الثانية: العقوبات المؤلمة بعد فعله للسيئات. لكن العقوبة الأولى عقوبة موافقة لشهوته وإرادته فلا يشعر بها، والثانية مخالفة لما يحبه ويتلذذ به فيقاسي ألمها. وقد ذكر الله العقوبتين وقرن بينهما بقوله سبحانه: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (٤٤) فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٥)﴾ [الأنعام: ٤٤ - ٤٥]. وعلى المسلم أن يحذر من أمرين لهما عواقب سوء: الأول: رد الحق لمخالفته هواه، فمن فعل ذلك عوقب بتقليب قلبه، وَرَدِّ ما يَرِدُ عليه من الحق رأساً، فلا يقبله إلا إذا برز في قالب هواه. الثاني: التهاون بالأمر إذا حضر وقته، فمن تهاون بذلك ثبطه الله وأقعده عن مراضيه وأوامره عقوبة له كما قال سبحانه: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١١٠)﴾ [الأنعام: ١١٠]. وكل كافر ومشرك إنما يستحق العقوبة بمجرد كفره وشركه، ولكن إرسال الرسل وترك طاعتهم شرط في وقوع العذاب. فالمقتضي قائم وهو عدم الإيمان، لكن وقوع العقوبة مشروط بشرط هو إرسال الرسول، ومعصية الرسول كما قال سبحانه: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (١٥)﴾ [الإسراء: ١٥]. وفساد الدين يحصل بأمرين: البدع .. واتباع الهوى. وهذان هما داء الأولين والآخرين، وأصل كل شر وفتنة، وكل بلاء وعقوبة، وبهما كُذبت الرسل، وعصي الرب، ودُخلت النار، وحلت العقوبات.

стр. 2970

فالأول من جهة الشبهات، والثاني من جهة الشهوات كما قال سبحانه: ﴿كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلَاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلَاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٦٩)﴾ ... [التوبة: ٦٩]. فالاستمتاع بالخلاق وهو النصيب من الدنيا متضمن لنيل الشهوات المانعة من متابعة الأمر، والخوض في الباطل شأن النفوس الباطلة التي لم تخلق لنعيم الآخرة، فهي لا تزال ساعية في نيل شهواتها. فإذا نالتها خاضت في الباطل الذي لا يجدي عليها إلا الضرر العاجل والآجل، ولكن من رحمة الله أنه يبتلي هذه النفوس بالشقاء والنصب في تحصيل مرادها وشهواتها، فلا تتفرغ للخوض في الباطل إلا قليلاً. ولو تفرغت لكانت هذه النفوس آثمة تدعو إلى النار. وهذا حال من تفرغ منها كما هو مشاهد في كل زمان ومكان. فالاستمتاع بالشهوات داء العصاة، والخوض في الباطل داء المبتدعة وأهل الأهواء. وما من قرية من القرى المكذبة للرسل إلا لا بدَّ أن يصيبهم هلاك قبل يوم القيامة، أو عذاب شديد، كتاب كتبه الله، وقضاء أبرمه لا بدَّ من وقوعه كما قال سبحانه: ﴿وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا (٥٨)﴾ ... [الإسراء: ٥٨]. وقضى الله سبحانه قضاءً لا مرد له أن من اطمأن على شيء سواه، أتاه القلق والانزعاج والاضطراب من جهته كائناً من كان. بل لو اطمأن العبد إلى علمه وعمله وحاله سلب ذلك. وقد جعل سبحانه نفوس المطمئنين إلى سواه أغراضاً لسهام البلاء، ليعلم عبادُه وأولياؤه أن المتعلِّق بغيره مقطوع.

стр. 2971

وكل ما نراه في الوجود من شر وألم، وعقوبة وجدب، ونقص فينا وفي غيرنا، فهو من قيام الرب تعالى بالقسط، وهو عدل الله وقسطه، وإن أجراه على يد ظالم، فالمسلِّط له أعدل العادلين كما قال سبحانه لمن أفسد في الأرض: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا (٥)﴾ [الإسراء: ٥]. وقد عاقب الله ﷻ الكفار بعقوبات حسب جرائمهم، ورتب بعض العقوبات على الذنوب. منها: الختم على القلوب والأسماع .. والغشاوة على الأبصار .. والأقفال على القلوب .. وجعل الأكنة والرين عليها .. والطبع على القلوب .. وتقليب الأفئدة والأبصار .. والحيلولة بين المرء وقلبه .. وإغفال القلب عن ذكر الرب .. وإنساء العبد نفسه .. وترك إرادة الله تطهير قلبه .. وجعل الصدر ضيقاً حرجاً كأنما يَصَّعَّد في السماء .. وصرف القلوب عن الحق .. وزيادتها مرضاً على مرضها .. وإركاسها وإنكاسها بحيث تبقى منكوسة. ومن عقوبات المعاصي أنها تثبط عن الطاعات، وتبعد عنها، وتجعل القلب أصم لا يسمع الحق، أبكم لا ينطق به، أعمى لا يراه. ومنها الخسف بالقلب كما يخسف بالمكان وما فيه، فيخسف به إلى أسفل سافلين، وصاحبه لا يشعر به. وعلامة الخسف بالقلب أنه لا يزال جوالاً حول السفليات والقاذورات والرذائل، كما أن القلب الذي رفعه الله وقربه إليه لا يزال جوالاً حول البر والخير، والفضائل والطيبات، والعلويات والمحاسن من الأقوال والأعمال والصفات. وقد أخبر الله ﵎ في القرآن ما أوقع بالمشركين من العقوبات، ويذكر إنجاءه لأهل التوحيد. فيذكر شرك هؤلاء الذي استحقوا به الهلاك، وتوحيد هؤلاء الذي استحقوا به

стр. 2972

النجاة، ثم يخبر أن في ذلك آية وبرهاناً للمؤمنين، ثم يذكر مصدر ذلك كله، وأنه صادر عن أسمائه وصفاته سبحانه. فصدور هذا الإهلاك عن عزته، وذلك الإنجاء عن رحمته كما قال سبحانه بعد عقوبات الأمم المكذبة كقوم نوح وعاد وثمود: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (٨) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٩)﴾ [الشعراء: ٨ - ٩]. والله أحسن كل شيء خلقه .. وأتقن كل شيء صنعه .. فكل شيء عند مبدأ خلقه بريء من الآفات والعلل .. تام المنفعة لما خلق له وهيىء له: ﴿ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٦) الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ (٧)﴾ [السجدة: ٦ - ٧]. وإنما تعرض له الآفات بعد ذلك بأمور أخر من مجاورة، أو امتزاج، أو أسباب أخر تقتضي فساده، فلو تُرِك على خلقته الأصلية من غير تعلق أسباب الفساد به لم يفسد. ومن له معرفة بأحوال العالم ومبدئه، يعرف أن جميع الفساد في جوه ونباته وحيوانه، وأحوال أهله، جاءت بعد خلقه بأسباب اقتضت حدوثه. ولم تزل أعمال بني آدم ومخالفتهم للرسل تُحدث لهم من الفساد العام والخاص ما يجلب عليهم من الآلام والأسقام والأمراض، ومن القحط والجدب والطواعين، وسلب بركات الأرض وثمارها ونباتها، وسلب منافعها، ونقص أوزانها وأحجامها أموراً متتابعة كما قال سبحانه: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٩٦)﴾ [الأعراف: ٩٦]. ولا زالت تحدث الآفات والعلل كل وقت في الزروع، والثمار، والأشجار، والإنسان، والحيوان، ويحدث من تلك الآفات آفات أخر متلازمة، وبعضها آخذ برقاب بعض. وكلما أحدث الناس ظلماً وفجوراً أحدث لهم ربهم ﵎ من الآفات

стр. 2973

والعلل في أغذيتهم وفواكههم، وهوائهم ومياههم، وأبدانهم وخلقهم، وأشكالهم وأخلاقهم من النقص والآفات ما هو موجب أعمالهم وظلمهم وفجورهم كما قال سبحانه: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٤١)﴾ [الروم: ٤١]. فظهر الفساد في البر والبحر وفي أنفسهم بسبب ما قدمت أيديهم من الأعمال الفاسدة، المفسدة بطبعها، ليعلم العباد أن الله هو المجازي على الأعمال، فعجل لهم شيئاً يسيراً من جزاء أعمالهم في الدنيا لعلهم يرجعون عن أعمالهم التي أثرت لهم من الفساد ما أثرت، وجلبت لهم من البلاء والمحن ما جلبت، فتصلح أحوالهم، ويستقيم أمرهم. فسبحان الحكيم العليم الذي أنعم ببلائه .. وتفضل بعقوبته .. وإلا فلو أذاقهم عقوبة جميع ما كسبوا من السيئات في الدنيا ما ترك على ظهرها من دابة .. كما قال سبحانه: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا (٤٥)﴾ [فاطر: ٤٥]. وأكثر هذه الآفات والأمراض بقية عذاب عذبت به الأمم السابقة، ثم أبقى الله منها بقية مرصدة لمن فعل مثل أفعالهم، حكماً قسطاً، وقضاء عدلاً. كما سلط الله الريح على قوم عاد سبع ليال وثمانية أيام حسوماً، ثم أبقى في العالم منها بقية في تلك الأيام وفي نظيرها عظة وعبرة. وكما قال النبي ﷺ : «الطَّاعُونُ رِجْزٌ أوْ عَذَابٌ أرْسِلَ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، أوْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، فَإِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ بِأرْضٍ، فَلا تَقْدَمُوا عَلَيْهِ وَإِذَا وَقَعَ بِأرْضٍ وَأنْتُمْ بِهَا فَلا تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ» متفق عليه (١). والحل الذي يرفع هذه الآفات والبلايا والأمراض الإيمان بالله، والاستقامة

стр. 2974

على أوامره، بفعل ما أمر الله به، واجتناب ما نهى الله عنه، والقيام بوظائف الدين الظاهرة والباطنة، وفي ذلك الأمن والسلامة والعافية في الدنيا والآخرة كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (٣١) نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (٣٢)﴾ [فصلت: ٣٠ - ٣٢]. وبذلك نعلم أن الرسل وأتباعهم خاصة على سبيل النجاة، وسائر الخلق على سبيل الهلاك سائرون، وإلى دار البوار صائرون، والله بالغ أمره لا معقب لحكمه، ولا راد لأمره. ومن تدبر أحوال العالم وجد كل صلاح في الأرض فسببه توحيد الله وعبادته وطاعة رسوله، وكل شر في العالم وفتنة وبلاء وقحط، وتسليط عدو وغير ذلك فسببه مخالفة أمر الله ورسوله، والدعوة إلى غير الله وما شرعه رسوله. فالله أصلح الأرض برسوله ودينه، وبالأمر بعبادته وتوحيده، ونهى عن إفسادها بالشرك به، ومخالفة رسوله كما قال سبحانه: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٥٥) وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٥٦)﴾ [الأعراف: ٥٥ - ٥٦]. والناس قسمان: ذاكر لربه .. وغافل عن ربه. فمن نسي ربه أنساه ذاته ونفسه، وما به صلاحه وفلاحه في معاشه ومعاده، فصار معطلاً مهملاً بمنزلة الأنعام السائبة، بل هي خير منه لبقائها على هداها التام الذي أعطاها إياه خالقها. وأما هذا الغافل عن ربه فخرج عن فطرته التي خُلق عليها، فنسي ربه فأنساه نفسه، وما تكمل به، وما تزكو به، وما تسعد به في معاشها ومعادها كما قال سبحانه: ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (٢٨)﴾ ... [الكهف: ٢٨].

стр. 2975

فلما غفل عن ذكر ربه انفرط عليه أمره وقلبه. وأعظم العقوبات نسيان العبد نفسه وإهماله لها، وإضاعته حظها ونصيبها من الله، ومن نسي ربه أنساه الله نفسه كما قال سبحانه: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (١٩)﴾ [الحشر: ١٩]. فهؤلاء عاقبهم الله على نسيانهم له، بأن أنساهم أنفسهم، فنسوا مصالحها أن يفعلوها، وعيوبها أن يصلحوها، ونقائصها أن يكملوها، وحظوظها أن يتناولوها. وهذا من أعظم العدل، فإنه سبحانه نسيهم كما نسوه، وأنساهم حظوظ أنفسهم ونعيمها وكمالها، وأسباب سعادتها ولذتها؛ عقوبة لهم على نسيان المحسن إليهم بصنوف النعم، المتحبب إليهم بآلائه ونعمائه. فلما قابلوا ذلك بنسيان ذكره، والإعراض عن شكره، عدل فيهم بأن أنساهم مصالح أنفسهم فعطلوها، فوقعت فيما تفسد به وتتألم بفوته. ومن أعظم مصالح النفس وأنفع حظوظها ذكرها لربها وفاطرها، وشكرها له، وطاعتها لأمره، فلا نعيم لها ولا سرور، ولا فلاح ولا صلاح، إلا بذكر الله وحبه وطاعته، والإقبال عليه والإعراض عما سواه كما قال سبحانه: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (٢٨)﴾ [الرعد: ٢٨]. فهؤلاء ذكروا الله فذكرهم، وذكرهم بمصالح نفوسهم ففعلوها، وأوقفهم على عيوبها فأصلحوها، وعَرَّفهم حظوظها العالية فبادروا إليها. فجازى أولئك على نسيانهم بأن أنساهم الإيمان، ومحبة الله وذكره وشكره، فلما خلت قلوبهم من ذلك لم يجدوا عن ضده محيصاً. وهذا يبين لنا كمال عدل الله سبحانه في تقدير الكفر والذنوب عليها. وإذا كان قضاؤه على النفس بالكفر والذنوب عدلاً منه عليها، فقضاؤه عليها بالعقوبة أعدل وأعدل. فهو سبحانه ماض في عبده حكمه، عدل فيه قضاؤه.

стр. 2976

فله فيها قضاءان: قضاء السبب .. وقضاء المسبب، وكلاهما عدل فيه. فإن العبد لما ترك ذكر ربه، وترك فعل ما يحبه ويرضاه، عاقبه بنسيان نفسه، فأحدث له هذا النسيان ارتكاب ما يبغضه الله ويسخطه بقضائه الذي هو عدل. فترتب لهذا العبد على هذا الفعل والشرك عقوبات وآلام لم يكن منها بدّ، بل هي مترتبة عليه ترتب المسببات على أسبابها، فهو عدل محض من الرب سبحانه، فعدل في العبد أولاً وآخراً، فهو محسن في عدله، محبوب عليه. ودين الله ﵎ هو الحق، وكل ما سواه باطل، وإنما يكيد المكذبون الظالمون، ويحتالون ويخادعون، من أجل رده وصرف الناس عنه، والله ﷻ يكيدهم كما يكيدون دينه ورسوله ﷺ وعباده المؤمنين عقوبة لهم على جرمهم كما قال سبحانه: ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا (١٥) وَأَكِيدُ كَيْدًا (١٦) فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا (١٧)﴾ ... [الطارق: ١٥ - ١٧]. وكيده سبحانه لأعدائه استدراجهم لمصارعهم من حيث لا يعلمون، والإملاء لهم حتى يأخذهم على غرة كما قال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (١٨٢) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (١٨٣)﴾ [الأعراف: ١٨٢ - ١٨٣]. فالإنسان إذا أراد أن يكيد غيره يظهر له إكرامه وإحسانه إليه حتى يطمئن إليه، فيأخذه على غرة كما يفعله أعداء الله ورسوله. فإذا فعل ذلك أعداء الله ورسوله بأوليائه ودينه كان كيد الله لهم حسناً لا قبح فيه، فيعطيهم ويعافيهم وهو يستدرجهم كما قال سبحانه: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (٤٤)﴾ [الأنعام: ٤٤]. وكل من استقام على أوامر الله أسعده الله وأكرمه في الدنيا والآخرة، وتفضيل بني إسرائيل على العالمين موقوت بزمان استخلافهم واختيارهم، واستقامتهم

стр. 2977

على أوامر الله كما قال سبحانه: ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (٤٧)﴾ [البقرة: ٤٧]. فأما بعد ما عتوا عن أمر ربهم، وعصوا رسله، وقتلوا أنبياءه، وتخلوا عن التزاماتهم وعهدهم، وأفسدوا في الأرض، فقد أعلن الله حكمه عليهم باللعنة والغضب، والذلة والمسكنة، وقضى عليهم بالتشريد، وحق عليهم الوعيد كما قال سبحانه: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (٧٨)﴾ ... [المائدة: ٧٨]. وقال سبحانه: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣)﴾ [المائدة: ١٣]. وقال سبحانه: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (٦١)﴾ [البقرة: ٦١]. وقال سبحانه: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا (١٦٠) وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٦١)﴾ ... [النساء: ١٦٠ - ١٦١]. والربا من كبائر الذنوب، يدمر الأمم، ويحطم الأخلاق، ويوجب اللعنة والطرد من رحمة الله، وقد أعلن الله الحرب على أهله من الله ورسوله، وهي حرب شاملة داهمة غامرة أعم من القتال. حرب على الأعصاب والقلوب .. وحرب على البركة والرخاء .. وحرب على السعادة والطمأنينة .. حرب المطاردة والمشاكسة .. حرب الغبن والظلم .. حرب القلق والحزن .. حرب يسلط الله فيها بعض العصاة لدينه ومنهجه على بعض .. وأخيراً حرب السلاح بين الأمم والجيوش والدول.

стр. 2978

إنها حرب تشتعل الآن في العالم كله من جراء النظام الربوي المقيت، وأيسر ما يقع إن لم يقع هذا كله هو خراب النفوس، وانهيار الأخلاق، وانطلاق سعار الشهوات، وتحطيم الكيان البشري كله من أساسه. وهي حرب مشبوبة دائماً، وقد أعلنها الله على المتعاملين بالربا، وهي مسعرة الآن تأكل الأخضر واليابس في حياة البشرية الضالة، وهي غافلة تحسب أنها تكسب وتتقدم، بينما هي خاسرة قطعاً؛ لأن المرابين يحاربون الله ورسوله، ومن يحاربه الله ورسوله ﷺ فهو هالك وخاسر قطعاً كما قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ (٢٧٩)﴾ ... [البقرة: ٢٧٨ - ٢٧٩]. وهذا الإنتاج العظيم والمال الوفير لو أنه نشأ من منبت زكي طاهر لأسعد البشرية، ولكنه نبت من أرض الربا الملوث فأشقى البشرية، وخنق أنفاسها، وحطم أخلاقها، وأثقل كواهلها بالديون، وأشعل الفتن والحروب، وتسبب لها بأعظم العقوبات. والحل واحد .. بالاستقامة على أوامر الله، وتجنب هذا المورد العفن النتن الآسن وهو الربا، واتباع وطاعة الله ورسوله فيما شرعه من أحكام عادلة، وإلا فهي العقوبة والهلاك بلا ريب. فيا لله .. كم يؤم أوكار الوحوش الربوية من المسلمين؟. وكم تسعى هذه الفرائس إلى الفخاخ بأقدامها؟. وإذا كانت الطاعات محسوبة .. والمعاصي محسوبة .. والمعاملات مكتوبة .. والسرائر مكشوفة، فهلا نسارع إلى الخيرات؟. وهلا نخاف الله؟ ونخاف يوماً تتقلب فيه القلوب والأبصار؟ ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٢٨١)﴾ [البقرة: ٢٨١]. والكفر بآيات الله سواء بإنكارها أصلاً .. أو عدم الاحتكام إليها في واقع

стр. 2979

الحياة .. وقتل الأنبياء بغير حق .. وطرد سننهم من الحياة .. وقتل الذين يأمرون بالقسط من الناس جسدياً أو معنوياً .. وعصيان الجبار سبحانه .. والاستعداء على حق الله، وحق رسوله ﷺ ، وحق عباده .. هذه هي المؤهلات لغضب الله، وللهزيمة والذلة والمسكنة يتقدم بها من يسمون أنفسهم مسلمين بغير حق إلى ربهم، فينالون عليها كل ما كتبه الله على اليهود من الهزيمة والذلة والمسكنة والغضب. ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (١١٢)﴾ [آل عمران: ١١٢]. فاليهود لا يطمئنون ولا يستقرون، حيث عاقبهم الله بالذلة في بواطنهم، والمسكنة في ظواهرهم، فلا يطمئنون إلا بحبل من الله، وحبل من الناس فلا يكون اليهود إلا تحت أحكام المسلمين وعهدهم، تؤخذ منهم الجزية ويُستذلون، أو تحت أحكام النصارى، وباءوا مع ذلك بأعظم العقوبات وهي غضب الله عليهم، ولعنته لهم. وقد حذر الله المؤمنين من طاعة الذين كفروا، فطاعة الذين كفروا عاقبتها الخسارة المؤكدة، وليس فيها ربح ولا منفعة، بل فيها الانقلاب على الأعقاب إلى الكفر كما قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ (١٤٩) بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ (١٥٠)﴾ ... [آل عمران: ١٤٩ - ١٥٠]. فالذي لا يكافح الكفر والشر، والضلال والباطل، والظلم والطغيان، لا بدَّ أن يتخاذل أو يتقهقر ويرتد على عقبيه إلى الكفر والشر والضلال والطغيان. فالإيمان والكفر ضدان .. فالذي لا يتحرك إلى الأمام بإيمانه، لا بدَّ أن يرتد إلى الوراء بكفره .. والذي لا يعلو بإيمانه وأعماله الصالحة، لا بدَّ أن ينزل إلى أسفل بكفره وأعماله السيئة.

стр. 2980

ومن كان الله مولاه فما حاجته بولاية أحد من خلقه؟ .. ومن كان الله ناصره فما حاجته بنصرة أحد من العبيد؟. والله ﵎ لطيف بعباده رحيم بهم كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (٦٥)﴾ [الحج: ٦٥]. وهو سبحانه غني عن عذاب العباد، فما به سبحانه من نقمة ذاتية عليهم يصب عليهم من أجلها العذاب، وما به سبحانه من حاجة لإظهار سلطانه وقوته عن هذا الطريق، وما به سبحانه من رغبة ذاتية في عذاب الناس، وإنما هو صلاح العباد بالإيمان والشكر لله : ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا (١٤٧)﴾ [النساء: ١٤٧]. فعذاب الله جزاء على الجحود والكفران، وتهديد لعله يقود إلى الشكر والإيمان. إنها ليست شهوة التعذيب، ولا رغبة التنكيل، فمتى اتقى الإنسان ربه بالشكر والإيمان فهنالك المغفرة والرضوان، وهناك شكر الله سبحانه لعبده: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ (٧)﴾ [إبراهيم: ٧]. وإذا كان الخالق المنعم المتفضل، الغني عن العالمين، يشكر لعباده صلاحهم وإيمانهم وشكرهم وهو غني عنهم وعن إيمانهم وشكرهم، فماذا ينبغي للمخلوقين المغمورين بنعم الله؟. وماذا يجب عليهم تجاه الخالق الرزاق المنعم المتفضل؟. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١٧٢)﴾ [البقرة: ١٧٢]. وأعظم المنكرات والفواحش والكبائر ثلاثة: الشرك بالله .. والزنا .. وقتل النفس بغير حق، وكل هذه جرائم قتل في الحقيقة. الجريمة الأولى: جريمة قتل الفطرة.
следующие страницы →