الرفيق
ومن أسمائه الحسنى : الرفيق.
قال النبي ﷺ : «إِنَّ اللهَ رَفِيقٌ يُّحِبُّ الرِّفْقَ، وَيُعْطِي عَلَى الرِّفْقِ مَا لا يُعْطِي عَلَى الْعُنْفِ، وَمَا لا يُعْطِي عَلَى مَا سِوَاهُ» متفق عليه (١).
الله ﵎ هو الرفيق، الكثير الرفق، وهو اللين والتسهيل، الذي يسهل الأمور، وييسر أسباب الخير كلها لعباده.
وهو سبحانه الرفيق الحليم الذي لا يعجل بعقوبة العصاة، ليتوب من سبقت له العناية، ويزاد إثماً من سبقت له الشقاوة.
والله سبحانه رفيق، ليس بعجول، وإنما يعجل من يخاف الموت أو الفوات، فأما من كانت الأشياء في قبضته وملكه فليس من شأنه العجلة.
والرفق هو التأني في الأمور والتدرج فيها.
فالله رفيق في أفعاله، حيث خلق المخلوقات كلها بالتدريج شيءاً فشيءاً، وهو قادر على خلقها كلها دفعة واحدة، في لحظة واحدة كما قال سبحانه: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢)﴾ [يس: ٨٢].
وهو سبحانه رفيق حكيم في أمره ونهيه .. فلا يأخذ عباده بالتكاليف الشاقة مرة واحدة .. بل يتدرج معهم في الأحكام من حال إلى حال .. حتى تألفها نفوسهم .. ثم تشمر لها جوارحهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (٦٥)﴾ [الحج: ٦٥].
فينبغي للمسلم أن يكون رفيقاً في أموره كلها، وفي جميع أحواله، غير عجل فيها، فإن العجلة من الشيطان، ومن يحرم الرفق يحرم الخير.
قال النبي ﷺ : «إِنَّ الرِّفْقَ لا يَكُونُ فِي شَيْءٍ إِلا زَانَهُ، وَلا يُنْزَعُ مِنْ شَيْءٍ إِلا شَانَهُ» أخرجه مسلم (٢).
стр. 317
الشافي
ومن أسمائه الحسنى : الشافي.
قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (٨٠)﴾ [الشعراء: ٨٠].
وعن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ كان إذا أتى مريضاً، أو أُتي به إليه قال ﷺ : «أَذْهِبِ الْباسَ رَبَّ النَّاسِ، اشْفِ وأَنْتَ الشَّافيِ لَا شفَاءَ إِلاَّ شِفَاؤكَ، شِفَاءً لا يُغَادِرُ سَقَماً» متفق عليه (١).
الله ﵎ هو الشافي لكل آفة وعاهة، وكل مرض بدني أو نفسي.
والشفاء: رفع ما يؤذي أو يؤلم البدن والقلب.
وهو سبحانه الشافي وحده، وهو الذي جعل الشفاء في الأدوية المستعملة، وهو الذي خلق الداء والدواء والشفاء.
وهو سبحانه الشافي الكافي، الذي يشفي الأبدان من أمراضها، ويشفي الصدور والقلوب من الشبه والشكوك، لا يقدر على ذلك غيره، ولا يدعى بهذا الاسم سواه.
والأدوية لا تنفع بذاتها، بل بما قدره الله تعالى فيها من الشفاء.
والتداوي لا ينافي التوكل، فإن الله جعل الدواء سبباً للشفاء، كما لا ينافي دفع الجوع بالأكل، والعطش بالشرب، وقد جعل الله لكل شيء سبباً.
وقد أنزل الله القرآن العظيم شفاء لعباده المؤمنين، يُستشفى به من الجهل والضلالة، ويبصر به من العمى، فهو هدى ورحمة لهم، لأنهم يعملون بما فيه، فيسعدهم في الدنيا، ويدخلهم بذلك الجنة، وينجيهم من النار، ولا يزيد الكافرين إلا خساراً، لأنهم لا يعملون به كما قال سبحانه: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا (٨٢)﴾ ... [الإسراء: ٨٢].
стр. 318
وأما شفاء الأبدان، فإن الله هو الشافي، الذي أنزل الداء والدواء، علمه من علمه، وجهله من جهله.
قال النبي ﷺ : «مَا أَنْزَلَ الله دَاءً إِلاَّ أَنْزَلَ لَهُ شِفَاءً» أخرجه البخاري (١).
فسبحان الذي خلق وهدى .. وأطعم وأسقى .. وابتلى وشفا .. وأمات وأحيا .. وتجاوز وعفا.
﴿رَبَّ الْعَالَمِينَ (٧٧) الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (٧٨) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (٧٩) وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (٨٠) وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ (٨١) وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ (٨٢)﴾ ... [الشعراء: ٧٧ - ٨٢].
стр. 319
الطيب
ومن أسمائه الحسنى : الطيب.
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «أيُّهَا النَّاسُ! إِنَّ اللهَ طَيِّبٌ لا يَقْبَلُ إِلا طَيِّباً، وَإِنَّ اللهَ أمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ، فَقَالَ: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٥١)﴾ [المؤمنون: ٥١]» أخرجه مسلم (١).
الله ﵎ هو الطيب، المنزه عن النقائص والعيوب، الطيب الذي هدى عباده المؤمنين إلى أفضل القول، وأطيبه كلمة الإخلاص، ثم سائر الأقوال الطيبة التي فيها ذكر الله أو إحسان إلى عباد الله كما قال سبحانه: ﴿وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ (٢٤)﴾ [الحج: ٢٤].
والله سبحانه هو الطيب، فلا ينبغي التقرب إليه إلا بكل طيب من النيات والأقوال والأعمال والأخلاق والأموال، فهو سبحانه طيب لا يقبل إلا الطيب من كل شيء.
ومن طاب قلبه بمعرفة الله ومحبته وخشيته، وطاب لسانه بذكره، وطابت جوارحه بطاعته، أسعده الله في الدنيا، وأدخله الجنة في الآخرة، لأنها الدار الطيبة، التي لا يليق بها إلا الطيبون: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ (٧٣)﴾ [الزمر: ٧٣].
وقد وعد الله المؤمنين والمؤمنات بالحياة الطيبة في الدنيا والآخرة فقال سبحانه: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٧)﴾ ... [النحل: ٩٧].
стр. 320
السبوح
ومن أسمائه الحسنى : السبوح.
عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ كان يقول في ركوعه وسجوده: «سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ، رَبُّ الْمَلائِكَةِ وَالرُّوحِ» أخرجه مسلم (١).
الله ﵎ هو السبوح، المنزه عن كل عيب ونقص وسوء، المبرأ من النقائص، المنزه عن الشريك، وكل ما لا يليق بجلاله.
والله ﷻ هو القدوس، الذي له الكمال المطلق في كل أسمائه وصفاته وأفعاله، الذي لا شريك له ولا مثيل: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ [الشورى: ١١].
وهو سبحانه القدوس، الذي يقدسه ويسبحه كل من في العالم العلوي، وكل من في العالم السفلي، في جميع الأوقات، بمختلف اللغات، وأنواع الأصوات كما قال سبحانه: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (٤٤)﴾ [الإسراء: ٤٤].
فالله ﵎ هو الرب العظيم، الذي من عظمته الباهرة، وقدرته القاهرة، أن جميع الأرض يوم القيامة في قبضته، والسموات مطويات بيمينه. فلا عظمه حق عظمته من سوى به غيره، ولا أظلم منه.
﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٧)﴾ ... [الزمر: ٦٧].
стр. 321
الجميل
ومن أسمائه الحسنى : الجميل.
عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قال: «لا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ. قال رَجُلٌ: إنَّ الرَّجُلَ يُّحِبُّ أنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا وَنَعْلُهُ حَسَنَاً، قال: إنَّ اللهَ جَمِيلٌ يُّحِبُّ الْجَمَالَ، الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ وَغَمْطُ النَّاسِ» أخرجه مسلم (١).
الله ﵎ هو الجميل بذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله، ذو الأسماء الحسنى، والصفات العلا، الذي كل جمال في العالم فمن جماله.
وهو سبحانه الجميل كامل الجمال، المجمل من شاء من خلقه، الجميل المحسن إلى عباده، واهب الجمال والحسن والإحسان لمن شاء.
وهو سبحانه جميل الأفعال بعباده، يكلف باليسير من العمل، ويعين عليه، ويثيب عليه الجزيل، ويشكر عليه.
وقد خلق الله الإنسان في أجمل صورة، وأحسن تقويم كما قال سبحانه: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (٤)﴾ [التين: ٤].
وقد خلق الله البشر متفاوتين في الحسن والجمال، فأعطى الله سيد الأولين والآخرين محمداً ﷺ حظاً وافراً من الجمال، فهو أحسن الناس خَلقاً وخُلُقاً، وأحسنهم وجهاً، وجهه كأنه القمر.
وكان ﷺ أحسن الناس أخلاقاً، سماحةً ولطفاً، وحلماً وكرماً، ورحمة وشفقة، وصلةً وبراً، وعزة وشجاعة، وعفواً وصفحاً وحياءً وتواضعاً.
فسبحان من جمع لرسوله ﷺ جمال الخَلق والخُلُق، وأثنى عليه بقوله سبحانه: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤].
والله سبحانه جميل يحب الجمال والتجمل في غير إسراف ولا مخيلة، ولا بطر ولا كبر.
стр. 322
فسبحان الجميل الذي كل جمال في الوجود فهو من آثار صنعه:
جميل الذات .. جميل الأسماء .. جميل الصفات .. جميل الأفعال.
فلا يستطيع البشر النظر إلى جلاله وجماله في هذه الدار، فإذا رآه المؤمنون في الجنة أنستهم رؤيته ما هم فيه من النعيم، فلا يلتفتون حينئذ إلى شيء سواه: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾ [القيامة: ٢٢، ٢٣].
وسبحان الجميل الذي اتصف بالجمال، وخلق الجمال، وجمل به المخلوقات في العالم العلوي والسفلي، وفي الدنيا والآخرة، وفي الظاهر والباطن، فكل جمال في الكائنات فمن آثار اسمه الجميل.
جمل السماء بالنجوم .. وجمل الأرض بالنبات .. وجمل الملائكة بالطاعات .. وجمل القلوب بالإيمان .. وجمل الجوارح بالأعمال الصالحة .. وجمل الدنيا بالدين .. وجمل الآخرة بالجنة التي فيها أعلى أنواع النعيم والجمال ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧) أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ (١٨) أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُزُلًا بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٩)﴾ [السجدة: ١٧ - ١٩].
وجمل الجنة برؤية وجهه الكريم الذي إليه منتهى الكمال والجمال والجلال.
стр. 323
الوِتر
ومن أسمائه الحسنى : الوِتر.
عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «لِلَّهِ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ اسْمًا، مَنْ حَفِظَهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَإِنَّ اللهَ، وِتْرٌ يُّحِبُّ الْوِتْر» متفق عليه (١).
الله ﵎ هو الوتر، الفرد الذي لا شريك له ولا نظير، الأول الذي لا إله غيره، ولا رب سواه، فلا ينبغي لشيء من الموجودات أن يضم إليه، فيعد معه، أو يعبد معه، بل هو وحده الإله الواحد الأحد الصمد، الوتر الفرد الذي لا شريك له كما قال سبحانه: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾ [الإخلاص: ١ - ٤].
والله هو الوتر، الذي يحب الوتر، ويأمر به في كثير من الأقوال والأعمال والطاعات التي شرعها، كما في الأذكار والصلوات الخمس، ووتر الليل، والطهارة وغير ذلك.
قال رسول الله ﷺ : «يَا أَهْلَ الْقُرْآنِ أَوْتِرُوا فَإِنَّ اللهَ وِتْرٌ يُّحِبُّ الْوِتْرَ» أخرجه الترمذي وأبو داود (٢).
والخلق كله شفع ووتر، وقد أقسم الله به في قوله سبحانه: ﴿وَالْفَجْرِ (١) وَلَيَالٍ عَشْرٍ (٢) وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ (٣)﴾ [الفجر: ١ - ٣].
стр. 324
المنان
ومن أسمائه الحسنى : المنان.
قال الله تعالى: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٧)﴾ [الحجرات: ١٧].
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ كُنْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ جَالِساً يَعْنِي وَرَجُلٌ قَائِمٌ يُصَلِّي فَلَمَّا رَكَعَ وَسَجَدَ وَتَشَهَّدَ دَعَا فَقَالَ فِي دُعَائِهِ اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِأَنَّ لَكَ الْحَمْدَ لَا إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ الْمَنَّانُ بَدِيعُ السموات وَالأَرْضِ يَا ذَا الْجَلَالِ وَالإِْكْرَامِ يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ إِنِّي أَسْأَلُكَ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لأَِصْحَابِهِ تَدْرُونَ بِمَا دَعَا قَالُوا اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ دَعَا اللهَ بِاسْمِهِ الْعَظِيمِ الَّذِي إِذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ وَإِذَا سُئِلَ بِهِ أَعْطَى» أخرجه أبو داود والنسائي (١).
الله ﵎ هو المنان، كثير العطاء، عظيم المواهب، الذي أعطانا الحياة والعقل، والسمع والبصر، والمال والولد، وصور الخلق فأحسن الصور، وأنعم فأجزل العطايا.
وهو سبحانه المنّان، الذي منَّ على عباده بأنواع الإحسان والإنعام، المعطي ابتداء، ولله المنّة على عباده، ولا منّة لأحد منهم عليه، وهو المنّان الذي يبدأ بالنّوال قبل السؤال.
وهو سبحانه المنّان، الذي منَّ على رسله بالرسالة والهداية والنصر كما قال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ (١١٤) وَنَجَّيْنَاهُمَا وَقَوْمَهُمَا مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (١١٥) وَنَصَرْنَاهُمْ فَكَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ (١١٦) وَآتَيْنَاهُمَا الْكِتَابَ الْمُسْتَبِينَ (١١٧) وَهَدَيْنَاهُمَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (١١٨) وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِي الْآخِرِينَ (١١٩) سَلَامٌ عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ (١٢٠)﴾ [الصافات: ١١٤ - ١٢٠].
стр. 325
وهو سبحانه المنّان الذي من على البشر بالهداية إلى الإيمان كما قال سبحانه: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٧)﴾ ... [الحجرات: ١٧].
وقد ذم الله المنّان من الناس، واختص بالمنّ لنفسه، لأن المنَّ من العباد تكدير وتعيير، ومن الله إفضال وتذكير، وهو سبحانه المنعم في نفس الأمر، والعباد وسائط، والامتنان استعباد وإذلال لمن يمن عليه، ولا تصلح العبودية والذل إلا لله الغني عن جميع الخلائق.
والمعطي قد تولى الله ثوابه، ورد عليه أضعاف ما أعطى، فبقي عوض ما أعطى عند الله، فأي حق بقي له عند الآخذ، فإذا امتنّ عليه فقد ظلمه، ومن هنا بطلت صدقته بالمن كما قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [البقرة: ٢٦٤].
فهو سبحانه المانّ بفضله، وأهل سمواته وأهل أرضه كلهم وأعمالهم في محض مننه، ولو أتى العباد بكل طاعة، وكانت أنفاسهم كلها طاعات، لكانوا في محض مننه وفضله، وكانت له المنّة عليهم، وكلما عظمت طاعة العبد كانت منّة الله عليه أعظم، فهو المانّ بفضله، ومن أنكر مَنَّه فقد أنكر إحسانه وإنعامه على عباده: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (٣٤)﴾ [إبراهيم: ٣٤].
стр. 326
الحيي
ومن أسمائه الحسنى : الحيي.
عن يعلى بن أمية ﵁ أن رسول الله ﷺ رأى رجلاً يغتسل بالبراز بلا إزار، فصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال ﷺ : «إِنَّ اللهَ حَيِيٌّ سِتِّيرٌ يُّحِبُّ الْحَيَاءَ وَالسَّتْرَ فَإِذَا اغْتَسَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْتَتِر» أخرجه أبو داود والنسائي (١).
وعن سلمان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إِنَّ رَبَّكُمْ ﵎ حَيِيٌّ كَرِيمٌ يَسْتَحْيِي مِنْ عَبْدِهِ إِذَا رَفَعَ يَدَيْهِ إليه أَنْ يَرُدَّهُمَا صِِفْراً» أخرجه أبو داود والترمذي (٢).
الله ﵎ هو الحيي كثير الحياء، وحياؤه على ما يليق بجلاله، ليس كحياء المخلوقين الذي هو تغير وانكسار يعتري الشخص عند خوف ما يعاب أو يذم، بل حياؤه هو ترك ما لا يتناسب مع سعة رحمته، وكمال جوده وكرمه، وعظيم عفوه وحلمه.
فالعبد يجاهر بالمعصية، مع أنه أفقر شيء إلى الله، وأضعفه لديه، ويستعين بنعمه على معصيته، ولكن الله مع كمال غناه، وتمام مقدرته عليه، يستحي من هتك ستره وفضيحته، فيستر العبد بما يهيئه له من أسباب الستر، ثم بعد ذلك يعفو عنه ويغفر له.
عن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ اللهَ يُدْنِي الْمُؤْمِنَ، فَيَضَعُ عَلَيْهِ كَنَفَهُ وَيَسْتُرُهُ، فَيَقُولُ: أتَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا: أتَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ أيْ رَبِّ، حَتَّى إِذَا قَرَّرَهُ بِذُنُوبِهِ، وَرَأى فِي نَفْسِهِ أنَّهُ هَلَكَ، قال: سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا، وَأنَا أغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ، فَيُعْطَى كِتَابَ حَسَنَاتِهِ» متفق عليه (٣).
стр. 327
وكان النبي ﷺ أشد حياءً من العذراء في خدرها، فعلى المسلم أن يستحي من خالقه أعظم الحياء، فهو يتقلب في نعمه وإحسانه آناء الليل والنهار، ولا يستغني عنه طرفة عين، وهو سبحانه يرانا في جميع أحوالنا، ولا يخفى عليه شيء من أمرنا.
ومن علم أن الله السميع البصير مطلع عليه استحى أن يراه على معصية: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٦١)﴾ ... [يونس: ٦١].
وعن ابن عمر ﵄، أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ مَرَّ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الأنْصَارِ، وَهُوَ يَعِظُ أخَاهُ فِي الْحَيَاءِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «دَعْهُ فَإنَّ الْحَيَاءَ مِنَ الإيمَانِ» متفق عليه (١).
فسبحان العليم الخبير، الذي اتصف بالحياة، وخلق الحياء، ومنَّ به على من شاء من خلقه.
فكل حياء في الملائكة والجن والإنس فمن خزائنه: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ (٢١)﴾ [الحجر: ٢١].
стр. 328
الستير
ومن أسمائه الحسنى : الستير .. والساتر.
عَنْ يَعْلَى بن أمية ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ رَأَى رَجُلاً يَغْتَسِلُ بِالْبَرَازِ بِلَا إِزَارٍ فَصَعَدَ الْمِنْبَرَ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ اللهَ حَيِيٌّ سِتِّيرٌ يُّحِبُّ الْحَيَاءَ وَالسَّتْرَ فَإِذَا اغْتَسَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْتَتِرْ» أخرجه أبو داود النسائي (١).
وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «لا يَسْتُرُ اللهُ عَلَى عَبْدٍ فِي الدُّنْيَا، إِلا سَتَرَهُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» أخرجه مسلم (٢).
الله ﵎ هو الستير، الذي يستر على عباده كثيراً، ولا يفضحهم في المشاهد، حيي ستير، يحب الحياء والستر، ويستر على عباده الكثير من العيوب والقبائح والفضائح.
وقد رغب الله في الستر، وحذر من المجاهرة والمفاخرة بالمعصية.
قال النبي ﷺ : «َمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا، سَتَرَهُ اللهُ فِي الدُّنْيَا والآخرة» أخرجه مسلم (٣).
وقال ﷺ : «كُلُّ أُمَّتِي مُعَافًى إِلا الْمُجَاهِرِينَ، وَإِنَّ مِنَ الْمُجَاهَرَةِ أنْ يَعْمَلَ الرَّجُلُ بِاللَّيْلِ عَمَلاً، ثُمَّ يُصْبِحَ وَقَدْ سَتَرَهُ الله، فَيَقُولَ: يَا فُلانُ، عَمِلْتُ الْبَارِحَةَ كَذَا وَكَذَا، وَقَدْ بَاتَ يَسْتُرُهُ رَبُّهُ، وَيُصْبِحُ يَكْشِفُ سِتْرَ اللهِ عَنْهُ» متفق عليه (٣).
وإذا وقع المسلم في معصية أو تقصير فليستر على نفسه، ويتوب إلى ربه فإن الله يغفرها له، لأنه الغفور الذي يغفر الذنوب، الساتر الذي يستر العيوب، الكريم الذي يبدل السيئات بالحسنات.
стр. 329
الديان
ومن أسمائه الحسنى : الديان.
عن عائشة ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يُّحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلا قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! النِّسَاءُ وَالرِّجَالُ جَمِيعاً، يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إلى بَعْضٍ؟ قَالَ: «يَا عَائِشَةُ! الأمْرُ أشَدُّ مِنْ أنْ يَنْظُرَ بَعْضُهُمْ إلى بَعْضٍ» متفق عليه (١).
الله ﵎ هو الديان، المحاسب والمجازي للعباد، والحاكم بينهم يوم المعاد كما قال سبحانه: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾ [الفاتحة: ٢ - ٤].
وهو سبحانه الديان وحده يوم القيامة، الذي يجازي كلاً بعمله، ويقتص للمظلوم من الظالم، ومن السيد لعبده، ومن القوي للضعيف.
وهو سبحانه الديان الذي يحكم بين العباد بالعدل، وإذا حكم الله يوم القيامة فلا ظلم ولا جور، فمن وجد خيراً فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (٣٠)﴾ [آل عمران: ٣٠].
وقال الله في الحديث القدسي: «يَا عِبَادِي! إِنَّمَا هِيَ أعْمَالُكُمْ أحْصِيهَا لَكُمْ ثُمَّ أوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا، فَمَنْ وَجَدَ خَيْراً فَلْيَحْمَدِ اللهَ، وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلا يَلُومَنَّ إِلا نَفْسَهُ» أخرجه مسلم (٢).
стр. 330
المحسن
ومن أسمائه الحسنى : المحسن.
قال الله تعالى عن يوسف ﷺ : ﴿وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (١٠٠)﴾ [يوسف: ١٠٠].
وقال الله تعالى: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (٧٧)﴾ [القصص: ٧٧].
وقال النبي ﷺ : «إنَّ اللهَ كَتَبَ الإحْسانَ عَلَى كُلَِ شَيْءٍ، فَإذَا قَتَلْتُمْ فَأحْسنُوا القِتْلَةَ، وَإذَا ذَبّحْتُم فّأحْسِنُوا الذَّبْحَ وَلْيِحدَ أحَدكُُم شَفْرَتَهُ، فَليُرِحْ ذَبيحَتَهُ» أخرجه مسلم (١).
الله ﵎ هو المحسن، الذي غمر الخلق جميعاً بإحسانه وإنعامه، برهم وفاجرهم، مؤمنهم وكافرهم.
وهو سبحانه المحسن الكريم الذي لا يخلو موجود من إحسانه طرفة عين:
فهو المحسن إلى كل مخلوق بنعمة الإيجاد .. ونعمة الإمداد .. وللمؤمن مع ذلك بنعمة الهداية .. ولا خفاء بإحسان الله تعالى إلى خلقه .. ومنته عليهم بما غمرهم من الإحسان والإنعام، والفضل والجود.
وهو سبحانه المحسن إلى الخلق كلهم بصنوف النعم، ولو غفل عن ذلك الغافلون، وجحد فضله الجاحدون، وأعرض عن شكره الكافرون، فلا قيام للخلق ولا بقاء لهم إلا به سبحانه، وبجوده وإنعامه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (٢٤٣)﴾ [البقرة: ٢٤٣].
ومن إحسان الله وجوده وفضله على الإنسان أن أخرجه من عدم،
стр. 331
وصوره في أحسن صورة، وهي صورة آدم، وهي أحسن صور العالم كما قال سبحانه: ﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٦٤)﴾ [غافر: ٦٤].
ومن إحسانه على الإنسان أن جعله عاقلاً لا معتوهاً ولا سفيهاً .. حتى يمتاز عن البهائم .. وهداه للإسلام .. وهذا أعظم أنواع الإحسان والإنعام .. وجعله من أمة محمد ﷺ .. وعلمه كتابه .. وأحسن إليه بإعانته على العمل بما علم .. ووفقه لنشر ما علم بين عباده .. ليكون نور بلاده .. ويستضاء بسراجه.
وهو سبحانه المحسن الذي أحسن إلى الإنسان، وأنعم عليه بكمال الصورة، واعتدال الخلقة، وفصاحة اللسان، وحسن السمع والبصر، وسلامة البدن من نقص أو خلل، حتى يبقى صحيحاً سليماً: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٧٨)﴾ ... [النحل: ٧٨].
وهو سبحانه المحسن الذي أنعم على الإنسان بانتظام الحال، واتساع المال، حتى لا يحتاج إلى أحد من الخلق في اكتساب الرزق، ويحتاج إليه غيره، وهذه وتلك نعمة يجب شكرها، إذ ليس كل أحد يعطاها.
ومن نعم الله على الإنسان ما أنعم عليه بالعصبة والعشيرة، والأصحاب والأتباع، الذين تآلفت قلوبهم على محبته وتقديره، وقاموا جنة بينه وبين أعدائه، فعاش في أمن بين جميع الخلائق، يُنظر إليه بعين الإجلال والوقار، وتقضى حوائجه حيثما كان.
ومن إحسانه إليه ما رزقه الله من الزوجة والأولاد، حتى يكون من ذريته في أمة محمد ﷺ عدد وافر، وكلهم موحد لربه، ولآلائه ذاكر وشاكر.
يشتد بهم في الدنيا أزره، ويحبط بهم في الآخرة وزره بدعائهم له، وتزيد حسناته بفعلهم القرب عنه.
ومنها ما أنعم الله به عليه من صحة الجسم، وفراغ البال، ونعم الله على العباد لا
стр. 332
تحصى كما قال سبحانه: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٨)﴾ [النحل: ١٨].
والله يحب من خلقه التعبد بمعاني أسمائه وصفاته، فهو تواب يحب التوابين، ومحسن يحب المحسنين كما قال سبحانه: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٩٥)﴾ [البقرة: ١٩٥].
فعلى المسلم أن يحسن كما أحسن الله إليه بتلك النعم، فيعبد الله عبادة تامة كأنه يراه، فإن لم يكن يراه فهو يراه، وعليه أن يحسن إلى العباد بإيصال جميع أنواع الخير لهم، وقد وعده الله بالثواب على ذلك بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (١٢٠)﴾ [التوبة: ١٢٠].
стр. 333
السيد
ومن أسمائه الحسنى : السيد.
عن عبد الله بن الشخير ﵁ قال: انطلقت في وفد بني عامر إلى رسول الله ﷺ فقلنا: أنت سيدنا، فقال: «السَّيِّدُ الله» أخرجه أحمد وأبو داود (١).
الله ﵎ هو السيد، الذي كمل في سؤدده، المحتاج إليه على الإطلاق، الذي له الأسماء الحسنى والصفات العلا.
وهو سبحانه السيد، الذي تحق له السيادة، فالسموات والأرض، والملائكة والروح، والإنس والجن، والنبات والحيوان، كل هؤلاء خلق للبارئ ، ليس بهم غنية عنه في بدء أمرهم وهو الوجود، ولا في الإبقاء بعد الإيجاد، ولا في العوارض العارضة أثناء البقاء.
فهذه المخلوقات كلها مخلوقة بأمره .. باقية بأمره.
تزيد بأمره .. وتنقص بأمره .. وتحيا بأمره .. وتموت بأمره .. وتتحرك بأمره وتسكن بأمره .. وترزق بأمره .. وتنفع بأمره .. وتضر بأمره: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٥٤)﴾ [الأعراف: ٥٤].
فسبحان ذي الجبروت والملكوت والكبرياء والعظمة.
ومن هذه صفاته، وهذا فعله، وهذه قدرته، كان حقاً له جل ثناؤه أن يكون سيداً، وكان حقاً على العباد أن يدعوه بهذا الاسم، فالسؤدد حقيقة لله ، والخلق كلهم عبيد له، وهو مالكهم وربهم ومولاهم: ﴿فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (٧٨)﴾ [الحج: ٧٨].
стр. 334
المقدم والمؤخر
ومن أسمائه الحسنى : المقدم والمؤخر.
قال النبي ﷺ : «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أخَّرْتُ، وَمَا أسْرَرْتُ وَمَا أعْلَنْتُ، أنْتَ الْمُقَدِّمُ وَأنْتَ الْمُؤَخِّرُ، وَأنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» متفق عليه (١).
وقال النبي ﷺ : «اللَّهُمَّ لَكَ أسْلَمْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ، وَإلَيْكَ أنَبْتُ، وَبِكَ خَاصَمْتُ، وَإلَيْكَ حَاكَمْتُ، فَاغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أخَّرْتُ، وَمَا أسْرَرْتُ وَمَا أعْلَنْتُ، أنْتَ الْمُقَدِّمُ، وَأنْتَ الْمُؤَخِّرُ، لا إلَهَ إلا أنْتَ» متفق عليه (٢).
الله ﵎ هو المقدم، الذي ينزل الأشياء منازلها، فيقدم ما شاء منها، ويؤخر ما شاء.
قدم المقادير قبل أن يخلق الخلائق، وقدم من أحب من أوليائه على غيرهم من عبيده، ورفع الخلق بعضهم فوق بعض درجات، وقدم من شاء بالتوفيق إلى مقامات السابقين، وأخر من شاء عن مراتبهم، وثبطهم عنها بحكمته.
وأخر سبحانه الشيء عن حين توقعه، لعلمه بما في عواقبه من الحكمة، لا مقدم لما أخر، ولا مؤخر لما قدم، وهو الحكيم العليم.
وهو سبحانه المقدم الذي يقدم الأشياء، ويضعها في مواضعها، فمن استحق التقديم قدمه، وهو المؤخر الذي يؤخر الأشياء، فيضعها في مواضعها، يقدم من شاء من خلقه إلى رحمته بتوفيقه، ويؤخر من يشاء عن ذلك لخذلانه.
وهو سبحانه المقدم المعطي لعوالي الرتب والمنازل، المؤخر الدافع عن عوالي الرتب والمنازل، العالم بمن يصلح لهذا .. ومن يصلح لهذا.
والله ﷻ هو المقدم لبعض الأشياء على بعض، إما تقديماً في الخلق كتقديم بعض المخلوقات على بعض في الوجود، وكتقديم الأسباب على
стр. 335
مسبباتها.
وإما تقديماً في الشرع، كتفضيل أهل الإيمان على سائر البشر، وتفضيل بعض النبيين على بعض، وتفضيل بعض العباد على بعض، وتفضيل بعض العبادات على بعض، كتقديم الفرض على النافلة، وحق الله على حق غيره.
وهو سبحانه المؤخر بعض الأشياء عن بعض، إما بالزمان، وإما بالشرع، لا مقدم لما أخر، ولا مؤخر لما قدم.
فهو سبحانه المقدم من شاء، المؤخر من شاء، وهو على كل شيء قدير، وإذا علم العبد ذلك، فعليه أن يقدم ما قدمه الله، ويؤخر ما أخره الله.
ومن أراد أن يقدمه الله على غيره، فليسابق إلى طاعته، والعمل بمرضاته، والتقرب إليه بما استطاع من محبوباته كالتقوى والإحسان والصبر.
ومن تأخر عن ذلك أخره الله، فإنه المتأخر عن درجات الخير والثواب، المؤخر في الآلام والعذاب.
قال الله تعالى: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢١)﴾ [الحديد: ٢١].
وقال النبي ﷺ : «تَقَدَّمُوا فَأْتَمُّوا بِي، وَلْيَأْتَمَّ بِكُمْ مَنْ بَعْدَكُمْ، لا يَزَالُ قَوْمٌ يَتَأخَّرُونَ حَتَّى يُؤَخِّرَهُمُ اللهُ» أخرجه مسلم (١).
стр. 336
القابض والباسط
ومن أسمائه الحسنى : القابض والباسط.
قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٤٥)﴾ [البقرة: ٢٤٥].
وعن أنس ﵁ قال: غلا السعر على عهد رسول الله فقالوا: يا رسول الله لو سعرت، فقال: «إِنَّ اللهَ هُوَ الْمُسَعِّرُ الْقَابِضُ الْبَاسِطُ الرَّازِقُ وَإِنِّي لأََرْجُو أَنْ أَلْقَى اللهَ وَلَيْسَ أَحَدٌ مِنْكُمْ يُطَالِبُنِي بِمَظْلَمَةٍ فِي دَمٍ وَلَا مَالٍ» أخرجه أبو داود والترمذي (١).
الله ﵎ هو القابض الباسط، الذي يوسع على من يشاء، ويقتر على من يشاء، يقبض ويبسط على حسب ما يراه ويعلمه من المصلحة لعباده، يبسطه بجوده، ويقبضه بعدله، وهو الحكيم العليم.
وهو سبحانه القابض، الذي يطوي بره ومعروفه عمن يريد، الباسط الذي ينشر فضله على من يشاء من عباده، يرزق ويوسع، ويجود ويتفضل، يفعل ذلك بعباده بحسب علمه وحكمته: ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ (٢٧)﴾ ... [الشورى: ٢٧].
والقابض والباسط من الأسماء الكريمة المتقابلة، لا يفرد أحدهما عن قرينه، ولا يثنى على الله بواحد منها إلا مقروناً بمقابله، لأن تمام القدرة والكمال المطلق لله لا يحصل إلا بمجموعها، ومثلها المقدم والمؤخر، والمعطي والمانع ونحوهما.
والله هو القابض الباسط، الذي بيده كل شيء، فينبغي لمن امتن الله عليه ببسطة في المال أو العلم، أو الجسم أو الجاه، أن يتفضل على عباد الله تعالى كما تفضل الله عليه وأحسن، فإن هذا من شكر النعم.
ومن ضيق الله عليه في شيء من ذلك، فليلجأ إلى الله القابض الباسط، الذي
стр. 337
يملك كل شيء، ويملك ما يتمنى ويريد، وأن يعلم أن ذلك بعدله سبحانه، وهو لا يظلم أحداً.
وهو سبحانه العليم الحكيم، القابض الباسط، الذي يوسع الرزق على من يشاء، ويقبضه عمن يشاء، والتصرف كله بيده، والأمور كلها راجعة إليه، فالإمساك لا يبسط الرزق، والإنفاق لا يقبضه بل يوفره: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٤٥)﴾ [البقرة: ٢٤٥].
هذا ما تيسر جمعه من أسماء الله الحسنى الواردة في الكتاب والسنة.
اللهم كما يسرت جمعها في هذا الكتاب فارزقنا حفظها، والعمل بها، وحسن الدعاء بها كما قلت سبحانك: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٨٠)﴾ ... [الأعراف: ١٨٠].
وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «مَا أَصَابَ أَحَداً قَطُّ هَمّ، وَلَا حَزَنٌ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي عَبْدُكَ وَابْنُ عَبْدِكَ وَابْنُ أَمَتِكَ، نَاصِيَتِي بِيَدِكَ، مَاضٍ فِيَّ حُكْمُكَ، عَدْلٌ فِيَّ قَضَاؤُكَ، أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ، أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَداً مِنْ خَلْقِكَ، أَوْ أَنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِكَ، أَوِ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ، أَنْ تَجْعَلَ الْقُرْآنَ رَبِيعَ قَلْبِي، وَنُورَ صَدْرِي، وَجِلَاءَ حُزْنِي وَذَهَابَ هَمِّي، إِلاَّ أَذْهَبَ اللهُ هَمَّهُ وَحُزْنَهُ، وَأَبْدَلَهُ مَكَانَهُ فَرَجاً، قَالَ: فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَلَا نَتَعَلَّمُهَا؟ فَقَالَ: بَلَى، يَنْبَغِي لِمَنْ سَمِعَهَا أَنْ يَتَعَلَّمَهَا» أخرجه أحمد (١).
ولسهولة حفظ أسماء الله الحسنى، والدعاء بها، والعمل بموجبها، نوردها مجملة مرتبة كما سبق وهي:
الله .. الإله .. الرحمن .. الرحيم .. الملك .. المالك .. المليك .. القدوس .. السلام .. المؤمن .. المهيمن .. العزيز .. الجبار .. الكبير .. المتكبر .. الخالق ..
стр. 338
الخلاق .. البارئ .. المصور .. الغفور .. الغافر .. الغفار .. القاهر .. القهار .. الوهاب .. الرازق .. الرزاق .. الفتاح .. الفاتح .. العليم .. العالم .. العلام .. السميع .. البصير .. الحكيم .. الحاكم .. الحكم .. اللطيف .. الخبير .. الحليم .. العظيم .. الشكور .. الشاكر .. العلي .. الأعلى .. المتعال .. الحفيظ .. الحافظ .. الرقيب .. المقيت .. الشهيد .. الحاسب .. الحسيب .. الكريم .. الأكرم .. الواسع .. المجيد .. الرب .. الودود .. الحق .. المبين .. الوكيل .. الكفيل .. القوي .. المتين .. الولي .. المولى .. الحميد .. الحي .. القيوم .. القائم .. الواحد .. الأحد .. الصمد .. القادر .. القدير .. المقتدر .. الأول .. الآخر .. الظاهر .. الباطن .. البر .. التواب .. العفو .. الرؤوف .. الغني .. الهادي .. النور .. البديع .. الفاطر .. المحيط .. القريب .. المستعان .. المجيب .. الناصر .. النصير .. الوارث .. الغالب .. الكافي .. ذو الجلال والإكرام .. ذو العرش .. ذو المعارج .. ذو الطول .. ذوالفضل .....
وفي السنة:
الرفيق .. الشافي .. الطيب .. السبوح .. الجميل .. الوتر .. المنان .. الحيي .. الستير .. الساتر .. الديان .. المحسن .. السيد .. المقدم .. المؤخر .. القابض .. الباسط .. المعطي .. المانع.
стр. 339
٨ - فقه صفات الله وأفعاله
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٥٤)﴾ ... [الأعراف: ٥٤].
وقال الله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (١٢)﴾ ... [الطلاق: ١٢].
الله ﵎ له الأسماء الحسنى، وقد مرت بنا، وله جميع الصفات العلا، فله سبحانه صفات الكمال .. وصفات الجلال .. وصفات الجمال.
فهو سبحانه الحليم الذي لا أحد أصبر منه، فإنه يعافي العباد ويرزقهم، وهم يعصونه ويخالفون أمره، ويدّعون له الصاحبة والولد، فيؤخر عقوبتهم التي قدر لها وقتاً، وحدّ لها أجلاً محدوداً سبق به علمه.
ومن علم عظمة الله وما له من العزة والجلال، والجبروت والملكوت، والكبرياء والعظمة، وعلم كمال قدرته على ما يشاء، علم أنه لا أصبر من الله على إذاية من آذاه، وافترى عليه، وأشرك به.
قال النبي ﷺ : «لا أحَدَ أصْبَرُ عَلَى أذًى يَسْمَعُهُ مِنَ اللهِ ، إِنَّهُ يُشْرَكُ بِهِ وَيُجْعَلُ لَهُ الْوَلَدُ، ثُمَّ هُوَ يُعَافِيهِمْ وَيَرْزُقُهُم» متفق عليه (١).
وهو سبحانه الحكيم الذي يقضي بالحق، ويقضي به بين العباد يوم القيامة، الذي يحكم في خلقه بما شاء، ويفعل ما يريد.
وهو سبحانه الرحمن الذي كتب على نفسه الرحمة، وكتب في الذكر كل شيء، وكتب مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء.
وهو سبحانه كاشف العذاب، وكاشف الضر، كما قال سبحانه: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ
стр. 340
اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٧)﴾ ... [الأنعام: ١٧].
وهو سبحانه المجيب الذي يجيب المضطر إذا دعاه، ويستجيب للداعي إذا دعاه.
وهو سبحانه الذي ينادي من شاء من عباده، كما نادى الله موسى في الواد المقدس طوى: ﴿وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٠)﴾ [الشعراء: ١٠].
وهو سبحانه الذي يدعو إلى دار السلام، ويدعو عباده لما يحييهم من الهدى، ويدعوهم ليخرجوا من قبورهم إلى يوم البعث.
وهو سبحانه الكريم الذي يغيث عباده، فمن استغاثه من المؤمنين استجاب له، وقضى حاجته كما قال سبحانه: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ (٩)﴾ [الأنفال: ٩].
وهو سبحانه الحفيظ، الذي يقي السيئات، ويقي المؤمنين من الشرور وعذاب النار كما قال سبحانه: ﴿فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا (١١) وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا (١٢)﴾ [الإنسان: ١١، ١٢].
وهو سبحانه الذي يصلي على عباده المؤمنين كما قال سبحانه: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا (٤٣)﴾ ... [الأحزاب: ٤٣].
وهو سبحانه الحفي، المبالغ في البر والألطاف والإكرام والإفضال كما وصفه إبراهيم ﷺ بقوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا (٤٧)﴾ [مريم: ٤٧].
وهو سبحانه الكريم .. الذي يبارك فيما شاء من الكلام والعباد والبلاد والأزمان والأشياء .. فكل خير من عنده .. وكل بركة من فضله سبحانه .. فجعل القرآن مباركاً .. وأنزل من السماء ماء مباركاً .. وبارك أرض الشام .. وبارك على أنبيائه ورسله كإبراهيم وإسحق .. وعيسى ويحيى وغيرهم .. وجعل بيته الحرام مباركاً.
стр. 341
وهو سبحانه فالق الإصباح، الذي شقه بعد ظلمة الليل سبحانه.
وهو سبحانه فالق الحب والنوى، الذي يشق الحب والنوى، فيخرج منه ورقاً وشجراً وثمراً.
وهو سبحانه الذي يخرج الحي من الميت، وبخرج الميت من الحي، من النبات والحيوان والإنسان.
وهو سبحانه الذي أنزل من السماء ماءً، فأخرج به نبات كل شيء، وأخرج الأطفال من بطون الأمهات، ويخرج الناس من القبور يوم القيامة: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى (٥٥)﴾ [طه: ٥٥].
وهو سبحانه الذي أخرج كل شيء من الأقوال والأعمال والأشياء من العدم إلى الوجود وأخرج الكلام من اللسان، وأخرج المعاني من الألفاظ، وأخرج الثمار من الأشجار، وأخرج النور من الشمس والقمر والنجوم.
وهو سبحانه القوي القادر، الذي خلق السموات والأرض فكانتا رتقاً، ففتق السماء إلى سبع سموات ﷻ ، وفتق الأرض إلى سبع أرضين، وشق السماء بالمطر، وشق الأرض بالنبات، وجعل من الماء كل شيء حيّ: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ (٣٠)﴾ ... [الأنبياء: ٣٠].
وهو سبحانه الذي أنزل الماء من السماء إلى الأرض، فأنبت به الزروع والأشجار والثمار: ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٥)﴾ [الحج: ٥].
وهو سبحانه الملك، الذي يملك النفع والضر، فكل نفع وضرر في الدنيا والآخرة بيده، والخلق لا يملكون من ذلك شيءاً إلا ما شاء الله لهم.
فكل شيء في قبضته سبحانه، وهو كائن بحكم تدبيره ومشيئته، وكل أثر في الأسباب خلقه رب الأسباب، خلق كل شيء فقدره تقديراً.
استودع سبحانه الأدوية والأغذية المنافع والمضار، واستودع الألم في الضرب
стр. 342
وجميع المؤلمات، واستودع الشبع والري في ذوات المطعومات والمشروبات، وبيده سبحانه ملكوت كل شيء، فلا يصدر نفع أو ضر منها إلا عن إرادته وحكمته وخلقه.
فكل نفع يدر على العبد في الدنيا فهو من الله تعالى، وكل عبد صدر منه منفعة فهو مسخر من الله تعالى بها، وكذلك الضر، فالدنيا مقسمة بين نفع وضر، والآخرة كذلك، فالجنة نفع صاف، والنار ضر خالص.
وهو سبحانه الكريم الحكيم، الذي يعطي ويمنع، وهو الذي يملك المنع والعطاء وحده، وليس منعه بخلاً منه، ولكن منعه حكمة، وعطاؤه جود ورحمة، يعطي من هو أهل للعطاء، ويمنع من هو أهل للحرمان، وهو الحكيم العليم بعباده: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢)﴾ [فاطر: ٢].
فحق على من علم أن الله هو المعطي والمانع وحده، أن يقطع من قلبه من الخلق المطامع، وأن يقف مع الله بقلب راض قانع، فإن أغناه صرف في طاعته غناه، وإن منعه علم أنه لم يمنعه من بخل ولا عدم، بل ليكون منعه معقباً له ما هو أشرف من الغنى.
وإن أعطاه أحد من الخلق رزقاً، فليرد ذلك إلى الواحد المعطي الحق، وإن منعه أحد من الناس فلا يرى المانع إلا الله، فيرى الله وحده بيده كل شيء، وما سواه ليس بيده شيء، وكل موجود مع القدرة الإلهية كالظل لا حكم له في الفعل، فلا إله إلا الله، الذي يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد.
وهو سبحانه العزيز، الذي يعز من يشاء، ويذل من يشاء، فأعز أولياءه وأظهرهم على أعدائهم، وأحلهم دار الكرامة في الجنة، وأذل أهل الكفر في الدنيا بأن ضربهم بالرق والشقاء، والجزية والصغار، وفي الآخرة بالعقوبة والخلود في النار.
وهو سبحانه رفيع الدرجات، الذي يرفع الذين آمنوا والذين أوتوا العلم
стр. 343
درجات، الذي يخفض القسط ويرفعه، ويرفع قدر من شاء، ويضع قدر من شاء، الذي يرفع بالقرآن أقواماً، ويضع به آخرين، يرفع من شاء بإنعامه كما رفع الحق وحزبه، ويخفض من شاء بانتقامه كما خفض الباطل وحزبه.
وهو سبحانه الحي الذي يحيي ويميت، يحيي سبحانه النطفة الميتة فتخرج منها النسمة الحية، ويحيي الأجسام البالية بإعادة الأرواح إليها، ويحيي الأرض بعد موتها بإنزال الغيث، وإنبات النبات، وهو الذي يميت الأحياء، ويوهن بالموت قوة الأصحاء: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ (٤٣)﴾ [ق: ٤٣].
وهو سبحانه القادر على كل شيء، الذي يبدأ الخلق ثم يعيده، الذي بدأ خلق الخلق، والذي يعيدهم بعد الحياة إلى الممات، ثم يعيدهم بعد الموت إلى الحياة: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٧)﴾ ... [الروم: ٢٧].
فسبحان الذي يبدئ ويعيد من الخلائق في كل لحظة ما لا يحصيه إلا هو، وهو على كل شيء قدير.
والله ﷻ الكفيل، الذي وفى لعباده بما ضمن لهم من الأرزاق، ويوفي عباده أجورهم وثوابهم يوم القيامة: ﴿يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ (٢٥)﴾ [النور: ٢٥].
وهو سبحانه العدل الذي يقول الحق، وفعله حق، والذي يأمر بالعدل والإحسان، ويحكم بالعدل والإحسان.
فلو عذب الخلق أجمعين لكان ذلك عدلاً منه، ولو نعم الجميع في جنانه لكان ذلك فضلاً منه، وإذ فرقهم فريقين، فريق في الجنة، وفريق في السعير، فتلك حكمة بالغة.
فعذابه للجميع عدل، ورحمته للجميع فضل، وتفريقه حكمة بالغة: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠)﴾ ... [النحل: ٩٠].
стр. 344
فكل عدل وعادل وعدالة فمنه سبحانه، وكل حكم ليس منه فهو جور وظلم، وباطل وبهتان.
وعلى المسلم إذا عرف ذلك أن يستسلم لقضائه، وأن يعدل في أقواله وأفعاله، لينال بذلك ثوابه وإحسانه.
وهو سبحانه الصادق في أقواله وأفعاله، ووعده ووعيده كما قال سبحانه: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا (١٢٢)﴾ [النساء: ١٢٢].
فعلى المسلم أن يعلم أنه لا أحد أصدق من الله، وأن كل صادق، وكل صدق فمن عنده، ثم يجب عليه الصدق في جميع أقواله وأفعاله لتحصل له النجاة.
قال النبي ﷺ : «عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ فَإِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ، وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ، وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَصْدُقُ وَيَتَحَرَّى الصِّدْقَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللهِ صِدِّيقًا» متفق عليه (١).
والله هو الحكيم العليم، الذي يضع الأمور مواضعها، ويرشد الخلق ويدلهم على المصالح والمنافع، والذي أرشد الخلق إلى طريق الحق، وإلى المصالح التي ينتظم بها وجودهم.
فأرشد سبحانه الملائكة والأنبياء والمؤمنين إلى معرفته بما وهبهم من اليقين .. وأرشد جميع الخلق إلى طلب قوام بنيتهم .. فأرشد الصغار من الأطفال والبهائم وهداهم إلى المنافع كالتقام الثدي .. ومص الضرع .. وأرشد العنكبوت إلى بناء البيت المشبك .. وأرشد النحل إلى بناء البيت المسدس .. وأرشد الفرخ ليفقأ البيضة عند اكتمال خلقه .. وأرشد الجنين للخروج من بطن أمه .. وأرشد المطر للانصباب .. والأرض للإنبات .. والماء للإرواء .. والنار للإحراق .. وأرشد الأذن للاستماع .. والعين للإبصار .. واللسان للكلام .. والرجل للمشي .. واليد للبطش والأخذ والدفع.
стр. 345
فكل موجود في الأرض والسماء جار على منهج السداد، ومنه سبحانه جاء الرشاد، وأعظم الرشاد إرشاد عباده المؤمنين إلى الدين القيم: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ (٥١)﴾ [الأنبياء: ٥١].
وإنما يحصل الرشد للعبد إذا آمن بالله واستقام على دينه كما قال سبحانه: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (١٨٦)﴾ ... [البقرة: ١٨٦].
وهو سبحانه الكريم الرحيم، الذي بعث الرسل إلى الأمم بالدين، وهو الذي يبعث الأرواح والأجساد بعد الموت ليوم النشور، وهو الذي يبعث من في القبور، والذي بعث رسله للهداية، وبعث عباده إلى الطاعة، وأرسل الشياطين للغواية، وابتلى هؤلاء بهؤلاء.
وهو سبحانه الجامع للفضائل كلها، فله الأسماء الحسنى، والصفات العلا، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير.
وهو سبحانه الجامع حقاً بين المتفرقات والمتباينات، كما جمع بين الحرارة والبرودة، والرطوبة واليبوسة، في أمزجة الحيوانات، وهي متنافرات متعاندات، فهو سبحانه الجامع بكل اعتبار.
فسبحان القادر الذي لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، جمع بين الماء والأرض فجاء النبات، وجمع بين الذكر والأنثى فجاء الأولاد: ﴿إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (١٠٧)﴾ [هود: ١٠٧].
وهو سبحانه الجامع الذي يجمع قلوب عباده على الحق، ويجمع الناس يوم القيامة للحساب، ويجمع الرسل ويسألهم عما كلفهم به، ويجمع المؤمنين في الجنة، ويجمع الكفار والمنافقين في النار كما قال سبحانه: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ (٩)﴾ ... [آل عمران: ٩].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا (١٤٠)﴾ [النساء: ١٤٠].
стр. 346
وهو سبحانه سريع الحساب، وسريع العقاب، وشديد العقاب.
يعاقب الكافرين لكفرهم، والعصاة لعصيانهم، فيعاجل من شاء بعقوبته في الدنيا، ويؤخر عقوبة من شاء إلى الآخرة، ويعفو عمن يشاء: ﴿إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٦٥)﴾ [الأنعام: ١٦٥].
وعقاب الله تعالى للخلق: ما يكون من جزاء على فعل المذموم.
ففي الدنيا يعاقب الله من شاء بالصواعق المحرقة، والزلازل المدمرة، والرياح المهلكة، والمياه المغرقة، والفتن المهلكة، وغير ذلك مما شاء الله أن يعاقب به.
وهذا العقاب مهما حل بكافر كان نقمة كما قال سبحانه: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ (٥٥)﴾ [الزخرف: ٥٥].
ومهما حل العقاب بعصاة المؤمنين كان رحمة لهم، وكفارة لذنوبهم، وطهارة لقلوبهم إن تابوا وأنابوا.
وما أصاب من هذه المحن الأنبياء والأولياء والصالحين المطهرين من الأوزار، فليس ذلك بعقاب، إذ العقاب على جناية، ومن حماه الله من الكفر والفسوق والعصيان، وحبب إليه الإيمان والأعمال الصالحة، فهو مهما امتحنه بمحنة من الضراء والبأساء، أو أصابه بما أصابه من البلاء، فذلك إكرام من الله، يزيده به تطهراً وتنويراً، ويقربه منه، ويرفع به درجاته.
عن ابن مسعود ﵁ قال: دَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَهُوَ يُوعَكُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّكَ تُوعَكُ وَعْكاً شَدِيداً؟ قَالَ: «أجَلْ، إِنِّي أوعَكُ كَمَا يُوعَكُ رَجُلانِ مِنْكُمْ». قُلْتُ: ذَلِكَ بأنَّ لَكَ أجْرَيْنِ؟ قَالَ: «أجَلْ، ذَلِكَ كَذَلِكَ، مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُصِيبُهُ أذًىً، شَوْكَةٌ فَمَا فَوْقَهَا، إِلا كَفَّرَ الله بِهَا سَيِّئَاتِهِ، كَمَا تَحُطُّ الشَّجَرَةُ وَرَقَهَ» متفق عليه (١).
وسئل النبي ﷺ : من هم أشد الناس بلاء يا رسول الله؟ فقال: «الأَنْبِيَاءُ ثُمَّ الأَمْثَلُ
стр. 347
فَالأَمْثَلُ فَيُبْتَلَى الرَّجُلُ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ فَإِنْ كَانَ دِينُهُ صُلْباً اشْتَدَّ بَلَاؤُهُ وَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ رِقَّةٌ ابْتُلِيَ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ فَمَا يَبْرَحُ الْبَلَاءُ بِالْعَبْدِ حَتَّى يَتْرُكَهُ يَمْشِي عَلَى الأَرْضِ مَا عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ». أخرجه الترمذي وابن ماجه (١).
وأما العقاب في الآخرة فيكون عند قبض الروح، وفي القبر، وفي الموقف، وفي روعات الموقف والحساب والصراط، وغير ذلك من الشدائد، وعقاب بعض الخلق أشد من بعض بحسب أعمالهم، وغلظ كفرهم كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (١٤٥)﴾ [النساء: ١٤٥].
ويعذب الله عصاة الموحدين في النار، ثم يخرجون منها إلى الجنة، ويخلد فيها الكفار والمنافقون.
وهو سبحانه المنتقم كما قال سبحانه: ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ (١٦)﴾ [الدخان: ١٦].
والانتقام: إنزال البلاء بأهل العتو والإجرام، والله عزيز ذو انتقام، ينتقم من كل ظالم وكافر، ومن كل مجرم وفاسق في الدنيا والآخرة.
وقد انتقم الله ﷻ من كل من كفر وأشرك وكذب وعاند رسله من الأمم السابقة: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ (٤٧)﴾ [الروم: ٤٧].
وهو سبحانه شديد البطش كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ (١٢)﴾ [البروج:١٢].
والبطش: الأخذ بسرعة مع عنف، والله ﷻ هو الجبار ذو الجبروت والملكوت والكبرياء والعظمة، الذي يبطش إذا شاء متى شاء بكل ظالم وكافر وطاغوت: ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ (١٦)﴾ ... [الدخان: ١٦].
стр. 348
وهو سبحانه العزيز الجبار، أخذه مؤلم، وعقابه موجع: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ (١٠٢)﴾ [هود: ١٠٢].
وجميع المخلوقات في ملكه وقبضته، لا يعزب عنه منها شيء: ﴿مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٦)﴾ [هود: ٥٦].
وهو سبحانه الحكيم العليم، الذي يبتلى عباده بما يطهر قلوبهم، ويزكي نفوسهم، ويبلوهم بالشر والخير فتنة، ليعلم الصادق من الكاذب، والمؤمن من المنافق: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (٣)﴾ [العنكبوت: ٢، ٣].
وهو سبحانه الذي يفتن ويبتلي عباده بما شاء كما قال سبحانه: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (١٥٧)﴾ [البقرة: ١٥٥ - ١٥٧].
وإذا أراد الله فتنة أحد فلا راد لقضائه: ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٤١)﴾ [المائدة: ٤١].
فعلى المسلم أن يعلم أن الله يهدي من يشاء، ويضل من يشاء، ويبتلي من يشاء، ويفتن من يشاء بما شاء، وهو الحكيم العليم.
وكل أمة افتتنت بشيء من الفتن:
فأمم افتتنوا عن عبادة الله بعبادة الأصنام فعبدوها .. وقوم بالشمس فألهّوها .. وقوم بنبي كان منهم وهم إليهود عبدوا عزيراً .. وقالوا هو ابن الله .. والنصارى قالوا عيسى هو الإله .. وقال بعضهم هو ابن الله .. وقال بعضهم ثالث ثلاثة.
وجعل الله فتنة هذه الأمة بالأموال والنساء، والنساء أعظم فتنة للرجال، فالأموال والنساء شاغل عن الله، وعن ذكر الله، وعن طاعة الله، وعن إبلاغ دين الله.
стр. 349
وقد غلب على أكثر الناس حب المال، وكدر عليهم عبودية الكبير المتعال.
وهو سبحانه القابض الباسط المسعر، فالغلاء والرخص بتقدير الله وتدبيره، وهو مقلبه ورافعه وخافضه، وذلك من أعظم البلاء والامتحان.
والله سبحانه هو الملك، الذي يفعل ما يشاء، ويؤتي ملكه من يشاء، ويهدي من يشاء، ويضل من يشاء، ويعز من يشاء، ويذل من يشاء: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٦)﴾ [آل عمران: ٢٦].
والله هو الحي، الذي يحيي ويميت، ويرزق من يشاء، ويغني من يشاء، ويفقر من يشاء، ويختم على قلوب من يشاء، ويطبع على قلوب من يشاء.
وهو سبحانه القوي العزيز، الذي ختم على قلوب الكفار، ولعن الكافرين والمنافقين والظالمين والكاذبين، والكاتمين لما أنزل الله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا (٥٢)﴾ [النساء: ٥٢].
وهو سبحانه الذي لعن الشيطان، وغضب على إليهود والنصارى، ولعنهم بظلمهم وسوء أفعالهم.
وهو سبحانه الرحيم الذي يحب المؤمنين والمتقين والمحسنين ويبغض الكفار والفجار والأشرار.
وهو سبحانه الكريم الذي يجود بالعطاء، ويكرم المؤمنين، ويكفر السيئات، ويغفر الذنوب، ويعفو عمن ظلم.
وهو سبحانه الذي يمكر بمن مكر بأوليائه، ويستهزئ بمن استهزأ بهم، ويكيد من كادهم، ويخدع من خادعهم، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا (١٤٢)﴾ ... [النساء: ١٤٢].
وهو سبحانه الذي يختص برحمته من يشاء، ويبين للعباد ما ينفعهم، ويمحص الذين آمنوا، ويمحق الكافرين، ويجزي الشاكرين، ويثيب المؤمنين في الدنيا
стр. 350
والآخرة.
وهو سبحانه الملك الذي ينصر من يشاء، ويسلط من يشاء على من يشاء، ويظهر ما يشاء بما شاء: ﴿فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٣)﴾ [يس: ٨٣].
وهو سبحانه الذي أنبأ رسله، وأرسلهم إلى عباده، وأنبأ الخلق بما ينفعهم وما يضرهم في كتابه، وينبئهم بما عملوا يوم القيامة.
وهو سبحانه العليم الحكيم الذي يكرم أولياءه، ويطبع على قلوب الكافرين والجبارين والمتكبرين: ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ (٣٥)﴾ [غافر: ٣٥].
وهو سبحانه الذي كتب الإيمان في قلوب المؤمنين، وطبع على قلوب الكافرين.
وهو سبحانه الذي يعصم من يشاء، وينصر من يشاء، ويخذل من يشاء، ويقدم من يشاء، ويؤخر من يشاء.
وهو سبحانه الذي يحل ما يشاء، ويحرم ما يشاء، الذي أحل الطيبات، وحرم الخبائث، وأحل البيع، وحرم الربا، ويميز الخبيث من الطيب، ويعلم المفسد من المصلح، والمؤمن من المنافق، والصادق من الكاذب.
وهو سبحانه الملك القاهر ما شاء بما شاء، الذي يأذن لمن يشاء أن يفعل ما يشاء: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (١١٢)﴾ [الأنعام: ١١٢].
وهو سبحانه الذي يمحو ما يشاء، ويثبت ما يشاء، ويُبقي ما يشاء، ويهلك ما يشاء، ويخلق مايشاء، ويصطفي ما يشاء، ويختار ما يشاء، ويزكي من يشاء، ويبدل سيئات من يشاء، ويغير الأحوال كلها متى شاء: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ (٣٩)﴾ [الرعد: ٣٩].
وهو سبحانه الذي يطعم ولا يطعم، الذي يخوف عباده بما شاء لعلهم يتوبون، وينجي من يشاء في ظلمات البر والبحر.
стр. 351
وهو سبحانه الذي يتوفى الأنفس: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٤٢)﴾ ... [الزمر: ٤٢].
وهو سبحانه الذي سخر لعباده كل ما ينفعهم ويصلحهم في حياتهم: ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ (٢٠)﴾ ... [لقمان: ٢٠].
وهو سبحانه الذي يسيّر الخلائق في البر والبحر، ويسير الكواكب في السماء، وينزل الملائكة بالروح من أمره على من يشاء من عباده، وينزل الوحي إلى أهل الأرض، وينزل الماء من السماء إلى الأرض.
وهو سبحانه الذي ينزل كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر، ويجيء يوم القيامة لفصل القضاء: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢)﴾ [الفجر: ٢٢].
وهو سبحانه الذي أنبت الزروع والأشجار، وأخرج منها الثمرات وأنبت أصل البشر من الأرض كما قال سبحانه: ﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا (١٧) ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا (١٨)﴾ [نوح: ١٧ - ١٨].
وهو سبحانه الكريم الذي أنعم على الناس بالدين، وما جعل عليهم في الدين من حرج، فلم يكلفهم بما لا يطيقون، أو يطالبهم بما لا يستطيعون: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا (٧)﴾ [الطلاق: ٧].
وهو سبحانه العزيز الكريم الذي أعد الجنة للمؤمنين، وأعد النار للكافرين، ويسر هؤلاء للجنة، وخذل أولئك فصاروا إلى النار.
وهو سبحانه الذي ينظر إلى القلوب، ويمتحنها بما شاء، وينزل السكينة في قلوب المؤمنين، ويقذف الرعب في قلوب الكافرين.
وهو سبحانه الذي أحصى كل شيء عدداً من الأقوال والأعمال، والأشياء والأموال، والذرات والقطرات، والحركات والسكنات، والأنفاس والأرواح.
فسبحان الخالق العظيم، القادر الحكيم، العزيز العليم، الذي يفعل ما يشاء، ولا
стр. 352
يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء.
وجميع أسماء الله دالة على أوصاف كماله، وهي مشتقة من الصفات، فهي أسماء، وهي أوصاف، وبذلك كانت حسنى.
فهو سبحانه الملك الذي يملك كل شيء، ويؤتي الملك من يشاء، وينزع الملك ممن يشاء.
وهو سبحانه العزيز، الذي يعز من يشاء ويذل من يشاء.
وهو سبحانه البارئ الذي برأ الخلق وأوجدهم بقدرته.
وهو الرزاق الذي يرزق من يشاء، الغفار الذي يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء، العفو الذي يعفو عمن يشاء من عباده.
وهو سبحانه الفتاح الذي يحكم بين عباده بالحق والعدل، ويفتح لهم أبواب الرحمة والرزق.
وهو سبحانه العليم الذي يعلم ما في السموات وما في الأرض وما بينهما.
وهو سبحانه الرب الذي يربي عباده، ويقوم بأمرهم في الدنيا والآخرة.
وهو سبحانه الشكور الذي يضاعف الحسنات، ويمحو السيئات، الذي يشكر اليسير من الطاعة، ويعطي عليه الثواب الجزيل.
وهو سبحانه الخبير الذي يعلم أحوال الخلائق كلها في السماء والأرض، وفي كل مكان وزمان.
وهو سبحانه الحفيظ الذي حفظ ما خلقه، وحفظ أعمال العباد كلها.
وهو سبحانه الرقيب الذي يراقب خلقه في جميع أحوالهم في العالم العلوي، والعالم السفلي.
وهو سبحانه السميع الذي يسمع جميع أصوات الخلائق، ولا يشغله سمع عن سمع.
وهو سبحانه البصير الذي يبصر كل شيء، العليم بحاجات العباد وما في صدورهم.
стр. 353
وهو سبحانه الشهيد المطلع على جميع الأشياء، ظاهرها وباطنها، صغيرها وكبيرها.
وهو سبحانه الغني الذي يرزق العباد كلهم، ويغنيهم من فضله.
وهو سبحانه التواب، الذي يتوب على من شاء من عباده.
وهو سبحانه المحيط، الذي أحاط بكل شيء علماً، وأحصى كل شيء عدداً.
وهو سبحانه الهادي، الذي يهدي من يشاء، الذي هدى سائر الخلائق إلى مصالحهم.
وهو سبحانه الفاطر، الذي فطر السموات والأرض، وفطر الناس على التوحيد.
وهو سبحانه الغالب الذي قهر كل مخلوق، ولا يملك أحد أن يرد ما قضى.
وهو سبحانه الناصر، الذي ينصر رسله وأولياءه على أعدائهم.
وهو سبحانه المستعان، الذي يعين عباده، ولا يطلب العون من أحد.
وهو سبحانه الشافي، الذي يشفي من كل آفة وعاهة ومرض.
وهو سبحانه المحسن الذي يحسن إلى عباده بصنوف النعم على الدوام.
وهكذا في بقية الأسماء.
والقرآن كله بيان لأسماء الله وصفاته وأفعاله، وخزائنه، ووعده ووعيده، ودينه وشرعه، وثوابه وعقابه.
وهذه بعض الآيات المبينة لأسماء الله وصفاته وأفعاله، والدالة على كمال قدرته وعظمته، وعلى جماله، وجلاله، وكماله، وكبريائه، ورحمته وإحسانه، وآلائه وإنعامه.
وذلك ليعرف العباد ربهم .. ويعلموا عظيم قدرته .. وجميل إحسانه فيقدروه حق قدره .. ويعبدوه حق عبادته .. ويشكروه ويحمدوه .. ويستعملوا جوارحهم في طاعته .. وألسنتهم بذكره والثناء عليه.
فالواجب على كل مسلم أن يعرف معبوده الحق، ويعرف أوامره التي يتقرب بها إليه، ويعرف ما له بعد القدوم عليه: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ
стр. 354
وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩].
فوا أسفاه .. ماذا يعلم الخلق من أسماء الله وصفاته وأفعاله وماذا يجهلون؟. وماذا يعرفون من دينه وسننه وأحكامه وماذا يجهلون؟.
وما الموجود في حياتنا من الدين، وما الذي فقدناه؟.
ألا يستحي العباد من الرب، الذي يرزقهم ويعافيهم وهم يعصونه؟.
ألا يخافون من القادر الذي لا يعجزه شيء وهم يبارزونه بالمعاصي؟: ﴿أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧٤)﴾ [المائدة: ٧٤].
إن حقه ﵎ أن يطاع فلا يعصى .. ويذكر فلا ينسى .. ويشكر فلا يكفر .. ويعبد وحده لا شريك له بما شرعه على لسان رسوله.
فهو سبحانه الخالق الذي خلق كل شيء، وكما أنه المتفرد بالخلق وحده، فكذلك هو المستحق للعبادة وحده دون سواه كما قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢)﴾ [البقرة: ٢١، ٢٢].
والله هو الخلاق: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٩)﴾ ... [البقرة: ٢٩].
وهو سبحانه الذي خلق البشر: ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾ [النساء: ١].
والله هو الذي: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (١٠)﴾ [لقمان: ١٠].
وهو سبحانه الخالق المصور: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ (٧)﴾ [السجدة: ٧].
وهو سبحانه السميع البصير بأحوال عباده: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ
стр. 355
مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٦٠)﴾ ... [الأنعام: ٦٠].
والله ﷻ : ﴿فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (٩٥)﴾ [الأنعام: ٩٥].
والله سبحانه: ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٩٦)﴾ [الأنعام: ٩٦].
وهو سبحانه الذي خلق البشرية كلها من نفس واحدة: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ (٩٨)﴾ ... [الأنعام: ٩٨].
وهو سبحانه الذي جعل النجوم هداية للعباد: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٩٧)﴾ [الأنعام: ٩٧].
وهو سبحانه الذي أنزل الماء من السماء فأخرج به من كل الثمرات: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٩٩)﴾ ... [الأنعام: ٩٩].
والله : ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٥)﴾ ... [يونس: ٥].
والله سبحانه: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (٦٧)﴾ [يونس: ٦٧].
والله هو الذي رزق عباده الأزواج والأولاد: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ (٧٢)﴾ [النحل: ٧٢].
وهو سبحانه الذي خلقنا ثم أخرجنا من بطون الأمهات بعد أن أحسن خلقنا