والله هو العفو الغفور، الذي كما أنه يحب العفو ويعفو ويغفر لعباده، فقد حثهم على العفو والصفح عن العباد، وقبول الأعذار من سائر الناس، والجزاء من جنس العمل، فمن عفا لله عفا الله عنه، ومن أحسن لله أحسن الله إليه في الدنيا والآخرة، ومن غفر غفر الله له كما قال سبحانه: ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢)﴾ [النور: ٢٢].
وهو سبحانه العفو القدير، الذي لم يزل ولا يزال ينعم على جميع الخلق، ويعفو عن المذنبين والمجرمين، مع قدرته على عقابهم والانتقام منهم.
فسبحان المولى الكريم الذي يعفو عن زلات العباد، وذنوبهم العظيمة، ويسدل عليهم ستره، ثم يعاملهم بعفوه التام، الصادر عن قدرته، وقد تكفل الله بأجر من عفا عن غيره من الناس، فيعطيه أجراً عظيماً، ويجزيه ثواباً جزيلاً: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (٤٠)﴾ ... [الشورى: ٤٠].
وقال النبي ﷺ : «مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ، وَمَا زَادَ اللهُ عَبْدًا بِعَفْوٍ إِلا عِزّاً، وَمَا تَوَاضَعَ أحَدٌ لِلَّهِ إِلا رَفَعَهُ اللهُ» أخرجه مسلم (١).
وهو سبحانه العفو، الذي يمحو السيئات، ويتجاوز عن المعاصي، وهو قريب من الغفور، ولكنه أبلغ منه، فإن الغفران ينبي عن الستر، والعفو ينبي عن المحو، والمحو أبلغ من الستر: ﴿وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤)﴾ ... [التغابن: ١٤].
اللهم إنك عفو كريم تحب العفو فاعف عنا.
стр. 282
الرؤوف
ومن أسمائه الحسنى : الرؤوف.
قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (٣٠)﴾ [آل عمران: ٣٠].
وقال الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (٢٠٧)﴾ [البقرة: ٢٠٧].
الله ﵎ هو الرؤوف الرحيم، ذو الرأفة والرحمة، والرأفة شدة الرحمة وأبلغها وأرقها، فهو العاطف برأفته على عباده، ورأفته عامة لجميع الخلق في الدنيا، خاصة بالمؤمنين في الآخرة.
فهو سبحانه الرؤوف بعباده، المتساهل على عباده، الميسر أحوالهم، القاضي حاجاتهم، الذي يقبل منهم القليل من العمل، ويعطيهم الجزيل من الأجر كما قال سبحانه: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (١٦٠)﴾ [الأنعام: ١٦٠].
ومن رأفته سبحانه أن لا يضيع لعباده طاعة أطاعوه بها، فلا يثيبهم عليها: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٤٣)﴾ [البقرة: ١٤٣].
وهو سبحانه الرؤوف الرحيم، الذي حذرنا نفسه، وخوفنا من عقوبته، ونهانا عن معصيته، لنستعد للقائه، ونجتنب سخطه، ونعمل بما يرضيه.
ومن أجل ذلك أرسل الله رسله، وأنزل كتبه التي تبين شرعه، ليخرج الناس من ظلمات الشرك إلى نور التوحيد كما قال سبحانه: ﴿هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (٩)﴾ [الحديد: ٩].
ومن رأفته سبحانه أن سخر لعباده ما في السموات وما في الأرض، وأسبغ عليهم نعمه الوافرة السابغة كما قال سبحانه: ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي
стр. 283
السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ (٢٠)﴾ [لقمان: ٢٠].
ومن رأفته سبحانه بعباده، أنه يقبل توبة التائبين، ولا يرد عن بابه العاصين المنيبين مهما كثرت سيئاتهم، فوفقهم للتوبة: ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١١٧)﴾ [التوبة: ١١٧].
والأنبياء والرسل أرأف الناس بالخلق، خاصة سيدهم محمد ﷺ الذي كان أحسن الناس خَلقاً وخُلُقاً، وكان خلقه القرآن، والذي ما خُيِّر بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكمن إثماً، وما انتقم لنفسه قط إلا أن تنتهك حرمة من حرمات الله .
فما أحسن خَلقه وخُلُقه، وما أرحمه وأرأفه بأمته، وما أحسن الاقتداء به، وما أكرم الباري الذي أرسله رحمة لأمته: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ [التوبة: ١٢٨].
стр. 284
الغني
ومن أسمائه الحسنى : الغني.
قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (١٥)﴾ [فاطر: ١٥].
وقال الله تعالى: ﴿وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ مَا يَشَاءُ كَمَا أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ (١٣٣)﴾ [الأنعام: ١٣٣].
الله ﵎ هو الغني، الذي استغنى عن الخلق كلهم بقدرته وعز سلطانه، الكامل سبحانه بما له وعنده، فلا يحتاج معه إلى غيره، الذي لا حاجة له إلى أحد أصلاً، والخلق كلهم فقراء إليه، وإلى فضله وإحسانه.
وهو سبحانه الغني بذاته، الذي له الغنى التام المطلق من جميع الوجوه، لكماله سبحانه، وكمال أسمائه وصفاته، فلا يتطرق إليها نقص بوجه من الوجوه.
والله هو الغني، الذي له خزائن السموات والأرض، وخزائن الدنيا والآخرة، وعنده خزائن كل شيء، وله كل شيء، وبيده كل شيء: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ (٢١)﴾ ... [الحجر: ٢١].
وهو سبحانه الغني، المغني جميع الخلائق غنىً عاماً، فكما أنه لا خالق غيره، فلا رازق غيره، فالله وحده هو الذي يرزق الخلق، وهو الذي أنعم عليهم بنعمه التي لا تعد ولا تحصى كما قال سبحانه: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٨)﴾ [النحل: ١٨].
وهو سبحانه الغني الذي أغنى جميع الخلق غنىً مطلقاً، المغني لخواص خلقه بما أفاض على قلوبهم من الإيمان، ومعرفة جلاله وجماله وآلائه.
وهو سبحانه الغني بذاته، والعبد فقير لذاته، وهو محتاج إلى ربه، لا غنى له عنه ولو طرفة عين، وحاجة العبد إلى ربه لذاته، لا لعلة أوجبت تلك الحاجة، كما
стр. 285
أن غنى الرب سبحانه لذاته، لا لأمر أوجب غناه، والفقير بذاته محتاج على الدوام إلى الغني بذاته كما قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (١٥)﴾ [فاطر: ١٥].
وفقر العالم كله إلى الله أمر ذاتي لا يعلل، فهو فقير إلى ربه في إيجاده .. وفي بقائه .. وفي حياته .. وفي إمداده .. وفي تدبيره.
فهو فقير بذاته إلى ربه الغني بذاته، ويستحيل أن يكون العبد إلا فقيراً، كما يستحيل أن يكون الرب إلا غنياً، فإن غناه من لوازم ذاته .
وفقر العباد إلى ربهم نوعان:
الأول: فقر إلى ربوبيته، وهو فقر المخلوقات بأسرها إلى خالقها، فهي مفتقرة إلى ربها في خلقها وبقائها وحفظها ونفعها وضرها ورزقها وتدبيرها.
الثاني: فقر إلى ألوهيته سبحانه، وهو فقر أنبيائه ورسله وعباده الصالحين، وهذا هو الفقر النافع، ولبه دوام الافتقار إلى الله في كل حال: ﴿وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (٦)﴾ [العنكبوت: ٦].
والله غني عن عباده، ومع ذلك فهو محسن إليهم، رحيم بهم مع كثرة معاصيهم، وهذا من كمال غناه وكرمه ورحمته، فهو محسن إلى عبده مع غناه عنه، يريد به الخير، ويكشف عنه الضر، لا لجلب منفعة إليه من العبد، بل رحمة منه وإحساناً إليه: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (٥٨)﴾ ... [الذاريات: ٥٦ - ٥٨].
ومن قصد إلى الله تعالى، ثم رجع عند حوائجه إلى غير الله، ابتلاه الله سبحانه بالحاجة إلى الخلق، ثم ينزع الرحمة من قلوبهم عليه.
ومن شهد كل افتقاره إلى الله ، ورجع إليه بحسن العرفان أغناه ورزقه من حيث لا يحتسب، وأعطاه من حيث لا يرتقب كما قال سبحانه: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا (٣)﴾ ... [الطلاق: ٢، ٣].
стр. 286
الهادي
ومن أسمائه الحسنى : الهادي.
قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٤)﴾ [الحج: ٥٤].
وقال الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا (٣١)﴾ [الفرقان: ٣١].
الله ﵎ هو الهادي، الذي هدى خلقه إلى معرفته، وهدى عباده إلى صراطه المستقيم، الذي منَّ بهداه على من أراد من عباده، فخصه بهدايته، وأكرمه بنور التوحيد والإيمان واليقين.
وهو سبحانه الهادي الذي بهدايته اهتدى أهل ولايته، الدال على سبيل النجاة، المبين لها، لئلا يزيغ العبد ويضل، فيقع فيما يرديه ويهلكه.
وهو سبحانه الهادي الذي يهدي عباده إلى جميع المنافع، ويرشدهم إلى دفع المضار، ويعلمهم ما لا يعلمون.
وهو سبحانه الهادي لعباده .. المبين لهم طريق الحق والإيمان .. بما أرسل من الرسل .. وما أنزل من الكتب .. وما نصب من الدلائل في السموات والأرض.
والله هو الهادي، الذي يهدي من يشاء، ويضل من يشاء، وهو الحكيم العليم بمن يصلح للهدى ومن لا يصلح، يهدي من يشاء ويعصم ويعافي فضلاً، ويضل من يشاء ويخذل ويبتلي عدلاً.
فجميع العباد يتقلبون في مشيءته بين فضله وعدله: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (١٧٨)﴾ [الأعراف: ١٧٨].
فالله ﵎ هو الهادي إلى كل خير في الدنيا والآخرة.
والهداية تنقسم إلى مرتبتين:
الأولى: هداية التوفيق والإلهام، وهذه بيد الله وحده لا شريك له كما قال سبحانه: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ
стр. 287
بِالْمُهْتَدِينَ (٥٦)﴾ [القصص: ٥٦].
الثانية: هداية الدلالة والإرشاد والبيان، وهي التي أكرم الله بها الرسل وأتباعهم كما قال سبحانه لرسوله ﷺ : ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢) صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ (٥٣)﴾ [الشورى: ٥٢، ٥٣].
فمن هداه الله للإيمان فبفضله وله الحمد كما قال سبحانه عن أهل الجنة: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٤٣)﴾ [الأعراف: ٤٣].
ومن أضله الله فبعداً له، فقد أرسل إليه الرسل، وأنزل عليه الكتب، ومكنه من أسباب الهداية بما أكرمه به من السمع والبصر والعقل، ولكنه لا يصلح للهداية، فلم يقبل الهدى، فكذب وتولى كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ (٣)﴾ [الزمر: ٣].
وزاغ وانصرف كما قال سبحانه: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (٥)﴾ [الصف: ٥].
واختار الضلال كما قال سبحانه: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٧)﴾ [فصلت: ١٧].
والله حكيم عليم يهدي من يشاء، ويضل من يشاء، وهو بعباده خبير بمن يصلح للكرامة، ومن يصلح للإهانة، وهو على كل شيء قدير: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٩٣)﴾ [النحل: ٩٣].
وهو سبحانه الهادي الذي جعل كتبه المنزلة هداية للناس كما قال سبحانه عن القرآن الكريم: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: ٩].
وهو سبحانه الذي أرسل رسله لهداية الناس إلى الحق كما قال سبحانه: ﴿هُوَ
стр. 288
الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٩)﴾ [الصف: ٩].
وجعل بيته العتيق مباركاً وهدىً للعالمين إلى يوم القيامة كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ (٩٦)﴾ [آل عمران: ٩٦].
والهداية أكبر نعمة ينعم بها الهادي سبحانه على عبده، وكل نعمة دونها فهي ناقصة زائلة، وبقدر هداية العبد تكون سعادته في الدنيا والآخرة.
والأنبياء والرسل، وهم أكمل الناس هدايةً وإيماناً، يسألون الله تعالى أن يهديهم إلى كمال الإيمان والتقوى، كما قال موسى ﷺ : ﴿عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ (٢٢)﴾ [القصص: ٢٢].
وقال النبي ﷺ : «اللَّهُمَّ! رَبَّ جَبْرَائِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَإِسْرَافِيلَ، فَاطِرَ السموات وَالأَرْضِ، عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، أنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ، اهْدِنِي لِمَا اخْتُلِفَ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِكَ إِنَّكَ تَهْدِي مَنْ تَشَاءُ إلى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ» أخرجه مسلم (١).
وأمرت هذه الأمة أن تسأل ربها ﵎ الهداية في كل ركعة من صلاتها في قوله سبحانه: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾ [الفاتحة: ٦، ٧].
وهو سبحانه الهادي الذي يهدي إلى الحق، ويهدي إليه من أناب، ويهدي من يريد، ويهدي من يشاء، وهدى الله هو الهدى: ﴿ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (٢٣)﴾ [الزمر: ٢٣].
والله هو الهادي، الذي خلق جميع المخلوقات، وهداها إلى جلب مصالحها، ودفع مضارها كما قال سبحانه: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (٣)﴾ [الأعلى: ١ - ٣].
стр. 289
فهو سبحانه الهادي الذي هدى كل مخلوق إلى ما لا بد منه في قضاء حاجاته، فهدى الطفل إلى التقام الثدي عند انفصاله .. وهدى الفرخ إلى التقاط الحب وقت خروجه .. وهدى النحل إلى بناء بيوتها بما يناسب حالها .. وهدى النبات أن يشق في الأرض عروقاً .. وفوق الأرض أغصاناً وأوراقاً .. وأزهاراً وثماراً.
وهدى الشمس والقمر والنجوم للسير والإنارة .. وهدى الملائكة للطاعة والتسبيح .. وهدى الحيوانات والطيور إلى مصالحها ومنافعها .. وهدي الإنسان إلى ما يسعده في دنياه وأخراه.
فسبحان الخلاق العليم: ﴿الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى (٥٠)﴾ [طه: ٥٠].
стр. 290
النور
ومن أسمائه الحسنى : النور.
قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٣٥)﴾ [النور: ٣٥].
وقال الله تعالى: ﴿وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٦٩)﴾ [الزمر: ٦٩].
الله ﵎ هو النور الذي نوَّر قلوب العارفين بمعرفته، والإيمان به، ونور أفئدتهم بهدايته، وهو الذي أنار السموات والأرض، فهو النور، وحجابه النور، وكلامه نور.
عن أبي ذر ﵁ قال سألت رسول الله ﷺ هل رأيت ربك؟ قال: «نُورٌ أنَّى أرَاهُ» أخرجه مسلم (١).
وهو سبحانه النور، الذي يهتدي بنوره من في السموات ومن في الأرض، الذي بنوره يبصر ذو العماية، وبهدايته يرشد ذو الغواية، نور السموات والأرض من نور وجهه.
وهو سبحانه النور، الذي تشرق الأرض بنوره يوم القيامة، وليس من نور في السموات والأرض إلا وهو خلق من خلق الله.
فهو سبحانه النور، وهو خالق النور في السموات والأرض والشمس والقمر والكواكب وغيرها.
فكل مخلوق في الكون من خلقه .. وكل رزق في الكون من رزقه .. وكل علم في الكون من علمه .. وكل رحمة في الكون من رحمته .. وكل نور في الكون
стр. 291
من نوره.
وقد سمى الله كتابه نوراً فقال: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٨)﴾ [التغابن: ٨].
وسمى رسوله ﷺ نوراً فقال سبحانه: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥)﴾ [المائدة: ١٥].
وسمى الهداية للإيمان نوراً فقال سبحانه: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٢٢)﴾ ... [الأنعام: ١٢٢].
فسبحان النور الذي خلق النور، وهدى إلى النور، واحتجب عن خلقه بالنور.
قال النبي ﷺ : «إِنَّ اللهَ لا يَنَامُ وَلا يَنْبَغِي لَهُ أنْ يَنَامَ، يَخْفِضُ الْقِسْطَ وَيَرْفَعُهُ، يُرْفَعُ إليه عَمَلُ اللَّيْلِ قَبْلَ عَمَلِ النَّهَارِ، وَعَمَلُ النَّهَارِ قَبْلَ عَمَلِ اللَّيْلِ، حِجَابُهُ النُّورُ، لَوْ كَشَفَهُ لأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ مَا انْتَهَى إليه بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِه» أخرجه مسلم (١).
стр. 292
البديع
ومن أسمائه الحسنى : البديع.
قال الله تعالى: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (١١٧)﴾ [البقرة: ١١٧].
وقال الله تعالى: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٠١)﴾ ... [الأنعام: ١٠١].
الله ﵎ هو البديع .. الذي لا مثل له ولا شبيه .. الأول قبل كل شيء .. الذي بدع الخلق وبدأه وفطره على غير مثال سابق .. المنفرد بخلق السموات والأرض وما فيهن.
وهو سبحانه البديع الذي أوجد المخلوقات كلها على غير مثال سابق، فهو خالق كل شيء ومبدعه في غاية ما يكون من الحسن والجمال والخلق البديع، الذي لم يسبقه إلى إنشاء مثله أحد.
وهو سبحانه بديع السموات والأرض، وكل ما فيهما الله خالقه وموجده ومبدعه، وهو مالكه وقاهره، وهو عبد له خاضع له، وهو الغني عن خلقه جميعاً، وهم جميعاً مفتقرون إليه.
فهل يليق بجلال الله الذي له ملك السموات والأرض، وهو الغني عن جميع الخلائق، أن يتخذ ولداً كما قاله إليهود والنصارى والمشركون؟.
﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ (١١٦) بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (١١٧)﴾ [البقرة: ١١٦، ١١٧].
فسبحان الغني الذي خلق كل شيء، وبيده ملكوت كل شيء، ولا يعجزه شيء: ﴿وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (١١٧)﴾ [البقرة: ١١٧].
стр. 293
الفاطر
ومن أسمائه الحسنى : الفاطر.
قال الله تعالى: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٤)﴾ ... [الأنعام: ١٤].
وقال الله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١)﴾ ... [فاطر: ١].
الله ﵎ هو الفاطر، الذي ابتدأ خلق المخلوقات كلها، وفطر السموات والأرض وسائر الخلق على ما أراد.
وكان النبي ﷺ يعظم ربه بهذا الاسم، ويدعوه به امتثالاً لأمر ربه كما قال سبحانه: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٤٦)﴾ ... [الزمر: ٤٦].
وكان ﷺ يفتتح صلاته في الليل بهذا الدعاء: «اللَّهُمَّ! رَبَّ جَبْرَائِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَإِسْرَافِيلَ، فَاطِرَ السموات وَالأَرْضِ، عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، أنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ، اهْدِنِي لِمَا اخْتُلِفَ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِكَ إِنَّكَ تَهْدِي مَنْ تَشَاءُ إلى صِرَاطٍ مُسْتَقِيم» أخرجه مسلم (١).
وأحياناً بهذا الدعاء: «وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السموات وَالأرْضَ حَنِيفًا وَمَا أنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ» أخرجه مسلم (٢).
وهو سبحانه الذي فطر عباده على التوحيد والإيمان، ووضع في عقولهم حسن الدين، واستقباح غيره.
فجميع أحكام الشرع الظاهرة والباطنة قد وضع الله في قلوب الخلق كلهم الميل إليها، فوضع في قلوبهم محبة الحق، وإيثار الحق، والعمل بالحق وهذا
стр. 294
حقيقة الفطرة: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٠)﴾ [الروم: ٣٠].
ولكن الشياطين، وسلطان الشهوات، تحوم على قلوب بني آدم لتضلهم وتصرفهم عما يسعدهم في الدنيا والآخرة كما قال سبحانه: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (٥٩) إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئًا (٦٠)﴾ [مريم: ٥٩ - ٦٠].
وقال الله تعالى عن الشيطان: ﴿قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (١٦) ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ (١٧)﴾ [الأعراف: ١٦، ١٧].
وقال الله في الحديث القدسي: «خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ كُلَّهُمْ، وَإِنَّهُمْ أتَتْهُمُ الشَّيَاطِينُ فَاجْتَالَتْهُمْ عَنْ دِينِهِمْ، وَحَرَّمَتْ عَلَيْهِمْ مَا أحْلَلْتُ لَهُمْ، وَأمَرَتْهُمْ أنْ يُشْرِكُوا بِي مَا لَمْ أنْزِلْ بِهِ سُلْطَانًا» أخرجه مسلم (١).
стр. 295
المحيط
ومن أسمائه الحسنى : المحيط.
قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا (١٢٦)﴾ [النساء: ١٢٦].
وقال الله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ (٥٤)﴾ [فصلت: ٥٤].
الله ﵎ هو المحيط، الذي أحاط بكل شيء علماً، وأحاطت قدرته بجميع خلقه في العالم العلوي، وفي العالم السفلي.
وهو سبحانه المحيط بالأشياء كلها، وهي تحت قدرته، فلا يمكن لشيء منها الخروج عن إرادته فيه، ولا يمتنع عليه منها شيء، ولا يقدر أحد من الخلق على الفرار منه، لكمال علمه وقدرته، وانتفاء الغفلة والعجز عنه، وشمول إحاطته بخلقه.
وهو سبحانه الملك الذي له ملك السموات والأرض وما فيهن.
فالجميع ملكه وعبيده، وهو المالك المنفرد بتدبيرهم، الذي أحاط علمه بجميع المعلومات، وبصره بجميع المبصرات، وسمعه بجميع المسموعات، ونفذت مشيئته وقدرته في جميع الموجودات، ووسعت رحمته أهل الأرض والسموات، ودانت له جميع المخلوقات كما قال سبحانه: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (١٢)﴾ [الطلاق: ١٢].
стр. 296
القريب
ومن أسمائه الحسنى : القريب.
قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (١٨٦)﴾ [البقرة: ١٨٦].
وقال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ (٥٠)﴾ [سبأ: ٥٠].
الله ﵎ هو القريب، الذي يسمع دعاء عباده، ويجيب دعوة الداعي منهم، القريب من كل متكلم، الذي يسمع كل ما ينطق به، ويعلم ما في قلبه قبل أن ينطق به لسانه، وهو أقرب إلى كل إنسان من نفسه.
وهو سبحانه القريب اللطيف، الذي يرى ويسمع دبيب النملة السوداء، على الصخرة الصماء، في الليلة الظلماء.
وقرب الله نوعان:
الأول: قرب عام من كل أحد بعلمه ومراقبته، ومشاهدته له، وإحاطته به، كما قال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (١٦)﴾ [ق: ١٦].
الثاني: قرب خاص من عابديه وسائليه ومحبيه، ومن آثاره لطفه بعبده، وعنايته به، وتوفيقه له، وإجابة دعوته كما قال سبحانه: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (١٨٦)﴾ ... [البقرة: ١٨٦].
وهو سبحانه القريب المجيب إجابة عامة للداعين من كانوا، وأينما كانوا، وعلى أي حال كانوا، كما وعدهم بذلك.
وهو سبحانه القريب المجيب لمن أخلص له العبادة، ورغب إليه في التوبة، المجيب إجابة خاصة لمن آمن به وانقاد لشرعه.
стр. 297
وهو سبحانه المجيب للمضطرين، ومن انقطع رجاؤهم من المخلوقين، وقوي تعلقهم به طمعاً ورجاءً وخوفاً.
والله مستو على عرشه، ولا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، ينزل كل ليلة إلى السماء الدنيا إكراماً لأهل طاعته كما قال رسول الله ﷺ : «يَنْزِلُ رَبُّنَا ﵎ كُلَّ لَيْلَةٍ إلى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرُ، يَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي فَأسْتَجِيبَ لَهُ، مَنْ يَسْألُنِي فَأعْطِيَهُ، مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي، فَأغْفِرَ لَهُ» متفق عليه (١).
وهو سبحانه مع العباد، يعلم أحوالهم، ويسمع كلامهم، ويرى أشخاصهم، ولا يخفى عليه شيء منهم كما قال سبحانه: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٤)﴾ [الحديد: ٤].
وهو سبحانه مع المسافر في سفره، ومع أهله في وطنه.
قال النبي ﷺ : «اللَّهُمَّ! أنْتَ الصَّاحِبُ فِي السَّفَرِ، وَالْخَلِيفَةُ فِي الأهْلِ، اللَّهُمَّ! إِنِّي أعُوذُ بِكَ مِنْ وَعْثَاءِ السَّفَرِ، وَكَآبَةِ الْمَنْظَرِ، وَسُوءِ الْمُنْقَلَبِ، فِي الْمَالِ وَالأهْلِ». وَإِذَا رَجَعَ قَالَهُنَّ، وَزَادَ فِيهِنَّ: «آيِبُونَ، تَائِبُونَ، عَابِدُونَ، لِرَبِّنَا حَامِدُونَ» أخرجه مسلم (٢).
وكان أصحاب النبي ﷺ معه في سفر، وكانوا يرفعون أصواتهم بالتكبير فقال لهم: «يَا أيُّهَا النَّاسُ ارْبَعُوا عَلَى أنْفُسِكُمْ، فَإِنَّكُمْ لا تَدْعُونَ أصَمَّ وَلا غَائِبًا، إِنَّهُ مَعَكُمْ إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ، تَبَارَكَ اسْمُهُ وَتَعَالَى جَدُّهُ» متفق عليه (٣).
وقال النبي ﷺ : «وَمَنْ تَقَرَّبَ مِنِّي شِبْراً، تَقَرَّبْتُ مِنْهُ ذِرَاعاً، وَمَنْ تَقَرَّبَ مِنِّي ذِرَاعاً تَقَرَّبْتُ مِنْهُ بَاعاً، وَمَنْ أتَانِي يَمْشِي، أتَيْتُهُ هَرْوَلَةً، وَمَنْ لَقِيَنِي بِقُرَابِ الأرْضِ خَطِيئَةً لا يُشْرِكُ بِي شيئاً، لَقِيتُهُ بِمِثْلِهَا مَغْفِرَةً» متفق عليه (٤).
стр. 298
المستعان
ومن أسمائه الحسنى : المستعان.
قال الله تعالى: ﴿قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ (١٨)﴾ [يوسف: ١٨].
وقال الله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ (١١٢)﴾ [الأنبياء: ١١٢].
الله ﵎ هو المستعان، الغني عن الظهير والمعين، والشريك والوزير، فلا يحتاج إلى أحد.
وهو سبحانه المستعان .. الذي لا يطلب العون من أحد .. بل كل عبد يطلب منه العون على فعل الطاعات .. واجتناب المحرمات .. وجلب المنافع .. ودفع المضار.
وهو سبحانه الغني المستعان، والخلق كلهم فقراء إليه، عبيد لديه.
وهو الملك القادر على كل شيء، الذي ليس له شريك في الملك، ولا في الخلق، ولا في الأمر، ولا في الأسماء، ولا في الصفات.
وهو سبحانه الحي القيوم المستعان، فلا يحتاج إلى أحد من خلقه، بل الخلائق كلها بحاجة إلى الاستعانة به، بل لا قيام ولا حياة ولا وجود لهم إلا به، وبقدرته وقوته وإعانته وحده لا شريك له.
والاستعانة بالله تقوم على أصلين:
الثقة بالله .. والاعتماد عليه.
فقد يثق الإنسان بغيره، ولا يعتمد عليه في أموره، لاستغنائه عنه، وقد يعتمد عليه مع عدم ثقته به، لحاجته إليه.
والله وحده هو الذي بيده كل شيء، والمستعان في كل شيء، والعبد ليس بيده شيء، وهو محتاج إلى عون ربه في كل شيء كما قال سبحانه: ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ
стр. 299
السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (١٢٣)﴾ ... [هود: ١٢٣].
والمستعان هو الله .
فأهل الطاعة يستعينون به على فعل الطاعات، وترك المعاصي، كما قال سبحانه: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ [الفاتحة: ٥].
والاستعانة: طلب العون من الله على الطاعة.
أما أهل المعاصي، فحين ترك العاصي سؤال العون من الله على طاعته، أعانه على معصيته، فتوجه إليها بعونه عليها، وحرمه سبحانه العون على الطاعة، فلم يتوجه إليها كما قال سبحانه: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (٥)﴾ [الصف: ٥].
فالعباد كلهم مصرفون في طاعاتهم ومعاصيهم بقدرة الله وعونه .. إما بجنود الملائكة الهادية .. أو بجنود الشياطين المضلة .. فلا طاعة ولا معصية إلا بعون الله، وهو فعله على الإطلاق في الخير والشر، فلا حول عن معصية الله إلا بعصمة الله، ولا قوة على طاعة الله إلا بتوفيق الله وعونه.
لا إله، إلا هو وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شئ قدير.
اللهم أعنَّا على ذكرك، وعلى شكرك، وعلى حسن عبادتك.
стр. 300
المجيب
ومن أسمائه الحسنى : المجيب.
قال الله تعالى: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ (٦١)﴾ [هود: ٦١].
وقال الله تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٦٢)﴾ [النمل: ٦٢].
الله ﵎ هو القريب ممن دعاه، دعاء مسألة أو دعاء عبادة، يجيبه بإعطائه سؤاله، وقبول عبادته، ويثيبه عليها أجل الثواب وأعظمه.
وهذا قرب خاص من عابديه المؤمنين به، وهو يقتضي لطفه بأوليائه، وإجابته لدعواتهم، وتحقيقه لمراداتهم، ولهذا يقرن باسمه القريب اسمه المجيب.
فمن دعا ربه بقلب حاضر، ودعاء مشروع، ولم يمنع منه مانع من إجابة الدعاء كأكل الحرام وضعف اليقين ونحوهما، فإن الله قد وعده بالإجابة، خاصة إذا جاء بأسباب الإجابة، وهي الاستجابة لله تعالى، والإيمان به الموجب للاستجابة كما قال سبحانه: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (١٨٦)﴾ [البقرة: ١٨٦].
فالله سميع قريب مجيب، يسمع دعاء الخلق، ويجيب دعاءهم.
وهل يجيب المضطر الذي أقلقته الكروب، وتعسر عليه المطلوب، واضطر للخلاص مما هو فيه إلا الله وحده؟.
وهل يكشف السوء والشر والبلاء إلا الله وحده؟.
стр. 301
فسبحان العزيز الكريم الذي يجعل عباده خلفاء الأرض، ويمكنهم منها، ويمدهم بالأرزاق، ويوصل إليهم النعم، ويجيب دعاءهم، ويقضي حاجاتهم، ويجعلهم خلفاء من قبلهم، ثم يميتهم ويأتي بقوم بعدهم.
أإله مع الله يفعل هذه الأفعال؟
هيهات .. سبحان الله وتعالى عما يشركون.
стр. 302
الناصر
ومن أسمائه الحسنى : الناصر .. والنصير.
قال الله تعالى: ﴿بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ (١٥٠)﴾ [آل عمران: ١٥٠].
وقال الله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (٧٨)﴾ [الحج: ٧٨].
وقال الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا (٣١)﴾ [الفرقان: ٣١].
الله ﵎ هو الناصر، الذي ينصر رسله وأنبياءه وأتباعهم على أعدائهم، ويثبت أقدامهم عند لقاء عدوهم، ويلقي الرعب في قلوب أعدائهم.
وهو سبحانه النصير، الذي ينصر أولياءه، الذي لا يخذل وليه، ولا يسلمه لأعدائه.
وهو الناصر والنصير لعباده المؤمنين، الذي ينصر من يشاء، في أي وقت شاء، والنصر منه وحده، والمنصور من نصره الله، والمخذول من خذله الله: ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٦٠)﴾ ... [آل عمران: ١٦٠].
فهو سبحانه الناصر لأهل الإيمان، فلو اجتمع عليهم أهل الأرض جميعاً وما عندهم من العُدد والعَدد نصر الله المؤمنين عليهم، لأن الله لا غالب له، فهو الذي قهر الخلائق وأخذ بنواصيهم، وإذا أراد أن يخذل أحداً خذله ولو أعانه جميع الخلق.
فعلى المؤمن حقاً الاستنصار بالله، والاعتماد عليه، والبراءة من الحول والقوة، والتوكل على الله وحده، الذي يملك النصر وحده.
وقد نصر الله أنبياءه ورسله والمؤمنين في مواطن كثيرة، وخذل أعداءهم، وأعز الله المؤمنين، وخذل الكافرين.
стр. 303
وقد تكفل الله سبحانه بنصر أوليائه على أعدائه في الدنيا والآخرة كما قال سبحانه: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (٥١) يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (٥٢)﴾ [غافر: ٥١، ٥٢].
وقد أوجب الله سبحانه على نفسه نصر المؤمنين على أعدائهم كما قال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ (٤٧)﴾ [الروم: ٤٧].
أما نصرة المؤمنين لربهم، فتكون بعبادته، والقيام بحقوقه، ورعاية عهوده، وامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، والعمل بشرعه، والدعوة إليه، فإذا تم هذا جاء نصر الله لعباده المؤمنين كما قال سبحانه: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٤٠) الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (٤١)﴾ [الحج: ٤٠، ٤١].
فهذه علامات من يستحق النصر، والتمكين، والاستخلاف.
وحقيقة النصر: المعونة بطريق التولي والمحبة، خص الله به الملائكة والرسل والمؤمنين لا غير.
والمعونة على الشر لا تسمى نصراً .. ولذلك لا يقال للكافر إذا ظفر بالمؤمن أنه منصور عليه .. بل يقال هو مسلط عليه عقوبة له .. أو تربية له كما قال سبحانه عن الكفار: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٩٠].
والله قادر على نصرة دينه، فهو الذي نصر عبده، وأعز جنده، وهزم الأحزاب وحده، وهو القوي القادر على كل شيء، ولكنه ابتلى ويبتلي عباده بذلك التسليط، ليظهر من ينصر دينه وشرعه ممن يتولى عن نصرته كما قال سبحانه: ﴿ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ (٤)﴾ [محمد: ٤].
وقد بين الله لعباده أنه لا ناصر لهم دونه، ولا معين لهم سواه، وذلك لتتوجه قلوبهم له، وأكفهم بالضراعة إليه، فهو الملك البر الرحيم، الذي يملك الخلائق
стр. 304
كلها، ويتصرف فيها كيف يشاء ويجري عليهم أحكامه القدرية والشرعية والجزائية، وهو مولى المؤمنين وناصرهم، فليتوجهوا إليه وحده في جميع حوائجهم، فهو نعم المولى ونعم النصير: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (١٠٧)﴾ [البقرة: ١٠٧].
اللهم: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٢٨٦)﴾ ... [البقرة: ٢٨٦].
اللهم يا قوي يا عزيز .. يا خير الناصرين .. انصر دينك، وكتابك، وسنة نبيك، وعبادك المؤمنين.
اللهم انصر من نصر الدين .. واخذل من خذل الدين من الطغاة والمفسدين.
стр. 305
الوارث
ومن أسمائه الحسنى : الوارث.
قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ (٢٣)﴾ [الحجر: ٢٣].
وقال الله تعالى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ (٥٨)﴾ ... [القصص: ٥٨].
الله ﵎ هو الوارث الباقي بعد فناء الخلق، الذي يسترد أملاكهم وأموالهم بعد موتهم، وجميع الأشياء والأموال الله مالكها، وهو الذي يتصرف فيها، يورثها من يشاء، ويستخلف فيها من يريد: ﴿إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (١٢٨)﴾ [الأعراف: ١٢٨].
وهو سبحانه وارث الأرض ومن عليها، وهو وارث الخلق أجمعين، لأنه الباقي بعدهم، وهم الفانون كما قال سبحانه: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ (٤٠)﴾ [مريم: ٤٠].
وهو سبحانه الوارث الباقي بعد فناء الخلائق، الحي الذي لا يموت، الدائم الذي لا ينقطع، الباقي الذي لا يزول، وله ميراث السموات والأرض، وإذا مات جميع الخلق، وزال عنهم ملكهم، كان الله تعالى هو الباقي الحق، المالك لكل مالك وما يملك، وعاد الملك لله الواحد القهار: ﴿وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١٨٠)﴾ [آل عمران: ١٨٠].
وقد وعد الله عباده المتقين أن يورثهم الجنة، التي فيها من الرحمة والإحسان، والحسن والجمال ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، وهي دار إقامة لا ظعن فيها.
فما أوسع تلك الجنة، وما أحلى ثمارها، وما أجمل قصورها، وما أحسن حورها، وما أعذب أنهارها، وما أطيب طعامها، وما أهنأ عيشها، وما أدوم نعيمها: ﴿تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا (٦٣)﴾ [مريم: ٦٣].
стр. 306
الغالب
ومن أسمائه الحسنى : الغالب.
قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٢١)﴾ [يوسف: ٢١].
وقال الله تعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (٢١)﴾ [المجادلة: ٢١].
الله ﵎ هو الغالب، البالغ مراده من خلقه، الذي لا يُغلب ولا يُقهر، لكمال قدرته وعظمته، الغالب على أمره، الذي يفعل ما يشاء، الذي لا يغلبه شيء، ولا يرد حكمه راد، وأمره تعالى نافذ، لا يبطله مبطل، ولا يغلبه مغالب.
وهو سبحانه الغالب القاهر القادر أبداً، الذي لا يملك أحد أن يرد ما قضى، أو يمنع ما أمضى، فلا راد لقضائه، ولا معقب لحكمه: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٥٤)﴾ ... [الأعراف: ٥٤].
وهو سبحانه الغالب على الإطلاق، فمن آمن به وتمسك بدينه وتوكل عليه فهو الغالب ولو أن جميع من في الأرض له طالب: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (٢١)﴾ ... [المجادلة: ٢١].
стр. 307
الكافي
ومن أسمائه الحسنى : الكافي.
قال الله تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (٣٦)﴾ ... [الزمر: ٣٦].
وقال الله تعالى: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٣٧)﴾ ... [البقرة: ١٣٧].
الله ﵎ هو الكافي عباده جميع ما يحتاجون إليه، الذي يكفي عباده المهم، ويدفع عنهم الملم، المطلع على كل شيء، الذي لا يخفى عليه مثقال ذرة في السموات والأرض: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (١٧١)﴾ ... [النساء: ١٧١].
وهو سبحانه الكافي كفاية خاصة من آمن به وتوكل عليه كما قال سبحانه: ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا (٢٥)﴾ [الأحزاب: ٢٥].
وهو سبحانه الكافي عباده، لأنه هو رازقهم وحافظهم ومصلحهم، الذي يكتفي بمعونته عن غيره، ويستغني به عمن سواه، فهو الكافي عباده كل ما يحتاجون إليه، فيجب ألا تكون العبادة إلا له، ولا الرغبة إلا إليه، ولا الرجاء إلا له، ولا الخوف إلا منه، ولا المحبة إلا له.
اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك .. وبطاعتك عن معصيتك .. وبفضلك عمن سواك.
اللهم اكفنا شر الأشرار .. وكيد الفجار .. وشر طوارق الليل والنهار.
стр. 308
ذو الجلال والإكرام
ومن أسمائه الحسنى : ذو الجلال والإكرام.
قال الله تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٢٧)﴾ [الرحمن: ٢٦، ٢٧].
وقال الله تعالى: ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٧٨)﴾ [الرحمن: ٧٨].
الله ﵎ ذو الجلال والإكرام، المستحق لأن يهاب لعظمة سلطانه، ويثنى عليه بما يليق بعلو شأنه.
وهو سبحانه ذو الجلال والإكرام، الذي يستحق أن يُجل ويُكرم ويُعظم، فلا يجحد ولا يكفر ولا يعصى، الذي له الإكرام كله من جميع خلقه، الذي لا جلال ولا كمال إلا وهو له، ولا كرامة ولا إكرام ولا مكرمة إلا وهي صادرة منه سبحانه.
فهو سبحانه ذو الجلال والعظمة والكبرياء، وذو الرحمة والجود والإحسان، المكرم لأولياءه الذين يجلونه ويعظمونه ويحبونه.
وإكرام الله للعبد يكون معجلاً في الدنيا .. ومؤجلاً في الآخرة .. ويكون عموماً في الخليقة .. وخصوصاً لأوليائه المتقين كما قال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا (٧٠)﴾ ... [الإسراء: ٧٠].
فقد أكرم الله جميع بني آدم بوجوه الإكرام:
فكرمهم بالعلم والعقل .. والسمع والبصر .. وإرسال الرسل .. وإنزال الكتب .. وجعل منهم الأولياء والأتقياء .. وأنعم عليهم بالنعم الظاهرة والباطنة .. وحملهم في البر والبحر بما سخر لهم .. ورزقهم من الطيبات .. والنعم السابغات .. وفضلهم بما خصهم به من المناقب التي ليست لغيرهم من المخلوقات، وهذا من كرمه عليهم .. وإحسانه إليهم في الدنيا وفي الآخرة.
стр. 309
فأي إكرام فوق هذا؟ .. وأي عناية بالإنسان أكثر من هذا؟.
﴿إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (٢٤٣)﴾ ... [البقرة: ٢٤٣].
أفيليق بمن هذه عظمته، وهذا جلاله، وهذا ملكه، وهذا إكرامه أن يكفر به، ويعصى أمره، ويجحد فضله، ويعبد غيره؟.
أفلا يقوم الناس بشكر من أولى النعم، ودفع النقم، وتعظيم من له الكبرياء في السموات والأرض؟.
ألا ما أجهل الإنسان الذي يشتغل بالنعم عن عبادة المنعم، بل ربما استعان بها على معصية ربه، وربما حارب بها دينه وأولياءه: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (٣٤)﴾ [إبراهيم: ٣٤].
وقد حث النبي ﷺ أمته على الدعاء بهذين الاسمين، وكان إذا انصرف من صلاته استغفر ثلاثاً ثم قال: «اللَّهُمَّ! أنْتَ السَّلامُ وَمِنْكَ السَّلامُ، تَبَارَكْتَ ذَا الْجَلالِ وَالإكْرَامِ» أخرجه مسلم (١).
стр. 310
ذو العرش
ومن أسمائه الحسنى : ذو العرش.
قال الله تعالى: ﴿رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ (١٥)﴾ [غافر: ١٥].
وقال الله تعالى: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (١٤) ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (١٥)﴾ ... [البروج: ١٤: ١٥].
الله ﵎ هو الخالق العظيم، الذي خلق المخلوقات كلها، ذو العرش المجيد، وقد أضاف العرش إلى نفسه كما تضاف إليه الأشياء العظيمة الشريفة.
وهذا يدل على عظمة العرش، وقربه منه سبحانه، واختصاصه به، وسعته وحسنه، وبهاء منظره.
فالعرش أوسع المخلوقات كلها، وأعظمها وأكبرها وأحسنها، وأجمعه لصفات الحسن والجمال والعظمة، ولا يقدر قدر عظمته وحسنه وبهاء منظره إلا الله سبحانه.
وقد وصف الله العرش بأنه عظيم، وكريم، ومجيد، ومجده وكرمه وعظمته مستفاد من مجد خالقه وكرمه وعظمته سبحانه.
وإذا كانت هذه صفات العرش المخلوق.
فكم تكون عظمة الخالق الذي خلقه؟ .. والرحمن الذي استوى عليه؟ .. والكبير الذي السموات والأرض في يده أصغر من الخردلة؟.
﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٧)﴾ ... [الزمر: ٦٧]
стр. 311
ذو المعارج
ومن أسمائه الحسنى : ذو المعارج.
قال الله تعالى: ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ (١) لِلْكَافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ (٢) مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ (٣)﴾ ... [المعارج: ١ - ٣].
الله ﵎ ذو المعارج، ذو العلو والدرجات، ذو الفواضل والنعم.
وهو سبحانه الرب العظيم، ذو الملكوت والجبروت والكبرياء والعظمة، ذو المعارج، الذي تعرج إليه الملائكة والروح، وتصعد إليه الأقوال والأعمال الصالحة الطيبة كما قال سبحانه: ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ (١) لِلْكَافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ (٢) مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ (٣) تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ (٤)﴾ [المعارج: ١ - ٤].
فالملائكة تعرج إليه بما دبرها من الأوامر والأعمال، وتعرج إليه الأرواح كلها برها وفاجرها، وهذا عند الوفاة.
فأما الأبرار فتعرج أرواحهم إلى الله، فتحيي ربها، وتسلم عليه، وتحظى بقربه، ويحصل لها منه الثناء والإكرام.
وأما أرواح الفجار فتعرج، فإذا وصلت إلى السماء استأذنت فلم يؤذن لها، فتعاد إلى الأرض.
فسبحان الملك العظيم الجبار، الذي استوى على العرش، وله ملك السموات والأرض، والذي يعرج إليه ما لا يحصيه إلا الله من الملائكة، والأرواح، والأقوال، والأعمال، على مر الدهور والأزمان.
قال النبي ﷺ : «يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ: مَلائِكَةٌ بِاللَّيْلِ وَمَلائِكَةٌ بِالنَّهَارِ، وَيَجْتَمِعُونَ فِي صَلاةِ الْفَجْرِ وَصَلاةِ الْعَصْرِ، ثُمَّ يَعْرُجُ الَّذِينَ بَاتُوا فِيكُمْ، فَيَسْألُهُمْ وَهُوَ أعْلَمُ بِهِمْ: كَيْفَ تَرَكْتُمْ عِبَادِي؟ فَيَقُولُونَ تَرَكْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ، وَأتَيْنَاهُمْ وَهُمْ
стр. 312
يُصَلُّونَ» متفق عليه (١).
ألا ما أعظم قدرة الله .. وما أعظم جلاله وكبرياءه .. وما أوسع رحمته وعلمه وملكه.
وبؤساً لأقوام جهلوا عظمته فعصوه، ولم يقدروه حق قدره، فاستهانوا بأوامره، واستعملوا نعمه في معصيته.
وسبحان الحليم الذي أمهلهم، وآذوه فصبر عليهم، وعصوه وهو يعافيهم ويرزقهم.
وسبحان العظيم في ملكه .. القوي في سلطانه .. الكريم في إحسانه .. الذي أحاط بكل شئ علماً .. وأحصى كل شئ عدداً .. ولا تخفى عليه ذرة في الأرض ولا في السماء.
стр. 313
ذو الطول
ومن أسمائه الحسنى : ذو الطول.
قال الله تعالى: ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ (٣)﴾ [غافر: ٣].
الله ﵎ ذو الطول والفضل والإنعام على خلقه، الكثير الخير، الذي له خزائن السموات والأرض، الذي يملك خزائن كل شيء كما قال سبحانه: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ (٢١)﴾ [الحجر: ٢١].
وهو سبحانه الكريم، المتفضل على عباده، المتطول عليهم بما هم فيه من المنن والنعم التي لا يستطيعون أن يحصوها، فضلاً عن أن يشكروها.
ولكن الله عفو كريم، ينعم بالجزيل من الأرزاق، ويعفو عن الكثير من السيئات: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٨)﴾ ... [النحل: ١٨].
أياديه بالإنعام والإحسان إلى عباده مبسوطة .. يعطي من يطيعه ومن يعصيه .. وينعم بجزيل النعم .. ويدفع شر النقم .. نعمه لا تحصى .. وبره لا ينسى .. ذو الطول والإنعام .. والبر والإحسان.
فسبحانه من إله ما أعظمه .. وسبحانه من رب ما أكرمه .. فجميع النعم والعطايا، وأصناف البر والإحسان، منه وحده لا شريك له: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (٣٤)﴾ [إبراهيم: ٣٤].
стр. 314
ذو الفضل
ومن أسمائه الحسنى : ذو الفضل.
قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (١٠٥)﴾ ... [البقرة: ١٠٥].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (٢٤٣)﴾ ... [البقرة: ٢٤٣].
الله ﵎ هو الغني، الذي له ما في السموات وما في الأرض، ذو الفضل العظيم، والإحسان العميم، أعطى خلقه من النعم ما لا يلزمه، وتفضل عليهم بما لا يجب عليه، لأنه جواد كريم.
فسبحانه من رؤوف رحيم كريم، تفضل على جميع خلقه بنعمه، وتفضل على المؤمنين بدار كرامته: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ (٧٣)﴾ [النمل: ٧٣].
وهو سبحانه ذو الطول والفضل والإحسان، يعطي من يشاء ما يشاء، في أي مكان شاء، وفي أي زمان شاء، لا يمنعه مانع من إيصال فضله ونعمته إلى من يشاء من خلقه.
والله هو الغني الذي لا يحتاج إلى شيء، فهو الغني بذاته، وكل مخلوق فقير إليه بذاته.
وكل ما في السموات والأرض، وجميع ما في خزائن الله، الله غني عنه، لا يحتاج منه شيئاً: ﴿سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [يونس: ٦٨].
والفضل كله بيد الله ﷻ ، يعطي منه من يشاء فضلاً، ويمنع من يشاء عدلاً: ﴿قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٧٣) يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٧٤)﴾ ... [آل عمران: ٧٣، ٧٤].
стр. 315
وفضل الله عظيم واسع، وخزائن السموات والأرض مملوءة من فضله، وهو المتفضل على عباده بأنواع النعم من غير سؤال منهم، ولا استحقاق لها، بل كل ماأعطى الله العباد من نعم الدين والدنيا، فهو فضل من الله وكرم وبر وإحسان، وحتى الكافر يتقلب في نعم الله في الدنيا، والله ذو فضل على العالمين كلهم: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (٣٤)﴾ [إبراهيم: ٣٤].
ومن فضل الله على عباده المؤمنين هدايتهم للإيمان والتقوى: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٤)﴾ [الجمعة: ٤].
ومن فضله على عباده أنه ينجيهم من أعدائهم وكيدهم ومكرهم إذا توكلوا عليه كما قال سبحانه: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (١٧٣) فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ (١٧٤)﴾ [آل عمران: ١٧٣، ١٧٤].
ومن فضله سبحانه على عباده تثبيته لهم على هذا الدين، وعصمتهم من الزيغ والخذلان واتباع الشيطان: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا (٨٣)﴾ [النساء: ٨٣].
ومن فضله على عباده إعطاؤهم فوق ما يستحقون من ثواب، زيادة من الكريم وفضلاً: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (١٧٣)﴾ ... [النساء: ١٧٣].
ومن فضله على عباده ترك معاجلة الكفار والمنافقين والعصاة بالعقوبة في الدنيا، وإمهالهم لعلهم يتوبون كما قال سبحانه: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٤)﴾ ... [النور: ١٤].
هذا أظهر ما ورد في القرآن من أسماء الله وأما ما ورد في السنة فهو:
стр. 316
الرفيق
ومن أسمائه الحسنى : الرفيق.
قال النبي ﷺ : «إِنَّ اللهَ رَفِيقٌ يُّحِبُّ الرِّفْقَ، وَيُعْطِي عَلَى الرِّفْقِ مَا لا يُعْطِي عَلَى الْعُنْفِ، وَمَا لا يُعْطِي عَلَى مَا سِوَاهُ» متفق عليه (١).
الله ﵎ هو الرفيق، الكثير الرفق، وهو اللين والتسهيل، الذي يسهل الأمور، وييسر أسباب الخير كلها لعباده.
وهو سبحانه الرفيق الحليم الذي لا يعجل بعقوبة العصاة، ليتوب من سبقت له العناية، ويزاد إثماً من سبقت له الشقاوة.
والله سبحانه رفيق، ليس بعجول، وإنما يعجل من يخاف الموت أو الفوات، فأما من كانت الأشياء في قبضته وملكه فليس من شأنه العجلة.
والرفق هو التأني في الأمور والتدرج فيها.
فالله رفيق في أفعاله، حيث خلق المخلوقات كلها بالتدريج شيءاً فشيءاً، وهو قادر على خلقها كلها دفعة واحدة، في لحظة واحدة كما قال سبحانه: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢)﴾ [يس: ٨٢].
وهو سبحانه رفيق حكيم في أمره ونهيه .. فلا يأخذ عباده بالتكاليف الشاقة مرة واحدة .. بل يتدرج معهم في الأحكام من حال إلى حال .. حتى تألفها نفوسهم .. ثم تشمر لها جوارحهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (٦٥)﴾ [الحج: ٦٥].
فينبغي للمسلم أن يكون رفيقاً في أموره كلها، وفي جميع أحواله، غير عجل فيها، فإن العجلة من الشيطان، ومن يحرم الرفق يحرم الخير.
قال النبي ﷺ : «إِنَّ الرِّفْقَ لا يَكُونُ فِي شَيْءٍ إِلا زَانَهُ، وَلا يُنْزَعُ مِنْ شَيْءٍ إِلا شَانَهُ» أخرجه مسلم (٢).
стр. 317
الشافي
ومن أسمائه الحسنى : الشافي.
قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (٨٠)﴾ [الشعراء: ٨٠].
وعن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ كان إذا أتى مريضاً، أو أُتي به إليه قال ﷺ : «أَذْهِبِ الْباسَ رَبَّ النَّاسِ، اشْفِ وأَنْتَ الشَّافيِ لَا شفَاءَ إِلاَّ شِفَاؤكَ، شِفَاءً لا يُغَادِرُ سَقَماً» متفق عليه (١).
الله ﵎ هو الشافي لكل آفة وعاهة، وكل مرض بدني أو نفسي.
والشفاء: رفع ما يؤذي أو يؤلم البدن والقلب.
وهو سبحانه الشافي وحده، وهو الذي جعل الشفاء في الأدوية المستعملة، وهو الذي خلق الداء والدواء والشفاء.
وهو سبحانه الشافي الكافي، الذي يشفي الأبدان من أمراضها، ويشفي الصدور والقلوب من الشبه والشكوك، لا يقدر على ذلك غيره، ولا يدعى بهذا الاسم سواه.
والأدوية لا تنفع بذاتها، بل بما قدره الله تعالى فيها من الشفاء.
والتداوي لا ينافي التوكل، فإن الله جعل الدواء سبباً للشفاء، كما لا ينافي دفع الجوع بالأكل، والعطش بالشرب، وقد جعل الله لكل شيء سبباً.
وقد أنزل الله القرآن العظيم شفاء لعباده المؤمنين، يُستشفى به من الجهل والضلالة، ويبصر به من العمى، فهو هدى ورحمة لهم، لأنهم يعملون بما فيه، فيسعدهم في الدنيا، ويدخلهم بذلك الجنة، وينجيهم من النار، ولا يزيد الكافرين إلا خساراً، لأنهم لا يعملون به كما قال سبحانه: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا (٨٢)﴾ ... [الإسراء: ٨٢].
стр. 318
وأما شفاء الأبدان، فإن الله هو الشافي، الذي أنزل الداء والدواء، علمه من علمه، وجهله من جهله.
قال النبي ﷺ : «مَا أَنْزَلَ الله دَاءً إِلاَّ أَنْزَلَ لَهُ شِفَاءً» أخرجه البخاري (١).
فسبحان الذي خلق وهدى .. وأطعم وأسقى .. وابتلى وشفا .. وأمات وأحيا .. وتجاوز وعفا.
﴿رَبَّ الْعَالَمِينَ (٧٧) الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (٧٨) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (٧٩) وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (٨٠) وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ (٨١) وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ (٨٢)﴾ ... [الشعراء: ٧٧ - ٨٢].
стр. 319
الطيب
ومن أسمائه الحسنى : الطيب.
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «أيُّهَا النَّاسُ! إِنَّ اللهَ طَيِّبٌ لا يَقْبَلُ إِلا طَيِّباً، وَإِنَّ اللهَ أمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ، فَقَالَ: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٥١)﴾ [المؤمنون: ٥١]» أخرجه مسلم (١).
الله ﵎ هو الطيب، المنزه عن النقائص والعيوب، الطيب الذي هدى عباده المؤمنين إلى أفضل القول، وأطيبه كلمة الإخلاص، ثم سائر الأقوال الطيبة التي فيها ذكر الله أو إحسان إلى عباد الله كما قال سبحانه: ﴿وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ (٢٤)﴾ [الحج: ٢٤].
والله سبحانه هو الطيب، فلا ينبغي التقرب إليه إلا بكل طيب من النيات والأقوال والأعمال والأخلاق والأموال، فهو سبحانه طيب لا يقبل إلا الطيب من كل شيء.
ومن طاب قلبه بمعرفة الله ومحبته وخشيته، وطاب لسانه بذكره، وطابت جوارحه بطاعته، أسعده الله في الدنيا، وأدخله الجنة في الآخرة، لأنها الدار الطيبة، التي لا يليق بها إلا الطيبون: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ (٧٣)﴾ [الزمر: ٧٣].
وقد وعد الله المؤمنين والمؤمنات بالحياة الطيبة في الدنيا والآخرة فقال سبحانه: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٧)﴾ ... [النحل: ٩٧].
стр. 320
السبوح
ومن أسمائه الحسنى : السبوح.
عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ كان يقول في ركوعه وسجوده: «سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ، رَبُّ الْمَلائِكَةِ وَالرُّوحِ» أخرجه مسلم (١).
الله ﵎ هو السبوح، المنزه عن كل عيب ونقص وسوء، المبرأ من النقائص، المنزه عن الشريك، وكل ما لا يليق بجلاله.
والله ﷻ هو القدوس، الذي له الكمال المطلق في كل أسمائه وصفاته وأفعاله، الذي لا شريك له ولا مثيل: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ [الشورى: ١١].
وهو سبحانه القدوس، الذي يقدسه ويسبحه كل من في العالم العلوي، وكل من في العالم السفلي، في جميع الأوقات، بمختلف اللغات، وأنواع الأصوات كما قال سبحانه: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (٤٤)﴾ [الإسراء: ٤٤].
فالله ﵎ هو الرب العظيم، الذي من عظمته الباهرة، وقدرته القاهرة، أن جميع الأرض يوم القيامة في قبضته، والسموات مطويات بيمينه. فلا عظمه حق عظمته من سوى به غيره، ولا أظلم منه.
﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٧)﴾ ... [الزمر: ٦٧].