← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 37531

موسوعة فقه القلوب

محمد بن إبراهيم التويجري

Полный текст (3 625 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

تدفع، وهذه المواليد التي تتابع، والقبور التي تبلع. وهو سبحانه خالق هذه الشمس الجارية، والقمر الساري، والكواكب المبثوثة في السماء. فمن هذا خلقه، ومن هذه قدرته، ومن هذه عظمته، ومن هذا ملكه، أيحتاج إلى البشر، أو إلى عبادة البشر .. ؟. أيليق بالعاقل أن يشرك به، ويعبد معه غيره: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (١٩١) وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ (١٩٢)﴾ [الأعراف: ١٩١، ١٩٢]. إن هذه الظواهر البارزة الحية هي التي تلمس الحس، وتوقظ القلب، لو تفتح وتدبرها تدبر الواعي المدرك. إن الله الذي خلق هذه المخلوقات ودبرها، هو الذي يليق أن يكون رباً يدين له البشر بالعبودية، ولا يشركون به شيئاً من خلقه: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ [الأنعام: ١٠٢]. إن القرآن الكريم يعمد مباشرة إلى إيقاظ القلوب والعقول، لتدبر ما في هذا الكون من العجائب والآيات، والبصائر والعبر. إن هذه المخلوقات العظيمة الواسعة من الصور والأشكال .. والحركات والأحوال .. والمجيء والرواح .. والبقاء والفناء .. والحياة والممات .. والذبول والنماء .. والشروق والغروب .. والحركة الدائبة في هذا الكون الهائل، التي لا تسكن ولا تتوقف لحظة من ليل أو نهار .. إن هذا كله ليستجيش كل خالجة في كيان الإنسان للتأمل والتدبر والتفكر. فمتى يستيقظ القلب ويتفتح لمشاهدة الآيات العظام، المبثوثة في ظواهر الكون وحناياه؟: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠١)﴾ [يونس: ١٠١]. إن الإنسان لو وقف لحظة واحدة، يرقب ما خلق الله في السموات والأرض، ويستعرض هذه المخلوقات العظيمة التي لا تحصى، من الأنواع والأجناس،

стр. 667

والهيئات والأحوال، والأوضاع والأشكال، لو وقف لحظة واحدة، لامتلأ قلبه بالإيمان، وفاض بما يغنيه في حياته كلها، ويشغله بالتدبر والتفكر والتأثر ما عاش. ولا يدرك هذا إلا أهل التقوى، التقوى التي تجعل القلوب سريعة التأثر، سريعة الاستجابة لخالق هذه المخلوقات كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠)﴾ [آل عمران: ١٩٠]. إن الله العليم بما خلق، يخاطب الفطرة البشرية بآيات الله الكونية المبثوثة حول الإنسان في هذا الكون، والتي يعلم سبحانه أن بينها وبين فطرة الكائن البشري لغة مفهومة، وإيحاءات مسموعة، تؤدي إلى الإيمان بالله، وهذه من أقوى الأدلة المقنعة للقلب والعقل جميعاً. أما الجدل فإنه لا يصل إلى القلب، ولا يتجاوز منطقة الذهن الباردة، التي لا تدفع إلى حركة، ولا تؤدي إلى بناء حياة. ولا تزال دلالة وجود الكون ذاته، ثم حركته المنتظمة، تحاصر الهاربين من الله هنا وهناك، وتردهم إليه: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ (٤٧) وَالْأَرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ (٤٨) وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٤٩) فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠)﴾ [الذاريات: ٤٧ - ٥٠]. والفطرة البشرية بجملتها قلباً وعقلاً، وحساً ووجداناً، تواجه هذه الدلالة، وتستجيب لها، وتتأثر بها، وتدرك أن خالق هذا الكون هو الحق، وأن ما شرعه هو الحق، وأن وعده هو الحق. إن بين الفطرة البشرية، وبين هذا الكون الذي نعيش فيه لغة خفية غنية، تسمع لهذا الكون وتعقل عنه. إن النظر إلى ما في السموات والأرض يمد القلب والعقل بزاد من المشاعر والتأملات .. وزاد من الاستجابات والتأثرات .. وزاد من سعة الشعور بالوجود .. وزاد من التعاطف مع هذا الوجود.

стр. 668

وذلك كله يملأ القلب بالإيمان، ويوحي إليه بوجود الله، وبجلال الله، وتدبير الله، وبحكمة الله، وبعلم الله، وبرحمة الله. فإذا كان الإنسان مهتدياً بنور الله، إلى جوار هذه المعارف العلمية عن هذا الكون، زادته هذه المعارف من الزاد الذي يحصل من التأمل في هذا الكون والأنس به، والاشتراك معه في تسبيحه بحمد الله، ولا يفقه تسبيح كل شيء بحمد الله إلا الموصول قلبه بالله. وأما إن كانت هذه المعارف العلمية غير موصولة بالله، وغير مصحوبة ببشاشة الإيمان ونوره، فإنها تقود الأشقياء إلى مزيد من الشقوة، والبعد عن الله، والحرمان من بشاشة الإيمان، وفقد الأنس بالله: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠١)﴾ [يونس: ١٠١]. وماذا تجدي الآيات والنذر إذا استغلقت القلوب، وتجمدت العقول، وتعطلت أجهزة الاستقبال والتلقي في الفطرة، واحتجب الإنسان بجملته عن هذا الوجود، فلم يسمع ولم يرَ ولم يتدبر؟. إن كتاب الله ﵎ مملوء بالتعريف بعظمة الرب سبحانه. فقد جعل الله هذا الكون العظيم معرضاً جميلاً واسعاً .. تتجلى فيه عظمة الخالق .. وعظمه أسمائه وصفاته .. وعظمه أفعاله .. وعظمة مخلوقاته .. في معرض كوني كبير .. مفتوح طول الحياة لعموم البشرية .. يتجولون فيه فيزيد إيمانهم .. وتقوى عباداتهم. فلا يحرم من نظر إلى ذلك وتأمله من الإيمان إلا محروم: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ (٣٠)﴾ [الأنبياء: ٣٠]. إن الفطرة البشرية بها حاجة ذاتية إلى التدين، وإلى الاعتقاد بإله، وحين تصح وتستقيم، تجد في أعماقها اتجاهاً إلى إله واحد، وإحساساً قوياً بوجود هذا الإله الواحد، وذلك مركوز في الفطر، يوقظه ويحييه ويزيده، النظر في الآيات

стр. 669

الكونيه، والآيات القرآنية. ووظيفة العقيدة الصحيحة ليست إنشاء الشعور بالحاجة إلى إله والتوجه إليه، فهذا مركوز في الفطرة كما قال سبحانه: ﴿قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [إبراهيم: ١٠]. إن وظيفة العقيدة الصحيحة .. هي تصحيح تصور الإنسان لإلهه .. وتعريفه بالإله الحق الذي لا إله غيره .. وتعريفه بأسمائه وصفاته .. لا تعريفه بوجوده وإثباته .. فلا شك في وجوده .. بل وجوده أظهر من أن يستدل عليه بدليل. ثم تعريف العبد بمقتضيات الألوهية في حياته .. من شعائر تصله بمعبوده .. ومن شرائع تنظم منهج حياته .. ومن أخلاق تزين حياته. ومن ثم ينسجم إذا أطاع مع الكون في الطاعة والعبادة. والشك في حقيقة وجود الله أو إنكاره، هو بذاته دليل قاطع على اختلال بيًّن في عقل الإنسان، وعلى تعطل أجهزة الاستقبال والاستجابة الفطرية فيه، ولذلك إنكار الرب قليل في العباد. وإذا تعطلت أجهزة الاستقبال والتأمل والاستجابة في الإنسان، فلا سبيل إلى قلبه وعقله لإقناعه بالجدل والمناظرة، إنما يكون السبيل إلى علاجه هو محاولة تنبيه أجهزة الاستقبال والاستجابة فيه، واستجاشة كوامن الفطرة في كيانه، لعلها تتحرك وتسلك الصراط المستقيم. إن لفت الحس والقلب والعقل إلى ما في السموات والأرض من آيات ومخلوقات، وسيلة من أكبر وأعظم الوسائل لاستحياء القلب الإنساني، لعله ينبض ويتحرك، ويتلقى ويستجيب: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ (٦) وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٧) تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (٨)﴾ [ق: ٦ - ٨]. إن أعداء هذا الدين شغلوا البشرية عامة، والمسلمين خاصة بالعلم الإنساني عن العلم الإلهي، وصرفوهم عن النظر في الآيات الكونية والشرعية إلى النظر في

стр. 670

المصنوعات البشرية، وشغلوهم عن صحف القرآن بالصحف الهزيلة، وشغلو أوقاتهم بكل مخز وقبيح وضار. وصرفوا اهتمامهم من الآخرة إلى الدنيا، بجمع الأموال، والإسراف في الشهوات، والعبث بالأوقات. وحشر الأعداء البشرية كلها في هذه الميادين المسمومة، فأنى يجدوا العافية؟. إن آيات الله في الكون، وعجائبه في مخلوقاته في العالم العلوي والسفلي، وآلائه ونعمه على الناس، تخاطب كل حاسة، وكل جارحة في الكيان البشري، وتتجه إلى العقل الواعي كما تتجه إلى الوجدان الحساس. إنها تخاطب العين لترى .. والأذن لتسمع .. والحواس لتستشعر .. والقلب ليتأثر .. والعقل ليتدبر جلال الله وعظمته، وعلمه وحكمته، وقوته وقدرته، وفضله وعدله، ولطفه ورحمته .. ومن ثم يعرف العبد من يعبد ومن يطيع .. ؟ إن آيات الله الكونية منتشرة في الكون كله: سماؤه وأرضه .. وشمسه وقمره .. وليله ونهاره .. وجباله وبحاره .. وفجاجه وأنهاره .. وظلاله وأكنانه .. ونبته وثماره .. وحيوانه وأطياره .. وإنسه وجنه .. فهل من متدبر؟، وهل من متفكر؟: ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (١٧) وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (١٨) وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (١٩) وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ (٢٠)﴾ [الغاشية: ١٧ - ٢٠]. وآيات الله الشرعية تكشف للإنسان دنياه وآخرته .. وأسرار هذا الكون وغيوبه .. وما ينفع الإنسان وما يضره .. وما يصلحه وما يفسده .. وما يحب ربه وما يبغضه .. وما يرضيه وما يسخطه .. وتبين أسماء الرب وصفاته .. وأفعاله ومخلوقاته .. ووعده ووعيده. فهل من متفكر؟، وهل من متدبر؟: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (٨٢)﴾ [النساء: ٨٢]. إن الآيات الكونية، والآيات الشرعية، منبه عظيم، ومذكر يوقظ الحواس

стр. 671

والجوارح، وينبه العقول والقلوب للإيمان بالله: ﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ (٦)﴾ [الجاثية: ٦]. إن آيات الخلق، وآيات النعم، وآيات التدبير والتصريف، وآيات العزه والتمكين، وآيات البطش والإنتقام، من أعظم الأدلة على الخالق العظيم سبحانه. فهل من خالق غير الله يعبده الناس؟: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (٣)﴾ [فاطر: ٣]. وهل يستوي من يخلق ومن لا يخلق؟: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (١٧) وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٨) وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ (١٩) وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (٢٠)﴾ [النحل: ١٧ - ٢٠]. أفيجوز أن يسوى إنسان في حسه وتقديره بين من يخلق ذلك الخلق كله، ومن لا يخلق لا كبيراً ولا صغيراً، بل هو مخلوق: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (٧) يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٨)﴾ [الجاثية: ٧، ٨]. والله ﵎ جعل في الماء حياة كل حي، يحيي به الأرض بعد موتها، ومن عليها من الإنسان والحيوان والنبات. وخير ما أنزل الله على عباده الوحي، الذي به حياة الروح، ويليه الماء الذي به حياة الأجسام. ومن الناس من يقبل الوحي الإلهي، ومنهم من لا يقبله، كذلك الأرض منها ما يقبل الماء، ومنها ما لا يقبله: ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ (٥٨)﴾ [الأعراف: ٥٨]. وهذا اللبن الذي تدره ضروع الأنعام من بين فرث ودم لبناً خالصاً أليس له خالق

стр. 672

قدير؟: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ (٦٦)﴾ [النحل: ٦٦]. وهذه الأسراب من النحل، ذلل الله لها سبل الحياة بما أودع في فطرتها وسخرها لجمع الرحيق من الأزهار والثمار، ليخرج من بطونها شراب فيه شفاء للناس، كما أن في الوحي شفاء لأرواح الناس. فسبحان من سخر هذه الأمة من النحل لنفع البشرية بهذا الشراب اللذيذ: ﴿يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٦٩)﴾ [النحل: ٦٩]. وسبحان من أنزل الوحي شفاءً للقلوب. فمن هذا خلقه .. ومن هذه قدرته .. وهذه عظمته .. هو الذي يستحق أن يُعبد .. ويشكر فلا يكفر .. ويطاع فلا يعصى .. ويذكر فلا ينسى. والله سبحانه وحده هو الذي خلق البشر، وجعل لهم الأزواح والبنين، ورزقهم من الطيبات، فكيف يشركون به؟ .. وكيف يخالفون أمره وهذه النعم كلها من عطائه؟: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ (٧٢)﴾ [النحل: ٧٢]. فكيف لا يعبد الناس ربهم الذي خلقهم ورزقهم؟: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ شَيْئًا وَلَا يَسْتَطِيعُونَ (٧٣)﴾ [النحل: ٧٣]. وإنه لعجيب حقاً أن ينحرف الناس إلى هذا الحد، فيتجهون بالعبادة والطاعة إلى ما لا يملك لهم رزقاً، وما هو بقادر في يوم من الأيام، ولا في حال من الأحوال، ويدعون الله الخالق الرازق، وآلاؤه ونعمه بين أيديهم لا يملكون إنكارها: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ (٨٣)﴾ [النحل: ٨٣]. فما أخطر الجهل .. وما أعظم .. الجحود .. وما أقبح الكذب.

стр. 673

ومشهد الطير في جو السماء مشهد مكرور، قد ذهبت الألفة بما فيه من عجب، وتحليقه في جو السماء آية عجيبة: ﴿أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٧٩)﴾ [النحل: ٧٩]. فسبحان من جعل الطير قادراً على الطيران .. ومن جعل الجو من حولها مناسباً لهذا الطيران .. ومن أمسك بها طائرة في جو السماء. إن التفكر في عظمة خلق السموات والأرض، وما فيهما من العجائب والآيات .. ينشأ منه توجيه القلب إلى الله .. وإيقاظه لرؤية آلائه .. وشهود رحمته وفضله .. وتملى بدائع صنعه في خلقه .. وامتلاء الحس بهذه البدائع والعجائب .. وفيضه بالتسبيح والحمد والتكبير: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (١)﴾ [الأنعام: ١]. والله ﵎ بديع السموات والأرض، ومنشئ هذه الخلائق الهائلة في السموات والأرض، وإنها لمخلوقات عظيمة، لكن الإلفة قد أفقدتنا الجمال والروعة التي يحسها القلب وهو ينظر إلى هذه البدائع للمرة الأولى. ولا يحتاج القلب الواعي الموصول بالله إلى علم دقيق بمواقع النجوم في السماء، وأحجامها وطرق سيرها، ليستشعر الروعة والرهبة، أمام هذا الخلق الهائل العجيب من الخلاق العليم. فحسبه إيقاع هذه المخلوقات على قلبه .. حسبه مشهد النجوم المتناثرة في الليلة الظلماء .. حسبه مشهد النور الفائض في الليلة القمراء .. حسبه الفجر المنفجر كل يوم بالنور الموحي بالتنفس والانطلاق .. حسبه الغروب الزاحف بالظلام الموحي بالوداع والانتهاء .. حسبه الأرض وما فيها من النبات النامي .. والنهر الجاري .. والحب المتراكب .. وما فيها من مشاهد وحركات لا تنتهي .. ولا يستقصيها أهل الأرض ولو قضوا أعمارهم في السياحة والتفكر والتملي. إن آيات الله في الكون كفيلة بتوجيه الناس إلى الإيمان لو تدبروها، وتفكروا في

стр. 674

خلقها وجمالها، وعظمتها ونموها، وبقائها وحركتها. إن تأمل هذه الآيات العظيمة يوقظ القلوب، ويفتح مغاليقها، ويوجه القلوب إلى تعظيم مبدع هذا الكون: ﴿إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ (٣) وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٤) وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٥)﴾ [الجاثية: ٣ - ٥]. والآيات المبثوثة في السموات والأرض، لا تقتصر على شيء دون شيء، ولا على حال دون حال. إن الإنسان حيثما مد بصره وجد آيات الله تطالعه في هذا الكون العجيب: هذه السموات بأجرامها آية .. وإمساكها آية .. وأفلاكها الهائلة آية .. ونثر هذه الكواكب والنجوم في هذا الفضاء الهائل آية .. ودورة هذه الأجرام في أفلاكها في دقة وانسجام آية .. وآيات لا يحصيها إلا الله. وذلك كله لا تشبع العين من النظر إليه، ولا يشبع القلب من تمليه، ولا يشبع العقل من التفكر فيه، ولا يشبع اللسان من الكلام فيه، ولا تمل الأذن من سماعه. وهذه الأرض الواسعة العريضة آية .. والبشر بالنسبة إليها كالذرة .. وهي كالذرة بالنسبة للفضاء الذي يحيط بها .. والله يمسكها أن تضطرب أو تزول. وكل شيء في الأرض آية .. وكل حي آية .. وفي كل جزء، من كل شيء، في السماء والأرض آية: ﴿وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ (٢٠) وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٢١) وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ (٢٢)﴾ [الذاريات: ٢٠ - ٢٢]. والصغير الدقيق كالضخم الكبير آية. هذه الورقة الصغيرة .. وهذه الثمرة اللذيذة .. في هذه الشجرة الضخمة أو النبتة الهزيلة آية .. آية في شكلها وحجمها .. وآية في لونها وملمسها .. وآية في وظيفتها وتركيبها .. وآية في طعمها وحلاوتها. فهل ننظر ونتفكر في خلق هذا النبات، وما فيه من الآيات والعجائب كما قال

стр. 675

سبحانه؟: ﴿انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٩٩)﴾ [الأنعام: ٩٩]. وهذه الشعرة في جسم الحيوان آية .. وفي جسم الإنسان آية .. وهذه الريشة في جناح الطائر آية .. وحيثما مد الإنسان ببصره في الأرض أو في السماء تزاحمت الآيات أمامه .. وأعلنت عن نفسها لقلبه وسمعه وبصره. ولكن لمن تعلن هذه الآيات عن نفسها؟. ومن الذي يراها ويستشعرها؟. إنهم المؤمنون الذين اتصلت قلوبهم بالله فعرفوه بآياته ومخلوقاته. فالإيمان هو الذي بفتح القلوب لتلقي الأصداء والأضواء، ورؤية النعم والآلاء. والإيمان هو الذي تخالط بشاشته القلوب، فتحيا وترق وتلطف، وتلتقط ما يزخر به الكون من إيحاءات خفية وظاهرة، تشير كلها إلى قدرة الخالق المبدع الذي خلق كل شيء، وأحسن خلقه. ولكن بلادة الإلفة تذهب بروعة النظر والتأمل والتدبر في هذا الكون الرائع العجيب، الواسع الجميل. الذي لا تشبع العين من تملي جماله وروعته. ولا يشبع القلب من تملي إيحاءاته وإيماءاته. ولا يشبع العقل من تدبر نظامه ودقته. والذي يتأمل هذا الكون بهذه العين وبهذا العقل، يرى معرضاً إلهياً باهراً رائعاً، لا تخلق بدائعه وعجائبه، لأنها أبداً متجددة للعين والقلب والعقل. والإنسان الذي يعرف شيئاً عن طبيعة هذا الكون ونظامه، تدركه الدهشة والذهول، ويرى قدرة الجبار في الخلق والتحريك والتسكين والتغيير. ومن نعمة الله على البشر أن أودعهم القدرة على التجاوب مع هذا الكون بمجرد النظر والتأمل. إن القرآن يكل الناس إلى النظر في هذا الكون، وإلى تملي مشاهده وعجائبه،

стр. 676

ذلك أن القرآن يخاطب الناس جميعاً على مختلف مستوياتهم العلمية والفكرية .. يخاطب ساكن المدينة .. كما يخاطب ساكن الغابة .. ويخاطب العالم .. كما يخاطب الأمي الذي لم يقرأ. وكل واحد من هؤلاء يجد في القرآن ما يصله بهذا الكون .. وما يثير في قلبه التأمل والاستجابة: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (١٨٥)﴾ [الأعراف: ١٨٥]. وفي القرآن الكريم من الأدلة والبراهين والآيات الدالة على كمال الباري تبارك تعالى، ووصفه بالأسماء الحسنى، والصفات العلا، الموجبة لامتلاء القلوب من معرفته ومحبته، وتعظيمه وإجلاله، وصرف جميع أنواع العبودية الظاهرة والباطنة له تعالى. وإن من أكبر الظلم والفحش اتخاذ أنداد لله من دونه، ليس بأيديهم نفع ولا ضرر، بل هم مخلوقون مفتقرون إلى الله في جميع أحوالهم: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِ الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٩)﴾ [الشورى: ٩]. فهؤلاء قد غلطوا أقبح الغلط في عبادة أولئك الأولياء. فالله سبحانه هو الولي الذي يتولاه عبده بعبادته وطاعته، والتقرب إليه بما أمكن من أنواع القربات. وهو سبحانه الولي والمولى الذي يتولى عباده وجميع الخلائق بتدبيره، ونفوذ القدر فيهم، ويتولى عباده المؤمنين خصوصاً بإخراجهم من الظلمات إلى النور، وتربيتهم بلطفه وعونه.

стр. 677

البَابُ الرَّابع كتاب الإيمان ويشتمل على ما يلي: ١ - فقه الإيمان بالله ١ - فقه الإحسان ٢ - فقه اليقين ٣ - فقه الإيمان بالغيب ٤ - فقه الاستفادة من الإيمان ٢ - فقه الإيمان بالملائكة ٣ - فقه الإيمان بالكتب ٤ - فقه الإيمان بالرسل ٥ - فقه الإيمان باليوم الآخر ٦ - الإيمان بالقضاء والقدر ١ - فقه الإيمان بالقضاء والقدر ٢ - فقه المشيئة والإرادة ٣ - فقه خلق الأسباب ٤ - فقه خلق الخير والشر ٥ - فقه النعم والمصائب ٦ - فقه الشهوات واللذات ٧ - فقه السعادة والشقاوة ٨ - فقه كون الحمد كله لله ٩ - فقه الولاء والبراء

стр. 678

١ - فقه الإيمان بالله قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤]. وقال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (١٥)﴾ [الحجرات: ١٥]. وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (١٣٦)﴾ [النساء: ١٣٦]. الله ﵎ خلق الإنسان في أحسن تقويم، وخلق فيه ثلاث أوان: آنية للطعام والشراب وهي المعدة. وآنية للعلوم والمعارف وهي العقل. وآنية للإيمان والتوحيد وهي القلب. وجعل سبحانه كمال الإنسان بتكميل هذه الثلاث. فكمال الأولى بأكل الحلال الطيب .. وكمال الثانية بمعرفة علوم الأنبياء .. وكمال الثالثة بالنظر في الآيات الكونية والآيات الشرعية. والإيمان قلب الإسلام ولبه، واليقين قلب الإيمان ولبه، وكل علم وعمل لا يزيد الإيمان واليقين قوة فمدخول، وكل إيمان لا يبعث على العمل فمدخول، والإيمان الحقيقي هو الذي يبعث النفس لتقديم أوامر الله على كل شيء، مع المحبة والتعظم والذل لله.

стр. 679

والإيمان له ظاهر وباطن: فظاهره قول اللسان، وعمل الجوارح .. وباطنه تصديق القلب، وانقياده لربه، ومحبته له، والأنس به، وإخلاص العمل له. فلا ينفع ظاهر لا باطن له وإن حقن الدماء، وعصم المال والذرية. ولا يجزي باطن لا ظاهر له، إلا إذا تعذر مؤقتاً بعجز أو إكراه أو خوف هلاك. وتخلف العمل ظاهراً مع عدم المانع دليل على فساد الباطن، وخلوه من الإيمان، ونقصه دليل على نقصه، وظهور العمل الصالح دليل قوة الإيمان، وأكثر الناس، أو كلهم يدعون الإيمان: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ (١٠٦)﴾ [يوسف: ١٠٦]. وأكثر المؤمنين عندهم إيمان مجمل، وأما الإيمان المفصل بما جاء به الرسول ﷺ معرفةً وعلماً، وإقراراً ومحبة، ومعرفة بضده وكراهيته، فهذا إيمان خواص الأمة من الأنبياء والصديقين. وكثير من الناس حظهم من الإيمان الإقرار بوجود الله، وأنه وحده الذي خلق السموات والأرض وهذا لا يكفي. وآخرون الإيمان عندهم هو النطق بالشهادتين، سواء كان معه عمل أو لم يكن، وسواء وافق تصديق القلب أو خالفه. وآخرون الإيمان عندهم عبادة الله بحكم أذواقهم ومواجيدهم، وما تهواه نفوسهم، من غير تقيد بما جاء به الرسول ﷺ . وآخرون عندهم الإيمان مجرد تصديق القلب بأن الله سبحانه خالق السموات والأرض، وأن محمداً عبده ورسوله، وإن لم يقر بلسانه ولم يعمل شيئاً. وآخرون عندهم الإيمان ما وجدوا عليه آباءهم وأسلافهم بحكم الاتفاق كائناً ما كان، يرونه حقاً يجب اتباعه: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ (٢١)﴾ [لقمان: ٢١]. وآخرون عندهم الإيمان مكارم الأخلاق، وطلاقة الوجه، وإحسان الظن بكل

стр. 680

أحد، وترك الناس وغفلاتهم. وآخرون عندهم الإيمان التجرد من الدنيا وعلائقها، وتفريغ القلب منها، والزهد فيها، فإذا رأوا رجلاً هكذا جعلوه من سادات أهل الإيمان، وإن كان منسلخاً من الإيمان علماً وعملاً. وأضل من هؤلاء من جعل الإيمان هو مجرد العلم وإن لم يقارنه عمل. وكل هؤلاء لم يعرفوا حقيقة الإيمان، ولا قاموا به، ولا قام بهم، ولا ذاقوا طعمه ولا حلاوته. بل الإيمان وراء ذلك كله، وهو حقيقة مركبة من معرفة ما جاء به الرسول ﷺ علماً، والتصديق به عقداً، والإقرار به نطقاً، والانقياد لله محبةً وخضوعاً، والعمل بشرعه باطناً وظاهراً، والدعوة إليه، وعدم الالتفات إلى ما سواه. هذا أساس الإيمان، وكماله في الحب في الله، والبغض في الله، والعطاء لله، والمنع لله، وأن يكون الله وحده إلهه ومعبوده. والطريق إليه تجريد متابعة رسوله ﷺ ظاهراً وباطناً، وتغميض عين القلب عن الالتفات إلى ماسوى الله. وموانع الإيمان أربعة: الكبر .. والحسد .. والغضب .. والشهوة. فالكبر يمنع الإنسان من الانقياد لله ورسوله. والحسد يمنعه قبول النصيحة وبذلها. والغضب يمنعه العدل والتواضع. والشهوة تمنعه التفرغ للعبادة. وهذه هي أركان الكفر. فإذا انهدم ركن الكبر سهل عليه الانقياد للحق. وإذا انهدم ركن الحسد سهل عليه قبول النصح وبذله. وإذا انهدم ركن الغضب سهل عليه العدل والتواضع.

стр. 681

وإذا انهدم ركن الشهوة سهل عليه الصبر والعفاف وتقديم أوامر الله. وجميع الآفات التي تحصل للبشرية متولدة من هذه الأربعة، وإذا استحكمت في القلب أرته الباطل في صورة الحق، والحق في صورة الباطل، والمعروف في صورة المنكر، والمنكر في صورة المعروف. وإذا تأمل الإنسان كفر الأمم السابقة رآه ناشئاً منها، وعليها يقع العذاب، وتكون خفته وشدته بحسب خفتها وشدتها. فمن فتحها على نفسه فقد فتح عليه أبواب الشرور. ومن أغلقها عن نفسه فقد أغلق عنه أبواب الشرور. ومنشأ هذه الأربعة من أمرين: أحدهما: جهل العبد بربه .. والثاني: جهل العبد بنفسه. فالإنسان لو عرف ربه بأسمائه الحسنى، وصفاته العلا، وعرف عظمته وجلاله، وآلاءه وإنعامه، وعرف نفسه بالنقائص والآفات، لم يتكبر ولم يغضب لها، ولم يحسد أحداً على ما آتاه الله من فضله. فالحسد في الحقيقة نوع من معاداة الله، فإن الحاسد يكره نعمة الله على عبده، وقد أحبها الله له، ويحب زوالها عنه، والله يكره ذلك، فهو مضاد لله في قضائه ومحبته وكرامته. ومن أجل هذا كان إبليس عدو الله حقيقة، لأن ذنبه كان عن كبر وحسد. وقلع هاتين الآفتين بمعرفة الله وتوحيده، والرضى به، والإنابة إليه. وقلع الغضب بمعرفة النفس، وأنها لا تستحق أن يغضب لها، فإن ذلك إيثار لها بالرضى والغضب على خالقها. وأحسن ما تدفع به هذه الآفة أن يعودها أن تغضب لله سبحانه وترضى له، وذلك يدفع الرضى والغضب لها. أما الشهوة فدواؤها صحة العلم والمعرفة، بأن إعطاءها شهواتها أعظم أسباب هلاكها وحرمانها، فالشهوة كالنار إذا أضرمها صاحبها بدأت بإحراقه.

стр. 682

والغضب كالسبع إذا أفلته صاحبه أكله وأهلك غيره. والحسد بمنزلة معاداة من هو أقدر منك. والكبر بمنزلة منازعة الملك ملكه، فإن لم يقتلك طردك عنه. وللإيمان علامات .. وللكفر علامات .. وللنفاق علامات. وعلامة الإيمان: أن نتوجه دائماً إلى الله في جميع أحوالنا، وفي حل مشاكلنا، ولا نتوجه إلى غيره مهما كان، فهو وحده خالق كل شيء، ومالك كل شيء، والقادر على كل شيء، وخزائنه مملوءة بكل شيء: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (١٨٦)﴾ [البقرة: ١٨٦]. وبقدر المجاهدة من أجل الدين، الله يرزق العبد الإيمان واليقين. وإذا نزل بنا حال من جوع، أو مرض، أو خوف، أو غيرها نتوجه إلى الله، ونعمل ما عمله النبي ﷺ في تلك الحال، وبذلك يكشف الله ما نزل بنا من سوء أو بلاء، ويبدل ما نكره بما يحب، وما يسوؤنا بما يسرنا. فعند الخسوف نتوجه إلى الله ونصلي. وعند الجدب والقحط نتوجه إلى الله، ونطلب السقيا منه، ونصلي. وكذلك عند المرض نتوجه إلى الله، ونسأله الشفاء، ثم نتناول الدواء. فنتوجه إلى الله دائماً في طلب الخير، ودفع الشر في جميع الأحوال الصغيرة والكبيرة، ولا نتوجه إلى المخلوق أبداً: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٦٢)﴾ [النمل: ٦٢]. ومن علامات الإيمان: كثرة ذكر الله .. ولزوم الطاعات .. والنفرة من المعاصي .. ولذة مناجاة الرب .. والأنس بالله .. ومحبته .. ومحبة كلامه ورسله وأوليائه .. ومحبة دينه وشرعه ..

стр. 683

وأن تسر المؤمن الحسنات .. وتؤلمه السيئات. وأن تكون عبادته في الخفاء أقوى منها في العلانية .. وأن يقوي يقينه وتوكله على ربه .. فيستوي عنده التراب والذهب .. ويستوي عنده مدح الناس وذمهم، ولا يفرح بما أوتي .. ولا يأسى على ما فات. وأن يرى أن ما عند الله هو القريب، وما عنده وعند الناس هو البعيد .. وأن يعبد الله ويدعوه ويسأله كأنه يراه .. وأن يتوجه إلى ربه الذي بيده كل شيء .. ولا يلتفت لأحد سواه .. فيكون أمامه الملك الأعظم والميت سواء .. ليس بأيديهم شيء .. بل الأمر بيد الله وحده لا شريك له. وبذلك تنمو شجرة الإيمان، فتورق، ثم تزهر، ثم تثمر، وتملأ العالم بالخيرات والبركات والثمرات كما قال سبحانه: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (٢٤) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٥)﴾ [إبراهيم: ٢٤، ٢٥]. فشجرة الإيمان أصلها ثابت في قلب المؤمن علماً واعتقاداً، وفرعها من الكلم الطيب، والعمل الصالح، والأخلاق الطيبة، والآداب الحسنة، في السماء دائماً، فيصعد إلى الله جميع الأقوال والأعمال التي تخرجها شجرة الإيمان. وشجرة الإيمان تحتاج إلى تعهدها بالسقي .. وهو المحافظة على أعمال اليوم والليلة من الطاعات والعبادات .. وإلى إزالة ما يضرها من الصخور والنوابت الضارة وهو العفة عن المحرمات قولاً وفعلاً. وإذا تم هذا نما البستان وزها، وأخرج الثمار المتنوعة. ولرؤية الأشياء في هذا العالم، خلق الله لنا نورين نميز بهما بين المخلوقات والأشياء، ونستفيد منها. وهذان النوران هما: النور الداخلي وهو نور العين .. والنور الخارجي كالشمس والسراج ونحوهما، ولا تتم الرؤية إلا بهما معاً، وإذا فقد أحد النورين، لا نستطيع الاستفادة الكاملة

стр. 684

من هذا العالم. ولكن بهذين النورين لا نستطيع أن نميز بين الكفر والإيمان، والطاعات والمعاصي، فالإيمان والأعمال والصفات كالتقوى والتوكل، لا تظهر بهذين النورين. فجعل الله لمعرفة ذلك نورين آخرين هما: نور أنزله الله من السماء وهو القرآن الكريم هدى ونور. والنور الآخر أمرنا الله أن نجتهد حتى يأتي في قلوبنا وهو نور الإيمان، ومن ليس عنده نور الإيمان لا يستفيد من نور القرآن. ولمعرفة الحق، والاستفادة منه، والعمل به، والدعوة إليه، لا بد من النور الخارجي وهو القرآن، والنور الداخلي وهو الإيمان، ومحله القلب، وباجتماع هذين النورين تحصل الهداية: ﴿نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٣٥)﴾ [النور: ٣٥]. والإيمان بالله يأتي في حياتنا بمعرفة أسماء الله وصفاته وأفعاله، ويأتي بطريق الدعوة والمجاهدة كما قال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾ [العنكبوت: ٦٩]. فالدعوة تزيد الهدى، والهدى يزيد الإيمان، والإيمان يحرك الجوارح للأعمال الصالحة، والأعمال الصالحة توجه العبد إلى الصفات الحميدة من التقوى والإيثار، وحب الله ورسوله، وحسن الخلق، وبذلك يرضى الله سبحانه، ويدخل أهل الإيمان الجنة. وخزائن الغني الكريم مملوءة بالأرزاق والنعم، وأغلى شيء في خزائن الله هو الإيمان، وللحصول عليه لا بد من الجهد كما اجتهد الصحابة ﵃. فقد اجتهدوا أولاً على تحصيل الإيمان ببذل كل شيء من أجله، وترك كل شيء من أجله، فلما بذلوا وتركوا أعطاهم الله الإيمان والرضوان. ثم اجتهدوا على حفظ الإيمان، بلزوم حلق الذكر، وبيئات الإيمان، والقيام

стр. 685

بالأعمال الصالحة التي تجلب البركات .. وترفع العقوبات. ثم اجتهدوا للاستفادة من الإيمان في حياتهم، بالتوجه إلى الله دائما في قضاء حاجاتهم، فإذا دعوا استجاب الله لهم، كما دعا النبي ﷺ في بدر، فأنزل الله الملائكة مدداً لهم، وكما دعا نوح ﷺ على من كفر من قومه، فأغرقهم الله بالماء، وبذلك يزيد إيمانهم، وتقضى حاجاتهم. ثم اجتهدوا لنشر الإيمان في العالم، وبذلك تحصل لهم الهداية، وزيادة الإيمان، ويحصل لغيرهم الإيمان. فبالدعوة يزيد الإيمان، وتزيد الأعمال، ويزيد دخول الناس في الإسلام. ويقوى الإيمان ويزداد .. كلما زادت المعرفة بالله وبأسمائه وصفاته وأفعاله .. وعظمته وكبريائه .. ومعرفة نعم الله وآلائه .. ومعرفة وعده ووعيده .. ومعرفة نعيم الجنة ومتاعها .. ومعرفة عذاب النار وأهوالها. ويتم ذلك بالنظر في الآيات الكونية، والنظر في الآيات الشرعية، وكثرة ذكر الله، وبذلك يحصل اليقين على الله، وتطمئن القلوب بذكره كما قال سبحانه: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (٢٨)﴾ [الرعد: ٢٨]. وبذلك يتأثر القلب، ثم تتأثر الجوارح، ثم تأتي الرغبة في الطاعات، والنفور من المعاصي، ويشتاق الإنسان إلى ربه، وإلى نعيم الجنة، ويتلذذ بالعبادة وذكر الله، ومجالسة الصالحين والمصلحين. وبذلك تتكون بيئة الإيمان، وبيئة العبادة، وبيئة الدعوة، ويأتي فكر الآخرة. وكما أن النبات والحيوان لا بد له من بيئة حتى يكبر ويزيد، فكذلك الإنسان لا بد له من بيئة صالحة حتى يزيد إيمانه، وتقوى أعماله، وتحسن أخلاقه. وبيئة الإيمان والأعمال الصالحة هي التي تقام فيها الأعمال الانفرادية، والأعمال الاجتماعية. فالانفرادية كتلاوة القرآن بالتدبر، والأذكار، والأدعية، والاستغفار، ونوافل

стр. 686

الطاعات، وتذكر الموت، ومحاسبة النفس ونحو ذلك. والأعمال الاجتماعية كالدعوة إلى الله، والتعليم، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والجهاد في سبيل الله، وصلاة الجماعة، وإكرام الناس، والإحسان إليهم، ليرغبوا في الدين والطاعات، وكسب الحسنات. وبيئة الإيمان تتكون من ثلاثة أشياء: المكان كالمسجد .. والجماعة .. والأعمال الانفرادية والاجتماعية مع التقوى، فلحفاظة الإيمان لا بد من التقوى، فهي سور الإيمان. وهذه الأعمال اليومية، هي أوامر الله على الإنسان الذي خلقه الله وهداه واشتراه، ووعده الجنة، تحفظه وتزكيه وتطهره، فضلاً عمن يهتدي ويصلح بسببه. وفي البيئة التي فيها الإيمان، والأعمال، والصفات، يسهل الحصول على أمور أربعة: فهم الدين .. العمل بالدين .. الترقي في الدين .. نشر الدين. ولذلك أمرنا الله بلزوم هذه البيئة لنظفر بذلك كما قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (١١٩)﴾ [التوبة: ١١٩]. وإذا دخل الإيمان في القلب، سهل على الإنسان امتثال أوامر الله، فالإيمان كالصحة، كلما قوي زاد العمل. فالمريض لا يستطيع أن يأكل ولا يمشي ولا يعمل، فإذا عالج بدنه حصلت له الصحة بإذن الله ، فإذا أراد أن يأكل أو يمشي أو يعمل سهل عليه ذلك. وهكذا إذا حصلت للإنسان حقيقة الإيمان، ورسخ في قلبه ذلك، سهل عليه قبول أوامر الله، وامتثالها، وحبها والمسارعة إليها، واجتناب ما حرم الله. وكلما زاد الإيمان زاد العمل، وكلما أقبل على الله أعانه الله ووفقه وهداه، ولا يتم ذلك إلا بالتضحية بالشهوات، وتقديم أوامر الله عليها، وبذل الجهد لإعلاء كلمة الله.

стр. 687

فأداء العبادات كالصلات مثلاً يتطلب التضحية بالشهوات التي يحبها الإنسان، وتصور تلك الشهوات. فالمسلم في الصلاة يترك شهوة الأكل والنوم، وشهوة التجارة، وشهوات الدنيا، ويترك تصور تلك الشهوات بالإقبال على الله، فيعبد الله كأنه يراه، ولا ينشغل بما سواه. وإذا طلب الله منا تكميل شيء كالعبادات مثلا، نسينا وتركنا جميع الأشياء لتكميل هذه العبادة، فمن أكمل العبادات، وأخر الشهوات أكمل الله شهواته يوم القيامة، ووفقه في الدنيا لما فيه سعادته. ومن ضحى بشهواته في الدنيا أكملها الله له يوم القيامة. ومن أكمل لله ما يحب في الدنيا من الإيمان والأعمال الصالحة أكمل الله له ما يحب يوم القيامة من الشهوات والمسرات: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧)﴾ [السجدة: ١٧]. والإيمان درجات متفاوتة لا يحصيها إلا الله. والعباد بالنسبة للإيمان ثلاثة أقسام: الأول: مَن إيمانهم ثابت لا يزيد ولا ينقص وهم الملائكة. الثاني: من إيمانهم يزيد ولا ينقص وهم الأنبياء والرسل، الذين رباهم الله واصطنعهم لنفسه من البشر. الثالث: مَن إيمانهم يزيد وينقص، وهو إيمان بقية البشر، وهؤلاء إيمانهم يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية. فإذا زاد الإيمان جاء الإقبال على الطاعات، والنفرة من المعاصي. وإذا نقص الإيمان ضعف الإقبال على الطاعات وجاءت الرغبة في المعاصي. فكل طاعة تزيد الإيمان .. وكل معصية تنقص الإيمان .. وكل طاعة تزيد نور القلب .. وكل معصية تملأ القلب ظلمة. والإنسان كالبذرة فيها شجرة كاملة، فإذا بذرناها واجتهدنا عليها، ظهرت

стр. 688

جذورها وأغصانها وأوراقها وأزهارها وثمارها. وكذلك الإنسان فيه طاقات واستعدادات للخير والشر. فإذا اجتهدنا عليه، ودخل الإيمان في قلبه، ظهرت طاقاته المحمودة من العلم والعبادة والدعوة، وحسن المعاملات والمعاشرات والأخلاق، وظهرت زينته على بدنه، كما تظهر الأوراق والزهور والثمار على الشجرة. فكما أنه إذا دخل الماء إلى الشجرة تفتحت بالأوراق والأزهار والثمار، فكذلك إذا دخل الإيمان في القلب أثمر الأعمال الصالحة، وتفتحت الجوارح بالأعمال والعبادات والدعوة، وطلب الأعمال كما يطلب العطشان الماء. والإيمان له ركنان لا يقوم إلا بهما: أحدهما: السمع المتضمن للقبول، لا مجرد سمع الإدراك المشترك بين المؤمنين والكفار. والثاني: الطاعة المتضمنة لكمال الانقياد بامتثال الأوامر، واجتناب النواهي. وفي ذلك كمال الإيمان .. وكمال القبول .. وكمال الانقياد كما قال سبحانه: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ [النور: ٥١]. ولما جاء الإيمان في حياة الصحابة جاء أمران: الأول: الاستعداد لفعل الأوامر والتلذذ بها، والتنافس فيها، والمسارعة إليها. الثاني: النصرة من الله، وإحقاق الحق، وإبطال الباطل، والتمكين في الأرض. وكل من أقر بلا إله إلا الله في عهد النبي ﷺ تغير فكره .. وتغير يقينه .. وتغير شكله .. وتغير شغله .. وتغير عمله .. وتغير مقصد حياته: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ (١٣٨)﴾ [البقرة: ١٣٨]. وقد كان إيمان الصحابة قوياً في أعماق قلوبهم، فكلما اصطدمت أحوالهم الخاصة بأوامر الله آثروا دين الله على أحوالهم، ولم يبالوا بها. فتحملوا الجوع والعطش، ومفارقة الأهل والأوطان، وصبروا على كيد الأعداء

стр. 689

وأذاهم، وقدموا أموالهم وأنفسهم وأوقاتهم كلها للدين. وبذلك نزلت عليهم السكينة .. وفازوا بنصرة الله حينما ضحوا من أجل لا إله إلا الله بأموالهم وأنفسهم .. وأوقاتهم وشهواتهم .. وجاههم وديارهم .. وهاجروا ونصروا .. وقاتلوا وقتلوا. ولذلك كلهم رضي الله عنهم ورضوا عنه كما قال سبحانه: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٠٠)﴾ [التوبة: ١٠٠]. وقد كانت الأخلاق العالية منثورة في الأنبياء والرسل، ثم جمعها الله في خاتم رسله سيد الأنبياء محمدٌ ﷺ ، ثم فرقها في أمة محمد ﷺ ، وأصاب منها القرن الأول أصحاب النبي ﷺ أحسنها وأعظمها، وأشرفها وأكملها. فقد كانت في الصحابة ﵃ صفات عجيبة من الإيمان والعلم .. والحياء والحلم .. والإحسان والإيثار .. والطاعة لله ورسوله .. وأحسن الأخلاق والآداب .. والحب في الله .. وحسن العبادة .. والدعوة إلى الله .. والجهاد في سبيله .. قال النبي ﷺ : «خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ يَجِيءُ أقْوَامٌ: تَسْبِقُ شَهَادَةُ أحَدِهِمْ يَمِينَهُ وَيَمِينُهُ شَهَادَتَهُ» متفق عليه (١). وكانت تلك الصفات منثورة فيهم .. وهم متفاوتون فيها .. فمستقل ومستكثر، لكنهم مشتركون في الإيمان، والعلم، والعبادة، والدعوة، والجهاد في سبيل الله. وقد جمع الله فيهم صفات الأنبياء، وهم خير القرون: فكلهم كانوا مؤمنين حقاً بالله ورسوله، وبما جاء عن الله ورسوله.

стр. 690

وكانت فيهم الطاعة لله ورسوله في شئون الحياة كلها خاصة أركان الإسلام. وكانت طاعتهم لربهم ونبيهم على علم في ضوء علم النبوة لا على هواهم. ثم مع علمهم كان عندهم الاستحضار لله ولزوم ذكره، وكانوا يعبدون الله كأنهم يرونه قريباً مجيباً سميعاً بصيراً. وكانت عندهم الأخلاق العالية، بإكرام بعضهم بعضاً، فهم أشداء على الكفار، رحماء بينهم: ﴿تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ [الفتح: ٢٩]. ثم كلهم كانوا مخلصين في أعمالهم لله تعالى، عرضت عليهم المناصب والأموال فتركوها لله مخلصين له الدين: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥)﴾ [البينة: ٥]. ثم الشيء المشترك بينهم جميعاً هو الدعوة إلى الله، فكما أن كلهم يعبدون الله فكذلك كلهم كانوا يدعون إلى الله كما أمرهم النبي ﷺ أن يبلغ الشاهد منهم الغائب، فرضي الله عنهم وأرضاهم ورضوا عنه. فالإيمان هو الدافع والمحرك لامتثال أوامر الله كلها. فهو قوة دافعة لفعل الطاعات وكسب الحسنات. وهو قوة ممسكة عن المعاصي والذنوب والسيئات. ولكي يزيد الإيمان واليقين، وتقوى الأعمال، لا بد أن نعرف وعد الخالق لمن أطاعه حتى يصغر ما يعطيه المخلوق لمن أطاعه. وأن نعرف وعيد الخالق لمن عصاه حتى يصغر وعيد المخلوق لمن عصاه. وأن نعرف قدرة الخالق ذي الجبروت والملكوت والكبرياء والعظمة حتى تصغر أمامنا قدرة المخلوق. وأن نعرف نعم الخالق وإحسانه وآلاءه حتى تصغر نعمة المخلوق وأفضاله. وبذلك يزيد الإيمان واليقين، ثم تزيد الأعمال، ثم يظهر حسن الأخلاق، ثم تصلح الأحوال، ثم يأتي رضا الله، ثم دخول الجنة.

стр. 691

والإيمان الضعيف يمكن أن تؤدى به الصلاة، والذكر، والتسبيح، وتلاوة القرآن ونحوها من الأعمال الانفرادية. أما حسن المعاشرات والمعاملات، وحسن الأخلاق، فلا تكمل إلا بالإيمان الكامل، والإيمان الكامل لا يأتي إلا بالمجاهدة والدعوة إلى الله. وحتى تكون معاشراتنا وأخلاقنا طيبة ندعو الناس لهذه الصفات ونتمرن عليها، وندعو الله أن يرزقنا حقيقتها، حتى تكون أخلاقنا ومعاملاتنا واحدة كما كانت صلاتنا واحدة. ولسهولة الحصول على ذلك لا بد أن يكون أمامنا دائماً إيمان الأنبياء والصحابة .. وأعمال الأنبياء والصحابة .. وأخلاق الأنبياء والصحابة. وبذلك نترقى في الإيمان والأعمال والأخلاق، ونحذر ألا تكون أمامنا أعمال وأخلاق وحياة اليهود والنصارى. والناس في الحياة ثلاثة أقسام: أحدها: من يعتقدون أن الأحوال كالفقر والمرض ليست من الله، ولحلها لا يتوجهون إلى الله، بل إلى المخلوق، وهؤلاء هم الكفار. الثاني: من يعتقدون بأن الأحوال من الله، ولكن لحلها لا يتوجهون إلى الله، وإنما يتوجهون إلى المخلوق. الثالث: من يعتقدون بأن كل شيء بيد الله، والخير والشر إنما يحصل بإرادة الله، ويتوجهون في حلها إلى الله، وهؤلاء هم المؤمنون، فيقولون إذا نقص الكسب هذا بأمر الله، فيتوجهون إلى الله، ويفعلون ما فعل رسول الله في تلك الحال. وإذا مرض أحدهم قال هذا بأمر الله ولا يرفعه إلا الله، ويفعل ما فعل رسول الله أو أمر به عند المرض. وإذا امتنع المطر قالوا هذا بأمر الله، فماذا فعل رسول الله حين حبس الله المطر وهكذا، فلا تحل المشاكل إلا بأمر الله حسب سنة رسول الله. والإنسان إذا دخل نور الإيمان في قلبه، رأى كل خير في الأعمال الصالحة،

стр. 692

وجاء عنده فكر القيام بالأعمال وتكثيرها وتنويعها وتحسينها، لا فكر جمع الأموال والأشياء، ثم ظهرت شعب الإيمان في حياته. وبسبب نور الإيمان يتعلق القلب بالخالق ولا يلتفت إلى المخلوق .. ويستأنس بالخالق ويستوحش من المخلوق .. ويرى الشيء على حقيقته .. النافع نافعاً .. والضار ضاراً .. والحسن حسناً .. والقبيح قبيحاً .. والكبير كبيراً .. والصغير صغيراً .. ويميز بين الباقي والفاني .. والرخيص والغالي. وإذا عدم الإيمان أو ضعف رأى العكس، فرأى النافع ضاراً، ورأى الضار نافعاً وهكذا. ومن لم يكن في قلبه نور الإيمان يرى العزة بالأموال والأشياء لا بالإيمان والأعمال الصالحة، وبذلك يحرم من الأعمال الصالحة، ويتعلق قلبه بالفانية، وتظهر شعب الكفر في حياته من الكبر والكذب والنفاق والظلم. وجهد الدين يشتمل على أمرين: جهد لمعرفة الإيمان والأعمال .. وجهد لنشر الإيمان والأعمال. فالأول لمعرفة الإيمان والأحكام والمسائل والعمل بذلك كما قال سبحانه: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ (١٢٢)﴾ [التوبة: ١٢٢]. والثاني لنشر وإبلاغ هذا الدين لعموم الإنسانية كما قال سبحانه: ﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٥٢)﴾ [إبراهيم: ٥٢]. وحقيقة الإيمان التوجه إلى الله في جميع الأحوال، وعدم الالتفات إلى غيره، فنرى هذا المخلوق لا يفعل ونحن نراه .. والرب يفعل كل شيء ونحن لا نراه. فالابتلاء للإنسان هنا التفات القلب إلى أين؟، والفاعل من؟، والذي بيده الأمر كله من؟، والذي لا يقع في ملكه شيء إلا بإذنه من؟. ولا إله إلا الله خطاب للقلوب لا للعقول، فعقول قريش موجودة، وفصاحتهم

стр. 693

معروفة، وعقل فرعون ليس فيه خلل، كان يملك مصر سنين طويلة، واليهود والمنافقون لهم عقول يعرفون بها الحق من الباطل، ولكن الخبث والحسد في القلب، منع قبول الحق والهدى. قال النبي ﷺ : «ألا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً، إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ وَإِذَا فَسَدَتْ، فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، ألا وَهِيَ الْقَلْبُ» متفق عليه (١). فالنفي يجب أن يكون تاماً شاملاً لكل شيء، والإثبات يجب أن يكون تاماً شاملاً لكل شيء .. وهذه هي حقيقة التوحيد. فليس بيد أحد من الخلق شيء، الله بيده كل شيء .. هو الغني وكل ما سواه فقير .. هو القوي وكل ما سواه ضعيف .. هو الكبير وكل ما سواه صغير .. هو المالك وكل ما سواه مملوك .. وهو الخالق وكل ما سواه مخلوق .. وهكذا. فله سبحانه الكمال المطلق في أسمائه وصفاته وأفعاله: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (٦٢)﴾ [الزمر: ٦٢]. ومحمد رسول الله خطاب للأبدان، بأن تفعل كل شيء فعله محمد ﷺ ، وتترك كل شيء تركه محمد ﷺ ، ونفي جميع طرق الأعمال، وإثبات طريقة محمد ﷺ في كل عمل، في العبادات والمعاملات والمعاشرات والأخلاق كما قال الله سبحانه: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الأحزاب: ٢١]. والله سبحانه فوق سماواته على عرشه بائن من خلقه، ليس في مخلوقاته شيء من ذاته، ولا في ذاته شيء من مخلوقاته، فطر عباده على أنه سبحانه فوق مخلوقاته، كما فطرهم على الإقرار به، وفطرهم على الحق، وبعث الرسل بتكميل الفطرة وتقريرها لا بتحويل الفطرة وتغييرها. والله سبحانه غني عن العرش وعن كل ما سواه، لا يفتقر إلى شيء من

стр. 694

مخلوقاته أبداً، وكل مخلوقاته محتاجة إليه أبداً. وهو سبحانه مع استوائه على العرش، يحمل العرش وحملة العرش بقدرته، فهو سبحانه القوي العزيز الغني لذاته، وكل ما سواه ضعيف ذليل فقير لذاته، فلله الكمال المطلق في كل شيء، وليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في أسمائه، ولا في صفاته، ولا في أفعاله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ [الشورى: ١١]. والقلوب مفطورة على الإقرار بالله، وحب الحق وبغض الباطل، لكن قد يعرض لها ما يفسدها، إما من الشبهات التي تصدها عن التصديق بالحق، وإما من الشهوات التي تصدها عن اتباعه. والإيمان في القلب لا يكون إيماناً بمجرد تصديق ليس معه عمل القلب، من محبة الله ورسوله، وخوف الله وخشيته، والتوكل عليه. والإيمان إنما يكون إذا كان المخبر به من الأمور الغائبة، فيقال لملخبر آمنا له، ويقال للمخبر به آمنا به، أما المشاهدات والمحسوسات فتحصل معرفتها بالرؤية القاطعة للشك. والمؤمن لا بدَّ له من التصديق بالحق والمحبة له، وإذا قام ذلك بالقلب لزم ضرورة أن يتحرك البدن بموجب ذلك من الأقوال والأعمال. وكل ما يظهر على البدن سببه ما في القلب، وكل من القلب والبدن يؤثر في الآخر، لكن القلب هو الأصل، والبدن فرع له، والفرع يستمد من أصله، والأصل يثبت ويقوى بفرعه: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (٢٤) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٥)﴾ [إبراهيم: ٢٤، ٢٥]. وحصول العلم والإيمان في القلب، كحصول الطعام والشراب في المعدة، فالجسم يحس ويتلذذ بالطعام والشراب، وكذلك القلب يحس بما يتنزل إليه من العلم والإيمان، الذي هو غذاؤه ودواؤه وشفاؤه.

стр. 695

والفطرة الإنسانية التي فطر الله عليها العباد تكملها الفطرة الشرعية التي جاء بها الأنبياء، فإن الفطرة تعلم الأمر مجملاً، والشرعية تفصله وتبينه، وتشهد بما لا تستقل الفطرة به. والإسلام والإيمان متلازمان كالروح والبدن، فكما لا يوجد روح إلا مع البدن، ولا يوجد بدن حي إلا مع الروح، فكذلك لا يوجد إيمان بلا إسلام. فالإيمان كالروح، فإنه قائم بالروح ومتصل بالبدن، والإسلام كالبدن، ولا يكون البدن حياً إلا مع الروح، وإسلام المنافقين كبدن الميت جسد بلا روح. وما من بدن حي إلا وفيه روح، ولكن الأرواح مختلفة متنوعة كما قال النبي ﷺ : «الأرْوَاحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ فَمَا تَعَارَفَ مِنْهَا ائْتَلَفَ، وَمَا تَنَاكَرَ مِنْهَا اخْتَلَفَ» متفق عليه (١). وهكذا الإسلام الظاهر بمنزلة الصلاة الظاهرة، والإيمان بمنزلة ما يكون في القلب حين الصلاة من المعرفة بالله والخشوع والانكسار. ومن فعل ما أمره الله به، وانتهى عما نهاه عنه ظاهراً وباطناً فقد استكمل الإسلام والإيمان الواجب عليه. ومن ترك شيئاً من ذلك نقص من إسلامه وإيمانه بقدر ذلك، فمن نقص من الصلاة أو الزكاة أو الصوم أو الحج، فقد نقص من إسلامه بحسب ذلك. والنقصان في الإيمان يكون في الإيمان الذي في القلوب من المعرفة بالله وأسمائه وصفاته وأفعاله، ووعده ووعيده، والإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره. والأنبياء في ذلك درجات .. والمؤمنون درجات. فالإيمان له مبدأ وكمال .. وظاهر وباطن .. وقوة وضعف .. وطعم وحلاوة .. وصورة وحقيقة، والإسلام كذلك.

стр. 696

قال النبي ﷺ : «الإِسْلامُ أنْ تَشْهَدَ أنْ لا إِلَهَ إِلا اللهُ وَأنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللهِ، وَتُقِيمَ الصَّلاةَ، وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ، وَتَصُومَ رَمَضَانَ، وَتَحُجَّ الْبَيْتَ، إِنِ اسْتَطَعْتَ إِلَيْهِ سَبِيلا» متفق عليه (١). وسئل ﷺ عن الإيمان فقال: «أنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ، وَمَلائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَالْيَوْمِ الاخِرِ. وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ» متفق عليه (٢). وسئل ﷺ عن الإحسان فقال: «أنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ» متفق عليه (٣). والإسلام والإيمان المذكوران في هذا الحديث لم يكونا واجبين أول الإسلام، ثم إنه زاد الإسلام والإيمان، وكملت أركانهما، ونزل في حجة الوداع البيان التام بكمال الدين في قوله سبحانه: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]. ومن أسلم وآمن قبل كمالهما فهو في الجنة. فالإسلام هو الاستسلام لله وحده، والخضوع والانقياد له، وفعل الطاعات الظاهرة. والإيمان هو التصديق بالغيب والطمأنينة، وفعل الطاعات الباطنة مع الظاهرة، وهذا قدر زائد على الإسلام. والإسلام يتناول من أتى بالإسلام الواجب، وما يلزم من الإيمان، ولم يأت بتمام الإيمان الواجب. ويتناول من أظهر الإسلام مع التصديق المجمل في الباطن، لكن لم يفعل الواجب كله، لا من هذا ولا من هذا، وهم الفساق يكون في أحدهم شعبة نفاق أو أكثر.

стр. 697

ويتناول من أظهر الإسلام وليس معه شيء من الإيمان وهو المنافق المحض، فهذا تثبت له أحكام الإسلام في الدنيا، لعدم معرفة ما في قلبه، لكنه في الآخرة في الدرك الأسفل من النار. والإسلام هو الدين الحق الذي لا تنفك فيه العقيدة الإيمانية .. عن الشعائر التعبدية .. عن الشرائع التنظيمية .. عن القيم الأخلاقية، وهذا هو الدين الكامل الذي جاء به محمد ﷺ : ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٨٥)﴾ [آل عمران:: ٨٥]. أما النصرانية فقد حرفت، فقد انفصل فيها الجانب التشريعي التنظيمي عن الجانب الروحي التعبدي الأخلاقي، حيث قامت العداوة بين اليهود والنصارى، فأنشأ هذا انفصالاً بين التوراة المتضمنة للشريعة، والإنجيل المتضمن للإحياء الروحي، والتهذيب الأخلاقي، وبقيت النصرانية نحلة بغير شريعة، فعجزت عن القيادة، فأرسل الله محمداً ﷺ بالدين الكامل إلى يوم القيامة. والإيمان له شعب .. وله درجات: فأما شعب الإيمان فكثيرة متنوعة كما قال النبي ﷺ : «الإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ، أوْ بِضْعٌ وَسِتُّونَ شُعْبَةً، فَأفْضَلُهَا قَوْلُ لا إِلَهَ إِلا اللهُ، وَأدْنَاهَا إِمَاطَةُ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الإِيمَانِ» أخرجه مسلم (١). وأما درجات الإيمان فهي خمس: الأولى: لفظ الإيمان كقولنا: (لا إله إلا الله). الثانية: صورة الإيمان، وهي الشعائر التعبدية كالصلاة والصيام ونحوهما كما قال سبحانه: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات: ١٤]. الثالثة: طعم الإيمان، وهو ما يتلذذ به القلب كما يتلذذ البدن بالطعام كما قال

стр. 698

النبي ﷺ : «ذَاقَ طَعْمَ الإِيمَانِ، مَنْ رَضِيَ بِاللهِ رَبّاً وَبِالإِسْلامِ دِيناً وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولا» أخرجه مسلم (١). الرابعة: حلاوة الإيمان، وهو التلذذ بحلاوة الإيمان، وهي درجة بعد الطعم كما قال النبي ﷺ : «ثَلاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلاوَةَ الإيمَانِ: أنْ يَكُونَ اللهُ وَرَسُولُهُ أحَبَّ إلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأنْ يُّحِبَّ الْمَرْءَ لا يُّحِبُّهُ إلا لِلَّهِ، وَأنْ يَكْرَهَ أنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ» متفق عليه (٢). الخامسة: حقيقة الإيمان، وهي أعلى درجات الإيمان واليقين، وهي ما وقر في القلب، وصدقه العمل من التعلق بالله والإعراض عما سواه، والتلذذ بطاعة الله في جميع الأحوال. وتحصل لمن عرف حقيقة الدين، وقام بجهد الدين: إيماناً وعبادة .. وتعليماً ودعوة .. وهجرة ونصرة .. وجهاداً وإنفاقاً .. وبذلاً وتركاً .. مخلصاً لله. قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤]. وقال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٧٤)﴾ [الأنفال: ٧٤]. وثمرة الإيمان: كثرة الطاعات والأعمال الصالحة .. ومحبتها .. والتلذذ بها .. ودخول الجنة .. والفوز برضى الله . فالإيمان حقيقة إيجابية متحركة، ما أن تستقر في القلب حتى تسعى بذاتها إلى

стр. 699

تحقيق ذاتها في الخارج في صورة عمل صالح، وخلق حسن. ولا يبلغ عبد حقيقة الإيمان حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه. وأرض الفطرة رحبة قابلة لما يغرس فيها: فإن غرست فيها شجرة الإيمان والتقوى أورقت حلاوة الأبد. وإن غرست شجرة الجهل والهوى فكل الثمر فاسد مر، يورث شقاوة الأبد كما قال سبحانه: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (١٠)﴾ [الشمس: ٧ - ١٠]. واليقين على ذات الله وأسمائه وصفاته، والمحبة لله ورسوله ودينه هما ركنا الإيمان، الذي لا يتم إلا بهما، ولا يقبل إلا بهما. والمسلمون يتفاضلون في الإيمان .. ويتفاضلون في شعبه .. ويتفاضلون في درجاته. وكل إنسان يطلب ما يمكنه طلبه .. ويقوم بما يقدر على تقديمه من الفاضل. ولا بد من الإيمان الواجب .. والعبادة الواجبة .. والزهد الواجب .. والعمل الواجب .. والدعوة الواجبة .. ثم الناس يتفاضلون في ذلك حسب إيمانهم. فمنهم من يكون العلم أيسر عليه من الزهد. ومنهم من يكون الزهد أيسر عليه من العلم. ومنهم من تكون العبادة أيسر عليه منهما. ومنهم من تتكون الدعوة أيسر عليه منهما. والمشروع لكل إنسان أن يفعل ما يقدر عليه من الخير .. وإذا ازدحمت شعب الإيمان قدم ما كان أرضى لله وهو عليه أقدر .. فقد يكون على المفضول أقدر منه على الفاضل .. ويحصل له به منفعة أكثر .. فهذا الأفضل له أن يطلب ما هو أنفع له .. وهو قي حقه أفضل. ولا يطلب ما هو الأفضل مطلقاً إذا كان متعذراً في حقه، أو متعسراً يفوته ما هو

стр. 700

أفضل له وأنفع، كمن ينتفع بالذكر أعظم مما ينتفع بالقراءة. فأي عمل صالح كان له أنفع ولله أطوع، أفضل في حقه من تكلف عمل لا يأتي به على وجهه، بل على وجه ناقص، ويفوته به ما هو أنفع له. وفي كل خير: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧١)﴾ [الأحزاب: ٧١]. والله سبحانه أنزل الدين الكامل، وطلب منا القيام بالدين الكامل، ووعدنا على ذلك النعيم الكامل، والخلود الدائم. وهذا الملك ملكه، والخلق خلقه، والأمر أمره، والعبيد عبيده. والله سبحانه يغار، ومن غيرته أنه لم يجعل إليه طريقاً سواه كما قال سبحانه: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٥٣)﴾ [الأنعام: ١٥٣]. ومن غيرته سبحانه أنه إذا رآك تساكن غيره، وتتوجه إليه سقطت من عينه كما قال سبحانه: ﴿لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا (٢٢)﴾ [الإسراء: ٢٢]. ومعية الله وحفظه للمؤمنين تكون مع الصفات التي يحبها الله كالإيمان والتقوى، والصبر والإحسان. والله ينجينا بتلك الصفات ولو لم يكن معنا شيء من المال أو الملك أو القوة إذا بذلنا ما نستطيع. كما نجى الله إبراهيم ﷺ من النار، وليس معه شيء إلا إيمانه بربه .. وكما نجى الله موسى ﷺ من فرعون .. وأنجاه من الغرق في البحر .. ونصره بإيمانه على السحرة .. وكما نجى الله محمداً ﷺ من كفار مكة حين أرادوا قتله .. وحفظه في طريق الهجرة. ونصره على أعدائه .. ومكن له في الأرض .. مع أنه لم يكن معه ملك ولا مال. وكما ينجي الله الرسل وينصرهم كذلك ينجي المؤمنين: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ (١٠٣)﴾ [يونس: ١٠٣]. وقارون لما أعرض عن الإيمان خسف الله به الأرض مع ماله.

стр. 701

وفرعون لما طغى أهلكه الله مع أن معه الملك. ونمرود قتله الله لما كفر وأعرض عن الله مع أن معه الملك. وهكذا القرى الظالمة أهلكهم القوي العزيز بذنوبهم مع كثرتهم وشدتهم وقوتهم، وعظمة ملكهم، وكثرة أموالهم: ﴿وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا (٥٩)﴾ [الكهف: ٥٩]. فالله مع المؤمنين ولايةً وحفظاً .. ونصراً وتأييداً .. وتثبيتاً وتمكيناً: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٥٥)﴾ [النور: ٥٥]. والمؤمنون متفاضلون في الإيمان بالله بحسب المعرفة به والمحبة له تنوعاً لا ينحصر. بل الخلق متفاضلون متفاوتون في إيمانهم بالله وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر، وغير ذلك من أمور الغيب. كما أنهم متفاوتون فيما يشاهدون ويسمعون ويعملون. وكذلك هم يتفاضلون في العلم والإرادة، فإذا كان أحدهم أكثر محبة لله وذكراً وعبادة كان الإيمان عنده أقوى وأرسخ من حيث المحبة والعبادة لله، وإن كان لغيره من العلم بالأسماء والصفات ما ليس له، فصاحب المحبة والتأله يحصل له من حضور الرب في قلبه، وأنسه به ولذة مناجاته، ما لا يحصل لمن ليس مثله. وكذلك منازل المؤمنين في الجنة متفاضلة بحسب إيمانهم ومعرفتهم وأعمالهم. والدعوة إلى الله وإن كانت واجبة على كل مسلم إلا أنها لا تكفي في حصول الإيمان، حتى يأذن الله لمن دعوته أن يؤمن. فهدى كل إنسان بيد خالقه الذي يهدي من يشاء، ويضل من يشاء، وهو أعلم

стр. 702

بمن يصلح للهدى والإيمان ومن لا يصلح كما قال سبحانه: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ (١٠٠)﴾ [يونس: ١٠٠]. ولا بدَّ لكل عبد من الإيمان والتوحيد كما قال سبحانه: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء: ٣٦]. ولا ينفع الإيمان مع الشرك كما قال سبحانه: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ (١٠٦)﴾ [يوسف: ١٠٦]. فأثبت لهم إيماناً مع الشرك، فهم وإن أقروا أن الله هو الخالق الرازق المدبر للأمور إلا أنهم يشركون معه غيره في العبادة. وهذا الإيمان وإن لم يؤثر في إخراجهم من النار، كما أثر إيمان أهل التوحيد، بل كانوا معه خالدين في النار بشركهم وكفرهم، فإن النار إنما سعرها عليهم الشرك والظلم. فلا يمتنع في الرحمة والحكمة والعدل أن يطفئها ويذهبها بعد أخذ الحق منهم. ومقامات الإيمان التي عليها بناؤه ثلاثة وهي: محبة الله .. والخوف منه .. والرجاء له. وهذه الأمور الثلاثة هي الأصل والمادة في كل خير، فمن تمت له تمت له أموره، وإذا خلا القلب منها ترحلت عنه الخيرات، وأحاطت به الشرور، وقد ذكر الله هذه الثلاثة بقوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا (٥٧)﴾ [الإسراء: ٥٧]. وجمال الإنسان وكماله بالإيمان والأعمال والصفات. وجمال الشجرة وكمالها بالأوراق والأزهار والثمار. وأول ما تأثر من شجرة الإيمان جذورها، وجذور شجرة الإيمان هي أركان الإيمان الستة: الإيمان بالله .. وملائكته .. وكتبه .. ورسله .. واليوم الآخر .. والقدر خيره وشره. وبقدر قوة هذه الجذور تستطيع حمل الساق والأغصان، وهي أركان الإسلام

стр. 703

الخمسة: الشهادتان .. وإقام الصلاة .. وإيتاء الكاة .. وصوم رمضان .. والحج. وكان الصحابة في أول الإسلام في مكة لم يكلفوا بالصلاة والزكاة، ولا الصيام والحج. فلما قويت الجذور واستعدت لحمل الأغصان جاءت الفروع وهي الأوامر والنواهي، ثم جاءت الأوراق والأزهار وهي الأخلاق الحسنة. فأصبحت الأغصان والفروع مزينة ومعمورة بأوامر الله من الآداب والأخلاق والمعاشرات، وسائر الأحكام الشرعية. وصارت البيوت والأسواق، والرجال والنساء، والمعاملات والمعاشرات، مزينة بأوامر الله في جميع الأحوال والأوقات والأماكن. فكل من رأى هذه الشجرة شجرة الإيمان أحبها واقترب منها، لما تحمله من جمال الأخلاق كالعفو والإحسان .. والصدق والكرم .. والرحمة والشفقة .. والبذل والإيثار .. : ونحو ذلك من الأخلاق المفضية إلى هداية الناس: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (٢٤) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٥)﴾ [إبراهيم: ٢٤، ٢٥]. والإنسان لا بدَّ له من بيئة الإيمان التي تحفظ الموجود، وترقي الإنسان لطلب المفقود، وكل مخلوق يتأثر بالبيئة التي يكون فيها. فالإنسان إذا دخل في جو حار أو بارد تأثر بهما، فكذلك إذا دخل بيئة الإيمان والأعمال الصالحة تأثر بذلك، فزاد إيمانه، وقويت أعماله، وحسنت أخلاقه. والإنسان لا يتأثر بالبيئة إلا إذا دخلها، فالذي يجلس في مكان الدباغة يألف الرائحة ويعتادها، فإذا نقل إلى بيئة الزهور والعطور ومكث فيها مدة تأثر بها، فإذا رجع إلى بيئته الماضية استنكرها واستقبحها. فإذا قيل له كنت فيها أولاً، قال أعوذ بالله ومن يطيقها، ثم نفر منها وولاها ظهره،

стр. 704

مع أنه كان يعيش فيها عدة سنين. وهكذا بيئة المعاصي والنساء كلها شر وروائحها كريهة، ولا يشعر الإنسان بذلك إلا إذا نقل إلى بيئة طيبة، فيها الإيمان والطاعات، والعبادة والدعوة، والذكر وتلاوة القرآن، وتعظيم الله وحمده. فهنا يجد القلب حاجته وغذاؤه فيلزم هذه البيئة وينفر من ضدها. وهذه البيئة هي التي تحفظ الإيمان الموجود، وترقى الإنسان لطلب الإيمان المفقود، والأعمال المفقودة. والإيمان هو كمال وجمال العبد، وبه ترتفع درجته في الدنيا والآخرة كما قال سبحانه: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١١)﴾ [المجادلة: ١١]. وقد جعل الله لكل مطلوب سبباً وطريقاً يوصل إليه، والإيمان أعظم مطالب الإنسان على الإطلاق، وقد جعل الله له مواد كثيرة تجلبه وتقويه، وتزيده وتحفظه ومنها: تدبر القرآن الكريم، وما فيه من عظمة الله، وعظمة أسمائه وصفاته، واليوم الآخر، وما به من وصف الحشر والحساب، والجنة والنار. والنظر والتفكر في الكون وما فيه من المخلوقات الدالة على عظمة الله، ورؤية الآلاء والنعم التي سخرها الله لعباده، ومشاهدة مظاهر رحمة الله بنزول المياه، ونبات النبات، ووفرة الهواء، واستقرار الأرض، والإكثار من ذكر الله في كل وقت، والإكثار من الدعاء الذي هو مخ العبادة. والدعوة إلى الله، وإلى دينه، والتواصي بالحق، والتواصي بالصبر، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. فالداعي يسعى إلى تكميل العباد ونصحهم ليرضى الله عنهم، فيجازيه الله بتأييده ونصره، وتقوية إيمانه وهدايته كما قال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾ [العنكبوت: ٦٩].

стр. 705

وكذلك معرفة النبي ﷺ ، ومعرفة ما هو عليه من الإيمان والأخلاق العالية، والأوصاف الكاملة، فهو أكبر داع إلى الإيمان في أقواله وأفعاله، وصفاته وأخلاقه: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الأحزاب: ٢١]. والإيمان بالنسبة لمعرفته له ثلاث مراتب: الأولى: الإيمان المجمل كما قال سبحانه: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات: ١٤]. الثانية: الإيمان الواجب من فعل الواجبات، وترك المحرمات. الثالثة: الإيمان المطلق، وبه تتحقق العبودية الحقة، وإحياء جهد الرسول ﷺ في العبادة والدعوة إلى الله كما قال سبحانه: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (١٥)﴾ [الحجرات: ١٥]. وهذه المرتبة أعلى المراتب وأفضلها وأعظمها. والإيمان بالنسبة لتحصيله كالمال له بداية وليس له نهاية، وكلما زاد الجهد والطلب زاد الإيمان، وزادت الأعمال، وحسنت الأخلاق. فالإيمان قسمان: إيمان موجود .. وإيمان مطلوب. فإذا كان الإيمان الموجود لا يكفي للقيام بالأعمال، فلا بد من تقوية الإيمان بالإيمان المطلوب حتى نتمكن من القيام بالعمل، ونتحصل على موعودات الله بالإيمان الكامل، كما قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (١٣٦)﴾ [النساء: ١٣٦]. فالإيمان الموجود ينجي من النار ويدخل الجنة، ولكن هذا الإيمان لا يفي بمواعيد الله للمؤمنين في الدنيا، كما قال سبحانه: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ
следующие страницы →