← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 37531

موسوعة فقه القلوب

محمد بن إبراهيم التويجري

Полный текст (3 625 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

وفرعون لما طغى أهلكه الله مع أن معه الملك. ونمرود قتله الله لما كفر وأعرض عن الله مع أن معه الملك. وهكذا القرى الظالمة أهلكهم القوي العزيز بذنوبهم مع كثرتهم وشدتهم وقوتهم، وعظمة ملكهم، وكثرة أموالهم: ﴿وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا (٥٩)﴾ [الكهف: ٥٩]. فالله مع المؤمنين ولايةً وحفظاً .. ونصراً وتأييداً .. وتثبيتاً وتمكيناً: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٥٥)﴾ [النور: ٥٥]. والمؤمنون متفاضلون في الإيمان بالله بحسب المعرفة به والمحبة له تنوعاً لا ينحصر. بل الخلق متفاضلون متفاوتون في إيمانهم بالله وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر، وغير ذلك من أمور الغيب. كما أنهم متفاوتون فيما يشاهدون ويسمعون ويعملون. وكذلك هم يتفاضلون في العلم والإرادة، فإذا كان أحدهم أكثر محبة لله وذكراً وعبادة كان الإيمان عنده أقوى وأرسخ من حيث المحبة والعبادة لله، وإن كان لغيره من العلم بالأسماء والصفات ما ليس له، فصاحب المحبة والتأله يحصل له من حضور الرب في قلبه، وأنسه به ولذة مناجاته، ما لا يحصل لمن ليس مثله. وكذلك منازل المؤمنين في الجنة متفاضلة بحسب إيمانهم ومعرفتهم وأعمالهم. والدعوة إلى الله وإن كانت واجبة على كل مسلم إلا أنها لا تكفي في حصول الإيمان، حتى يأذن الله لمن دعوته أن يؤمن. فهدى كل إنسان بيد خالقه الذي يهدي من يشاء، ويضل من يشاء، وهو أعلم

стр. 702

بمن يصلح للهدى والإيمان ومن لا يصلح كما قال سبحانه: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ (١٠٠)﴾ [يونس: ١٠٠]. ولا بدَّ لكل عبد من الإيمان والتوحيد كما قال سبحانه: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء: ٣٦]. ولا ينفع الإيمان مع الشرك كما قال سبحانه: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ (١٠٦)﴾ [يوسف: ١٠٦]. فأثبت لهم إيماناً مع الشرك، فهم وإن أقروا أن الله هو الخالق الرازق المدبر للأمور إلا أنهم يشركون معه غيره في العبادة. وهذا الإيمان وإن لم يؤثر في إخراجهم من النار، كما أثر إيمان أهل التوحيد، بل كانوا معه خالدين في النار بشركهم وكفرهم، فإن النار إنما سعرها عليهم الشرك والظلم. فلا يمتنع في الرحمة والحكمة والعدل أن يطفئها ويذهبها بعد أخذ الحق منهم. ومقامات الإيمان التي عليها بناؤه ثلاثة وهي: محبة الله .. والخوف منه .. والرجاء له. وهذه الأمور الثلاثة هي الأصل والمادة في كل خير، فمن تمت له تمت له أموره، وإذا خلا القلب منها ترحلت عنه الخيرات، وأحاطت به الشرور، وقد ذكر الله هذه الثلاثة بقوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا (٥٧)﴾ [الإسراء: ٥٧]. وجمال الإنسان وكماله بالإيمان والأعمال والصفات. وجمال الشجرة وكمالها بالأوراق والأزهار والثمار. وأول ما تأثر من شجرة الإيمان جذورها، وجذور شجرة الإيمان هي أركان الإيمان الستة: الإيمان بالله .. وملائكته .. وكتبه .. ورسله .. واليوم الآخر .. والقدر خيره وشره. وبقدر قوة هذه الجذور تستطيع حمل الساق والأغصان، وهي أركان الإسلام

стр. 703

الخمسة: الشهادتان .. وإقام الصلاة .. وإيتاء الكاة .. وصوم رمضان .. والحج. وكان الصحابة في أول الإسلام في مكة لم يكلفوا بالصلاة والزكاة، ولا الصيام والحج. فلما قويت الجذور واستعدت لحمل الأغصان جاءت الفروع وهي الأوامر والنواهي، ثم جاءت الأوراق والأزهار وهي الأخلاق الحسنة. فأصبحت الأغصان والفروع مزينة ومعمورة بأوامر الله من الآداب والأخلاق والمعاشرات، وسائر الأحكام الشرعية. وصارت البيوت والأسواق، والرجال والنساء، والمعاملات والمعاشرات، مزينة بأوامر الله في جميع الأحوال والأوقات والأماكن. فكل من رأى هذه الشجرة شجرة الإيمان أحبها واقترب منها، لما تحمله من جمال الأخلاق كالعفو والإحسان .. والصدق والكرم .. والرحمة والشفقة .. والبذل والإيثار .. : ونحو ذلك من الأخلاق المفضية إلى هداية الناس: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (٢٤) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٥)﴾ [إبراهيم: ٢٤، ٢٥]. والإنسان لا بدَّ له من بيئة الإيمان التي تحفظ الموجود، وترقي الإنسان لطلب المفقود، وكل مخلوق يتأثر بالبيئة التي يكون فيها. فالإنسان إذا دخل في جو حار أو بارد تأثر بهما، فكذلك إذا دخل بيئة الإيمان والأعمال الصالحة تأثر بذلك، فزاد إيمانه، وقويت أعماله، وحسنت أخلاقه. والإنسان لا يتأثر بالبيئة إلا إذا دخلها، فالذي يجلس في مكان الدباغة يألف الرائحة ويعتادها، فإذا نقل إلى بيئة الزهور والعطور ومكث فيها مدة تأثر بها، فإذا رجع إلى بيئته الماضية استنكرها واستقبحها. فإذا قيل له كنت فيها أولاً، قال أعوذ بالله ومن يطيقها، ثم نفر منها وولاها ظهره،

стр. 704

مع أنه كان يعيش فيها عدة سنين. وهكذا بيئة المعاصي والنساء كلها شر وروائحها كريهة، ولا يشعر الإنسان بذلك إلا إذا نقل إلى بيئة طيبة، فيها الإيمان والطاعات، والعبادة والدعوة، والذكر وتلاوة القرآن، وتعظيم الله وحمده. فهنا يجد القلب حاجته وغذاؤه فيلزم هذه البيئة وينفر من ضدها. وهذه البيئة هي التي تحفظ الإيمان الموجود، وترقى الإنسان لطلب الإيمان المفقود، والأعمال المفقودة. والإيمان هو كمال وجمال العبد، وبه ترتفع درجته في الدنيا والآخرة كما قال سبحانه: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١١)﴾ [المجادلة: ١١]. وقد جعل الله لكل مطلوب سبباً وطريقاً يوصل إليه، والإيمان أعظم مطالب الإنسان على الإطلاق، وقد جعل الله له مواد كثيرة تجلبه وتقويه، وتزيده وتحفظه ومنها: تدبر القرآن الكريم، وما فيه من عظمة الله، وعظمة أسمائه وصفاته، واليوم الآخر، وما به من وصف الحشر والحساب، والجنة والنار. والنظر والتفكر في الكون وما فيه من المخلوقات الدالة على عظمة الله، ورؤية الآلاء والنعم التي سخرها الله لعباده، ومشاهدة مظاهر رحمة الله بنزول المياه، ونبات النبات، ووفرة الهواء، واستقرار الأرض، والإكثار من ذكر الله في كل وقت، والإكثار من الدعاء الذي هو مخ العبادة. والدعوة إلى الله، وإلى دينه، والتواصي بالحق، والتواصي بالصبر، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. فالداعي يسعى إلى تكميل العباد ونصحهم ليرضى الله عنهم، فيجازيه الله بتأييده ونصره، وتقوية إيمانه وهدايته كما قال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾ [العنكبوت: ٦٩].

стр. 705

وكذلك معرفة النبي ﷺ ، ومعرفة ما هو عليه من الإيمان والأخلاق العالية، والأوصاف الكاملة، فهو أكبر داع إلى الإيمان في أقواله وأفعاله، وصفاته وأخلاقه: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الأحزاب: ٢١]. والإيمان بالنسبة لمعرفته له ثلاث مراتب: الأولى: الإيمان المجمل كما قال سبحانه: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات: ١٤]. الثانية: الإيمان الواجب من فعل الواجبات، وترك المحرمات. الثالثة: الإيمان المطلق، وبه تتحقق العبودية الحقة، وإحياء جهد الرسول ﷺ في العبادة والدعوة إلى الله كما قال سبحانه: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (١٥)﴾ [الحجرات: ١٥]. وهذه المرتبة أعلى المراتب وأفضلها وأعظمها. والإيمان بالنسبة لتحصيله كالمال له بداية وليس له نهاية، وكلما زاد الجهد والطلب زاد الإيمان، وزادت الأعمال، وحسنت الأخلاق. فالإيمان قسمان: إيمان موجود .. وإيمان مطلوب. فإذا كان الإيمان الموجود لا يكفي للقيام بالأعمال، فلا بد من تقوية الإيمان بالإيمان المطلوب حتى نتمكن من القيام بالعمل، ونتحصل على موعودات الله بالإيمان الكامل، كما قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (١٣٦)﴾ [النساء: ١٣٦]. فالإيمان الموجود ينجي من النار ويدخل الجنة، ولكن هذا الإيمان لا يفي بمواعيد الله للمؤمنين في الدنيا، كما قال سبحانه: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ

стр. 706

الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣٩)﴾ [آل عمران: ١٣٩]. فالعلو والرفعة مشروطة بالإيمان، والمقصود: الإيمان الكامل. وكذلك قوله سبحانه: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ (٤٧)﴾ [الروم: ٤٧]. فالنصر مشروط بالإيمان، والمقصود: الإيمان الكامل. وهكذا بقية الموعودات في القرآن مشروطة بالإيمان الكامل. فإذا جاء الإيمان المطلوب فلا بد أن يظهر الموعود من النصر، وحصول البركات، والخلافة في الأرض. وعدم ظهور الموعود دليل على أن الإيمان الموجود لا يكفي لظهور الموعود، فلا بدَّ من الجهد والتضحية حتى يأتي الإيمان المطلوب ليحصل الموعود. والإيمان يزيد باستعمال الأعضاء الأربعة للدين: السمع .. والبصر .. واللسان .. والدماغ. وهذه الأعضاء الأربعة تصب في القلب، كما يصب المطر على الأرض. فإذا سمع المسلم كلام الإيمان بأذنه، فهذه الأذن تصب في القلب ما سمعت، وتملؤه إيماناً. وإذا منَّ الله على العبد وأعطاه نظرات الإيمان، فكلما رأى مخلوقاً تذكر به الخالق، وكلما رأى صورة تذكر بها المصور سبحانه. وكلما رأى آيات الله في القرآن تذكر به من تكلم به وهو الله، فهذه العين تصب في القلب ما رأت وتملؤه إيماناً. فالعين المؤمنة هي التي ترى الأشياء وتنفيها، وتتعداها إلى خالقها فهو الذي بيده الأمر كله: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠١)﴾ [يونس: ١٠١]. فإذا لم تر العين هذه الرؤية رأت الأشياء ثم تأثرت بها، ثم أثرت على القلبل، فضعف الإيمان، وتبدل اليقين، ثم ضعفت الأعمال، ثم نزلت العقوبة حسب الترك أو التقصير أو التأخير.

стр. 707

وإذا تكلم المسلم كلام الإيمان مبيناً عظمة ربه، وعظمة أسمائه وصفاته وأفعاله، وعظمه دينه وشرعه، وعظمه خلقه وأمره، فهذا اللسان يصب في القلب ويملؤه إيماناً وعلماً. وإذا تفكر الإنسان في عظمة الله وكبريائه، وفي جلاله وجبروته، وفي قوته وقدرته، وفي حلمه وعفوه. وتفكر في نعم الله وآلائه، وتفكر في عظمة مخلوقاته، وتفكر في سعة ملكه وكثرة مخلوقاته، فهذا الدماغ يصب في القلب ويملؤه إيماناً. فالقلب محل الإيمان بالله، والتعظيم له، والخوف منه، والرجاء له، والمحبة له، والخشية منه، والتوكل عليه، والإنابة إليه، وتقواه. فإذا قامت هذه الأعضاء الأربعة بوظيفتها التي أرادها الله وصلت كلمة (لا إله إلا الله) إلى القلب، فرسخ الإيمان في القلب، ثم ظهرت آثاره على الجوارح، فكملت للإنسان الزينة الداخلية والخارجية. وهذه الزينة التي يحبها الله، ودعا إليها رسول الله، وهي محل نظر الله كما قال النبي ﷺ : «إِنَّ اللهَ لا يَنْظُرُ إلى صُوَرِكُمْ وَأمْوَالِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إلى قُلُوبِكُمْ وَأعْمَالِكُم» أخرجه مسلم (١). وإذا جاء الإيمان أحب المؤمن الإيمان والطاعات والحسنات كما يحب الطيبات والطاهرات، وأبغض وكره الكفر والفسوق والعصيان، كما يكره القاذورات والنجاسات. وإذا حل الإيمان في القلب مال إلى الطاعات، واجتنب المحرمات، ونفر من السيئات، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ (٧) فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ

стр. 708

حَكِيمٌ (٨)﴾ [الحجرات: ٧، ٨]. فالإيمان محله القلب، وإذا دخل فيه جاء بكل خير، وإذا لم يدخل الإيمان في القلب فلا فائدة من العمل معه، فالمنافقون كان إيمانهم بألسنتهم فلم ينفعهم، وكانوا يصلون مع المسلمين فلم ينفعهم ذلك، بل هم في الدرك الأسفل من النار: ﴿يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾ [الفتح: ١١]. ولفظ الإيمان شيء .. وصورة الإيمان شيء .. وعلم الإيمان شيء .. لكن حقيقة الإيمان شيء أعظم من هذا كله. وكل شيء يصنع في مكان، ومكان تجريبه في مكان آخر كالسيارة والقلم ونحوهما، وكذلك علم الإيمان له مكان، ومكان معرفته وتجريبه له ميدان آخر. وذلك لا يتم ولا يحصل إلا بالمجاهدة والتضحية بكل شيء من أجل الحصول عليه، فهو أغلى شيء في الدنيا والآخرة. وطريق الإيمان تعب فيه آدم .. وناح لأجله نوح .. ورمي في النار الخليل .. واضطجع للذبح إسماعيل .. وبيع وسجن يوسف .. ونشر بالمنشار زكريا .. وذبح بالسكين يحيى .. وقاسى الضر أيوب .. وزاد في البكاء داود .. وسار مع الوحش عيسى .. وعالج الفقر والأذى محمد ﷺ . وهؤلاء هم شموس التوحيد والإيمان .. ونجوم الهدى .. وجبال الصبر واليقين. فالإيمان أصل الدين وقاعدته التي يبنى عليها البناء، وهو بمنزلة تسوية الأرض وسقيها، أما الأمور الباقية في الدين فهي بمنزلة الأشجار والحبوب التي يمكن زرعها وغرسها في هذه الأرض. فهي تنمو بقدر خصوبة الأرض واستعدادها كما أنها تثمر بقدر الجهود المبذولة في تمهيد الأرض وسقيها. فالإيمان هو أرض الدين .. والدعوة نبتها وطلعها .. والعبادة ثمرتها وزينتها .. والعلم يرويها ويسقيها .. والجنة ورضى الرب غايتها. ولا يمكن أن نحصل على حقيقة الإيمان، إلا إذا تيقنا أن جميع المخلوقات في

стр. 709

السموات والأرض، قويها وضعيفها كالحية الميتة، لا تنفع ولا تضر إلا بإذن الله، ولا تعطي ولا تمنع إلا بأمر الله، وأن كل شيء بيد الله، وأن ما سوى الله ليس بيده شيء كما قال سبحانه: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٥٤)﴾ [الأعراف: ٥٤]. وقوة الإيمان تظهر إذا كانت في القلب، كالرصاص لا تظهر قوته إلا إذا كانت في البندقية، وهذا هو الإيمان الحقيقي. فإذا توقف على كلام اللسان، وسماع الآذان، وفكر الدماغ، فذاك إيمان اللسان والأذن والدماغ، ولا تظهر قوته وآثاره إلا إذا كان في القلب كالرصاص ما دام في الجيب أو البيت لا تظهر قوته ولا آثاره، حتى يكون في محله الأصلي في البندقية. وإذا احصل العبد على حقيقة الإيمان هانت عليه نفسه وأمواله، وبلاده وأهله في سبيل مرضاة مولاه. والدنيا محل الكسب، والقلوب محل الإيمان، فيجب أن نجتهد على قلوبنا حتى لا يبقى فيها تأثر من غير الله من الأشخاص والأموال والأشياء. ولما كثر الجهد على الأموال والأشياء، تأثرت القلوب بهذه الأشياء. فقال الناس: حاجات الدنيا تقضى بالأموال والأسباب .. وحاجات الآخرة تقضى بالإيمان والأعمال الصالحة. وهذا خطأ، فحاجات الدنيا والآخرة لا يقضيها إلا الله وحده لا شريك له وهو على كل شيء قدير. أحياناً يقضيها بالأسباب كما يحصل النبات من نزول الماء على الأرض، وكما يحصل الولد بالوطء، والشبع بالأكل، والري بالشرب وهكذا. وأحياناً يقضيها بدون الأسباب: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢)﴾ [يس: ٨٢].

стр. 710

وأحياناً يقضيها بضد الأسباب كما جعل النار برداً وسلاماً على إبراهيم ﷺ ، وكما نصر موسى ﷺ على فرعون مع أن معه الملك والدولة، وكما ربى موسى ﷺ في قصر عدوه فرعون: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٠٦)﴾ [البقرة: ١٠٦]. والإيمان قسمان: نظري .. وعملي. فالنظري يحصل للإنسان بطريق الكلام الصادر عن ثقة كما قال الله لموسى ﷺ : ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (١٤)﴾ [طه: ١٤]. ثم أراد الله أن يبين لموسى حقيقة الإيمان عملياً، وأنه سبحانه هو الفعال القادر على كل شيء، وأنه يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، ولا يعجزه شيء، وأن جميع المخلوقات ليس بيدها شيء، وأن الخلق والأمر لله وحده لا شريك له فقال سبحانه: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَامُوسَى (١٧) قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى (١٨) قَالَ أَلْقِهَا يَامُوسَى (١٩) فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى (٢٠) قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى (٢١)﴾ [طه: ١٧ - ٢١]. فجاء أمر الله إلى العصا فانقلبت فوراً إلى حية تسعى، ثم أمره الله بأخذها فعادت بأمر الله فوراً عصا، وأمره سبحانه بإلقائها وهي نافعة فأطاع، وأمره بأخذها وهي ضارة فأطاع، ليعلم موسى أن جميع المخلوقات بيد الله وحده، وأنها لا تضر ولا تنفع إلا بإذن الله. ثم أمره الله بإدخال يده في جيبه فأدخلها فخرجت بيضاء ساطعة من غير عيب ولا برص كما قال سبحانه: ﴿وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرَى (٢٢)﴾ [طه: ٢٢]. فرأى موسى ﷺ قدرة الله عملياً في قلب العصا حية وإعادتها مرة أخرى، وفي خروج يده بيضاء من غير سوء، وزاد إيمانه بربه، وقوي يقينه، واطمأن قلبه، وعلم نظرياً وعملياً أن الله على كل شيء قدير.

стр. 711

فلما حصل له كمال اليقين، أرسله الله إلى فرعون فأبى واستكبر، فأنجى الله نبيه، وأهلك فرعون وجنوده، بأمر واحد، ووقت واحد. والدنيا محل تكميل الإيمان والأعمال والأخلاق. فمن اجتهد لتكميل تلك الصفات في نفسه صار في مرتبة الأبرار والصالحين. ومن اجتهد لتكميلها في نفسه وفي غيره من الناس صار في مرتبة المقربين كما قال سبحانه: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (١١)﴾ [الواقعة: ١٠، ١١]. وعلامة الإيمان الكامل: أن نتوجه إلى الله وحده في جميع أمورنا .. فهو قاضي حاجات البشر وحده لا شريك له .. ونفعل ما فعل النبي ﷺ في تلك الحال .. فأوامر الله كالحبل الذي يتمسك به الغريق .. فمن تمسك بحبل الله نجا وأفلح .. ومن توجه إلى المخلوق خذله الله به وأذله. وكل الناس غرقى إلا من تمسك بحبل الله واعتصم به. فبالجهد للدين يقوى الإيمان .. وبقوة الإيمان تقوى الأعمال .. وبقوة الإيمان والأعمال يقوى الدعاء .. وبالدعاء تقضى الحوائج .. كما قال سبحانه: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (١٨٦)﴾ [البقرة: ١٨٦]. وكلما قوي الإيمان جاءت متطلبات الإيمان سهلة كالطاعات، وإذا ضعف الإيمان ثقلت الطاعات، وجاءت الرغبة في المعاصي. وإذا اقترنت الأعمال بالإيمان جاءت الطمأنينة والسعادة في الدنيا والآخرة. وإذا اقترنت المعاصي بالإيمان جاءت المصائب نقداً في الدنيا قبل الآخرة كما حصل للصحابة في غزوة أحد، وفي غزوة حنين. فأولاً تسلب الطمأنينة من القلوب، وتأتي الهموم ليستغفروا ويتوبوا، فإذا لم يرجعوا إلى الحق، واستمروا في المعاصي، تحولت المصائب والهموم إلى الأسباب كالأموال والأولاد، ليتوبوا إلى الله.

стр. 712

فالأولى فضائل .. والثانية ابتلاء بالفضائح لعلهم يتوبون. وفرعون لما فسد فكره، جاء عنده الهم أن هذا الملك سوف يسلب مني، ولأنه لا يعرف الحق، بدأ يعالج البلاء بالبلاء فقرر أن يقتل كل مولود من بني إسرائيل، فعالج المعصية بالمعصية، وإلا علاج الهم الاستغفار والتوبة. فعالج فرعون الخطأ بالخطأ، فما زال الهم بل زاد، وجاء بشكل آخر أقوى وأشد من الأول، فقد قتل فرعون أولاد بني إسرائيل بالآلاف، لأنه فكر في ملكه فما حصل العلاج. فربى الله من يزيل ملكه في بيته، وتحت رعاية زوجته، وهو موسى ﷺ . ولما كبر قام بدعوة فرعون إلى الله، وتلطف معه حتى قامت الحجة عليه، ولما لم يرجع ولم يؤمن ألقى الله المصائب في ملكه كما قال سبحانه: ﴿وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (١٣٢) فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ (١٣٣)﴾ [الأعراف: ١٣٢، ١٣٣]. فانتقل الهم من قلبه على نفسه إلى الهم في ملكه، وابتلاه الله بهذه المصائب لعله يتوب إلى الله، فالحياة في عهده فاسدة، والأحوال فاسدة، بسبب فقدان الدين، ولكنه مع رؤية هذه الآيات أبى كما قال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ آيَاتِنَا كُلَّهَا فَكَذَّبَ وَأَبَى (٥٦)﴾ [طه: ٥٦]. فتأثر الملك بسبب ذلك الاستكبار كما قال سبحانه: ﴿وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ (٣٩)﴾ [القصص: ٣٩]. فهاتان مرحلتان: إلى القلوب .. ثم إلى الأسباب، فإذا لم يرجع فهناك مرحلة ثالثة، وهي البطش والإهلاك كما قال سبحانه: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ (٥٥)﴾ [الزخرف: ٥٥]. فهذه ثلاث مراحل للخسران: فأولاً تتأثر القلوب .. ثم تتأثر الأسباب .. ثم التدمير والهلاك، وذلك ليعود

стр. 713

الإنسان إلى ربه. فيربي الله العاصي بالفضائل والمصائب .. فإذا لم يقبل ابتلاه بالفضائح .. فإذا لم يتب أهلكه الله .. وبعد الموت تكون الحال أشد وأبقى: ﴿لَهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَقُّ وَمَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ (٣٤)﴾ [الرعد: ٣٤]. وقد أقسم الله بالعصر الذي هو زمن الأعمال الرابحة والخاسرة، على أن كل واحد في خسر إلا من كمل قوته العلمية والعملية فقال سبحانه: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)﴾ [العصر: ١ - ٣]. وهذا نهاية الكمال الإنساني، فإن الكمال أن يكون الشخص كاملاً في نفسه مكملاً لغيره. وكمال الإنسان بإصلاح قوتيه: العلمية والعملية. فصلاح قوة الإنسان العلمية بالإيمان، وصلاح القوة العملية بعمل الصالحات، وتكميله غيره بتعليمه إياه، وصبره عليه، وتوصيته بالصبر على العلم والعمل. فالحق هو الإيمان والعمل، ولا يتمان إلا بالصبر عليهما، والتواصي بهما. والإيمان لا يكون حتى ينبثق منه عمل صالح. وهذا الإيمان إما أن يجد طعمه وحلاوته وحقيقته في القلب، أو لا يجد كما قال سبحانه: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤)﴾ [الحجرات: ١٤]. فهؤلاء مسلمون وليسوا بمؤمنين، لأنهم ليسوا من باشر الإيمان قلبه، ذاق حلاوته وطعمه، وهذا حال أكثر المسلمين، فأثبت لهم الإسلام، ونفى عنهم الإيمان، لأنهم لم يذوقوا طعمه، ونفى عنهم الإيمان المطلق، لا مطلق الإيمان وهو الإٍسلام. ووعدهم مع ذلك على طاعاتهم أن لا ينقصهم من أجور أعمالهم شيئاً.

стр. 714

ثم ذكر سبحانه أهل الإيمان الحقيقي، الذين ذاقوا طعمه وحلاوته، وهم الذين آمنوا بالله ورسوله، ثم لم يرتابوا في إيمانهم، لأن الإيمان قد باشر قلوبهم، وخالطتها بشاشته، فلم يبق للريب فيه موضع. وصدقوا ذلك ببذل أحب شيء إليهم في رضى ربهم وهو أموالهم وأنفسهم، ولا يمكن حصول هذا البذل من غير ذوق طعم الإيمان وحلاوته كما قال سبحانه: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (١٥)﴾ [الحجرات: ١٥]. فالإيمان لا يكون حتى ينبثق منه العمل الصالح. أما الذين يقولون أنهم مسلمون ويشركون مع الله غيره .. أو يفسدون في الأرض .. ويحاربون الله ورسوله .. أو يؤذون المؤمنين والمؤمنات .. وأئمة الدين والمصلحين .. أو يقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس، فهؤلاء ليس لهم من الإيمان شيء، وليس لهم من ثواب الله شيء، وليس لهم من عذابه من واق كما قال سبحانه: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٨٥)﴾ [البقرة: ٨٥]. فلا بد من الجمع بين الإيمان القلبي، والإحسان العملي كما قال سبحانه: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (١١٢)﴾ [البقرة: ١١٢]. وأعظم شيء وهبه الله للعبد هو الإيمان الذي يسعد به في الدنيا والآخرة وهو فضل الله وإحسانه إلى البشرية كما قال سبحانه: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٧)﴾ [الحجرات: ١٧]. والإيمان بالله أغلى شيء في الحياة، بل هو أغلى شيء في خزائن الله، وسعادة الإنسان في الآخرة مبنية عليه، وهو أهم شيء يوصى به العبد أهله عند مفارقته

стр. 715

للحياة كما قال سبحانه: ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَابَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٣٢)﴾ [البقرة: ١٣٢]. والإيمان نور يشرق به قلب المؤمن وروحه وكيانه، فيرى قلب المؤمن الخالق والمخلوق، ويرى عظمة ربه وإحسانه، ويشاهد مظاهر قدرته ورحمته. ويرى المخلوق بيد خالقه، ليس بيده شيء، وليس بيده نفع ولا ضر، إن لم يهده ربه إلى نور الإيمان، تاه في أودية الظلمات، وخسر الدنيا والآخرة. فالإيمان نور واحد يهدي إلى طريق واحد، يهدي إلى الحق، وإلى طريق مستقيم. وأما الكفر فظلمات شتى متنوعة: ظلمة الكبر والطغيان .. وظلمة الرياء والنفاق .. وظلمة الهوى والشهوة .. وظلمة الجهل والقسوة .. وظلمة الحرص والطمع .. وظلمة البخل والشح .. وظلمة الشك والقلق .. وظلمة الكذب والافتراء. وظلمات شتى يجمعها كلها الشرود عن صراط الله المستقيم، والتلقي من غير الله، والاحتكام إلى غير منهج الله. والله يؤتي فضله من يشاء، وهو العليم بمن يصلح له، ومن لا يصلح له، وما يترك الإنسان نور الله الواحد الذي لا يتعدد، حتى يدخل في الظلمات من شتى الأنواع والأصناف، وكلها ظلمات. والعاقبة اللائقة بأصحاب الظلمات إذا لم يهتدوا بالنور في الدنيا، أن يخلدوا في ظلمات النار في الآخرة: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٥٧)﴾ [البقرة: ٢٥٧]. إن من ذاق طعم الإيمان وحلاوته، وعرف حقيقته لا يمكن أن يتركه أو يجد اللذة في غيره. فإبراهيم ﷺ لما طلب من ربه أن يريه كيف يحيي الموتى، لم يطلب برهاناً، أو

стр. 716

تقوية للإيمان، إنما هو أمر آخر له مذاق آخر، إنه أمر الشوق الروحي إلى ملابسة ورؤية السر الإلهي في أثناء وقوعه العملي كما قال سبحانه: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٦٠)﴾ [البقرة: ٢٦٠]. ورؤية الآيات الكونية لها مذاق .. وتدبر الآيات القرآنية لها مذاق .. والإيمان بالغيب له مذاق .. ومذاق رؤية هذه العملية أمام العين له مذاق آخر غير مذاق الإيمان بالغيب. فأراد إبراهيم ﷺ أن يرى يد القدرة وهي تعمل، ليحصل على مذاق وحلاوة هذه الملابسة. ليستروح بها، ويتنفس في جوها، ويعيش معها. وإبراهيم ﷺ كان ينشد اطمئنان الإنس إلى رؤية يد الله تعمل، واطمئنان التذوق للسر المحجوب وهو يتجلى وينكشف. وقد استجاب الله لهذا الشوق والتطلع في قلب إبراهيم ﷺ ، وأراه التجربة الذاتية المباشرة، والقدرة الإلهية. فرأى إبرهيم ﷺ السر الإلهي يقع بين يديه، وهو السر الذي يقع كل لحظة، ولا يرى الناس إلا آثاره بعد تمامه، إنه سر هبة الحياة. رأى إبراهيم ﷺ هذا السر يقع بين يديه، طيور معروفة أمسكها، ثم ذبحها وقطعها، وخلط أجزاءها ببعض، ثم فرقها في أماكن متباعدة ثم دعاها، فتجمع اللحم مع اللحم، والدم مع الدم والريش مع الريش، والعظام مع العظام، ثم جاءت إليه مسرعة حية كما كانت من قبل. فاجتمع له دليل العيان بالبصر، مع دليل الإيمان بالخبر، فحصل على مرتبة عين اليقين، فتوارد الأدلة اليقينية يزيد الإيمان، ويكمل به الإيقان، ويسعى في نيله أولو العرفان، ولذلك استجاب الله له حين قال له: ﴿أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ

стр. 717

لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠]. والإيمان أعظم شيء .. وأغلى شيء .. وبه يسعد الإنسان في الدنيا والآخرة. والمؤمنون يتوجهون إلى ربهم بالطاعة والتسليم، لأنهم يعرفون أنهم صائرون إليه، فيقبلون على طاعته، ويطلبون مغفرته كما قال سبحانه: ﴿كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٢٨٥)﴾ [البقرة: ٢٨٥]. فالإيمان يولد السمع والطاعة لله ورسوله. السمع لكل ما جاء من عند الله، والطاعة لكل ما أمر به الله. وهم مع السمع والطاعة يشعرون بالتقصير، والعجز عن توفية نعم الله حق شكرها، وفرائض الله حق أدائها، فيطلبون مغفرته من التقصير، وتداركهم برحمته، لأنهم يعرفون عظيم حقه، ومقدار تقصيرهم في حقه. وطلب الغفران إنما يكون بعد الاستسلام لله، وإعلان السمع والطاعة له، واليقين بأن المصير إليه سبحانه في الدنيا والآخرة. المصير إليه في الدنيا في كل أمر وفي كل عمل، فلا منجى من الله إلا إليه، ولا عاصم من قدره ولا نجاة من عقابه، إلا برحمته وغفرانه. والمصير إليه في الآخرة فالخلق لله، وهم إليه راجعون، فمن قدم بالإيمان أدخله الجنة، ومن جاء بالكفر والمعاصي أدخله النار. وإذا جاء الإيمان في حياة الإنسان جاءت التقوى. والتقوى: هي الاستقامة والخوف من الله وحده، ومراقبته وحده في جميع الأحوال. وتقوى الله هي التي تربط القلوب بالله، وحين يتصل القلب بالله فإنه سيعظم ربه، ويتمثل أمره، ويحقر كل قوة غير قوته. والإيمان يزيد بالطاعات، وينقص بالمعاصي. وما أسرع زوال الإيمان أو ضعفه عند لذعة المصائب، ومواهة الأخطار، ولسعة

стр. 718

الحوادث المؤلمة إلا من ثبته الله وأعانه. فمن الناس من هو ضعيف الإيمان، إن أصابه خير اطمأن بذلك الخير، لا بإيمانه، وإن أصابته فتنة من حصول مكروه، أو زوال محبوب ارتد عن دينه، فما أخسر هذا في الدنيا والآخرة: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (١١)﴾ [الحج: ١١]. وللإيمان وزنه وقيمته على كل حال، مع تفاضل أهله في الدرجات، وفق تفاضلهم في النهوض بتكاليف الإيمان كالعبادات، والجهاد بالأنفس والأموال كما قال سبحانه: ﴿فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (٩٥) دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٩٦)﴾ [النساء: ٩٥، ٩٦]. وقال النبي ﷺ : «إِنَّ فِي الْجَنَّةِ مِائَةَ دَرَجَةٍ، أعَدَّهَا اللهُ لِلْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِ اللهِ، مَا بَيْنَ الدَّرَجَتَيْنِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأرْض، فَإِذَا سَألْتُمُ اللهَ فَاسْألُوهُ الْفِرْدَوْسَ، فَإِنَّهُ أوْسَطُ الْجَنَّةِ، وَأعْلَى الْجَنَّةِ -اُرَاهُ- فَوْقَهُ عَرْشُ الرَّحْمَنِ، وَمِنْهُ تَفَجَّرُ أنْهَارُ الْجَنَّةِ» أخرجه البخاري (١). وشهادة أن (لا إله إلا الله) ليس لها مدلول إلا أن تكون العبودية في هذا الكون لله وحده، وأن يكون الحكم في حياة البشر لله وحده، كما أن له الحكم وحده في نظام الكون سواء. فهو سبحانه المتحكم في الكون والعباد بقضائه وقدره. وهو سبحانه المتحكم في حياة العباد بمنهجه وشرعه. فلا يحق لأحد أن يعبد إلا الله وحده، ولا يتلقى الشرائع والأحكام إلا من الله وحده.

стр. 719

والإيمان بالله وإخلاص الدين له، وتحقيق عبودية البشر لله سبحانه إن هي إلا فرع من إسلام الوجود كله لله، وعبودية الوجود كله لربه. إن الإنسان إذا نظر في هذا الكون العظيم الهائل .. لا بدَّ أن يهتز من أعماقه بالشعور القاهر بوجود الخالق البارئ المصور .. العزيز القادر الذي خلق هذا الكون .. ويدبر أمره .. ويصرف أحواله ومخلوقاته .. وله الخلق والأمر في ملكه. فمتى يقبل هذا القلب على ربه ويؤمن به؟. ومتى يتحرك إلى الاستجابة لداعيه؟. ومتى يستسلم لربه، كما استسلم هذا الوجود كله بالطاعة لخالقه؟. ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (٨٣)﴾ [آل عمران: ٨٣]. وبذلك يستشعر القلب حقيقة العبودية، ويذوق طعمها، ويتلذذ بها، في استسلام الواثق المطمئن، الذي يستشعر أن كل ما حوله من الكائنات والبشر يشاركه ويتجاوب معه في طاعة الرب وعبادته. إن الذي يحرك العبد لعبادة ربه وتوحيده ليس فقط البرهان العقلي الذي يدل على استسلام الكائنات لربها في طواعية ويسر، بل هناك مذاق آخر. مذاق المشاركة مع كافة المخلوقات في السماء والأرض في الطاعة. ومذاق الطمأنينة للقلب هذا الرب العظيم الكريم. ومذاق الانسياق مع موكب الإيمان الشامل بالمحبة والشوق. إنه مذاق العبودية الراضية .. التي لا يسوقها القسر .. ولا يحركها القهر. إنما تحركها قبل الأمر والتكليف عاطفة الود والطمأنينة، والانسجام مع الكون كله في طاعة الرب، فلا تفكر في التهرب من الأمر، لأنها إنما تلبي حاجتها الفطرية في الاستسلام للرب الكريم، الذي بيده كل شيء، وتقف بين يديه، ولا تتجه لأحد سواه.

стр. 720

هذا الاستسلام الشامل لرب العالمين هو الذي يمثل معنى الإيمان، ويعطيه طعمه وحلاوته. وهذه العبودية هي التي تحقق معنى الإسلام. وهذا ما يجب أن يستقر في القلب قبل التكليف والأمر .. وقبل الشعائر والشرائع .. إنه معرفة المعبود بأسمائه وصفاته وأفعاله .. والانسجام مع الكائنات في التلذذ بعبادته وطاعته .. فكلها ساجدة لربها .. خاضعة لعظمته .. مستكينة لعزته .. مطيعة لأمره .. لأنه الرب المعبود .. والملك المحمود. فمن عدل عن عبادته إلى عبادة ما سواه، فقد أهان نفسه، وضل ضلالاً بعيداً، وخسر خسراناً مبيناً: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ (١٨)﴾ [الحج: ١٨]. إن خالق هذا الكون العظيم المشهود في ضخامته وفخامته، والذي استعلى على هذا الكون يدبره بأمره، ويصرفه بقدره، يقلب الليل والنهار، والذي جعل الشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره، هو ربكم الذي أنزل لكم منهجه، وشرع لكم بإذنه، ويقضي بينكم بحكمه، وأنزل إليكم أحسن كتبه، وأرسل إليكم أفضل رسله، وله الخلق والأمر: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٥٤)﴾ [الأعراف: ٥٤]. والله ﵎ كما أنه لا خالق معه فكذلك لا آمر معه. إن المخلوقات والكائنات كلها في العالم العلوي والعالم السفلي: من سماء وأرض .. وملائكة وأرواح .. وشمس وقمر .. وليل ونهار .. وجماد ونبات .. وطير وحيوان .. وماء وتراب .. وجبال وبحار .. ورياح وذرات. كل هذه المخلوقات تعاطف البشر وتشاركهم حركة الحياة.

стр. 721

إنها تتلقى أمر الله، وتنفذه وتخضع له وتسير وفقه. إنها مسخرة تتلقى وتستجيب، وتمضي حيث أمرت كما يمضي الأحياء في طاعة الله. ومن هنا يهتز القلب البشري وينساق للاستجابة والطاعة في موكب الأحياء المستجيبة المطيعة، فلها أوامر، وله أوامر. فإذا رأى الناس هذه المخلوقات العظيمة، والمشاهد الحية في الكون، وتجلى لهم خضوع هذه الخلائق الهائلة، وعبوديتها لخالقها، وطاعتها لأمره، توجهوا إلى ربهم الذي لا رب غيره، ودعوه في إنابة وخضوع: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ (٤١) وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (٤٢)﴾ [النور: ٤١، ٤٢]. فمن رزقه الله هذا النظر وهذا الفكر وهذا التأمل زاد إيمانه، وصلح يقينه، وحسنت أعماله، وأقبل على الطاعات، ونفر من المعاصي، وخلصت حياته لربه، واشتغل بعبادة مولاه، وحقق مراد الله منه بالطاعة والعبادة كما قال سبحانه: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣)﴾ [الأنعام: ١٦٢، ١٦٣]. والإيمان بالله وتقواه متصل بواقع الحياة، وما بعد الحياة، مؤهل لفيض بركات السماء والأرض كما قال سبحانه: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٩٦) أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ (٩٧)﴾ [الأعراف: ٩٦،٩٧]. والإيمان بالله دليل على حيوية في الفطرة، وسلامة في أجهزة الاستقبال، وصدق في الإدراك الإنساني. والإيمان بالله قوة دافعة دافقة، تجمع جوانب الكائن البشري كله، وتتجه به إلى وجهة واحدة، تستمد من قوة الله، وتعمل لتحقيق مشيئة الله في خلافة الأرض وعمارتها، ودفع الفساد والفتنة عنها.

стр. 722

والإيمان بالله تحرر من العبودية للهوى .. ومن العبودية للعبيد .. ومن تحرر من ذلك فهو أقدر على الخلافة في الأرض خلافة راشدة، من العبيد للهوى، ولبعضهم بعضاً. وتقوى الله يقظة واعية، تصون من الاندفاع والتهور والغرور، وتوجه الجهد البشري وتضبطه، فلا يعتدي ولا يتهور، ولا يتجاوز الحدود. والله يريد من البشر أن تسير حياتهم هكذا، إيان وتقوى، متحررة من الهوى والطغيان البشري، خاشعة لله، تسير سيرة صالحة منتجة، تستحق مدد الله بعد رضاه، فلا جرم تحفها البركة، ويعمها الخير، وتنعم يالأمن. والبركات التي يعد الله بها الذين يؤمنون ويتقون ألوان شتى: فهي بركات بكل أنواعها وألوانها وأشكالها .. مما يخطر ببال الخلق .. وما لا يخطر ببالهم .. بركات في الدنيا، وبركات في الآخرة .. بركات في الأقوال والأعمال .. وبركات في الأنفس والأموال .. وبركات في الأوقات والأخلاق. والذين يتصورون الإيمان بالله وتقواه مسألة تعبدية بحتة، لا صلة لها بواقع الناس في الأرض، هؤلاء لا يعرفون الإيمان، ولا يعرفون الحياة، ولا يستفيدون من الإيمان. وما أجدرهم أن ينظروا هذه الصلة قائمة يشهد بها الله سبحانه، وكفى بالله شهيداً: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٦٥) وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ (٦٦)﴾ [المائدة: ٦٥، ٦٦]. والنفس البشرية حين تستقر فيها حقيقة الإيمان، تستعلى على قوة الأرض، وتستهين بيأس الطغاة، وتنتصر فيها العقيدة على حب الحياة. والإيمان الذي لا يفزع ولا يتزعزع هو الإيمان الذي باشر القلب، الذي يطمئن إلى النهاية فيرضاها، ويستيقن من الرجعة إلى ربه، فيطمئن إلى جواره كما قال

стр. 723

السحرة لفرعون: ﴿قَالُوا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ (١٢٥) وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ (١٢٦)﴾ [الأعراف: ١٢٥، ١٢٦]. إن المؤمن الذي يعرف إلى من يتجه؟ .. وإلى أين هو صائر؟ .. لا يطلب من خصمه السلامة والعافية .. إنما يطلب من ربه الصبر على الفتنة .. والوفاة على الإسلام: ﴿رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ (١٢٦)﴾ [الأعراف: ١٢٦]. ويقف الكفر والطغيان عاجزاً أمام قوة الإيمان .. وثقف عاجزاً أمام القلوب التي خيل اليه أنه يملك الولاية عليها كما يملك الولاية على الرقاب .. ويملك التصرف فيها كما يملك التصرف في الأجسام .. فإذا هي مستعصية عليه، لأنها من أمر الله، لا يملك أمرها إلا الله. وماذا يملك الطغاة إذا رغبت القلوب المؤمنة في جوار الله؟. وماذا يملك الجبروت إذا اعتصمت القلوب بالله؟. وماذا يملك السلطان إذا رغبت القلوب عن السلطان؟. إنه لا يمكن أن يمضي المؤمنون في طريق الدعوة، ولا يمن أن يصبروا على ما ينتظرهم من التعذيب والتنكيل إلا بوجود اليقين بشقيه: أنهم المؤمنون .. وأن أعداءهم الكافرون. وبهذا اليقين وبهذا التميز تأتي البركات والعواقب الحميدة للمؤمنين. والإيمان هو نفي كل شيء عن غير الله .. وإثبات كل شيء لله .. فهو الذي بيده كل شيء .. وغيره ليس بيده شيء. ولا يمكن أن يجتمع في قلب واحد، الإيمان بالله وتوحيده، والتوكل على غيره. والتوكل على الله وحده لا يمنع من اتخاذ الأسباب، فالمؤمن يتخذ الأٍباب من باب الإيمان باله وطاعته فيما يأمر به من اتخاذها، ولكنه لا يجعل الأسباب هي التي تنشئ النتائج، فيتكل عليها. فالذي خلق الأسباب، وأنشأ النتائج هو الله وحده، ولا علاقة بين السبب والنتيجة ي شعور المؤمن، فالكل بيد الله.

стр. 724

والله فعّال لما يشاء. يفعل بالأسباب .. وبضد الأسباب .. وبدون الأسباب .. كما جعل الوطء سبباً للإنجاب، وجعل النار برداً وسلاماً على إبراهيم، وكما يقول للشيء كن فيكون، فالله لا يعجزه شيء. وبذلك يتخلص شعور المؤمن من التعبد للأسباب، والتعلق بها. وفي الوقت ذاته هو يستوفيها بقدر طاقته، لينال ثواب طاعة الله في استيفائها. ومتى تخلص القلب من ضغط الأسباب الظاهرة، لم يعد فيه حمل للتوكل على غير الله ابتداء، وقدر الله هو الذي يحدث ما يحدث، والأسباب مخلوقة مأمورة، فالتوكل ينبغي أن يكون على من بيده أزمة الأمور: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٣)﴾ [التغابن: ١٣]. والإيمان له أثران: فله صورة حركية ظاهرة على البدن .. كما أن له مشاعر قلبية باطنة. فحين يذكر قلب المؤمن بالله وأسمائه وصفاته، وأفعاله وأوامره، ويعرف وعده ووعيده، وعظمته وخزائنه، يغشاه جلاله، وتنتفض فيه مخافته، ويشعر بعظمة ربه ومهابته، ويرى نعمه وآلاءه، ويرى تقصيره في طاعته. فينبعث إلى العمل والطاعة بانشراح وسرور، ومخافة وخشوع، وحياء وانكسار. أما الصورة الحركية الظاهرة فتتمثل فيما بينه وبين ربه بالعبادات من صلاة وزكاة، وصيام وحج، وأمر بالمعروف، ونهي عن المنكر، وجهاد ودعوة إلى الله. وقلب المؤمن يجد في آيات القرآن ما يزيده إيماناً، ولا يحول بين الإنسان والقرآن شيء إلا الكفر. فإذا رفع هذا الحجاب بالإيمان وجد القلب حلاوة هذا القرآن حين يعيشه واقعاً، لا مجرد تذوق وإدراك كما قال سبحانه: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ

стр. 725

اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢)﴾ [الأنفال: ٢]. فهذا أثر الإيمان على القلوب، فبتدبر القرآن يزيد الإيمان، لأن التدبر من أعمال القلوب، وبه يعلم الإنسان ما جهل، ويذكر ما نسي، ويحدث في القلب رغبة في الخير، وشوقاً إلى كرامة الرب، ووجلاً من العقوبات، وزجراً عن المعاصي، وكل هذا مما يزداد به الإيمان، ويحصل به التوكل على الله وحده في جميع الأمور. ثم يتزين البدن بالأعمال الظاهرة وأعلاها أداء حقوق الله بالعبادة وأعظمها الصلاة، وأداء حقوق العباد وأعلاها الزكاة كما قال سبحانه: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣)﴾ [الأنفال: ٣]. فهذا أثر الإيمان على البدن عبودية تامة، وطاعة تامة. فهؤلاء هم المؤمنون حقاً .. لأنهم جمعوا بين الإسلام والإيمان .. وبين الأعمال الباطنة والظاهرة .. وبين العلم والعمل .. وبين أداء حقوق الله وحقوق عباده: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٤]. فهذا ثواب المؤمنين حقاً: درجات عالية عند ربهم .. بحسب علو أعمالهم .. ومغفرة لذنوبهم .. ورزق كريم .. وهو ما أعد الله لهم في دار كرامته .. مما لا عين رأت .. ولا أذن سمعت .. ولا خطر على قلب بشر. والمسلم وإن لم يصل إلى درجة هؤلاء في الإيمان يدخل الجنة، ولكن لا ينال ما نالوا من كرامة الله التامة: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ (٢٦)﴾ [المطففين: ٢٦]. إن الإيمان ليس كلمة يقولها اللسان .. ومن ورائها واقع يشهد شهادة عملية ظاهرة بعكس ما يقوله اللسان، فليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي .. ولكنه ما وقر في القلب .. وصدقه العمل.

стр. 726

فمتى يترفع المسلم عن هذا الخلط والتناقض والعبث: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٢) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (٣)﴾ [الصف: ٢، ٣]. إن العبودية لله هي حقيقة الإيمان، وهي في الوقت ذاته أعلى مقام يبلغه الإنسان بتوفيق الله له، وإنه لمقام كريم يرتفع إليه الإنسان في هذه الحياة وبعد الممات. إن العبودية لله وحده هي العاصم من العبودية للهوى، والعاصم من العبودية للعباد. وما يرتفع الإنسان إلى أعلى مقام مقدر له إلا حين يعتصم من العبودية لهواه كما يعتصم من العبودية لسواه. إن الذين يستنكفون أن يكونوا عبيداً لله وحده يقعون من فورهم ضحايا لأحط العبوديات الأخرى. يقعون فوراً عبيداً لهواهم وشهواتهم، فيفقدون من فورهم إرادتهم الضابطة التي خص الله بها نوع الإنسان من بين سائر الأنواع. وينحدرون في سلم الدواب، وإذا هم كالأنعام بل هم أضل، وإذا هم أسفل سافلين، بعد أن كانوا بشراً مكرمين. وكذلك يقعون في شر العبوديات الأخرى وأحطها، يقعون في عبودية العبيد من أمثالهم، يصرفون حياتهم وفق هواهم. ومن أضل ممن عرض عليه الهدى الموصل إلى الله وإلى دار كرامته فلم يلتفت إليه، ودعاه هداه إلى الطرق الموصلة للهلاك والشقاء فاتبعه وترك الهدى؟. ومن أظلم ممن جاءهم الهدى فرفضوه، وعرض لهم الهوى فاتبعوه، وسدوا على أنفسهم أبواب الهداية، وفتحوا عليهم أبواب الغواية؟. ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥٠)﴾ [القصص: ٥٠]. إن الإيمان الحقيقي المتمثل في العمل الصالح هو الذي يعصم النفس البشرية

стр. 727

من اليأس الكافر في الشدة كما يعصمها من البطر الفاجر في الرخاء. وهو الذي يقيم القلب البشري على سواء في البأساء والنعماء، ويربطه بالله في حاليه. فلا يتعالى ويتنفج عندما تغمره النعماء .. ولا يتهاوى ويتهافت تحت مطارق البأساء .. بل يشكر عند السراء .. ويصبر عند الضراء .. وفي كل خير. قال النبي ﷺ : «عَجَباً لأمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لأحَدٍ إِلا لِلْمُؤْمِنِ إِنْ أصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ، فَكَانَ خَيْراً لَهُ وَإِنْ أصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ، فَكَانَ خَيْراً لَهُ» أخرجه مسلم (١). إن الإيمان الحقيقي يجعل الفرد أمة يقف لأعتى أمة. فهذا هود ﷺ بعد أن نصح لقوم عاد، ودعاهم إلى الله فلم يؤمنوا، وقف في وجوههم في حسم كامل، وفي تحدّ بين، وفي استعلاء بالحق الذي معه، وثقة بربه الذي آمن به، فقال بعد إصرار قومه على الكفر: ﴿قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٥٤) مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ (٥٥) إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٦)﴾ [هود: ٥٤ - ٥٦]. فنواصي جميع الخلق بيده، فلا تتحرك دابة ولا تسكن إلا بإذنه، فلو اجتمعتم كلكم على الإيقاع بي، والله لم يسلطكم علي لم تقدروا، فإن سلطكم فلحكمة أرادها. إن أصحاب الدعوة إلى الله، وأهل الإيمان في كل زمان ومكان، في حاجة أن يقفوا طويلاً أمام هذا المشهد الباهر العزيز، رجل واحد لم يؤمن معه إلا القليل، يواجه أعتى أهل الأرض، وأغنى أهل الأرض، وأكثر أهل الأرض حضارة، وأشدهم قوة: ﴿فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ

стр. 728

يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (١٥)﴾ [فصلت: ١٥]. فهؤلاء العتاة الجبارون تودد إليهم هود ﷺ وقال لهم: ﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٢٥) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٢٦) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٢٧)﴾ [الشعراء: ١٢٥ - ١٢٧]. فلما تبين له عنادهم وإصرارهم على الكفر، ومحادة الله ورسوله، والاستهتار بالوعيد، والجرأة على الله، وقف لهم هذه الوقفة الباهرة، لأنه مؤمن يعلم أن ربه معه، وهو الذي أرسله. ويعلم أن أولئك الجبارين إنما هم من الدواب التي ما من دابة إلا وربه آخذ بناصيتها، فأنى تضره؟. وماذا تملك هذه الدواب أمام قوة العزيز الجبار؟. إن الله أهلكهم بما يحتاجون إليه، ولا يستغنون عنه لحظة، إنه الهواء الذي أرسله عليهم، فعاقبهم الله بريح شديدة، عقوبة تناسب قوتهم التي اغتروا بها. ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ (١٦)﴾ [فصلت: ١٦]. فدمرتهم وأهلكتهم فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم. إن المؤمنين حقاً هم الذين يجدون حقيقة ربهم في نفوسهم، ويشعرون أنه معه، وأنهم يرونه وهو يراهم. وبهذا الإحساس والشعور يملكون أن يقفوا بإيمانهم في استعلاء أمام قوى الجاهلية الطاغية من حولهم، أمام القوى المادية كلها: قوة المال .. وقوة الصناعة .. وقوة العلم البشري .. وقوة الأنظمة والأجهزة .. وقوة الخبرات والمخابرات. يقفون أمام هذه القوى، ويرونها حقيرة ضعيفة هزيلة، وهم مستيقنون أن ربهم آخذ بناصية كل دابة، وأن الناس كل الناس وما صنعوا إن هم إلا دابة من الدواب المملوكة لله، بل كل ما في السموات والأرض عبيد لله لا يملكون

стр. 729

لأنفسهم ولا لغيرهم نفعاً ولا ضراً، وهم جميعاً في قبضته: ﴿إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٦)﴾ [هود: ٥٦]. إن العهد الأكبر الذي تقوم عليه العهود كلها هو عهد الإيمان. والميثاق الأكبر الذي تجتمع عليه المواثيق كلها هو ميثاق الوفاء بمقتضيات هذا الإيمان كما قال سبحانه: ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (١٩) الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ (٢٠) وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ (٢١) وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ (٢٢)﴾ [الرعد: ١٩ - ٢٢]. أما جزاء الوفاء بالعهد والميثاق فهو: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (٢٣) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ (٢٤)﴾ [الرعد: ٢٣ - ٢٤]. وعهد الإيمان قسمان: قديم .. وجديد. قديم مع الفطرة البشرية، فكل مولود يولد على الفطرة التي فطر الله الناس عليها، وهو الميثاق المأخوذ على الذرية في ظهور بني آدم كما قال سبحانه: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (١٧٢)﴾ [الأعراف: ١٧٢]. ثم هو جديد مع الرسل الذين بعثهم الله لا لينشئوا عهد الإيمان، ولكن ليجددوه ويذكروا به، ويفصلوه ويبينوا مقتضياته، من الدنيوية لله وحده، والإعراض عما سواه، مع العمل الصالح، والسلوك الحسن، والتوجه بكل ذلك إلى الله وحده كما قال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦]. والإيمان هو النور الذي تخرج به البشرية من الظلمات إلى النور بإذن ربهم على

стр. 730

أيدي الأنبياء والرسل كما قال سبحانه: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (١)﴾ [إبراهيم: ١]. إن الجاهلية كلها ظلمات .. ظلمات الوهم والخرافة .. ظلمات الإوضاع والعادات .. ظلمات الحيرة في تيه الأرباب المتفرقة .. ظلمات الأخلاق السيئة .. ظلمات القهر والظلم .. ظلمات الرعب والخوف. ولا بدَّ من إخراج البشرية من هذه الظلمات، إلى نور الإيمان الذي يكشف هذه الظلمات. يكشفها في عالم النفس .. وفي عالم القلب .. وفي عالم الفكر .. ثم يكشفها في واقع الحياة، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو فضل على العالمين: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٦)﴾ [المائدة: ١٥، ١٦]. إن الإيمان بالله نور يشرق في القلب، وتشرق به أعضاء الإنسان كلها، وتشرق به النفس، ثترى الطريق واضحة إلى الله، لا يشوبها غبش الشهوات والأوهام، ولا ضباب الخرافات والأطماع. ومتى رأت الطريق واضحاً سارت على هدى لا تتعثر ولا تضطرب، ولا تتردد ولا تحتار. والإيمان بالله نور تشرق به الحياة، فإذا الناس كلهم إخوة متساوون، تربط بينهم آصرة واحدة، يدينون كلهم لله دون سواه، وهم مع الكون ومن فيه في أمن وسلام، وعدل وإحسان، وراحة واطمئنان، فالله الذي خلق الكون، وهو الذي يدبره بأمره، ودينه الذي يحكم الوجود، وشريعته التي تحكم الحياة، فالنور المشرق في ذات النفس هو النور المشرق في ذات الكون. والنفس التي تعيش في هذا النور لا تخطئ الإدراك ولا تخطئ التصور ولا تخطئ السلوك، فهي على صراط مستقيم فأنى تضل؟.

стр. 731

﴿وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٠١)﴾ [آل عمران: ١٠١]. أما الذين نقضوا عند الله من بعد ما أكده على أيدي رسله، فلم يقابلوه بالانقياد والتسليم، بل قابلوه بالإعراض والنقض، وقطعوا ما أمر الله به أن يوصل. فلم يصلوا ما بينهم وبين ربهم بالإيمان والعمل الصالح، ولا وصلوا الأرحام، ولا أدوا الحقوق، بل أفسدوا في الأرض بالكفر والمعاصي والصد عن سبيل الله. فأي جرم فوق هذا؟، وأي ضلال بعد هذا؟. وماذا ينتظر هؤلاء من اللعنة والعقوبة؟. ﴿وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (٢٥)﴾ [الرعد: ٢٥]. إن استحباب الحياة الدنيا على الآخرة يصطدم بتكاليف الإيمان، ويتعارض مع الاستقامة على الصراط، وليس الأمر كذلك حين تستحب الآخرة. لأنه عندئذ تصلح الدنيا، ويصبح المتاع بها معتدلاً، ويراعى فيه وجه الله. والإيمان بالله يقتضي حسن الخلافة في الأرض، باستعمارها والاستفادة من خيراتها، فلا تعطيل للحياة في الإسلام انتظاراً للآخرة. ولكن تعمير الحياة بالحق والعدل والاستقامة ابتغاء رضوان الله والاستعانة بها على أداء أعمال الآخرة هذا هو الإسلام. أما الذين يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة فلا يصلون إلى غاياتهم في ظل نور الإيمان بالله، ومن ثم يستأثرون بثروات الأرض، ويكسبون الحرام والخبيث، ويستغلون الناس ويغشونهم ويستعبدونهم. ولا يمكنهم الحصول على هذا في ظل نور الإيمان، وفي ظل الاستقامة على هداه، ومن ثم يصدون عن سبيل الله، ويبغونها عوجاً، لا استقامة فيها ولا عدالة. وحين يفلح هؤلاء في صد أنفسهم وصد غيرهم عن سبيل الله فعندئذ فقط

стр. 732

يملكون أن يظلموا وأن يطغوا وأن يغشوا وأن يخدعوا، وأن يغروا الناس بالفساد، فيتم لهم بذلك الحصول على ما يبغونه من النهب والفساد والكسب الحرام، والمتاع المرذول، والكبرياء في الأرض، وتعبيد الناس لغير الله. وكم لله من حكمة في ابتلاء هؤلاء بهؤلاء؟ .. وتسليط هؤلاء على هؤلاء؟. وقد توعد الله هؤلاء الكفار بقوله سبحانه: ﴿اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَوَيْلٌ لِلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ (٢) الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ (٣)﴾ [إبراهيم: ٢، ٣]. وقد وعد الله المؤمنين بالفلاح في الدنيا والآخرة، وعد الله لا يخلف الله وعده. فمن هم المؤمنون الذين كتب الله لهم هذه الوثيقة، ووعدهم هذا الوعد؟. ومن هم المؤمنون الذين كتب الله لهم الخير والنصر، والسعادة والتوفيق، والمتاع الطيب في الأرض؟. ومن هم المؤمنون المكتوب لهم الفوز والنجاة، والثواب والرضوان في الآخرة؟. ومن هم المؤمنون الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون؟. ما وصفهم؟، وما هي صفاتهم؟، وبماذا وعدهم الله؟. إنهم الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (٣) وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ (٤) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (٧) وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (٨) وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (٩) أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (١٠) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (١١)﴾ [المؤمنون: ١ - ١١]. أول صفة لهؤلاء المؤمنين أنهم في صلاتهم خاشعون، تستشعر قلوبهم رهبة الموقف بين يدي الله في الصلاة فتسكن وتخشع، ويسري الخشوع منها إلى

стр. 733

الجوارح، ويغشى أرواحهم جلال الله، فتختفي من أذهانهم جميع الشواغل، ولا تشتغل بسواه، فهم مشغولون بنجواه. ويتوارى عن حسهم عند مناجاة ربهم كل ما حولهم وكل ما بهم، فلا يشهدون إلا الله، ولا يحسون إلا إياه. ويتطهر وجدانهم من كل دنس، وينفضون عنهم كل شائبة. فتتصل هذه الروح بخالقها، وتجد الروح الحائرة طريقها، ويعرف القلب الموحش مثواه فيسكن إلى ربه ويطمئن إليه، ويتلذذ بمناجاته. والصفة الثانية: الإعراض عن اللغو كما قال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (٣)﴾ [المؤمنون: ٣]. فهم معرضون عن كل لغو، لغو القول، ولغو الفعل، ولغو الاهتمام والشعور. إن قلب المؤمن له ما يشغله عن اللغو واللهو والهذر واللعب. وله ما يشغله من ذكر الله وتصور جلاله، وتدبر آياته في الأنفس والآفاق. وله ما يشغله في تكاليف العقيدة من تطهير القلب وتزكية النفس، وتكاليفها في السلوك والثبات على الإيمان، وتكاليفها في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والدعوة إلى الله. وتكاليفها في الجهاد لحمايتها ونصرتها، وحمايتها من كيد الأعداء. وهي تكاليف لا تنتهي، ولا يغفل عنها المؤمن، ولا يعفي نفسه منها، وهي مفروضة عليه، وأمانة في عنقه. والصفة الثالثة: أداء الزكاة كما قال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ (٤)﴾ [المؤمنون: ٤]. والزكاة فيها طهارة القلب والمال، طهارة القلب من الشح، والاستعلاء على حب الذات، والانتصار على وسوسة الشيطان بالفقر، وثقة بما عند الله من العوض والجزاء. وهي طهارة للمال تطهره من الأوساخ، وتجعل ما بقي منه بعدها طيباً حلالاً.

стр. 734

وهي صيانة للأمة من الخلل الذي ينشئه العوز في جانب .. والترف في جانب آخر. والصفة الرابعة: حفظ الفروج كما قال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦)﴾ [المؤمنون: ٥، ٦]. وفي هذه طهارة الروح والبيت والجماعة، ووقاية النفس والأسرة والمجتمع بحفظ الفروج من دنس المباشرة المحرمة، وحفظ القلوب من التطلع إلى غير الحلال، وحفظ الجماعة من انطلاق الشهوات فيها بغير حساب. والجماعة التي تنطلق فيها الشهوات بغير حساب جماعة معرضة للخلل والفساد، وهي جماعة قذرة هابطة في سلم البشرية. والله ينظم الدوافع الفطرية عند الإنسان في صورة مثمرة نظيفة، لا يخجل معها الأطفال من الطريقة التي جاءوا بها إلى هذا العالم، لأنها معروفة، يعرف فيها كل طفل أباه، لا كالحيوان الذي تلقى الأنثى فيه الذكر للقاح، وبدافع اللقاح، ثم لا يعرف الفصيل كيف جاء ولا من أين جاء؟. والقرآن هنا يحدد المواضع النظيفة التي يحل للرجل أن يودعها بذور الحياة، وهي الزوجات، وملك اليمين. فمن تجاوزها إلى غيرها فقد عدا الدائرة المباحة ووقع في المحرمات، واعتدى على الأعراض التي لم يستحلها بنكاح ولا بجهاد. وهنا تفسد النفس البشرية لشعورها بأنها ترعى في كلأ غير مباح. ويفسد البيت لأنه لا ضمان له ولا اطمئنان. وتفسد الجماعة لأن ذئابها تنطلق فتنهش من هنا وهناك. فأي فساد وخراب للبلاد والعباد فوق هذا؟. الصفة الخامسة: حفظ الأمانات والعهود كما قال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (٨)﴾ [المؤمنون: ٨].

стр. 735

فهم يرعون الأمانة الكبرى، فلا يدعون فطرتهم تنحرف عن استقامتها. فتظل قائمة بأماناتها شاهدة بوجود الخالق ووحدانيته، ثم تأتي سائر الأمانات في عنق الفرد، في عنق الجماعة، في عنق الأمة. والعهد الأول هو عهد الفطرة الذي قطعه الله على فطرة البشر بالإيمان به وتوحيده، وعلى هذا العهد الأول تقوم جميع العهود والمواثيق. فكل عهد يقطعه المؤمن يجعل الله شهيداً عليه فيه، ويرجع في الوفاء به إلى تقوى الله وخشيته. والأمة المسلمة مسئولة عن أماناتها العامة، ومسئولة عن عهدها مع الله تعالى، وما يترتب على هذا العهد من تبعات. وما تستقيم حياة الأمة إلا أن تُؤدَى فيها الأمانات، وتُرعى فيها العهود. الصفة السادسة: المحافظة على الصلاة كما قال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (٩)﴾ [المؤمنون: ٩]. فهم على صلاتهم يحافظون، فلا يفوتونها كسلاً ولا يضيعونها إهمالاً، ولا يقصرون في إقامتها، إنما يؤدونها في أوقاتها كاملة الفرائض والسنن، مستوفية الأركان والآداب، حية يستغرق فيها القلب، وتستقيم الجوارح. وقد بدأت صفات المؤمنين بالصلاة وختمت بها، للدلالة على عظيم مكانتها في بناء الإيمان، بوضعها أكمل صورة من صور العبادة والتوجه إلى الله. فهذه صفات المؤمنين المكتوب لهم الفلاح، وهذا نوع الحياة التي يعيشونها .. تلك الحياة الفاضلة اللائقة بالإنسان الذي كرمه الله .. وأراد له التدرج في مدارج الكمال. ولما كانت الحياة في هذه الأرض لا تحقق الكمال المقدر للبشر، فقد شاء الله أن يصل المؤمنون الذين ساروا في الطريق إلى الغاية المقدرة لهم في الآخرة، هنالك في الفردوس، دار الخلود بلا فناء، والأمن بلا خوف، والاستقرار بلا زوال، والنعيم بلا شقاء: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (١٠) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ

стр. 736

فِيهَا خَالِدُونَ (١١)﴾ [المؤمنون: ١٠، ١١]. والإيمان يزيد وينقص، وكلما زاد الإيمان في القلب، ازدادت الطاعات، وزاد الخوف والخشية في قلوب المؤمنين كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (٥٧) وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (٥٨) وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ (٥٩) وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (٦٠) أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ (٦١)﴾ [المؤمنون: ٥٧ - ٦١]. فهؤلاء المؤمنون مشفقون من ربهم، وهم يؤمنون بآياته، ولا يشركون به، وهم ينهضون بتكاليف الدين وواجباته، وهم يأتون من الطاعات ما استطاعوا، ولكنهم بعد هذا كله قلوبهم وجلة لإحساسهم بالتقصير في حق الله بعد أن بذلوا ما في طوقهم وهو في نظرهم قليل؛ لأن ما يجب لله أعظم. إن قلب المؤمن يشعر بفضل الله عليه ومنته في كل آن .. ويحس آلاءه في كل نفس .. وفي كل حركة .. ومن ثم يستصغر كل عباداته .. ويستقل كل طاعاته .. إلى جانب آلاء الله ونعمائه. كذلك هو يستشعر بكل ذرة فيه جلال الله وعظمته، ويرقب بكل مشاعره يد الله في كل شيء من حوله. ومن ثم يشعر بالهيبة، ويشعر بالوجل، ويشعر بالحياء، ويشفق أن يلقى الله وهو مقصر في حقه. لم يوف ربه حقه عبادةً وطاعةً، ولم يقارب أياديه عليه معرفةً وشكراً. وهؤلاء هم الذين يسارعون في الخيرات، وهم الذين يسبقون لها لما عرفوا قدرها وثمنها، ومن ثم ينالونها في الطليعة بهذه اليقظة، وبهذا التطلع، وبهذا العمل، وبهذه الطاعة. وكلما كان القلب ندياً بالإيمان زاد تذوقه لحلاوة الإيمان، وأدرك من معاني القرآن وتوجيهاته ما لا يدركه منه القلب الصلد الجاف. واهتدى بنوره إلى ما لا يهتدي إليه الجاحد الصادف.

стр. 737

وجميع النظم والشرائع، والآداب والسنن التي يتضمنها هذا القرآن إنما تقدم قبل كل شيء على الإيمان. فالذي لا يؤمن بالله، ولا يتلقى القرآن على أنه وحي من الله لا يهتدي بالقرآن كما ينبغي، ولا يسر بما فيه من بشارات. إن في القرآن كنوزاً ضخمة من الهدى والمعرفة، والحركة والتوجيه، والآداب والسنن، والإيمان هو مفتاح هذه الكنوز، ولا يمكن أن تفتح كنوز القرآن إلا بمفتاح الإيمان: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا (٩)﴾ [الإسراء: ٩]. والذين آمنوا حق الإيمان حققوا المعجزات بهذا القرآن. أما حين يكون القرآن كتاباً يترنم المترنمون بآياته، تستلذ بها الآذان، ولا تتعداها إلى القلوب، فحينئذ لا ينتفع به أحد، ويظل كنزاً بلا مفتاح كما قال سبحانه: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (٢٤)﴾ [محمد: ٢٤]. إن الإيمان أعظم نعمة أنعم الله بها على البشرية فمنهم من قبلها، ومنهم من ردها، والإيمان ليس كلمة تقال إنما هو حقيقة ذات تكاليف، وأمانة ذات أعباء، وجهاد يحتاج إلى صبر، وجهد يحتاج إلى احتمال. فلا يكفي أن يقول الناس آمنّا، بل لا بد أن يتعرضوا للفتنة، ليخرجوا منها صافية عناصرهم خالصة قلوبهم، كما تفتن النار الذهب لتفصل بينه وبين العناصر الرخيصة العالقة به. وكذلك تصنع الفتنة بالقلوب، وهذه الفتنة على الإيمان أصل ثابت وسنة جارية لا تتبدل في ميزان الله: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (٣)﴾ [العنكبوت: ٢، ٣]. والله ﵎ يعلم حقيقة القلوب قبل الابتلاء، ولكن الابتلاء يكشف في عالم الواقع ما هو مكشوف لعلم الله، مستور عن علم البشر.

стр. 738

فيحاسب الله الناس على ما يقع من عملهم، لا على مجرد ما يعلمه سبحانه من أمرهم. وهذا فضل من الله في جانب، وعدل من جانب، وتربية للناس من جانب، فلا يأخذون أحداً إلا بما استعلن من أمره، وبما حققه فعله، فليسوا بأعلم من الله بحقيقة ما في قلبه. إن الإيمان بالله أمانة الله في الأرض لا يحملها إلا من هم أهل لها، وفيهم على حملها قدرة، الذين يؤثرونها على كل شيء. وإنها لأمانة الخلافة في الأرض، وقيادة الناس إلى طريق الله، وتحقيق كلمته في عالم الحياة، فهي أمانة كريمة وهي أمانة ثقيلة، وهي من أمر الله، يضطلع بها الناس، ومن ثم تحتاج إلى طراز خاص يصبر على البلاء. وما يستوي عند الله الإيمان والكفر، ولا المؤمنون والكفار، ولا الأبرار والفجار، فلكل فكر، ولكل عمل، ولكل علامة، ولكل جزاء. ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ (١٨) أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُزُلًا بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٩) وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ﴾ [السجدة: ١٨ - ٢٠]. إن بين طبيعة الإيمان وطبيعة كل من النور والبصر والظل والحياة صلة، كما أن بين طبيعة الكفر وطبيعة كل من العمى والظلمة والحرور والموت صلة كما قال سبحانه: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ (١٩) وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ (٢٠) وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ (٢١) وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٢٢)﴾ [فاطر: ١٩ - ٢٢]. إن الإيمان نور في القلب، ونور في الجوارح، ونور في الحواس، نور يكشف حقائق الأشياء والقيم، وينسبها إلى خالقها ومدبرها ومالكها وهو الله، فالمؤمن ينظر بهذا النور. أما الكفر فهو عمى في القلب، يعمي عن رؤية دلائل الحق، وعمى عن رؤية

стр. 739

حقائق الوجود، وحقائق الأشياء والقيم. والإيمان بصر يرى رؤية حقيقية صادقة، ويمضي بصاحبه في الطريق على نور مبين، والكفر ظلمات، وكلما أبعد الناس عن نور الإيمان يقعون في ظلمات من شتى الأنواع، تعز فيها الرؤية لشيء من الحق. والإيمان ظل ظليل، تستروحه النفس، ويرتاح له القلب، ظل من هاجرة الشك والقلق والحيرة في التيه المظلم بلا دليل. والكفر هاجرة حرور تلفح القلب فيه لوافح الحيرة والقلق، وعدم الاستقرار على هدف، وعدم الاطمئنان إلى نشأة أو مصير، ثم تنتهي إلى حر جهنم ولفحة العذاب هناك. والإيمان فيه حياة القلوب والمشاعر، وهو حياة في القصد والاتجاه، وهو حركة بانية مثمرة قاصدة لا خمود فيها ولا همود. والكفر موت في الضمير، وانقطاع عن مصدر الحياة الأصيل، وانفصال عن الطريق الواصل، وعجز عن الانفعال والاستجابة. ولكل طبيعته .. ولكل عمله .. ولكل جزاؤه .. ولن يستوي عند الله هذا وهذا: ﴿لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ (٢٠)﴾ [الحشر: ٢٠]. والإيمان يذكر الإنسان دائماً بالنعم الكبرى التي سخرها الله له في هذا الكون، ويذكره بالمنعم الوهاب، ومن ثم يوجهه إلى الأدب الواجب في شكر هذه النعم، وشكر المنعم، وتذكره بالله كلما عرضت النعمة، لتبقى القلوب موصولة بالله عند كل حركة في الحياة. فسبحان المنعم الذي خلق كل شيء، وتفضل على عباده بكل شيء: ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ (٢٠)﴾ [لقمان: ٢٠]. والمؤمن هو الذي ينسب النعم كلها للمنعم سبحانه، ويعلم أنه ليس بقادر على

стр. 740

مقابلة نعم الله بمثلها، وأنه لا يملك إلا الشكر مقابل النعم. والأدب الواجب في حق المنعم أن المؤمن كلما استمتع بنعمة من نعم الله التي تغمره والتي يتقلب في أعطافها كل حين أن يذكر ربه حامداً له مثنياً عليه، ليبقى القلب موصولاً بربه، ذاكراً عابداً خاشعاً شاكراً في جميع أحواله. وهذا الشعور كفيل باستبقاء القلب البشري في حالة يقظة تامة حساسة لا تغفل عن مراقبة الله، ولا تخمد ولا تتبلد بالركود والغفلة والنسيان، فمع كل نعمة ذكر للمنعم وثناء عليه: ﴿وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ (١٢) لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ (١٣) وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ (١٤)﴾ [الزخرف: ١٢ - ١٤]. وهذا الكون مملوء بالنعم التي لا يحصيه أحد إلا الله، وكلها مسخرة للعباد، فينبغي لهم أن يملأوا جميع أوقاتهم بذكر المنعم، وحمده وشكره على نعمه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٤٢) هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا (٤٣)﴾ [الأحزاب: ٤١ - ٤٣]. والله غفور رحيم، فمن لم تستقر حقيقة الإيمان في قلبه، ولم تشربها روحه، فإن كرم الله اقتضى أن يجزيهم على كل عمل صالح صدر منهم لا يُنقِص منه شيئاً. فهذا الإسلام الظاهر الذي لم يخالط القلب فيستحيل إيماناً حقيقياً. هذا الإيمان يكفي لتحسب لهم أعمالهم الصالحة، فلا تضيع كما تضيع أعمال الكفار التي لم تُبنْ على أساس، ولا ينقص من أجرها شيء ما بقوا على الطاعة والاستسلام كما قال سبحانه: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤)﴾ [الحجرات: ١٤]. ذلك أن الله جواد كريم .. غفور رحيم .. يقبل من العبد أول خطوة .. ويرضى منه
следующие страницы →