عقوبته: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (٤٤) فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٥)﴾ [الأنعام: ٤٤، ٤٥].
لقد عاشت الأمة الإسلامية أزهى عصورها في عهد النبي ﷺ وأصحابه، وعهد خلفائه الراشدين، ولكن سرعان ما تصدع جدار الإيمان والتوحيد من بعدهم، فانقطعوا عن مصدر عزهم، فخضعت رقابهم وديارهم لعدوهم.
فأصبحت الأمة من بعدهم بحاجة ماسة للعودة إلى مصدر عزها، حيث نالتها الضربات والأوجاع من كل ناحية.
وكم كاد الكائدون لهذا الدين، وهذا القرآن بوسائل خفية عنيفة مستمرة طويلة الأمد، وطرق خبيثة ماكرة لئيمة، وحشدت لذلك الطاقات والأفكار، والأموال والحديد والنار؟.
﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (٨)﴾ [الصف: ٨].
اللهم اجعل القرآن العظيم ربيع قلوبنا، ونور صدورنا، وجلاء أحزاننا، وذهاب همومنا وغمومنا.
اللهم علمنا منه ما جهلنا، وذكرنا منه ما نسينا.
وارزقنا حسن تلاوته، وحسن العمل به، وحسن الدعوة إليه.
стр. 842
٤ - فقه الإيمان بالرسل
قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (١٥٢)﴾ [النساء: ١٥٢].
وقال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٧٩)﴾ [آل عمران: ١٧٩].
الإيمان بالرسل:
هو التصديق الجازم بأن الله ، بعث في كل أمة رسولاً، يدعوهم إلى الإيمان بالله، وعبادته وحده، واجتناب ما يعبد من دونه.
وأنهم جميعاً مرسلون صادقون، وقد بلغوا جميع ما أرسلهم الله به.
منهم من أعلمنا الله باسمه، ومنهم من استأثر الله بعلمه.
والرسول هو من أوحى الله إليه بشرع، وأمره بتبليغه إلى من لا يعلمه، أو يعلمه ولكنه خالفه.
والنبي من أوحى الله إليه بشرع سابق، ليعلم من حوله من أصحاب ذلك الشرع ويجدده.
فكل رسول نبي ولا عكس، ويطلق الرسول على النبي، والنبي على الرسول، فإذا اجتمعا في آية فلكل معناه.
وقد بعث الله إلى كل أمة رسولاً كما قال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦].
وعدد الأنبياء والرسل لا يعلمه إلا الله.
منهم من بين الله أسماءهم في القرآن، وقص علينا أخبارهم وهم خمسة وعشرون:
آدم .. ونوح .. وإدريس .. وهود .. وصالح .. وشعيب .. وإبراهيم .. وإسحاق .. وإسماعيل .. ويعقوب .. ويوسف .. وموسى .. وهارون .. وداود .. وسليمان ..
стр. 843
وأيوب .. واليسع .. ويونس .. ولوط .. وإلياس .. وزكريا .. ويحيى .. وذو الكفل .. وعيسى .. ومحمد .. صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.
فنؤمن بهؤلاء جميعاً وبما جاء من أخبارهم وقصصهم.
ومن الأنبياء والرسل من لم نعلم أسماءهم، ولم يقص الله علينا خبرهم، فنؤمن بهم إجمالاً تصديقاً لخبر الله عنهم كما قال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ فَإِذَا جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ قُضِيَ بِالْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ (٧٨)﴾ [غافر: ٧٨].
وأولو العزم من الرسل خمسة ذكرهم الله بقوله سبحانه: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ (١٣)﴾ [الشورى: ١٣].
وأول الرسل من ذرية آدم نوح، وآخرهم محمد ﷺ ، وقد بعث الله كل رسول إلى قومه خاصة، وبعث رسوله محمداً ﷺ إلى الناس كافة، وهو خاتم الأنبياء والمرسلين، أرسله الله رحمة للعالمين كما قال سبحانه: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: ٤٠].
وهو رسول الله بالإٍسلام إلى الناس كافة كما قال سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٢٨)﴾ [سبأ: ٢٨].
وقد أرسل الله الرسل لدعوة الناس إلى عبادة الله وحده، وتحذيرهم من عبادة ما سواه كما قال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦].
وأمرهم الله ببيان الطريق الموصل إليه، وما للناس بعد القدوم عليه وإقامة الحجة على الناس، وأرسلهم رحمة للناس كما قال سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾ [الأنبياء: ١٠٧].
стр. 844
وجميع الأنبياء والرسل رجال من البشر اصطفاهم الله بالرسالة، واجتباهم من بين سائر عباده، وفضلهم بالنبوة والرسالة.
والأنبياء بشر مخلوقون يأكلون ويشربون .. ويقومون وينامون .. ويسهون وينسون .. ويصيبهم المرض والموت.
وهم كغيرهم لا يملكون شيئاً من خصائص الربوبية والألوهية، فلا يملكون النفع والضر لأحد إلا ما شاء الله، ولا يملكون شيئاً من خزائن الله، ولا يعلمون الغيب إلا ما أطلعهم الله عليه كما قال الله لنبيه محمد ﷺ : ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (١٨٨)﴾ [الأعراف: ١٨٨].
والأنبياء والرسل أطهر البشر قلوباً، وأصدقهم إيماناً، وأكملهم ديناً، وأحسنهم أخلاقاً، وأقواهم عبودية، اصطفاهم بالوحي والرسالة، وأمرهم بإبلاغها إلى الناس، ووعدهم على ذلك الجنة، وقد صدقوا وبلغوا عليهم الصلاة والسلام.
فيجب علينا الإيمان بجميع الأنبياء والرسل، ومحبتهم، ومن كفر بواحد منهم فقد كفر بهم جميعاً.
ويجب تصديق ما صح عنهم من أخبارهم مع أممهم، والاقتداء بهم في صدق الإيمان، وكمال التوحيد، وحسن الخلق، والعمل بشريعة من أرسل إلينا منهم، وهو خاتمهم وأفضلهم وسيدهم، المرسل إلى الناس كافة، وإلى العالم قاطبة محمد ﷺ : ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٦)﴾ [البقرة: ١٣٦].
وعلينا محبة جميع أنبياء الله ورسله، والثناء عليهم من غير إطراء، وتوقيرهم، لأنهم رسل الله قاموا بعبادته، وإبلاغ رسالاته، والنصح لعباده وصبروا على ذلك.
ألا ما أعظم رحمة الله بعباده، وشدة عنايته بخلقه، حيث أرسل إليهم الرسل
стр. 845
يدعونهم إلى ربهم، ويبينون لهم كيف يعبدونه.
فلله الحمد والشكر على نعمه التي لا تحصى في الأولين والآخرين.
هو أحق من عُبد، وأحق من حُمد، وأكرم من سُئل، وأرأف من مَلك، وأعظم من عَفا.
ورسل الله إلى خلقه هم أفضل البشر على الإطلاق.
لأنهم يدعون الناس إلى ربهم، ويهدونهم إلى خالقهم، ويتعبون من أجل راحتهم.
فما أسعد من آمن بهم، وتشرف بصحبتهم واتباعهم، وما أحسن صحبتهم في الدنيا والآخرة، وإنما ينال العبد ذلك إذا أطاع الله ورسوله كما قال سبحانه: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (٦٩) ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا (٧٠)﴾ [النساء: ٦٩، ٧٠].
وأصحاب النبي ﷺ وقد ذاقوا طعم صحبته في الدنيا يتشوقون إلى صحبته في الآخرة، فقد كان أمر الصحبة في الآخرة يشغل قلوبهم وأرواحهم.
وإنه حقاً لأمر يشغل كل قلب ذاق محبة هذا الرسول الكريم، وعرف ما قام به، وما جاء به من الخير.
عن رَبِيعَةُ ابْنُ كَعْبٍ الأسْلَمِيُّ، قال: كُنْتُ أبِيتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ، فَأتَيْتُهُ بِوَضُوئِهِ وَحَاجَتِهِ. فَقَالَ لِي: «سَلْ». فَقُلْتُ: أسْألُكَ مُرَافَقَتَكَ فِي الْجَنَّةِ. قال: «أوْ غَيْرَ ذَلِكَ؟». قُلْتُ: هُوَ ذَاكَ. قال: «فَأعِنِّي عَلَى نَفْسِكَ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ» أخرجه مسلم (١).
وقيل للنبي ﷺ : الرجل يحب القوم ولما يلحق بهم؟ قال: «الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أحَبَّ» متفق عليه (٢).
وهذه المحبة للرسل إنما تنشأ من معرفة عظمة ما جاءوا به من الخير .. ومن
стр. 846
حسن أخلاقهم .. ومن معرفة رحمتهم للبشر .. وبذلهم ومواساتهم .. ومن صبرهم وتحملهم من أجل هداية البشرية .. ومن معرفة كمال عبوديتهم لربهم .. وشكرهم لمولاهم.
ووظيفة الرسول أداء الرسالة، لا إحداث الخير، ولا إحداث السوء فهذا من أمر الله.
وأمر الناس مع الرسول أن من أطاعه فقد أطاع الله.
ومن تولى معرضاً مكذباً فأمره إلى الله من ناحية حسابه وجزائه، ولم يرسل الرسول ليجبره على الهدى، ويكرهه على الدين، وليس موكلاً بحفظه من العصيان والضلال، فهذا ليس داخلاً في وظيفة الرسول، ولا داخلاً في قدرة الرسول، وإنما ذلك بيد الله وحده: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٩٩) وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ (١٠٠)﴾ [يونس: ٩٩ - ١٠٠].
فكل ما يحصل في الكون لا يكون إلا بإذن الله وإرادته، وقدره ومشيئته، وكل ما يحصل للناس من الحسنات والسيئات، والنعم والمصائب، فلا يقع إلا بإذن الله وإرادته.
وما يصيبهم من حسنة ونعمة فهو من عند الله، لأنه بسبب منهجه وهدايته، وفضله وإحسانه.
وما يصيبهم من سيئة ومصيبة فهو من عند أنفسهم، لأنه حصل لهم بسبب تنكبهم عن منهج الله، والإعراض عنه: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (٧٩)﴾ [النساء: ٧٩].
والإيمان بالرسول:
طاعته فيما أمر .. وتصديقه فيما أخبر .. واجتناب ما نهى عنه وزجر .. وألا بعبد الله إلا بما شرع.
والرسول ﷺ وظيفته أنه رسول يبلغ ما جاء به من عند الله إلى خلقه، وطاعته
стр. 847
فيما يأمر به طاعةً لله.
وليس هناك طريق لطاعة الله غير طاعة رسوله.
والرسول ﷺ ليس مكلفاً أن يحدث الهدى للمعرضين المتولين، ولا أن يحفظهم من الإعراض والتولي بعد البلاغ والبيان: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ﴾ [الشورى: ٤٨].
والأنبياء والرسل هم مصابيح الدجى، وينابيع الهدى في هذه الأرض، فهدى الله للبشر جاء بواسطتهم، وما أرسل الله الرسل إلا ليطاعوا، وما أنزل الله الكتب إلا ليحكم بها بين الناس بالعدل.
وما قدر الله حق قدره، ولا عرف حكمته ورحمته، وعدله وإحسانه وكرمه وفضله من أنكر بعثة الأنبياء وإرسالهم إلى الناس، فما أسفه هؤلاء وأجهلهم بربهم: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ (٩١)﴾ [الأنعام: ٩١].
وكل هذا جهل بقدر الله سبحانه، فالله العظيم الكريم، العدل الرحيم، العليم الحكيم، لا يدع هذا الإنسان وحده وهو الذي خلقه، ويعلم سره وجهره، وطاقاته وقواه، وحاجته إلى منهج يعتمد عليه، ومبادئ يرجع إليها في أفكاره وأقواله وأفعاله.
ويعلم سبحانه أن العقل الذي أعطاه، لا يستقل بمعرفة ما ينفعه وما يضره، ويتعرض لضغوط كثيرة من رغباته وشهواته، فضلاً على أنه موكل بالاستفادة من طاقات الأرض التي سخرها الله له.
وليس العقل موكلاً بصياغة نظام للحياة، فهذا مجال الدين والشريعة التي تأتي من الله بواسطة رسله فيؤمن بها ويتبع ما جاءت به.
ومن ثم لا يكل الله الإنسان إلى هذا العقل وحده، ولا يكله كذلك إلى ما أودع في فطرته من معرفة ربه، وشوقه إليه، ولجوئه إليه في الشدائد.
стр. 848
فهذه الفطرة قد تفسد بسبب المؤثرات، وبسبب الإغواء والتزيين الذي يقوم به شياطين الإنس والجن، بكل ما يملكون من أجهزة التوجيه والتأثير.
إنما يكل الله الناس إلى وحيه ورسله، وهداه وكتبه، ليرد فطرتهم إلى استقامتها وصفائها، وليرد عقولهم إلى صحتها وسلامتها، وليجلو عنهم غاشية الظلام والتضليل الذي أصابهم.
وهذا هو الذي يليق بكرم الله وفضله، ورحمته وعدله، وحكمته وعلمه.
فما كان الله ليخلق البشرية، ويجمعهم في الأرض، ثم يتركهم سدى، ثم يحاسبهم يوم القيامة، ولم يبعث فيهم رسولاً يبين لهم ما يتقون، وينزل عليهم كتاباً به يهتدون.
بل منَّ الله على البشرية كافة، ببعثة الأنبياء والرسل إليهم كما قال سبحانه: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (١٦٤)﴾ [آل عمران: ١٦٤].
وجميع الرسل عليهم الصلاة والسلام جاءوا بالتوحيد المطلق الخالص الذي لا ظل فيه للشرك في صورة من صوره .. وأمروهم بعبادة الله وحده .. وأخبروا أممهم أنهم بشر لا يملكون لأنفسهم ولا لغيرهم نفعاً ولا ضراً .. ولا يعلمون الغيب إلا ما أطلعهم الله عليه .. ولا يملكون بسط الرزق أو قبضه لأحد .. وأنذروا قومهم الآخرة .. وما فيها من حساب وجزاء، وثواب وعقاب.
فهذه الأصول التي دعا إليها كل رسول من رسل الله إلى عباده.
والإيمان بالرسل ليس فقط اعتقاد بالقلب، بل هو مع ذلك عمل إيجابي في تنفيذ جميع ما جاءوا به، في نصرة هؤلاء الرسل، وشد أزرهم فيما ندبهم الله له، وفيما وقفوا حياتهم كلها لأدائه .. وهو إبلاغ رسالة الله إلى عباده.
فالإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله، ودينه وشرعه مقتضاه أن ينهض المؤمن لينصر ما آمن به، وليقيمه في الأرض، وليحققه في حياة الناس كافة.
стр. 849
وذلك يحتاج إلى دعوة وبذل الأنفس والأموال والأوقات لنشره في العالم، ويحتاج إلى نصرة وجهاد لتحقيقه، ولحمايته من أعدائه بعد تحقيقه.
إن الإيمان بالرسل والإقرار بالرسالة والعمل بموجبها هو الذي يجعل هناك قاعدة لما يريده الله من البشر، كي يتلقى البشر كل ما يتعلق بالعبودية لله من مصدر واحد.
هذا المصدر الأمين الذي اصطفاه الله واجتباه هم فقط الأنبياء والرسل الذين يبلغون رسالات الله إلى عباده.
وذلك حتى لا يقوم كل طاغوت مفترٍ، يقول للناس قولاً، ويشرع للناس شرعاً، ثم يزعم أن الله شرعه وأمر به.
بينما هو يفتريه من عند نفسه، وفي كل جاهلية في الأرض يقوم بين الناس من يشرع الشرائع والنظم، ثم يقول هذا من عند الله: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا مِمَّا يَكْسِبُونَ (٧٩)﴾ [البقرة: ٧٩].
وما يحسم هذه الفوضى، وهذا الاحتيال على الناس باسم الله، إلا أن يكون هناك مصدر واحد مبلغ عن الله هم رسله الذين اختارهم وأرسلهم.
وما أعظم جرم هؤلاء الناس الذين يفترون على الله الكذب، ويضلون الناس بباطلهم: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٤٤)﴾ [الأنعام: ١٤٤].
إن الدين عند الله الإسلام، والشرائع السماوية يكمل بعضها بعضاً، ومقصودها الإيمان بالله، والتسليم له في كل شيء، وعبادته وحده لا شريك له، واجتناب عبادة ما سواه: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٧٩)﴾ [آل عمران: ١٧٩].
والشرائع السماوية السابقة كلها أكملها الله بالإسلام، ورسول الله ﷺ جاء ليكمل اللبنة الناقصة في البناء الإيماني، ليكمل البناء، ويكون صالحاً مفتوحاً
стр. 850
لكل فرد من البشرية إلى يوم القيامة، وإنها لنعمة كبرى من الكريم على خلقه لو كانوا يفقهون: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣].
وقال النبي ﷺ : «إِنَّ مَثَلِي وَمَثَلَ الأنْبِيَاءِ مِنْ قَبْلِي، كَمَثَلِ رَجُلٍ بَنَى بَيْتاً، فَأحْسَنَهُ وَأجْمَلَهُ إِلا مَوْضِعَ لَبِنَةٍ مِنْ زَاوِيَةٍ، فَجَعَلَ النَّاسُ يَطُوفُونَ بِهِ، وَيَعْجَبُونَ لَهُ وَيَقُولُونَ: هَلا وُضِعَتْ هَذِهِ اللَّبِنَةُ؟ قال: فَأنَا اللَّبِنَةُ، وَأنَا خَاتِمُ النَّبِيِّينَ» متفق عليه (١).
فما أعظم فضل الرب على الناس .. وما أعظم رحمته لهم .. وما أعظم عنايته بهم.
يرسل إليهم رسولاً بعد رسول .. وينزل عليهم أمراً بعد أمر .. ويهديهم بكتاب بعد كتاب .. حتى أكمل الله الدين .. وبعث به رسول الله خاتم النبيين .. ورضيه منهاجاً للحياة إلى يوم الدين: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٨٥)﴾ [آل عمران: ٨٥].
فيا لها من نعمة ما أعظمها، وتكرمة ما أجلها، وحلية ما أحسنها.
وليس للقلوب سرور ولا لذة تامة إلا في محبة الله والتقرب إليه بما يحبه، ولا تمكن محبته إلا بالإعراض عن كل محبوب سواه، ومن أحب الله أنس به، ومن أحب غيره عذب به.
فمن يشعر ويحس بقيمة هذه النعمة الكبرى؟: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (٦١)﴾ [غافر: ٦١].
إن البداية من الله .. وإن البقاء في الدنيا بأمر الله .. وإن النهاية إلى الله .. إنا لله وإنا إليه راجعون .. فلا حل ولا نجاة ولا فلاح للبشرية في الدنيا والآخرة إلا بالتسليم لله وطاعته وعبادته وحده لا شريك له: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧١)﴾ [الأحزاب: ٧١].
стр. 851
وقد ألقى الله سبحانه على الأنبياء والرسل تبعة ثقيلة عظيمة، وألقاها من بعدهم على المؤمنين برسالاتهم تجاه البشرية كلها.
وهي تبعة عظيمة ثقيلة بمقدار ما هي جسيمة وكبيرة.
إن مصائر البشرية كلها في الدنيا والآخرة منوطة بالرسل .. وبأتباعهم من بعدهم .. فعلى أساس تبليغهم ما أمرهم الله به للبشر تقوم سعادة هؤلاء البشر أو شقوتهم .. ويترتب عليه ثوابهم أو عقابهم في الدنيا والآخرة.
ولهذا أكد الله على رسله إبلاغ جميع ما أرسلوا به للناس، لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل كما قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (٦٧)﴾ [المائدة: ٦٧].
إن أمر الرسالة وإبلاغ أوامر الله لعباده أمر هائل عظيم كبير، ومن ثم كان الرسل يحسون بجسامة ما كلفوا به، وكان الله يبصرهم بحقيقة العبء الذي ينوطه بهم، ويعلمهم كيف يتهيأون له، ويستعدون للقيام به، كما قال الله لرسوله محمد ﷺ : ﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (٣) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا (٤) إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا (٥)﴾ [المزمل: ١ - ٥].
فالأنبياء ليس لهم عمل إلا عبادة الله وحده لا شريك له، وامتثال أوامره، ودعوة الناس إلى دينه، وتعليمهم أحكامه: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣)﴾ [المدثر: ١ - ٣].
والنبي ﷺ خير من عبد ربه .. فكان يقوم الليل حتى تتفطر قدماه .. وهو خير من دعا إلى ربه .. فقد بلغ البلاغ المبين .. ودعا إلى ربه حتى دخل الناس في دين الله أفواجاً.
وهو خير من علم أحكام الشرع .. فقد ترك الأمة على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيع عنها إلا هالك.
حقاً، إنه أمر هائل عظيم، أمر رقاب الناس، أمر حياتهم ومماتهم، أمر سعادتهم
стр. 852
وشقاوتهم، أمر ثوابهم وعقابهم.
فالبشرية في أنحاء الأرض قاطبة:
إما أن تبلغ إليها الرسالة فتقبلها وتتبعها فتسعد في الدنيا والآخرة، وإما أن تبلغ إليها فترفضها وتنبذها فتشقى في الدنيا والآخرة.
وإما ألا تبلغ إليها فتكون لها حجة على ربها يوم القيامة لأنها لم تبلغ ولم تعلم، وتكون تبعة شقائها في الدنيا وضلالها، وعذابها في الآخرة، معلقة بعنق من كلف التبليغ فلم يبلغ؟.
والله يقول لكل مسلم: ﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٥٢)﴾ [إبراهيم: ٥٢].
فأما رسل الله عليهم الصلاة والسلام، فقد بلغوا الرسالة، وأدوا الأمانة، وجاهدوا في الله حق جهاده.
بلغوا الرسالة دعوةً باللسان .. وقدوة حسنة للعباد .. وجهاداً مضنياً بالليل والنهار .. ودعوة ودعاء يملأ الأوقات، والألسنة، والقلوب.
وجهاداً في سبيل الله متواصلاً لإزالة العقبات والعوائق: سواء كانت هذه العقبات شبهات تحاك، وضلالات تزين، أو كانت قوى طاغية تصد الناس عن الدعوة، وتفتن الناس عن دينهم.
ثم مضى هؤلاء الأنبياء والرسل إلى ربهم مبلغين لدين ربهم، خالصين من هذا الالتزام الثقيل، من أول الرسل نوح ﷺ إلى خاتمهم وسيدهم محمد ﷺ .
وبقي هذا الواجب الثقيل على من بعده من المؤمنين برسالته.
فهناك أجيال وأجيال جاءت وستجيء من بعده ﷺ ، ودعوة هؤلاء إلى الإسلام وتبليغهم الدين منوط بعده بأتباعه.
ولا فكاك لهم من التبعة الثقيلة، تبعة إقامة حجة الله على الناس، وتبعة استنقاذ البشرية من عذاب الآخرة وشقوة الدنيا إلا بالتبليغ والأداء، على ذات المنهج الذي بلغ به رسول الله ﷺ وأدى:
стр. 853
جهد وتضحية .. وحكمة ورحمة .. وحلم وصبر .. وبذل وإحسان .. ودعوة ودعاء.
فالرسالة هي الرسالة، والناس هم الناس، والوظيفة هي الوظيفة.
وهناك في كل زمان وفي كل مكان:
ضلالات وأهواء .. وشبهات وشهوات .. وقوى طاغية في البر والبحر والجو .. تقوم دون الناس .. ودون الدعوة .. وتفتنهم عن دينهم بالتضليل .. وبالقوة والقهر .. وبالسخرية والاستهزاء .. وبالقتل والتشريد: ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (٨)﴾ [البروج: ٨].
وأمام هذا ليس هناك إلا حل واحد، ومركب واحد ينقذ البشرية والإنسانية مما هي فيه من الجاهلية والضلال، والفتن والظلام، ألا وهو أنه لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها.
لا بد من استقامة على الدين.
ولا بد من إبلاغ للدين الحق.
بلاغ للبشرية بالبيان .. وبلاغ بالعمل حتى يكون المبلغون ترجمة حية للدين والأخلاق .. وبلاغ بإزالة العقبات التي تعترض طريق الدعوة .. وتفتن الناس بالباطل وبالقوة، وإلا فلا بلاغ ولا أداء.
ومن العقوبة والخسران أنه الأمر الواجب على المؤمنين الذي لا حيلة في النكوص عن حمله، وإلا فهي التبعة الثقيلة المؤلمة:
تبعة ضلال البشرية كلها، وحرمانها من حقها، وشقوتها في الدنيا والآخرة ..
وتبعة عدم قيام حجة الله عليها في الآخرة .. وحمل التبعة في هذا كله .. وحرمانها من الجنة، وعدم النجاة من النار.
ألا ما أخطر الأمر؟ .. وما أعظم نقض العهد .. وعدم أداء حق البشرية.
من ذا الذي يستهين بهذه التبعة العظيمة، التي تقصم الظهر، وتهز المفاصل، وترعد لها الفرائص؟.
стр. 854
إن المسلم إما إن يستقيم كما أمر الله، ويبلغ ويؤدي هكذا، وإلا فلا نجاة له في دنيا ولا أخرى.
وحين يقول المرء أنه مسلم ثم لا يبلغ الدين، ولا يؤديه إلى الآخرين إنما هذا يؤدي شهادة ضد الإسلام الذي يدعيه، بدلاً من أداء شهادة له تحقق فيه قوله سبحانه: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣].
فهذه الأمة عدل خيار وسط، وما عدا الوسط فأطراف داخلة تحت الخطر.
فجعل الله هذه الأمة وسطاً في كل أمور الدين:
وسطاً في الأنبياء بين من غلا فيهم كالنصارى، وبين من جفاهم كاليهود، بأن آمنوا بهم كلهم على الوجه اللائق بذلك.
ووسطاً في الشريعة، لا تشديدات اليهود وآصارهم، ولا تهاون النصارى.
وفي باب الطهارة والمطاعم لا كاليهود الذين لا تصح لهم صلاة إلا في بيعهم وكنائسهم، ولا يطهرهم الماء من النجاسات، وقد حرمت عليهم طيبات أحلت لهم عقوبة لهم، ولا كالنصارى الذين لا ينجسون شيئاً، ولا يحرمون شيئاً، بل أباحوا كل شيء.
ووهبهم الله من العلم والحلم، والعدل وا لإحسان، ما لم يهبه لأمة سواهم.
فلهذه الأمة من الدين أكمله، ومن الأخلاق أحسنها، ومن الأعمال أفضلها، ولهذا كانوا وسطاً كاملين، ليكونوا شهداء على الناس، بسبب عدالتهم، وحكمهم بالقسط.
وتبدأ شهادة المسلم للإسلام بأن يكون هو بذاته، ثم بيته وعائلته، ثم أسرته وعشيرته صورة واقعية حية من الإسلام الذي يدعو إليه.
وتخطو شهادته الخطوة الثانية بدعوة الأمة إلى الله، لتحقق الإسلام في حياتها كلها، حسب أمر الله ورسوله.
وتنتهي شهادته بالجهاد في سبيل الله لإزالة العوائق التي تضل الناس وتفتنهم
стр. 855
عن دينهم، من أي لون كانت هذه العوائق.
فإذا استشهد في هذا فهو إذاً شهيد .. أدى شهادته لدينه .. ومضى إلى ربه .. وهذا وحده هو الشهيد .. بل هو أعلى الشهداء.
وهذا عمل الأنبياء، بل عمل سيد الأنبياء صلوات الله وسلامه عليه.
والله رؤوف بالعباد، والملك ملكه، والخلق خلقه، ولا يعزب عنه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض، لا يمكن أن يترك خلقه للشياطين تعبث بهم.
فحين حرف اليهود والنصارى كتاب ربهم .. وبدلوا شرائعه .. وكذبوا وافتروا .. وظلموا وطغوا .. وجحدوا وكتموا الحق .. وصدوا عن سبيل الله .. وقتلوا الأنبياء والرسل .. وتركوا العمل بدينهم .. ونقضوا العهد .. ونبذوا كتاب الله وراء ظهورهم .. واشتروا به ثمناً قليلاً .. وقالوا على الله ورسله غير الحق.
بعد هذا الظلم والعناد، والإعراض والإفساد، اقتضت حكمة الله ورحمته بالبشرية أن يرسل رسولاً يهديها إلى الحق، ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذن الله.
فأرسل الكريم الرحمن ﷻ محمداً ﷺ رحمة للعالمين، ورسولاً إلى الناس أجمعين إلى يوم القيامة كما قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١٧٠)﴾ [النساء: ١٧٠].
فلم يكن بد من تبليغ عام في ختام الرسالات، يبلغ إلى الناس كافة، لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل، ولم يسبق أن كانت هناك رسالة عامة، ولم يكن بد من هذ الرسالة العامة.
فكانت حقاً هذه الرسالة الكاملة رحمة للعالمين في الدنيا والآخرة كما قال سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾ [الأنبياء: ١٠٧].
وأهل الأرض قاطبة، واليهود والنصارى، كل هؤلاء مدعوون إلى الإسلام، مدعوون إلى الإيمان بالله، والإيمان بهذا الرسول، ونصره وتأييده، كما أخذ
стр. 856
عليهم ميثاقه بالإيمان به.
فهو رسوله إلى أهل الكتاب، كما أنه رسوله إلى العرب، ورسوله إلى الناس كافة، في مشارق الأرض ومغاربها، وفي كل زمان، وكل مكان.
فلا مجال لإنكار رسالته من عند الله، أو الادعاء أنها خاصة بالعرب، أو أنها غير موجهة إلى أهل الكتاب: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥)﴾ [المائدة: ١٥].
فهو رسول الله إلى الناس وإليكم، ودوره أن يبين لكم ويكشف ما تواطأتم على إخفائه، من حقائق كتاب الله الذي معكم.
وقد أخفي اليهود كثيراً من أحكام الشريعة كرجم الزاني، وتحريم الربا، وقصة أصحاب السبت الذين مسخهم الله قردة وخنازير.
وأخفى النصارى الأساس الأول للدين وهو التوحيد، فقالوا تارة إن الله ثالث ثلاثة، وتارة قالوا أن الله هو المسيح ابن مريم، وتارة قالوا المسيح ابن الله.
كما أخفى أهل الكتاب خبر بعثة النبي ﷺ : ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٥٧)﴾ [الأعراف: ١٥٧].
والله ﵎ يتودد إلى أهل الكتاب، ويبين لهم أنه بُعث إليهم، وإلى غيرهم رسولاً يهديهم إلى ربهم، بعدما ضلوا وانحرفوا عن الحق كما قال سبحانه: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٩)﴾ [المائدة: ١٩].
إن الله الذي خلق هذا الكون وعجائبه، وسيره بأوامره، هو الذي خلق الإنسان
стр. 857
وفطرته، وهو الذي وضع للإنسان المنهج الذي يسير عليه.
وهو سبحانه الذي رضي للبشرية هذا الدين.
فبديهي أن يهديهم هذا المنهج إلى الصراط المستقيم في الدنيا والآخرة، حيث لا يهديهم منهج غيره من نتاج البشر العاجزين.
فالواجب على البشرية كافة أن تشكر الله على ما أنعم به عليها من هذا الدين الكامل، وتتبع الصراط المستقيم والدين القويم الذي جاء به محمد ﷺ : ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٥٣)﴾ [الأنعام: ١٥٣].
فأما القول بأن الله هو المسيح ابن مريم، أو أن المسيح ابن الله، أو ثالث ثلاثة فهو الكفر والشرك.
وأما القول بأن اليهود والنصارى أبناء الله وأحباؤه، أو أنه لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً أو نصارى، فهو الافتراء والكذب الذي لا دليل عليه.
فهل يستحق قيادة البشرية من ظلمها .. وصد عن سبيل الله .. وكفر بالله .. وقتل رسله .. ونقض العهد: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا (١٥٥)﴾ [النساء: ١٥٥].
وهل يستحق الإمامة من يقول عن ربه: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (١٨١)﴾ [آل عمران: ١٨١].
أو يقول عن خالقه إنه بخيل: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [المائدة: ٦٤].
أو يقول عن ربه إنه أب: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨].
وهل يستحق إمامة البشرية من استهان بالإله وأشرك به، وهل بعد هذا من كفر؟:
стр. 858
﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: ١٧].
وقال سبحانه: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٣)﴾ [المائدة: ٧٣].
وماذا بقي من شريعة اليهود والنصارى؟.
وهل قامت هذه الشريعة في حياتهم؟.
وما هو مصير البشرية لو بقيت بدون إيمان يصلها بربها، وشريعة تستقيم بها حياتها؟.
ومن هنا كانت رحمة الله بالبشرية، ببعثة محمد ﷺ إلى الناس كافة، وببعثة النبي ﷺ قطع الله الحجة على أهل الكتاب وغيرهم، فهو مبعوث إلى الناس كافة إلى يوم القيامة: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨)﴾ [الأعراف: ١٥٨].
إن أشد القلوب استعصاءً على الهدى والاستقامة هي القلوب التي عرفت ثم انحرفت، كاليهود المغضوب عليهم، ثم يليهم النصارى الضالون.
فالقلوب الغفل الخامة أقرب إلى الاستجابة، لأنها تفاجأ من الدعوة بجديد يهزها، وينف عنها الركام والغبار، وانبهارها بهذا الجديد الذي يطرق فطرتها أول مرة.
فأما القلوب التي نوديت من قبل، فالنداء الثاني لا تكون له جدته، ولا تكون له هزته، ولا يقع فيها الإحساس بجديته وأهميته، ومن ثم تحتاج إلى الجهد المضاعف، والصبر الطويل، وهذا ما حصل.
فلم يؤمن بالنبي ﷺ من اليهود والنصارى إلا القليل، بينما أسلم من الكفار والمشركين ما يزيد على مائة ألف، شهدوا معه حجة الوداع، ثم تتابع دخول الناس في دين الله أفواجاً.
стр. 859
إن الإسلام الذي بعث الله به محمداً ﷺ هو الإٍسلام في صورته النهائية الأخيرة، ليكون دين البشرية كلها، ولتكون شريعته هي شريعة الناس جميعاً، ولتهيمن على كل ما كان قبلها، وتكون هي المرجع النهائي، ولتقيم منهج الله للحياة البشرية حتى يرث الله الأرض ومن عليها .. ويحكم بها بين الناس: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ﴾ [المائدة: ٤٨].
ولا يحل لأحد أن يترك شريعة الله في أي حال، طالما أنه ليس هناك رسول جديد ولا رسالة جديدة.
لقد أكمل الله لنا هذا الدين، وتمت به النعمة على العباد، ورضيه الله منهج حياة للناس أجمعين، ولم يعد هناك من سبيل لتعديل شيء فيه أو تبديله، ولا لترك شيء من حكمه إلى حكم آخر، ولا شيء من شريعته إلى شريعة أخرى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣].
وقد علم الله سبحانه حين رضيه للناس أنه يسع الناس جميعاً، وعلم حين رضيه مرجعاً أخيراً أنه يحقق الخير للناس جميعاً، وعلم سبحانه أن معاذير كثيرة يمكن أن تقوم، وأن يبرر بها العدول عن شيء مما أنزل الله.
وحذر سبحانه من اتباع أهواء الضالين الذين في نفوسهم رغبة خفية لتأليف القلوب ولو على غير الدين، ومن مسايرة بعض رغباتهم عندما تصطدم ببعض أحكام الشريعة.
وقد حذر الله نبيه ﷺ من اتباع الأهواء، ومن فتنتهم له عن بعض ما أنزل الله إليه فقال سبحانه: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (٤٩)﴾ [المائدة: ٤٩].
وبذلك أغلق الله مداخل الشيطان كلها، وبخاصة ما يبدو منها خيراً
стр. 860
وتأليفاً للقلوب وتجميعاً للصفوف بالتساهل في شيء من شريعة الإسلام في مقابل إرضاء الجميع، والمحافظة على وحدة الصف.
إنه إما حكم الله .. وإما حكم الجاهلية .. ولا وسط بينهما.
وهل يليق بالعاقل أن يرفض شريعة الله ويتبع حكم الجاهلية؟.
وهل أحد أحسن من الله حكماً وديناً، إن هذا لعجب: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٥٠)﴾ [المائدة: ٥٠].
أيستطيع أحد أن يقول أنه أعلم بالناس من خالق الناس؟.
أيستطيع أن يقول أنه أرحم بالناس من رب الناس؟.
أيستطيع أن يقول أنه أعرف بمصالح الناس من رب الناس؟.
ألا ما أظلم من ينحي شريعة الله عن حكم الحياة .. ويستبدل بها شريعة الجاهلية .. ألا ما أتفه الكلام الرخيص الذي ينعق به سفلة الخلق.
إنه إما إسلام وإما جاهلية .. وإما إيمان وإما كفر .. وإما حكم الله وإما حكم الجاهلية .. وإما إلى الجنة وإما إلى النار: ﴿أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٦٢) هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (١٦٣)﴾ [آل عمران: ١٦٢، ١٦٣].
стр. 861
٥ - فقه الإيمان باليوم الآخر
قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (١٨)﴾ [التوبة: ١٨].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٩)﴾ [المائدة: ٦٩].
الله ﵎ خلق الإنسان، وجعله يمر بأربع دور، وجعل لكل دار أحكاماً، وجعل له في كل دار أجلاً.
فخلق الله الإنسان في بطن الأم، وأمهله تسعة أشهر حتى تكمل أعضاؤه وجوارحه.
فإذا كملت خرج من بطن الأم إلى بطن الدنيا، وهي دار العمل، وطلب منه تكميل الإيمان والأعمال الصالحة.
فإذا كملت مدته جاءه أجله، وخرج من الدنيا إلى مكان الانتظار وهو القبر، وهو برزخ يعذب فيه الإنسان أو ينعم حسب عمله.
فإذا اكتمل من قدر الله خلقه من أهل الجنة وأهل النار قامت الساعة، وخرج الناس من قبورهم إلى دار القرار، حيث ينال المؤمنون كمال النعيم في الجنة، وينال أهل النار كمال العذاب في النار: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ (١٤) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ (١٥) وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ فَأُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ (١٦)﴾ [الروم: ١٤ - ١٦].
والإنسان في هذه الدنيا عبد مربوب كغيره، هيأ الله له كل ما يحتاجه من الطعام والشراب، والسكن والمركب، واللباس والمال.
فإذا جاء يوم القيامة هدمت أبنية الدنيا، ودكت الأرض، وسيرت الجبال، وشقت السماء، وكورت الشمس، وانتثرت النجوم، وخسف القمر، وعطلت
стр. 862
العشار، وتم تخريب هذا العالم وهدمه بأجمعه.
فالله ﵎ عزيز حكيم، لما بنى للناس دار الدنيا، للسكن بها، والتمتع بخيراتها، وجعل ما فيها زينة للأبصار، وعظة للاعتبار، والاستدلال بها على وحدانيته، وجميل صنعه، بما يقتضي الإيمان به، وإخلاص العبادة له، والعمل بدينه وشرعه.
فلما انقضت مدة السكنى بها، واستوفى كل إنسان رزقه وأجله، وأثره وعمله، وحقت كلمة ربك على فنائها، أجلاهم ربك منها، وهدمت وخربت لانتقال الخلق منها، وبدلت بدار أخرى، أبقى منها وأدوم، ثم نقل الخلق إليها: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (٤٨)﴾ [إبراهيم: ٤٨].
والعبد المسلم في الدنيا كالأجير، والأجير حال اشتغاله بالعمل لا تدفع الأجرة بكمالها إليه، لأنه إذا أخذها كاملة لا يجتهد في العمل، فإذا أكمل عمله كان له الحق في المطالبة بكامل أجرته.
وهكذا الإنسان يعبد ربه ويمتثل أوامر خالقه في الدنيا، فيسعده الله في الدنيا، ويوفيه كامل أجرته يوم القيامة بعد فراغه من جميع أعماله.
وإذا كان محل أخذ الأجرة الكاملة هو الدار الآخرة كان الاجتهاد في العمل أشد وأكمل.
والله عزيز حكيم منزه عن الظلم والعبث، وله عبيد بعضهم أقوياء وبعضهم ضعفاء، وهو رحيم عدل، فلا بد أن ينصف عباده المظلومين ممن ظلمهم.
وإذا لم يحصل هذا في هذه الدار فلا بد من دار أخرى، يظهر فيها العدل والإنصاف وهي الدار الآخرة التي فيها الحكم لله وحده: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (١٧)﴾ [غافر: ١٧].
والله سبحانه أمر بالطاعات، ورغب فيها بربط الثواب بفعلها، ونهى عن المعاصي والقبائح، وحذر منها بربط العقاب بفعلها.
стр. 863
والثواب المرغب فيه، والعقاب المهدد به، غير حاصل كله في دار الدنيا، فلا بد من دار أخرى يحصل فيها للعبد المطيع كمال الثواب، ويحصل للعبد المسيء كمال العقاب.
والحكمة تقتضي تمييز المحسن من المسيء، والظالم من المظلوم، والمؤمن من الكافر، وإكرام من أطاع، وإهانة من عصى، والقصاص للمظلوم ممن ظلمه: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (٢١)﴾ [الجاثية: ٢١].
والدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر، والإنسان في الدنيا لا يزال في الحبس:
فأول الحبوس صُلب الأب .. وثانيها بطن الأم .. وثالثها المهد .. ورابعها الكد على العيال .. وخامسها مرض الموت .. وسادسها القبر.
فإن خرجت منه إلى الجنة نسيت مرارة كل حبس تقدم.
وإن خرجت منه إلى النار، فذاك حبس الأبد، وخسارة الأبد.
فالناس يوم القيامة قسمان:
إما خارج من سجن الدنيا إلى الجنة .. وإما ذاهب إلى سجن الآخرة إلى الأبد.
وأوحش ما يكون ابن آدم في ثلاثة مواطن:
يوم يولد فيخرج من بطن أمه إلى دارهم .. ويوم يموت ويدفن مع الموتى فيجاور جيراناً لم ير مثلهم .. ويوم يبعث فيشهد مشهداً لم ير مثله قط.
ولذلك قال عيسى بن مريم: ﴿وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا (٣٣)﴾ [مريم: ٣٣].
والدين بالنسبة للعباد قسمان:
دين شرعي أمري .. ودين حسابي جزائي.
وكلاهما لله وحده، فالدين كله أمراً وجزاءً لله وحده لا شريك له.
والمحبة أصل ذلك كله:
فما شرعه الله لعباده وأمر به، فإنه يحبه ويرضاه، وما نهى عنه فإنه يكرهه
стр. 864
ويبغضه، لمنافاته لما يحبه ويرضاه.
ودين العبد لله به إنما يقبل إذا كان عن محبة ورضى.
وكذلك دين الله الجزائي، فإنه يتضمن مجازاة المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته، وكل من الأمرين محبوب للرب ، فإنهما عدله وفضله، وكلاهما من صفات كماله.
والله يحب أسماءه وصفاته، ويحب من يحبهما، ويحب من يعمل بموجبهما.
وكل واحد من الدينين:
الأمري الشرعي، والحسابي الجزائي .. صراطه المستقيم الذي هو عليه.
فهو سبحانه على صراط مستقيم في أمره ونهيه، وفي ثوابه وعقابه كما قال هود ﷺ عن ربه: ﴿إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٦)﴾ [هود: ٥٦].
فكل ما يقضيه الله ويقدره ويأمر به فلا يخاف العبد ظلمه ولا جوره، ولا يخرج تصرفه في عباده عن العدل والفضل.
إن أعطى سبحانه وأكرم وهدى ووفق وأسعد فبفضله ورحمته.
وإن منع وأهان وأضل وخذل وأشقى فبعدله وحكمته.
وهو سبحانه على صراط مستقيم في هذا وهذا.
ولله سبحانه حكم عظيمة في بعثه الأموات بعدما أماتهم:
منها: أن يبين الله للناس الذي اختلفوا فيه، وهذا بيان عياني تشترك فيه الخلائق كلهم، والذي في الدنيا بيان إيماني بالآخرة اختص به بعضهم.
الثانية: علم الكافر المبطل بأنه كان كاذباً، وأنه كان على باطل، فيخزيه الله بذلك أعظم خزي كما قال سبحانه: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٨) لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ (٣٩)﴾ [النحل: ٣٨، ٣٩].
стр. 865
الثالثة: جزاء العامل على عمله كما قال سبحانه: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (١٧)﴾ [غافر: ١٧].
الرابعة: ظهور عدل الله في الحكم بين عباده، وعظمة فضله عليهم، ورحمته لهم كما قال سبحانه: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٥٦) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (٥٧)﴾ [الحج: ٥٦، ٥٧].
الخامسة: تقرير كمال علم الرب وكمال قدرته كما قال سبحانه: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ (٨٥) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (٨٦)﴾ [الحجر: ٨٥ - ٨٦].
السادسة: تقرير كمال حكمة الرب كما قال سبحانه: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (١١٥) فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ (١١٦)﴾ [المؤمنون: ١١٥ - ١١٦].
وقد أقسم الله ﷻ على وقوع المعاد والجزاء بسيد الجبال وهو الطور.
وأقسم بسيد الكتب المنزلة من عند الله لعظمته وجلاله، وما تضمنه من آيات ربوبيته وهداية خلقه وهو القرآن.
وأقسم بسيد البيوت وهو البيت المعمور الذي فوق السماء السابعة.
وأقسم بسقف العالم وهو السماء العظيمة وما فيها من الآيات.
وأقسم بالبحر المسجور، وهو آية عظيمة من آيات الله وعجائبه لا يحصيها إلا الله.
فقال سبحانه: ﴿وَالطُّورِ (١) وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ (٢) فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ (٣) وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ (٤) وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ (٥) وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ (٦) إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ (٧) مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ (٨)﴾ [الطور: ١ - ٨].
وأقسم الله على ثبوت الجزاء، ومستحق الجزاء، وجمع بين محل الجزاء وهو يوم القيامة، ومحل الكسب وهو النفس اللوامة فقال: ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ
стр. 866
الْقِيَامَةِ (١) وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ (٢) أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ (٣) بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ (٤)﴾ [القيامة: ١ - ٤].
وأمر سبحانه أصدق خلقه أن يقسم للناس بوقوع المعاد كما قال سبحانه: ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (٥٣)﴾ [يونس: ٥٣].
ويوم القيامة يوم عظيم يجمع الله فيه الأولين والآخرين والمؤمنين والكافرين، والمطيعين والعاصين، ويجازي كلاً بعمله كما قال سبحانه: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٩) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ خَالِدِينَ فِيهَا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٠)﴾ [التغابن: ٩، ١٠].
يجمع هؤلاء الخلائق ويحاسبهم الذي يجمع عظام الإنسان بعدما فرقها البلى ومزقها.
ويجمع للإنسان يومئذ جميع عمله الذي قدمه وأخره من خير وشر.
ويجمع ذلك من جمع القرآن في صدر رسوله وعباده المؤمنين.
يجمع المؤمنين في دار الكرامة فيكرم وجوههم بالنظر إليه.
ويجمع الكافرين في دار الهوان فيهينهم بحجابهم عنه.
وهو قادر على جمع الخلق كما جمع خلق الإنسان من نطفة من مني يمنى، ثم جعله علقة مجتمعة الأجزاء، بعدما كانت نطفة متفرقة في جميع بدن الإنسان.
فكيف ينكر الإنسان أن يجمع الله عظامه، وأن يجمع الله بينه وبين عمله وجزائه، وأن يجمع مع جنسه اليوم الجمع، وأن يجمع عليه من أمر الله ونهيه وعبوديته، فلا يترك سدى مهملاً معطلاً لا يؤمر ولا ينهى، ولا يثاب ولا يعاقب: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى (٣٦) أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى (٣٧) ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى (٣٨) فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (٣٩) أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى (٤٠)﴾ [القيامة: ٣٦ - ٤٠].
стр. 867
بلى .. وهو الخلاق العليم .. العزيز الحكيم.
والإيمان باليوم الآخر ركن من أركان الإيمان، له قيمة كبرى في تعليق أنظار بني آدم وقلوبهم بعالم آخر بعد عالم الأرض.
فلا تستبد بهم ضرورات الحياة، ولا يسيطر عليهم الهم والقلق، وعندئذ يملكون العمل لوجه الله، وانتظار الجزاء حيث يقدره الله في طمأنينة ويقين.
إن حياة البشر لا تستقيم على منهج الله ما لم تطمئن قلوبهم إلى أن جزاءهم على الأرض ليس هو نصيبهم الأخير، وما لم يتق المسلم المحدود العمر إلى أن له حياة أخرى أدوم وأسعد، تستحق أن يجاهد لها، وأن يضحي لنصرة الحق والخير معتمداً على ما وعده الله من العوض فيها.
والإيمان بالحياة الآخرة نعمة يفيضها الإيمان على القلب، ونعمة يهبها الله للفرد الفاني العاني المحدود الأجل.
وما أغلق أحد على نفسه هذا المنفذ إلا وحياته ناقصة، أو مطموسة، أو مضطربة.
فالإيمان بالآخرة فوق أنه إيمان بعدل الله المطلق، وجزائه الأوفى، هو ذاته باعث للحيوية في النفس دافع لها نحو الدار الباقية، والمنازل العالية، والنعيم المقيم.
والإيمان باليوم الآخر نعمة يفيض السلام منها على روح المؤمن وعالمه، وينفي عنه القلق والسخط والقنوط.
فالحساب الختامي للبشرية ليس في هذه الأرض، والجزاء الأوفى ليس في هذه العاجلة: ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (٢٥) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ (٢٦)﴾ [الغاشية: ٢٥ - ٢٦].
فلا قلق على الأجر إذا لم يوف في هذه العاجلة، فسوف يوفاه قطعاً بميزان الله غداً تاماً كاملاً أحوج ما يكون إليه.
ولا قنوط كذلك من العدل إذا توزعت الحظوظ في رحلة الحياة الدنيا على غير ما يريد ويراه الإنسان، فالعدل لا بد واقع في الدار الآخرة، وحين يحكم الله
стр. 868
وحده بين عباده فهناك العدل والفضل والكرم: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا (٤٠)﴾ [النساء: ٤٠].
والإيمان باليوم الآخر، حاجز عن الصراع والمنافسة في حطام الدنيا وملذاتها، والخوض في الحرمات والمحرمات، بلا تحرج ولا حياء.
فهناك الدار الآخرة فيها عطاء، وفيها غناء، وفيها عوض عما يفوت.
والإيمان بالآخرة يخفف من السعار الذي ينطلق من الشعور بأن الفرصة الوحيدة المتاحة هي فرصة هذ العمر القصير المحدود، فيطمئن قلبه أن النعيم الأوفى والأدوم ينتظره في الآخرة.
والإيمان باليوم الآخر أعظم أركان الإيمان بعد الإيمان بالله، ذلك أن الإيمان باليوم الآخر يقوم على أساس أن الله خلق الإنسان ليستخلفه في الأرض، بعهد منه يتناول كل صغيرة وكبيرة من نشاط الإنسان في الأرض.
وأن الله خلقه واستخلفه ليبتليه في حياته الدنيا ثم ينال جزاءه بعد نهاية الابتلاء.
وهذا الإيمان هو الذي يكف قلب المسلم وسلوكه وعمله في هذه العاجلة، فهو يمضي في طريق الطاعة، والقيام بالحق، وفعل الخير، سواء كانت ثمرة ذلك في الأرض راحة له أم تعباً، نصراً له أم هزيمة، حياة له أم موتاً، لأن جزاءه هناك في الدار الآخرة بعد نجاحه في الابتلاء جنة عرضها السموات والأرض.
إن الإيمان باليوم الآخر يعطي الإنسان طاقة وقوة، فلا يزحزحه عن الطاعة والحق، والخير والبر أن تقف له الدنيا كلها بالمعارضة والأذى، والشر والقتل، فهو إنما يتعامل مع ربه العزيز الرحيم، وينفذ عهده وشرطه، وينتظر الجزاء المضمون هناك.
وما أقصر هذه الحياة الدنيا التي تزحم حسن الناس، وتشغل نفوسهم، وتأكل أوقاتهم، إنها رحلة سريعة يقضيها الإنسان هناك، ثم يعود إلى مقره الدائم، وداره الأصلية: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (٤٥)﴾ [يونس: ٤٥].
стр. 869
حقاً كأنها ساعة من نهار قضاها الخلق في التعارف ثم رحلوا، وكأن الناس دخلوا ثم خرجوا ولم يفعلوا شيئاً سوى التعارف.
فهل هؤلاء الأفراد الذين يتنازعون ويتعاركون فيما بينهم، ويقع بينهم من سوء التفاهم كل ساعة ما يقع، هل هؤلاء تم تعارفهم كما ينبغي؟.
وهل هذه الأمم والشعوب المتناحرة، والدول المتخاصمة، التي تتعارك على الحطام والأعراض، هل هذه عرف بعضها بعضاً؟.
حقاً إنها الخسارة الفادحة لمن جعلوا همهم كله هو هذه الرحلة الخاطفة، وكذبوا بلقاء الله، وشغلوا عنه، فلم يستعدوا لهذا اللقاء بشيء يلقون به ربهم.
ولم يستعدوا كذلك بشيء للإقامة الطويلة في الدار الباقية.
فماذا ينتظر مثل هؤلاء من العذاب والتوبيخ والإهانة؟.
﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ (٢٠)﴾ [الأحقاف: ٢٠].
والاعتقاد باليوم الآخر ليس طريقاً لنيل الثواب في الآخرة فحسب، وإنما هو كذلك حافز على فعل الخير في الحياة الدنيا، وحافز على إصلاحها وإنمائها حسب أمر الله، على أن يراعى في هذا النماء على أنه ليس هدفاً في ذاته، وإنما هو وسيلة لتحقيق حياة لائقة بالإنسان، الذي نفخ الله فيه من روحه، وأسجد له ملائكته، وكرمه على كثير من خلقه، ورفعه عن درك الحيوان.
ولتكون أهداف حياته أعلى من ضرورات الحيوان، ولتكون دوافعه وغاياته أرفع من دوافع الحيوان وغاياته.
إن الإيمان بالآخرة هو الزمام الذي يكبح الشهوات والنزوات، ويضمن القصد والاعتدال، فالذي لا يؤمن بالآخرة لا يملك أن يحرم نفسه شهوة، أو يكبح فيها نزوة.
فالذي لا يحسب حساب الوقفة بين يدي الله، ولا يتوقع ثواباً ولا عقاباً يوم القيامة، ما الذي يمسكه عن إرضاء شهواته ونزواته، وتحقيق لذاته ورغباته؟:
стр. 870
﴿إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَابًا (٢٧) وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّابًا (٢٨)﴾ [النبأ: ٢٧، ٢٨].
ومن لا يتوقع الحساب في الآخرة يندفع لنيل جميع شهواته بلا معوق من تقوى أو حياء.
والنفس مطبوعة على حب ما يلذ لها، وأن تجده حسناً جميلاً، ما لم تهتد بآيات الله ورسالاته إلى الإيمان بعالم آخر باق بعد هذا العالم الفاني، فإذا هي تجد لذتها في أعمال أخرى، وأشواق أخرى، تصغر إلى جوارها لذات البطون والأجسام.
والله ﵎ هو الذي خلق النفس البشرية، وجعلها مستعدة للاهتداء إن تفتحت لدلائل الهدى.
وجعلها مستعدة للعمى إن طمست منافذ الإدراك فيها.
ومشيئة الله نافذة وفق سنته التي خلق النفس البشرية عليها في حالتي الاهتداء والضلال.
فالذين لا يؤمنون بالآخرة نفذت فيهم سنة الله، في أن تصبح أعمالهم وشهواتهم مزينة لهم حسنة عندهم، فهم يعمهون لا يرون ما فيها من شر وسوء، حائرون لا يهتدون فيها إلى صواب، وعاقبتهم الخسران وسوء العذاب في الدنيا والآخرة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ (٤) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذَابِ وَهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ (٥)﴾ [النمل: ٤، ٥].
إن الذين لا يؤمنون بالآخرة يعيشون في عذاب كما يعيشون في ضلال، فالذي يعيش بلا عقيدة في الآخرة يعيش في عذاب نفسي لا أمل له ولا رجاء في إنصاف ولا عدل ولا جزاء ولا عوض عما يلقاه في هذه الحياة.
وفي الحياة مواقف مخيفة، وابتلاءات جسيمة، لا يقوى الإنسان على مواجهتها إلا وفي نفسه رجاء الآخرة، وثوابها للمحسن، وعقابها للمسيء، وابتغاء وجه الله والتطلع إلى رضاه في ذلك العالم الاخر، الذي لا تضيع فيه صغيرة ولا كبيرة.
стр. 871
والذي يحرم هذه النافذة المضيئة، الندية المريحة، يعيش بلا ريب في العذاب والضلال في الدنيا والآخرة، فماذا عند الكفار من النعيم والسرور: ﴿أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ بَلِ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ فِي الْعَذَابِ وَالضَّلَالِ الْبَعِيدِ (٨)﴾ [سبأ: ٨].
وفي يوم القيامة يجمع الله جميع الخلائق في جميع الأجيال والقرون، ولا يتأخر منهم أحد: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ﴾ [التغابن: ٩].
ويعرض الخلق كلهم على ربهم: ﴿وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا (٤٨)﴾ [الكهف: ٤٨].
ويحضر هذا الجمع العظيم الملائكة، وعددهم لا يعلمه إلا الله، ويصفون جميعاً صفوفاً محيطة بالخلق كما قال سبحانه: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢)﴾ [الفجر: ٢٢].
والسموات السبع العظيمة مملوءة بالملائكة، وحملة العرش ومن حوله، كل هؤلاء يحضرون لفصل القضاء بين الناس.
فكم يكون عدد الملائكة في هذا الجمع، وهم حافون من حول العرش؟: ﴿وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٧٥)﴾ [الزمر: ٧٥].
ويأتي الرب ﷻ للفصل بين الخلق يوم القيامة، ويحمل عرشه سبحانه ثمانية من الملائكة الذين لا يعلم عظمتهم وقوتهم وقدرتهم إلا الله: ﴿وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ (١٧) يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ (١٨)﴾ [الحاقة: ١٧، ١٨].
وفي ذلك اليوم العظيم يحصل التغابن، لما فيه من فوز المؤمنين بالنعيم، وحرمان الكافرين من كل شيء منه، ثم سوقهم إلى الجحيم.
وذلك يوم عظيم، يوم الحسرة والندامة، يندم فيه كل كافر وكل عاصٍ على ما فرط وظلم: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَالَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا (٢٧) يَاوَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا (٢٨) لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ
стр. 872
الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا (٢٩)﴾ [الفرقان: ٢٧ - ٢٩].
إن الإنسان الذي خلقه ربه في أحسن تقويم، والذي ميزه بهذه الإنسانية التي من شأنها أن يكون أعرف بربه، وأطوع لأمره من الأرض والسماء، وقد نفخ فيه من روحه، وأودعه القدرة على الاتصال به، وتلقي قبساً من نوره.
هذا الإنسان يقطع رحلة حياته على الأرض كادحاً إلى ربه بفكره وجهده وعمله، ليصل في النهاية إلى ربه.
فإليه سبحانه المرجع والمآب بعد الكد والكدح والجهاد: ﴿يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ (٦)﴾ [الانشقاق: ٦].
إن الإنسان لا يجد الراحة في الأرض أبداً، إنما الراحة هناك في الجنة لمن يقدم لها بالإيمان والطاعة والعبادة.
التعب في الأرض واحد، والكدح واحد، وإن اختلف لونه وطعمه، أما العاقبة فمختلفة عندما تصل إلى ربك.
فواحد إلى عناء دونه عناء الأرض، وواحد إلى نعيم يمسح ما قبله من كد وكدح.
فالمؤمن السعيد يحاسب حساباً يسيراً، فلا يناقش ولا يدقق معه الحساب: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (٧) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا (٨) وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا (٩)﴾ [الانشقاق: ٧ - ٩].
وعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «لَيْسَ أحَدٌ يُّحَاسَبُ إِلا هَلَكَ». قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، جَعَلَنِي الله فِدَاءَكَ، ألَيْسَ يَقُولُ الله : ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ قَالَ: «ذَاكَ الْعَرْضُ يُعْرَضُونَ، وَمَنْ نُوقِشَ الْحِسَابَ هَلَكَ» متفق عليه (١).
هذا حال المؤمن.
стр. 873
أما حال المعذب الكافر الهالك المأخوذ بعمله السيئ، الذي يؤتى كتابه وهو كاره فهذا هو التعيس الذي قضى حياته في الأرض كدحاً، وقطع طريقه إلى ربه كدحاً في المعاصي والآثام والضلال، فهو يدعو ثبوراً، ويتمنى الهلاك لينقذ نفسه مما هو مقدم عليه من الشقاء والعذاب، ولكن أنى يستجاب له؟.
﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ (١٠) فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا (١١) وَيَصْلَى سَعِيرًا (١٢)﴾ [الانشقاق: ١٠ - ١٢].
وهذا الصنف من الناس كان في الدنيا مسروراً بين أهله، غافلاً عن ربه، لاهياً عما ينتظره في الآخرة من العذاب، وهو يظن أنه لن يرجع إلى بارئه، وربه يعلم بكل خطواته وحركاته، ويعلم أنه صائر إليه.
فما أعظم خسرانه: ﴿إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا (١٣) إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ (١٤) بَلَى إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا (١٥)﴾ [الانشقاق: ١٣ - ١٥].
إن الإيمان بالغيب هو الذي يحكم السلوك الإنساني، فالذي يؤمن بالغيب وباليوم الآخر، وبالحساب والجنة والنار، يخشى الله في كل عمل يعمله:
فإذا أراد أحد أن يسرق تذكر الله، وتذكر أنه ملاقيه، وأنه سيحاسبه على ذلك، فيتراجع عن هذه السرقة.
وإذا أردت أن ترتكب ما حرم الله، وتذكرت الآخرة والحساب، خشيت الله وتراجعت.
فأساس السلوك البشري في الدنيا هو الإيمان بالغيب، والإيمان بالغيب يدخل فيه أساساً الإيمان باليوم الآخر.
والإيمان بالغيب والآخرة هو أساس الإيمان كله.
فإذا لم يعتقد الإنسان بالآخرة فممن يخاف ويخشى؟.
من ذا الذي يرفع يدك عن ضعيف تغتصب حقه إلا إيمانك بالآخرة.
ما الذي يوقفك عن أن تأكل أموال الناس بالباطل؟.
стр. 874
وما الذي يمنع الناس من الظلم والبغي؟.
إن الوازع الذي يقول لك قف مكانك، هو الإيمان بالآخرة، لأنك ستحس أن كل عمل عملته مكتوب عليه، وسيسألك الجبار عنه، فلولا الإيمان بالآخرة لتحولت الدنيا إلى مجموعة من الوحوش.
يقتل القوي الضعيف .. : ويعتدي القادر على العاجز .. ويضيع الحق .. وتباح الحرمات .. وتتنهب الأموال .. وتنتهك الأعراض.
وأخشى ما يخشاه المؤمن هو حساب الله له في الآخرة.
وأخشى ما يخشاه الكافر هو الحساب في الآخرة.
فالكافر وإن كان لا يؤمن بالآخرة ولكن في داخله شيء يؤرقه، والموت الذي يراه كل يوم في أهله وقومه يملأ حياته بالرعب والفزع، وينغص عليه عيشه.
والله على كل شيء قدير، لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، ولا في الدنيا ولا في الآخرة.
وهو قادر على أن يخلق يوماً مقداره أربعة وعشرون ساعة.
وقادر على أن يخلق يوماً مقداره ساعة.
وقادر على أن يخلق يوماً مقداره مائة ألف سنة.
وقادر على أن يخلق يوماً يستمر بلا نهاية كيوم القيامة الذي لا ليلة بعده أبداً.
فالمخلوق ليس قيداً على قدرة الخالق، فالزمان والمكان كل خاضع لإرادة الله وحده، والأجسام والأحجام والأشكال والألوان خلقها بيد الله وحده.
وموعد قيام الساعة لا يعلمه إلا الله وحده، فهو الذي ينتهي إليه أمرها، ويعلم موعدها وحده، فلا يعلمه نبي مرسل، ولا ملك مقرب، ولا ذكي فطن: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا (٤٢) فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا (٤٣) إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا (٤٤)﴾ [النازعات: ٤٢ - ٤٤].
أما الرسول فوظيفته إنذار من يخشاها، فهو الذي ينفعه الإنذار، وهو الذي يشعر قلبه بمجيئها، فيخشاها ويعمل لها قبل مجيئها.
стр. 875
وهي من ضخامة وقوعها في النفس بحيث تتضاءل أمامها الحياة الدنيا بكل ما فيها، وتبدو كأنها بعض يوم: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا (٤٦)﴾ [النازعات: ٤٦].
واليوم الآخر هو يوم القيامة الذي يبعث الله فيه الخلائق للحساب والجزاء سمي بذلك لأنه لا يوم بعده، حيث يستقر أهل الجنة في الجنة، وأهل النار في النار.
والإيمان باليوم الآخر:
هو التصديق الجازم بكل ما أخبر الله ورسوله به مما يكون في ذلك اليوم العظيم من البعث والحشر، والحساب والوزن، والحوض والصراط، والجنة والنار، وغير ذلك مما يجري في عرصات القيامة.
ويلحق بذلك ما يكون قبل الموت من علامات الساعة، وأشراطها الصغرى والكبرى.
وما يكون بعد الموت من فتنة القبر، وعذاب القبر ونعيمه.
والإيمان بالله واليوم الآخر أعظم أركان الإيمان، ولأهمية هذين الركنين يقرن الله بينهما كثيراً في القرآن كما قال سبحانه: ﴿ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [الطلاق: ٢].
إن اليوم الآخر يوم عظيم، وستجري على العباد فيه أحوال عظيمة.
ولعظمته وهوله تعددت أسماؤه بحسب ما يجري فيه:
فهو يوم القيامة .. ويوم البعث .. ويوم الفصل .. ويوم الدين .. ويوم الخروج .. ويوم الخلود .. ويوم الحساب .. ويوم الوعيد .. ويوم الجمع .. ويوم التغابن .. ويوم التلاق .. ويوم التناد .. ويوم الحسرة، والغاشية والصاخة والواقعة والحاقة والقارعة والطامة الكبرى، وغير ذلك، وكلما عظم الشيء تعددت أسماؤه وصفاته.
وستحدث في هذا اليوم العظيم أحداث فلكية ضخمة، وكلها تشير إلى اختلال
стр. 876
كامل في النظام الكوني المنظور بأفلاكه ونجومه وكواكبه، وانقلاب في أوضاعه وأشكاله وارتباطاته، تكون به نهاية العالم.
وكلها ينبئ بأن نهاية هذا العالم ستكون نهاية مروعة مخيفة مذهلة للخلائق كما قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (١) يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ (٢)﴾ [الحج: ١، ٢].
إنها نهاية مخيفة مروعة حقاً:
ترج فيها الأرض وتدك .. وتنسف فيها الجبال وتبس .. وتسجر فيه البحار وتفجر .. وتطمس فيها النجوم وتنكدر .. وتشق فيها السماء وتنفطر .. وتسقط الكواكب وتنتثر .. وتكور الشمس .. ويخسف القمر .. وتختل المسافات فيجمع الشمس والقمر .. وتبدو السماء مرة كالدخان .. ومرة وردة كالدهان .. ومرة ملتهبة حمراء .. إلى آخر هذا الهول الكوني العظيم.
وقد بين الله بالتفصيل أهوال ذلك اليوم العظيم، ليتقيه الناس، ويعملوا لما ينجيهم كما قال سبحانه: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٢٨١)﴾ [البقرة: ٢٨١].
فما ذلك اليوم؟ .. وماذا يجري فيه؟ .. وما هي أهواله؟ .. وما حال الناس فيه؟.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا (١٧) يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا (١٨) وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَابًا (١٩) وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا (٢٠)﴾ [النبأ: ١٧ - ٢٠].
وقال الله تعالى: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَهِيلًا (١٤)﴾ [المزمل: ١٤].
وقال الله تعالى: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ (٦) تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ (٧) قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ (٨) أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ (٩)﴾ [النازعات: ٦ - ٩].
وقال الله تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (٤٨)﴾ [إبراهيم: ٤٨].
стр. 877
وقال الله تعالى: ﴿يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (١٦)﴾ [غافر: ١٦].
وقال الله تعالى: ﴿يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ (٨) وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ (٩)﴾ [المعارج: ٨، ٩].
وقال الله تعالى: ﴿يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ (٤) وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ (٥)﴾ [القارعة: ٤، ٥].
إنه يوم عظيم، ويوم عسير، يهز القلوب هزاً بهذه المشاهد المزلزلة، والتقلبات المخيفة، والأهوال المرعبة:
قال الله تعالى: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (١) وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ (٢) وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ (٣) وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ (٤) وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ (٥) وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ (٦) وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ (٧) وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (٨) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ (٩) وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ (١٠) وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ (١١) وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ (١٢) وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ (١٣) عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ (١٤)﴾ [التكوير: ١ - ١٤].
وقال الله تعالى: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ (١) وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ (٢) وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ (٣) وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ (٤) عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ (٥)﴾ [الانفطار: ١ - ٥].
وقال الله تعالى: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا (١) وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا (٢) وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا (٣) يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا (٤) بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا (٥)﴾ [الزلزلة: ١ - ٥].
وقال الله تعالى: ﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (١) لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ (٢) خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ (٣) إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا (٤) وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا (٥) فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا (٦)﴾ [الواقعة: ١ - ٦].
وإذا حصلت هذه الأمور العظيمة تميز الخلق، وعلم كل أحد ما قدمه لآخرته، وما أحضره فيها من خير أو شر.
وحينئذ ينكشف الغطاء، ويزول ما كان خفياً، وتعلم كل نفس ما معها من الأرباح والخسران.
وهنالك يعض الظالم على يديه إذا رأى أعماله باطلة، وميزانه قد خف،
стр. 878
والمظالم قد تداعت إليه، والسيئات قد حضرت لديه، وأيقن بالشقاء الأبدي، والعذاب السرمدي.
وهنالك يفوز المتقون بالفوز العظيم، والنعيم المقيم، والسلامة من عذاب الجحيم.
إنه يوم العدل والحساب الدقيق: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ (٦) فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾ [الزلزلة: ٦ - ٨].
إنه يوم الموازين: ﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ (٦) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (٧) وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ (٨) فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ (٩) وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ (١٠) نَارٌ حَامِيَةٌ (١١)﴾ [القارعة: ٦ - ١١].
إنه يوم بياض الوجوه وسوادها: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (١٠٦) وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (١٠٧)﴾ [آل عمران: ١٠٦، ١٠٧].
وكيف تكون حال الإنسان أمام هذه الأهوال العظام: ﴿إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا (٤) وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا (٥) فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا (٦)﴾ [الواقعة: ٤ - ٦].
﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (١) وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ (٢) وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ (٣) وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ (٤)﴾ [الانشقاق: ١ - ٤].
ومن يطيق هذه المشاهد المروعة؟، وهل من مفر منها؟.
﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً (١٤) فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (١٥)﴾ [الحاقة: ١٣ - ١٥].
وأنى يفر الإنسان من ملك الله؟. ﴿فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ (٧) وَخَسَفَ الْقَمَرُ (٨) وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ (٩) يَقُولُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ (١٠) كَلَّا لَا وَزَرَ (١١) إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ (١٢) يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ (١٣)﴾ [القيامة: ٧ - ١٣].
فهل تهز هذه المشاهد والأهوال من هم بعد في هذه الأرض يكذبون بلقاء الله،
стр. 879
ولا يؤمنون به، ولا يوقرونه، ولا ينقادون لأمره؟.
إنه يوم الحسرة والندامة، يوم الصراخ والبكاء .. يوم الذل والهوان، يوم العذاب والشقاء، لكل ظالم ضال، ولكل كافر جاحد، ولكل مفسد وطاغ: ﴿إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا (٢١) لِلطَّاغِينَ مَآبًا (٢٢) لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا (٢٣) لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا (٢٤) إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا (٢٥) جَزَاءً وِفَاقًا (٢٦) إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَابًا (٢٧) وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّابًا (٢٨) وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا (٢٩) فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا (٣٠)﴾ [النبأ: ٢١ - ٣٠].
وهو يوم الفرح والسرور، ويوم التسليم والتسبيح بحمد الله، ويوم العزة والتكريم، ويوم السعادة والحبور، ويوم اللذات والنعيم، لكل مؤمن تقي عرف هذا اليوم واستعد له، فنال بذلك الفوز والفلاح كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا (٣١) حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا (٣٢) وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا (٣٣) وَكَأْسًا دِهَاقًا (٣٤) لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا كِذَّابًا (٣٥) جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ عَطَاءً حِسَابًا (٣٦)﴾ [النبأ: ٣١ - ٣٦].
ويوم القيامة هو اليوم الحق الذي لا يروج فيه الباطل، ولا يقبل فيه الكذب، وجميع الخلق ساكتون لا يتكلمون إلا من أذن الرحمن له بالكلام، وقال صواباً: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا (٣٨) ذَلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآبًا (٣٩)﴾ [النبأ: ٣٨، ٣٩].
فعلينا الاستعداد لذلك اليوم العظيم بالإيمان والأعمال الصالحة، والمبادرة إلى التوبة من الذنوب، والاستغفار من كل خلل أو تقصير: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٨)﴾ [الحشر: ١٨].
إن من آمن بالله واطمأن بذكره، وصدق رسله، وعمل بشرعه، فهذا هو الفائز يوم القيامة وهو الذي يقال له: ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (٢٨) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (٢٩) وَادْخُلِي جَنَّتِي (٣٠)﴾ [الفجر: ٢٧ - ٣٠].
فليتق العبد ربه، وليستعد لذلك اليوم العظيم، الذي فيه الوعد على فعل الخير
стр. 880
والوعيد على فعل الشر كما قال سبحانه: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٢٨١)﴾ [البقرة: ٢٨١].
فمن علم أنه راجع إلى الله .. فمجازيه على الصغير والكبير .. والجلي والخفي .. وأن الله لا يظلمه مثقال ذرة .. أوجب له ذلك الرغبة والرهبة .. والانتباه من الغفلة: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (٩٣) لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (٩٤) وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا (٩٥)﴾ [مريم: ٩٣ - ٩٥].
اللهم: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ (١٩٣) رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ (١٩٤)﴾ [آل عمران: ١٩٢ - ١٩٣].