فسبحان مالك الملك، وسبحان من نواصي الخلائق كلها بيده يفعل بها ما يشاء: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ (٢)﴾ [الرعد: ٢].
وإذا جاءت مصيبة على الإنسان فحلها بيد الإنسان بأن يمتثل أوامر الله على طريقة رسول الله ﷺ ، فإذا غير ما في قلبه وجاء عنده اليقين على ربه غير الله بدنه وحاله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: ١١].
وإذا جاءت علينا أحوال شديدة نشكوها أمام الخالق وحده، ونتضرع إليه في كشفها، ولا نذكرها أمام المخلوق العاجز الضعيف، بل نشكو أحوالنا فقط إلى الله، ونفعل الأسباب التي أمر الله بها في حدود الاستطاعة.
فالله أعطانا بمنه وكرمه الإيمان والأعمال، لجميع الأحوال، فإذا قمنا بالأعمال التي يرضى الله بها أصلح الله الأحوال بقدرته.
كما سأل النبي ﷺ في بدر النصر على الكفار، فنصره الله بقدرته، ولم يتوجه إلى الفرس ولا إلى الروم، ولا لبشر ولا لسبب، بل توجه إلى الناصر الذي يملك النصر وحده كما قال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢٣)﴾ [آل عمران: ١٢٣].
وإبراهيم ﷺ لما دعا قومه إلى الإيمان فأبوا وأرادوا إحراقه بالنار توجه إلى ربه في طلب النجاة، ولم يتوجه لأحد سواه، فأنجاه الله وخذلهم كما قال سبحانه: ﴿قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (٦٨) قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ (٦٩) وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ (٧٠)﴾ [الأنبياء: ٦٨ - ٧٠].
ونوح ﷺ لما دعا قومه إلى الإسلام فأبوا واستكبروا، وعادوه، دعا عليه ربه فأغرقهم بالماء، وأنجاه ومن آمن معه كما قال سبحانه: ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ (١٠) فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ (١١) وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ (١٢) وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ (١٣) تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ (١٤) وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (١٥)﴾ [القمر: ١٠ - ١٥].
وقال سبحانه: ﴿وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ
стр. 807
الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (٧٦) وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ (٧٧)﴾ [الأنبياء: ٧٦، ٧٧].
وأيوب ﷺ حين ابتلاه الله ببلاء شديد، فقد سلط الشيطان على جسده ابتلاء من الله، فنفخ في جسده فتقرح قروحاً عظيمة، ومكث مدة طويلة، واشتد به البلاء، ومات أهله، وذهب ماله فوجده الله صابراً راضياً عن ربه.
فدعا ربه، فكشف ضره، ومنحه مع العافية من الأهل والمال شيئاً كثيراً كما قال سبحانه: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٨٣) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ (٨٤)﴾ [الأنبياء: ٨٣، ٨٤].
فمتى يستفيد المؤمنون من قدرة الله، بالتوجه إليه وحده في كشف الكربات والأمراض، ودعائه، وحسن الصبر على بلائه، والله سميع مجيب.
ويونس ﷺ أرسله الله إلى قومه فلم يؤمنوا، فوعدهم بنزول العذاب بأن سماه لهم، فلما جاءهم العذاب عجوا إلى الله وتابوا، فرفع الله عنهم العذاب كما قال سبحانه: ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ (٩٨)﴾ [يونس: ٩٨].
ولكنه ﷺ ذهب مغاضباً لقومه، وخرج من بين أظهرهم قبل أن يأمره الله بذلك، وظن أن الله لا يقدر عليه، وعرض له هذا الظن فركب السفينة فأوشكت على الغرق، فاقترعوا من يلقى في البحر، لئلا تغرق السفينة، فأصابت القرعة يونس، فألقي في البحر، فالتقمه الحوت، وذهب به إلى ظلمات البحار، فنادى في تلك الظلمات ربه ومولاه فأنجاه كما قال سبحانه: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (٨٧) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (٨٨)﴾ [الأنبياء: ٨٧، ٨٨].
فأقر لربه بكمال الألوهية، ونزهه عن كل عيب وآفة ونقص، واعترف بظلم نفسه
стр. 808
وجنايته فكشف الله ضره وأنجاه، وكذلك ينجي الله المؤمنين.
وفي هذا وعد وبشارة لكل مؤمن وقع في شدة وغم أن الله تعالى سينجيه منها، ويكشف عنه ضرها لإيمانه كما فعل بيونس ﷺ .
وزكريا ﷺ من رحمته للخلق، ونصحه لهم لما قرب أجله خاف ألا يقوم أحد بعده مقامه في الدعوة إلى الله والنصح لعباده، وأن يكون في وقته فرداً ولا يخلف من يشفعه ويعينه على ما قام به.
فاستجاب الله له، ووهب له ابناً سماه يحيى، وأصلح رحم زوجته للولادة كما قال سبحانه: ﴿وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ (٨٩) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (٩٠)﴾ [الأنبياء: ٨٩، ٩٠].
ومريم ابنة عمران التي حفظت فرجها من الحرام، بل ومن الحلال فلم تتزوج لاشتغالها بالعبادة، واستغراق وقتها في طاعة ربها، وخدمة بيت المقدس، رزقها الله ولداً من غير أب، فنفخ فيها جبريل بأمر الله، فحملت بإذن الله: ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ (١٢)﴾ [التحريم: ١٢].
فهؤلاء الأنبياء والمرسلون وصفهم الله بالصبر:
الصبر على طاعة الله .. والصبر عن معصية الله .. والصبر على أقدار الله المؤلمة.
فهذه أقسام الصبر الثلاثة، ولا يستحق العبد اسم الصابر حتى يوفيها حقها.
وهؤلاء الأنبياء قد وفوها حقها، وقاموا بها كما ينبغي.
ووصف الله الأنبياء كذلك بالصلاح، وهو يشمل:
صلاح القلوب بمعرفة الله ومحبته والإنابة اليه كل وقت.
وصلاح الجوارح باشتغالها بطاعة الله وكفها عن المعاصي، والتحلي بمكارم الأخلاق.
стр. 809
فبصبرهم وصلاحهم أدخلهم الله في رحمته، وجعلهم من المرسلين، وأثابهم الثواب العاجل والآجل، وجعل لهم لسان صدق في الآخرين.
وهؤلاء الأنبياء والرسل كانوا على خلق عظيم وعمل لله مستديم: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (٩٠)﴾ [الأنبياء: ٩٠].
فكل مخلوق لا ينفع ولا يضر إلا بإذن الله، والأشياء ومعية الأشياء لا تنفع، بل الذي ينفع هو الله وحده لا شريك له.
فنجتهد حتى يكون الله معنا، وإذا كان الله معنا فما نحتاج إلى غيره أبداً.
ومعية الله تكون معنا بثلاثة أشياء:
اجتماع القلوب .. العمل لوجه الله .. وأن يكون العمل على طريقة رسول الله ﷺ .
وبحسب اليقين على الله، وعلى قدرته ونصرته، تكون معيته معنا، كما قال النبي ﷺ لأبي بكر: ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: ٤٠].
فحفظه الله سبحانه حتى بلغ الدين للأمة، وتركها على المحجة البيضاء ليلها كنهارها، ثم توفاه بعدما بلغ البلاغ المبين، صلوات الله وسلامه عليه.
وإذا تغير اليقين جاءت المصائب، ونقصت الطاعات، فقد يصلي المرء ويرى أن الصلاة تحجبه عن طلب الرزق.
فلو قيل له تصلي وتدخل الجنة قال نعم.
ولو قيل له تصلي والله يرزقك، قال هذا مشكل، ولذلك يترك الصلاة، ويشتغل بطلب الرزق، وهو يتلو: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ (٤٥)﴾ [البقرة: ٤٥].
فما أحرى المؤمنين بالاستفادة من قدرة الله، ومن خزائن الله بالإيمان والأعمال الصالحة، في الدنيا والآخرة.
ألا من مشمر إلى الجنة؟ .. ألا من منافس في الفضائل والأعمال؟ .. ألا من
стр. 810
مسارع إلى الخيرات؟ .. ألا من مشتاق إلى القصور والحور؟.
يا حسرة على العباد ماذا علموا وماذا جهلوا؟ وماذا ضيعوا؟.
﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا (٦٦) وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا (٦٧) وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (٦٨)﴾ [النساء: ٦٦ - ٦٨].
إن كل ذهب في العالم أجمع لو جمعناه لكان أدنى أهل الجنة عنده مثله عشر مرات، وكل شجر وثمر في العالم أجمع لو جمعناه لكان أدنى أهل الجنة عنده مثله عشر مرات.
وفي الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام على الجواد المضمر السريع ولا يقطعها.
فسبحان من بيده ملك الخلائق أولها وآخرها، وملك المسافات بدايتها ونهايتها.
ومن قال (سبحان الله) غرست له نخلة في الجنة، وجميع أشجار الجنة من ذهب، فكم تكون أشجار الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين؟.
وقصور الجنة لبنة من ذهب ولبنة من فضة، وعرضه وطوله مد البصر.
ومن صلى كل يوم اثنتي عشرة ركعة بنى الله له قصراً في الجنة، فإذا صلى سنة كاملة كم يكون له قصر من ذهب؟.
فكم تكون قصور الأنبياء؟، وكم تكون قصور المؤمنين في الجنة؟.
ولو جمعنا جميع الذهب في الدنيا، وجميع الذهب الذي في جنات الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين، وجمعنا ما يعطى لمحمد ﷺ من الذهب، فكل ذلك بالنسبة لما في خزائن الله كالذرة بالنسبة للجبل، لأن ما في الدنيا والآخرة مهما يكن فهو محدود، وما في خزائن الله غير محدود.
ولو أن الإنس والجن جميعاً سألوا الله، فالله يعطيهم كل ما طلبوا، ولا ينقص ذلك مما في خزائنه، إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر، لأن ما سألوه محدود، وما عند الله غير محدود.
стр. 811
«قال الله يَا عِبَادِي! لَوْ أنَّ أوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ، وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ، قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَألُونِي، فَأعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْألَتَهُ، مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أدْخِلَ الْبَحْرَ» أخرجه مسلم (١).
هذا بالنسبة للذهب، فكيف بخزائن النعم الأخرى من المياه والثمار، والحبوب، والفواكه، وخزائن النجوم والكواكب والشهب.
وخزائن الرحمة والقوة والمغفرة .. وخزائن الحكمة والحلم والعلم .. وخزائن الأرواح والأنفس .. وخزائن النبات والحيوان .. وخزائن النعيم والفرح والسرور .. وخزائن العذاب والغضب والبطش .. وخزائن الأمن والخوف .. وخزائن العالم العلوي والعالم السفلي.
فسبحان من هذه خزائنه .. ومن هذا ملكه .. ومن هذا قدرته .. ومن هذه عظمته.
يا حسرة على العباد ماذا فاتهم من الأوقات؟.
وكم حرموا أنفسهم من الخيرات والبركات؟.
ماذا زرعوا وماذا حصدوا؟ .. وماذا قدموا؟ .. وماذا أخروا؟.
إن علينا أن نحاسب أنفسنا كم مشينا في مراد الله؟، وكم مشينا في مراد النفس؟.
وقيمة الإنسان بصفاته لا بذاته، ففي المخلوقات من هو أكبر منه، وأقوى منه.
وأصل العبادة المحبة، وبرهانها ذكر المحبوب، وتنفيذ أوامره في كل وقت، فمتى يذكر العبد ربه؟، ومتى يستحي من معصيته؟.
وإذا عرفنا قيمة العمل وثمراته زاد تقديرنا للعمل، والإكثار منه، والتلذذ بأدائه، والمسارعة إليه، والمنافسة فيه، وأحسن الأعمال طاعة الله ورسوله في كل حال.
وأرزاق الدنيا والآخرة بيد الله، لكن أرزاق الدنيا تكفل الله بها، كما قال الله سبحانه: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا
стр. 812
بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (٣٢)﴾ [الزخرف: ٣٢].
وأرزاق الآخرة لا بد لها من العمل، كما قال سبحانه: ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا (١٩)﴾ [الإسراء: ١٩].
وإذا عرفت القلوب عظمة الله، وسعة ملكه، وبره وإحسانه، وعظمة خزائنه فكيف لا تتوجه إليه، وتقف بباب أفقر خلقه إليه؟: ﴿أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧٤)﴾ [المائدة: ٧٤].
وهل في الكون من يستحق أن يعبد، ويستحق أن يحمد، ويستحق أن يسأل إلا الله وحده لا شريك له: ﴿قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٧١)﴾ [الأنعام: ٧١].
فبالإيمان والأعمال الصالحة يحصل للمؤمنين في الدنيا:
الفلاح .. والهداية .. والنصر .. والعزة .. والتمكين في الأرض .. وحفظهم من
الأعداء .. والأمن .. والنجاة من الهلاك .. والحياة الطيبة .. ونزول البركات .. ومعية الله.
﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٥٥)﴾ [النور: ٥٥].
ويحصل لهم في الآخرة:
دخول الجنة .. والخلود فيها .. والتمتع بألوان النعيم .. والرضوان من الله .. ورؤيتهم له .. وسماع كلامه:
﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا
стр. 813
وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٧٢)﴾ [التوبة: ٧٢].
وحقيقة الدين ولبه اليقين .. وهو تغيير العواطف من المخلوق إلى الخالق، ومن الدنيا إلى الآخرة.
ومن ذات الله تنزل الأوامر الشرعية، ومن ذات النفس تخرج أوامر الشهوات، وللحصول على السعادة لا بدَّ من تقديم أوامر الله على أوامر النفس.
وجميع الأوامر التي أمر الله بها لها مقابل من الحسنات قولاً وفعلاً واعتقاداً، وجميع النواهي التي نهى الله عنها لها مقابل من العقوبات في الدنيا والآخرة.
وللاستفادة من قدرة الله لا بد من امتثال أوامر الله على طريقة رسول الله ﷺ .
وإذا عمل الإنسان الأعمال الصالحة والقلب متوجه إلى غير الله كانت هذه الأعمال سبباً للحرمان ودخول النار: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكهف: ١١٠].
فبكمال الإيمان والتقوى يستفيد المؤمن من خزائن الله، والتقوى هي طاعة الله في كل حال.
وحفظ التقوى يقوم على أصلين:
البيئة .. والمذكر .. فآدم في الجنة وقع في المعصية لعدم البيئة والمذكر كما قال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا (١١٥)﴾ [طه: ١١٥].
فعلاج النسيان بالتذكير .. وعلاج ضعف العزيمة بتكوين البيئة الصالحة التي تنشط الإنسان للطاعة، وتزجره عن المعصية.
وقد خلق الله الإنسان وجعل مقصد حياته عبادة الله وحده لا شريك له، وأذن له بالاستفادة من هذا الكون كما قال سبحانه: ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (٣١)﴾ [الأعراف: ٣١].
ولكن الإنسان خالف الأمر فجعل الضرورة مقصداً، وأسرف على نفسه، فنزلت به المصائب والعقوبات: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ
стр. 814
السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٩٦)﴾ [الأعراف: ٩٦].
والإيمان يزيد وينقص، وبقدر الجهد للدين يزيد الإيمان، ثم تزيد الأعمال، وعلى قدر الإيمان تكون الاستفادة فذرة من ذهب وجبل من ذهب كلاهما يسمى ذهباً، ولكن على قدر كمية الذهب تكون الاستفادة.
فذرة من ذهب، وجبل من ذهب، كلاهما يسمى ذهباً، ولكن على قدر كمية الذهب تكون الاستفادة.
وهكذا الإيمان، بذر الإيمان مثل الذرة فأجره على قدر إيمانه، ولكن من اجتهد على إيمانه حتى صار قوياً فأجره على قدر إيمانه، واستفادته من الإيمان بحسب قوته، ومن عنده شجرة ولم يجتهد عليها تسمى شجرة، لكن من اجتهد عليها كبرت وأخذ منها الثمار الطيبة الكثيرة.
وهكذا الإيمان، له شعب كثيرة، يجني المسلم من خلالها أنواع الثمرات، وجزيل الحسنات.
اللهم: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (٢٠١)﴾ [البقرة: ٢٠١].
стр. 815
٢ - فقه الإيمان بالملائكة
قال الله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١)﴾ [فاطر: ١].
وقال الله تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٢٨٥)﴾ [البقرة: ٢٨٥].
الله ﵎ خلق جميع الكائنات:
خلق السموات والأرض .. وخلق الشمس والقمر .. وخلق الليل والنهار .. وخلق ما نراه وما لا نراه.
فخلق الدنيا والآخرة .. وخلق الأجساد والأرواح .. وخلق الإنس والجن .. وخلق الملائكة.
والملائكة خلق عظيم من خلق الله خلقهم الله من نور.
قال النبي ﷺ : «خُلِقَتِ الْمَلائِكَةُ مِنْ نُورٍ، وَخُلِقَ الْجَانُّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ، وَخُلِقَ آدَمُ مِمَّا وُصِفَ لَكُم» أخرجه مسلم (١).
والملائكة من حيث الرتبة عباد مكرمون.
وهم من حيث الطاعة لله منحهم الله الانقياد التام لأمره، وأعطاهم القدرة على تنفيذه، وجبلهم على الطاعة فهم: ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٦)﴾ [التحريم: ٦].
وهم من حيث العمل يعبدون الله ويسبحونه على الدوام: ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ (١٩) يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ (٢٠)﴾ [الأنبياء: ١٩، ٢٠].
وهم من حيث العدد خلق كثير لا يحصيهم إلا الله ﷻ .
стр. 816
منهم حملة العرش .. ومنهم الذين حول العرش .. ومنهم ملائكة السموات .. فالسموات السبع كل سماء مملوءة بالملائكة .. بل ما فيها موضع شبر إلا وفيه ملك قائم أو راكع أو ساجد لله .. يصلي منهم كل يوم في البيت المعمور فوق السماء السابعة سبعون ألف ملك، فإذا خرجوا لم يعودوا إليه آخر ما عليهم.
ففي قصة المعراج أن النبي ﷺ لما أتى السماء السابعة قال: «فَرُفِعَ لِيَ الْبَيْتُ الْمَعْمُورُ، فَسَألْتُ جِبْرِيلَ فَقال: هَذَا الْبَيْتُ الْمَعْمُورُ، يُصَلِّي فِيهِ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ ألْفَ مَلَكٍ، إِذَا خَرَجُوا لَمْ يَعُودُوا إِلَيْهِ آخِرَ مَا عَلَيْهِمْ» متفق عليه (١).
والملائكة عالم غيبي لا يحصيهم إلا الله منهم من أعلمنا الله بأسمائهم وأعمالهم، ومنهم من اختص الله بعلمهم.
فنؤمن بمن سمى الله منهم كجبريل وميكائيل وإسرافيل، ومالك خازن النار، ورضوان خازن الجنة، ومن لم نعلم اسمه منهم نؤمن بهم إجمالاً.
والملائكة كغيرهم من المخلوقات:
متفاوتون في الخلق .. متفاوتون في الصفات .. متفاوتون في الأعمال .. جعلهم الله رسلاً في تدبير أوامره القدرية .. ورسلاً بينه وبين خلقه في تبليغ أوامره الدينية لرسله وأنبيائه.
ومنحهم سبحانه من القوة والقدرة ما يستطيعون به تنفيذ أوامر ربهم في أسرع وقت.
فقوة جميع الخلائق كلها لا تساوي قوة ملك من الملائكة، فكيف بقوة جميع الملائكة؟، فكيف بقوة من خلقهم سبحانه؟.
فإسرافيل (ملك من الملائكة وكله الله بالنفخ في الصور، والصور قرن كالبوق، وبنفخة واحدة منه يصعق من في السموات السبع ومن في الأرضين السبع.
стр. 817
فهذه نفخة الصعق.
ثم ينفخ في الصور نفخة البعث، فإذا الخلائق كلهم قيام ينظرون.
بنفخة واحدة يصعق من في العالم العلوي، ومن في العالم السفلي، إلا من شاء الله.
وبنفخة أخرى يقومون لرب العالمين كما قال سبحانه: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ (٦٨)﴾ [الزمر: ٦٨].
فهاتان نفختان من إسرافيل، بالأولى مات من في العالم، وبالأخرى دبت الحياة في جميع من في العالم.
فماذا يملك إسرافيل من النفخات؟.
وإذا كانت هذه قوة نفخته، فكم تكون قوة جسده؟.
وكم تكون قوة من خلقه وأمره ﷻ ؟.
فسبحان العزيز الجبار الكبير المتعال الذي قهر جميع الخلائق، وخلق القوة في كل قوي: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ (٦٦)﴾ [هود: ٦٦].
وجبريل ﷺ ملك من الملائكة وكله الله بالوحي إلى الأنبياء، خلق الله له ستمائة جناح، جناح واحد منها لما نشره سد الأفق.
وبطرف جناحه قلع خمس قرى من قرى قوم لوط بما فيها من المخلوقات والجبال ثم رفعها إلى السماء، ثم قلبها عليهم بأمر الله .
وإذا كانت هذه قوة طرف جناحه، فكم قوة كامل جناحه؟.
وكم قوة وعظمة أجنحته الستمائة التي خلقها الله له؟.
وإذا كانت هذه قوة طرف جناحه .. فكم تكون قوة جميع أجنحته؟ .. وكم تكون قوة جسده؟.
فكيف بقوة خالقه العزيز الجبار ﷻ ؟.
стр. 818
عن عبد الله بن مسعود ﵁: أن محمداً ﷺ رأى جبريل له ستمائة جناح. متفق عليه (١).
وميكائيل ﷺ ملك من الملائكة وكله الله بالقطر والنبات الذي به حياة الأبدان، فكم من المياه يكيلها ويفرقها في العالم بأمر الله؟، وكم من الأرزاق التي يكيلها للخلائق كل يوم بأمر الله؟.
فسبحان من أعطاه القدرة على معرفتها وقسمتها وتوزيعها في العالم.
وأحد حملة العرش خلقه الله ما بين شحمة أذنه ومنكبه مسيرة سبعمائة عام.
قال النبي ﷺ : «أُذِنَ لِي أَنْ أُحَدِّثَ عَنْ مَلَكٍ مِنْ مَلَائِكَةِ اللهِ مِنْ حَمَلَةِ الْعَرْشِ إِنَّ مَا بَيْنَ شَحْمَةِ أُذُنِهِ إلى عَاتِقِهِ مَسِيرَةُ سَبْعِ مِائَةِ عَامٍ» أخرجه أبو داود (٢).
وإذا كانت المسافة من الأذن إلى العاتق سبعمائة سنة، فكم تكون المسافة من رأسه إلى رجليه؟.
وكم تكون قوة هذا الملك الذي يحمل العرش الذي السموات والأرض بالنسبة إليه كحلقة ملقاة في أرض فلاة؟.
وكم عظمة العرش الذي هذا الملك أحد حملته؟.
فكيف بقوة وعظمة الذي خلق العرش وخلق حملته، وخلق جميع ما في الكون؟.
فما أجهلنا بالرب وأسمائه وصفاته .. وما أجرأنا على معصية أوامره.
فاللهم: ﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣)﴾ [الأعراف: ٢٣].
وخلق الملائكة سابق على خلق آدم أبي البشر، ولما كانت أجسام الملائكة نورانية لطيفة، فإن البشر لا يستطيعون رؤيتهم إلا إذا تمثلوا في صورة بشر.
ولم ير الملائكة من هذه الأمة إلا الرسول ﷺ ، فإنه رأى جبريل مرتين في
стр. 819
صورته التي خلقه الله عليها له ستمائة جناح، كل جناح منها قد سد الأفق.
والملائكة ليسوا على درجة واحدة في الخلق والمقدار.
فبعض الملائكة له جناحان .. وبعضهم له ثلاثة .. وبعضهم له أربعة .. وجبريل له ستمائة جناح.
وفي خلقهم يقول سبحانه: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١)﴾ [فاطر: ١].
ومقاماتهم عند ربهم متفاوتة معلومة كما قال سبحانه: ﴿وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ (١٦٤) وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ (١٦٥) وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ (١٦٦)﴾ [الصافات: ١٦٤ - ١٦٦].
وقال سبحانه في جبريل ﷺ : ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (١٩) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (٢٠)﴾ [التكوير: ١٩، ٢٠].
ومنازل الملائكة ومساكنهم في السماء، وينزلون إلى الأرض بأمر الله، لتنفيذ مهمات أوكلت إليهم كما قال جبريل: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا (٦٤)﴾ [مريم: ٦٤].
ويكثر نزولهم في مناسبات وأوقات خاصة كليلة القدر التي: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ (٤)﴾ [القدر: ٤].
والملائكة يموتون عند النفخ في الصور كما يموت الإنس والجن، وتقبض أرواحهم حتى يكون آخر من يموت ملك الموت، وينفرد الحي القيوم بالبقاء كما قال سبحانه: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨].
والملائكة أنصح خلق الله وأنفعهم لبني آدم، وعلى أيديهم حصل لهم كل سعادة وعلم وهدى، يستغفرون لمسيئهم، ويثنون على مؤمنيهم، ويدعون لهم، ويعينونهم على أعدائهم من الكفار والشياطين.
والشياطين أغش خلق الله لعباده، وعلى أيديهم حصل لهم كل شر وإضلال وغواية وإفساد.
стр. 820
والملائكة أهل طاعة مطلقة، فقد كانوا أولى الخلق بالطمأنينة، ولكنهم دائبون في تسبيح ربهم واستغفاره:
استدراراً لمغفرته ورحمته .. ولما يحسون من علوه وعظمته .. ولما يعلمون من جماله وجلاله .. ولما يخشون من التقصير في طاعته وحمده.
بينما أهل الأرض المقصرون الضعاف يكفرون وينحرفون في أقوالهم وأفعالهم، حتى إن السموات ليكدن يتفطرن من فوقهن من شذوذ بعض أهل الأرض، وإشراكهم بالله وكفرهم به.
بينما الملائكة الكرام يستغفرون لمن في الأرض جميعاً من هذه الفعلة الشنعاء التي جاء بها بعض المنحرفين: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَلَا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥)﴾ [الشورى: ٥].
فتشفق الملائكة من غضب الله، ويروحون يستغفرون لأهل الأرض، مما يقع في الأرض من معصية وتقصير لفاطر السموات والأرض، ذي الجبروت والملكوت والكبرياء والعظمة، كما أخبر الله عنهم بقوله: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (٧)﴾ [غافر: ٧].
وقد وكل الله بالعرش ملائكة يحملونه .. وملائكة حوله يطوفون به .. لهم زجل بالتسبيح والتقديس والتعظيم لربهم .. صافون لا يسأمون ولا يفترون عن العبادة لربهم .. لا يغشاهم نوم العيون .. ولا سهو العقول .. ولا فترة الأبدان .. ولا غفلة النسيان .. ولا شراب ولا طعام.
يا حسرة على العباد ماذا علموا، وماذا جهلوا، من عظمة الرب وقدرته وجلاله وجماله وكبريائه؟.
وما الذي غرهم حتى أعرضوا عن ربهم، فعصوه وأطاعوا عدوه؟.
стр. 821
﴿فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ (٣٨)﴾ [فصلت: ٣٨].
وقد وكل الله سبحانه بالرياح ملائكة تصرفها بأمره .. ووكل بالقطر ملائكة .. ووكل بالسحاب ملائكة تسوقه وتفرغه حيث أمرت .. قال النبي ﷺ : «بَيْنَا رَجُلٌ بِفَلاةٍ مِنَ الأرْضِ، فَسَمِعَ صَوْتاً فِي سَحَابَةٍ: اسْقِ حَدِيقَةَ فُلانٍ، فَتَنَحَّى ذَلِكَ السَّحَابُ، فَأفْرَغَ مَاءَهُ فِي حَرَّةٍ» أخرجه مسلم (١).
ووكل سبحانه بالجبال ملائكة يقومون عليها .. ويحركونها ويرفعونها بأمر الله.
ووكل سبحانه بالرحمة ملائكة .. ووكل بالعذاب ملائكة .. ووكل بالوحي ملائكة يؤدونه إلى أنبيائه ورسله كما قال سبحانه: ﴿يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ (٢)﴾ [النحل: ٢].
ووكل سبحانه بالجنة ملائكة يبنونها ويفرشونها .. ويصنعون أرائكها وسررها .. وصحافها ونمارقها .. وزرابيها وقصورها.
ووكل بالنار ملائكة يبنونها، ويوقدونها ويسجرونها .. ويصنعون أغلالها وسلاسلها .. ويقومون بأمرها: ﴿عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٦)﴾ [التحريم: ٦].
ووكل سبحانه بالبحار ملائكة تسجرها وتمنعها أن تفيض على الأرض فتغرق أهلها.
ووكل ﷻ ملائكة بأعمال بني آدم .. خيرها وشرها .. تحصيها وتحفظها وتكتبها كما قال سبحانه: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (١٨)﴾ [ق: ١٨].
وقال سبحانه: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ (٨٠)﴾ [الزخرف: ٨٠].
فالإيمان بالملائكة أحد أركان الإيمان الذي لا يتم إلا به، وهي:
стр. 822
الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره.
وإذا عرفنا ذلك فيجب أن نعلم أن كل حركة في العالم العلوي والسفلي فسببها الملائكة، وحركتهم طاعة الله بأمره وإرادته، فيرجع الأمر كله إلى تنفيذ مراد الرب تعالى شرعاً وقدراً، والملائكة هم المنفذون ذلك بأمره. فهم رسل الله في تنفيذ أوامره في ملكه: ﴿لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (٢٧) يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ (٢٨)﴾ [الأنبياء: ٢٧، ٢٨].
وجميع حركات العالم العلوي والسفلي تابعة للإرادة والمحبة، وبها تحرك العالم ولأجلها، فما تحرك في العالم العلوي والسفلي إلا والإرادة والمحبة سببها وغايتها.
والملائكة هم المقسمات أمر الله الذي أمرت به بين خلقه كما قال سبحانه: ﴿فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا (٤)﴾ [الذاريات: ٤].
وهم المدبرات أمر الخلائق بأمر الله كما قال سبحانه: ﴿فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا (٥)﴾ [النازعات: ٥].
فالملائكة تقسم الأمر وتدبره بإذن الله، وكل منهم قد جعله الله على تدبير أمر من أمور الدنيا، وأمور الآخرة، لا يتعدى منه ما قدر له، ولا ينقص منه.
فالملائكة ينفذون أوامر الله في خلقه:
في كل حال، وفي كل وقت، وفي كل مكان، وفي كل مخلوق .. لايعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون.
فجبريل ﷺ ينزل بالوحي على الرسل والأنبياء، ويقسم العذاب وأنواع العقوبة على من خالف أمر الله ورسله.
وميكائيل ﷺ على القطر والنبات والبرد والثلج، يقسمهما بأمر الله على البلاد والعباد، إلى أن يرث الله الأرض وما عليها.
وملك الموت ﷺ يقسم المنايا بين الخلق بأمر الله، فلا يفر من الموت أحد، ولا
стр. 823
يموت أحد قبل أجله، ثم إلى ربهم يحشرون.
وإسرافيل يقسم الأرواح على أبدانها عند النفخ في الصور.
فتدبير أمر العالم العلوي والسفلي إنما هو بأمر الله، على أيدي الملائكة الذين يدبر الله بهم أمر العالم.
هذا مع ما في خلق الملائكة من البهاء والحسن، وما فيهم من القوة والشدة، ولطافة الجسم، وحسن الخلق وكمال الانقياد لأمر الله، والقيام بعبادته، وتنفيذ أوامره في أقطار العالم.
وكل حركة في السموات والأرض من حركات الأفلاك والنجوم، والشمس والقمر، والرياح والسحاب، والنبات والحيوان، والتراب والجبال، فهي ناشئة عن الملائكة الموكلين بالسموات والأرض ومن فيهن كما قال سبحانه: ﴿فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا (٥)﴾ [النازعات: ٥].
والقرآن العظيم كلام رب العالمين نزل به الروح الأمين جبريل على قلب سيد المرسلين محمد ﷺ .
وأضاف الله القرآن إلى الرسول الملكي وهو جبريل تارة فقال: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (١٩) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (٢٠) مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ (٢١)﴾ [التكوير: ١٩ - ٢١].
وأضافه إلى الرسول البشري محمد ﷺ تارة كما قال سبحانه: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (٤٠) وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ (٤١) وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٤٢) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٣)﴾ [الحاقة: ٤٠ - ٤٣].
وإضافة القرآن إلى كل واحد من الرسولين الملكي والبشري إضافة تبليغ لا إضافة إنشاء من عنده، فهو كلام الله الذي تكلم به حقاً، وجبريل سمعه من الله، ومحمد ﷺ سمعه من جبريل، والأمة سمعته وبلغها من محمد ﷺ .
وقد وصف الله رسوله الملكي جبريل بأنه كريم .. قوي .. مكين عند الرب تعالى .. مطاع في السموات .. أمين.
فهذه خمس صفات تتضمن تزكية سند القرآن الكريم، فهذا الملك الذي ألقى
стр. 824
القرآن على محمد ﷺ ملك كريم جميل المنظر كثير الخير.
وكل خير في الأرض من هدى وعلم، ومعرفة وإيمان، وتقوى وبر، فهو مما أجراه ربه على يده، وهذا غاية الكرم.
وهو ذو قوة، فبقوته يمنع الشياطين أن تدنوا منه، وأن ينالوا منه شيئاً، وأن يزيدوا في القرآن أو ينقصوا منه.
وهو قادر على تنفيذ ما أمر به لقوته، مؤد له كما أمر به لأمانته.
فهو القوي الأمين الذي تطيعه أملاك السموات فيما يأمرهم به عن الله تعالى، وله مكانة ووجاهة عند ربه، وهو أقرب الملائكة إليه، ولعلو منزلته صار قريباً من ذي العرش سبحانه.
فمحمد ﷺ مطاع في الأرض .. وجبريل ﷺ مطاع في السماء .. فكل من الرسولين مطاع في محله وقومه.
ووصف الله عبده ورسوله جبريل ﷺ بهذه الصفات يدل على عظمة شأن المرسل .. والرسول .. والرسالة .. والمرسل إليه.
حيث انتدب له الكريم، القوي المكين عنده، المطاع في الملأ الأعلى، الأمين حق أمين، فإن الملوك لا ترسل في مهماتها إلا الأشراف، ذوي الأقدار، والرتب العالية، فكيف برسول ملك الملوك جبريل ﷺ .
فعلينا أن نشعر بوجود هؤلاء الملائكة الكرام الذين هم معنا يكتبون الأعمال، والأقوال، ويحفظونها، وعلينا أن نجلهم ونوقرهم ونكرمهم ونستحي منهم.
فالملائكة هم الذين يدافعون عن المؤمن، ويستغفرون له ويدعون له، فلا يليق بالمؤمن أن ينسى جوارهم، ويبالغ في أذاهم، وطردهم عنه.
فالملك ضيف الإنسان وجاره، والإحسان إلى الجار، وإكرام الضيف من لوازم الإيمان، والملائكة المرافقون للإنسان أكرم ضيف وأعز جار.
وإذا آذى العبد الملك بأنواع المعاصي والفواحش والكبائر دعا عليه ربه، كما يدعو له إذا أكرمه بالطاعة والإحسان.
стр. 825
ومعنا من الملائكة من لا يفارقنا فليستح العبد منهم، وليكرمهم، وقد نبه الله على هذا بقوله: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَامًا كَاتِبِينَ (١١) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ (١٢)﴾ [الانفطار: ١٠ - ١٢].
أي استحوا من هؤلاء الحافظين الكاتبين الكرام، وأكرموهم وأجلوهم أن يروا منكم ما تستحيون أن يراكم عليه من هو مثلكم.
والملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم، وإذا كان ابن آدم يتأذى ممن يفجر ويعصي بين يديه وإن كان قد يعمل مثل عمله.
فما الظن بأذى الملائكة الكرام الكاتبين؟.
وما الظن بمبارزة الملك العظيم الجبار بالمعاصي والفواحش؟.
فما الذي غر الإنسان حتى غرق في بحر المعاصي والفواحش والمنكرات؟.
أغره حلم ربه؟، أم يظن أن الله لا يراه؟، أم استغنى بما عنده عن ربه؟، أم يحسب أنه لا يعود إليه؟.
﴿يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (٦) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (٧) فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ (٨)﴾ [الانفطار: ٦ - ٨].
وللملائكة مع البشر ثلاثة أدوار:
الأول: دورهم مع جميع بني آدم مؤمنهم وكافرهم من تشكيلهم للنطفة، وحراسة العباد، ومراقبة كل أحد، وتبليغ الوحي، ونزع الأرواح ونحو ذلك.
الثاني: دور الملائكة مع المؤمنين، ومن ذلك:
١ - محبتهم للمؤمنين:
قال النبي ﷺ : «إِذَا أحَبَّ اللهُ الْعَبْدَ نَادَى جِبْرِيلَ: إِنَّ اللهَ يُّحِبُّ فُلاناً فَأحْبِبْهُ، فَيُّحِبُّهُ جِبْرِيلُ، فَيُنَادِي جِبْرِيلُ فِي أهْلِ السَّمَاءِ: إِنَّ اللهَ يُّحِبُّ فُلاناً فَأحِبُّوهُ، فَيُّحِبُّهُ أهْلُ السَّمَاءِ، ثُمَّ يُوضَعُ لَهُ الْقَبُولُ فِي الأرْضِ» متفق عليه (١).
стр. 826
٢ - صلاتهم على المؤمنين، كما قال سبحانه: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا (٤٣)﴾ [الأحزاب: ٤٣].
والصلاة من الله ثناؤه على العبد عند الملائكة ورحمته له.
والصلاة من الملائكة بمعنى الدعاء للمؤمنين والاستغفار لهم.
والملائكة يصلون على معلمي الناس الخير .. ويصلون على الذين ينتظرون صلاة الجماعة ما لم يحدثوا .. والله وملائكته يصلون على الصف الأول، وعلى الصفوف المتقدمة .. وعلى الذين يصلون الصفوف، ويسدون الفرج، وعلى الذين يتسحرون .. وعلى الذين يصلون على النبي ﷺ .
والملائكة يستغفرون للذين يعودون المرضى.
٣ - تأمين الملائكة على دعاء المؤمنين، وبذلك يكون أقرب للإجابة.
قال النبي ﷺ : «يَقُولُ دَعْوَةُ الْمَرْءِ الْمُسْلِمِ لأخِيهِ، بِظَهْرِ الْغَيْبِ مُسْتَجَابَةٌ، عِنْدَ رَأْسِهِ مَلَكٌ مُوَكَّلٌ، كُلَّمَا دَعَا لأخِيهِ بِخَيْرٍ، قَالَ الْمَلَكُ الْمُوَكَّلُ بِهِ: آمِينَ. وَلَكَ بِمِثْلٍ» أخرجه مسلم (١).
وإذا كان الدعاء المؤمن عليه حرياً بالإجابة، فإنه لا ينبغي للمؤمن أن يدعو على نفسه بشر.
عن أم سلمة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «لا تَدْعُوا عَلَى أنْفُسِكُمْ إِلا بِخَيْرٍ. فَإِنَّ الْمَلائِكَةَ يُؤَمِّنُونَ عَلَى مَا تَقُولُونَ» أخرجه مسلم (٢).
٤ - استغفارهم للمؤمنين ودعاؤهم لهم كما قال سبحانه: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (٧)﴾ [غافر: ٧].
٥ - شهود الملائكة مجالس العلم وحلق الذكر.
стр. 827
قال رسول الله ﷺ : «إِنَّ للهِ مَلائِكَةً يَطُوفُونَ فِي الطُّرُقِ يَلْتَمِسُونَ أهْلَ الذِّكْرِ، فَإِذَا وَجَدُوا قَوْماً يَذْكُرُونَ الله تَنَادَوْا: هَلُمُّوا إلى حَاجَتِكُمْ. قَالَ: فَيَحُفُّونَهُمْ بِأجْنِحَتِهِمْ إلى السَّمَاءِ الدُّنْيَا» متفق عليه (١).
وإذا جلس المسلم في حلقة العلم استفاد من الملائكة فائدتين:
الأولى: أن الملائكة تحف بمن يطلب العلم إكراماً لهم، وتدعو لهم، وتحرسهم.
الثانية: أن الصحبة مؤثرة، فإذا حفتهم الملائكة استفادوا منها كرامتين: أنهم في ذلك المجلس لا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون.
وهذان مقصد الحياة:
امتثال أمر الله .. وعدم معصية الله.
فالأعمال الصالحة تقرب الملائكة منا وتقربنا منهم، ولو استمر العباد في حالة عالية من الإيمان والسمو الروحي لوصلوا إلى درجة مشاهدة الملائكة ومصافحتهم.
عن حنظلة الأسيدي ﵁ أن النبي ﷺ قال: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ! إِنْ لَوْ تَدُومُونَ عَلَى مَا تَكُونُونَ عِنْدِي، وَفِي الذِّكْرِ، لَصَافَحَتْكُمُ الْمَلائِكَةُ عَلَى فُرُشِكُمْ وَفِي طُرُقِكُمْ، وَلَكِنْ يَا حَنْظَلَةُ، سَاعَةً وَسَاعَةً» أخرجه مسلم (٢).
٦ - تسجيل الملائكة للمسلمين الذين يحضرون الجمعة.
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذَا كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ، وَقَفَتِ الْمَلائِكَةُ عَلَى باب الْمَسْجِدِ، يَكْتُبُونَ الأوَّلَ فَالأوَّلَ، وَمَثَلُ الْمُهَجِّرِ كَمَثَلِ الَّذِي يُهْدِي بَدَنَةً، ثُمَّ كَالَّذِي يُهْدِي بَقَرَةً، ثُمَّ كَبْشاً، ثُمَّ دَجَاجَةً، ثُمَّ بَيْضَةً، فَإذَا خَرَجَ الإمَامُ طَوَوْا صُحُفَهُمْ، وَيَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ» متفق عليه (٣).
стр. 828
٧ - تعاقب الملائكة على المؤمنين فطائفة تأتي، وطائفة تذهب.
قال النبي ﷺ : «يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ: مَلائِكَةٌ بِاللَّيْلِ وَمَلائِكَةٌ بِالنَّهَارِ، وَيَجْتَمِعُونَ فِي صَلاةِ الْفَجْرِ وَصَلاةِ الْعَصْرِ، ثُمَّ يَعْرُجُ الَّذِينَ بَاتُوا فِيكُمْ، فَيَسْألُهُمْ وَهُوَ أعْلَمُ بِهِمْ: كَيْفَ تَرَكْتُمْ عِبَادِي؟ فَيَقُولُونَ تَرَكْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ، وَأتَيْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ» متفق عليه (١).
ومن الملائكة من يتنزل عند قراءة القرآن يستمعون له.
ولله ملائكة سياحون يبلغون سلام الأمة للنبي ﷺ في كل وقت.
ومنهم من يحمل البشارات للأنبياء وغيرهم كما بشرت الملائكة إبراهيم كما قال سبحانه: ﴿فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ (٢٨)﴾ [الذاريات: ٢٨].
وبشرت زكريا بيحيى كما قال سبحانه: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (٣٩)﴾ [آل عمران: ٣٩].
والملائكة تقاتل مع المؤمنين ضد أعدائهم كما قال سبحانه: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ (١٢)﴾ [الأنفال: ١٢].
ومنهم من يرسله الله لحماية ونصرة صالحي عباده كما أرسل جبريل لإغاثة هاجر وابنها إسماعيل، فبحث بعقبه حتى خرج ماء زمزم بأمر الله.
والملائكة تشهد جنائز الصالحين، وتظل الشهداء بأجنحتها، وتحمي مكة والمدينة من الدجال.
والملائكة يؤمنون مع المؤمنين.
قال النبي ﷺ : «إذَا أمَّنَ الإمَامُ فَأمِّنُوا، فَإنَّهُ مَنْ وَافَقَ تَأْمِينُهُ تَأْمِينَ الْمَلائِكَةِ، غُفِرَ
стр. 829
لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» متفق عليه (١).
فهذه بعض أعمال الملائكة مع المؤمنين.
فعلينا أن نتولى جميع الملائكة بالحب والتوقير والإكرام، ونتجنب ما يسيء إليهم ويؤذيهم من المعاصي والمنكرات، والروائح الكريهة.
والملائكة لا تدخل الأماكن والبيوت التي يعصى الله فيها، أو يوجد فيها ما يكرهه الله ويبغضه كالأنصاب والصور، والتماثيل والكلاب، والسكران، والجنب إلا أن يتوضأ.
قال النبي ﷺ : «مَنْ أَكَلَ الْبَصَلَ وَالثُّومَ وَالْكُرَّاثَ فَلا يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا، فَإِنَّ الْمَلائِكَةَ تَتَأذَّى مِمَّا يَتَأذَّى مِنْهُ بَنُو آدَمَ» متفق عليه (٢).
الثالث: دور الملائكة مع الكفار والفساق.
فالملائكة لا يحبون الكفرة الظالمين المجرمين، بل يعادونهم ويحاربونهم ويلعنونهم.
كما حاربت الملائكة مع المؤمنين ضد الكفار في بدر كما قال سبحانه: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ (٩)﴾ [الأنفال: ٩].
وكما حاربوا الأحزاب في الخندق كما قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا (٩)﴾ [الأحزاب: ٩].
وقد أرسل الله ملائكة إلى قوم لوط الذين جمعوا مع الكفر فاحشة إتيان الذكران من العالمين، فرفع جبريل ديارهم بمن فيها ثم قلبها كما قال سبحانه: ﴿قَالُوا يَالُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ (٨١)
стр. 830
فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ (٨٢) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ (٨٣)﴾ [هود: ٨١ - ٨٣].
والملائكة تلعن الكفرة الذين كفروا بالله ولم يستجيبوا لرسله وماتوا على ذلك كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١٦١)﴾ [البقرة: ١٦١].
ولا تلعن الملائكة الكفرة فحسب.
بل قد تلعن من فعل ذنوباً معينة، كالمرأة التي يدعوها زوجها إلى الفراش فتأبى، فالملائكة تلعنها حتى ترجع.
ومن أشار إلى أخيه بحديدة فإن الملائكة تلعنه، لما فيه من الترويع لأخيه.
ومن أحدث حدثاً أو آوى محدثاً فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين.
فما أعظم قدرة الله، وما أعظم مخلوقاته، وما أعظم خلقه من الملائكة الذين لا يحصيهم ولا يحصي أعمالهم إلا الله.
وله الحمد سبحانه على عنايته ببني آدم حيث وكل من الملائكة من يقوم بحفظهم ونصرتهم والدعاء لهم، والاستغفار لهم.
فعلينا محبة جميع الملائكة الذين يقومون بعبادة الله، والدعاء والاستغفار للمؤمنين، وتنفيذ أوامر الله، وتبليغ الوحي إلى رسل الله.
إن الإيمان بالملائكة شأنه شأن الحقائق الغيبية المستيقنة التي جاءت من عند الله، يوسع آفاق الشعور الإنساني بالوجود، فلا تنكمش صورة الكون عنده على ما تدركه الحواس وهو ضئيل.
كما أنه يؤنس قلب الإنسان بهذه الأرواح المؤمنة من حوله، تشاركه إيمانه بربه، وتستغفر له، وتكون في عونه على الخير بإذن الله.
стр. 831
٣ - فقه الإيمان بالكتب
قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (٢) نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (٣) مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ﴾ [آل عمران: ٢ - ٤].
وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (١٣٦)﴾ [النساء: ١٣٦].
الله ﵎ هو خالق هذا الكون العظيم، وله ملك السموات والأرض وما فيهن، وله ملك الدنيا والآخرة، ولا بد للملك في ملكه من أوامر، ومن جنود تنفذ وتؤدي هذه الأوامر.
وأوامر الله نوعان:
أوامر كونية .. وأوامر شرعية.
فأوامر الله الكونية القدرية وكل الله الملائكة بتنفيذها في هذا الكون في مخلوقاته سبحانه كما قال سبحانه عن الملائكة: ﴿فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا (٥)﴾ [النازعات: ٥].
وأوامر الله الشرعية هي الكتب السماوية التي أنزلها الله على رسله، وهي تشتمل على الأوامر الشرعية التي تصلح بها أحوال العباد، وتعرفهم بخالقهم ومعبودهم، وما يحب وما يكره، وما يرضيه وما يسخطه من الأقوال والأعمال والأخلاق، وتبين ما للناس بعد القدوم على ربهم في الآخرة من الثواب والعقاب.
فلا بد للملك في ملكه من أوامر تصلح بها أحوال رعيته:
من حث وتحريص، ونهي وتحذير، وترغيب وترهيب.
فمن أحسن أثيب .. ومن أساء عوقب.
ولا بد للملك من سفراء بينه وبين خلقه وهم الرسل الذين يستقيمون على أوامر
стр. 832
الله، ويطيعونه تمام الطاعة، ويبينون للناس ما نزل إليه من ربهم من أوامر وأحكام، ويحكمون بين الناس بالعدل والحق في الدنيا، وينفذون أوامره في خلقه، ويبلغون شرعه.
ولا بد أن تكون للملك محكمة يحاسب فيها من أطاعه ومن عصاه، فيجزي على الخير خيراً، ويجزي على الشر ما يستحقه من العقوبة، وذلك يوم القيامة.
وبعد الحساب يكون للناس فريقين:
فريق في الجنة، وفريق في السعير:
فيكرم الله ﵎ بالجنة كل من آمن به وأطاعه وعمل بالكتاب الذي أنزله واتبع الرسول الذي أرسله كما قال سبحانه: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٣)﴾ [النساء: ١٣].
ويهين ويذل كل من كفر به وعصاه بما أعد لهم من العذاب في النار كما قال سبحانه: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٤)﴾ [النساء: ١٤].
والإيمان بالكتب:
هو التصديق الجازم بأن الله أنزل كتباً على أنبيائه ورسله هداية لعباده .. وهي من كلام الله حقيقة .. وأن ما تضمنته حق لا ريب فيه .. منها ما سمى الله في كتابه .. ومنها ما لا يعلم أسماءها وعددها إلا الله وحده لا شريك له.
وقد بين الله في القرآن أنه أنزل الكتب الآتية:
١ - صحف إبراهيم ﷺ .
٢ - التوراة، وهو الكتاب الذي أنزله الله على موسى ﷺ .
٣ - الزبور، وهو الكتاب الذي أنزله الله على داود ﷺ .
٤ - الإنجيل، وهو الكتاب الذي أنزله الله على عيسى ﷺ .
٥ - القرآن، وهو الكتاب الذي أنزله الله على محمد ﷺ للناس كافة، وهو آخر
стр. 833
الكتب السماوية إلى البشر.
فنؤمن بأن الله أنزل الكتب السابقة لهداية عباده، وهي شريعة الله ودينه في أوقاتها، ونصدق ما صح من أخبارها كأخبار القرآن، وأخبار ما لم يبدل أو يحرف من الكتب السابقة.
ونعمل بأحكام ما لم ينسخ منها مع الرضا والتسليم، ونؤمن بما لم نعلم اسمه من الكتب السماوية إجمالاً.
وجميع الكتب السماوية السابقة كالتوراة والإنجيل والزبور وغيرها منسوخة بالقرآن العظيم كما قال سبحانه: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ﴾ [المائدة: ٤٨].
وما في أيدي أهل الكتاب مما يسمى بالتوراة والإنجيل، أو العهد القديم، والعهد الجديد، لا تصح نسبته كله إلى أنبياء الله ورسله، فقد كتب بعدهم، ووقع فيهم التحريف والتبديل، ومنها ما كتموه، ومنها ما افتروه، كقول اليهود عزير ابن الله، وقول النصارى المسيح ابن الله، واتهام الأنبياء بما لا يليق بمقامهم، ووصف الخالق بما لا يليق بجلاله ونحو ذلك.
فيجب رد ذلك كله، وعدم الإيمان إلا بما جاء في القرآن والسنة تصديقه.
وإذا حدثنا أهل الكتاب فلا نصدقهم ولا نكذبهم ونقول:
آمنا بالله وكتبه ورسله، فإن كان ما قالوه حقاً لم نكذبهم، وإن كان ما قالوه باطلاً لم نصدقهم، ونجادلهم بالتي هي أحسن إلا الظالم منهم، ومجادلتنا لهم مبنية على الإيمان بما أنزل إلينا، وأنزل إليهم، وعلى الإيمان برسولنا ورسلهم، وأن إلهنا جميعاً واحد، فلا نقدح في شيء من كتب الله المنزلة، ولا في أحد من رسله كما قال سبحانه: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (٤٦)﴾ [العنكبوت: ٤٦].
стр. 834
والقرآن الكريم أعظم الكتب السماوية وأفضلها وأكملها، أنزله الله على خاتم رسله، وأفضلهم محمد ﷺ ، وجعله تبياناً لكل شيء وهدى ورحمة للعالمين كما قال سبحانه: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (٨٩)﴾ [النحل: ٨٩].
فالقرآن العظيم أفضل الكتب .. نزل به أفضل الملائكة وهو جبريل .. على أفضل الخلق وهو محمد ﷺ .. على أفضل أمة أخرجت للناس وهي هذه الأمة .. بأفضل الألسنة وأفصحها وهو اللسان العربي المبين .. بأفضل شريعة وأكملها وهي ما فيه من الأحكام والسنن والآداب.
فيجب على كل أحد الإيمان به والعمل بأحكامه والتأدب بآدابه.
ولا يقبل الله العمل بغيره بعد نزوله، وقد تكفل الله بحفظه، فسلم من التحريف والتبديل، ومن الزيادة والنقصان كما قال سبحانه: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ [الحجر: ٩].
وكتاب الله ومنهجه وشرعه للبشرية إلى يوم القيامة كما قال سبحانه: ﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٥٢)﴾ [إبراهيم: ٥٢].
فلله الحمد والشكر، وله المنّة والفضل حيث أرسل إلينا أفضل رسله، وأنزل علينا أفضل كتبه، وجعلنا من خير أمة أخرجت للناس: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (١٦٤)﴾ [آل عمران: ١٦٤].
وقد وصف الله القرآن الكريم بما يقتضي حسنه وكثرة خيره ومنافعه، وجلالة قدره وعظمته فقال سبحانه: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (٧٨) لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (٧٩) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٨٠)﴾ [الواقعة: ٧٧ - ٨٠].
والكريم: هو البهي الحسن، الكثير الخير، العظيم النفع، وهو من كل شيء أفضله وأحسنه.
وقد وصف الله نفسه بالكريم .. ووصف كتابه بالكريم .. ووصف عرشه
стр. 835
بالكريم .. ووصف رسوله الملكي جبريل بالكريم .. ووصف رسوله البشري محمداً ﷺ بالكريم.
والقرآن الكريم لا يدرك معانيه ولا يفهمه إلا القلوب الطاهرة، وحرام على القلوب الملوثة بنجاسة البدع والشرك والمعاصي أن تنال معانيه أو تفهمه كما ينبغي.
إن القرآن الكريم كلام الله ، فلا يفهمه ولا يجد طعمه إلا من آمن به، ولا يلتذ به وبقراءته وتدبره إلا من شهد أنه كلام الله، تكلم به حقاً، وأنزله على رسوله وحياً.
ولا ينال بركته ولا يستفيد من معانيه إلا من لم يكن في قلبه حرج منه بوجه من الوجوه فهو كتاب جليل القدر عظيم النفع، حوى كل ما يحتاج إليه العباد، وجميع المطالب الإلهية، والمقاصد الشرعية، محكم مفصل.
أصدق الكلام وأحسنه وأكمله:
فيه الأمر والنهي .. والوعد والوعيد .. والثواب والعقاب، تطمئن به القلوب .. وتنشرح له الصدور .. أنزله الله هدى ونوراً وشفاء للبشرية إلى يوم القيامة: ﴿كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (٢)﴾ [الأعراف: ٢].
فمن لم يؤمن بأن الله تكلم به وحياً ففي قلبه حرج منه.
ومن لم يؤمن بأنه حق من عند الله ففي قلبه حرج منه.
ومن قال إن له باطناً يخالف ظاهره ففي قلبه حرج منه.
ومن قال إن له تأويلاً لا نفهمه ولا نعلمه، وإنما نتلوه متعبدين بألفاظه ففي قلبه حرج منه.
ومن سلط عليه الآراء الشاذة، وجعله تابعاً لنحلته ومذهبه تعصباً، في قلبه حرج منه.
ومن لم يأتمر بأمره، وينزجر عن زواجره، ويصدق أخباره، ويعمل بمحكمه،
стр. 836
ويؤمن بمتشابهه، ويرد ما سوى ذلك، ففي قلبه حرج منه.
ومن لم يحكمه ظاهراً وباطناً في جميع شعب الحياة، ويسلم وينقاد لحكمه أيا كان وأين كان، ففي قلبه حرج منه.
وكل كتاب من كتب الله جاء بثلاثة أمور:
الأول: تعريف الناس بربهم ليعبدوه ويطيعوه، ويجتنبوا عبادة ما سواه.
الثاني: تعريفهم بالطريق الموصل إليه، والذي يحبه ويرضاه، وهو شرعه الذي أرسل به رسله، وما يشتمل عليه من الأوامر والنواهي.
الثالث: تعريفهم بحالهم بعد القدوم على ربهم بعد الموت، فللمؤمنين بالله الجنة، وللكفار النار، كل يجازى بحسب عمله.
والشرائع التي أنزل الله ثلاث:
شريعة عدل: وهي شريعة التوراة، فيها الحكم والقصاص بالعدل، وهي شريعة الجلال والقهر.
وشريعة فضل: وهي شريعة الإنجيل، وهي مشتملة على العفو ومكارم الأخلاق، والصفح والإحسان، فهي شريعة الجمال والفضل والإحسان.
وشريعة جمعت هذا .. وهذا (العدل والإحسان)، وهي شريعة القرآن.
فإنه يذكر العدل ويوجبه، ويذكر الفضل ويندب إليه، ويذكر الظلم ويحرمه كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠)﴾ [النحل: ٩٠].
وقال سبحانه: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (٤٠)﴾ [الشورى: ٤٠].
وقد أرسل الله بهذه الشريعة محمداً ﷺ .
فشريعة محمد ﷺ جاءت في مظهر الكمال، الجامع للجلال والجمال، جمعت بين العدل والشدة في الله، وبين اللين والرأفة والرحمة في الله.
فشريعة موسى جاءت بالجلال .. وشريعة عيسى جاءت بالجمال .. وشريعة
стр. 837
محمد جاءت بالكمال الجامع للجلال والجمال .. ولهذا رضيها الله للبشر ديناً إلى يوم القيامة.
فشريعته ﷺ أكمل الشرائع، وهو أفضل الأنبياء وأكملهم، وأمته أكمل الأمم، وكتابه أحسن الكتب.
فهو سيد الأنبياء وخاتمهم .. وأمته أفضل الأمم وآخرها .. وكتابه أفضل الكتب وأحسنها .. وشريعته أكمل الشرائع وآخرها: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٨٥)﴾ [آل عمران: ٨٥].
فصلوات الله وسلامه على أنبياء الله ورسله، وعلى سيد الخلق نبينا محمد، الذي يحمده لجمال صفاته أهل السماء والأرض، أحمد الخلق لربه، وأحق بأن يحمد أكثر من غيره، فقد جاء من ربه بأعظم شرع، وأحسن كتاب.
وقد أخبر الله عن القرآن الكريم:
بأنه ذكر للعالمين بقوله سبحانه: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (٢٧)﴾ [التكوير: ٢٧].
وأنه تذكرة للمتقين بقوله سبحانه: ﴿وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (٤٨)﴾ [الحاقة: ٤٨].
وأنه ذكر مبارك بقوله سبحانه: ﴿وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (٥٠)﴾ [الأنبياء: ٥٠].
فالقرآن الكريم ذكر للعالم أجمع، فهو المنهج الكامل الوحيد الذي يسعدون باتباعه في الدنيا والآخرة.
وهو ذكر لأهل الإيمان والتقوى، فهو هدى وذكرى.
يذكر العباد بمصالحهم في معاشهم ومعادهم .. ويذكرهم بالمبدأ والمعاد.
ويذكرهم بالرب تعالى وأسمائه وصفاته وأفعاله وحقوقه على عباده.
ويذكرهم بالخير ليفعلوه .. ويذكرهم بالشر ليجتنبوه.
ويذكرهم بنفوسهم وآفاتها وما تكمل به.
ويذكرهم بعدوهم، وما يريد منهم، ومن أي الطرق يأتي إليهم؟، وبماذا يحترزون من كيده؟.
стр. 838
ويذكرهم بفاقتهم وحاجتهم إلى ربهم، وأنهم مضطرون إليه لا يستغنون عنه لحظة أبداً.
ويذكرهم بنعم الله عليهم ليشكروه، ويدعوهم بها إلى نعم أخرى أكبر منها.
ويذكرهم برحمته وعفوه ليقبلوا عليه، ويتوبوا إليه.
ويذكرهم بأسه وشدة بطشه وانتقامه، ممن عصى أمره، وكذب رسله، ليخافوه ويهابوه ويطيعوه.
ويذكرهم بثوابه وعقابه، وما أعد لأوليائه، وما أعد لأعدائه ليقبلوا على ما ينفعهم، ويحذروا مما يضرهم، وينافسوا في الخيرات.
ويذكرهم بما يحل لهم وما يحرم عليهم، وما يحبه الرب وما يبغضه.
ويذكرهم بصفات أوليائه ليفعلوها ويتحلوا بها.
ويذكرهم بصفات أعدائه ليجتنبوها ويحذروا منها.
ويذكرهم بعاقبة هؤلاء وهؤلاء.
ولهذا يأمر الله عباده أن يذكروا ما في كتابه من المواعظ والشرائع والأحكام وأن يأخذوها بقوة كما قال سبحانه: ﴿خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٧١)﴾ [الأعراف: ١٧١].
وكون القرآن ذكراً للعالمين كلهم غير جهة كونه ذكراً للمتقين، فإنه ذكر للعموم بالصلاحية والقوة، وذكر لأهل الاستقامة بالحصول والنفع.
والكون كتاب الله المنظور .. والقرآن كتاب الله المقروء.
وكلاهما دليل على الخلاق العليم، كما أن كليهما كائن ليعمل.
فالكون كله بما فيه من مخلوقات ما زال يتحرك، ويؤدي دوره الذي قدره له بارئه بطاعة تامة لربه: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (٤٩) يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٥٠)﴾ [النحل: ٤٩ - ٥٠].
والقرآن كذلك أدى دوره للبشرية التي آمنت به وحكمته، واستجابت لأوامره.
стр. 839
فهذا القرآن خوطبت به أمة حية ذات وجود.
ووجهت به أحداث واقعية في حياة الأمة.
واستقامت به حياة إنسانية في هذه الأرض.
وأديرت به معركة ضخمة في داخل النفس الإنسانية، وفي رقعة من الأرض كذلك.
فكانت النتائج طيبة مباركة، سعادة من تمسك به في الدنيا والآخرة، وخذلان من خالفه وشقاءه في الدنيا والآخرة.
ذلك هو جيل الصحابة الذين تلقوا الدين والإيمان مباشرة قلبياً وعملياً من الرسول ﷺ .
والقرآن هو القرآن .. والإنسان ما يزال هو الإنسان .. والقرآن هو خطاب الله لكل إنسان إلى يوم القيامة.
فالكون يتحرك بأمر الله الكوني القدري، والإنسان كذلك يجب أن يتحرك بأمر الله الديني الشرعي، ليوافق الكائنات في العبادة والطاعة، فالكون له أوامر .. والإنسان له أوامر .. وكل إليه راجعون.
فهل نستفيد من القرآن كما استفاد الصحابة؟، وهل نعمل به كما عملوا لنسعد في الدنيا والآخرة؟.
يا ويح البشرية إن الدواء والشفاء الذي يشفيها من عللها وأمراضها موجود بين أيديها ولكنها لا تستفيد منه: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٦)﴾ [المائدة: ١٥، ١٦].
وتلك مصيبة، ومصيبة أعظم منها، أنها تطلب شفاءها وسعادتها فيما يزيد آلامها، ويوسع جراحها، ويشقيها في الدنيا والآخرة، مما يخالف كتاب ربها وهدى نبيها ﷺ ، من قوانين الأمم الكافرة الأخرى.
стр. 840
فماذا أعد الله لهؤلاء في الدنيا والآخرة؟: ﴿لَهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَقُّ وَمَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ (٣٤)﴾ [الرعد: ٣٤].
ما الذي دهى كثيراً من المسلمين حتى رفعوا أحكام القرآن من واقع الحياة؟، وما الذي صرفهم عن مصدر عزهم وسعادتهم؟.
لقد كان هذا القرآن العظيم هو مصدر المعرفة والتربية، والتوجيه والتكوين، لجيل من البشر فريد، وهو جيل الصحابة الكرام.
لقد أنشأ الله بمشيئته وقدرته بهذا الكتاب تلك المعجزة المجسمة في عالم البشر، وهم أصحاب النبي ﷺ ، وهي معجزة واقعة مشهودة، وذلك المجتمع الفريد كانت تحكمه الشريعة التي جاء بها هذا الكتاب العزيز.
وكان هذا المجتمع معجزة أخرى في تاريخ البشرية لما يتحلى به من مكارم الأخلاق وحسن الآداب، التي ﵃ بها، ورضوا عنه، وكانوا بإيمانهم وأخلاقهم وأعمالهم قدوة ورحمة للبشرية فرضي الله عنهم أجمعين: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٠٠)﴾ [التوبة: ١٠٠].
والمجتمعات التي تفوق المسلمين في الإمكانات المادية، لا تطاولهم في الإيمان والأخلاق الكريمة العالية، وحياة اليوم كالأمس.
فهل تحكم الأمة كتاب ربها ليعزها ويرفع ما بها من ذل؟.
﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٠)﴾ [الأنبياء: ١٠].
وإذا هجرت الأمة كتاب ربها .. وسكت العلماء عن بيان الحق وأحكام الدين .. وقعد الدعاة عن نشر الدين بين الأمم .. واشتغل الناس بالأموال والأشياء .. وزهدوا في الإيمان والأعمال .. وفقد الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر .. ونقضت الأمة عهد ربها وميثاقه.
إذا حصل هذا في الأمة فقد أحلت بنفسها غضب الله وسخطه، واستوجبت
стр. 841
عقوبته: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (٤٤) فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٥)﴾ [الأنعام: ٤٤، ٤٥].
لقد عاشت الأمة الإسلامية أزهى عصورها في عهد النبي ﷺ وأصحابه، وعهد خلفائه الراشدين، ولكن سرعان ما تصدع جدار الإيمان والتوحيد من بعدهم، فانقطعوا عن مصدر عزهم، فخضعت رقابهم وديارهم لعدوهم.
فأصبحت الأمة من بعدهم بحاجة ماسة للعودة إلى مصدر عزها، حيث نالتها الضربات والأوجاع من كل ناحية.
وكم كاد الكائدون لهذا الدين، وهذا القرآن بوسائل خفية عنيفة مستمرة طويلة الأمد، وطرق خبيثة ماكرة لئيمة، وحشدت لذلك الطاقات والأفكار، والأموال والحديد والنار؟.
﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (٨)﴾ [الصف: ٨].
اللهم اجعل القرآن العظيم ربيع قلوبنا، ونور صدورنا، وجلاء أحزاننا، وذهاب همومنا وغمومنا.
اللهم علمنا منه ما جهلنا، وذكرنا منه ما نسينا.
وارزقنا حسن تلاوته، وحسن العمل به، وحسن الدعوة إليه.
стр. 842
٤ - فقه الإيمان بالرسل
قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (١٥٢)﴾ [النساء: ١٥٢].
وقال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٧٩)﴾ [آل عمران: ١٧٩].
الإيمان بالرسل:
هو التصديق الجازم بأن الله ، بعث في كل أمة رسولاً، يدعوهم إلى الإيمان بالله، وعبادته وحده، واجتناب ما يعبد من دونه.
وأنهم جميعاً مرسلون صادقون، وقد بلغوا جميع ما أرسلهم الله به.
منهم من أعلمنا الله باسمه، ومنهم من استأثر الله بعلمه.
والرسول هو من أوحى الله إليه بشرع، وأمره بتبليغه إلى من لا يعلمه، أو يعلمه ولكنه خالفه.
والنبي من أوحى الله إليه بشرع سابق، ليعلم من حوله من أصحاب ذلك الشرع ويجدده.
فكل رسول نبي ولا عكس، ويطلق الرسول على النبي، والنبي على الرسول، فإذا اجتمعا في آية فلكل معناه.
وقد بعث الله إلى كل أمة رسولاً كما قال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦].
وعدد الأنبياء والرسل لا يعلمه إلا الله.
منهم من بين الله أسماءهم في القرآن، وقص علينا أخبارهم وهم خمسة وعشرون:
آدم .. ونوح .. وإدريس .. وهود .. وصالح .. وشعيب .. وإبراهيم .. وإسحاق .. وإسماعيل .. ويعقوب .. ويوسف .. وموسى .. وهارون .. وداود .. وسليمان ..
стр. 843
وأيوب .. واليسع .. ويونس .. ولوط .. وإلياس .. وزكريا .. ويحيى .. وذو الكفل .. وعيسى .. ومحمد .. صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.
فنؤمن بهؤلاء جميعاً وبما جاء من أخبارهم وقصصهم.
ومن الأنبياء والرسل من لم نعلم أسماءهم، ولم يقص الله علينا خبرهم، فنؤمن بهم إجمالاً تصديقاً لخبر الله عنهم كما قال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ فَإِذَا جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ قُضِيَ بِالْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ (٧٨)﴾ [غافر: ٧٨].
وأولو العزم من الرسل خمسة ذكرهم الله بقوله سبحانه: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ (١٣)﴾ [الشورى: ١٣].
وأول الرسل من ذرية آدم نوح، وآخرهم محمد ﷺ ، وقد بعث الله كل رسول إلى قومه خاصة، وبعث رسوله محمداً ﷺ إلى الناس كافة، وهو خاتم الأنبياء والمرسلين، أرسله الله رحمة للعالمين كما قال سبحانه: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: ٤٠].
وهو رسول الله بالإٍسلام إلى الناس كافة كما قال سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٢٨)﴾ [سبأ: ٢٨].
وقد أرسل الله الرسل لدعوة الناس إلى عبادة الله وحده، وتحذيرهم من عبادة ما سواه كما قال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦].
وأمرهم الله ببيان الطريق الموصل إليه، وما للناس بعد القدوم عليه وإقامة الحجة على الناس، وأرسلهم رحمة للناس كما قال سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾ [الأنبياء: ١٠٧].
стр. 844
وجميع الأنبياء والرسل رجال من البشر اصطفاهم الله بالرسالة، واجتباهم من بين سائر عباده، وفضلهم بالنبوة والرسالة.
والأنبياء بشر مخلوقون يأكلون ويشربون .. ويقومون وينامون .. ويسهون وينسون .. ويصيبهم المرض والموت.
وهم كغيرهم لا يملكون شيئاً من خصائص الربوبية والألوهية، فلا يملكون النفع والضر لأحد إلا ما شاء الله، ولا يملكون شيئاً من خزائن الله، ولا يعلمون الغيب إلا ما أطلعهم الله عليه كما قال الله لنبيه محمد ﷺ : ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (١٨٨)﴾ [الأعراف: ١٨٨].
والأنبياء والرسل أطهر البشر قلوباً، وأصدقهم إيماناً، وأكملهم ديناً، وأحسنهم أخلاقاً، وأقواهم عبودية، اصطفاهم بالوحي والرسالة، وأمرهم بإبلاغها إلى الناس، ووعدهم على ذلك الجنة، وقد صدقوا وبلغوا عليهم الصلاة والسلام.
فيجب علينا الإيمان بجميع الأنبياء والرسل، ومحبتهم، ومن كفر بواحد منهم فقد كفر بهم جميعاً.
ويجب تصديق ما صح عنهم من أخبارهم مع أممهم، والاقتداء بهم في صدق الإيمان، وكمال التوحيد، وحسن الخلق، والعمل بشريعة من أرسل إلينا منهم، وهو خاتمهم وأفضلهم وسيدهم، المرسل إلى الناس كافة، وإلى العالم قاطبة محمد ﷺ : ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٦)﴾ [البقرة: ١٣٦].
وعلينا محبة جميع أنبياء الله ورسله، والثناء عليهم من غير إطراء، وتوقيرهم، لأنهم رسل الله قاموا بعبادته، وإبلاغ رسالاته، والنصح لعباده وصبروا على ذلك.
ألا ما أعظم رحمة الله بعباده، وشدة عنايته بخلقه، حيث أرسل إليهم الرسل
стр. 845
يدعونهم إلى ربهم، ويبينون لهم كيف يعبدونه.
فلله الحمد والشكر على نعمه التي لا تحصى في الأولين والآخرين.
هو أحق من عُبد، وأحق من حُمد، وأكرم من سُئل، وأرأف من مَلك، وأعظم من عَفا.
ورسل الله إلى خلقه هم أفضل البشر على الإطلاق.
لأنهم يدعون الناس إلى ربهم، ويهدونهم إلى خالقهم، ويتعبون من أجل راحتهم.
فما أسعد من آمن بهم، وتشرف بصحبتهم واتباعهم، وما أحسن صحبتهم في الدنيا والآخرة، وإنما ينال العبد ذلك إذا أطاع الله ورسوله كما قال سبحانه: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (٦٩) ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا (٧٠)﴾ [النساء: ٦٩، ٧٠].
وأصحاب النبي ﷺ وقد ذاقوا طعم صحبته في الدنيا يتشوقون إلى صحبته في الآخرة، فقد كان أمر الصحبة في الآخرة يشغل قلوبهم وأرواحهم.
وإنه حقاً لأمر يشغل كل قلب ذاق محبة هذا الرسول الكريم، وعرف ما قام به، وما جاء به من الخير.
عن رَبِيعَةُ ابْنُ كَعْبٍ الأسْلَمِيُّ، قال: كُنْتُ أبِيتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ، فَأتَيْتُهُ بِوَضُوئِهِ وَحَاجَتِهِ. فَقَالَ لِي: «سَلْ». فَقُلْتُ: أسْألُكَ مُرَافَقَتَكَ فِي الْجَنَّةِ. قال: «أوْ غَيْرَ ذَلِكَ؟». قُلْتُ: هُوَ ذَاكَ. قال: «فَأعِنِّي عَلَى نَفْسِكَ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ» أخرجه مسلم (١).
وقيل للنبي ﷺ : الرجل يحب القوم ولما يلحق بهم؟ قال: «الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أحَبَّ» متفق عليه (٢).
وهذه المحبة للرسل إنما تنشأ من معرفة عظمة ما جاءوا به من الخير .. ومن