ويذهله.
ولكن يمضي مع قدر الله في طواعية ورضى، رضا العارف المدرك أن ما هو كائن هو الذي ينبغي أن يكون.
وهذه درجة عالية قد لا يستطيعها ولا يصل إليها إلا القليلون من البشر.
فأما سائر المؤمنين فالمطلوب منهم ألا يخرجهم الألم للضراء ولا الفرح بالسراء عن دائرة التوجه إلى الله، وذكره بهذه وبتلك.
ولن يجد أحد طعم الأيمان حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، أن ما كان لا بد أن يكون.
ومن يتوكل على الله في أمر دينه ودنياه ويفعل ما أمره الله به فهو حسبه وكافيه، لأنه الغني القوي العزيز، ولكن ربما أن الحكمة الإلهية اقتضت تأخير طلبه إلى الوقت المناسب له، فأمر الله لا بد من نفوذه، ولكنْ له وقت مقدر لا يتعداه ولا يقصر عنه: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا (٣)﴾ [الطلاق: ٢، ٣].
وكل ما يفعله الله ويقضيه ويقدره على خلقه فيه مصالح وحكم:
فما يفعله سبحانه من المعروف والإحسان دال على رحمته.
وما يفعله من البطش والانتقام دال على غضبه.
وما يفعله من اللطف وا لإكرام دال على محبته.
وما يفعله من الإهانة والخذلان دال على بغضه ومقته.
وما يفعله بمخلوقاته من النقص ثم الكمال، والحياة بعد الموت، دال على وقوع المعاد.
وخلق الله لا يبدله أحد، فما جبل الله الناس عليه من الفطرة لا يبدل كما قال سبحانه: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٠)﴾ [الروم: ٣٠].
وما سبق به القدر من الكفر والإيمان لا يقع خلافه، ولكن ذلك لا يقتضي أن
стр. 912
تبديل الكفر بالإيمان وبالعكس ممتنع، ولا أنه غير مقدور، بل العبد قادر على ما أمره الله به من الإيمان، وعلى ترك ما نهاه عنه من الكفر، وعلى أن يبدل سيئاته بالحسنات، وحسناته بالسيئات كما قال سبحانه: ﴿إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ (١٠) إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (١١)﴾ [النمل: ١٠، ١١].
وقال الله سبحانه: ﴿وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (١٠٨)﴾ [البقرة: ١٠٨].
وهذا التبديل كله بقضاء الله وقدره، وهذا بخلاف ما فطروا عليه حين الولادة، فإن ذلك خلق الله الذي لا يقدر على تبديله غيره، وهو سبحانه لا يبدله.
بخلاف تبديل الكفر بالإيمان، والإيمان بالكفر، فإنه يبدله كثيراً، والعبد قادر على تبديله بإقدار الرب له على ذلك كما قال سبحانه: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٧٠)﴾ [الفرقان: ٧٠].
وقال سبحانه في تبديل العباد: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ (٢٨) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ (٢٩)﴾ [إبراهيم: ٢٨، ٢٩].
وقال النبي ﷺ : «مَا مِنْ مَوْلُودٍ إلا يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، فَأبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ، أو يُنَصِّرَانِهِ، أوْ يُمَجِّسَانِهِ، كَمَا تُنْتَجُ الْبَهِيمَةُ بَهِيمَةً جَمْعَاءَ، هَلْ تُحِسُّونَ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ؟». ثُمَّ يَقُولُ أبُو هُرَيْرَةَ: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ [الروم:٣٠]، متفق عليه (١).
وهو سبحانه الذي له الخلق والأمر وحده، فالخلق قضاؤه وقدره وفعله، والأمر شرعه ودينه، فهو الذي خلق وشرع وأمر، وأحكامه جارية على خلقه قدراً وشرعاً.
ولا خروج لأحد عن حكمه الكوني القدري، وأما حكمه الديني الشرعي
стр. 913
فيطيعه الأبرار، ويعصيه الفجار.
والأمران غير متلازمين، فقد يقضي ويقدر ما لا يأمر به ولا شرعه، وقد يشرع سبحانه ويأمر بما لا يقضيه ولا يقدره، ويجتمع الأمران فيما وقع من طاعات عباده وإيمانهم، وينتفى الأمران عما لم يقع من المعاصي والفسق والكفر.
وينفرد القضاء الديني والحكم الشرعي فيما أمر به وشرعه ولم يفعله المأمور، وينفرد الحكم الكوني فيما وقع من المعاصي.
والقضاء في كتاب الله نوعان:
أحدها: كوني قدري كقوله سبحانه: ﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ (١٤)﴾ [سبأ: ١٤].
الثاني: ديني شرعي كقوله سبحانه: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء: ٢٣].
والله ﵎ خلق الإنسان وخلق صفاته وأفعاله، ويسر هذا لليسرى ويسر هذا للعسرى، وذلك بحسب ما يعمله العبد من الطاعات والمعاصي كما قال سبحانه: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى (١٠)﴾ [الليل: ٥ - ١٠].
فالتيسير لليسرى يكون بثلاثة أمور:
أحدها: إعطاء العبد ما أمر به، وسمحت به طبيعته بإعطائه من نفسه الإيمان والطاعة، والإخلاص والتوبة، والحمد والشكر، وإعطاؤه الإحسان والنفع بماله وبدنه.
فالنفس المطيعة هي النافعة المحسنة التي طبعها الإحسان لنفسها ولغيرها.
فهي بمنزلة العين التي يشرب الناس منها، ويسقون زروعهم ودوابهم منها، فهي ميسرة لذلك.
وهكذا الإنسان المبارك ميسر للنفع حيث حل، فجزاء هذا أن ييسره الله لليسرى
стр. 914
كما كانت نفسه ميسرة للعطاء.
الثاني: التقوى: وهي اجتناب ما نهى الله عنه، وهذا من أعظم أسباب التيسير، فالمتقي ميسرة عليه أمور دينه ودنياه وآخرته.
وتارك التقوى وإن تيسرت عليه بعض أمور دنياه، تعسر عليه من أمور آخرته بحسب ما تركه من التقوى.
وأما تيسير ما تيسر عليه من أمور الدنيا فلو اتقى الله لكان تيسيرها عليه أتم، ولو قدر أنها لم تتيسر له فقد يسر الله له من الدنيا ما هو أنفع له مما ناله بغير التقوى.
فإن طيب العيش، ونعيم القلب، ولذة الروح، وفرحها وابتهاجها من أعظم نعيم الدنيا، وهو أجل من نعيم أرباب الدنيا بالشهوات واللذات: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا (٤)﴾ [الطلاق: ٤].
الثالث: التصديق بالحسنى: وهي (لا إله إلا الله) وما لأهلها من الثواب العظيم في الجنة، فلا تحصل النجاة من العذاب إلا بها وبحقها.
والعقوبة في الدنيا والآخرة على تركها أو ترك حقها.
فالنفس فيها ثلاث قوى:
قوة البذل والإعطاء .. وقوة الكف والامتناع وهي التقوى .. وقوة الإدراك والفهم.
فهذه القوى الثلاث عليها مدار صلاحها وسعادتها، وبفسادها يكون فساده وشقاوتها.
وأكمل الناس من كملت له هذه القوى الثلاث، ودخول النقص بحسب نقصانها.
فمن كملت له هذه القوى يسر لكل يسرى، فيجري الخير على يديه، وييسر على قلبه ولسانه، ويديه وجوارحه، فتصير خصال الخير ميسرة عليه، منقادة لا تستعصي عليه، لأنه مهيأ لها، ميسر لفعلها: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧)﴾ [الليل: ٥ - ٧].
стр. 915
أما التيسير للعسرى فيكون بثلاثة أسباب إذا فعلها العبد كما قال سبحانه: ﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى (١٠)﴾ [الليل: ٨ - ١٠].
فمن عطل قوة الإدراك والإعطاء عن فعل ما أمر به، واستغنى بترك تقوى ربه فعطل قوة الانكفاف والترك عن فعل ما نهى عنه، وكذب بالحسنى فعطل قوة العلم والشعور عن التصديق بالإيمان وجزائه يسره الله للعسرى.
فحال بينه وبين الإيمان بالله ورسوله، فعسر عليه أن يعطى خيراً، وتيسر له فعل الشر الذي يؤدي به إلى العذاب، وهو الخلة العسرى، والخير يؤدي إلى اليسرى وهي الجنة.
والتيسير للعسرى يكون بأمرين:
أحدهما: ان يحول بينه وبين أسباب الخير، فيجري الشر على قلبه ونيته، ولسانه وجوارحه.
الثاني: أن يحول بينه وبين الجزاء الأيسر، كما حال بينه وبين أسبابه، فليس له بعد ذلك إلا العسرى وهي النار.
ولا يمكن للعبد أن يستغني عن ربه طرفة عين، فالمتقي لما استشعر فقره وفاقته وشدة حاجته إلى ربه اتقاه، ولم يتعرض لسخطه وغضبه بارتكاب ما نهاه عنه.
فمن احتاج إلى أحد اتقى غضبه، واجتنب ما يكرهه، وفعل ما يحبه ويؤثره.
أما من استغنى عن ربه، فاستكبر عن طاعة ربه، وفعل ما يغضبه، فإنه سيعذبه في الدنيا والآخرة، ويلقى العسر والشدة في الدنيا والآخرة.
قال النبي ﷺ : «مَا مِنْكُمْ مِنْ أحَدٍ، إِلا وَقَدْ كُتِبَ مَقْعَدُهُ مِنَ النَّارِ، وَمَقْعَدُهُ مِنَ الْجَنَّةِ». قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، أفَلا نَتَّكِلُ عَلَى كِتَابِنَا وَنَدَعُ الْعَمَلَ؟ قَالَ: «اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ، أمَّا مَنْ كَانَ مِنْ أهْلِ السَّعَادَةِ، فَيُيَسَّرُ لِعَمَلِ أهْلِ السَّعَادَةِ وَأمَّا مَنْ كَانَ مِنْ أهْلِ الشَّقَاءِ فَيُيَسَّرُ لِعَمَلِ أهْلِ الشَّقَاوَةِ». ثُمَّ قَرَأ: «﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى
стр. 916
وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾» متفق عليه (١).
والله هو الذي يسر للعبد أسباب الخير والشر، وخلق خلقه قسمين:
أهل سعادة فيسرهم لليسرى .. وأهل شقاوة فيسرهم للعسرى.
واستعمل هؤلاء في الأسباب التي خلقوا لغاياتها، لا يصلحون لسواها، هؤلاء في الأسباب التي خلقوا لغاياتها، لا يصلحون لسواها.
وحكمته الباهرة تأبى أن يضع عقوبته في موضع لا تصلح له، كما يأبى أن يضع كرامته وثوابه في محل لا يصلح لهما ولا يليق بهما.
بل حكمة آحاد خلقه تأبى ذلك، ومن جعل محل المسك والرجيع واحداً فهو من أسفه السفهاء.
والقدر السابق من الله على عباده لا يمنع العمل، ولا يوجب الاتكال عليه، فالعبد إنما ينال ما قدر له بالسبب الذي أقدر عليه، ومكن منه، وهيئ له.
فإذا أتى بالسبب أوصله إلى القدر الذي سبق له في أم الكتاب.
وكلما زاد اجتهاداً في تحصيل السبب كان حصول المقدور أدنى إليه.
ومن قدر الله أن يرزقه الولد لم ينل ذلك إلا بالنكاح.
ومن قدر الله له أن يكون أعلم أهل زمانه فإنه لا ينال ذلك إلا بالاجتهاد والحرص على التعلم وأسبابه.
ومن عطل العمل، اتكالاً على القدر السابق، فهو بمنزلة من عطل الأكل والشرب، اتكالاً على ما قدر له، وهل يفعل هذا من له مسكة من عقل؟.
وقد فطر الله ﵎ الإنسان والحيوان على الحرص على الأسباب التي بها مرام معاشهم ومصالحهم الدنيوية.
فهكذا الأسباب التي بها مصالحهم الأخروية، فهو سبحانه رب الدنيا والآخرة، وهو الحكيم بما نصبه من الأسباب في المعاش والمعاد.
стр. 917
وقد يسر كلاً من خلقه لما خلقه له في الدنيا والآخرة، فهو مهيء له ميسر له.
وإذا علم العبد أن مصالح آخرته مرتبطة بالأسباب الموصلة إليها من الإيمان والأعمال الصالحة كان أشد اجتهاداً في فعلها من القيام بها في أسباب معاشه ومصالح دنياه.
وإذا علم العبد أن سلوك هذا الطريق يفضي به إلى رياض مونقة، وبساتين ومساكن طيبة، ولذة ونعيم لا يشوبه نكد ولا تعب، كان حرصه على سلوكها، واجتهاده في السير فيها بحسب علمه بما يفضي إليه.
ومن سبقت له من الله سابقة، وهيأه ويسره للوصول إليها كان فرحه بالسابقة التي سبقت له من الله أعظم من فرحه بالأسباب التي تأتي بها.
والقدر السابق إحاطة بعمل الإنسان قبل أن يعمله، فإذا وقع انكشف للعبد ما كان يجهله، والقدر السابق معين على الأعمال وما يحث عليها ومقتضي لها، لا أنه منافٍ لها وصاد عنها.
والنبي ﷺ أرشد الأمة في القدر إلى أمرين هما سبب السعادة:
الإيمان بالأقدار فإنه نظام التوحيد .. والإتيان بالأسباب التي توصل إلى خيره .. وتحجز عن شره .. وذلك نظام الشرع.
فأرشدهم إلى نظام التوحيد والأمر.
فإن قيل:
لم جعل هذا لا يليق به إلا الكرامة؟، وهذا لا يليق به إلا الإهانة؟.
قيل: شأن الربوبية خلق الأشياء وأضدادها، والملزومات ولوازمها.
ولولا خلق المتضادات لما عرف الخلق كمال قدرة الله، وكمال حكمته، وكمال مشيئته، ولما ظهرت أحكام الأسماء والصفات.
وإذا أعطي الإنسان اسم (الملك) حقه ولن يستطيع، علم أن الخلق والأمر .. والثواب والعقاب .. والعطاء والحرمان .. أمر لازم لصفة الملك .. وأن صفة الملك تقتضي ذلك ولا بد .. والملك الحق يقتضي إرسال الرسل .. وإنزال
стр. 918
الكتب .. وأمر العباد ونهيهم .. وثوابهم وعقابهم .. وإكرام من يستحق الإكرام .. وإهانة من يستحق الإهانة.
كما تستلزم حياة الملك وعلمه، وقدرته وإرادته، وسائر صفات كماله.
إن شعور المؤمن وتذكره دائماً، بأنه يمضي مع قدر الله في طاعة الله، لتحقيق مراد الله، وما يحبه الله.
وعلمه بأن الله خلق هذا الكون، وقدر ما يجري فيه من الحركات والسكنات، والحسنات والسيئات.
وإيمانه بأن الأمور كلها بيد الله .. حلوها ومرها .. خيرها وشرها.
ذلك كله يسكب في روحه وقلبه الطمأنينة والسلام والأمن والاستقرار، والمضي في الطريق بلا حيرة ولا قلق، ولا سخط على العقبات والمشاق، بلا قنوط من عون الله ومدده، وبلا خوف من ضلال القصد، أو ضياع الجزاء: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (٢٨)﴾ [الرعد: ٢٨].
стр. 919
٢ - فقه المشيئة والإرادة
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا (٢٩) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (٣٠)﴾ [الإنسان: ٢٩، ٣٠].
وقال الله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (١٠٧)﴾ [الأنعام: ١٠٧].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢)﴾ [يس: ٨٢].
إن جميع الخلائق، وجميع المؤمنين والكفار، وجميع المطيعين والعصاة، كلهم في قبضة الله سواء، وكلهم تحت قهره وسلطانه سواء.
وهم جميعاً لا يملكون أن يحدثوا شيئاً إلا بقدر الله، وفق مشيئته التي جرت بتلك السنن في تصريف أمر العباد.
ولكن المؤمنين في القدر المتروك لهم للاختيار، بين الخضوع القهري المفروض عليهم بسلطان الله في ذوات أنفسهم، وفي حركة خلاياهم، وفي تكوينهم العضوي، وفي لونهم وطولهم.
وبين الخضوع الاختياري الذي يلتزمونه بأنفسهم بناء على المعرفة والهدى والاختيار.
وبذلك يعيشون في سلام مع أنفسهم ذاتها، لأن الجانب القهري فيها والجانب الاختياري يتبعان ناموساً واحداً، وسلطاناً واحداً، وحاكماً واحداً.
وأما الآخرون فهم مقهورون على اتباع ناموس الله الفطري الذي يقهرهم ولا يملكون أن يخرجوا عنه.
بينما في الجانب الذي ترك لهم الاختيار فيه هم ناشزون على سلطان الله الممثل في منهجه وشرعه، أشقياء باختيارهم ما يضرهم، وما يغضب الله، ولهم أمد ثم يحاسبون على ما اختاروا يوم القيامة.
وهم بعد هذا كله في قبضة الله، لا يعجزونه في شيء، ولا يحدثون شيئاً إلا
стр. 920
بقدره ومشيئته: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٩)﴾ [التكوير: ٢٩].
والله أرسل الرسل، وأنزل الكتب، ومكن من أسباب الهداية بالسمع والبصر والفؤاد، وجعل الهداية بيده وحده، فالأمر كله له: ﴿مَنْ يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٣٩)﴾ [الأنعام: ٣٩].
ومشيئة العباد من جملة الكائنات التي لا توجد إلا بمشيئة الله سبحانه، فما شاء كان ولا بدَّ، وما لم يشأ لم يكن البتة.
والكون كله متعلق بمشيئة الله:
الملائكة والشياطين .. والمؤمنون والكفار .. والطاعات والمعاصي .. والمتعلق بمحبته طاعتهم وإيمانهم.
فالكفار أهل مشيئته، والمؤمنون أهل محبته، ولهذا لايستقر فب النار شيء لله أبداً، وكل ما فيها فإنه به تعالى وبمشيئته.
ومشيئة الله لها حالتان:
تارة تتعلق بفعله .. وتارة تتعلق بفعل العبد.
فتعلقها بفعله: أن يشء من نفسه إعانة عبده وتوفيقه وتهيئته للفعل.
فهذه المشيئة تستلزم فعل العبد ومشيئته، ولا يكفي في وقوع الفعل مشيئة الله لمشيئة عبده، دون أن يشاء فعله، فإنه سبحانه قد يشاء من عبده المشيئة وحدها.
فيشاء العبد الفعل ويريده ولا يفعله، لأنه لم يشأ سبحانه إعانته عليه وتوفيقه له لعلمه بحاله كما قال سبحانه: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (٢٧) لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٩)﴾ [التكوير: ٢٧ - ٢٩].
ومشيئة الله محيطة بالخلائق كلها، وبالعباد جميعاً إنسهم وجنهم، وجريان الأحداث في هذه العوالم كلها بمشيئة الله وقدره.
واستدراجه لأعداء الرسل من شياطين الإنس والجن، وإمهاله لهم، ليقترفوا ما هم مقترفون: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (١١٢)﴾ [الأنعام: ١١٢].
стр. 921
ولو شاء الله لقهرهم على الهدى، ولكفهم عن الضلال قهراً، أو لهداهم إلى الحق، وشرح صدورهم له.
أو لكفهم عن أذى الرسل والمؤمنين فلم يصلوا إليهم، فهم لا يعادون الرسل، ولا يقترفون ما يقترفون خروجاً عن سلطان الله ومشيئته، فهم أعجز من أن يخرجوا عن ذلك.
إنما هي مشيئة الله اقتضت أن يترك لهم الخيار، والقدرة على الهدى والضلال، وهم في قبضة الله على كل حال: ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ (١١١)﴾ [الأنعام: ١١١].
وإذا تقرر أن عداء شياطين الإنس والجن للرسل وأتباعهم سنة يجري بها قدر الله، ليميل أهل الباطل وعشاق الدنيا إلى الباطل، ويتميز الصادق من الكاذب.
وأن هؤلاء الشياطين على كل ما يرتكبونه هم في قبضة الله.
فكيف يتوجه المرء إلى غير الله؟ .. وكيف يبتغي حكماً غيره؟: ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (١١٤)﴾ [الأنعام: ١١٤].
وقد أكمل الله الدين، ويسره للأمة، فلم يعد هناك قول لقائل، ولا حكم لبشر: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١١٥)﴾ [الأنعام: ١١٥].
فهداية المهتدين، وضلال الضالين، كلاهما إنما يتم بقدر من الله، وهؤلاء كهؤلاء كلهم في قبضة الله وسلطانه، وتحت مشيئته وقدره: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ (١٢٥)﴾ [الأنعام: ١٢٥].
ومشيئة الله سبحانه مطلقة لا يند عنها شيء، وهو فعّال لما يشاء.
стр. 922
فالخلق خلقه، والأمر أمره، وهو الحكيم العليم الذي يضع الشيء في موضعه: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٩٩)﴾ [يونس: ٩٩].
فلو شاء سبحانه لخلق هذا الإنسان خلقة أخرى، فجعله لا يعرف إلا طريقاً واحداً، هو طريق الإيمان كالملائكة مثلاً.
أو لجعل له استعداداً واحداً يقود جميع أفراده إلى الإيمان.
ولو شاء كذلك لأجبر الناس وقهرهم على الإيمان .. وما الذي يمنعه من فعل ما يشاء؟.
ولكن حكمة الخالق اقتضت خلق هذا الإنسان باستعداد للخير والشر .. وللهدى والضلال .. وللطاعة والمعصية.
ومنحته القدرة على اختيار هذا الطريق أو ذاك الطريق.
وقدرت أنه إذا أحسن استخدام ما وهبه الله من حواس ومشاعر ومدارك، ووجهها إلى إدراك دلائل الهدى في الكون والنفس، وما يجيء به الرسل من آيات وبينات، فإنه يؤمن ويهتدي بهذا الإيمان إلى طريق الخلاص.
وعلى العكس حين يعطل ما وهبه الله من حواس، ويغلق مداركه ويسترها عن دلائل الهدى والإيمان، يقسو قلبه، ويستغلق عقله، وينتهي بذلك إلى التكذيب والجحود، وإلى ما قدر الله للمكذبين الجاحدين من جزاء.
فالإيمان إذاً متروك للاختيار لا يكره عليه أحد، لأنه لا مجال للإكراه على مشاعر القلب: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ (١٠٠)﴾ [يونس: ١٠٠].
فالإيمان له سنة ماضية جارية، فلا تصل النفس إلى الإيمان، وقد سارت في الطريق الآخر الذي لا يؤدي إليه.
وإنما تصل إلى الإيمان إذا سارت وفق أمر الله وسنته في الوصول إليه من طريقه المرسوم بالسنة الجارية العامة.
стр. 923
وعندئذ يهديها الله، ويقع لها الإيمان بإذنه، فلا شيء يتم وقوعه إلا بإذن الله.
والذين عطلوا عقولهم عن التدبر، فهؤلاء يجعل الرجس عليهم بسبب تعطيلهم لمداركهم عن التعقل والتدبر، وانتهاؤهم بهذا إلى التكذيب والكفر، والآيات والنذر لا تغني عن الذين لا يؤمنون، وهي معروضة عليهم، ولكنهم لا يستفيدون منها، ولا يتعظون بها لعدم إيمانهم: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠١)﴾ [يونس: ١٠١].
إن الله ﵎ خلق الإنسان، وجعل له مشيئة يختار بها ما يشاء، وميزه بالقدرة على الاختيار بين البدائل، وهو ما لم يعطه لغيره من الخلق.
وفوق مشيئة الإنسان مشيئة الله التي يخضع لها كل شيء في الكون كما قال سبحانه: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (٢٧) لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٩)﴾ [التكوير: ٢٧، ٢٩].
وبعض الناس يرى في هذا تعارضاً، وفي الواقع أنهما متفقان تماماً.
فالإنسان حر في أن يختار هذا أو ذاك، ولكنه لا يستطيع أن يحقق ما يريده بالضبط إلا إذا شاء الله.
فقد يريد الإنسان نفع أحد أو أذى أحد، ولكنه لا يصل إلى ما يريد دائماً، فإذا التقى ما يريده مع المشيئة تم، وإذا لم يلتق مع مشيئة الله فإنه لا يتم.
وقد يسعى رجلان لهدف واحد، أحدهما يحققه، والآخر لا يحققه، سواء اختار طريق الخير أو الشر، الاختيار لهما، ولكن التوفيق أو الإتمام يأتي بمشيئة الله. ولذلك يصف الله يوم القيامة بأنه: ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ (٩)﴾ [الطارق: ٩].
فإذا وقف شخصان مثلاً أمام رجل فقير محتاج:
أحدهما: يضع في يده المال سراً.
والثاني: يعطيه المال أمام الناس رياءً.
فتكتب للأول حسنة، ولا تكتب للثاني.
فمشيئة الله أن يصل للرجل درهمان، ولو عن طريق غير طريق إرضاء
стр. 924
الله بالإحسان إلى الفقير.
فيأتيه درهم بالإحسان .. ويأتيه درهم آخر بالتباهي والتفاخر.
ورغم أن هدفهما مختلف، إلا أن مشيئة الله تمت، ووصل إلى هذا الرجل رزقه الذي قدره الله له.
فالإنسان يختار بين البدائل، ويسعى في الخير أو الشر، ويأتي الشيطان ليغري، وطاعة الله لتذكر الإنسان، ثم يتم العمل إذا التقت المشيئة به، أما إذا لم تلتق، فقد يأتي شيء يوقف هذا كله.
والله مالك كل شيء، وبيده كل شيء، وهو الذي يملك القدرة على الفعل، فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن.
أما البشر وغيرهم من المخلوقات فهم عاجزون تماماً عن الفعل أو الترك إلا بمشيئة الله.
فالذي يريد من البشر أن يفعل شيئاً لا بد أن يملك أولاً القدرة على الفعل .. والوقت الذي سيتم فيه الفعل .. والمكان الذي سيتم فيه الفعل.
فإذا قلت: سأذهب إلى فلان غداً، فيجب أن أملك القدرة في أن أكون موجوداً غداً على قيد الحياة، وأنا لا أملك هذه القدرة بل الله وحده هو الذي يملكها.
وقد أكون موجوداً لكنني لا أستطيع أن أذهب لمقابلة هذا الشخص، قد أمرض فجأة، وقد يأتيني شيء عاجل يشغلني عنه، أو قد يهبط علي ضيف غير متوقع.
وقد أكون على قيد الحياة، وبصحة جيدة، وليس لدي ما يمنعني من أن أتم هذه المقابلة، لكن من سأذهب إليه، قد أذهب إليه فلا أجده في منزله لأي سبب من مرض أو شغل مفاجئ يمنعه من المقابلة.
فالإنسان لا يملك عنصراً واحداً من عناصر القدرة على العمل، ليقول أنه سيفعل كذا في مكان كذا في وقت كذا.
ولكن الذي يملك القدرة هو الله سبحانه، فهو القادر الذي يقول للشيء كن فيكون، ولا يعجزه شيء، ولا يمنعه شيء.
стр. 925
فالفعال لما يشاء هو الله وحده، أما نحن جميعاً فكلنا فعالون لما يشاء الله سبحانه.
فما دام العمل يدخل في المشيئة فهو سيتم قطعاً، لأن الله وحده هو الفعال، لا راد لقضائه.
وما دام العمل لا يدخل في المشيئة فلن يتم قطعاً، فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا (٢٤)﴾ [الكهف: ٢٣، ٢٤].
فالله هو الفعّال لما يشاء، وأما الإنسان فليس له من الأمر شيء، والله يريد أن يذكرنا بنعمه، وأن نعلم أن الفضل منه، وأن الذي أعطى يستطيع أن يأخذ، وأن الذي منح يستطيع أن يمنع.
إن الإنسان حين يغتر بقدرته يبطش ويظلم، ويفتك بالضعفاء، ويطغى ويفسد في الأرض.
أما إذا تذكر أن هذا كله من قدرة الله، وأن الله إن شاء منح، وإن شاء أخذ، وإن شاء أعطى، وإن شاء أوقف هذا العطاء، فإن خشيته تدخل في قلبه، فتجعله يراجع نفسه فلا يبغي ولا يظلم، ويخشى الله في كل عمل يعمله، وفي هذا صلاح الكون كله.
وقد فرق الله بين مشيئته ومحبته، فقد يشاء الله ما لا يحبه كمشيئته لخلق إبليس وجنوده، وكل شر ومصيبة ومعصية.
وقد يحب ما لا يشاء كونه، كمحبته إيمان الكفار، وطاعات الفجار، وعدل الظالمين، وتوبة الفاسقين، ولو شاء لوجد ذلك كله.
والله سبحانه لم يأمر عباده بالرضا بكل ما خلقه وشاءه، فإن المراد نوعان:
مراد لنفسه .. ومراد لغيره.
فالمراد لنفسه مطلوب محبوب لذاته، ولما فيه من الخير كالطاعات.
والمراد لغيره قد لا يكون في نفسه مقصوداً للمريد، ولا فيه مصلحة له.
стр. 926
فالله خلق إبليس الذي هو مادة لفساد الأديان، وهو سبب شقاوة العبيد وعملهم بما يغضب الله، وهو الساعي في وقوع خلاف ما يحبه الله ويرضاه بكل حيلة، وهو مبغوض للرب لعنه الله ومقته، ومع ذلك فهو وسيلة إلى محاب كثيرة للرب تعالى ترتبت على خلقه، وجودها أحب إلى الله من عدمها كما ذكرناها آنفاً.
وكل شيء في هذا الكون واقع بمشيئة الله وقضائه وقدره، فإنه سبحانه يخلق ما يحب وما يكره، وهو الحكيم العليم.
فكما أن الأعيان كلها خلقه، وفيها ما يبغضه ويكرهه كإبليس وجنوده وذريته، وسائر الأعيان الخبيثة.
وفيها ما يحبه ويرضاه كأنبيائه ورسله، وملائكته وأوليائه.
فهكذا الأفعال كلها خلقه.
ومنها ما هو محبوب له .. ومنها ما هو مكروه له.
فالمحبوب كالطاعات والحسنات، والمبغوض كالمعاصي والسيئات التي خلقها لحكمة له في خلق ما يكره ويبغض كالأعيان.
والكفر والشرك واقعان بمشيئة الله وقدره، والإيمان والتوحيد واقعان بمشيئة الله وقدره.
وأحدهما محبوب للرب مرضي له .. والآخر مبغوض له مسخوط.
فالإيمان والطاعات والحسنات كلها محبوبة لله، وقد أمر بها.
والشرك والمعاصي والسيئات كلها مكروهة لله، وقد حذر منها.
وكل ذلك واقع بمشيئة الله وقضائه وقدره، لكن الأول محبوب له والآخر مكروه له، والمحبوب والمكروه كله بقضاء الله وقدره كما قال سبحانه: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٧)﴾ [الزمر: ٧].
стр. 927
ومشيئة الله هي المرجع الأخير في أمر الهدى والضلال.
فقد اقتضت مشيئة الله أن يبتلي البشر بقدر من حرية الاختيار والتوجه في الابتداء.
وجعل الله سبحانه هذا القدر موضع ابتلاء وامتحان للبشر.
فمن استخدمه في الاتجاه القلبي إلى الهدى، والتطلع إليه، والرغبة فيه، فقد اقتضت مشيئة الله أن يأخذ بيده ويعينه ويهديه سبيله.
ومن استخدمه في الرغبة عن الهدى والصدود عن دلائله وآياته فقد اقتضت مشيئة الله أن يضله ويبعده عن الطريق، وأن يدعه يتخبط في الظلمات.
وإرادة الله وقدره محيطان بالبشر في كل حالة.
فالأمر كله مرهون بمشيئة الله وحده، فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، فهو الذي شاء أن يهدي هؤلاء، لأنهم أخذوا بأسباب الهدى، وهو الذي شاء ألا يهدي هؤلاء، لأنهم لم يأخذوا بأسباب الهدى.
وهو الذي شاء أن يدع للبشر هذا القدر من الاختيار على سبيل الابتلاء.
وهو الذي يهديهم إذا جاءوا للهدى .. وهو الذي يضلهم إذا اختاروا الضلال كما قال سبحانه: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (٨)﴾ [فاطر: ٨].
والله سبحانه خالق هذا الكون وما فيه، ولا يكون في ملكه إلا ما يريد، ولا تعارض بين مشيئة الله وقدره، وبين إرادة الإنسان وعمله.
فإذا قيل أن إرادة الله تدفع الإنسان دفعاً إلى الهدى أو الضلال، لم تكن هذه هي الحقيقة الفعلية.
وإذا قيل أن إرادة الإنسان هي التي تقرر مصيره كله، لم تكن هذه هي الحقيقة الفعلية.
بل الحقيقة الفعلية تتألف من نسب دقيقة بين طلاقة المشيئة الإلهية، وبين اختيار العبد واتجاهه الإرادي، بلا تعارض بين هذه وتلك ولا تصادم.
стр. 928
فالذي تتجه فطرته إلى الإسلام يجد في صدره انشراحاً له، هو من صنع الله قطعاً، فالانشراح حدث لا يقع إلا بقدر من الله يخلقه ويبرزه.
والذي تتجه فطرته إلى الضلال يجد في صدره ضيقاً وعسراً، هو من صنع الله قطعاً، لأنه حدث لا يتم وقوعه الفعلي إلا بقدر من الله يخلقه، وكلاهما من إرادة الله بالعبد، ولكنها ليست إرادة القهر، إنما هي الإرادة التي أنشأت السنة الجارية النافذة من أن يبتلى هذا الإنسان بهذا القدر من الإرادة.
وأن يجري قدر الله بإنشاء ما يترتب على استخدامه لهذا القدر من الإرادة في الاتجاه للهدى أو للضلال: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ (١٢٥)﴾ [الأنعام: ١٢٥].
إن كثيراً من الكفار والمشركين والعصاة يلوحون بأن الله أجبرهم على ما فعلوه من كفر أو معصية كما حكى الله عنهم: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (٣٥)﴾ [النحل: ٣٥].
إن أمر الله ظاهر لمن تدبره، فالله يأمر عباده بالخير، وينهاهم عن الشر، ويعاقب المذنبين في الدنيا أحياناً بعقوبات ظاهرة، يتضح فيها غضبه عليهم لعلهم يتوبون كما قال سبحانه: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٢١)﴾ [السجدة: ٢١].
فلا مجال بعد هذا لأن يقال: إن إرادة الله ترغم العصاة على الانحراف، ثم يعاقبهم الله عليه، إنما هم متروكون لاختيار طريقهم، وهذه هي إرادة الله.
وكل ما يصدر عنهم من خير أو شر، من هدى أو ضلال، يتم وفق مشيئة الله.
لكن الله يحب لهم الإيمان والطاعات، ويرضى بها، ويأمر بها.
ويكره لهم الكفر والفسوق والعصيان، ولا يرضى بها، بل يمقتها ويبغضها، وينهى عنها.
стр. 929
وقد بين الله لرسوله سنته في الهدى والضلال بقوله: ﴿إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٣٧)﴾ [النحل: ٣٧].
فوظيفة الرسول البلاغ، أما الهدى والضلال فيمضي وفق سنة الله، وهذه السنة لا تتخلف ولا تتغير عواقبها.
فمن أضله الله، لأنه استحق الضلال وفق سنة الله فإن الله لا يهديه، لأن لله سنناً شرعية تعطي نتائجها، وسنناً كونية تعطي نتائجها، وهكذا شاء الله، والله فعال لما يشاء، وقدرته سبحانه فوق كل شيء، لأن الله لا يعجزه شيء.
وكل شيء في الوجود مرده إلى مشيئة الله، وما يأذن به الله للناس من قدرته على الاختيار هو طرف من مشيئة الله، ككل تقدير آخر وتدبير، شأنه شأن ما يأذن به للملائكة من الطاعة المطلقة لما يؤمرون به، والقدرة الكاملة على أداء ما يؤمرون.
فهو طرف من مشيئته كإعطاء الناس القدرة على اختيار أحد الطريقين بعد التعليم والبيان: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (٢٧) لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٩)﴾ [التكوير: ٢٧ - ٢٩].
فلا يفهم الناس أن مشيئتهم منفصلة عن مشيئة الله التي يرجع إليها كل أمر.
فإعطاؤهم حرية الاختيار ويسر الاهتداء إنما يرجع إلى تلك المشيئة المحيطة بكل شيء كان أو يكون أو سيكون.
ولا بد أن يعلم المؤمنون هذه الحقيقة ليدركوا ما هو الحق لذاته، وليلجأوا إلى مشيئة الله الشاملة لكل شيء، يطلبون عندها العون والتوفيق، ويرتبطون بها في كل ما يأخذون ويدعون في الطريق.
فكل ما شاء الله كان وما لم يشأ لا يكون، وقد نهى الله سبحانه أن يقول العبد في الأمور المستقبلة: إني فاعل ذلك من دون أن يقرنه بمشيئة الله، لما فيه من المحذور برد الفعل إلى مشيئة العبد وحده، وذلك محذور محظور، لأن المشيئة كلها لله.
стр. 930
ولما في ذكر مشيئة الله من تيسير الأمر وتسهيله، وحصول البركة فيه، والاستعانة من العبد بربه، كما قال سبحانه: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا (٢٤)﴾ [الكهف: ٢٣، ٢٤].
ولما كان العبد بشراً لا بد أن يسهو عن ذكر المشيئة، أمره الله أن يستثني بعد ذلك إذا ذكر، ليحصل المطلوب، ويندفع المحذور.
ويحسن بالعبد ذكر الله عند النسيان فإنه يزيله، ويذكر العبد ما سها عنه.
وكذلك يؤمر الساهي الناسي لذكر الله أن يذكر ربه ولا يكونن من الغافلين.
стр. 931
٣ - فقه خلق الأسباب
قال الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا (٨٣) إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا (٨٤)﴾ [الكهف: ٨٣، ٨٤].
وقال الله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (٦٢)﴾ [الزمر: ٦٢].
الله ﵎ خالق كل شيء، وما نصبه من الأسباب في خلقه وأمره وأحكامه، وثوابه وعقابه، فذلك مظهر أسمائه وصفاته، ومظهر حكمته ونعمه، ومظهر قدرته وعزته.
إذ ظهور هذه الأسماء والصفات تستلزم محال وتعلقات تتعلق بها، ويظهر فيها آثارها، فصفة الخلق والرزق، والرحمة والإحسان تستلزم وجود مخلوق ومرزوق، ومرحوم ومحسن إليه.
وهذا الكون العظيم كما هو محل الخلق والأمر، ومظهر الأسماء والصفات، فهو بجميع ما فيه شواهد وأدلة وآيات دعا الله عباده إلى النظر فيها، والاستدلال بها على وجود الخالق ﷻ .
والاعتبار بما تضمنته من الحكم والمصالح والمنافع، على علمه وحكمته، ورحمته وإحسانه.
والاعتبار بما تضمنته من العقوبات، على عدله، وأنه يغضب ويسخط، ويكره ويمقت من عصاه.
والاعتبار بما تضمنته من المثوبات والإكرام، على أنه يحب ويرضى ويفرح بأهل طاعته.
وذلك موجب كماله، وكمال أسمائه وصفاته، وبها عرف الخلق ربهم وإلههم، وعظمة أسمائه وصفاته.
والأسباب والوسائط لم يخلقها الله سبحانه عن حاجة منه إليها، ولا يتوقف كماله المقدس عليها، فلم يتكثر بها من قلة، ولم يتعزز بها من ذلة، ولم يتقوَّ بها
стр. 932
من ضعف.
بل اقتضى كماله المطلق أن يفعل ما يشاء، ويحكم ويتصرف، ويأمر ويدبر كما يشاء، وأن يحمد ويعبد، ويعرف ويذكر، ويعرف الخلق صفات كماله، ونعوت جلاله وجماله.
ولذلك خلق سبحانه خلقاً يعصونه ويخالفون أمره، وذلك لتعرف ملائكته وأنبياؤه ورسله وأولياؤه كمال مغفرته وعفوه، وحلمه وإمهاله من عصاه.
ثم أقبل سبحانه بقلوب من شاء منهم إليه، فظهر كرمه في قبول توبته، وبره ولطفه في العود إليه بعد الإعراض عنه كما قال النبي ﷺ : «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ! لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَذَهَبَ اللهُ بِكُمْ، وَلَجَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ، فَيَسْتَغْفِرُونَ اللهَ، فَيَغْفِرُ لَهُمْ» أخرجه مسلم (١).
فخلق العبد المغفور له، وتقدير الذنب الذي يغفر، والتوبة التي يغفر بها، هو نفس مقتضى العزة والحكمة، وموجب الأسماء الحسنى والصفات العلا.
والله سبحانه كل وقت يسوق المقادير إلى المواقيت التي وقتها لها، ويظهرها بأسبابها التي سببها لها، ويخصها بمحالها من الأعيان والأمكنة التي عينها لها.
والدين هو إثبات الأسباب .. والوقوف معها .. والنظر إليها.
والله تعالى أمرنا بالوقوف بها بمعنى أننا نثبت الحكم إذا وجدت، وننفيه إذا عدمت، ونستدل بها على حكمه الكوني.
وهل يستطيع حيوان أن يعيش في هذه الدنيا إلا بوقوفه مع الأسباب، فتنفسه بها، وتحركه بها، وسمعه وبصره بها، وغذاؤه بها، ودواؤه بها، وهداه بها، وسعادته بها، وشقاؤه بالإعراض عنها: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١٧٢)﴾ [البقرة: ١٧٢].
فالأسباب التي خلقها الله هي محل الأمر والنهي .. والثواب والعقاب .. والفلاح
стр. 933
والخسران.
وبالأسباب عُرف الله .. وبها عُبد الله .. وبها أطيع الله .. وبها تقرب إليه المتقربون .. وبها نال أولياؤه رضاه وجواره.
ولكن الأسباب ليست مستقلة بالإحداث والتأثير، وليست أرباباً من دون الله، فلا تستقل بشيء من دون الله.
بل الله خالق الأسباب ومسبباتها:
فقد خلق سبحانه النار وجعل فيها قوة الحرارة والإحراق .. وخلق الماء وجعل فيه قوة مروية .. وخلق الطعام وجعل فيه قوة مشبعة .. وخلق الدواء وجعل فيه قوة مذهبة للداء .. وخلق العين وجعل فيها قوة باصرة .. وخلق الأذن وجعل فيها قوة سامعة .. وخلق الحديد وجعل فيه قوة قاطعة .. وهكذا.
فنقف مع الأسباب حيث أمرنا أن نقف معها، وندور معها حيث دارت، مع النظر إلى من أزمتها بيده.
ونلتفت إليها التفات العبد المأمور بتنفيذ ما أمر به، فهي مأمورة مدبرة، ونرعاها حق رعايتها، وننظر إليها وهي في رتبتها التي أنزلها الله إياها، ولا نتجاوز بها حدها.
والله سبحانه يرزق العباد تارة بالأسباب، وتارة بدون الأسباب.
فالرزق بالأسباب عام للمسلم والكافر، والرزق بدون الأسباب خاص بالمؤمنين كما في قصة مريم: ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَامَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٣٧)﴾ [آل عمران: ٣٧].
والله يرزقنا الجنة بسبب الإيمان والأعمال الصالحة، وهذه أسباب.
والله خالق هذا .. وخالق هذا.
والأحوال من فقر ومرض ونحوهما لا تتغير بالأسباب، بل تتغير بالإيمان والأعمال الصالحة.
стр. 934
وإن تغيرت أحياناً بالأسباب فهي ابتلاء للمؤمن، هل يركن إليها ولا يلجأ إلى الله؟.
وهي كذلك اطمئنان للكافر فهو لا يعرف غيرها.
فالكفار يتفكرون لتغيير أحوالهم من الفقر إلى الغنى، ومن المرض إلى الصحة بالأسباب، وإذا جاءت عليهم أحوال سيئة يتفكرون لتغييرها بالأموال والأسباب.
وتغيير الأحوال بالأسباب جهد فرعون.
أما جهد الأنبياء فهو تغيير الأحوال بالإيمان والأعمال الصالحة لا بالأسباب، بل بأمر الله وسنته فهو مالك الملك، وبيده كل شيء كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: ١١].
وقال الله سبحانه: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ (٤٥)﴾ [البقرة: ٤٥].
فالفقر والمرض أحوال لا نتوجه لحلها إلى الأسباب فقط، بل نتقي ونحذر، ونتوجه إلى الله أولاً بالإيمان والأعمال التي ترضيه، ثم هو سبحانه يغير الأحوال بقدرته.
فهو وحده القادر على تغيير الأحوال:
إما بالأسباب كما هو معلوم .. أو بدون الأسباب فيقول للشيء كن فيكون كما رزق مريم طعاماً بلا شجر، وابناً بلا ذكر .. أو بضد الأسباب كما جعل النار برداً وسلاماً على إبراهيم، وكما جعل البحر سبباً لنجاة موسى في التابوت، وحين كان مع بني إسرائيل.
فلا نتوجه إلى الأسباب في حل المشاكل، وتغيير الأحوال، بل نتوجه إلى الله، ونفعل ما يرضيه، وننظر ما هو أمر الله في حال الفقر أو الجوع أو المرض أو الخوف فنفعله كما فعله النبي ﷺ .
والله سبحانه خالق الأسباب التي يتم بها ما أراد، كما جعل المطر سبباً
стр. 935
للإنبات .. والدواء سبباً لذهاب الداء .. ووطء المرأة سبباً للحمل .. والنار سبباً للإحراق .. والأكل سبباً لذهاب الجوع .. والماء سبباً لذهاب العطش .. والسكين سبباً للقطع.
كما جعل سبحانه الدعاء سبباً لما يحصل للمدعو له أو المدعو عليه .. وسؤال العلماء سبباً لزوال الجهل .. وطاعة الله سبباً لرضاه .. ومعصية الله سبباً لسخطه وانتقامه.
فالأسباب المأذون فيها شرعاً والمأمور بها والمنصوص عليها لا تنكر، لكن لا نتكل عليها، فنفعلها ولا نتوكل عليها، إذ في إنكارها نقص في العقل، وفي الاتكال عليها شرك في الدين.
وكل من الاتكال عليها، والإنكار لها، منتفٍ شرعاً وعقلاً.
فالواجب الإيمان بها وفعلها، وعدم التوكل إلا على الله وحده.
كما قال سبحانه: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا (٥٨)﴾ [الفرقان: ٥٨].
ومن سنة الله أن من اعتمد على غير الله من الملك والمال والأسباب، أعطاه الله إياه، وخذله من جهته فـ: ﴿لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا (٢٢)﴾ [الإسراء: ٢٢].
ومن سنته كذلك جعل الأسباب في أيدي أعداء الله، لأن أعداء الله اعتمادهم على غير الله من الأسباب كالملك والمال والسلاح ونحوها.
ومن سنته كذلك إعطاء الفقر والمسكنة لأنبياء الله وأتباعهم، لأن اعتمادهم على الله، ليس على الملك والمال والأساب كما قال سبحانه: ﴿قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢٩)﴾ [الملك: ٢٩].
فاعتماد المؤمنين في كل شيء على الله، واعتماد الكفار على الأسباب، والأسباب بدون الإيمان سبب للهلاك كما قال سبحانه: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ
стр. 936
مُبْلِسُونَ (٤٤)﴾ [الأنعام: ٤٤].
والكفار يستعملون هذه الأسباب التي أعطاهم الله في عداوة المؤمنين وإيذائهم، والله سبحانه يأمر المؤمنين بالصبر عليهم، والله قادر أن يهلكهم بالحر او البرد أو بالحجارة أو يحرقهم بالنار أو يغرقهم بالماء، أو يخسف بهم الأرض أو بغير ذلك.
وكانت مثل هذه الأحوال في مكة، فقد أوذي النبي ﷺ ومن آمن معه، وظلموا وعذبوا، وفي كلها أمرهم الله بالصبر، وتحمل الأذى والدعوة والرحمة كما قال سبحانه: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ (٦٠)﴾ [الروم: ٦٠].
وهذا الصبر ليس بسبب الضعف، بل ليلقي في قلوب المؤمنين والدعاة الشفقة والرحمة على الناس أكثر من شفقة الأم على ولدها، الذي يؤذيها فترحمه، لأنها تعلم ما لا يعلم.
فالرسول ﷺ يتفكر ويعمل لهداية الناس، وأعداؤه يتفكرون ويعملون للقضاء عليه.
همُّ الرسول وفكره في هدايتهم .. وفكرهم وهمهم لجهلهم لقتله، وشتان بينهما.
فقلبه ﷺ مملوء رحمةً وإيماناً وعلماً، وقلوبهم مملوءة غلظةً وكفراً وجهلاً وظلماً.
وكلما زادوا في أذاه ازداد رحمةً لهم وشفقةً عليهم، ولم تأت في قلبه عاطفة الانتقام لنفسه.
وإذا كان الله معنا لم نهزم ولم نغلب كما قال سبحانه: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ (٤٧)﴾ [الروم: ٤٧].
ولكن ليس معنى هذا ترك الأسباب المادية البتة، بل لا بد من الأخد بالأسباب المأمور بها، لأننا في دار الأسباب، والله أمر بها وأذن، وسخرها لنا لنستعملها
стр. 937
في طاعته، وفيما ينفعنا ولا يضرنا كما قال الله سبحانه لنبيه نوحٍ ﷺ : ﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا﴾ [هود: ٣٧].
وقال لداود: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ (٨٠)﴾ [الأنبياء: ٨٠].
وظاهر رسول الله ﷺ يوم أحد بين درعين، ولبس المغفر على رأسه يوم الفتح، وأكل الطعام، وشرب الماء والحليب .. وغير ذلك.
وقال سبحانه لأمة محمد ﷺ : ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٠)﴾ [الجمعة: ١٠].
وفعل الأسباب له شرطان:
الأول: أن نفعل الأسباب ولا نعتمد عليها، بل نعتمد على الله وحده، وإلا أصابنا ما أصاب المسلمين في غزوة حنين حين أعجبتهم كثرتهم، وقال بعضهم لن نغلب اليوم من قلة، فرفع الله عنهم النصر ثم ولوا مدبرين فلما أنابوا إلى الله ثبتهم الله ونصرهم بجنود من عنده كما قال سبحانه: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (٢٥) ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ (٢٦)﴾ [التوبة: ٢٥، ٢٦].
الثاني: أن نفعل الأسباب المادية الممكنة، ولا نخالف أمر الله ورسوله، وإلا أصابنا ما أصاب المسلمين في أحد، حيث خالف الرماة أمر رسول الله ﷺ ، ونزلوا من الجبل يجمعون الغنائم لما رأوا النصر للمسلمين، فكانت الفرقة والفشل والتنازع ثم رفع الله النصر، وكثر في المسلمين القتل كما قال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ
стр. 938
عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (١٥٢)﴾ [آل عمران: ١٥٢].
وفي غزوة بدر كانت الأسباب المادية في العدد والعدة قليلة، لكن الأسباب الروحية الإيمانية من صدق الاعتماد على الله، وطاعة الله ورسوله، كانت قوية فكان النصر للمسلمين.
وفي صفوف الأعداء كانت الأسباب المادية قوية وكثيرة، فالعدد كثير، والعدة كثيرة.
لكن كان اعتماد الكفار على المخلوق .. واعتماد المؤمنين على الخالق .. فغلب جند الخالق جند المخلوق كما قال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢٣)﴾ [آل عمران: ١٢٣].
وفي بدر أظهر الله قدرته .. وفي أحد أظهر الله سنته .. وفي حنين أظهر الله قدرته وسنته.
وفي بدر ظهرت قوة لا إله إلا الله .. وفي أحد ظهرت قوة محمد رسول الله، فلا بد في كل عمل من (لا إله إلا الله) أخلاصاً وتوكلاً ومن (محمد رسول الله) طاعةً واتباعاً.
وإنما حصل النصر الكامل للمسلمين في بدر، لما في قلوبهم من صفات الإيمان والتقوى، والصبر والاستعانة بالله، ودعائه والاعتماد عليه كما قال سبحانه: ﴿بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ (١٢٥)﴾ [آل عمران: ١٢٥].
وقال سبحانه: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ (٩)﴾ [الأنفال: ٩].
إن الله ﷻ خلق هذا الكون العظيم، سمواته وأرضه، علويه وسفليه، وله الملك وحده لا شريك له.
وجميع المخلوقات مخلوقات مربوبة مدبرة، ليس بيدها شيء، ولا تملك لنفسها نفعاً ولا ضراً إلا ما شاء الله.
стр. 939
والأسباب من أموال وتراب، ونبات وحيوان وغيرها، ليس بيدها شيء، وإنما الأمر كله لله، وهي أمام رب الأسباب كالخدم ينفقون من خزائن الملك بأمره.
فلو أن ملكاً من الملوك جعل لقصره مائة باب، وجعل على كل باب خادماً، وقال لكل خادم من جاء من الناس يسأل فأعطه فلساً فقط، فإن اعترض معترض، فقل هذه أوامر الملك، وأنا ليس بيدي شيء.
فجاء جليس الملك وقال: أنا أحتاج مائة ألف فأعطني؟.
فقال الخادم: أنا لا أملك أن أعطيك إلا فلساً واحداً فقط، لكن إن كنت من خواصه فادخل عليه من الباب الآخر، وهو يعطيك إذا شاء ما يريد.
ولله المثل الأعلى، جميع الأسباب جعلها الله باباً صغيراً ينتفع منه الناس كلهم مؤمنهم وكافرهم، والله يرزقهم بواسطتها، فهذا باب الأسباب.
أما العطاء الجزيل، العطاء الكبير، فالله يعطيه بنفسه، فيطلب من الملك مباشرة بالإيمان والأعمال الصالحة كما قال سبحانه: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٩٦)﴾ [الأعراف: ٩٦].
وقال الله سبحانه: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٢، ٣].
وإذا عاش الإنسان مع الأسباب بدون الإيمان نزلت به خمس عقوبات، كل واحدة أشد مما قبلها:
الأولى: الإسراف: فإن من لم يتقيد بأوامر الله وحدوده، أصيب بآفة الإسراف، وبغض الله له، فهو مسرف على نفسه، ومحروم من محبة الله، فإن الله لا يحب المسرفين.
الثانية: التبذير: فبعد الإسراف يأتي التبذير، لعدم الإيمان بالله، فهو يسرف ثم يبذر، والتبذير من صفات الشياطين، فيكون أخاً لهم، لأنه اتصف بصفاتهم: ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا (٢٧)﴾ [الإسراء: ٢٧].
стр. 940
الثالثة: الترف: وهو فوق التبذير، وإذا حصل الترف جاء الفسق كما قال سبحانه: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا (١٦)﴾ [الإسراء: ١٦].
الرابعة: الإجرام: فتأتي الجرائم بعد الترف، فحيثما كان الترف كانت الجرائم كما قال سبحانه: ﴿وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ (١١٦)﴾ [هود: ١١٦].
الخامسة: العقوبة والتدمير:
فرداً كان المسرف المبذر كقارون كما قال سبحانه: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ (٨١)﴾ [القصص: ٨١].
أو تكون العقوبة جماعية، إذا كانت المعصية اجتماعية، كما أغرق الله الطاغية المستكبر فرعون وجنوده في اليم، حينما قال أنا ربكم الأعلى فأطاعوه: ﴿فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ (٤٠)﴾ [القصص: ٤٠].
والأسباب التي أمر الله بها نوعان:
الأول: أسباب دنيوية كالأكل والشرب، والنكاح واللباس، والسكن والمركب والأشياء والأموال ونحوها.
الثاني: أسباب أخروية كالإيمان، والعبادات، والأعمال الصالحة، والدعوةإلى الله، والجهاد في سبيله ونحو ذلك.
ونحن مأمورون أن نأخذ من الأسباب الدنيوية ما أحل الله لنا بقدر الحاجة والبقاء، ونأخذ من الأسباب الأخروية التي تقرب إلى الله ما استطعنا: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ﴾ [التغابن: ١٦].
والأسباب والنعم والجوارح إذا لم يدخلها الدين تكون سبباً للبعد عن الله، ونزول العقوبات.
والله قد جعل لكل حق حداً، من تجاوزه خرج من الحق إلى الباطل.
стр. 941
وقد جعل الله لكل شيء سبباً، فتقع الأحداث مرتبة على أسبابها، وهي في الوقت ذاته مدبرة بحسابها بلا تعارض بين هذا وهذا، فلكل حادث سبب، ووراء كل سبب تدبير من اللطيف الخبير.
وقد خلق الله الأسباب لحكم عظيمة، ومنافع ومصالح للعباد.
وقد ابتلى الله عباده بالأسباب، وجعل لها ثلاثة أحوال:
الأول: أن الله سبحانه خلق أسباب الحلال وأسباب الحرام، فيستطيع الإنسان أن يكسب المال بالحرام عن طريق الربا والغش، والكذب والسرقة، وبيع المحرمات كالخمر والخنزير والصور ونحوهما.
ويستطيع أن يكسب المال بالحلال حسب أمر الله بالبيع والشراء والإجارة ونحو ذلك.
لكن الشيطان يخدع الإنسان ويقول له بكسب الحرام يزداد رزقك، وبكسب الحلال يقل رزقك، لكن الله يجعل البركة في القليل، ويجعل في القلوب السكينة.
وبكسب الحرام تخرج الطمأنينة من القلب، وترفع البركة والرحمة: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٢٦٨)﴾ [البقرة: ٢٦٨].
الثاني: أن الله أحياناً يقلل الرزق وأحياناً يزيده كما قال سبحانه: ﴿لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (٢٣)﴾ [الحديد: ٢٣].
فلا تحزنوا عند فقد المال، ولا تتكبروا وتبطروا عند كثرته، فالأرزاق بيد الله، وما كان ربك نسياً، فاستقيموا على أمر الله زاد الرزق أو نقص.
الثالث: أن الله أحياناً يأمرنا بفعل الأسباب وأحياناً يأمرنا بترك الأسباب فإذا جاء الأمر من الله بفعل الأسباب نستجيب فوراً ونفعل الأسباب.
وإذا جاء الأمر من الله بترك الأسباب، نترك الأسباب طاعةً لله وثقة به، وامتثالاً
стр. 942
لأمره كما قال سبحانه في الحالين: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٩) فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٠)﴾ [الجمعة: ٩، ١٠].
والأموال والأسباب مثل حنفيات الماء مظهر المنافع، ليست موجدة للمنافع، لأن المنافع عندالله وبيد الله.
فكما أن كل حنفية لها علاقة بخزان الماء تكون سبباً لخروج الماء، لا أنها موجدة للماء.
وكل حنفية ليس لها علاقة بخزان الماء لا تعطيك قطرة ماء، ولو مكثت الدهر كله.
فكذلك جميع المنافع والخلائق والأحوال في خزائن الله سبحانه.
تأتي بأمره .. وتزيد بأمره .. وتنقص بأمره .. وتتحرك بأمره .. وتسكن بأمره .. وتظهر على الأموال والأسباب بأمره.
فزوال العطش بأمر الله، وقد جعل الله الماء سبباً لزوال العطش فنشربه لأمر الله ولا نعتمد عليه في زوال العطش.
وقد يجعل الله الماء سبباً لزيادة العطش، كا حصل لبني إسرائيل لما شربوا من النهر، فكلما شربوا من النهر زاد العطش.
فزوال العطش بأمر الله وحده، والماء سبب، وزوال الجوع بأمر الله وحده، والطعام سبب، والله هو الذي يطعم ويسقي كما قال سبحانه: ﴿وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (٧٩) وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (٨٠)﴾ [الشعراء: ٧٩، ٨٠].
فالله سبحانه هو الذي بيده كل شيء، وليس بيد أحد من الخلق شيء، فالأمر كله لله، والأمر لله من قبل ومن بعد.
والمؤمن كلما ترك أوامر الله سلط الله عليه الكفار يؤذونه، ويعذبونه ويذلونه حتى يعود إلى ربه فيحفظه منهم.
стр. 943
فالصحابة في أحُد لما خالفوا أمراً واحداً رفع الله عنهم النصرة، وأصابتهم المصيبة بكثرة قتلاهم.
ولما اختل يقين بعض الصحابة في حنين، وأعجبوا بكثرتهم رفع الله عنهم النصرة، فلما تجدد يقينهم على ربهم نصرهم على عدوهم في الحال، وأغنمهم أعظم الغنائم، وأمدهم ربهم بجنود من عنده.
وقد بين الله في القرآن قصص أهل الأسباب حتى لا ننخدع بها، ولا نتوكل عليها، ولا نطمئن إليها:
ففرعون خدع بملكه، فطغى واستكبر وتجبر وأفسد في الأرض .. فماذا فعل الله به؟.
وقوم نوح اغتروا بكثرتهم واعتمدوا عليها، فاستكبروا وسخروا .. فماذا فعل الله بهم؟.
وقوم عاد خدعوا بالقوة، وقالوا من أشد منا قوة، فكفروا وكذبوا .. فماذا فعل الله بهم؟.
وقوم سبأ تعلقوا بالزراعة من دون الله .. فماذا فعل الله بهم؟.
وقوم صالح خدعوا بالصناعة، ورغد العيش .. فماذا فعل الله بهم؟.
وقوم شعيب اغتروا بالأموال والتجارة .. فماذا فعل الله بهم؟.
وجميع هؤلاء قالوا العزة بهذه الأشياء والأسباب، ولا حاجة لنا بالإيمان والأعمال والتقوى .. وكل هؤلاء عصوا رسل الله .. وكذبوهم وآذوهم .. فماذا حصل لهم؟. وكيف كانت عاقبتهم؟.
لقد دمرهم الله وأهلكهم، وأنجى رسله والذين آمنوا معهم، كما قال سبحانه: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٤٠)﴾ [العنكبوت: ٤٠].
والله أرسل الأنبياء والرسل إلى الناس، يدعونهم إلى عبادة الله وحده،
стр. 944
وبذلك يستفيدون من قدرة الله، ومن خزائن الله، بالإيمان والتقوى، فمن أطاع الله أكرمه، ومن عصاه عذبه.
وعند القيام بالدين يأتي البلاء والاختبار، فمن صبر فاز وأفلح، لأن الإنسان لا يترقى إلا بالاختبار كما في أمور الدنيا، فالحديد والذهب لا يصفو إلا بعد عرضه على النار: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا (٢٣)﴾ [الفتح: ٢٣].
وضعيف الإيمان، وقوي الإيمان، لكل منهما ابتلاء يخصه حسب إيمانه، وبقدر قوة الإيمان تكون قوة الابتلاء، حتى يترقى المسلم في درجات الإيمان، وكلما يترقى يفوز في الدنيا والآخرة، وأشد الناس بلاءً الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل.
قال الله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ (٣١)﴾ [محمد: ٣١].
عن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال قلت يا رسول الله أي الناس أشد بلاءً؟ قال: «الأَنْبِيَاءُ ثُمَّ الأَمْثَلُ فَالأَمْثَلُ فَيُبْتَلَى الرَّجُلُ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ فَإِنْ كَانَ دِينُهُ صُلْباً اشْتَدَّ بَلَاؤُهُ وَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ رِقَّةٌ ابْتُلِيَ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ فَمَا يَبْرَحُ الْبَلَاءُ بِالْعَبْدِ حَتَّى يَتْرُكَهُ يَمْشِي عَلَى الأَرْضِ مَا عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ» أخرجه الترمذي وابن ماجة (١).
والأسباب كلها مخلوقة مأمورة، مملوكة لله ، وقد أمرنا الله بفعل الأسباب، لأننا في دار الأسباب.
وإذا أردنا فعل الأسباب فلا بد من العلم بأمور:
أحدها: أن نفعل الأسباب ولا نتوكل عليها، بل نتوكل على الله وحده.
الثاني: ألا نجعل الشيء سبباً إلا بعلم، فمن أثبت شيئاً سبباً بلا علم أو خالف الشرع كان مبطلاً كمن يظن أن النذر سبب في دفع البلاء، وحصول النعماء، وقت ثبت شرعاً أن النذر لا يأتي بخير، وإنما يستخرج به من البخيل.
стр. 945
الثالث: أن السبب المعين وحده لا يستقل بحصول المطلوب، بل لا بد معه من أسباب أخر، ومع هذا فلها موانع، فإذا لم يكمل الله الأسباب، ويدفع الموانع، لم يحصل المقصود، فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن.
الرابع: أن الأعمال لا يجوز أن يتخذ منها شيء سبباً إلا أن تكون مشروعة، فكما جعل الله الماء سبباً للحياة والإنبات، فقد جعل الشفاعة والدعاء سبباً لما يقضيه بذلك.
فلا يجوز للإنسان أن يشرك بالله فيدعو معه غيره، أو يعبده بالبدع التي تخالف الشرع، والشياطين قد تعين الإنسان على بعض مقاصده إذا أشرك، وهل بعد الشرك من ذنب؟.
ولا بد لكل عبد من الجمع بين الأمرين:
التوكل على الله .. وفعل الأسباب المأمور بها.
فيزرع الزرع .. ويتوكل على الله في إنمائه وحفظه وحصول ثمرته.
ويتزوج .. ويتوكل على الله في حصول الأولاد، فالزواج سبب وهو منك وأنت الذي تفعله، وأما حصول الأولاد فهو من الله.
وتدعو إلى الله .. وتتوكل على الله في حصول الهداية، وهكذا.
والله يعلم الأمور على ما هي عليه، وهو قد جعل للأشياء أسباباً تكون بها، فيعلم أنها تكون بتلك الأسباب.
كما يعلم أن هذا يولد له بأن يطأ امرأة فيحبلها.
فلو قال أحد إذا علم الله وقدر أنه يولد لي فلا حاجة الي الوطء، كان أحمقَ، لأن الله علم أنه سيكون بما يقدره من الوطء.
وكذلك إذا علم الله أن هذا يشبع بالأكل، وهذا يروى بالشرب، وهذا يموت بالقتل، فلا بد من الأسباب التي علم الله أن هذه الأمور تكون بها.
وكذلك إذا علم الله أن هذا يكون سعيداً في الآخرة، وهذا يكون شقياً في الآخرة، وهذا في الجنة، وهذا في النار.
стр. 946
فالله علم أن هذا يدخل الجنة بالإيمان والأعمال الصالحة، فإن لم يكن معه إيمان دخل النار.
وهذا يعمل بعمل السعداء .. وذاك يعمل بعمل الأشقياء.
والجنة خلقها الله لأهل الإيمان به وطاعته، فمن قدر أن يكون منهم، يسره الله للإيمان والطاعة.
ولا يعاقب الله العبد على ما علم أنه يعمله حتى يعمله، ولهذا أمر الناس بالدعاء، ومن قال أنا لا أدعو ولا أسأل اتكالاً على القدر كان مخطئاً.
لأن الله جعل الدعاء والسؤال، من الأسباب التي تنال بها مغفرته ورحمته، وهداه وتوفيقه، ونصره ورزقه.
وإذا قدر الله للعبد رزقاً أو خيراً يناله بالدعاء، لم يحصل بدون الدعاء.
وما قدره الله وعلمه من أحوال العباد وعواقبهم، فإنما قدره الله بأسباب، وليس في الدنيا والآخرة شيء إلا بسبب، والله خالق الأسباب والمسببات، وخلق فيها الأثر كما خلقها.
وليس فعل الأسباب المشروعة كافياً في حصول المطلوب، فالولد لا يحصل بمجرد الوطء فقط، بل لا بد من تمام الشروط، وانتفاء الموانع، وأن يشاء الله خلقه، وكل ذلك بقضاء الله وقدره.
وكذلك أمر الآخرة، فليس بمجرد العمل يدخل الإنسان الجنة، بل العمل سبب، وليس العمل عوضاً وثمناً كافياً في دخول الجنة.
بل لا بد من عفو الله وفضله ورحمته.
قال النبي ﷺ : «سَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَأبْشِرُوا، فَإِنَّهُ لا يُدْخِلُ أحَداً الْجَنَّةَ عَمَلُهُ». قَالُوا: وَلا أنْتَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «وَلا أنَا، إِلا أنْ يَتَغَمَّدَنِي الله بِمَغْفِرَةٍ وَرَحْمَةٍ» متفق عليه (١).
стр. 947
ومن له عذر من خلقه كالطفل الذي لا يميز، ومن مات في الفترة، والمعتوه والمجنون والأصم، ومن لم تبلغه الدعوة، فهؤلاء لا يعذبهم الله بلا ذنب البتة، وله فيهم حكم آخر في المعاد.
حيث يمتحنون، فمن أطاع منهم أدخله الله الجنة، ومن عصى أدخله النار.
ومن قدر الله له أن يكون سعيداً يكون سعيداً، لكن بالأعمال التي جعله الله يسعد بها.
ومن قدر الله له أن يكون شقياً يكون شقياً، لكن بالأعمال التي جعله الله يشقى بها، والتي من جملتها الاتكال على القدر، وترك الأعمال الواجبة.
والله على كل شيء قدير، أقدر عباده على أشياء، ومنعهم من أشياء.
وما لا يقدر عليه العبد نوعان:
أحدهما: ما هو ممتنع عادة كالمشي على الوجه، والطيران في الهواء ونحوهما.
الثاني: ما هو ممتنع في نفسه كالجمع بين الضدين كالماء والنار، وكالحركة والسكون ونحوهما.
والأسباب كلها مظاره لقدرة الله وجماله وجلاله، وهي نوعان:
أسباب معتادة .. وغريبة.
فالمعتادة: كولادة الإنسان من أبوين، وخروج الثمر من الشجر، وخروج الحليب من البقر، والكلام من اللسان، ونحو ذلك.
والغريبة: كولادة الإنسان من أم فقط كما ولدت مريم عيسى، أو من أب فقط، كما خلقت حواء، أو من غير أبوين كما خلق الله آدم من تراب، وخروج الماء من الحجر لموسى، وانقلاب العصا حية لما ألقاها موسى، وحصول الطعام لمريم في المحراب، ونحو ذلك.
والأسباب التي يحصل بها الرزق، هي من جملة ما قدره الله وكتبه، فإن كان قد تقدم بأن الله يرزق العبد بسعيه واكتسابه ألهمه السعي والاكتساب.
وما قدر الله له من الرزق بغير اكتساب كالميراث والهدية والوصية، يأتيه بغير
стр. 948
اكتساب.
وأكثر الذين يعجزون عن الأسباب يرزقون على أيدي من يعطيهم إما صدقة أو هدية أو نذراً، أو غير ذلك مما يؤتيه الله على أيدي من ييسره لهم.
والتاجر يفعل السبب المأمور به، ويتوكل على الله فيما يخرج عن قدرته، وغاية قدرته تحصيل السلعة ونقلها وعرضها.
أما إلقاء الرغبة في قلب من يطلبها، وبذل الثمن الذي يربح به، فهذا ليس مقدوراً للعبد.
والسعي سعيان:
سعي فيما نصب للرزق كالتجارة والعمل.
وسعي بالدعاء والتوكل والإحسان إلى الخلق ونحو ذلك، فإن الله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه.
والله ﵎ لا ريب أنه قضى وفرغ من تدبير أمور الخلق، ولكنه قدرها بأسبابها المفضية إليها.
فلا يكون وقوف العبد على فراغه سبحانه من أقضيته في خلقه وتدبيره مانعاً له من قيامه بالأسباب التي جعلها طرقاً لحصول ما قضاه منها.
فيباشر العبد الأسباب التي بها حفظ حياته من الطعام والشراب، واللباس والسكن ونحوها، ولا يكون وقوفه مع فراغ المدبر منها مانعاً له من تعاطيها.
وكذلك يباشر الأسباب الموجبة لبقاء النوع من النكاح والتسري، ولا يكون وقوفه مع فراغ الله من خلقه مانعاً له من فعل ما أمر به.
وهكذا جميع مصالح الدنيا والآخرة وإن كانت مفروغاً منها قضاءً وقدراً، فهي منوطة بأسبابها التي يتوقف حصولها عليها شرعاً وقدراً.
فكما جعل الله الطعام سبباً للشبع والماء سبباً للري، كذلك جعل فعل المأمور وترك المحظور سباً للنجاة، وجعل فعل المحظور وترك المأمور سبباً للهلاك، وقد جعل الله لكل شيء سبباً.
стр. 949
وفعل الأسباب لا ينافي التوكل على الله، فالنبي ﷺ أفضل المتوكلين، وأشد عباد الله حرصاً على فعل الأسباب قد ظاهار بين درعين في أحد .. وأمر بإطفاء السراج .. وإغلاق الأبواب .. وأمر بنفض الفراش والتسمية عند النوم .. وأخذ الزاد في السفر .. وأخذ من يدله على الطريق في الهجرة .. وكان يتقي الحر والبرد .. ويأكل ويشرب .. وأمر بالتداوي .. ولم ينقص ذلك من توكله.
والله يعطي عباده ويرزقهم من ثلاثة أبواب:
بالأسباب .. وبدون الأسباب .. وبضد الأسباب.
فيعطي الأسباب ليتبين به ما أفاض من صنعه، وما أودع في مخلوقاته من القوى والطبائع والمنافع.
ويعطي بدون الأسباب ليبين للعباد أن قدرة الله غير مفتقرة إلى واسطة في فعله.
ويعطي بضد الأسباب ليعلم العباد أن الله على كل شيء قدير، يفعل ما يشاء، ولا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، كما جعل النار برداً وسلاماً على إبراهيم، وأخرج الماء من الحجر لموسى وقومه.
ولا يقع في هذا الوجود شيء إلا بإذن الله، والأسباب تفعل فعلها، وتظهر آثارها بإذن الله.
فلو عرض الإنسان يده للنار فإنها تحترق، ولكن هذا الاحتراق لا يكون إلا بإذن الله، فالله هو الذي أودع النار خاصية الحرق، وأودع يدك خاصية الاحتراق بها.
وهو سبحانه قادر أن يوقف هذه الخاصية حين لا يأذن لحكمة يريدها، كما وقع لإبراهيم ﷺ حين ألقي في النار، فالنار تشتعل ولكن الله منعها من حرق إبراهيم، بل جعلها برداً وسلاماً عليه كما قال سبحانه: ﴿قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ (٦٩)﴾ [الأنبياء: ٦٩].
وكذلك السحر الذي يفرقون به بين المرء وزوجه ينشئ هذا الأثر بإذن الله، والله قادر أن يوقف هذا الأثر فيه حين لا يأذن لحكمة يريدها كما قال سبحانه عن
стр. 950
السحرة: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ﴾ [البقرة: ١٠٢].
والأمر كله لله، والله لا مقيد لمشيئته، فالمشيئة التي تريد النتيجة، هي ذاتها التي تيسر الأسباب.
فلا تعارض بين تعليق النصر بالمشية ووجود الأسباب، وهذا الكون وما يجري فيه كله يسير وفق مشيئة الله: ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤) بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٥)﴾ [الروم: ٤، ٥].
فالعقيدة الصحيحة ترد الأمر كله لله، ولكنها لا تعفي البشر من الأخذ بالأسباب المشروعة، والتي من شأنها أن تظهر النتائج إلى عالم الشهادة والواقع بأمر الله.
أما إن تحقق تلك النتائج فعلاً أو لا تحقق فليس داخلاً في التكليف، لأن مرد ذلك في النهاية إلى تدبير الله، فالتوكل مقيد بالأخذ بالأسباب، ورد الأمر بعد ذلك إلى الله وحده، وهذا محل الابتلاء.
وظاهر الأسباب في الدنيا هو من أساس حكمة الحياة، أن يكون ظاهراً أمامك أن هذا يعطي، وهذا يمنع.
وهذا يستطيع أن يعطيك المال والخير، وهذا يستطيع أن يمنع عنك الرزق.
وأنت إما أن تندفع لإرضاء بشر على حساب معصية الله، وإما أن تلتزم بمنهج الله ولا تخشى أحداً.
فظاهرية الملك .. وظاهرية الأسباب .. لازمة في الحياة الدنيا .. غير لازمة في الآخرة.
ولذلك فإن هذا الظاهر، وهذه الأسباب، كل ذلك يختفي في الآخرة، ويكون الشيء مباشرة من الله لعبيده.
لماذا؟ .. لأن الآخرة هي دار الخلود، وليست مرحلة اختبار للعباد.
فظاهر الملك في الدنيا لأحد غير الله، هو أمر تقتضيه طبيعة الحياة الدنيا، من