فالله علم أن هذا يدخل الجنة بالإيمان والأعمال الصالحة، فإن لم يكن معه إيمان دخل النار.
وهذا يعمل بعمل السعداء .. وذاك يعمل بعمل الأشقياء.
والجنة خلقها الله لأهل الإيمان به وطاعته، فمن قدر أن يكون منهم، يسره الله للإيمان والطاعة.
ولا يعاقب الله العبد على ما علم أنه يعمله حتى يعمله، ولهذا أمر الناس بالدعاء، ومن قال أنا لا أدعو ولا أسأل اتكالاً على القدر كان مخطئاً.
لأن الله جعل الدعاء والسؤال، من الأسباب التي تنال بها مغفرته ورحمته، وهداه وتوفيقه، ونصره ورزقه.
وإذا قدر الله للعبد رزقاً أو خيراً يناله بالدعاء، لم يحصل بدون الدعاء.
وما قدره الله وعلمه من أحوال العباد وعواقبهم، فإنما قدره الله بأسباب، وليس في الدنيا والآخرة شيء إلا بسبب، والله خالق الأسباب والمسببات، وخلق فيها الأثر كما خلقها.
وليس فعل الأسباب المشروعة كافياً في حصول المطلوب، فالولد لا يحصل بمجرد الوطء فقط، بل لا بد من تمام الشروط، وانتفاء الموانع، وأن يشاء الله خلقه، وكل ذلك بقضاء الله وقدره.
وكذلك أمر الآخرة، فليس بمجرد العمل يدخل الإنسان الجنة، بل العمل سبب، وليس العمل عوضاً وثمناً كافياً في دخول الجنة.
بل لا بد من عفو الله وفضله ورحمته.
قال النبي ﷺ : «سَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَأبْشِرُوا، فَإِنَّهُ لا يُدْخِلُ أحَداً الْجَنَّةَ عَمَلُهُ». قَالُوا: وَلا أنْتَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «وَلا أنَا، إِلا أنْ يَتَغَمَّدَنِي الله بِمَغْفِرَةٍ وَرَحْمَةٍ» متفق عليه (١).
стр. 947
ومن له عذر من خلقه كالطفل الذي لا يميز، ومن مات في الفترة، والمعتوه والمجنون والأصم، ومن لم تبلغه الدعوة، فهؤلاء لا يعذبهم الله بلا ذنب البتة، وله فيهم حكم آخر في المعاد.
حيث يمتحنون، فمن أطاع منهم أدخله الله الجنة، ومن عصى أدخله النار.
ومن قدر الله له أن يكون سعيداً يكون سعيداً، لكن بالأعمال التي جعله الله يسعد بها.
ومن قدر الله له أن يكون شقياً يكون شقياً، لكن بالأعمال التي جعله الله يشقى بها، والتي من جملتها الاتكال على القدر، وترك الأعمال الواجبة.
والله على كل شيء قدير، أقدر عباده على أشياء، ومنعهم من أشياء.
وما لا يقدر عليه العبد نوعان:
أحدهما: ما هو ممتنع عادة كالمشي على الوجه، والطيران في الهواء ونحوهما.
الثاني: ما هو ممتنع في نفسه كالجمع بين الضدين كالماء والنار، وكالحركة والسكون ونحوهما.
والأسباب كلها مظاره لقدرة الله وجماله وجلاله، وهي نوعان:
أسباب معتادة .. وغريبة.
فالمعتادة: كولادة الإنسان من أبوين، وخروج الثمر من الشجر، وخروج الحليب من البقر، والكلام من اللسان، ونحو ذلك.
والغريبة: كولادة الإنسان من أم فقط كما ولدت مريم عيسى، أو من أب فقط، كما خلقت حواء، أو من غير أبوين كما خلق الله آدم من تراب، وخروج الماء من الحجر لموسى، وانقلاب العصا حية لما ألقاها موسى، وحصول الطعام لمريم في المحراب، ونحو ذلك.
والأسباب التي يحصل بها الرزق، هي من جملة ما قدره الله وكتبه، فإن كان قد تقدم بأن الله يرزق العبد بسعيه واكتسابه ألهمه السعي والاكتساب.
وما قدر الله له من الرزق بغير اكتساب كالميراث والهدية والوصية، يأتيه بغير
стр. 948
اكتساب.
وأكثر الذين يعجزون عن الأسباب يرزقون على أيدي من يعطيهم إما صدقة أو هدية أو نذراً، أو غير ذلك مما يؤتيه الله على أيدي من ييسره لهم.
والتاجر يفعل السبب المأمور به، ويتوكل على الله فيما يخرج عن قدرته، وغاية قدرته تحصيل السلعة ونقلها وعرضها.
أما إلقاء الرغبة في قلب من يطلبها، وبذل الثمن الذي يربح به، فهذا ليس مقدوراً للعبد.
والسعي سعيان:
سعي فيما نصب للرزق كالتجارة والعمل.
وسعي بالدعاء والتوكل والإحسان إلى الخلق ونحو ذلك، فإن الله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه.
والله ﵎ لا ريب أنه قضى وفرغ من تدبير أمور الخلق، ولكنه قدرها بأسبابها المفضية إليها.
فلا يكون وقوف العبد على فراغه سبحانه من أقضيته في خلقه وتدبيره مانعاً له من قيامه بالأسباب التي جعلها طرقاً لحصول ما قضاه منها.
فيباشر العبد الأسباب التي بها حفظ حياته من الطعام والشراب، واللباس والسكن ونحوها، ولا يكون وقوفه مع فراغ المدبر منها مانعاً له من تعاطيها.
وكذلك يباشر الأسباب الموجبة لبقاء النوع من النكاح والتسري، ولا يكون وقوفه مع فراغ الله من خلقه مانعاً له من فعل ما أمر به.
وهكذا جميع مصالح الدنيا والآخرة وإن كانت مفروغاً منها قضاءً وقدراً، فهي منوطة بأسبابها التي يتوقف حصولها عليها شرعاً وقدراً.
فكما جعل الله الطعام سبباً للشبع والماء سبباً للري، كذلك جعل فعل المأمور وترك المحظور سباً للنجاة، وجعل فعل المحظور وترك المأمور سبباً للهلاك، وقد جعل الله لكل شيء سبباً.
стр. 949
وفعل الأسباب لا ينافي التوكل على الله، فالنبي ﷺ أفضل المتوكلين، وأشد عباد الله حرصاً على فعل الأسباب قد ظاهار بين درعين في أحد .. وأمر بإطفاء السراج .. وإغلاق الأبواب .. وأمر بنفض الفراش والتسمية عند النوم .. وأخذ الزاد في السفر .. وأخذ من يدله على الطريق في الهجرة .. وكان يتقي الحر والبرد .. ويأكل ويشرب .. وأمر بالتداوي .. ولم ينقص ذلك من توكله.
والله يعطي عباده ويرزقهم من ثلاثة أبواب:
بالأسباب .. وبدون الأسباب .. وبضد الأسباب.
فيعطي الأسباب ليتبين به ما أفاض من صنعه، وما أودع في مخلوقاته من القوى والطبائع والمنافع.
ويعطي بدون الأسباب ليبين للعباد أن قدرة الله غير مفتقرة إلى واسطة في فعله.
ويعطي بضد الأسباب ليعلم العباد أن الله على كل شيء قدير، يفعل ما يشاء، ولا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، كما جعل النار برداً وسلاماً على إبراهيم، وأخرج الماء من الحجر لموسى وقومه.
ولا يقع في هذا الوجود شيء إلا بإذن الله، والأسباب تفعل فعلها، وتظهر آثارها بإذن الله.
فلو عرض الإنسان يده للنار فإنها تحترق، ولكن هذا الاحتراق لا يكون إلا بإذن الله، فالله هو الذي أودع النار خاصية الحرق، وأودع يدك خاصية الاحتراق بها.
وهو سبحانه قادر أن يوقف هذه الخاصية حين لا يأذن لحكمة يريدها، كما وقع لإبراهيم ﷺ حين ألقي في النار، فالنار تشتعل ولكن الله منعها من حرق إبراهيم، بل جعلها برداً وسلاماً عليه كما قال سبحانه: ﴿قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ (٦٩)﴾ [الأنبياء: ٦٩].
وكذلك السحر الذي يفرقون به بين المرء وزوجه ينشئ هذا الأثر بإذن الله، والله قادر أن يوقف هذا الأثر فيه حين لا يأذن لحكمة يريدها كما قال سبحانه عن
стр. 950
السحرة: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ﴾ [البقرة: ١٠٢].
والأمر كله لله، والله لا مقيد لمشيئته، فالمشيئة التي تريد النتيجة، هي ذاتها التي تيسر الأسباب.
فلا تعارض بين تعليق النصر بالمشية ووجود الأسباب، وهذا الكون وما يجري فيه كله يسير وفق مشيئة الله: ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤) بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٥)﴾ [الروم: ٤، ٥].
فالعقيدة الصحيحة ترد الأمر كله لله، ولكنها لا تعفي البشر من الأخذ بالأسباب المشروعة، والتي من شأنها أن تظهر النتائج إلى عالم الشهادة والواقع بأمر الله.
أما إن تحقق تلك النتائج فعلاً أو لا تحقق فليس داخلاً في التكليف، لأن مرد ذلك في النهاية إلى تدبير الله، فالتوكل مقيد بالأخذ بالأسباب، ورد الأمر بعد ذلك إلى الله وحده، وهذا محل الابتلاء.
وظاهر الأسباب في الدنيا هو من أساس حكمة الحياة، أن يكون ظاهراً أمامك أن هذا يعطي، وهذا يمنع.
وهذا يستطيع أن يعطيك المال والخير، وهذا يستطيع أن يمنع عنك الرزق.
وأنت إما أن تندفع لإرضاء بشر على حساب معصية الله، وإما أن تلتزم بمنهج الله ولا تخشى أحداً.
فظاهرية الملك .. وظاهرية الأسباب .. لازمة في الحياة الدنيا .. غير لازمة في الآخرة.
ولذلك فإن هذا الظاهر، وهذه الأسباب، كل ذلك يختفي في الآخرة، ويكون الشيء مباشرة من الله لعبيده.
لماذا؟ .. لأن الآخرة هي دار الخلود، وليست مرحلة اختبار للعباد.
فظاهر الملك في الدنيا لأحد غير الله، هو أمر تقتضيه طبيعة الحياة الدنيا، من
стр. 951
أنها امتحان يمر به الإنسان، ليوصله إلى الجنة أو النار.
أما في الآخرة فظاهر الملك يختفي كما تختفي الأسباب: ﴿يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (١٦)﴾ [غافر: ١٦].
والله ﵎ كما أنه خالق كل شيء، فهو مالك كل شيء، ومدبر كل شيء، ولكنه استخلفنا في الدنيا في مال أو حكم أو سلطان بإذنه وبأمره، متى شاء وكيف شاء، كما قال سبحانه: ﴿وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ [الحديد: ٧].
فالله استخلفنا في الأرض والأموال والمناصب ليرى ماذا نفعل؟.
هل نطيعه فيها أم نعصيه؟ .. وهل نعتمد عليها، أم نتوكل على الله وحده؟. كما قال سبحانه: ﴿قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (١٢٩)﴾ [الأعراف: ١٢٩].
والله سبحانه خلق ما في الأرض جميعاً، وخلق لها الأسباب التي تحصل بها، والعوامل التي تحكمها، إظهاراً لكمال قدرته، وابتلاء العباد.
ولكن هذه العوامل والأسباب لا يمكن أن تكون قيداً على قدرة الله سبحانه، ذلك أن الله لو قضى بالأسباب وحدها في الأرض، لعبد الناس الأسباب وحدها، ونسوا المسبب الخالق سبحانه.
ولذلك بقيت طلاقة قدرة الله في الكون، لتلفت الناس إلى أن الذي خلق الأسباب، لا تقيده هذه الأسباب في قدرته.
فله سبحانه سنة .. وله قدرة .. فسنته جارية .. وقدرته مطلقة لا يحكمها شيء.
وهو يفعل ما يشاء في أي وقت شاء، ولكن ظهور القدرة لا يحدث إلا بين حين وآخر، لأنها ليست حكم الله في الدنيا ولا سنته، ولا هي وسيلة الحياة فيها.
وإذا حدثت طلاقة القدرة كل يوم انتفت الأسباب، ولم يعد لأسباب الدنيا وجود، ولكنها تأتي لفتة كما خرج الماء من الحجر لموسى ﷺ كما قال سبحانه: ﴿وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا
стр. 952
فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٦٠)﴾ [البقرة: ٦٠].
وكما خرج الماء من بين أصابع الرسول ﷺ في الحديبية.
فظهور قدرة الله أحياناً، تلفت الناس إلى القدرة الإلهية التي هي فوق الأسباب، حتى لا تعبد الأسباب، وهي في مجيئها مكلفة من الله سبحانه بأمره.
فقد ينخفض محصول القمح مثلاً، مع أن الأسباب اللازمة كلها متوفرة، ولكن الأرض رفضت أن تنفعل بالأسباب بأمر الله، لماذا؟.
إنها لفتة من الله حتى لا نعبد الأسباب، ونترك الله.
فالدنيا دار الأسباب والعمل، وتظهر قدرة الله أحياناً بدون الأسباب لمن شاء وهم المؤمنون، ولكن سنة الله وقدرته في الحياة الدنيا عموماً تظهر بالأسباب، لأن ظهور القدرة الإلهية مباشرة بدون الأسباب في الآخرة.
فكل شيء في الآخرة يأتي العبد بمجرد ما يجول في خاطره أو يفكر فيه، لا عمل في الآخرة ولا سعي، وإنما نعيم ورضوان من الله، وعطاء بلا حدود ولا نفاد.
أما في الدنيا فهناك طريق الأسباب لعموم الناس، ومعه عطاء الرب بلا أسباب، وهذا خاص بالمؤمنين.
وأرزاق الأحياء مخفية وراء الأسباب التي أمرنا الله بها، ولكن الله يعطي إذا شاء بغير حساب، وبغير أسباب، لمن شاء من عباده كما قال سبحانه عن مريم: ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَامَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٣٧)﴾ [آل عمران: ٣٧].
فالأسباب ليس بيدها شيء، ولكنها وسيلة للحصول على الرزق الذي كتبه الله للعبد، ولذلك أمرنا الله بذكره عند مباشرة الأسباب كما قال سبحانه: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٠)﴾ الجمعة: ١٠]
فالأرزاق كلها بيد الرزاق وحده، والأسباب وسيلة للوصول إليها، والله خالق
стр. 953
الرزق، وخالق المرزوق، وخالق السبب الموصل إلى الرزق: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ [الأنعام: ١٠٢].
والاستعانة بالله في كل عمل استعانة بالقادر الذي لا يعجزه شيء، ورد الفعل إلى الفاعل الذي بيده كل شيء.
فالأسباب تعمل بأمر الله، ونسبة العمل إلى الأسباب وحدها تبعدنا عن الله سبحانه.
فالله مالكها، ومالك الكون كله، وهي لا تخرج عن تدبيره وأمره.
ولقد مكن الله بعض خلقه من الأسباب الظاهرة في الأرض، فهذا رئيس دولة .. وهذا ميسر له أسباب النفوذ والسلطان .. وهذا ميسر له أسباب المال، وجعل الله العطاء ظاهراً فقط من هذه الأسباب ليسير الكون فماذا حدث؟.
لقد ظن أكثر الناس أن عطاء الأسباب في يد هؤلاء وحدهم، وأن مخالفتهم ستؤدي إلى الحرمان من مقومات الحياة، وأن طاعتهم ولو في معصية الله ستعطي الإنسان الحياة الرغدة التي يتمناها، فماذا حصل؟.
لقد وقف الناس بأبوابهم لا يرجون إلا إياهم، ولا يخافون إلا منهم، وازدحم الناس على باب العبد الفقير، أما باب الملك الغني القوي العزيز فقلما يقف عليه أحد، وهذه خطورة الأخذ بالأسباب وحدها.
وهي خطورة تعرض الكون كله للاختلال والفساد، وتكثر من البغي في الأرض، والشرك بالله، والإعراض عنه، والاعتماد على غيره.
فالأسباب نؤمن بها ولا نتوكل عليها، بل نباشرها ونتوكل على الله وحده.
وما من أمة عبدت الأسباب، إلا انتشر فيها الظلم، وعم فيها الإرهاب والفوضى، وضاع فيها الحق، وقام فيها سوق الباطل، واستعبد فيها الإنسان، وضل عن ربه، وحل بها البلاء والعقوبة، كما حكى الله أحوال أهل الأسباب في سورة الأعراف وهود والشعراء.
стр. 954
إن ظهور القدرة الإلهية، بجانب الأسباب تنبيه للناس ليعلموا أن الله هو الذي أعطى الأسباب، ويستطيع كما أعطاها أن يمنعها، فهو الذي بيده كل شيء.
فمن ترك المسبب وعبد السبب فقد ضل.
فمن كان يملك الجاه والسلطان ثم أصبح طريداً لا يجد من يصافحه.
ومن ينتقل من الحكم إلى السجن، ومن يخرج من السجن إلى الحكم، ومن كان يملك الثروة والأموال ثم أصبح فقيراً تجمع له الصدقات.
كل ذلك وغيره يحدث أمامنا ليذكرنا بقدرة الله وحكمته ومشيئته، وأنه هو الذي يعطي الملك والجاه والسلطان، وهو الذي يسلبها إذا شاء.
فإذا عبد الناس هذه الأسباب، وانطلقوا يسجدون لها أزالها الله، ولكن لماذا؟.
لكي يفيق الناس ويعلموا أن الله هو الذي أعطى الأسباب، وأن هذه الأسباب ليست ذاتية للحاكم أو الغني.
ولو كانت ذاتية لما زالت عنه، بل جميع المخلوقات والأسباب ملك لله وحده: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٦)﴾ [آل عمران: ٢٦].
وجميع الأسباب التي خلقها الله في قبضة الله، فهي لا تعمل بذاتها، ولا تعطي بذاتها، وإنما تعمل وتعطي بإرادة الله، الذي هو على كل شيء قدير، والذي ترى قدرته في ضعيف ينصره الله على قوي كما نصر الله موسى على الطاغية الجبار فرعون، ونرى قدرته في مظلوم ينصره الله على ظالم.
وحين تضيق الأسباب وتعجز، يأتي فرج الله كما قال سبحانه للنبي ﷺ وأصحابه: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٢٦)﴾ [الأنفال: ٢٦].
فإذا انتصر قوي على ضعيف فهنا ظهور قدرة الله بالأسباب، وإذا انتصر ضعيف على قوي فهنا ظهور قدرة الله بضد الأسباب، وتارة تظهر قدرة الله بدون
стр. 955
الأسباب: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢)﴾ [يس: ٨٢].
والمؤمن إذا عزت عليه الأسباب توجه إلى ربه فسأله، لأنه يعلم أنه إذا كانت الأسباب لا تعطيه، فإن الله الذي خلق كل شيء، وبيده كل شيء قادر أن يعطيه بدون الأسباب، وينجيه كما أنجى يونس في الظلمات حين ناداه: ﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (٨٧) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (٨٨)﴾ [الأنبياء: ٨٧، ٨٨].
وكما طلب زكريا الولد مع كبر سنه وسن زوجته فاستجاب الله له كما قال سبحانه: ﴿يَازَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا (٧) قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا (٨) قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا (٩)﴾ [مريم: ٧ - ٩].
ولكل مؤمن حظ من الاستفادة من قدرة الله فإن الله لا يعجزه شيء، والمؤمن لا ييأس كما أمره الله بقوله: ﴿وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ (٨٧)﴾ [يوسف: ٨٧].
فحين تضيق الأسباب بالناس، وتغلق الدنيا أبوابها أمامهم، الكافر وغير المؤمن بالله يصيبه يأس قاتل ينتهي به إما إلى الجنون أو الانتحار.
أما المؤمن بقضاء الله وقدره فيظل ثابتاً لا تزعزعه الأحداث، ويتوجه إلى ربه وهو مؤمن بأن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، وأن الله سيجعل له بعد العسر يسراً، ويجعل له بعد الكرب فرجاً ومخرجاً: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا (٣)﴾ [الطلاق: ٢، ٣].
اللهم علمنا ما ينفعنا .. وانفعنا بما علمتنا .. إنك أنت العليم الحكيم.
стр. 956
٤ - فقه خلق الخير والشر
قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (١٠٧)﴾ [يونس: ١٠٧].
وقال الله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ (٣٥)﴾ [الأنبياء: ٣٥].
الله ﵎ له ملك السموات والأرض، وكل ما يكون في الوجود هو بقضاء الله وقدره حلوه ومره، وخيره وشره.
وعلى العبد أن يؤمن بقضاء الله وقدره، خيره وشره:
إن أصابته نعمة علم أنها من الله فشكره عليها، وإن أصابته مصيبة صبر عليها ليثاب عليها.
وعليه إذا أذنب أن يستغفر الله ويتوب إليه، ولا يحتج بالقدر.
بل يعلم أنه هو المذنب العاصي الفاعل للذنب، وإن كان ذلك كله بقضاء الله وقدره ومشيئته.
إذ لا يكون شيء إلا بمشيئة الله وخلقه، فهو خالق كل شيء، لكن العبد هو الذي أكل الحرام، وظلم نفسه، وفعل الفاحشة، كما أنه هو الذي صلى وصام، وحج وجاهد.
فهو الموصوف بهذه الأفعال، وهو المتحرك بهذه الحركات، وهو الكاسب لها، له ما كسب، وعليه ما اكتسب.
والله خالق كل ذلك بقدرته ومشيئته، والعبد له مشيئة للخير والشر، وله قدرة على هذا وعلى هذا، وهو العامل لهذا وهذا، والله خالق ذلك كله.
فلله مشيئة، وللعبد مشيئة، لكن مشيئة العبد تابعة لمشيئة الرب كما قال سبحانه: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (٢٧) لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٩)﴾ [التكوير: ٢٧ - ٢٩].
стр. 957
والذنوب للأرواح كالسموم للأبدان، والذنوب مثل أكل السم، فالإنسان إذا أكل السم مرض او مات، فهو الذي يمرض ويتألم، ويتعذب ويموت، والله خالق ذلك كله.
وإنما مرض بسبب أكله، وهو الذي ظلم نفسه بأكل السم، فإن شرب الدواء النافع عافاه الله.
فالذنوب كأكل السم، والدواء النافع كالتوبة النافعة.
والمؤمن يصبر على المصائب، ويستغفر من الذنوب والمعائب.
والمنافق بالعكس لا يستغفر من ذنبه، ولا يصبر على ما أصابه، فلهذا يكون شقياً في الدنيا والآخرة.
وأساس كل خير أن يعلم العبد أن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن.
فيتيقن حينئذ أن الحسنات من نعمه فيشكر الله عليها، ويتضرع إليه ألا يقطعها عنه، وأن السيئات من خذلانه وعقوبته، فيبتهل إلى الله أن يحول بينه وبينها، ولا يكله في فعل الحسنات وترك السيئات إلى نفسه.
فكل خير فأصله بتوفيق الله للعبد، وكل شر فأصله من خذلانه لعبده .. والتوفيق بيد الله ومفتاحه الدعاء والافتقار، وصدق اللجوء إلى الله.
فمن أعطاه الله هذا المفتاح فتح له، ومن أضله عن المفتاح بقي باب الخير مرتجاً عليه.
وجماع الخير الذكر والطاعات .. وجماع الشر الغفلة والشهوات.
فالغفلة عن الله والدار الآخرة تسد باب الخير الذي هو الذكر والطاعات، والشهوات تفتح باب الشر والسهو والخوف.
فيبقى القلب مغموراً فيما يهواه، غافلاً عن ربه، ساهياً عن ذكره، قد انفرط أمره، وران حب الدنيا على قلبه.
والإيمان بالقدر خيره وشره من أركان الإيمان.
والخير: ما يلائم العبد من الطاعات والأحوال الطيبة، من غنى وصحة
стр. 958
ونحوهما.
والشر: ما لا يلائم العبد من المعاصي والأحوال المكروهة، من فقر ومرض ونحوهما.
والخير ينسب إلى الله، والشر لا ينسب إليه سبحانه لقوله ﷺ : «وَالْخَيْرُ كُلُّهُ فِي يَدَيْكَ، وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ» أخرجه مسلم (١).
فالشر لا ينسب إلى الله لا فعلاً ولا تقديراً، ولا حكماً ولا إرادة، بل الشر في مفعولاته سبحانه لا في فعله.
ففعله كله خير، فالابن حين يشتكي المرض ويحتاج إلى كي، فإن أباه يكويه بالنار، فالمفعول الذي هو الكي شر، لكن الفعل خير، لأنه يعقبه الشفاء بإذن الله.
ثم إن ما يقدره لا يكون شراً محضاً، بل في محله وزمانه فقط، فإذا أخذ الله الظالم أخذ عزيز مقتدر صار ذلك شراً بالنسبة إليه، أما لغيره ممن يتعظ به فيكون خيراً.
وقطع يد السارق لا شك أنه شر عليه، لكنه بالتأمل خير بالنسبة له وبالنسبة لغيره.
أما بالنسبة له، فإن قطعها يسقط عنه العقوبة في الآخرة، وعذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، وهو أيضاً خير بالنسبة لغير السارق، لأن فيه ردعاً لمن أراد أن يسرق، وفيه أيضاً حفظ الأموال.
والحق والخير ينتشران بالتعاون .. والشر والباطل ينتشران بالتعصب، لذلك أعمال الدين تقوم على الشورى، فكل محتاج إلى الآخر في إقامة الدين كما قال النبي ﷺ : «الْمُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ، يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضاً» متفق عليه (٢).
والله ﵎ أصلح الأرض بما خلق فيها، وما خلق على ظهرها، من
стр. 959
الأشياء والأسباب التي تلائم الإنسان.
وأصلحها ببعثة الرسل، وإنزال الكتب، وبيان الشريعة، والدعاء إلى طاعة الله وتوحيده والإيمان به، وعبادته وحده لا شريك له.
إن فساد الأرض في الحقيقة إنما هو بالشرك بالله، ومخالفة أمره كما قال سبحانه: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٤١)﴾ [الروم: ٤١].
وقد نهانا الله عن الفساد في الأرض بقوله سبحانه: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٨٥)﴾ [الأعراف: ٨٥].
ولا صلاح للأرض وأهلها إلا أن يكون الله وحده هو المعبود، ورسوله هو المتبوع، وشرعه هو الذي يحكم حياة الناس.
ومن تأمل أحوال العالم وجد كل صلاح في الأرض فسببه توحيد الله وعبادته، وطاعته وطاعة رسوله.
وكل شر في العالم من فتنة وبلاء، وقحط وتسليط عدو فسببه الكفر بالله ومخالفة أمر الله ورسوله، والدعوة إلى ما يغضب الله ويسخطه.
والشر الواقع في العالم قسمان:
أحدهما: شرور هي أفعال العباد وما تولد منها.
الثاني: الشرور التي لا تتعلق بأفعال العباد كالسموم والأمراض، وأنواع الآلام، وكإبليس وجنوده، وغير ذلك من شرور المخلوقات كإيلام الأطفال، وذبح الحيوان.
والله سبحانه له في كل ما خلقه وأمر به وشرعه حكمة بالغة، ونعمة سابغة، لأجلها خلق وأمر، ويستحق أن يثنى عليه ويحمد لأجلها، كما يحمد ويثنى عليه لأسمائه الحسنى، وصفاته العلا.
فهو سبحانه المحمود على ذلك كله أتم حمد وأكمله، لما اشتملت عليه
стр. 960
أسماؤه من الحسن، وصفاته من الكمال، وأفعاله من الحكم والغايات المقتضية لحمده، المطابقة لحكمه، الموافقة لمحابه.
فإنه سبحانه كامل الذات والأسماء والصفات، فلا يصدر عنه إلا كل فعل كريم مطابق للحكمة، موجب للحمد، يترتب عليه من محابه ما فعل لأجله.
والله سبحانه فعال لما يريد، وله المشيئة النافذة، والحكمة البالغة، وجميع الأسباب والأشياء التي نصبها الله هي مظهر حكمته وحمده، وجماله وجلاله، وهي مقتضية لمسبباتها.
ولكنه سبحانه فقد يخرق العادة، ويعطلها أحياناً، إذا كان فيه مصلحة راجحة لإظهار قدرته، ونصر أوليائه، وقهر أعدائه، كما عطل سبحانه النار عن الإحراق نصرة لرسوله إبراهيم ﷺ ، وجعلها برداً وسلاماً عليه كما قال سبحانه: ﴿قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ (٦٩)﴾ [الأنبياء: ٦٩].
لما في ذلك من المصالح العظيمة، وإلا فطبيعة النار التي خلقها الله عليها الحرارة والإحراق.
وكذلك تعطيل الماء من إغراق موسى وقومه، وعما خلق عليه من الإسالة، لما فيه من الآيات الباهرة، والمصالح العظيمة، والحكمة التامة.
فهكذا سائر أفعاله سبحانه.
وقد أشهد الله عباده أنه مسبب الأسباب، وأن الأسباب خلقه، وأنه يملك تعطيلها عن آثارها، وأن كونها كذلك لم يكن من ذاتها وأنفسها، بل هو سبحانه الذي جعلها كذلك، وأنه إذا شاء أن يسلبها آثارها سلبها، لأنه على كل شيء قدير، ويفعل في ملكه وخلقه ما يشاء.
وإذا ابتلى الله عبده بشيء من أنواع البلايا والمحن، فإن رده ذلك الابتلاء والمحن إلى ربه وجمعه عليه وطرحه ببابه فهو علامة سعادته وإرادة الخير به.
والشدة بتراء لا دوام لها وإن طالت، فتقلع عنه حين تقلع، وقد عوض عنها أجل عوض وأفضله، وهو رجوعه إلى ربه بعد أن كان شارداً عنه، وإقباله عليه بعد أن
стр. 961
كان نائياً عنه، وانطراحه ببابه بعد أن كان عاكفاً على أبواب غيره، كما قال سبحانه عن أعدائه: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٢١)﴾ [السجدة: ٢١] ..
فالبلية في حق هذا عين النعمة، وإن ساءته وكرهها طبعه، ونفرت منها نفسه، إلا أن فيها شفاءه وفلاحه: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٢١٦)﴾ [البقرة: ٢١٦].
فأفعال الخير التي تكرهها النفوس لما فيها من المشقة والتعب هي خير بلا شك.
وأفعال الشر التي تحبها النفوس لما تتوهمه فيه من الراحة واللذة فهي شر بلا شك.
فالجهاد مثلاً مكروه للنفس، لما فيه من التعب والتعرض للتلف، ومع هذا فهو خير محض، لما فيه من الثواب العظيم، والنجاة من العقاب الأليم، والنصر على الأعداء، والظفر بالغنائم، وغير ذلك من المصالح التي تفوق ما فيه من الكراهة.
والقعود عن الجهاد لطلب الراحة شر، لأنه يعقب الخذلان وتسلط الأعداء على الإسلام وأهله، وحصول الذل والهوان، وفوات الأجر العظيم، وحصول العقاب الأليم.
وإن لم يرد ذلك البلاء العبد إلى ربه، بل شرد قلبه عنه، ورده إلى الخلق وأنساه ذكر ربه، والضراعة إليه، والتوبة والرجوع إليه فهو علامة شقاوته، وإرادة الشر به:
﴿فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٤٣) فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (٤٤)﴾ [الأنعام: ٤٤. ٤٣].
فهذا إذا أقلع عنه البلاء، رده إلى حكم طبيعته، وسلطان شهوته، ومرحه وفرحه،
стр. 962
فجاءت طبيعته عند القدرة بأنواع الأشر والبطر، والإعراض عن شكر المنعم عليه، كما أعرض عن ذكره والتضرع إليه في الضراء.
فبلية هذا وبال عليه وعقوبة له، ونقص في حقه، وبلية الأول تطهير له، وترقية له، ورحمة له.
والشر لا يدخل في شيء من صفات الله ولا في أفعاله، كما لا يلحق ذاته ﵎، فإن ذاته لها الكمال المطلق من جميع الوجوه.
وما يفعله من العدل بعباده، وعقوبة من يستحق العقوبة منهم هو خير محض، إذ هو محض العدل والحكمة، وإنما يكون شراً بالنسبة إليهم.
وهنا أمران:
أحدهما: ما هو شر أو يتضمن الشر، فإنه لا يكون إلا مفعولاً منفصلاً، لا يكون وصفاً لله، ولا فعلاً من أفعاله.
الثاني: أن كونه شراً أمر نسبي إضافي، فهو خير من جهة تعلق فعل الرب به، وشر من جهة نسبته إلى من هو شر في حقه.
فالسارق إذا قطعت يده فقطعها شر بالنسبة إليه، وخير محض بالنسبة لعموم الناس، لما فيه من حفظ أموالهم، ودفع الضرر عنهم.
وهو خير بالنسبة إلى متولي القطع أمراً وحكماً ومباشرة.
لما في ذلك من الإحسان إ لى عبيده، بإتلاف هذا العضو الفاسد المؤذي المضر بهم، فهو محمود على حكمه بذلك وأمره به وتنفيذه.
وكل ما خلقه من خير وشر له فيه حكمة، والضرر الذي يحصل بالشر لله فيه حكمة مطلوبة ليس شراً مطلقاً، وإن كان شراً بالنسبة إلى من تضرر به، لكنه مغمور بالنسبة لما حصل به من النفع، ولذلك لا يضاف الشر وحده إلى الله .
بل الشر له ثلاثة أحوال:
أحدها: إما أن يدخل في عموم المخلوقات، ومن هذا أسماء الله المقترنة
стр. 963
كالمعطي والمانع، والمعز والمذل، والنافع والضار، ونحو ذلك، وليس في أسماء الله اسم يتضمن الشر، وإنما يذكر الشر في مفعولاته المنفصلة.
الثاني: أن يضاف الشر إلى الفاعل كما قال سبحانه: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (٧٩)﴾ [النساء: ٧٩].
الثالث: أن يحذف الفاعل كما قال سبحانه: ﴿وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا (١٠)﴾ [الجن: ١٠].
إن في عقوبة من يصول على أموال الناس بالقطع خير محض.
وفي عقوبة من يصول على دين الناس ويحول بينهم وبين الهدى بالقتل خير محض.
وفي دفع هذا الصائل بالقطع .. ودفع ذلك بالقتل خير محض، وحكمة وعدل، وإحسان إلى العبيد، وهي شر بالنسبة للصائل الباغي.
فسبحان الحكيم العليم الذي يضع رحمته وبره وإحسانه موضعه، ويضع عقوبته وعدله وانتقامه موضعه، وكلاهما مقتضى عزته وحكمته، وهو العزيز الحكيم.
فلا يليق بحكمته أن يضع رضاه ورحمته موضع العقوبة والغضب.
ولا يضع غضبه وعقوبته موضع رضاه ورحمته، وقد قال سبحانه: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (٣٥) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (٣٦)﴾ [القلم: ٣٥، ٣٦].
وقال سبحانه: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ (٢٨)﴾ [ص: ٢٨].
وقد فطر الله عقول العباد على استقباح وضع العقوبة والانتقام في موضع الرحمة والإحسان، أو وضع الرحمة والإحسان في موضع العقوبة والانتقام.
هذه فطرة الله التي فطر الناس عليها .. وحكمته التي لا يخلو شيء في الكون منها.
فما للعقول والفطر لا تشهد حكمة الله البالغة وعزته وعدله في وضع عقوبته في أولى المحال بها وأحقها بالعقوبة؟.
стр. 964
فهكذا نعم الله لا تليق ولا تحسن ولا تجمل بأعدائه الصادين عن سبيله، الساعين في خلاف مرضاته، الذين يعصون أمره، ويعطلون ما حكم به، ويسعون في أن تكون الدعوة لغيره، والحكم لغيره، والطاعة لغيره، فهم مضادون له في كل ما يريد، يوالون أعداءه وأبغض خلقه إليه، ويظاهرونهم على الله ورسوله كما قال سبحانه: ﴿وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا (٥٥)﴾ [الفرقان: ٥٥].
والشر يطلق على شيئين:
على الألم .. وعلى ما يفضي إليه .. وليس له مسمى سوى ذلك.
فالشرور هي الآلام وأسبابها، فالكفر والشرك، والمعاصي والظلم هي شرور، وإن كان لصاحبها فيها نوع غرض ولذة، لكنها شرور لأنها أسباب الآلام.
وترتب الألم عليها كترتب الموت على تناول السموم القاتلة، وعلى الذبح والإحراق بالنار ونحو ذلك، ما لم يمنع السبب مانع، أو يعارض السبب ما هو أقوى منه، كما يعارض سبب المعاصي قوة الإيمان، وعظمة الحسنات الماحية وكثرتها، فيزيد في كميتها وكيفيتها على أسباب العذاب فيدفع الأقوى الأضعف.
فالأسباب والمعاصي التي فيها لذة ما هي شر وإن نالت بها النفس مسرة عاجلة، وهي بمنزلة طعام شهي لكنه مسموم، فهذه المعاصي والذنوب تأتي بالبلاء، وتزيل النعم.
وأحوال الأمم الذين أزال الله عنهم نعمه، فإنما سبب ذلك هو مخالفة أمره، ومعصية رسله، فهذه الأسباب شرور ولا بد.
وأما كون مسبباتها شروراً فلأنها آلام نفسية وبدنية، فيجتمع على صاحبها مع شدة الألم الحسي ألم الروح بالهموم والغموم.
ولو عرف العاقل ذلك لحذر منه أشد الحذر وهرب منه، ولكن قد ضرب على قلبه حجاب الغفلة ليقضي الله أمراً كان مفعولاً.
وإنما يظهر له هذا حق الظهور عند مفارقة هذا العالم والوصول إلى عالم البقاء
стр. 965
فحينئذ يقول: ﴿يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ (٥٦)﴾ [الزمر: ٥٦].
ويقول: ﴿يَقُولُ يَالَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي (٢٤)﴾ [الفجر: ٢٤].
ولما كان الشر هو الآلام وأسبابها، كانت استعاذات النبي ﷺ جميعها مدارها على هذين الأصلين، فكل ما استعاذ منه، أو أمر بالاستعاذة منه فهو إما مؤلم، وإما سبب يفضي إليه.
فكان يتعوذ في آخر الصلاة من أربع، وأمر بالاستعاذة منهن وهن: عذاب القبر، وعذاب النار، وهذان أعظم المؤلمات، وفتنة المحيا والممات، وفتنة المسيح الدجال، وهذان سبب العذاب المؤلم، فالفتنة سبب العذاب.
وقال النبي ﷺ : «اللَّهُمَّ! أعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ، وَبِمُعَافَاتِكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ، وَأعُوذُ بِكَ مِنْكَ، لا أحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ، أنْتَ كَمَا أثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ» أخرجه مسلم (١).
فالسخط سبب الألم، والعقوبة هي الألم، فاستعاذ من أعظم الآلام، وأقوى أسبابها.
اللهم إنا نسالك من الخير كله عاجله وآجله، ونعوذ بك من الشر كله عاجله وآجله.
стр. 966
٥ - فقه النعم والمصائب
قال الله تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣) ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (٥٤)﴾ [النحل: ٥٣، ٥٤].
وقال الله تعالى: ﴿وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (٣٤)﴾ [إبراهيم: ٣٤].
الله ﵎ أنعم على خلقه بنعم لا تعد ولا تحصى، فهو المنعم بجميع النعم المادية والروحية:
نعم على البدن .. ونعم على الروح .. ونعم ظاهرة .. ونعم باطنة .. نعم داخل الإنسان .. ونعم خارج الإنسان .. ونعم في حصول محبوب .. ونعم في دفع مكروه .. ونعم في الدنيا .. ونعم في الآخرة: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٨)﴾ [لنحل: ١٨].
ولله سبحانه في كل ذرة في الكون نعمة .. وله فيها حكمة .. وله فيها أمر بالإيجاد .. وأمر بالبقاء .. وأمر بالنفع والضر.
وأجل النعم وأعلاها وأشرفها وأكملها نعمة الإسلام، وهي فضل من الله، فهو المانُّ بها ابتداء بلا سبب من العبد ولا استحقاق منه.
وكل ما وصل إلى العبد من خير فهو لله، وبالله، ومن الله.
والعاقل كلما رأى هذه النعم أحدث له ذلك ذلاً وانكساراً، وكلما جدد له نعمة ازداد له ذلاً وانكساراً، وخشوعاً وخضوعاً، وخوفاً ورجاءً، ومحبة.
وإنما يحصل هذا للعبد بأمرين:
الأول: علمه بربه وكماله، وبره وغناه، وجوده وإحسانه، وفضله ورحمته، وأن الخير كله في يديه، وهو ملكه يؤتي منه من يشاء، ويمنع منه من يشاء، وله الحمد على هذا وهذا أكمل حمد وأتمه.
الثاني: علمه بنفسه، ووقوفه على حدها وقدرها، ونقصها وضعفها، وظلمها
стр. 967
وجهلها، وتقصيرها وتفريطها، وأنها ليست بشيء، ولا بيدها شيء، ولا تقدر على شيء.
فإذا صار هذان العلمان صبغة لها علمت حينئذ أن الأمر كله لله، وأن الحمد كله لله، والخير كله بيد الله، وأنه سبحانه المستحق للحمد والثناء والمدح دونها، وأنها هي أولى بالذم والعيب، والفقر والذل واللوم.
ومن أعجب الأشياء:
أن تعرف ربك ثم لا تحبه .. وأن تسمع داعيه ثم لا تجيبه .. وأن تعرف قدر نعمه ثم لا تشكره .. وأن تعرف قدر الربح في معاملته ثم تعامل غيره .. وأن تعرف قدر غضبه ثم تتعرض له بمعصيته .. وأن تذوق ألم الوحشة في معصيته ثم لا تطلب الأنس بطاعته.
وأعجب من هذا:
علمك بأنك راجع إليه، حامل أوزارك بين يديك، ومعروضة أعمالك عليه .. فسبحان الله كم لعب الشيطان بعقول الناس وأفسد حياتهم؟.
ونعم الله على العباد ثلاث:
نعم حاصلة يعلم بها العبد .. ونعم حاصلة هو فيها لا يشعر بها .. ونعم منتظرة يرجوها.
فإذا أراد الله إتمام نعمته على عبده عرفه نعمته الحاضرة، وأعانه على شكرها حتى لا تشرد، فإنها تقيد بالشكر، وتشرد بالمعصية.
ووفقه لعمل يستجلب به النعمة المنتظرة، وبصره لاجتناب الطرق التي تسدها وتمنع وصولها.
وعرفه النعم التي هو فيها ولا يشعر بها ليشكر ربه عليها.
والله أعطى من شاء من خلقه من النعم، كالملك أو المال أو الجاه، أو الأشياء، أو القوة، لينظر من يستخدمها كما أمر الله، ومن يضحي بها من أجل الدين، ومن يستعملها في طاعة الله، وفي إعلاء كلمة الله، ومن يشكره ويحمده
стр. 968
عليها، ويستعين بها على طاعة الله.
وليعلم من يستعملها في معصية الله، ومن يترك الدين من أجلها، ومن يشتغل بها عن المنعم بها.
وهكذا الأولاد والزوجات، والصحة والأمن، وسائر النعم كما قال سبحانه: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٥)﴾ [التغابن: ١٥].
فإن تعارضت هذه النعم مع ما يحب الله، تركها من أجل الدين، ولا يترك الدين وأعمال الدين من أجلها.
ونعم الله لا تعد ولا تحصى، لأن الإحصاء إنما يكون لشيء محدود، ونعم الله لا حد لها، وخزائنه مملوءة بكل شيء كما قال سبحانه: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (٣٤)﴾ [إبراهيم: ٣٤].
وظلم الإنسان له صورتان:
إما بأخذ حق الغير .. أو الحكم للغير بحق ليس له.
وكفر الإنسان للنعم له صورتان:
إما بسترها وعدم البحث عنها في خبايا الأرض، وذلك هو الكسل.
أو نسبتها لغير المنعم بها، أو الاستهانة بها وعدم شكرها، أو صرفها فيما لا يجوز في محرمات أو إسراف أو تبذير.
وإما أن يستنبطها ويتملكها ويحجزها عن الغير، فذلك هو الظلم.
والنعم على ثلاثة أقسام:
الأولى: نعم تفرد الله بإيجادها نحو أن خلق ورزق.
الثانية: نعم وصلت إلينا من غيره، وهي في الحقيقة منه، لأنه تعالى هو الخالق لتلك النعمة، والخالق لذلك المنعم، والخالق لداعية الإنعام بالنعمة في قلب ذلك المنعم.
الثالثة: نعم وصلت إلينا من الله بسبب طاعاتنا وهي من الله، لأنه هو الذي وفقنا للطاعات، وأعاننا عليها، وهدانا إليها، وأزاح العلل عنا، فله الحمد والشكر،
стр. 969
وهو للحمد أهل.
قال الله تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣)﴾ [النحل: ٥٣].
وكل إنسان سوف يحاسب على النعم التي أنعم الله بها عليه، ويسأل عن شكرها .. وعن استعمالها فيما خلقت له .. وعن صرفها فيما يرضي الله .. وعن أداء حق الله فيها كما قال سبحانه: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (٨)﴾ [التكاثر: ٨].
وقد أنعم الله على عباده بنوعين من الرزق:
أحدهما: رزق الأبدان من الطعام والشراب وسائر الأموال.
الثاني: رزق القلوب من الإيمان والتوحيد والأعمال الصالحة.
وفاوت سبحانه بين عباده في قسمة هذين الرزقين بحسب علمه وحكمته، ومعرفته بأحوال عباده، ومن يصلح لهذا، ومن يصلح لهذا، ومن يصلح لهم معاً.
فمنهم من وفر حظه من الرزقين، ووسع عليه فيهما.
ومنهم من قتر عليه في الرزقين.
ومنهم من وسع عليه رزق القلب، وقتر عليه رزق البدن.
ومنهم من وسع عليه رزق البدن، وقتر عليه رزق القلب.
وهذا الرزق بنوعيه إنما يتم ويبقى ويزيد بالشكر، وترك الشكر سبب زواله وانقطاعه عن العبد.
والنعم كلها من الله وحده:
نعم الطاعات .. ونعم اللذات .. فعلى العبد أن يرغب إلى الله أن يلهمه ذكرها، ويوزعه شكرها كما قال سبحانه: ﴿قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (١٥)﴾ [الأحقاف: ١٥].
стр. 970
وكما أن النعم منه سبحانه ومن مجرد فضله، فذكرها وشكرها لا ينال إلا بتوفيقه وعونه، والذنوب من خذلانه وتخليه عن عبده.
وقد أنعم الله على كل عبد بنعم لا تعد ولا تحصى، وهي نوعان:
نعم خاصة .. ونعم عامة.
فالخاصة: ما أنعم الله به على المسلم من الإيمان في القلب، والطاعة في الجوارح، وحسن الخلق.
أما العامة: فهي قسمان:
متصلة: كالسمع والبصر، والعقل واللسان، وسائر الجوارح والمنافع.
ومنفصلة: وهي الأموال والأشياء.
فالأولى: خاصة بالمسلمين .. والثانية عامة للمسلمين وغيرهم.
وأرزاق الدنيا تكفل الله بها لجميع خلقه كما قال سبحانه: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٦)﴾ [هود: ٦].
وأرزاق الآخرة لا بد لها من العمل كما قال سبحانه: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا (١١)﴾ [الطلاق: ١١].
والرزق يطلب الإنسان في الدنيا عمل أو لم يعمل كما يطلبه أجله مهما هرب، وسيأخذ رزقه المقدر له، فإن كان يقينه على الله أخذه بعزة، وإن كان يقينه على المخلوق أخذه بذلة.
فسبحان من قدر الأرزاق والآجال، والأحوال والأنفاس.
والله ﵎ هو الرزاق وحده، ينعم على المؤمن والكافر، وعلى المطيع والعاصي، وعلى كل ما في الكون، لأنه وحده خالق الأرزاق ورازقها.
فالنعمة للمؤمنين تكون برضى الله تعالى، والنعمة للعصاة والكفار تكون من غضب الله تعالى.
стр. 971
وكذلك المصائب تكون على المؤمنين والمطيعين برضا الله تعالى ابتلاءً وامتحاناً، وتكفيراً للسيئات، ورفعة في الدرجات.
والمصائب على الكفار تكون من غضب الله تعالى وبعدها الهلاك، وهي لازمة لهم، لا تنفك عنهم حتى يأتي وعد الله كما قال سبحانه: ﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ (٣١)﴾ [الرعد: ٣١].
والنعمة لأهل الإيمان والطاعات كالطعام الذي يوضع في قفص البلابل.
والنعمة لأهل الكفر والمعاصي كالطعام في قفص الفئران، ليست بسبب الرضا، بل للبطش والهلاك كما قال سبحانه: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (٤٤)﴾ [الأنعام: ٤٤].
فالنعمة الأولى تقدم بالفرح والسرور، ثواباً وإكراماً لأهل الإيمان والطاعة كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا (١٠٧)﴾ [الكهف: ١٠٧].
والنعمة الثانية تقدم بالغضب والبطش كما قال سبحانه: ﴿فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ (٥٥)﴾ [التوبة: ٥٥].
والمصيبة على الكفار والعصاة كالسكين بيد الغضبان، والمصيبة على أهل الإيمان والطاعات كالسكين للعملية الجراحية.
فالسكين بالغضب يكون بها الموت، والسكين بالرضا يكون بعدها الشفاء.
ومثال سكين الغضب: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (٤٤)﴾ [الأنعام: ٤٤].
ومثال سكين الرضا: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ
стр. 972
رَاجِعُونَ (١٥٦) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (١٥٧)﴾ [البقرة: ١٥٥ - ١٥٧].
ونعم الله على عباده على ثلاث درجات:
الأولى: نعمة الإيجاد: فالله وحده هو الذي أوجد المخلوقات كلها.
الثانية: نعمة الإمداد: فبعد إيجادهم أمدهم الله بأرزاقهم فرداً فرداً، وجيلاً بعد جيل.
الثالثة: نعمة الهداية للإسلام، وهذه خاصة بالإنس والجن.
فأرسل الله إليهم الرسل يدعونهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له ليسعدوا في الدنيا والآخرة.
فمن قبل النعمة نجا وسعد في الدنيا والآخرة.
ومن ردها هلك وشقي في الدنيا والآخرة:
﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٨) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٣٩)﴾ [البقرة: ٣٨، ٣٩].
والمنَّة تكدر النعمة، وهذه منّة المخلوق على المخلوق، وإنما قبحت منّة المخلوق، لأنها منّة بما ليس منه، وهي منّة يتأذى بها الممنون عليه، وهي مذمومة مبطلة للثواب كما قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾ [البقرة: ٢٦٤].
أما منَّة الخالق على المخلوق فبها تمام النعمة ولذتها وطيبها كما قال سبحانه: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (١٦٤)﴾ [آل عمران: ١٦٤].
وهل المنَّة كل المنَّة إلا لله المانّ بفضله، والذي جميع الخلائق من مننه وفي مننه، وما طاب العيش إلا بمنَّته سبحانه.
стр. 973
وكل نعمة في الدنيا والآخرة فهي منَّة يمنّ بها الله على من أنعم عليه، ودخول الجنة برحمة الله وفضله، وذلك محض منَّته على أهل طاعته.
فهو سبحانه المانّ بإرسال رسله .. وإنزال كتبه .. والتوفيق لطاعته .. والإعانة عليها .. والمانّ بالجزاء عليها .. فلا يدخل أحد الجنة بعمله .. وإنما برحمة الله وفضله .. ولكن الأعمال سبب .. وهو المانّ سبحانه برفعة الدرجات .. ومضاعفة الحسنات .. وتكفير السيئات .. وهو المانّ بكل نعمة .. وبكل رحمة .. وبكل إحسان .. وبكل هداية .. ولا منَّة لأحد على الله .. بل لله المنَّة على خلقه بنعمه التي لا تعد ولا تحصى كما قال سبحانه: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٧)﴾ [الحجرات: ١٧].
وإنعام الله على عباده يتضمن:
إنعامه بكل ما يحتاجونه في حياتهم من طعام وشراب ومال ونحو ذلك.
وإنعامه بالهداية التي هي الإيمان، والعلم النافع، والعمل الصالح.
وإنعامه بحسن الثواب والجزاء يوم القيامة، فهذا تمام النعمة كما قال سبحانه: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣].
والنعمة نعمتان:
نعمة مطلقة .. ونعمة مقيدة.
فالنعمة المطلقة هي المتصلة بسعادة الأبد وهي الإسلام، وهي خاصة بالمؤمنين، وهي معروضة على سائر البشر، وحق لهم جميعاً.
فمنهم من قبلها وهم المؤمنون فأورثهم سعادة الأبد.
ومنهم من ردها وبدلها فأورثهم ذلك شقاوة الأبد، وهؤلاء بمنزلة من أعطي مالاً ليعيش به فرماه في البحر، فأعقبه فعله الندامة والخسران والهلاك.
فما أعجب حال هؤلاء، وما أشد عقوبتهم إذا قدموا على ربهم: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ (٢٨) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ
стр. 974
الْقَرَارُ (٢٩) وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ (٣٠)﴾ [إبراهيم: ٢٨ - ٣٠].
ونعمة الإسلام هي النعمة الكبرى التي يفرح بها المؤمنون كما قال سبحانه: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (٥٨)﴾ [يونس: ٥٨].
أما النعمة الثانية: فهي النعمة المقيدة، وهذه النعمة مشتركة بين المؤمن والكافر، والبر والفاجر، بأشكالها وأنواعها كنعمة الصحة والغنى، والأمن والرخاء، ونعمة الولد والزوجة الحسناء، ونحو ذلك.
وأفضل النعمتين نعمة الإيمان.
وما يصيب الإنسان إن كان يسره فهو نعمة بينة.
وإن كان يسوؤه فهو نعمة من جهة أنه يكفر خطاياه، ويثاب بالصبر عليه، ومن جهة أن فيه حكمة ورحمة لا يعلمها.
وهاتان النعمتان تحتاجان مع الشكر إلى الصبر.
أما نعمة الضراء فاحتياجها إلى الصبر ظاهر.
وأما نعمة السراء فتحتاج إلى الصبر على الطاعة فيها ومعها، فإن فتنة السراء أعظم من فتنة الضراء.
والعبد مأجور في كلتا الحالتين كما قال النبي ﷺ : «عَجَباً لأمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لأحَدٍ إِلا لِلْمُؤْمِنِ إِنْ أصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ، فَكَانَ خَيْراً لَهُ وَإِنْ أصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ، فَكَانَ خَيْراً لَهُ» أخرجه مسلم (١).
ومحبة النعم .. ومحبة المنعم .. بينهما كما بين المشرق والمغرب.
فالمؤمن عند النعم يذكر المنعم، ويتوجه إليه بالعبودية بالذكر والحمد والشكر.
والكافر يشتغل بالنعم عن المنعم، لأنه يعرف قدر النعم، ولا يعرف قدر المنعم.
ولو أن ملكاً عظيماً أهدى لأحد جوهرة نفيسة مثلاً، فإنه سيكون لها نوعان من
стр. 975
المحبة، وسيتلذذ بها بشكلين من اللذة:
الأولى: المحبة التي تعود إلى أصل الجوهرة من حيث جمالها وحجمها وقيمتها، والتلذذ بحسنها، وهي لذة جزئية إلى زوال.
الثانية: محبة للتكرمة السلطانية التي ظهرت بالجوهرة، فهي ثناء مجسم من السلطان.
وهكذا الإنسان إذا وجه محبته إلى النعم والأموال بالذات، فتلك محبة نفسانية زائلة مؤلمة، أما إذا كانت المحبة متوجهة إلى جهة التكرمة الربانية له، فهي شكر معنوي، ولذة تورث أكمل سعادة.
وإذا أنعم الله على إنسان بنعمة حفظها عليه، ولا يغيرها الله عليه حتى يكون هو الساعي في تغييرها عن نفسه فـ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: ١١].
وكل من زالت عنهم النعم من الأمم الماضية إنما هو بسبب مخالفة أمر الله ومعصية رسله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٥٣)﴾ [الأنفال: ٥٣].
فما حفظت نعمة الله بشيء مثل طاعته .. ولا حصلت فيها الزيادة بمثل شكره .. ولا زالت عن العبد بمثل معصيته لربه .. فالمعاصي نار النعم التي تعمل فيها كما تعمل النار في الحطب اليابس.
والله هو الرزاق الذي يرزق المخلوقات جميعاً، وما من مؤمن ولا فاجر إلا وقد كتب الله تعالى له رزقه من الحلال، فإن صبر حتى يأتيه، وطلبه بوجوه الحلال آتاه إياه حلالاً.
وإن جزع فتناول شيئاً من الحرام، نقصه الله من رزقه الحلال.
والله على كل شيء قدير وهو العليم الحكيم .. قسم جميع أرزاق الخلائق .. وجميع الدواب .. وجميع ما في البر والبحر من الحيوانات والدواب .. والحشرات والطيور .. والإنس والجن .. وغيرهم مما لا يعلمه إلا الله.
стр. 976
قسم سبحانه رزق كل مخلوق:
من حيث الكمية والنوعية .. ومن حيث الزمان والمكان.
فقدر سبحانه رزق كل مخلوق فلا يزيد .. وقدر نوع الأرزاق فلا تتغير .. وقدر وقت الأرزاق فلا تتقدم ولا تتأخر .. وقدر مكان الأرزاق فلا تتغير، فمن قطع له رزقه في بلد لم يأخذه إلا من ذلك البلد.
والرزق يطلب الإنسان كما يطلبه أجله، ولن تموت نفس حتى تستكمل رزقها وأجلها، وأثرها وعملها.
ولا بد لكل مخلوق من الرزق، وقد تكفل الله بأرزاق الخلق كلهم، وكل ما يتناول الإنسان من الحلال والحرام دال في هذا الرزق.
فالكفار قد يرزقون بأسباب محرمة، ويرزقون رزقاً حسناً، وقد لا يرزقون إلا بتكلف.
والمؤمنون يرزقهم الله بالأسباب المشروعة، ويرزقهم من حيث لا يحتسبون، كما قال سبحانه: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٣].
ولا يكون رزقهم بالأسباب المحرمة، ولا يكون خبيثاً، والله يرزق المؤمن ما يحتاج إليه، ويحميه من فضول الدنيا، رحمة به وإحساناً إليه، وصيانة له.
والغنى والفقر ليس دليلاً على إكرام الله للعبيد .. فقد يوسع الله الرزق على العبد إملاًْ واستدراجاً .. وقد يقدر عليه رزقه حماية له وصيانة .. وقد يضيق الله على بعض المؤمنين لما لهم من الذنوب .. فيحرم الرزق بالذنب الذي يصيبه .. فالطاعات سبب للرزق والراحة .. والمعاصي سبب للحرمان والمصائب.
والإنسان ماكينة الأعمال، كالشجرة ماكينة الثمار، خلقه الله متفكراً عاملاً.
فإن اجتهد على الأموال والأشياء والمشاهدات تخدر قلبه عن الغيبيات، وثقلت عليه الطاعات، فارتكب المحرمات، وترك الطاعات، واشتغل بما قسم الله له، عن ما وعده الله به، وهو الجنة فلم يعمل لها.
стр. 977
وإن اجتهد على الإيمان والأعمال الصالحة تخدر قلبه عن المشاهدات، وأقبل على ربه، فاشتغل بالطاعات، واجتنب المحرمات، واشتغل بما وعده الله به، عن ما قسم له، من الرزق.
وفي هذه الحياة الدنيا متاع جذاب براق، وهناك أولاد وأرزاق، وشهوات ولذائذ، وجاه وسلطان.
وهناك نعم آتاها الله لعباده في الأرض تلطفاً منه، وهبة خالصة لم يعلقها بطاعة ولا معصية، ولا إيمان ولا كفر، وإن كان يبارك للطائع ولو في القليل، ويمحق البركة من العاصي ولو كان في يده الكثير.
ولكن هذا كله ليس له قيمة ثابتة باقية، إنما هو متاع زائل، محدود الأجل.
ولا يعد بذاته دليل كرامة عند الله أو مهانة، ولا يعتبر بذاته علامة رضى من الله أو غضب: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (٥٥) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ (٥٦)﴾ [المؤمنون: ٥٦].
إنما هو متاع، وما عند الله خير وأبقى، خير في ذاته، وأبقى في مدته، ومتاع الحياة الدنيا زهيد معدود الأيام، وهو بالنسبة لنعيم يوم القيامة ومضة عين أو تكاد: ﴿فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٣٦)﴾ [الشورى: ٣٦].
والرزق نوعان:
أحدهما: ما علم الله وقدر أنه يرزقه لعبده، فهذا لا يتغير ولا يزيد ولا ينقص.
الثاني: ما كتبه الله وأعلم به الملائكة، فهذا يزيد وينقص بحسب الأسباب التي قدرها الله.
فإذا كان الله قد قدر أنه يرزق العبد بسعيه واكتسابه ألهمه السعي والاكتساب.
وما قدره له من الرزق بغير اكتساب ولا سعي كالميراث والهبات والصدقات والوصايا يأتيه بغير اكتساب ولا سعي.
والرزق يراد به شيئان:
стр. 978
أحدهما: ما ينتفع به العبد.
الثاني: ما يملكه العبد من الحلال.
فالأول: هو المذكور بقوله سبحانه: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٦)﴾ [هود: ٦].
والثاني: هو المذكور في قوله سبحانه: ﴿وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ (١٠)﴾ [المنافقون: ١٠].
والعبد قد يأكل الحلال والحرام، فهو رزق بهذا الاعتبار، لا بالاعتبار الثاني، وما اكتسبه ولم ينتفع به، هو رزق بالاعتبار الثاني دون الأول.
ومن سرق أو أكل الحرام، فليس هذا من الرزق الذي أباحه الله له، ولكن هذا الرزق الذي سبق به علم الله وقدره.
فكما أن الله كتب ما يعمله العبد من خير وشر، وهو يثيبه على الخير، ويعاقبه على الشر.
فكذلك كتب ما يرزقه من حلال وحرام، مع أنه يعاقبه على الرزق الحرام، فكل شيء واقع بمشيئة الله وقدره.
والرزق الذي ضمنه الله لعباده هو لمن يتقيه، بأن يجعل له مخرجاً، ويرزقه من حيث لا يحتسب كما قال سبحانه: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٢، ٣].
ومن ليس من المتقين ضمن له ما يناسبه، بأن يمنحه ما يعيش به في الدنيا على تفاوت بين هؤلاء، ثم يعاقبه في الآخرة.
والله أباح الرزق لمن يستعين به على طاعته، لم يبحه لمن يستعين به على معصيته، ولذلك كانت أموال الكفار غير مغصوبة، بل مباحة للمؤمنين، وتسمى فيئاً إذا عادت إلى المؤمنين، لأن الأموال إنما يستحقها من يطيع الله بها لا من يعصيه كما قال إبراهيم ﷺ لربه: ﴿وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ
стр. 979
وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٢٦)﴾ [البقرة: ١٢٦].
ولما كان مقصود ذوي الألباب لقاء الله تعالى في دار الثواب، ولا طريق للوصول إلى ذلك إلا بالعلم والعمل، ولا تمكن المواظبة عليهما إلا بسلامة البدن، ولا تصفو سلامة البدن إلا بالأطعمة والأقوات، والتناول منها بقدر الحاجة، ومن هنا كان الأكل من الدين كما قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٥١)﴾ [المؤمنون: ٥١].
فيأكل المرء مقتصداً بسنة، ولا يسترسل في الأكل استرسال البهائم في المراعي.
لقد أكرم الله الإنسان من بين سائر المخلوقات، وشرف المسلم وأكرمه بالدين على سائر البشر، وسخر له ما في السموات وما في الأرض، وأنعم عليه بنعم لا تعد ولا تحصى، وأباح له جميع الطيبات، وحرم عليه الخبائث، وخلقه، وهداه، واشتراه، وأكرمه بمنهج يسير عليه، وهداه الطريق الموصل إليه، وله بعد موته الجنة والرضا من ربه، فله الحمد والمنَّة على نعمه الظاهرة والباطنة، وعلى إحسانه في الدنيا والآخرة: ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ (٢٠)﴾ [لقمان: ٢٠].
وكل ما عند أهل السماء من النعم .. وكل ما عند أهل الأرض من النعم .. وكل ما في الجنات من النعم .. كل ذلك بالنسبة لما في خزائن الله من النعم كقطرة من بحر .. أو ذرة من جبل.
قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ (٢١)﴾ [الحجر: ٢١].
وقال سبحانه في الحديث القدسي: «يَا عِبَادِي! لَوْ أنَّ أوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ، وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ، قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَألُونِي، فَأعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْألَتَهُ، مَا نَقَصَ
стр. 980
ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أدْخِلَ الْبَحْرَ» أخرجه مسلم (١).
فسبحانك ما أعظمك، وسبحانك ما أكرمك، وسبحانك ما أرحمك، تفعل ما تشاء، وأنت على كل شيء قدير.
وتبارك اسمك الذي بثثت فيه أرزاق العباد فوجدت .. ووضعته على الأرض فاستقرت .. وعلى السموات فاستقلت .. وعلى الجبال فرست .. وعلى الرياح فتحركت .. وعلى النهار فاستنار .. وعلى الليل فأظلم .. وعلى الشمس فأشرقت .. وعلى الأرض فأنبتت .. وعلى اللسان فتكلم .. وعلى العين فأبصرت .. وعلى الأذن فسمعت .. وعلى المريض فشفي .. وعلى الجاهل فعلم: ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٧٨)﴾ [الرحمن: ٧٨].
سبحانك أنت الكريم الرحمن .. وأنت القوي العزيز .. وأنت الخلاق العليم.
كم وحياً أوحيته إلى أنبيائك ورسلك رحمة بعبادك؟، وكم قضاء قضيته؟، وكم رزقاً أنزلته؟ .. وكم ضالاً هديته؟ .. وكم فقيراً أغنيته؟ .. وكم مريضاً شفيته؟ .. وكم سائلاً أعطيته؟ .. وكم ذنباً غفرته؟ .. وكم هماً فرجته؟ .. وكم كرباً نفسته؟ .. وكم عسيراً يسرته؟ .. وكم داعياً أجبته؟.
فلك الحمد والشكر كثيراً، كما تنعم وترحم كثيراً.
ولك الحمد والشكر حتى ترضى، ولك الحمد بعد الرضا، ولك الحمد في الآخرة والأولى.
خلقتنا .. ورزقتنا .. وهديتنا .. وعافيتنا .. ورحمتنا .. وأكرمتنا: «رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ، مِلْءُ السموات وَالأَرْضِ، وَمِلْءُ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ، أهْلَ الثَّنَاءِ وَالْمَجْدِ، أحَقُّ مَا قال الْعَبْدُ، وَكُلُّنَا لَكَ عَبْدٌ: اللَّهُمَّ! لا مَانِعَ لِمَا أعْطَيْتَ، وَلا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدّ» أخرجه مسلم (٢).
ألا ما أعظم نعم الله على عباده، وما أرأفه بهم، وما أشد عنايته بأمورهم، وما
стр. 981
ألطف تدبيره لما يصلحهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (٦٥)﴾ [الحج: ٦٥].
لقد خلقك الله ورزقك وعافاك وهداك .. وعصم عرضك بإيجاب الحد بقذفك .. وعصم مالك بقطع يد من سرقه .. وأباح لك الميتة عند الضرورة سداً لرمقك .. وزجرك عما يضرك بحد عاجل ووعيد آجل .. وأسقط شطر الصلاة في السفر عنك رحمة بك.
وأنزل عليك الكتب .. وأرسل إليك الرسل .. وأطعمك وسقاك .. وألبسك وكساك .. وأسكنك الديار .. وأركبك المراكب .. ورزقك الأموال والأولاد .. وزودك بالسمع والبصر والعقل .. وأمرك بالعمل الصالح .. ووعدك على ذلك الجنة.
أما يليق بهذا المنعم العظيم الذي هذه بعض نعمه أن توقره؟ .. وتعظم شعائره؟ .. وتطيع أوامره؟ .. وتجتنب زواجره؟ .. وتحذر من عدوه؟.
أيحسن بك مع هذا الإكرام أن يراك على ما نهاك عنه مقبلاً؟، ولما أمرك تاركاً؟.
وعن داعيه معرضاً، ولداعي عدوه مطيعاً؟.
ما أفحش تلاعب الشيطان بالإنسان، بينما هو بحضرة الحق، والملائكة سجود له، تترامى به الأحوال والجهالات، إلى أن يوجد مع البهائم عاكفاً على الشهوات .. أو يوجد ساجداً لصورة في حجر .. أو لشجرة من الشجر .. أو لشمس أو قمر .. أو لحيوان أو بشر.
لا يليق بهذ الحي الكريم الفاضل على جميع الحيوانات أن يُرى إلا عابداً لله في دار التكليف، ومجاوراً له في دار الجزاء والتشريف، وما بين ذلك فهو واضع نفسه في غير موضعها: ﴿قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٧٦)﴾ [المائدة: ٧٦].
إن الله ﵎ يبتلي عباده بالسراء والضراء .. والخير والشر .. والرخاء والشدة .. فالرخاء ابتلاء من الله وفتنة .. والشدة كذلك ابتلاء من الله وفتنة.
والصبر على الرخاء، أشق من الصبر على الشدة.
стр. 982
فكثير من الناس يصبرون على الشدة ويتماسكون لها.
وأما الرخاء فينسي ويلهي، ويهيء الفرصة للغرور بالنعمة، والاستنامة للشيطان، والإعراض عن الرحمن.
فنعمة المال كثيراً ما تقود إلى فتنة البطر، وقلة الشكر، مع السرف أو البخل، وكلاهما آفة للنفس والحياة.
ونعمة القوة كثيراً ما تقود إلى البطر، وقلة الشكر، مع الطغيان والجور، والتطاول بالقوة على الحق وعلى الناس، والتهجم على حرمات الله.
ونعمة الجمال كثيراً ما تقود إلى فتنة الخيلاء والتيه والغرور، والتردي في مدارك الإثم والغواية.
ونعمة الذكاء كثيراً ما تقود إلى فتنة الغرور والاستخفاف بالآخرين، وما تكاد تخلو نعمة من الفتنة إلا من ذكر الله فعصمه الله.
وكل ما رزقه الله لعباده فهو مقيد محدود محسوب، لما يعلمه الله من أن هؤلاء البشر لا يطيقون في الأرض أن يفتح عليهم فيض الله غير المحدود، ولما يحدثه من البغي في الأرض كما قال سبحانه: ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ (٢٧)﴾ [الشورى: ٢٧].
أما فضل الله في الآخرة فهو مطلق بلا حساب ولا حدود، ولا قيود ولا جهود، يكرم الله به أهل طاعته كما قال سبحانه: ﴿مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ (٤٠)﴾ [غافر: ٤٠].
وكل ذرة .. وكل حشرة .. وكل طائر .. وكل حيوان .. وكل إنسان .. وكل أمة في البر أو في البحر .. كل مخلوق من هؤلاء سيصل إليه رزقه .. فما دام الأجل باقياً كان الرزق آتياً لا محالة.
فإن سد الله عليك بحكمته طريقاً، فتح لك برحمته طريقاً أنفع لك منه.
وتأمل حال الجنين في بطن أمه يأتيه غذاؤه وهو الدم من طريق واحدة وهو
стр. 983
السرة.
فلما خرج من بطن الأم، وانقطعت تلك الطريق، فتح الله له طريقين اثنين لبناً خالصاً.
فإذا تمت مدة الرضاع، وانقطع الطريقان بالفطام، فتح له مولاه طرقاً أربعة أكمل منها، طعامان من النبات والحيوان، وشرابان من المياه والألبان.
فإذا مات الإنسان، انقطعت عنه هذه الطرق الأربعة، وفتحت له إن كان سعيداً طرقاً ثمانية، وهي أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء.
وهكذا الله الكريم المنان لا يمنع عبده المؤمن شيئاً من الدنيا إلا ويؤتيه أفضل منه وأنفع له، وليس ذلك إلا للمؤمن.
والله حكيم عليم قسم الأرزاق بين عباده بالسوية، ونعم الله ظاهرة وباطنة، ومن الناس من لا يرى إلا النعم الظاهرة، ويغفل عن النعم الباطنة.
وبعض الناس يرى أنه ينبغي أن يعطى فوق ما هو فيه، ويرى أنه مظلوم مع الرب، لا ينصفه ولا يعطيه مرتبته، وأن ينبغي أن ينال الثريا، ولكنه مظلوم مبخوس الحظ.
وهذا الضرب من الخلق من أبغض الخلق إلى الله، وأشدهم مقتاً عنده، لا يذكرون إلا ما ينبغي لهم، ولا يذكرون ما يجب عليهم لله وخلقه.
وحكمة الله تقتضي أن هؤلاء لا يزالون في سفال، فهم بين عتب على الخالق، وشكوى له، وذل لخلقه، وحاجة إليهم، وخدمة لهم.
أشغل الناس قلوباً بأرباب الولايات والمناصب، ينتظرون ما يقذفون به إليهم من عظامهم وغسالة أيديهم.
وأفرغ الناس قلوباً عن معاملة الله، والانقطاع إليه، والتلذذ بمناجاته والطمأنينة بذكره، والافتقار إليه، وبث الشكوى له.
وليس لأحد حجة على الله، بل لله الحجة على الناس جميعاً فقد خلقنا وأعطانا المكان .. وأعطانا الزمان .. وأعطانا العقل .. وأعطانا السمع والبصر .. وأرسل
стр. 984
إلينا رسله .. وأنزل علينا كتبه .. ورزقنا من الطيبات .. وهدانا للإسلام .. وما جعل علينا في الدين من حرج .. ووعدنا بعد الموت الجنة في الآخرة.
فهل فوق هذا من عطاء؟ .. وهل بعد هذا من إكرام؟ ..
فماذا عملنا؟ .. وماذا قدمنا؟ .. وماذا أخرنا؟:
﴿وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (٣٤)﴾ [إبراهيم: ٣٤].
ونعم الله سبحانه على عباده لا يحصيها أحد، والاستعانة بها على طاعته هو ما يقتضيه الشرع والعقل، فإن من أحسن إليك بشيء لا يجوز لك أن تقابله بالإساءة إليه، ومن فعل ذلك من الناس فهو في نظرهم وقح ناكر للجميل وجاحد له، فكيف إذا استعان بإحسانه على الإساءة إليه، فهو أشد وقاحةً وجحوداً للجميل.
والنعم إنما خلقها الله ليستعين بها أهل الإيمان على طاعة الرحمن، وأما أهل الكفر والفجور فإنها محرمة عليهم، لأنهم يستعينون بها على معصية الله، وهم محاسبون عليها يوم القيامة: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣٢)﴾ [الأعراف: ٣٢].
وفي كل جارحة من جوارح الإنسان نعمة .. وعلى كل جارحة شكر يخصها .. وعلى اللسان من ذلك ما على سائر الجوارح .. وشكر كل جارحة إنما هو باستعمالها بتقوى الله، بامتثال ما يخصها من الطاعات، واجتناب ما يخصها من العصيان.
فشكر البدن ألا تستعمل جوارحه في غير طاعة الله.
وشكر القلب ألا تشغله بغير ذكر الله ومعرفته.
وشكر اللسان ألا تستعمله في غير الثناء على الله ومدحه، وذكره وسؤاله، وتلاوة كتابه، والدعوة إلى دينه، وتعليم أحكام شرعه، والإصلاح بين عباده.
стр. 985
وشكر المال ألا تنفقه في غير رضاه ومحبته وطاعته.
وكلما كملت للعبد معرفة الله، ومعرفة آلائه ونعمه، ازداد شكر العبد وثناؤه على ربه، فقد قام النبي ﷺ الليل حتى تورمت قدماه، فقيل له: قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، قال: «أفَلا أكُونُ عَبْداً شَكُوراً» متفق عليه (١).
وكل ما خلقه الله فيه إحسان إلى عباده يشكر عليه، وله فيه حكمة تعود إليه، يستحق أن يحمد عليها لذاته، وجميع المخلوقات فيها إحسان وإنعام على عباده، تحصل بها هدايتهم، وتدل على وحدانيته، وصدق أنبيائه.
ونعمة السراء والضراء تحتاج مع الشكر إلى الصبر، أما الضراء فظاهر، وأما نعمة السراء فتحتاج إلى الصبر على الطاعة فيها، لكن لما كان في السراء اللذة وفي الضراء الألم اشتهر ذكر الشكر في السراء، والصبر في الضراء، والله منعم بهذا كله، وإن كان لا يظهر ابتداء لأكثر الناس، فالله يعلم وأنتم لا تعلمون.
وذنوب الإنسان من نفسه، ومع هذا فهي مع حسن العاقبة نعمة، وهي نعمة على غيره لما يحصل بها من الاعتبار: ﴿وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٢١٦)﴾ [البقرة: ٢١٦].
والله ﵎ ذو فضل على العالمين:
بين سبحانه بكلامه وكلام رسوله جميع ما أمر الله به .. وجميع ما نهى الله عنه .. وجميع ما أحله .. وجميع ما حرمه .. وجميع ما عفا عنه .. وجميع ما يحب .. وجميع ما يكره .. وجميع ما يرضيه .. وجميع ما يسخطه.
وبهذا كان دينه كاملاً، ونعمته تامة كما قال سبحانه: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣].
وسعادة الإنسان في الدنيا مبنية على ثلاثة أركان:
الإيمان بالله .. والاتباع لرسول الله .. والعافية.