أحَبَّكَ كَمَا أحْبَبْتَهُ فِيهِ» أخرجه مسلم (١).
١١ - حمايتهم مكة والمدينة من الدجال:
١ - عن أنسِ بنِ مالكٍ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قال: «لَيْسَ مِنْ بَلَدٍ إِلا سَيَطَؤُهُ الدَّجَّالُ، إِلا مَكَّةَ وَالمَدِينَةَ، لَيْسَ لَهُ مِنْ نِقَابِهَا نَقْبٌ إِلا عَلَيْهِ المَلائِكَةُ صَافِّينَ يَحْرُسُونَهَا، ثُمَّ تَرْجُفُ المَدِينَةُ بِأهْلِهَا ثَلاثَ رَجَفَاتٍ، فَيُخْرِجُ اللهُ كُلَّ كَافِرٍ وَمُنَافِقٍ» متفق عليه (٢).
٢ - عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قال: قال رَسُولُ اللهِ ﷺ : «عَلَى أنْقَابِ المَدِينَةِ مَلائِكَةٌ، لا يَدْخُلُهَا الطَّاعُونُ وَلا الدَّجَّالُ» متفق عليه (٣).
هذه بعض أعمال الملائكة مع المؤمنين.
فعلينا أن نتولى جميع الملائكة بالحب والتوقير والإكرام، ونتجنب ما يسيء إليهم، وما يؤذيهم، من المعاصي والفواحش، والمحرمات والمنكرات، والروائح الكريهة، والصور والتماثيل، والأجراس والكلاب، والأقذار والأوساخ.
١ - عَنْ جَابِرٍ ﵁ قال: نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ أكْلِ البَصَلِ وَالكُرَّاثِ، فَغَلَبَتْنَا الحَاجَةُ فَأَكَلْنَا مِنْهَا، فَقَالَ: «مَنْ أكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ المُنْتِنَةِ فَلا يَقْرَبَنَّ
مَسْجِدَنَا، فَإِنَّ المَلائِكَةَ تَأذَّى مِمَّا يَتَأذَّى مِنْهُ الإنْسُ» متفق عليه (٤).
٢ - وَعَنْ أَبي طَلْحَةَ ﵁ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال: «لا تَدْخُلُ المَلائِكَةُ بَيْتاً فِيهِ
стр. 151
كَلْبٌ وَلاَ صُورَةٌ» متفق عليه (١).
الثالث: دور الملائكة مع الكفار والفساق:
فالملائكة لا يحبون الكفار والظالمين والمجرمين والفساق، بل يعادونهم ويحاربونهم ويلعنونهم.
١ - قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١٦١) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (١٦٢)﴾ [البقرة:١٦١ - ١٦٢].
٢ - وقال الله تعالى: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ (١٢)﴾ [الأنفال:١٢].
٣ - وعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «إِذَا بَاتَتِ المَرْأةُ مُهَاجِرَةً فِرَاشَ زَوْجِهَا، لَعَنَتْهَا المَلائِكَةُ حَتَّى تَرْجِعَ» متفق عليه (٢).
٤ - وَعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قال: سَمِعْتُ أَبَا القَاسِمِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ أشَارَ إِلَى أخِيهِ بِحَدِيدَةٍ، فَإِنَّ المَلائِكَةَ تَلْعَنُهُ، حَتَّى يَدَعَهُ وَإِنْ كَانَ أخَاهُ لأبِيهِ وَأمِّهِ» أخرجه مسلم (٣).
- فضل الملائكة والمؤمنين:
١ - الملائكة أفضل من المؤمنين باعتبار البداية: فالملائكة الآن في الرفيق الأعلى، مستغرقون في عبادة الله، ومنزهون عما يلابسه البشر من الغفلة
стр. 152
والمعاصي، وهذه الأحوال الآن أكمل من أحوال البشر.
٢ - والمؤمنون أفضل من الملائكة باعتبار كمال النهاية، إذا دخلوا الجنة .. وسكنوا الدرجات العلا ... وكانوا في قرب ربهم .. ورأوه في الجنة .. ورضي عنهم ... وقامت الملائكة في خدمتهم والسلام عليهم وإكرامهم.
- عمل الملائكة في الآخرة:
ينزل الله ﷻ يوم القيامة لفصل القضاء، ويحمل عرشه العظيم ثمانية من الملائكة، وتجيء الملائكة صفاً صفاً، ومنهم خزنة الجنة، ومنهم خزنة النار.
١ - قال الله تعال: ﴿كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا (٢١) وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢)﴾ [الفجر:٢١ - ٢٢].
٢ - وقال الله تعالى: ﴿وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ (١٧)﴾ [الحاقة:١٧].
٣ - وقال الله تعالى: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (٢٣) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ (٢٤)﴾ [الرعد:٢٣ - ٢٤].
٤ - وقال الله تعالى: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ (٣٠) وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ
إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا وَلَا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ (٣١)﴾ [المدَّثر:٣٠ - ٣١].
стр. 153
٥ - وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٦)﴾ [التحريم:٦].
- فقه الإيمان بالملائكة:
الملائكة متفاوتون في الخلق .. متفاوتون في الصفات ... متفاوتون في الأعمال ... متفاوتون في الرتب، جعلهم الله رسلاً في تدبير أوامره الكونية والقدرية.
وجعلهم الله رسلاً بينه وبين خلقه في تبليغ أوامره الدينية لرسله وأنبيائه.
والعلم بعظمة خلق الملائكة، وعظمة قدرتهم وقوتهم وكثرتهم، تزيد الإيمان في القلب، وتطلعه على كمال عظمة الرب، وكمال قدرته، ورحمته لعباده، وتولِّد في القلب المحبة والخوف والرجاء لرب العالمين.
فالملائكة خَلْق عظيم، منحهم الله من القوة والقدرة ما يستطيعون به تنفيذ أوامر ربهم في أسرع وقت، فقوة جميع الخلائق كلها لا تساوي قوة ملك واحد، فكيف بقوة جميع الملائكة، فكيف بقوة العزيز الجبار الذي خلقهم؟
فإسرافيل ﷺ ملك من الملائكة، وكله الله بالنفخ في الصور، والصور قرن كالبوق، بنفخة واحدة منه يصعق جميع من في السماوات والأرض إلا من شاء الله.
ثم ينفخ في الصور نفخة البعث فإذا الخلائق كلهم قيام ينظرون كما قال سبحانه: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ (٦٨)﴾ [الزُّمَر:٦٨].
فهاتان نفختان من إسرافيل بالأولى مات من في العالم، وبالثانية دبت الحياة
стр. 154
في جميع من في العالم.
فماذا يملك إسرافيل من النفخات ... ؟
وإذا كانت هذه قوة نفخته فكم تكون قوة جسده .. ؟
وكم تكون قوة من خلقه وأمره ﷻ .. ؟
فسبحان العزيز الجبار المتكبر، الذي قهر جميع الخلائق، وخلق القوة في كل قوي: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ (٦٦)﴾ [هود: ٦٦].
وجبريل ﷺ ملك من الملائكة، وكَّله الله بالوحي إلى الأنبياء ونصرتهم، خلق الله له ستمائة جناح، جناح واحد منها لما نشره سد الأفق.
وبطرف جناحه قلع خمس قرى من قرى قوم لوط بما فيها من المخلوقات والجبال، ثم رفعها إلى السماء، ثم قلبها عليهم بأمر الله .
وإذا كانت هذه قوة طرف جناحه فكم تكون قوة كامل جناحه .. ؟
وكم تكون قوة جميع أجنحته الستمائة التي خلقها الله له .. ؟
وإذا كانت هذه قوة أجنحته فكم تكون قوة جسده .. ؟
وكم تكون قوة خالقه العزيز الجبار ﷻ ... ؟
عَنْ عَبْدِاللهِ بنِ مَسْعُودٍ أَنَّ مُحَمَّداً ﷺ رَأَى جِبْرِيلَ لَهُ سِتُّ مِائَةِ جَنَاحٍ. متفق
عليه (١).
وميكائيل ﷺ ملك من الملائكة، وكله الله بالقطر والنبات.
فكم من المياه يكيلها ويفرقها في العالم بأمر الله ... ؟
وكم من الأرزاق والحبوب التي يكيلها للخلائق كلها بأمر الله .. ؟
стр. 155
فسبحان الخلاق القادر الذي أعطاه القدرة على معرفتها وقسمتها وتوزيعها في العالم.
وإذا كان ميكائيل يأخذ كل لحظة من خزائن الله، فكم تكون سعة هذه الخزائن التي يأخذ منها .. ؟
وكم تكون قدرة وعظمة الغني الذي خلقها وتكرم بها على خلقه.
١ - قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ (٢١)﴾ [الحِجر:٢١].
٢ - وَعَنْ أبِي ذَرٍّ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، فِيمَا رَوَى عَنِ اللهِ ﵎ أنَّهُ قال: «يَا عِبَادِي! إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّماً، فَلا تَظَالَمُوا، يَا عِبَادِي! كُلُّكُمْ ضَالٌّ إِلا مَنْ هَدَيْتُهُ، فَاسْتَهْدُونِي أهْدِكُمْ، يَا عِبَادِي! كُلُّكُمْ جَائِعٌ إِلا مَنْ أطْعَمْتُهُ، فَاسْتَطْعِمُونِي أطْعِمْكُمْ، يَا عِبَادِي! كُلُّكُمْ عَارٍ إِلا مَنْ كَسَوْتُهُ، فَاسْتَكْسُونِي أكْسُكُمْ، يَا عِبَادِي! إِنَّكُمْ تُخْطِئُونَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَأنَا أغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً، فَاسْتَغْفِرُونِي أغْفِرْ لَكُمْ، يَا عِبَادِي! إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضَرِّي فَتَضُرُّونِي، وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي فَتَنْفَعُونِي، يَا عِبَادِي! لَوْ أنَّ أوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ، وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ
مِنْكُمْ، مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئاً.
يَا عِبَادِي! لَوْ أنَّ أوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ، وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ، كَانُوا عَلَى أفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ، مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئاً يَا عِبَادِي! لَوْ أنَّ أوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ، وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ، قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَألُونِي، فَأعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْألَتَهُ، مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلا كَمَا يَنْقُصُ المِخْيَطُ إِذَا أدْخِلَ البَحْرَ، يَا عِبَادِي! إِنَّمَا هِيَ أعْمَالُكُمْ أحْصِيهَا لَكُمْ ثُمَّ أوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا، فَمَنْ وَجَدَ خَيْراً
стр. 156
فَلْيَحْمَدِ اللهَ، وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلا يَلُومَنَّ إِلا نَفْسَهُ» أخرجه مسلم (١).
وأحد حملة العرش خلقه الله ما بين شحمة أذنه ومنكبه مسيرة سبعمائة عام.
عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِاللهِ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «أُذِنَ لِي أَنْ أُحَدِّثَ عَنْ مَلَكٍ مِنْ مَلاَئِكَةِ اللهِ مِنْ حَمَلَةِ العَرْشِ إِنَّ مَا بَيْنَ شَحْمَةِ أُذُنِهِ إِلَى عَاتِقِهِ مَسِيرَةُ سَبْعِ مِائَةِ عَامٍ» أخرجه أبو داود (٢).
وإذا كانت المسافة من الأذن إلى العاتق سبعمائة سنة، فكم تكون المسافة من رأسه إلى رجليه .. ؟ وكم تكون قوة هذا الملك الذي يحمل العرش، الذي السموات والأرض بالنسبة إليه كحلقة ملقاة في أرض فلاة .. ؟
وكم عظمة العرش الذي هذا الملك العظيم أحد حملته ... ؟
وكم تكون عظمة وقوة وكبرياء الذي خلق العرش، وخلق حملته، وخلق جميع ما في الكون .. ؟ ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٧)﴾ [الزُّمَر:٦٧].
وملك الموت يقسم المنايا بين الخلق بأمر الله، فلا يفر من الموت أحد، ولا يموت أحد قبل أجله، ثم إلى ربهم يحشرون.
فكم يقبض ملك الموت من الأرواح في كل لحظة، وفي كل مكان، ومن كل جنس ... ؟
قال الله تعالى: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (١١)﴾ [السجدة:١١].
стр. 157
والملائكة الكرام الكاتبين كم يكتبون من الأقوال والأفعال، والحركات والخطوات، والحسنات والسيئات .. والأنفاس والكلمات.
قال الله تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (١٨)﴾ [ق:١٨].
وكم ملائكة السماء ... وكم ملائكة الأرض .. وكم ملائكة الجنة. .. وكم ملائكة النار ... وكم ملائكة الجبال والبحار والنبات والرياح.
فكل حركة في العالم العلوي والسفلي فسببها الملائكة الذين ينفذون أوامر الله في ملكه العظيم، ويقسمون أوامر الله في خلقه: ﴿لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (٢٧) يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ (٢٨)﴾ [الأنبياء:٢٧ - ٢٨].
فعلينا أن نؤمن بوجود هؤلاء الملائكة الكرام، الذين يكتبون كل شيء، ويدافعون عن المؤمنين، ويحفظون الإنسان، ويدعون له ويطيعون الله، وينفذون أوامره في ملكه.
وعلينا أن نُجِلّهم، ونوقرهم، ونكرمهم، ونستحي منهم، ولا نؤذيهم بقول أو فعل أو معصية.
وعلينا محبة الملائكة لما يقومون به من عبادة الله تعالى، والدعاء والاستغفار للمؤمنين.
وعلينا حمد الله وشكره على عنايته ببني آدم، حيث وكل بهم من الملائكة من يقوم بحفظهم ونصرتهم وقسمة أرزاقهم.
وعلينا عبادة هذا الرب العظيم الذي: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (٤٤)﴾ [الإسراء:٤٤].
стр. 158
٣ - الإيمان بالكتب
- الإيمان بالكتب: هو التصديق الجازم بأن الله تعالى أنزل كتباً على أنبيائه ورسله هداية لعباده، وأنها من كلام الله حقيقة، وأن ما تضمنته حق لا ريب فيه.
- عدد الكتب الإلهية:
كتب الله منها ما سمى الله في كتابه المبين، ومنها ما لا يعلم أسماءها وعددها إلا الله .
وقد بين الله في القرآن الكريم أنه أنزل الكتب الآتية:
١ - صحف إبراهيم ﷺ .
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى (١٨) صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى (١٩)﴾ [الأعلى:١٨ - ١٩].
٢ - التوراة: وهي الكتاب الذي أنزله الله على موسى ﷺ لبني إسرائيل.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ (٤٤)﴾ [المائدة: ٤٤].
٣ - الزبور: وهو الكتاب الذي أنزله الله على داود ﷺ .
قال الله تعالى: ﴿وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا (٥٥)﴾ [الإسراء:٥٥].
٤ - الإنجيل: وهو الكتاب الذي أنزله الله على عيسى ﷺ لبني إسرائيل.
стр. 159
قال الله تعالى: ﴿وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (٤٦)﴾ [المائدة:٤٦].
٥ - القرآن: وهو الكتاب الذي أنزله الله على محمد ﷺ للناس كافة.
قال الله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ (١٨٥)﴾ [البقرة: ١٨٥].
- حكم الإيمان بالكتب الإلهية:
الإيمان بالكتب أحد أركان الإيمان الستة.
فيجب على المسلم الإيمان بالكتب والصحف التي أنزلها الله على رسله هداية لعباده، وهي شريعة الله ودينه في أوقاتها.
١ - قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (١٣٦)﴾ [النساء:١٣٦].
٢ - وقال الله تعالى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٦)﴾ [البقرة:١٣٦].
- أقسام أوامر الله :
أوامر الله نوعان:
١ - أوامر كونية قدرية: وقد وكل الله الملائكة بتنفيذها في ملكه العظيم على كافة
مخلوقاته كما قال سبحانه:
стр. 160
﴿وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا (١) وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا (٢) وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا (٣) فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا (٤) فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا (٥)﴾ [النازعات:١ - ٥].
٢ - أوامر الله الشرعية: وهي الكتب الإلهية التي أنزلها الله على رسله، وهي تشتمل على الأوامر الشرعية التي تصلح بها أحوال العباد في الدنيا والآخرة، وتحصل بها هدايتهم كما قال سبحانه: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (٢) نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (٣) مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (٤)﴾ [آل عمران:٢ - ٤].
- حاجة العباد إلى أوامر الله:
جميع الخلائق محتاجون بل مضطرون إلى أوامر الله الكونية من الخلق والرزق، والتدبير والتصريف وغيرها.
والناس محتاجون إلى أوامر الله الشرعية أعظم من حاجتهم للطعام والشراب والتنفس؛ لأنهم بفقدهم ذلك يموتون ويخسرون الدنيا، لكنهم بفقد الدين يخسرون الدنيا والآخرة، وذلك هو الخسران المبين.
وأوامر الله الشرعية هي الدين الذي أنزله الله على رسله لهداية عباده، وتعريفهم بخالقهم ومعبودهم، وما يحب وما يكره من الأقوال والأعمال والأخلاق، وتبين ثواب من أطاعه، وعقوبة من عصاه.
فلا بد للملك في ملكه العظيم من أوامر تصلح بها أحوال عباده، من حث وتحريض، ونهي وتحذير، وترغيب وترهيب.
فمن أحسن أثيب ... ومن أساء عوقب.
ولا بد للملك من سفراء بينه وبين خلقه، وهم الأنبياء والرسل الذين يربيهم،
стр. 161
وينزل عليهم الوحي، فيعملون به، ويستقيمون عليه، يبينون للناس ما نزل إليهم من أوامر وأحكام، ويبلغون دينه لخلقه، ويحكمون بين الناس بالعدل والإحسان، وينفذون أوامر الله في خلقه.
ولا بد للملك من محكمة يحاسب فيها من أطاعه ومن عصاه، وهي يوم القيامة وبعد الحساب يكون الناس فريقين.
فمن آمن وعمل صالحاً دخل الجنة ... ومن كفر بالله دخل النار.
١ - قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٣)﴾ [النساء: ١٣].
٢ - وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٤)﴾ [النساء:١٤].
- حكمة إنزال الكتب.
الله نظم الكون بسننه، وسيَّره بقدرته.
فالنبات له سنن، والمياه لها سنن، والجبال لها سنن.
وقد أكرم الله الإنسان حين أنزل عليه كتاباً يسير على هديه، ويعرِّفه بخالقه ورازقه وما يجب له.
فإنّ عقل الإنسان قاصر محدود، لا يدرك تفاصيل المنافع والمضار، وتغلب عليه الشهوات، وتلعب به الأهواء، ولا يعلم ما في الغيب، ولا ما بعد
الموت، ولا ما في اليوم الآخر.
ولو وكلت البشرية إلى عقولها القاصرة لضلت وتناحرت وهلكت، ولكن
стр. 162
الله برحمته أرسل الرسل بالكتب لبيان ذلك كله.
قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (١٦٤)﴾ [آل عمران:١٦٤].
- مقاصد الكتب السماوية:
كتب الله تجمع للعبد خيري الدنيا والآخرة.
وكل كتاب من كتب الله جاء بثلاثة أمور:
الأول: تعريف الناس بربهم ليعبدوه وحده، ويجتنبوا عبادة ما سواه.
قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥)﴾ [الأنبياء:٢٥].
الثاني: تعريفهم بالطريق الموصل إليه، وهو امتثال ما شرعه الله من الأوامر، واجتناب ما نهى الله عنه.
قال الله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٥٣)﴾ [الأنعام:١٥٣].
الثالث: تعريفهم بمالهم بعد القدوم عليه سبحانه، فللمؤمن الجنة، وللكافر النار.
قال الله تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ (١٤) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ (١٥) وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا
بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ فَأُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ (١٦)﴾ ... [الروم:١٤ - ١٦].
стр. 163
- أنواع الشرائع الإلهية:
الشرائع التي أنزل الله على عباده ثلاث:
الأولى: شريعة العدل: وهي شريعة التوارة، شريعة الجلال والقهر، وفيها الحكم والقصاص بالعدل.
الثانية: شريعة الفضل: وهي شريعة الإنجيل، شريعة الجمال والفضل والإحسان، وفيها الحث على مكارم الأخلاق من العفو والصفح والإحسان.
الثالثة: شريعة العدل والإحسان، وهي شريعة القرآن، التي تذكر العدل وتوجبه، وتذكر الإحسان وتندب إليه، وتذكر الظلم وتحرمه كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠)﴾ [النحل:٩٠].
وقد أرسل الله بالأولى موسى ﷺ .. وأرسل بالثانية عيسى ﷺ .. وأرسل بالأخيرة محمداً ﷺ . فشريعة موسى ﷺ جاءت بالجلال، وشريعة عيسى ﷺ جاءت بالجمال، وشريعة محمد ﷺ جاءت بالكمال الجامع للجلال والجمال، والعدل والإحسان ولهذا رضيها الله ديناً للبشرية إلى يوم القيامة كما قال سبحانه: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا (٣)﴾ [المائدة: ٣].
- منزلة الكتب.
صحف إبراهيم فيها الأوامر بعبادة الله وحده، والشريعة التي يتقرب بها إليه. والقرآن والتوراة كتابان من عند الله، وكل منهما أصل مستقل، والذي فيهما
стр. 164
دين واحد فيه بيان صفات الله، والأمر بعبادته وحده، والشريعة التي يتقرب بها إليه، كلٌّ في وقته.
والزبور فيه دعاء وثناء على الله، وأمر ونهي، وداود ﷺ متبع لشريعة التوراة.
وأما الإنجيل فعيسى ﷺ متبع لشريعة التوراة، وأحل لبني إسرائيل بعض الذي حُرِّم عليهم.
والقرآن الكريم أصل مستقل بنفسه، مهيمن على غيره، مشتمل على جميع ما في الكتب السابقة من المحاسن، وفيه زيادات وتشريعات لا توجد فيما قبله من الكتب، وهو ناسخ لجميع الكتب قبله.
قال الله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ (٤٨)﴾ [المائدة: ٤٨].
وقال الله تعالى: ﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٥٢)﴾ [إبراهيم:٥٢].
- موقف الناس من الكتب:
ينقسم الناس بالنسبة للكتب الإلهية إلى أربعة أقسام:
الأول: من آمن بها كلها، وهم المؤمنون الذين آمنوا بجميع الأنبياء والرسل، وبما أنزل إليهم.
قال الله تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٢٨٥)﴾ [البقرة:٢٨٥].
стр. 165
الثاني: من كفر بها كلها، وهم جميع الكفار والمشركين.
قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (١٣٦)﴾ [النساء:١٣٦].
الثالث: من آمن ببعض الكتب، وكفر ببعضها، وهم اليهود والنصارى ومن سار على نهجهم.
قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٩١)﴾ [البقرة:٩١].
وقد توعد الله هؤلاء بالخزي في الدنيا والعذاب في الآخرة كما قال سبحانه: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٨٥)﴾ [البقرة:٨٥].
الرابع: من آمن بها ظاهراً، وكفر بها باطناً، وهؤلاء هم المنافقون الذين يظهرون الإسلام، ويبطنون الكفر، وعذابهم في أسفل النار.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (١٤٥) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (١٤٦)﴾ [النساء:١٤٥ -
١٤٦].
- حكم العمل بالكتب السابقة:
١ - نؤمن بأن الله أنزل الكتب السابقة لهداية عباده وهي شريعته ودينه
стр. 166
في أوقاتها، ونصدق ما صح من أخبارها كأخبار القرآن، وأخبار ما لم يبدل أو يحرف منها.
٢ - نعمل بأحكامها ما لم ينسخ في شريعتنا ذلك الحكم.
وجميع الكتب الإلهية السابقة كالتوارة والإنجيل والزبور وغيرها منسوخة بالقرآن كما قال سبحانه: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ (٤٨)﴾ [المائدة: ٤٨].
٣ - ما في أيدي أهل الكتاب مما يسمى بالتوراة والإنجيل، أو العهد القديم والعهد الجديد، لا تصح نسبته كله إلى أنبياء الله ورسله، فقد كُتب بعدهم، ووقع فيه التحريف والتبديل، ومنها ما كتموه، ومنها ما افتروه.
كقول اليهود عزير ابن الله .. وقول النصارى المسيح ابن الله .. وقول اليهود إن الله فقير .. وقولهم إن يد الله مغلولة .. واتهام الأنبياء بما لا يليق بمقامهم .. ووصف الخالق بما لا يليق بجلاله.
فيجب رد ذلك كله، وعدم الإيمان إلا بما جاء في القرآن والسنة وتصديقه.
٤ - إذا حدَّثَنا أهل الكتاب فلا نصدقهم ولا نكذبهم، ولكن نقول آمنا بالله وكتبه ورسله.
فإن كان ما قالوه حقاً لم نكذبهم، وإن كان ما قالوه باطلاً لم نصدقهم،
ونجادلهم بالتي هي أحسن إلا الظالم منهم، ومجادلتنا لهم مبنية على إيماننا بالله وكتبه ورسله، فلا نقدح في شيء من كتب الله المنزلة، ولا في أحد من رسله كما قال سبحانه: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ
стр. 167
وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (٤٦)﴾ [العنكبوت:٤٦].
وعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: كَانَ أهْلُ الكِتَابِ يَقْرَؤُونَ التَّوْرَاةَ بِالعِبْرَانِيَّةِ، وَيُفَسِّرُونَهَا بِالعَرَبِيَّةِ لأهْلِ الإِسْلامِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لا تُصَدِّقُوا أهْلَ الكِتَابِ وَلا تُكَذِّبُوهُمْ، وَقُولُوا ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ [البقرة: ١٣٦]» أخرجه البخاري (١).
- حكم العمل بالقرآن الكريم:
القرآن الكريم أعظم الكتب الإلهية، وأفضلها، وأحسنها، وأكملها، أنزله الله على خاتم رسله، وأفضلهم محمد ﷺ ، وجعله تبياناً لكل شيء، وهدى ورحمة للعالمين، كما قال سبحانه: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (٨٩)﴾ [النحل: ٨٩].
فالقرآن العظيم أفضل الكتب .. نزل به أفضل الملائكة وهو جبريل .. على أفضل الخلق وهو محمد ﷺ ... على أفضل أمة أخرجت للناس وهي هذه الأمة .. بأفضل الألسنة وأفصحها وهو اللسان العربي المبين .. بأفضل شريعة وأكملها وهي ما فيه من الأحكام والسنن والفضائل والآداب.
فيجب على كل أحد الإيمان به، والعمل بأحكامه، والتأدب بآدابه كما قال سبحانه: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٨)﴾
[التغابن:٨].
والقرآن كتاب الله وشرعه ومنهجه للبشرية إلى يوم القيامة. كما قال سبحانه: ﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٥٢)﴾ [إبراهيم:٥٢].
стр. 168
وقد تكفل الله بحفظه فسلم من التحريف والتبديل، ومن الزيادة والنقصان كما قال سبحانه: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ [الحِجر:٩].
ولا يقبل الله العمل بغيره بعد نزوله، لأنه ناسخ لما قبله، وجميع ما قبله من كتب الله شريعة في وقتها، ثم جاء القرآن ناسخاً لها.
١ - قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٨٥)﴾ [آل عمران:٨٥].
٢ - وَعَنْ أبِي هُريرَةَ ﵁ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «وَالَّذِى نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لاَ يَسْمَعُ بِى أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ يَهُودِىٌّ وَلاَ نَصْرَانِىٌّ ثُمَّ يَمُوتُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِى أُرْسِلْتُ بِهِ إِلاَّ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ» أخرجه مسلم (١).
- فضل القرآن الكريم:
١ - قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (٢٣)﴾ [الزُّمَر:٢٣].
٢ - وقال الله تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا (٨٢)﴾ [الإسراء:٨٢].
٣ - وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا (٩) وَأَنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٠)﴾ ... [الإسراء:٩ - ١٠].
стр. 169
- فقه آيات القرآن الكريم:
آيات القرآن فيها تبيان كل شيء، وهي إما خبر أو طلب.
وأخبار القرآن نوعان:
١ - إما خبر عن الخالق وأسمائه وصفاته وأفعاله وأقواله، وهو الله .
٢ - وإما خبر عن المخلوق.
إما في العالم العلوي كالعرش، والكرسي، والسماء، والملائكة، والنجوم ونحو ذلك.
وإما في العالم السفلي كالأرض، والنبات، والحيوان، والإنسان، والجبال، والبحار ونحوها.
وإما خبر عن الأنبياء والرسل وأتباعهم، وأعدائهم، وجزاء كل فريق ونحو ذلك.
وإما خبر عن اليوم الآخر، والجنة والنار ونحو ذلك.
والطلب في القرآن نوعان:
١ - إما أَمْر بعبادة الله وحده، وطاعة الله ورسوله، وفعل ما أمر الله به كالصلاة والزكاة، والعدل والإحسان، والدعوة والأمر بالمعروف ونحو ذلك.
٢ - وإما نهي عن الشرك بالله، وتحذير مما حرم الله كالربا والفواحش ونحو ذلك
مما نهى الله عنه كالظلم والمعاصي وسيء الأخلاق.
١ - قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (١٢)﴾ [الطلاق:١٢].
стр. 170
٢ - وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠)﴾ [النحل:٩٠].
- قوة كلام الله :
١ - قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ (٣١)﴾ [الرعد:٣١].
٢ - وقال الله تعالى: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٢١)﴾ [الحشر:٢١].
٣ - وقال الله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا (١٠٩)﴾ [الكهف:١٠٩].
٤ - وقال الله تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (٨٨)﴾ [الإسراء:٨٨].
٥ - وقال الله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (٤١) لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (٤٢)﴾ [فُصِّلَت: ٤١ - ٤٢].
- فقه الإيمان بالكتب:
الكتب الإلهية هي كلام الله التي أنزلها رحمة بعباده.
وكلمات الله نوعان:
١ - كلمات كونية: وهي التي كوَّن بها الكون وخلقه ودبره، وهي أمره النافذ في جميع ملكه في كل لحظة.
стр. 171
٢ - كلمات شرعية: وهي كتبه المنزلة على رسله هداية لعباده.
وكلمات الله ﷻ فيها من العظمة والقوة والفصاحة ما لا يدركه عقل، ولا يخطر على قلب بشر، فالله عظيم، وأسماؤه وصفاته عظيمة، وكلامه عظيم، وعدد كلماته لا يمكن أن يحصيها أحد، وفوق ما يتصور كل أحد، فلو جمعنا أشجار الدنيا أقلاماً، وبحار الدنيا وسبعة أضعافها مداداً ما نفدت كلمات الله: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٧)﴾ [لقمان:٢٧].
وقوة كلام الله فوق ما يتصور كل أحد، فمن قوة كلام الله أنه بحرفين من كلامه خلق هذا الكون العظيم، وفي كل لحظة يخلق ما لا يحصيه إلا هو من الخلائق في السماء والأرض: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢) فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٣)﴾ [يس: ٨٢ - ٨٣].
وإذا كانت هذه قوة حرفين من كلامه (كن)، فكم تكون قوة كلماته التامات التي لو كانت سبعة أبحر مداداً لها لم تنفد .. ؟ وكم قوة كل كلمة منها .. ؟
وكلام الله ﵎ كله عظيم، وكله حسن، وكله نور، وكله مشتمل على كل خير.
وفصاحة كلام الله وحسنه وجماله وجزالته تملك قلب كل أحد، ويعجز عنها كل أحد، بل قد عجز الثقلان عن أن يأتوا بسورة أو آية من أحسن كتبه وهو القرآن كما قال سبحانه: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (٨٨)﴾ [الإسراء:٨٨].
فسبحان الملك العظيم القادر على كل شيء.
стр. 172
كم من الكلمات الكونية التي يخلق بها الخلائق كل لحظة ... ؟
وكم من الكلمات التي يأمر ويصرِّف بها الخلائق كل لحظة .. ؟
وكم من الكلمات التي يغير بها الأحوال كل لحظة من حياة وموت ... وغنى وفقر .. وعافية ومرض ... وأمن وخوف .. وحر وبرد .. وعزة وذلة؟
بكلمة واحدة يتغير كل شيء، ويزول كل شيء، ويحصل كل شيء: ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ (٥٠)﴾ [القمر:٥٠].
كم من الكتب الإلهية التي أنزلها الله رحمة بعباده .. ؟
وكم من الأوامر الشرعية التي شرعها لعباده .. ؟
وكم أرسل من الرسل بتلك الكتب .. ؟
فما أعظم هذا الرب العظيم الحليم الكريم العزيز الرحيم.
وما أعظم أسماءه وصفاته وأفعاله.
فهو أهل أن يُعظّم ... وأهل أن يُعبد .. وأهل أن يُحمد .. وأهل أن يُطاع. ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ [الأنعام:١٠٢].
стр. 173
٤ - الإيمان بالرسل
١ - الإيمان بالرسل
- معنى الإيمان بالرسل:
الإيمان بالرسل: هو التصديق الجازم بأن الله بعث في كل أمة رسولاً يدعوهم إلى عبادة الله وحده، والكفر بما يعبد من دونه، وأنهم جميعاً مرسلون صادقون.
وقد بلَّغوا جميع ما أرسلهم الله به، منهم من أعلمنا الله باسمه، ومنهم من استأثر الله بعلمه.
- الفرق بين الرسول والنبي:
لفظ الرسول والنبي كلفظ الإسلام والإيمان، إذا اجتمعا فلكل واحد معنى، وإذا انفرد أحدهما شمل معنى الآخر.
فيطلق الرسول على النبي، ويطلق النبي على الرسول، فيكون معناهما واحداً، وهذا هو الغالب.
١ - قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (٦٧)﴾ [المائدة:٦٧].
٢ - وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٤٥) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا (٤٦)﴾ [الأحزاب:٤٥ - ٤٦].
стр. 174
وتارة يذكران معاً في آية واحدة، فيكون لكل واحد منهما معنى.
كما قال سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٢)﴾ [الحج:٥٢].
فالرسول: من أوحى الله إليه بشرع، وأمره بإبلاغه إلى من لا يعلمه، أو يعلمه ولكنه خالفه.
والنبي: من أوحى الله إليه بشرع سابق ليعلِّمه من تركه، ويجدده.
فكل رسول نبي، وليس كل نبي رسولاً.
والذين ذكرهم الله في القرآن كلهم أنبياء ورسل.
- بعث الأنبياء والرسل:
لم تخل أمة من رسول يبعثه الله تعالى بشريعة مستقلة إلى قومه، أو نبي يوحي إليه بشريعة من قبله ليجددها، ويعلِّمها من حوله.
١ - قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ (٣٦)﴾ [النحل: ٣٦].
٢ - وقال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ (٤٤)﴾ [المائدة: ٤٤].
- حكم الإيمان بالأنبياء والرسل:
الإيمان بأنبياء الله ورسله أحد أركان الإيمان الستة.
فيجب علينا الإيمان بجميع الأنبياء والرسل وتصديقهم، ومن كفر بواحد
стр. 175
منهم فقد كفر بهم جميعاً.
ويجب علينا تصديق ما صح عنهم من أخبار، والاقتداء بهم في صدق الإيمان، وكمال التوحيد، وحسن الخلق، والعمل بشريعة من أُرسل إلينا منهم، وهو سيدهم وخاتمهم الذي أرسله الله إلى الناس كافة محمد ﷺ .
١ - قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (١٣٦)﴾ [النساء:١٣٦].
٢ - وقال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الأحزاب:٢١].
- حقوق الأنبياء والرسل:
الأنبياء والرسل أفضل الخلق؛ لكمال إيمانهم .. وصدق يقينهم .. وحسن عبادتهم .. وحسن أخلاقهم .. وكمال معرفتهم بالله وأسمائه وصفاته وشرعه .. وإحسانهم إلى الخلق .. ورحمتهم للناس .. وصبرهم على دعوة الخلق إلى الدين .. وبذلهم كل ما يملكون في سبيل إعلاء كلمة الله، ليعبد الله وحده لا شريك له.
فحقوقهم علينا:
الإيمان بهم، وتصديقهم، ومحبتهم، والثناء عليهم من غير إطراء، وتوقيرهم، والصلاة والسلام عليهم عند ذكرهم، والاقتداء بهم في كمال التوحيد والإيمان، وحسن الخلق، والدعوة إلى الله، والاقتداء والعمل بشريعة من أُرسل إلينا منهم وهو محمد ﷺ .
١ - قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى
стр. 176
الْعَالَمِينَ (٣٣) ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٣٤)﴾ [آل عمران:٣٣ - ٣٤].
٢ - وقال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٥٧)﴾ [الأعراف:١٥٧].
- حكمة بعث الأنبياء والرسل:
بعث الله جميع الأنبياء والرسل لتحقيق ثلاثة مقاصد:
الأول: دعوة الناس إلى عبادة الله وحده، وترك عبادة ما سواه.
قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (٣٦)﴾ [النحل:٣٦].
الثاني: بيان الطريق الموصل إلى الله وإلى رضاه.
١ - قال الله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٤٤)﴾ [النحل: ٤٤].
٢ - وقال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢)﴾ [الجمعة:٢].
الثالث: بيان حال الناس بعد القدوم على ربهم يوم القيامة.
قال الله تعالى: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٤٩) فَالَّذِينَ آمَنُوا
وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٥٠) وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ
стр. 177
أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (٥١)﴾ [الحج:٤٩ - ٥١].
- عدد الأنبياء والرسل:
الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام كثيرون.
والذين ذكرهم الله في القرآن قسمان:
الأول: مَنْ بَيَّن الله أسماءهم، وقص علينا أخبارهم، وهم خمسة وعشرون:
آدم، ونوح، وإدريس، وهود، وصالح، وشعيب، وإبراهيم، وإسحاق، وإسماعيل، ويعقوب، ويوسف، وموسى، وهارون، وداود، وسليمان، وأيوب، واليسع، ويونس، ولوط، وإلياس، وزكريا، ويحيى، وذو الكفل، وعيسى، ومحمد صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، وقد ذكر الله هؤلاء جميعاً في القرآن الكريم كما يلي:
١ - آدم ﷺ .
قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا (١١٥)﴾ [طه:١١٥].
٢ - ثمانية عشر ذكرهم الله بقوله سبحانه: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (٨٣) وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٨٤) وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٨٥) وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ (٨٦) وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى
صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٨٧)﴾ [الأنعام:٨٣ - ٨٧].
стр. 178
٣ - إدريس ﷺ :
قال الله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (٥٦)﴾ [مريم:٥٦].
٤ - هود ﷺ .
قال الله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ (١٢٣) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٢٤) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٢٥)﴾ [الشعراء:١٢٣ - ١٢٥].
٥ - صالح ﷺ .
قال الله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ (١٤١) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٤٢) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٤٣)﴾ [الشعراء:١٤١ - ١٤٣].
٦ - شعيب ﷺ .
قال الله تعالى: ﴿كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ (١٧٦) إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٧٧) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٧٨)﴾ [الشعراء:١٧٦ - ١٧٨].
٧ - ذو الكفل ﷺ .
قال الله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الْأَخْيَارِ (٤٨)﴾ [ص:٤٨].
٨ - محمد ﷺ .
قال الله تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (٤٠)﴾ [الأحزاب:٤٠].
فهؤلاء خمسة وعشرون كلهم أنبياء ورسل.
الثاني: من لم نعلم أسماءهم، ولم يقص الله علينا أخبارهم.
وهؤلاء كثيرون لا يحصيهم ولا يعلمهم إلا الذي أرسلهم، فنؤمن بهم
стр. 179
إجمالاً؛ تصديقاً لخبر الله عنهم.
١ - قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ فَإِذَا جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ قُضِيَ بِالْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ (٧٨)﴾ [غافر:٧٨].
٢ - وقال الله تعالى: ﴿وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا (١٦٤) رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٦٥)﴾ [النساء:١٦٤ - ١٦٥].
- أولو العزم من الرسل:
أولو العزم من الرسل خمسة وهم:
نوح .. وإبراهيم .. وموسى .. وعيسى .. ومحمد .. صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.
قال الله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ (١٣)﴾ [الشورى:١٣].
وقد تميز هؤلاء بمواجهة عتاة البشرية: ﴿فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ (٣٤)﴾ [الأنعام: ٣٤].
- أفضل الأنبياء والرسل:
أفضل البشر هم المؤمنون .. وأفضل المؤمنين الأنبياء والرسل .. وأفضل
الأنبياء والرسل هم أولو العزم .. وأفضل أولي العزم سيد ولد آدم محمد ﷺ .
стр. 180
أعلم الخلق بالحق .. وأنصح الخلق للخلق .. وأفصح الخلق في البلاغ والبيان .. وأكملهم معرفة بالله وأسمائه وصفاته .. اجتمع في حقه:
كمال العلم بالحق .. وكمال الإيمان به .. وكمال الإرادة له .. وكمال القدرة على بيانه .. وكمال العمل به .. وكمال الدعوة إليه ... وكمال الصبر عليه .. فصلوات الله وسلامه عليه.
١ - قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم:٤].
٢ - وَعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولَ اللهِ ﷺ : «أنَا سَيِّدُ النَّاسِ يَوْمَ القِيَامَةِ» متفق عليه (١).
- أول الأنبياء والرسل:
أول الرسل من ذرية آدم نوح ﷺ .
١ - قال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ (١٦٣)﴾ [النساء: ١٦٣].
٢ - وعن أبِي هُرَيْرَةَ ﵁ في حديث الشفاعة ... وفيه أن النبي ﷺ قال: «اذْهَبُوا إِلَى نُوحٍ، فَيَأْتُونَ نُوحاً، فَيَقُولُونَ: يَا نُوحُ، أنْتَ أوَّلُ الرُّسُلِ إِلَى أهْلِ الأرْضِ» متفق عليه (٢).
- آخر الأنبياء والرسل:
آخر الرسل إلى أهل الأرض محمد ﷺ .
قال الله تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (٤٠)﴾ [الأحزاب:٤٠].