١ - قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾ ... [الأنبياء: ١٠٧].
٢ - وقال الله تعالى: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا (٢)﴾ [الجن: ١ - ٢].
- مسؤولية الداعي إلى الله:
أمر الله رسوله محمداً ﷺ بأربعة أشياء:
أن يتعلم الوحي .. وأن يعمل به .. وأن يعلِّمه الناس .. وأن يقيم الناس عليه.
وهذه المسؤوليات انتقلت إلينا بعد وفاته ﷺ .
فالدين خطوتان، خطوة للعبادة، وخطوة للدعوة، وحركة في إصلاح النفس، وحركة في إصلاح الغير، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.
والواجب على المسلم أن يتعلم شيئين:
جهد النبي ﷺ وهو الدعوة .. وحياة النبي ﷺ وهي الدين الكامل.
وإذا كانت الدعوة موجودة في الأمة، وحياة النبي ﷺ ليست موجودة، فلا يكون في الدعوة فلاح ولا نجاة، ولا تنزل هداية ولا نصر، ولا يحصل تمكين ولا استخلاف، ولا تتحقق عزة ولا أمن.
وقد اجتهد النبي ﷺ على أصحابه حتى جاء فيهم أمران:
إقامة الدين في حياتهم .. وإقامة الدين في حياة الناس.
فكل مسلم مسؤول سوف يحاسبه الله على العمل الانفرادي، وهو العبادة، وعلى العمل الاجتماعي وهو الدعوة إلى الله، وسوف يسأل الله كلاً من الداعي والمدعو يوم القيامة عما كانوا يعملون في الدنيا.
١ - قال الله تعالى: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ (٦)
стр. 3222
فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ (٧) وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٨) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ (٩)﴾ ... [الأعراف: ٦ - ٩].
٢ - وقال الله تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)﴾ [العصر: ١ - ٣].
- جهد الداعي إلى الله:
ينقسم جهد الداعي إلى الله إلى قسمين:
الأول: جهد على النفس:
ويكون بحمل النفس على طاعة الله، والاستقامة على العبادة، والطاعة حتى الممات.
قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾ ... [العنكبوت: ٦٩].
الثاني: جهد على الغير، وهو ثلاثة أنواع:
١ - جهد على الكافر لعله يهتدي كما قال سبحانه: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (٣)﴾ ... [السجدة: ٣].
٢ - جهد على العاصي ليكون مطيعاً، وعلى الجاهل ليكون عالماً، وعلى الغافل ليكون ذاكراً، كما قال سبحانه: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤)﴾ [آل عمران: ١٠٤].
٣ - جهد على الصالح ليكون مصلحاً، وعلى العالم ليكون معلِّماً، وعلى الذاكر
стр. 3223
ليكون مذكِّراً.
١ - قال الله تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)﴾ [العصر: ١ - ٣].
٢ - وقال الله تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (٢١)﴾ ... [الغاشية: ٢١].
- أسباب الهداية:
دخل الناس في الإسلام في عهد النبي ﷺ متأثرين بأسباب كثيرة أهمها:
١ - حسن الأخلاق:
قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ ... [القلم: ٤].
٢ - الدعوة باللسان: كما دعا النبي ﷺ أبا بكر وخديجة وعلياً وغيرهم ﵃ فأسلموا.
قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣)﴾ [فصلت: ٣٣].
٣ - التعليم: كما أسلم بعض الصحابة في دار الأرقم بمكة، وكما أسلم أسيد بن حضير، وسعد بن معاذ في حلقة التعليم التي أقامها مصعب بن عمير في المدينة.
٤ - العبادة: كما أسلمت هند بنت عتبة لما رأت المسلمين يصلون عام الفتح في المسجد الحرام.
وكما أسلم ثمامة بن أثال الحنفي ﵁ في المسجد النبوي متأثراً بأخلاق النبي ﷺ وعبادته.
٥ - البذل والعطاء: كما أعطى النبي ﷺ عام الفتح صفوان بن أمية، ومعاوية بن
стр. 3224
أبي سفيان من الغنائم فأسلموا.
وكما أعطى النبي ﷺ رجلاً غنماً بين جبلين فأسلم، وبإسلامه أسلم قومه.
وغير ذلك من الأسباب التي جعلها الله أسباباً للهداية.
- أفضل الدعاة إلى الله:
القائمون بالدعوة ثلاثة أقسام:
الأول: مِن الناس مَنْ يقوم بالدعوة لأنه تأثر بأخلاق الدعاة إلى الله، وإذا حصل له مشكلة مع أحد الدعاة ترك الدعوة، وعادى الدعاة إلى الله.
فهذا صرفه الله لنقص مقصده.
الثاني: من يقوم بالدعوة لأنه وجد فيها حل مشاكله، وتحقيق رغباته، ولما حسنت أحواله، وزادت دنياه، انشغل بذلك عن الدعوة إلى الله.
فهذا صرفه الله؛ لأنه دخل في الدعوة بمقصد ناقص.
الثالث: من يقوم بالدعوة لأن فيها حسنات وأجوراً، فهو يريد تحصيل الأجور، فمقصده لنفسه فقط.
فهذا إذا وجد الحسنات في غير الدعوة أسهل وأيسر ترك الدعوة إلى الله.
الرابع: من يقوم بالدعوة إلى الله لأنها أَمْر الله الذي أوجبه على كل مسلم.
فهو يقوم بالعبادة لأنها أمر الله، ويقوم بالدعوة لأنها أمر الله.
فهذا مقصده كامل، وبسبب فهمه وكمال نيته يثبته الله ويعينه، ويفرِّغه لهداية البشرية، وتنفيذ أوامر الله، والدعوة إلى الله.
فهذا بأشرف المنازل وأعلاها، وهو خليفة النبي ﷺ في أمته، نسأل الله أن يجعلنا وإياكم من هذا القسم الذين هم ورثة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
стр. 3225
١ - قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣)﴾ [فصلت: ٣٣].
٢ - وقال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الأحزاب: ٢١].
- مراحل دعوة الأنبياء والرسل:
يمر كل داع إلى الله بأربع مراحل هي:
١ - فترة الدعوة: وفي هذه المرحلة يقوم الداعي بالدعوة إلى الله بين الناس، ويضحي في سبيل ذلك بنفسه، وماله، ووقته، وشهواته، وأهله، وبلده.
١ - قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ ... [العنكبوت: ٦٩].
٢ - وقال الله تعالى: ﴿لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأُولَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٨٨) أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٨٩)﴾ ... [التوبة: ٨٨ - ٨٩].
٢ - فترة التربية: وفي هذه الفترة يبتلي الله الداعي، ويربيه بما يصلحه، ليمتحن صبره وصدقه، وينشأ عنده الاستعداد لتحمل الشدائد، ورحمة الخلق، والتسليم الكامل للحق، فيبتلى بالخير والشر، والغنى والفقر، والأمن والخوف.
١ - قال الله تعالى: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (٣)﴾ ... [العنكبوت: ٢ - ٣].
٢ - وقال الله تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ (٣٥)﴾ [الأنبياء:
стр. 3226
٣٥].
٣ - وقال الله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (١٥٧)﴾ [البقرة: ١٥٥ - ١٥٧].
٣ - فترة ظهور النصرة: فإذا صبر الداعي على الابتلاء، وقام بالدعوة مع شدة الأحوال، وقلة المعين، وكثرة المعادين، كان الله معه يؤيده وينصره، ويستجيب دعاءه، ويدافع عنه، ويحفظه، ويخذل أعداءه.
١ - قال الله تعالى: ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٤٠)﴾ [التوبة: ٤٠].
٢ - وقال الله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (١١٠)﴾ [يوسف: ١١٠].
٤ - فترة العزة والتمكين: فإذا قام الداعي بالدعوة إلى الله، وقام بعبادة الله، وتحمَّل كل شيء من أجل الله، وبذل ما يملك في سبيل إعلاء كلمة الله.
فهذا إما من الأنبياء والرسل، أو من ورثة الأنبياء والرسل، يمكِّن الله له في الأرض، ويعزه في الدنيا، ويدخله الجنة في الآخرة.
١ - قال الله تعالى: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٤٠) الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا
стр. 3227
عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (٤١)﴾ [الحج: ٤٠ - ٤١].
٢ - وقال الله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٥٥)﴾ [النور: ٥٥].
٣ - وقال الله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٠٠)﴾ ... [التوبة: ١٠٠].
- سيرة الأنبياء وأتباعهم في الدعوة إلى الله:
١ - أعمال الأنبياء، وأخلاق الأنبياء، تؤخذ من سِيَرهم.
فالأنبياء قطعوا المسافات في سبيل الدعوة إلى الله .. واغبرت أقدامهم في سبيل الله .. وبذلوا أنفسهم وأموالهم في سبيل إعلاء كلمة الله .. وعرق جبينهم لإحياء أوامر الله .. وتشققت أقدامهم من أجل نصر دين الله.
لقد ابتُلوا في سبيل إيصال الحق إلى الناس .. وأُوذوا وهاجروا .. وأُخرجوا .. وقاتلوا وقُتلوا .. وزُلزلوا وطُردوا .. وشُتموا وعُيِّروا .. وكُذِّبوا واتُّهِموا .. وضُربوا .. فرحموا وصبروا حتى نصرهم الله، وأهلك أعداءهم.
١ - قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ (٣٤)﴾ ... [الأنعام: ٣٤].
٢ - وقال الله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (١١٠)﴾ [يوسف: ١١٠].
стр. 3228
٢ - والأنبياء، والرسل عليهم الصلاة والسلام كانوا يسيرون في الأرض، يذكرون الله ويعبدونه، ويَحْملون للناس التوحيد والإيمان والأعمال الصالحة، والأخلاق الحسنة.
وكانت أشواقهم إلى رؤية ربهم .. إلى رضوان الله .. إلى قصور الجنة .. إلى نعيم الجنة.
وقد جاهدوا، وصَدَقوا، وبلَّغوا، وصبروا، فرضي الله عنهم ورضوا عنه، وعقباهم الجنة، وهم قدوة كل داع إلى الله .
١ - قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا (٣٩)﴾ ... [الأحزاب: ٣٩].
٢ - وقال الله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٠٠)﴾ ... [التوبة: ١٠٠].
٣ - وقال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ ... [الأحزاب: ٢١].
٣ - جميع الأنبياء والمرسلين دعوا إلى لا إله إلا الله.
فدعوا الناس من الشرك إلى التوحيد .. ومن الكفر إلى الإيمان .. ومن اليقين على المخلوق إلى اليقين على الخالق .. ومن التعلق بالأموال والأشياء إلى الإيمان والأعمال الصالحة .. ومن عادات القبيلة إلى آداب الشريعة .. ومن طاعة النفس والشيطان إلى طاعة الله ورسوله .. ومن دار الفناء إلى دار البقاء.
فهذا عمل الأنبياء والرسل في الدعوة وتعليم الشريعة، فعلينا الاقتداء بهم في إيصال الحق إلى البشرية.
стр. 3229
١ - قال الله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ (٨٩)﴾ [الأنعام: ٨٩].
٢ - وقال الله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ (٩٠)﴾ ... [الأنعام: ٩٠].
- عوائق الداعي إلى الله:
يعرض لكل داع إلى الله عقبات تعوقه، أو تثبطه، أو تقطعه عن سيره إلى الله وإبلاغ دينه، فلا بد من معرفتها، ومعرفة علاجها، والحذر منها.
وهي خطوات الشيطان التي يسلكها ليضل الخلق عن الحق، ويصرفهم عن الدين.
١ - إذا قام المسلم بالدعوة إلى الله جاءه العدو الألد (اليأس) ففتت من همته، لما يراه من سعة مساحة الكفر والفساد، وكثرة العصاة والطغاة.
وعلاجه بقوله سبحانه: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (١٧)﴾ ... [الحديد: ١٧].
٢ - ثم يشن (حب الظهور) هجومه، فيهوي بضرباته على رأس الهمة، فتسقط على الأرض، فيحترق العمل؛ لفقده الإخلاص.
وعلاجه بقوله سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ﴾ ... [المائدة: ٨].
٣ - ثم يبرز إلى الميدان مفسد الأعمال، وهادم البنيان (داء الاستعجال) فتنقلب الأعمال على عقبيها، لعدم استوائها، ووضْعها في غير محلها.
وعلاج ذلك بقوله سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا
стр. 3230
وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٢٠٠)﴾ [آل عمران: ٢٠٠].
٤ - ثم يتصدى للدعوة (الرأي الشخصي المستبد) وعدم الشورى، فيبدد الأعمال، ويسبب رَفْع نصرة الله، وتمكين الأعداء من إذلال المسلمين.
وعلاج ذلك بقوله سبحانه: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ ... [الشورى: ٣٨].
٥ - ثم يبرز (الفكر في النفس فقط) فيهتم بنفسه، ويهمل غيره، فلا يتماسك له بناء، ولا تثمر له شجرة، وإنما خير الناس أنفعهم للناس.
وعلاج ذلك بقوله سبحانه: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢)﴾ ... [المائدة: ٢].
٦ - ثم يخرج إلى الساحة عدو آخر ماكر وهو (التقليد) فيجد الفرصة سانحة لتقليد الكسالى والقاعدين، وبه يقصم ظهر الهمة، فيكثر القاعدون، ويزيد الجهل، وتنبت البدع، وتختفي السنن.
وعلاجه بقوله سبحانه: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤١)﴾ [التوبة: ٤١].
٧ - ثم يلوح العدو الغدار وهو (التسويف) الناجم عن العجز والكسل، فيؤجل الأعمال الصالحة من اليوم إلى الغد، ثم ينسيه الشيطان إياها، ثم يشغله بضدها.
وعلاج ذلك بقوله سبحانه: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣)﴾ [آل عمران: ١٣٣].
٨ - ثم يدخل الساحة العدو الملحد وهو (التدخل فيما هو موكول أمره إلى الله) فيتهدم البنيان، ويسقط الأعلى على الأسفل، ويتأمر العبد على سيده.
٧ - أحكام المدعوين
- أقسام البشر:
ذكر الله في القرآن ثلاثة أجناس من البشر، وهم:
المؤمنون .. والكفار .. والمنافقون.
١ - فالمؤمنون يسعون لزيادة الإيمان والأعمال الصالحة، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ ... [الأنفال: ٢ - ٤].
فهؤلاء في أعلى المراتب، فلهم السعادة في الدنيا، والجنة في الآخرة.
٢ - والكفار يعملون لزيادة الكفر والمعاصي، والتمتع بالشهوات، كما قال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ (١٢)﴾ ... [محمد: ١٢].
فهؤلاء في أخس المراتب، ولهم جميعاً الشقاء في الدنيا، والنار في الآخرة.
٣ - والمنافقون، وهؤلاء أخطر من الكفار، فهم مع المسلمين بألسنتهم، ومع الكفار بقلوبهم، يكيدون للإسلام وأهله من الداخل، كما قال سبحانه: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٤)﴾ [المنافقون: ٤].
فهؤلاء في النار في أسفل سافلين، وفي الدنيا في شقاء ورعب، يحسبون كل
стр. 3233
صيحة عليهم.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (١٤٥)﴾ [النساء: ١٤٥].
والمطلوب أن يجتهد القسم الأول بالدعوة إلى الله على القسمين الآخرين.
- المعارضون للدعوة إلى الله:
ابتلى الله ﵎ عباده الذين يدعون إليه بثلاثة أصناف من الناس، وكل صنف له أتباع، وله من الكلام والمعاملة والدعوة ما يناسبه.
الأول: من عرف الحق فعاداه حسداً وبغياً كاليهود، أو عرف الحق وضل عنه كالنصارى، كما قال سبحانه: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٠٩)﴾ [البقرة: ١٠٩].
الثاني: الرؤساء وأهل الأموال، الذين فتنتهم دنياهم وشهواتهم، لما يعلمون أن الدين يقيدهم بأوامره، ويمنعهم من كثير مما أحبوه وأَلِفوه من المعاصي، كما قال سبحانه: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥٠)﴾ [القصص: ٥٠].
الثالث: الذين نشأوا في باطل وجدوا عليه أسلافهم، يظنون أنهم على حق وهم على باطل.
وهؤلاء هم الأكثرون كما قال سبحانه: ﴿إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ (٦٩) فَهُمْ عَلَى
آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ (٧٠)﴾ ... [الصافات: ٦٩ - ٧٠].
стр. 3234
وهؤلاء مقلدون: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ (١٧٠)﴾ ... [البقرة: ١٧٠].
- ميادين الدعوة إلى الله:
جميع طبقات البشرية محتاجون إلى الدعوة إلى الله:
١ - فالكفار والمشركون يُدعون إلى الدخول في الإسلام، والخروج من الكفر، ويُلحق بهم كل من فسد فكره من اليهود والنصارى وغيرهم.
٢ - والمبتدعة يُدعون إلى الله ببيان أحكام الدين الصحيحة، ليعبدوا الله على بصيرة، وحسن اتباع.
٣ - والعصاة ومن فسدت أخلاقهم يُدعون إلى الله بوعظهم بذكر عظمة الله ليعظموه، وذكر نعمه ليشكروه، وذكر سعة رحمته ليتوبوا إليه، وترغيبهم في الجنة ليطيعوه، وترهيبهم من النار حتى لا يعصوه.
٤ - وأهل العبادة محتاجون إلى الدعوة؛ ليزيد إيمانهم، ولتحسن أعمالهم، ولتتحرك نفوسهم لدعوة غيرهم، ليجمعوا بين الصلاح والإصلاح.
٥ - والعلماء محتاجون إلى الدعوة؛ ليعملوا بعلمهم، وينشروا علمهم بين الناس.
٦ - وعامة المسلمين يُدعون إلى الله؛ ليزيد إيمانهم، وتحسن أعمالهم، ويتوبوا من ذنوبهم.
فليس أحد يستغني عن الدعوة إلى الله، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والوعظ والتذكير، والنصح والإرشاد، لا المؤمن ولا الكافر، ولا المطيع ولا العاصي، ولا العالم ولا الجاهل.
وكلٌّ يدعو بحسب حاله .. وكلٌّ يُدعى بحسب حاله.
стр. 3235
١ - قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (١٥)﴾ [فاطر: ١٥].
٢ - وقال الله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٨)﴾ [يوسف: ١٠٨].
- أصناف المدعوين، وكيفية دعوتهم:
الناس مختلفون في الفكر والعمل، وبحسب اختلافهم تختلف أحكام دعوتهم وأمرهم بالمعروف، ونهيهم عن المنكر كما يلي:
١ - من عنده نقص في الإيمان، وجهل بالأحكام:
فهذا نصبر على جهله، وندعوه ونعلمه بالرفق واللين، ونرشده إلى الأحسن بلطف، كما فعل النبي ﷺ مع الأعرابي الذي بال في المسجد.
عَنْ أنَس بن مَالِكٍ ﵁ قال: بَيْنَمَا نَحْنُ فِي المَسْجِدِ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ إِذْ جَاءَ أعْرَابِيٌّ، فَقَامَ يَبُولُ فِي المَسْجِدِ، فَقَالَ أصْحَابُ رَسُولِ اللهِ ﷺ : مَهْ مَهْ. قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لا تُزْرِمُوهُ، دَعُوهُ». فَتَرَكُوهُ حَتَّى بَالَ، ثُمَّ إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ دَعَاهُ فَقَالَ لَهُ: «إِنَّ هَذِهِ المَسَاجِدَ لا تَصْلُحُ لِشَيْءٍ مِنْ هَذَا البَوْلِ وَلا القَذَرِ، إِنَّمَا هِيَ لِذِكْرِ اللهِ ، وَالصَّلاةِ، وَقِرَاءَةِ القُرْآنِ». أوْ كَمَا قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، قالَ: فَأمَرَ رَجُلاً مِنَ القَوْمِ، فَجَاءَ بِدَلْوٍ مِنْ مَاءٍ، فَشَنَّهُ عَلَيْهِ. متفق عليه (١).
٢ - من عنده نقص في الإيمان، وعلم بالأحكام:
فهذا يدعى إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، وتُضرب له الأمثال الحسية
٤ - من عنده قوة في الإيمان، وعلم بالأحكام:
فهذا ليس له عذر، فينكر عليه بقوة، ويعامل معاملة أشد مما سبق؛ لئلا يكون قدوة لغيره في المعصية، كما اعتزل النبي ﷺ الثلاثة الذين خُلِّفوا في غزوة تبوك خمسين ليلة، وأمر الناس بهجرهم لما تركوا الخروج مع الرسول والناس لغزوة تبوك مع كمال إيمانهم وعلمهم ولا عذر لهم، ثم تاب الله عليهم، وهم هلال بن أمية، وكعب بن مالك، ومرارة بن الربيع ﵃.
والقصة مفصلة في الصحيحين (١).
قال الله تعالى: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١١٨)﴾ ... [التوبة: ١١٨].
٥ - من عنده جهل بالإيمان، وجهل بالأحكام:
وهؤلاء هم أكثر الناس من الكفار في أنحاء الأرض.
فهؤلاء يُدعون إلى الإيمان بالله، ويُعَرَّفون بالله وأسمائه وصفاته، وسعة رحمته، وعظيم نعمه، ويُذَكَّرون بوعد الله ووعيده، ويُرَغَّبون في الجنة، ويُحَذَّرون من النار، فإذا استقر الإيمان في قلب أحدهم عَرَّفناه بالأحكام تدريجياً، الصلاة وما يلزم لها من الطهارة والوضوء، ثم الزكاة .. وهكذا.
١ - قال الله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ
وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩].
الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾ [النساء: ١١٥].
٢ - وقال الله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ (٦٨)﴾ [التوبة: ٦٨].
٣ - وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٨٥)﴾ ... [آل عمران: ٨٥].
٤ - وَعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، أنَّهُ قال: «وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لا يَسْمَعُ بِي أحَدٌ مِنْ هَذِهِ الأَمَّةِ يَهُودِيٌّ وَلا نَصْرَانِيٌّ، ثُمَّ يَمُوتُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِي أرْسِلْتُ بِهِ، إِلا كَانَ مِنْ أصْحَابِ النَّارِ». أخرجه مسلم (١).
- أحوال الناس بعد الدعوة:
الناس بعد الدعوة إلى الله إما أن يؤمنوا أو لا يؤمنوا:
١ - فمن آمن بالله امتحنه الله ، وابتلاه بالسراء والضراء، ويعاديه الناس ويؤذونه؛ ليتبين الصادق من الكاذب، والمؤمن من المنافق.
قال الله تعالى: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (٣)﴾ ... [العنكبوت: ٢ - ٣].
٢ - من لم يؤمن يعاقبه الله بما يؤلمه أعظم وأدوم.
فلا بد من حصول الألم لكل نفس، سواء آمنت أو كفرت، لكن المؤمن يحصل له الألم في البداية، ثم تكون له العاقبة الحميدة في الدنيا والآخرة.
والكافر تحصل له السعادة الوهمية في البداية، ثم تكون له العاقبة السيئة في
стр. 3240
الدنيا، ثم يصير إلى الألم المؤبد في النار في الآخرة.
١ - قال الله تعالى: ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ (١٩٦) مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (١٩٧)﴾ ... [آل عمران: ١٩٦ - ١٩٧].
٢ - وقال الله تعالى: ﴿فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ (٥٥)﴾ [التوبة: ٥٥].
стр. 3241
٨ - أصول من دعوة الأنبياء والرسل
هذه أصول من دعوة الأنبياء والرسل، ليقتدي بها كل داع إلى الله :
- الدعوة إلى التوحيد والإيمان بالله وعبادته وحده لا شريك له:
١ - قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥)﴾ ... [الأنبياء: ٢٥].
٢ - وقال الله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾ [الإخلاص: ١ - ٤].
٣ - وقال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ ... [النحل: ٣٦].
- إبلاغ دين الله إلى الناس، والنصح لهم:
١ - قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا (٣٩)﴾ ... [الأحزاب: ٣٩].
٢ - وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (٦٧)﴾ [المائدة: ٦٧].
٣ - وقال الله تعالى: ﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٥٢)﴾ [إبراهيم: ٥٢].
- دعوة الناس وغشيانهم في المدن والقرى والبيوت والأسواق:
١ - قال الله تعالى: ﴿اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي (٤٢) اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ