٤ - عموم دين الإسلام
- الإسلام دين البشرية إلى يوم القيامة:
الإسلام هو دين الله للأولين والآخرين، امتن الله به على خلقه أجمعين، وجعله رحمة للعالمين، وبعث به رسله أجمعين، وأكمله على يد سيد المرسلين، وخاتم النبيين محمد ﷺ ، وشرَّف أمته بالعمل به، والدعوة إليه إلى يوم الدين.
١ - فالله رب الناس، وليس لهم رب سواه، والله مَلِك الناس، وليس لهم مَلِك سواه، والله إله الناس، وليس لهم إله سواه.
قال الله تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١) مَلِكِ النَّاسِ (٢) إِلَهِ النَّاسِ (٣) مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ (٤) الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (٥) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ (٦)﴾ [الناس: ١ - ٦].
٢ - أنزل الله القرآن هدىً للناس.
قال الله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ ... [البقرة: ١٨٥].
٣ - أرسل الله رسوله محمداً ﷺ كافة للناس.
قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٢٨)﴾ ... [سبأ: ٢٨].
٤ - جعل الله الكعبة أول بيت وضع للناس.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ (٩٦)﴾
стр. 3188
[آل عمران: ٩٦].
٥ - اصطفى الله هذه الأمة وجعلها خير أمة أخرجت للناس.
قال الله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ ... [آل عمران: ١١٠].
٦ - الله رب العالمين، أرسل رسوله محمداً ﷺ رحمة للعالمين.
١ - قال الله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾ [الفاتحة: ٢].
٢ - وقال الله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا (١)﴾ [الفرقان:١].
٧ - شرَّف الله هذه الأمة بالدعوة إلى هذا الدين العظيم إلى يوم القيامة.
١ - قال الله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٨)﴾ ... [يوسف: ١٠٨].
٢ - وقال الله تعالى: ﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٥٢)﴾ [إبراهيم: ٥٢].
٨ - أول نداء في القرآن موجه لكل الناس ليؤمنوا بالله ويعبدوه وحده.
قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١)﴾ [البقرة: ٢١].
٩ - هذه الأمة واحدة، وربها واحد، ودينها واحد لا يقبل الله غيره.
١ - قال الله تعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ (٩٢)﴾ [الأنبياء: ٩٢].
٢ - وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا
- بقاء الإسلام إلى يوم القيامة:
الإسلام باق إلى يوم القيامة، فقد أنزل الله القرآن، وتكفل بحفظه، تقوم به في الحياة الدنيا الطائفة المنصورة، حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون.
١ - قال الله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ ... [الحجر: ٩].
٢ - وقال الله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (٤١) لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (٤٢)﴾ ... [فصلت: ٤١ - ٤٢].
٣ - وَعَنْ مُعَاوِيَةَ ﵁ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: «لاَ تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمّتِي قَائِمَةً بِأَمْرِ اللهِ، لاَ يَضُرّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ أَوْ خَالَفَهُمْ، حَتّىَ يَأْتِيَ أَمْرُ اللهِ وَهُمْ ظَاهِرُونَ عَلَى النّاسِ». متفق عليه (١).
стр. 3191
٥ - أحكام الدعوة إلى الله
- أهمية الدعوة إلى الله:
حاجة الأمة للدين كحاجة الجسد إلى الروح، فكما أنه إذا خرجت الروح فسد الجسد، فكذلك الأمة إذا فقدت الدين فسدت دنياهم وأخراهم، وبقدر حجم الجسد ينتشر الفساد والنتن في العالم.
والإنسان بلا دين كالعلبة الفارغة لا قيمة له.
وإذا حُرِم الناس من الدين الحق صاروا كالحيوانات يرتعون في الشهوات، وكالسباع في الفساد، وكالشياطين في الشر والمكر والكيد.
ولهذا احتفى الله بهذا الإنسان، وكرمه على غيره فخلقه بيده، ونفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته، وزوده بآلات العلم وهي السمع والبصر والعقل، وجعله خليفة في الأرض.
ورغَّب المسلم ليدعو غير المسلم ليكون مسلماً، ليكون الدين كله لله، وليعبد الناس كلهم ربهم وحده لا شريك له.
ومن أجل أهمية الدعوة إلى الله فصَّلها الله في القرآن الكريم تفصيلاً وافياً كاملاً.
ففصَّل سيرة الأنبياء في الدعوة إلى الله على مر القرون، وذَكَر قصص الأنبياء مع أقوامهم بالتفصيل، فذكر قصة نوح، وهود، وصالح، وإبراهيم، وإسماعيل، وموسى، وعيسى، وداود، وسليمان، ولوط، وشعيب، ويوسف وغيرهم صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.
стр. 3192
والدعوة أم الأعمال، ولأهيمة الدعوة لم يفصِّل الله عبادات الأنبياء، لا صلاة إبراهيم ﷺ ، ولا حج آدم ﷺ ، ولا صيام داود ﷺ ، لكنه أخبر بها إجمالاً.
فالله سبحانه لم يبين كيفية عبادة نبي واحد في القرآن، ولكنه بيَّن في القرآن بالتفصيل دعوة الأنبياء إلى الله، وذكر سيرتهم وجهدهم في إبلاغ دين الله إلى الناس؛ وذلك لأن هذه الأمة مبعوثة بالدعوة إلى الله، وقدوتها الأنبياء والرسل، لتسير على هديهم في إبلاغ دين الله إلى الناس كافة إلى يوم القيامة.
١ - قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢)﴾ [الجمعة: ٢].
٢ - وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣)﴾ [فصلت: ٣٣].
٣ - وقال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (٣٦)﴾ [النحل: ٣٦].
- منزلة الدعوة إلى الله:
الدعوة إلى الله يتحقق بها مقصود الله من خلقه، وهو عبادة الله وحده لا شريك له.
فالدعوة أم الأعمال، وبها تحيا الفرائض والسنن والآداب، وبها يحيا الدين كله في العالم كله، فالدعوة إلى الله أعظم الوظائف، والعبادة أعظم الأعمال.
ووظيفة الدعوة إلى الله كوظيفة الملك، وبقية الوظائف كوظيفة مَنْ دونه من
العمال والخدم.
стр. 3193
وكثير من الناس اشتغل بوظيفة الخدم، وترك وظيفة الأنبياء والمرسلين من الدعوة إلى الله، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والنصح لكل مسلم.
قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣)﴾ [فصلت: ٣٣].
- حكم الدعوة إلى الله:
الدعوة إلى الله واجبة على كل مسلم ومسلمة، كلٌّ بحسب علمه وقدرته، ليكون الدين كله لله، وتكون كلمة الله هي العليا.
فهي مسؤولية الأمة جميعاً، وهي كذلك حاجة الأمة جميعاً؛ لأن الدعوة من أعظم أسباب الهداية، وزيادة الإيمان، وكثرة الأعمال.
١ - قال الله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٨)﴾ ... [يوسف: ١٠٨].
٢ - وقال الله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (١٢٥)﴾ [النحل: ١٢٥].
٣ - قال الله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤)﴾ ... [آل عمران: ١٠٤].
٤ - وَعَنْ أبِي بَكْرَةَ ﵁ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ فِي حِجةِ الوَداعِ: « .. إنَّ دِمَاءَكُمْ، وَأمْوَالَكُمْ، وَأعْرَاضَكُمْ، بَيْنَكُمْ حَرَامٌ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، لِيُبَلِّغ الشَّاهِدُ الغَائِبَ، فَإنَّ الشَّاهِدَ عَسَى أنْ
يُبَلِّغَ مَنْ هُوَ أوْعَى لَهُ مِنْهُ». متفق عليه (١).
стр. 3194
٥ - وَعَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ عَمْرو ﵄ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً، وَحَدِّثُوا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلا حَرَجَ، وَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّداً فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ». أخرجه البخاري (١).
- تقرير وجوب الدعوة إلى الله:
١ - قال الله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٨)﴾ [يوسف: ١٠٨].
فهذا النص عام مطلق في الزمان ليلاً ونهاراً .. ومطلق في المكان شرقاً وغرباً وشمالاً وجنوباً .. ومطلق في الجنس العرب والعجم .. ومطلق في النوع الرجال والنساء .. ومطلق في السن الكبار والصغار .. ومطلق في اللون الأبيض والأسود .. ومطلق في الطبقات السادة والعبيد، والأغنياء والفقراء.
٢ - قال الله تعالى: ﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٥٢)﴾ [إبراهيم: ٥٢].
فالدعوة لهؤلاء الناس واجبة؛ لأن هذا الدين لكل الناس، والدعوة من هؤلاء إذا أسلموا واجبة؛ لأنهم من أمة محمد ﷺ وأتباعه.
٣ - على كل أحد مسؤولية نشر الدين كلٌّ بحسبه، وأقل نصاب الدعوة حِفظ آية أو سنة، فمن حفظها لزمه إبلاغها.
٤ - المسلمون قسمان:
١ - عالم يبين الحق بنفسه، ويدعو الناس إلى اتباعه، كما قال مؤمن آل فرعون:
﴿وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَاقَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ (٣٨) يَاقَوْمِ إِنَّمَا
стр. 3195
هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ (٣٩)﴾ [غافر: ٣٨ - ٣٩].
٢ - مسلم لكنه غير عالم، فهذا يدعو الناس إلى اتباع الرسل والعلماء، كما قال الله عزوجل عن صاحب يس: ﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَاقَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (٢٠) اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٢١)﴾ [يس: ٢٠ - ٢١].
فالكل يقوم بالدعوة إلى الله:
العالم يبين الحق بنفسه، وغير العالم يرشد الناس إلى اتباع الرسل والعلماء الذين هم أعرف الخلق بالله.
٥ - الدعوة واجبة على كل أحد كلٌّ بحسبه؛ لأنها أَمْر الله، كما أن الصلاة واجبة على كل أحد؛ لأنها أمر الله.
وكانت العبادة والدعوة في زمن النبي ﷺ واجبة على كل الأمة، ثم صارت العبادة على الأمة، والدعوة على بعض أفراد الأمة، فضعفت العبادة، وبدأ الناس يخرجون من الدين، ولا يُصلح آخر هذه الأمة إلا بما صَلُح به أولها.
فالعبادة والدعوة أمران واجبان على كل واحد من هذه الأمة بعينه:
١ - قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧)﴾ [الحج: ٧٧].
٢ - وقال الله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (١٢٥)﴾ [النحل: ١٢٥].
٦ - الدعوة إلى الله مسؤولية كل الأمة، وحاجة كل فرد من الأمة، فبها تحصل الهداية، ويزيد الإيمان، ويزيد المؤمنون.
стр. 3196
قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾ ... [العنكبوت: ٦٩].
٧ - أمر الله المسلمين جميعاً بالاقتداء بالرسول ﷺ في جميع أحواله في الدعوة والعبادة والأخلاق وغيرها.
١ - قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ ... [الأحزاب: ٢١].
٢ - وقال الله تعالى: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨)﴾ [الأعراف: ١٥٨].
٨ - الله سبحانه اجتبي هذه الأمة من بين الأمم، وتوَّجها بتاج الأنبياء، وهو الدعوة إلى الله، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر.
قال الله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ (١١٠)﴾ ... [آل عمران: ١١٠].
٩ - هناك فاصل زمني بين الإيمان ونزول الأحكام، وليس هناك فاصل بين الإيمان والدعوة إلى الله؛ لأن هذه الأمة مبعوثة كالأنبياء للدعوة إلى الله، وقد قام أوائل الصحابة ﵃ بالدعوة من أول يوم، وكان كل نبي يعلِّم أمته الإيمان ثم الأحكام، وأمر الله محمداً ﷺ أن يعلِّم أمته الإيمان، ثم
الدعوة، ثم الأحكام التي نزلت في المدينة؛ لأن هذه الأمة مبعوثة كالأنبياء.
١٠ - الله وكَّلنا بنشر الحق في العالم، كما وكَّل الشمس بالإنارة، ووكَّل
стр. 3197
السحب بتوزيع الماء، ووكَّل الأرض بالإنبات.
وهذه الثلاثة أدت الأمانة، فاستقامت الحياة الدنيا للخلق.
ونحن إذا أدينا أمانة الدعوة إلى الله للبشرية استقامت دنياهم وأخراهم.
فالنور للعالم كله، والماء للعالم كله، والنبات للعالم كله، والحق للعالم كله، والقرآن للعالم كله، والإسلام للعالم كله.
قال الله تعالى: ﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٥٢)﴾ [إبراهيم: ٥٢].
- فضائل الدعوة إلى الله:
١ - قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣)﴾ [فصلت: ٣٣].
٢ - وقال الله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤)﴾ ... [آل عمران: ١٠٤].
٣ - وقال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾ ... [العنكبوت: ٦٩].
٤ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ دَعَا إِلَى هُدىً كَانَ لَهُ مِنَ الأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ تَبِعَهُ، لاَ يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئاً، وَمَنْ دَعَا إِلَى ضَلاَلَةٍ، كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الإِثْمِ مِثْلُ آثَامِ مَنْ تَبِعَهُ لاَ يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ آثَامِهِمْ
شَيْئاً». أخرجه مسلم (١).
٥ - وَعَنْ سَهْل بن سَعْدٍ ﵁ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ لِعَلِيِّ بْنِ أبِي طَالِبٍ
стр. 3198
يَوْمَ خَيْبَرَ: «انْفُذْ عَلَى رِسْلِكَ حَتَّى تَنْزِلَ بِسَاحَتِهِمْ، ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى الإِسْلامِ، وَأخْبِرْهُمْ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ مِنْ حَقِّ اللهِ فِيهِ، فَوَاللهِ لأنْ يَهْدِيَ اللهُ بِكَ رَجُلاً وَاحِداً، خَيْرٌ لَكَ مِنْ أنْ يَكُونَ لَكَ حُمْرُ النَّعَمِ». متفق عليه (١).
- ثمار الدعوة إلى الله:
يكرم الله كل من يقوم بالدعوة إلى الله على طريقة النبي ﷺ بالأجور العظيمة، والثمار الكبيرة، فبسبب الدعوة تحصل للداعي الهداية والاستقامة، وزيادة الإيمان، وزيادة العمل الصالح، وحسن العمل، وتنوع العمل، وكثرة العمل، وكمال اليقين، ويحصل للداعي من الأجر بقدر مَنْ دعاه من الناس، وله مثل أجر من اهتدى بسببه.
ويكرم الله كل داع إلى الله بأمور، منها:
أن الله يعزه وإن لم تكن عنده أسباب العزة كما أعز بلالاً وسلمان ﵄.
ويجعل الله أعمال الدين كلها محبوبة لديه، يقوم بها، ويدعو إليها.
ويجعل الله له محبة في قلوب الخلق وهيبة وإجلالاً.
ويطوي بساط الباطل من حوله، ويؤيده بنُصرة غيبية من عنده، ويستجيب دعاءه، ويرزقه الجنة في الآخرة.
فالدعوة إلى الله جمعت المحاسن كلها، والأجور كلها، والفضائل كلها.
ولأهمية الدعوة إلى الله قام الله بها، وشرَّف رسله بالقيام بها، وامتن على هذه الأمة حين كلفهم بها.
стр. 3199
١ - قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢٥)﴾ [يونس: ٢٥].
٢ - وقال الله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٨)﴾ [يوسف: ١٠٨].
٣ - وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣)﴾ [فصلت: ٣٣].
- أصول الدعوة إلى الله:
كما أن للعبادة أصولاً فكذلك للدعوة أصول أهمها:
١ - إخلاص العمل لله، والدعوة إلى الله على طريقة رسوله ﷺ .
٢ - دعوة الناس جميعاً إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، مع حسن القول، وحسن العمل، وإنزال الناس منازلهم.
٣ - دعوة الناس إلى الإسلام في كل مكان، في المدن والقرى والأسواق والبيوت وغيرها.
٤ - القيام بالدعوة إلى الله في كل وقت من ليل أو نهار، فالعبادة كالصلاة والصيام لها أوقات، لكن الدعوة مشروعة في كل وقت، وفي كل مكان.
٥ - القيام بالدعوة في جميع الأحوال، حال الأمن والخوف، وحال الشدة والرخاء، وحال الغنى والفقر .. وهكذا.
٦ - عدم أخذ الأجر على الدعوة؛ لأن أجر الداعي على الله.
٧ - نقوم بالدعوة بصفة الإحسان، ولا نسأل الناس أجراً، كالشمس طبعها النور والعموم وتنير للناس بلا أجر.
стр. 3200
٨ - يكون الداعي قدوة حسنة للناس في سيرته وسريرته وصورته.
٩ - عرض الدين على الناس بالرفق واللين والرحمة والتواضع، مع الدعاء لهم بالهداية، وعدم احتقار أحد من الناس، ونتحمل منهم كل أذى في سبيل الله.
ومن أعظم أصول الدعوة:
دعوة الناس إلى التوحيد والإيمان وعبادة الله وحده لا شريك له، ونفي تأثير المشاهدات، وتصديق الغيبيات، ونفي المخلوق، وإثبات الخالق، وتجاوز الخلق إلى الخالق، والصور إلى المصور.
ونفي جميع الطرق، وإثبات طريقة النبي ﷺ في جميع الأحوال.
وتوجيه الناس من الدنيا إلى الآخرة .. ومن العادات إلى السنن النبوية .. ومن تكميل الأموال والشهوات إلى تكميل الأيمان والأعمال الصالحة .. ومن محبوبات النفس إلى محبوبات الرب .. ومن جهد غير الرسول إلى جهد الرسول ﷺ .
وإذا قام الإنسان بالدعوة إلى الله بهذه الأصول تعرض للابتلاء والأذى، فعليه أن يصبر ويعفو ويستغفر، ويلين ولا يكون فظاً غليظاً؛ لئلا ينفِّر الناس.
١ - قال الله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (١٢٥)﴾ ... [النحل: ١٢٥].
٢ - وقال الله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (١٥٩)﴾ ... [آل عمران: ١٥٩].
٣ - وقال الله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا
стр. 3201
يُوقِنُونَ (٦٠)﴾ [الروم: ٦٠].
- حكمة بعثة الأنبياء والرسل:
بعث الله الأنبياء والرسل بثلاثة أشياء:
بالدعوة إلى الله .. وتعريف الطريق الموصل إليه، وبيان ما للناس بعد القدوم عليه.
فالأول بيان التوحيد والإيمان .. والثاني بيان أحكام الشرع.
والثالث بيان اليوم الآخر وما فيه من الثواب والعقاب، والجنة والنار.
١ - الدعوة إلى الله تكون أولاً بتعريف الناس بالله وأسمائه وصفاته وأفعاله، وكمال عظمته وقدرته، وجميل إحسانه إلى خلقه.
فنبين للناس أن الله هو العظيم وحده ليعظموه، وأنه الكبير وحده ليكبروه، وأنه القوي وحده ليخافوه، وأنه الكريم وحده ليحبوه، وأنه المعطي وحده ليسألوه، وأن خزائنه مملؤة ليقفوا ببابه وحده .. وهكذا.
ونبين أنه سبحانه هو الخالق وحده وما سواه مخلوق، وهو المالك وما سواه مملوك، وهو الرازق وما سواه مرزوق، وهو الغني وما سواه فقير إليه .. وهكذا.
ونبين أن الله وحده بيده كل شيء، وكل ما سواه ليس بيده شيء، له الخلق
والأمر، وله الملك والحمد، وهو على كل شيء قدير.
ونبين للناس أن الله وحده هو المستحق للعبادة وحده دون سواه.
وإذا عرف الناس كمال أسماء الله وصفاته، وكمال عظمته وقدرته، وسعة رحمته وعلمه، وعظمة آياته ومخلوقاته، وجزيل نعمه، آمنوا بالله وعظموه
стр. 3202
وأحبوه وأقبلوا على طاعته وعبادته.
ثم نبين بقية أركان الإيمان كالإيمان بالملائكة والكتب والرسل ليقوى التصديق بالغيب.
فهذه أول المراتب وأعظمها وأحسنها، وأعلاها.
١ - قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣)﴾ [فصلت: ٣٣].
٢ - وقال الله تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (٢٢) هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٢٣) هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٤)﴾ [الحشر: ٢٢ - ٢٤].
٣ - وقال الله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩].
٢ - ثم يلي الدعوة إلى الله الدعوة لبيان اليوم الآخر وما فيه من البعث والحشر، والصراط والميزان، والجنة والنار؛ ليرغَب الناس في الإيمان والطاعات، ويتركوا الكفر والمعاصي، ويتنافسوا في الأعمال الصالحة.
١ - قال الله تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ (١٤) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ (١٥) وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ فَأُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ (١٦)﴾ [الروم: ١٤ - ١٦].
٢ - وقال الله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ
стр. 3203
أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٧٢)﴾ ... [التوبة: ٧٢].
٣ - وقال الله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ (٦٨)﴾ ... [التوبة: ٦٨].
٣ - ثم يلي ذلك الدعوة لبيان أحكام الدين وشرائعه، ببيان الحلال والحرام، والواجبات والسنن، والعبادات والمعاملات، والحقوق والحدود.
وهذا كان هدي النبي ﷺ في الدعوة.
ففي مكة كانت الدعوة إلى الله وإلى اليوم الآخر، ومكارم الأخلاق، وبيان أحوال الرسل مع أممهم.
وفي المدينة أكمل الله الدين بالأحكام الشرعية، فتقبَّلها من آمن بالله واليوم الآخر، وشَرِق بها الكافر والمنافق، ثم دخل الناس في دين الله أفواجاً، وكمل الدين.
١ - قال الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ ... [المائدة: ٣].
٢ - وقال الله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (٢) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا (٣)﴾ [النصر:١ - ٣].
- كيفية الدعوة إلى الله:
يَعْرض الداعي نفسه على الناس وما يحمله من الحق بما يلي:
الهدوء والتدرج .. والتيسير والتبشير .. والرفق واللين .. والمحبة والرحمة .. والبساطة والإلفة .. والدعوة والدعاء .. وطلب رضا الله .. والعزة والتواضع ..
стр. 3204
والصبر والحلم .. وحسن الظن، لأن سوء الظن يولِّد تسعة أضرار كلها شرور، وهي التجسس، ثم التحسس، ثم الغيبة، ثم النميمة، ثم الشحناء، ثم البغضاء، ثم التقاطع، ثم التدابر.
ونؤلف قلوب الناس بالثناء عليهم، وذكر محاسنهم، وإنزالهم منازلهم، ونحترمهم ونوقرهم، ونكرمهم ونهدي إليهم ما يحبون مما أحل الله.
وبذلك يحبوننا، ويسمعون كلامنا، ويتأثرون بحسن أخلاقنا، ويرغبون في ديننا، ويدخلون في رحمة الله.
ثم نبين لهم عظمة الله، وعظمة أسمائه وصفاته ليعظموه.
ثم نبين كثرة نعمه، وجميل إحسانه إلى عباده، خاصة بهذا الدين؛ ليشكروه ويطيعوه ليزيدهم من فضله.
ثم نطلب منهم توحيد الله بالعبادة والخَلْق والأسماء والصفات، وتوحيد الرسول ﷺ بالاتباع، فلا معبود بحق إلا الله، ولا متبوع بحق إلا رسول الله ﷺ .
ثم نبين حاجة الناس إلى ربهم، وحاجتهم للدين، ليسعدوا في الدنيا والآخرة.
ثم نبين فضائل الإيمان، وفضائل الأخلاق، وفضائل الأعمال الصالحة.
ثم نبين لهم ما أعد الله للمؤمنين من الجنة وما فيها من النعيم المقيم، وما أعد الله للكفار من النار وما فيها من العذاب.
وإذا عرف الناس ذلك جاءت عندهم الرغبة في الدين، والعمل بالدين، والدعوة إلى الدين، وهان عليهم الصبر على ذلك.
стр. 3205
ونبذل كل ما نملك من أجل نشر الدين، وإعلاء كلمة الله، فنضحي من أجل نشر الحق بأنفسنا، وأموالنا، وأوقاتنا، وأهلنا، وديارنا، وشهواتنا، وبكل ما نملك كما فعل ذلك النبي ﷺ وأصحابه حتى أظهر الله دينه، وبذلك نحصل على رضوان الله، والسعادة في الدنيا، والجنة في الآخرة.
١ - قال الله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٠٠)﴾ ... [التوبة: ١٠٠].
٢ - وقال الله تعالى: ﴿لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأُولَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٨٨) أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٨٩)﴾ [التوبة: ٨٨ - ٨٩].
٣ - وقال الله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (١٥٩)﴾ [آل عمران: ١٥٩].
٤ - وقال الله تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ ... [الأنعام: ١٠٢].
٥ - وقال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ ... [الأحزاب: ٢١].
- وقت الدعوة إلى الله:
الإسلام دين كامل جاء بتنظيم الأفكار والأعمال والأوقات.
فكل عبادة لها وقت ومناسبة، ولها بداية ونهاية كالصلاة والصيام والحج ونحوها.
стр. 3206
أما الدعوة إلى الله ففي كل وقت، وفي كل حال، وفي كل مكان.
فعلى المسلم أن يقضي وقته على الكيفية التي قضاها رسول اللهِ ﷺ ليكون من أتباعه كما فعل الصحابة ﵃.
فيؤدي فرائض الله، ويمتثل أمر ربه في كل حال، ويصرف جزءاً يسيراً من وقته في أمور الكسب والمعاش، ويصرف جلّ وقته في الدعوة على الله، كي يعبد الناس ربهم وحده لا شريك له.
فإذا فرغ أو لم يتيسر له من يدعوه تزوَّد من العلم، أو علَّم غيره من المسلمين أحكام الدين، ليتعلم ويرفع الجهل عنه وعن غيره.
فإذا فرغ أو لم يتيسر له من يعلِّمه أو يتعلم منه، اشتغل بخدمة إخوانه المسلمين، وقضاء حاجاتهم، والإحسان إلى الخلق، والتعاون على البر والتقوى.
فإذا فرغ أو لم يتيسر له أن يقوم بذلك اشتغل بنوافل العبادات كالسنن المطلقة والأذكار وتلاوة القرآن ونحوها من القُرَب والأعمال الصالحة.
ويُقدِّم في كل حال ما نفعه أعم للمسلمين وغيرهم في كل حال.
فالمسلم دائم العمل في إصلاح نفسه وإصلاح غيره.
١ - قال الله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ
اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٨)﴾ [يوسف: ١٠٨].
٢ - وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا (١٠٣)﴾ ... [النساء: ١٠٣].
٣ - وقال الله تعالى: ﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩)﴾ [آل عمران: ٧٩].
стр. 3207
٤ - وقال الله تعالى: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (٧٧)﴾ [القصص: ٧٧].
٥ - وقال الله تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)﴾ [العصر: ١ - ٣].
- عقوبة ترك الدعوة إلى الله:
الدعوة إلى الله أعظم الوظائف، وفي تركها أعظم العقوبات.
١ - عقوبات ترك الدعوة كثيرة، ومنها:
١ - الاستبدال:
قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ (٣٨)﴾ ... [محمد: ٣٨].
٢ - اللعن والحرمان من رحمة الله:
قال الله تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (٧٨) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٧٩)﴾ ... [المائدة:
٧٨ - ٧٩].
٣ - العداوة والبغضاء:
قال الله تعالى: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (١٤)﴾ [للمائدة: ١٤].
стр. 3208
٤ - التدمير والهلاك:
قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (٤٤) فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٥)﴾ ... [الأنعام: ٤٤ - ٤٥].
٥ - الفرقة والخلاف والعذاب في الدنيا والآخرة:
قال الله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠٥)﴾ [آل عمران: ١٠٤ - ١٠٥].
٢ - وإذا تركت الأمة الدعوة إلى الله أصابها ثلاث آفات:
الأولى: العناية بالدنيا، وإهمال الآخرة.
الثانية: صرف الأموال والأوقات والأفكار في غير مصلحة الدين.
الثالثة: الاقتداء بالكفار في طريقة الحياة، والتعلم لديهم، لنقل طريقة حياتهم إلى بلاد المسلمين.
٣ - إذا قامت الدعوة إلى الله فُتحت أبواب الخير كلها، فيدخل الإيمان والأعمال الصالحة في حياة الناس، وتدخل الأخلاق الحسنة من الصبر والعفو
والإحسان والرحمة في حياتهم، ويدخل الكفار في الدين، ويدخل العصاة في الطاعات.
وإذا لم نقم بالدعوة إلى الله فُتحت أبواب الشر كلها، ودخل كل شر، وخرج كل خير.
وإذا خرج الإيمان والعمل الصالح والأخلاق الحسنة، دخل مكانها الكفر
стр. 3209
والعمل الفاسد، والأخلاق السيئة، ثم في النهاية يخرج الناس من دين الله أفواجاً، كما دخلوه أفواجاً، سنة الله ولن تجد لسنة الله تبديلاً.
١ - قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٩٦)﴾ ... [الأعراف: ٩٦].
٢ - وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ (١٠٠) وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٠١)﴾ [آل عمران: ١٠٠ - ١٠١].
٣ - وقال الله تعالى: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (١٢٣)﴾ [النساء: ١٢٣].
- نواقض الدعوة:
كما أن للإسلام نواقض، فكذلك للدعوة نواقض منها:
الرياء وعدم الإخلاص .. وأكل الدنيا بالدين .. وبيع كلام الله ورسوله بالأجرة .. والدعوة إلى النفس وحب الشهرة .. والدعوة إلى حمية الجاهلية والعصبية كمن يدعو إلى حزب أو طائفة أو جماعة ولا يقبل الدعوة من غيره، والله أمرنا أن ندعو إليه، ولا ندعو إلى غيره.
وكل من ترك أصول الدعوة، ودعا على هواه، ابتلي بآفات كثيرة منها:
تزكية النفس .. والعجب والكبر .. والحرص على الجاه والمنصب .. واحتقار الآخرين .. والنظر في عيوب الدعاة إلى الله .. والإنفاق على شهواته، وترك الإنفاق على الدين .. وثقلت عليه الفرائض والأعمال الصالحة .. وتوسع في المباحات .. وهانت عليه إضاعة الأوقات في الجدل والشهوات.
стр. 3210
١ - قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣)﴾ [فصلت: ٣٣].
٢ - وقال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (٤٤) فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٥)﴾ [الأنعام: ٤٤ - ٤٥].
- مراتب الدعوة إلى الله:
جعل الله سبحانه مراتب الدعوة بحسب مراتب الخلق.
والناس ثلاثة أقسام:
الأول: من إذا عُرض عليه الحق اعترف به واتبعه.
فهذا يدعى بالحكمة بحسن بيان الحق، ومقاصد الشرع، وسماحة الإسلام.
الثاني: من إذا سمع الحق اعترف به، لكنه لا يسرع لقبوله والعمل به.
فهذا يحتاج مع البيان إلى الموعظة الحسنة، بالتذكير بفضل الله على عباده، والترغيب في الجنة، والتحذير من النار، ليعلم ثواب الطاعات فيُقبل عليها، ويعلم عقوبة المعاصي فيحذر منها، وينشرح صدره للعمل الصالح.
الثالث: من إذا عُرض عليه الحق لا يعترف به، ولا يقبله، بل يرده بالشبهات.
فهذا يجادَل بالتي هي أحسن، وتُضرب له الأمثلة الحسية والعقلية حتى يقتنع، وتزول شبهته.
وقد بين الله ذلك كله بقوله سبحانه: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (١٢٥)﴾ [النحل: ١٢٥].
стр. 3211
- مراحل الدعوة إلى الله:
مرت دعوة النبي ﷺ إلى الإسلام بثلاث مراحل:
الأولى: مرحلة النشر والبلاغ:
وفي هذه المرحلة دعا النبي ﷺ إلى التوحيد والإيمان، وعبادة الله وحده لا شريك له، وترك عبادة الأوثان، وبيان قصص الأنبياء مع أممهم، وذكر أحوال اليوم الآخر، وصفة الجنة والنار، والدعوة إلى مكارم الأخلاق، وفضائل الأعمال.
وقد بدأت هذه المرحلة في مكة، واستمرت إلى أن توفي النبي ﷺ في المدينة، ثم سار عليها أصحابه ﵃ من بعده.
الثانية: مرحلة البناء والتكوين:
وفي هذه المرحلة اعتنى النبي ﷺ بمن أسلم من الصحابة، ورباهم في دار الأرقم بمكة، وزكاهم بالإيمان ومكارم الأخلاق، حتى جاء عندهم الاستعداد للعمل بالدين، والدعوة إليه، فلما كمل استعدادهم، أذن الله لهم بالهجرة إلى المدينة.
الثالثة: مرحلة الاستخلاف والتمكين:
وهذه كانت حين هاجر النبي ﷺ وأصحابه إلى المدينة، وفي المدينة نزلت الأحكام الشرعية كلها، حين كمل إيمان الصحابة، واستعدوا لامتثال جميع أوامر الله في جميع الأحوال.
فلما جاء فيهم الإيمان والتقوى والعمل الصالح مكَّن الله لهم في الأرض، وقامت الخلافة الإسلامية في المدينة، وانتشر الدين، وبعث النبي ﷺ بعوثه
٦ - أحكام الدعاة إلى الله
- أقسام الناس:
الناس في العمل قسمان:
فمنهم من اجتهد على الدنيا ثم راح وتركها وهم الكفار.
ومنهم من اجتهد على الآخرة ثم مات فوجدها وهم المؤمنون.
والمؤمنون الذين اجتهدوا على الآخرة قسمان:
الأول: من اشتغل بالعبادة فقط، فهذا ينقطع عمله بعد موته، وتغلق صحائف عمله.
الثاني: من اشتغل بالعبادة والدعوة إلى الله، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وتعلُّم وتعليم شرع الله، والإحسان إلى الخلق.
فهذا بأرفع المنازل وأعلاها، وعمله مستمر، وصحائفه مفتوحة تُملأ بالأجور والحسنات كل يوم.
١ - قال الله تعالى: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٩) الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ (٢٠) يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ (٢١) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (٢٢)﴾ ... [التوبة: ١٩ - ٢٢].
٢ - وَعَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الأَنْصَارِيّ ﵁ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إلَى النّبِيّ ﷺ -
стр. 3214
فَقَالَ: إنّي أُبْدِعَ بِي فَاحْمِلْنِي، فَقَالَ: «مَا عِنْدِي» فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ الله أَنَا أَدُلّهُ عَلَىَ مَنْ يَحْمِلُهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ دَلّ علىَ خَيْرٍ فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِ فَاعِلِهِ». أخرجه مسلم (١).
٣ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ دَعَا إِلَى هُدى كَانَ لَهُ مِنَ الأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ تَبِعَهُ، لاَ يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئاً، وَمَنْ دَعَا إِلَى ضَلاَلَةٍ، كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الإِثْمِ مِثْلُ آثَامِ مَنْ تَبِعَهُ لاَ يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ آثَامِهِمْ شَيْئاً». أخرجه مسلم (٢).
- وظيفة الأمة:
الدعوة إلى الله وظيفة كل الأمة، فهي واجبة على جميع المسلمين، لدعوة غير المسلمين إلى الله؛ لأن الدعوة إلى الله هي التي تحل العقدة الكبرى، عقدة الكفر والشرك في البشرية، وإذا انحلت هذه العقدة انحلت العقد كلها.
أما الفتاوى في مسائل الأحكام، فهذا خاص بأهل العلم، فمن علم الحكم أفتى به، ومن جهله دل المستفتي على العلماء الذين اختصهم الله بمزيد من العلم والفقه، والفهم والحفظ، والدال على الخير كفاعله.
وكان الصحابة ﵃ يتدافعون الفتوى فيما بينهم، والمفتون فيهم قلة كعلي، ومعاذ، وزيد بن ثابت، وابن عباس، وابن عمر ﵃.
فالفتوى ليست مباحة لكل أحد، لئلا يقول الناس على الله غيرالحق، فالعلماء والفقهاء هم أهل الفتوى كما قال سبحانه: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٤٣)﴾ ... [النحل: ٤٣].
стр. 3215
أما الدعوة فكلٌّ يدعو إلى الله بحسب ما عنده من العلم وما يعرفه من القرآن، وأقله آية.
فالدعوة إلى الله، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر أعمال واجبة على الأمة كلها.
وقد قام بها أصحاب النبي ﷺ من أول يوم، قبل نزول أحكام الصلاة والزكاة وغيرها.
وقد اجتبى الله هذه الأمة كما اجتبى الأنبياء للدعوة إلى الله، وشرفها وكلفها بالدعوة إلى الله إلى يوم القيامة.
١ - قال الله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤)﴾ ... [آل عمران: ١٠٤].
٢ - وقال الله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٧١)﴾ [التوبة: ٧١].
٣ - وقال الله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ (١١٠)﴾ ... [آل عمران: ١١٠].
- واجب المسلم والمسلمة:
على كل مسلم ومسلمة واجبان:
الواجب الأول: العمل بالدين، بعبادة الله وحده لا شريك له، وطاعة الله ورسوله،
стр. 3216
وفعل ما أمر الله به، واجتناب ما نهى الله عنه.
١ - قال الله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء: ٣٦].
٢ - وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ (٢٠)﴾ ... [الأنفال: ٢٠].
٣ - وقال الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾ ... [الحشر: ٧].
الواجب الثاني: الدعوة إلى الله، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر.
١ - قال الله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤)﴾ [آل عمران: ١٠٤].
٢ - وَعَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ عَمْرو ﵄ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً». أخرجه البخاري (١).
٣ - وَعَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ رَأى مِنْكُمْ مُنْكَراً فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أضْعَفُ الإِيمَانِ». أخرجه مسلم (٢).
- أحوال الداعي إلى الله:
الداعي إذا قام بالدعوة إلى الله جاءت عليه حالتان:
الأولى: حالة إقبال الناس عليه، كما حصل للنبي ﷺ حين استقبله أهل المدينة، وفرحوا بقدومه.
стр. 3217
الثانية: حالة إدبار الناس عنه، كما حصل للنبي ﷺ حين رده زعماء أهل الطائف، وأغْرَوا به السفهاء والصبيان حتى ضربوه بالحجارة.
فالله لا يُسْلِم أولياءه لأعدائه، ولكنه حكيم عليم يربي الداعي أحياناً، ويربي به أحياناً.
وحالة الإقبال على الداعي أشد وأخطر، فقد يدخله الغرور، وتُعْرَض عليه المناصب، فيكون عرضة للفتنة بالدنيا.
وتلك محاولة الشيطان لسرقة الداعي من الدين، وشغله عن الدين بالدنيا والأموال والأشياء والمناصب.
أما حالة الإدبار والإعراض عنه فهي أحسن وأقوى تربية له.
إذ بها يزداد توجه الداعي إلى الله، والإقبال عليه، والقرب منه، فتأتي بسبب ذلك نصرة الله ، كما حصل للنبي ﷺ لما طرده أهل الطائف دعا الله فأيده بجبريل وملك الجبال، ثم يسر له دخول مكة عزيزاً، ثم أكرمه بالإسراء والمعراج، ثم يسر له الهجرة إلى المدينة، ثم ظهور الإسلام والتمكين في الأرض.
١ - قال الله تعالى: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (٣)﴾ [العنكبوت: ٢ - ٣].
٢ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنّهَا قَالَتْ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ : يَا رَسُولَ اللهِ! هَلْ أَتَى عَلَيْكَ يَوْمٌ كَانَ أَشَدَّ مِنْ يَوْمِ أُحُدٍ؟ فَقَالَ: «لَقَدْ لَقِيتُ مِنْ قَوْمِكِ، وَكَانَ أَشَدّ مَا لَقِيتُ مِنْهُمْ يَوْمَ العَقَبَةِ، إذْ عَرَضْتُ نَفْسِي عَلَى ابْنِ عَبْدِ يَالِيلَ بْنِ عَبْدِ كُلاَلٍ، فَلَمْ يُجِبْنِي إلَى مَا أَرَدْتُ، فَانْطَلَقْتُ وَأَنَا مَهْمُومٌ عَلَى وَجْهِي، فَلَمْ أَسْتَفِقْ إلاّ
стр. 3218
بِقَرْنِ الثّعَالِبِ.
فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَإذَا أَنَا بِسَحَابَةٍ قَدْ أَظَلّتْنِي، فَنَظَرْتُ فَإذَا فِيهَا جِبْرِيلُ، فَنَادَانِي. فَقَالَ: إنّ الله قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ لَكَ وَمَا رَدّوا عَلَيْكَ، وَقَدْ بَعَثَ إلَيْكَ مَلَكَ الجِبَالِ لِتَأْمُرَهُ بِمَا شِئْتَ فِيهِمْ. قَالَ: فَنَادَانِي مَلَكُ الجِبَالِ وَسَلّمَ عَلَيّ. ثُمّ قَالَ: يَا مُحَمّدُ! إنّ الله قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ لَكَ، وَأَنَا مَلَكُ الجِبَالِ، وَقَدْ بَعَثَنِي رَبّكَ إِلَيْكَ لِتَأْمُرَنِي بِأَمْرِكَ. فَمَا شِئْتَ؟ إنْ شِئْتَ أَنْ أُطْبِقَ عَلَيْهِمُ الأَخْشَبَيْنِ». فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «بَلْ أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ الله مِنْ أَصْلاَبِهِمْ مَنْ يَعْبُد الله وَحْدَهُ، لاَ يُشْرِكُ بِهِ شَيْئاً». متفق عليه (١).
- عدة الداعي إلى الله:
أساس الدين أمران:
كمال اليقين على الحق .. وكمال الرحمة للخلق.
فقوة اليقين على الحق سبحانه تمنع عن الداعي شر المخلوقات.
وقوة رحمته للخلق تمنعه أن يضر المخلوقات.
فَنَسْلم من شر الناس كلهم بقوة اليقين، ويَسْلم أهل الشر من الداعي بقوة الرحمة لهم، وبذلك تحصل الهداية والخير، وتجتمع القلوب على الدين.
١ - قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا (٣)﴾ [الطلاق: ٣].
٢ - وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (٦٧)﴾ [المائدة: ٦٧].
стр. 3219
٣ - وقال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾ ... [الأنبياء: ١٠٧].
٤ - وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِاللهِ ﵄ أنَّهُ غَزَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ قِبَلَ نَجْدٍ، فَلَمَّا قَفَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَفَلَ مَعَهُ، فَأدْرَكَتْهُمُ القَائِلَةُ فِي وَادٍ كَثِيرِ العِضَاهِ، فَنَزَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَتَفَرَّقَ النَّاسُ فِي العِضَاهِ يَسْتَظِلُّونَ بِالشَّجَرِ، وَنَزَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ تَحْتَ سَمُرَةٍ فَعَلَّقَ بِهَا سَيْفَهُ. قال جَابِرٌ: فَنِمْنَا نَوْمَةً، ثُمَّ إِذَا رَسُولُ اللهِ ﷺ يَدْعُونَا فَجِئْنَاهُ، فَإِذَا عِنْدَهُ أعْرَابِيٌّ جَالِسٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِنَّ هَذَا اخْتَرَطَ سَيْفِي وَأنَا نَائِمٌ، فَاسْتَيْقَظْتُ وَهُوَ فِي يَدِهِ صَلْتاً، فَقَالَ لِي: مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي؟ قُلْتُ: اللهُ، فَهَا هُوَ ذَا جَالِسٌ». ثُمَّ لَمْ يُعَاقِبْهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ . متفق عليه (١).
فقوة يقين الرسول ﷺ على ربه منعت الأعرابي أن ينال الرسول ﷺ بشر، وقوة الرحمة للأعرابي من رسول اللهِ ﷺ سَلِمَ بسببها من القتل، وكانت سبباً لهدايته وهداية قومه.
- نية الداعي إلى الله:
هذا الدين رحمة للعالمين، وأجر كل داع إليه بحسب سعة نيته، وقد قام ﷺ بالدعوة إلى الله وعبادة الله، مبتدئاً بنفسه، ثم أهله، ثم عشيرته الأقربين، ثم قومه، ثم أهل مكة وما حولها، ثم العرب قاطبة، ثم الناس كافة، مبيناً أنه رسول الله إلى الناس كافة، وأنه رحمة للعالمين، فدخل الناس في دين الله أفواجاً.
ونية الداعي لها ثمان درجات:
١ - أن يبدأ بنفسه.
قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ
стр. 3220
عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٦)﴾ ... [التحريم: ٦].
٢ - ثم يدعو أهله.
قال الله تعالى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى (١٣٢)﴾ [طه:١٣٢].
٣ - ثم يدعو عشيرته الأقربين.
قال الله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤)﴾ ... [الشعراء: ٢١٤].
٤ - ثم يدعو قومه إلى الله.
قال الله تعالى: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (٣)﴾ [السجدة: ٣].
٥ - ثم يدعو أهل بلده وما حولها.
قال الله تعالى: ﴿لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ (٧)﴾ ... [الشورى: ٧].
٦ - ثم يدعو العرب قاطبة.
قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢)﴾ ... [الجمعة: ٢].
٧ - ثم يدعو الناس كافة.
قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٢٨)﴾ ... [سبأ: ٢٨].
٨ - ثم يدعو العالم كله من الناس، والجن إن حضروا لديه.
стр. 3221
١ - قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾ ... [الأنبياء: ١٠٧].
٢ - وقال الله تعالى: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا (٢)﴾ [الجن: ١ - ٢].
- مسؤولية الداعي إلى الله:
أمر الله رسوله محمداً ﷺ بأربعة أشياء:
أن يتعلم الوحي .. وأن يعمل به .. وأن يعلِّمه الناس .. وأن يقيم الناس عليه.
وهذه المسؤوليات انتقلت إلينا بعد وفاته ﷺ .
فالدين خطوتان، خطوة للعبادة، وخطوة للدعوة، وحركة في إصلاح النفس، وحركة في إصلاح الغير، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.
والواجب على المسلم أن يتعلم شيئين:
جهد النبي ﷺ وهو الدعوة .. وحياة النبي ﷺ وهي الدين الكامل.
وإذا كانت الدعوة موجودة في الأمة، وحياة النبي ﷺ ليست موجودة، فلا يكون في الدعوة فلاح ولا نجاة، ولا تنزل هداية ولا نصر، ولا يحصل تمكين ولا استخلاف، ولا تتحقق عزة ولا أمن.
وقد اجتهد النبي ﷺ على أصحابه حتى جاء فيهم أمران:
إقامة الدين في حياتهم .. وإقامة الدين في حياة الناس.
فكل مسلم مسؤول سوف يحاسبه الله على العمل الانفرادي، وهو العبادة، وعلى العمل الاجتماعي وهو الدعوة إلى الله، وسوف يسأل الله كلاً من الداعي والمدعو يوم القيامة عما كانوا يعملون في الدنيا.
١ - قال الله تعالى: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ (٦)
стр. 3222
فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ (٧) وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٨) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ (٩)﴾ ... [الأعراف: ٦ - ٩].
٢ - وقال الله تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)﴾ [العصر: ١ - ٣].
- جهد الداعي إلى الله:
ينقسم جهد الداعي إلى الله إلى قسمين:
الأول: جهد على النفس:
ويكون بحمل النفس على طاعة الله، والاستقامة على العبادة، والطاعة حتى الممات.
قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾ ... [العنكبوت: ٦٩].
الثاني: جهد على الغير، وهو ثلاثة أنواع:
١ - جهد على الكافر لعله يهتدي كما قال سبحانه: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (٣)﴾ ... [السجدة: ٣].
٢ - جهد على العاصي ليكون مطيعاً، وعلى الجاهل ليكون عالماً، وعلى الغافل ليكون ذاكراً، كما قال سبحانه: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤)﴾ [آل عمران: ١٠٤].
٣ - جهد على الصالح ليكون مصلحاً، وعلى العالم ليكون معلِّماً، وعلى الذاكر
стр. 3223
ليكون مذكِّراً.
١ - قال الله تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)﴾ [العصر: ١ - ٣].
٢ - وقال الله تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (٢١)﴾ ... [الغاشية: ٢١].
- أسباب الهداية:
دخل الناس في الإسلام في عهد النبي ﷺ متأثرين بأسباب كثيرة أهمها:
١ - حسن الأخلاق:
قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ ... [القلم: ٤].
٢ - الدعوة باللسان: كما دعا النبي ﷺ أبا بكر وخديجة وعلياً وغيرهم ﵃ فأسلموا.
قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣)﴾ [فصلت: ٣٣].
٣ - التعليم: كما أسلم بعض الصحابة في دار الأرقم بمكة، وكما أسلم أسيد بن حضير، وسعد بن معاذ في حلقة التعليم التي أقامها مصعب بن عمير في المدينة.
٤ - العبادة: كما أسلمت هند بنت عتبة لما رأت المسلمين يصلون عام الفتح في المسجد الحرام.
وكما أسلم ثمامة بن أثال الحنفي ﵁ في المسجد النبوي متأثراً بأخلاق النبي ﷺ وعبادته.
٥ - البذل والعطاء: كما أعطى النبي ﷺ عام الفتح صفوان بن أمية، ومعاوية بن
стр. 3224
أبي سفيان من الغنائم فأسلموا.
وكما أعطى النبي ﷺ رجلاً غنماً بين جبلين فأسلم، وبإسلامه أسلم قومه.
وغير ذلك من الأسباب التي جعلها الله أسباباً للهداية.
- أفضل الدعاة إلى الله:
القائمون بالدعوة ثلاثة أقسام:
الأول: مِن الناس مَنْ يقوم بالدعوة لأنه تأثر بأخلاق الدعاة إلى الله، وإذا حصل له مشكلة مع أحد الدعاة ترك الدعوة، وعادى الدعاة إلى الله.
فهذا صرفه الله لنقص مقصده.
الثاني: من يقوم بالدعوة لأنه وجد فيها حل مشاكله، وتحقيق رغباته، ولما حسنت أحواله، وزادت دنياه، انشغل بذلك عن الدعوة إلى الله.
فهذا صرفه الله؛ لأنه دخل في الدعوة بمقصد ناقص.
الثالث: من يقوم بالدعوة لأن فيها حسنات وأجوراً، فهو يريد تحصيل الأجور، فمقصده لنفسه فقط.
فهذا إذا وجد الحسنات في غير الدعوة أسهل وأيسر ترك الدعوة إلى الله.
الرابع: من يقوم بالدعوة إلى الله لأنها أَمْر الله الذي أوجبه على كل مسلم.
فهو يقوم بالعبادة لأنها أمر الله، ويقوم بالدعوة لأنها أمر الله.
فهذا مقصده كامل، وبسبب فهمه وكمال نيته يثبته الله ويعينه، ويفرِّغه لهداية البشرية، وتنفيذ أوامر الله، والدعوة إلى الله.
فهذا بأشرف المنازل وأعلاها، وهو خليفة النبي ﷺ في أمته، نسأل الله أن يجعلنا وإياكم من هذا القسم الذين هم ورثة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
стр. 3225
١ - قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣)﴾ [فصلت: ٣٣].
٢ - وقال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الأحزاب: ٢١].
- مراحل دعوة الأنبياء والرسل:
يمر كل داع إلى الله بأربع مراحل هي:
١ - فترة الدعوة: وفي هذه المرحلة يقوم الداعي بالدعوة إلى الله بين الناس، ويضحي في سبيل ذلك بنفسه، وماله، ووقته، وشهواته، وأهله، وبلده.
١ - قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ ... [العنكبوت: ٦٩].
٢ - وقال الله تعالى: ﴿لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأُولَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٨٨) أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٨٩)﴾ ... [التوبة: ٨٨ - ٨٩].
٢ - فترة التربية: وفي هذه الفترة يبتلي الله الداعي، ويربيه بما يصلحه، ليمتحن صبره وصدقه، وينشأ عنده الاستعداد لتحمل الشدائد، ورحمة الخلق، والتسليم الكامل للحق، فيبتلى بالخير والشر، والغنى والفقر، والأمن والخوف.
١ - قال الله تعالى: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (٣)﴾ ... [العنكبوت: ٢ - ٣].
٢ - وقال الله تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ (٣٥)﴾ [الأنبياء: