← Фикх общий

Фикх общий · id 37532

موسوعة الفقه الإسلامي - التويجري

محمد بن إبراهيم التويجري

Полный текст (3 370 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (٣٩) فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ وَهُوَ مُلِيمٌ (٤٠)﴾ [الذاريات:٣٨ - ٤٠]. هذه قوة الإيمان في الدعاء العام بعد إنذار الكفار. وأما قوة الإيمان في الدعاء الخاص فكما يلي: ١ - قال الله تعالى: ﴿وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (٧٦)﴾ [الأنبياء:٧٦]. ٢ - وقال الله تعالى: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٨٣) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ (٨٤)﴾ [الأنبياء:٨٣ - ٨٤]. ٣ - وقال الله تعالى: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (٨٧) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (٨٨)﴾ [الأنبياء:٨٧ - ٨٨]. ٤ - وقال الله تعالى: ﴿وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ (٨٩) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (٩٠)﴾ [الأنبياء:٨٩ - ٩٠]. ٥ - وقال الله تعالى: ﴿وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ (٩١)﴾ [الأنبياء:٩١]. فهؤلاء رسل الله ولنا بهم أسوة وقدوة كما قال سبحانه: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾

стр. 72

[الأحزاب:٢١]. - قوة المؤمن: المؤمن قوته في قلبه، وضعفه في جسمه، والكافر والمنافق قوته في جسمه، وضعفه في قلبه. فالمؤمن يصدِّق بالحق ويحبه ويعمل به، فكل ما يظهر على البدن من الأعمال الصالحة سببه ما في القلب من الإيمان، والنور، والحياة، وكل من القلب والبدن يؤثر في الآخر، لكن القلب هو الأصل، والبدن فرع له، والفرع يستمد من أصله، والأصل ينمو ويقوى بفرعه كما قال سبحانه: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (٢٤) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٥) وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ (٢٦)﴾ [إبراهيم:٢٤ - ٢٦]. والإيمان أعظم نعمة أنعم الله بها على عباده. وكلما قوي إيمان المسلم زادت أعماله الصالحة وكثرت وتنوعت وحسنت .. ثم ﵁ .. فأسعده في الدنيا بما يقربه إلى ربه ثم أدخله الجنة في الآخرة دار السلام والخلود. ١ - قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال:٢ - ٤]. ٢ - وقال الله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ

стр. 73

بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٠٠)﴾ [التوبة:١٠٠]. - حقيقة الإيمان: كل شيء له ثلاث درجات. لفظ .. وصورة .. وحقيقة. فلفظ الفرس سهل على اللسان أن يقوله، وصورة الفرس سهل أن نشتريها بهللة، لكن حقيقة الفرس ثمنها غال لا نحصل عليه إلا بجهد. وكذا لفظ الإيمان، سهل أن يقول الإنسان آمنت بالله، وقد يقوله بلسانه دون قلبه كالمنافق الذي يأتي بصورة العمل فهذه صورة الإيمان. أما حقيقة الإيمان فتظهر في ثلاثة أماكن بصفة دائمة: قول باللسان .. وتصديق بالقلب .. وعمل بالجوارح. وعلاماتها وثمراتها: وجل القلب عند ذكر الله .. والطمأنينة بذكره .. ومحبة كلامه وشرعه .. وطاعة الله ورسوله .. والإنابة إلى دار الخلود .. والتجافي عن دار الغرور .. والاستعداد للموت قبل نزوله .. والتوجه إلى الله في جميع الأحوال .. وعدم الالتفات إلى ما سواه. ١ - قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (١٥)﴾ [الحُجُرات:١٥]. ٢ - وقال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ

стр. 74

وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال:٢ - ٤]. - درجات الإيمان: الإيمان له شعب وأركان ودرجات وعلامات. وبحسب معرفة المؤمن بالله وأسمائه وصفاته وأفعاله، ومعرفة أركان الإيمان وشعبه، يتأثر قلب الإنسان، وتستقر حقيقة الإيمان في قلبه. فيتذوق طعم الإيمان، ويحس بحلاوته. والإيمان له ثلاث درجات: حقيقة .. وطعم .. وحلاوة. ١ - فحقيقة الإيمان تحصل لمن قام بالدين، وقام بجهد الدين عبادة ودعوة، وبذل في سبيل ذلك كل ما يستطيع. ولا يبلغ عبد حقيقة الإيمان حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه. ١ - قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال:٢ - ٤]. ٢ - وقال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٧٤)﴾ [الأنفال:٧٤]. ٣ - وقال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا

стр. 75

وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (١٥)﴾ [الحُجُرات:١٥]. ٢ - وطعم الإيمان يحصل بتجاوز المخلوقات إلى الخالق، وتجاوز الصور إلى المصور، والاستغناء بالله عما سواه. عَنِ العَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ ﵁ أنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «ذَاقَ طَعْمَ الإِيمَانِ، مَنْ رَضِيَ بِاللهِ رَبّاً وَبِالإِسْلامِ دِيناً وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولاً». أخرجه مسلم (١). ٣ - وحلاوة الإيمان تحصل بكمال حب الله، وحب من يحب الله، وحب ما يحبه الله، والإكثار من الطاعات، وذكر فضله وإحسانه إليه بنعمة الإسلام. فيرى الخلائق كلها، والأمور كلها بيد الله، وما سواه ليس بيده شيء. عَنْ أنَسٍ ﵁ عَنِ النَّبِيّ ﷺ قَالَ: «ثَلاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلاوَةَ الإيمَانِ: أنْ يَكُونَ الله وَرَسُولُهُ أحَبَّ إلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأنْ يُحِبَّ المَرْءَ لا يُحِبُّهُ إلا للهِ، وَأنْ يَكْرَهَ أنْ يَعُودَ فِي الكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ» متفق عليه (٢). - أقسام المؤمنين: المؤمنون ثلاثة أقسام: ظالم لنفسه .. ومقتصد .. وسابق بالخيرات. فالمسلم الذي لم يقم بواجب الإيمان من الأعمال هو الظالم لنفسه. والمقتصد هو المؤمن المطلق الذي أدى الواجب، وترك المحرم.

стр. 76

والسابق بالخيرات هو المحسن الذي فعل الواجبات والمستحبات، وترك المحرمات والمكروهات، وعبد الله كأنه يراه. فهذا بأرفع المنازل. قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (٣٢)﴾ [فاطر:٣٢]. - تفاضل أهل الإيمان: المؤمنون متفاضلون في الإيمان بحسب المعرفة بالله وأسمائه وصفاته وأفعاله وخزائنه، وبحسب معرفة ملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره، كما هم متفاوتون فيما يشاهدون ويسمعون، وهم درجات. وكذلك هم يتفاوتون في العلم والإرادة والعمل. فمن كان أكثر ذكراً ومحبة وعبادة لله كان إيمانه أقوى، وإن كان لغيره من العلم بالأسماء والصفات ما ليس له. وكذلك هم متفاضلون في أعمال القلوب والجوارح بحسب معرفتهم بأركان الإيمان وأمور الغيب. وكذلك منازل المؤمنين في الجنة متفاضلة بحسب إيمانهم ومعرفتهم وأعمالهم وأخلاقهم. وكل مسلم عليه أن يقوم بما قدر عليه من أعمال الخير، لكن لا بد من الإيمان الواجب، والعبادة الواجبة. وإذا ازدحمت شعب الإيمان قدم العبد ما كان أرضى لله، وما كان نفعه أكثر،

стр. 77

وما يفوت وقته، وما هو عليه أقدر. فيقدم ما هو أنفع له وهو في حقه أفضل. ولا يطلب ما هو الأفضل مطلقاً إذا كان متعذراً في حقه أو متعسراً يفوته ما هو أفضل له وأنفع، كمن ينتفع بالذكر أعظم مما ينتفع بالقراءة، فهذا الذكر أفضل في حقه من تكلف عمل لا يأتي به على وجهه، بل على وجه ناقص، ويفوته به ما هو أنفع له. ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً. ١ - قال الله تعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا (٢١)﴾ [الإسراء:٢١]. ٢ - وقال الله تعالى: ﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٠)﴾ [المزمل: ٢٠]. ٣ - وقال الله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾ [آل عمران:١٣٤]. - زيادة الإيمان: الخلق بالنسبة للإيمان ثلاثة أقسام: الأول: الملائكة، وهؤلاء لكمال معرفتهم بالله إيمانهم ثابت لا يزيد ولا ينقص ولا يتغير، وليس لهم معاص: ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا

стр. 78

يُؤْمَرُونَ (٦)﴾ [التحريم: ٦]. وليس لهم شهوات تصرفهم عن العمل بموجب الإيمان فهم: ﴿لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ (١٩) يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ (٢٠)﴾ [الأنبياء:١٩ - ٢٠]. الثاني: الأنبياء والرسل، وهؤلاء لكمال معرفتهم بالله إيمانهم يزيد ولا ينقص. فهم أفضل الخلق إيماناً وعلماً وعملاً وأخلاقاً، اصطفاهم الله، وعلَّمهم، وأرسلهم إلى خلقه: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ (٨٩)﴾ [الأنعام:٨٩]. الثالث: سائر المؤمنين، وهؤلاء أفضل البشر بعد الأنبياء والرسل، وإيمانهم يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية. ١ - قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (٤)﴾ [الفتح:٤]. ٢ - وقال الله تعالى: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (١٢٤)﴾ [التوبة:١٢٤]. ٣ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قال: «لا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلا يَسْرِقُ السَّارِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلا يَشْرَبُ الخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ» متفق عليه (١).

стр. 79

٤ - أركان الإيمان - أركان الإيمان أركان الإيمان ستة وهي: الإيمان بالله .. وملائكته .. وكتبه .. ورسله .. واليوم الآخر .. والقدر خيره وشره. ١ - قال الله تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ (١٧٧)﴾ [البقرة: ١٧٧]. ٢ - وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ ﵁ قَال: بَيْنَمَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ، إِذْ طَلَعَ عَلَيْنَا رَجُلٌ شَدِيدُ بَيَاضِ الثِّيَابِ، شَدِيدُ سَوَادِ الشَّعَرِ، لا يُرَى عَلَيْهِ أثَرُ السَّفَرِ، وَلا يَعْرِفُهُ مِنَّا أحَدٌ، حَتَّى جَلَسَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَأسْنَدَ رُكْبَتَيْهِ إِلَى رُكْبَتَيْهِ، وَوَضَعَ كَفَّيْهِ عَلَى فَخِذَيْهِ، وَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ! أخْبِرْنِي عَنِ الإِسْلامِ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «الإِسْلامُ أنْ تَشْهَدَ أنْ لا إِلَهَ إِلا اللهُ وَأنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وَتُقِيمَ الصَّلاةَ، وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ، وَتَصُومَ رَمَضَانَ، وَتَحُجَّ البَيْتَ، إِنِ اسْتَطَعْتَ إِلَيْهِ سَبِيلا» قال: صَدَقْتَ. قال فَعَجِبْنَا لَهُ. يَسْألُهُ وَيُصَدِّقُهُ. قال: فَأخْبِرْنِي عَنِ الإِيمَانِ. قال: «أنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ، وَمَلائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَاليَوْمِ الآخِرِ، وَتُؤْمِنَ بِالقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ» قال: صَدَقْتَ. قال فَأخْبِرْنِي عَنِ الإحْسَانِ. قال: «أنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ» أخرجه مسلم (١).

стр. 80

١ - الإيمان بالله - الإيمان بالله: هو التصديق بالله وأسمائه وصفاته وأفعاله. - أركان الإيمان بالله: أركان الإيمان بالله أربعة: الأول: الإيمان بوجود الله، ويدل على ذلك أمور: ١ - أن الله قد فطر كل مخلوق على الإيمان بخالقه. قال الله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٠)﴾ [الروم:٣٠]. ٢ - ودل العقل على أن لهذا الكون خالقاً. فهذه المخلوقات لم تخلق نفسها، ولا وجدت صدفة، فتعين أن يكون لها خالق خلقها، وهو الله رب العالمين. قال الله تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (٣٥) أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لَا يُوقِنُونَ (٣٦)﴾ [الطور: ٣٥ - ٣٦]. ٣ - ودل الحس على وجود الله سبحانه. فتقليب الليل والنهار، وخَلْق المخلوقات، وتدبير الكائنات، ورِزْق الإنسان والحيوان، كل ذلك يدل دلالة قاطعة على وجود رب قادر حكيم عليم. قال الله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ

стр. 81

أَفَلَا تَتَّقُونَ (٣١) فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (٣٢)﴾ [يونس: ٣١ - ٣٢]. ٤ - إجابة الداعين، وإعطاء السائلين، وإغاثة المكروبين، كل ذلك يدل على وجود رب سميع قادر كريم. ١ - قال الله تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ (٩)﴾ [الأنفال:٩]. ٢ - وقال الله تعالى: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٨٣) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ (٨٤)﴾ [الأنبياء: ٨٣ - ٨٤]. ٣ - وقال الله تعالى: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (٨٧)﴾ [الأنبياء:٨٧]. ٥ - تأييد الأنبياء، والرسل بآيات ومعجزات رآها الناس، أو سمعوا بها، وهي أمور خارجة عن قدرة البشر يؤيد الله بها رسله، وهذا برهان قاطع على وجود مرسلهم وهو الله ﷻ . ومن ذلك: أن الله جعل النار برداً وسلاماً على إبراهيم ﷺ .. وفلق البحر والحجر لموسى ﷺ .. وأحيا الموتى لعيسى ﷺ .. وشق القمر لمحمد ﷺ . قال الله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (٦٧) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٦٨)﴾ [الشعراء: ٦٧ - ٦٨].

стр. 82

٦ - ودل الشرع على وجود الله سبحانه. فالأحكام الشرعية المتضمنة لمصالح العباد، والتي أنزلها في كتبه على أنبيائه ورسله، دليل قاطع على أنها من رب حكيم قادر، عليم بمصالح عباده. قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢)﴾ [الجمعة:٢]. الثاني: الإيمان بأن الله هو الرب وحده لا شريك له. والرب هو الملك الذي له الخلق والأمر في الكون كله. فلا خالق إلا الله .. ولا مالك إلا الله .. والأمر كله لله. ١ - قال الله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١)﴾ [المُلك:١]. ٢ - وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٥٤)﴾ [الأعراف:٥٤]. ٣ - وقال الله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٦) تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٢٧)﴾ [آل عمران: ٢٦ - ٢٧]. - معرفة الرب: ١ - الله هو العليم بكل شيء .. عالم الغيب والشهادة .. يعلم ما في السماوات وما في الأرض .. ويعلم مثاقيل الجبال .. ويعلم مكاييل البحار .. ويعلم عدد قطر الأمطار .. ويعلم عدد ذرات الرمال .. ويعلم عدد ورق

стр. 83

الأشجار، ويعلم بكل ما في العالم العلوي .. ويعلم بكل ما في العالم السفلي .. ويعلم ما في البر والبحر والجو كما قال سبحانه: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٥٩)﴾ [الأنعام:٥٩]. ٢ - والله ﷻ هو العظيم وحده لا شريك له، وهو الواحد القهار، الكبير المتعال، خلق الخلائق بإرادته، وقهر المخلوقات بقوته، وأمسك السماء بقدرته، ودحا الأرض بمشيئته، يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد. وهو سبحانه القوي العزيز الجبار المتكبر، الذي خضعت الأعناق لعظمته، وخشعت الأصوات لهيبته، وذل كل مخلوق لقوته وجبروته. وهو المَلِك الذي بيده المُلك .. القوي الذي بيده القوة .. الغني الذي بيده كل شيء، وعنده خزائن كل شيء .. الرزاق الذي بيده الرزق. ١ - قال الله تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٤)﴾ [الحشر:٢٤]. ٢ - وقال الله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ (٢١)﴾ [الحِجر:٢١]. ٣ - والله ﷻ هو الكريم الذي قدر فعفا، وعاهد ووفّى، ولا يبالي كم أعطى ولمن أعطى. يعطي من يطيعه ويعصيه .. ومن سأله ومن لم يسأله .. ويعطي الثواب الجزيل على العمل القليل، لا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع، وهو الغني وحده، وكل ما سواه فقير إليه.

стр. 84

قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (١٥)﴾ [فاطر:١٥]. ٤ - والله سبحانه هو القادر على كل شيء. أحاط بكل شيء علماً، وأحصى كل شيء عدداً، الخلائق كلها في قبضته، والأمور كلها بيده، هو القادر وحده، وكل ما سواه عاجز. قال الله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٧)﴾ [الزُّمَر:٦٧]. ٥ - والله سبحانه هو الخالق الذي خلق كل شيء، ولا يعجزه شيء، يستوي عنده خلق الكبير والصغير، والجبل والذرة، والبحر والقطرة. ١ - قال الله تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٤)﴾ [الحشر:٢٤]. ٢ - وقال الله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (٦٢) لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٦٣)﴾ [الزُّمَر:٦٢ - ٦٣]. ٦ - والله ﷻ كل يوم هو في شأن. يدبر الأمر .. ويرسل الرياح .. ويرسل الصواعق .. وينزل الغيث .. ويحي الأرض بعد موتها .. ويحيي ويميت .. يعز من يشاء .. ويذل من يشاء .. ويهدي من يشاء .. ويضل من يشاء .. ويعطي ويمنع .. ويرفع ويخفض. ١ - قال الله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ

стр. 85

السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (١٦٤)﴾ [البقرة:١٦٤]. ٢ - وقال الله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٦) تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٢٧)﴾ [آل عمران:٢٦ - ٢٧]. ٧ - والله وحده عنده خزائن كل شيء، ويملك خزائن كل شيء، فكل شيء في الوجود فخزائنه عند الله. خزائن السماوات .. وخزائن الأرض .. وخزائن الرياح .. وخزائن المياه .. وخزائن النبات .. وخزائن الحيوان .. وخزائن التراب .. وخزائن المعادن .. وخزائن العذاب .. وخزائن الرحمة .. وخزائن الهداية .. وخزائن القوة .. وخزائن العزة. فكل هذه الخزائن وغيرها عند الله .. وبيد الله .. وملك لله. ١ - قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ (٢١)﴾ [الحِجر:٢١]. ٢ - وقال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ (٧)﴾ [المنافقون: ٧]. ٨ - إذا علمنا ذلك كله، وتيقنا على كمال قدرة الله، وكمال عظمة الله، وكمال علم الله، وكمال قوة الله، وكمال كبرياء الله، وكمال رحمة الله، وكمال كرم الله، وعظمة خزائن الله، عرفنا ربنا بأسمائه وصفاته، وأنه وحده له الأسماء الحسنى، والصفات العلا. فإذا حصلت هذه المعرفة بالله وأسمائه وصفاته أقبلت القلوب إليه ..

стр. 86

وانشرحت الصدور لعبادته .. وانقادت الجوارح لطاعته .. ولهجت الألسن بذكره .. واجتمعت الألسن والقلوب على تكبيره وتوحيده وتسبيحه وحمده. فلا تسأل إلا إياه، ولا تستعين إلا به، ولا تتوكل إلا عليه، ولا تحب إلا هو، ولا تخاف إلا منه، ولا تعبد إلا إياه. ١ - قال الله تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ [الأنعام:١٠٢]. ٢ - وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢)﴾ [البقرة:٢١ - ٢٢]. الثالث: الإيمان بألوهية الله سبحانه. ١ - فنعلم ونتيقن أن الله هو الإله الحق وحده لا شريك له، وأنه وحده المستحق للعبادة دون سواه. فنعبده وحده بما شرع، مع كمال الحب له، وكمال التعظيم له، وكمال الذل له. قال الله تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (١٦٣)﴾ [البقرة:١٦٣]. ٢ - ونعلم ونتيقن أن الله كما أنه واحد في ربوبيته لا شريك له، فكذلك هو واحد في ألوهيته لا شريك له. فنوحده في الخلق والأمر، ونوحده في الطاعة والعبادة.

стр. 87

١ - قال الله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٣)﴾ ... [يونس:٣]. ٢ - وقال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥)﴾ [الأنبياء:٢٥]. ٣ - ونعلم ونتيقن أن الله وحده هو المعبود الحق، وأن كل معبود من دون الله فألوهيته باطلة، وعبادته باطلة. ١ - قال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (٦٢)﴾ [الحج:٦٢]. ٢ - وقال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (١٧)﴾ [العنكبوت:١٧]. الرابع: الإيمان بأسماء الله وصفاته. ويتضمن ذلك أموراً: ١ - فهمها، وحفظها، والتصديق بها، والعمل بمقتضاها، والتعبد لله بها. فمعرفة أسماء وصفات العظمة لله والكبرياء والمجد والجلال تملأ القلوب هيبة لله، وخشية منه، وتعظيماً له. ومعرفة أسماء وصفات العزة والقدرة والجبروت تملأ القلوب ذلاً وخضوعاً وانكساراً بين يدي ربها. ومعرفة أسماء وصفات الرحمة والبر والجود والكرم تملأ القلوب رغبة

стр. 88

وطمعاً في فضل الله وإحسانه وجوده. ومعرفة أسماء وصفات العلم والإحاطة توجب للعبد مراقبة ربه في حركاته وسكناته. ومجموع هذه الأسماء والصفات تقود العبد إلى ربه، وتجذبه إليه، وتوجب له محبة الله، والشوق إليه، والأنس به، والتوكل عليه، والاستعانة به، والخوف منه، والرجاء له، والثناء عليه، والحمد له، والتقرب إليه، وعبادته وحده لا شريك له. ١ - قال الله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد:١٩]. ٢ - وقال الله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (١٢)﴾ [الطلاق:١٢]. ٢ - أن نعلم ونتيقن أن الله وحده له الأسماء الحسنى، والصفات العلا، وندعوه بها. ١ - قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٨٠)﴾ [الأعراف:١٨٠]. ٢ - وَعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّ للهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْماً، مِائَةً إِلا وَاحِداً، مَنْ أحْصَاهَا دَخَلَ الجَنَّةَ» متفق عليه (١). ٣ - أن نثبت لله من الأسماء والصفات ما أثبته لنفسه، أو أثبته له رسوله ﷺ ، وننفي عنه ما نفاه عن نفسه، أو نفاه عنه رسوله ﷺ .

стр. 89

ونؤمن بأسماء الله وصفاته، وبما دلت عليه من المعاني والآثار: فنؤمن بأن الله (رحيم) وأنه ذو رحمة، وأنه يرحم من يشاء، وهكذا في بقية الأسماء والصفات. ونثبت لله الأسماء والصفات على ما يليق بجلاله من غير تحريف ولا تعطيل، ولا تكييف ولا تمثيل على حد قوله سبحانه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ [الشورى: ١١]. فكما أن ذاته لا تشبه ذوات الخلق، فكذلك أسماؤه وصفاته لا تشبه أسماء وصفات الخلق كما قال سبحانه: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾ [الإخلاص:١ - ٤]. ٤ - أسماء الله من حيث الحكم تنقسم إلى قسمين: الأول: ما لا يصح إطلاقه إلا على الله كالخالق، والله ونحوهما. الثاني: ما يصح إطلاقه على الله وعلى المخلوق، ولكلٍ حكمه، وهي الأسماء المشتركة كالحكيم والعليم والعلي والرحيم ونحوها. ٥ - الصفات أوسع من الأسماء، والأفعال أوسع من الصفات، ولهذا وصف الله نفسه بصفات ولم يتسم بها، وأطلق على نفسه أفعالاً لم يتسم بها مثل (يريد، ويشاء، ويُحدث) ولم يسم نفسه بالمريد والشائي والمحدث. كما لم يسم نفسه بالصانع والفاعل والمتقن، وغير ذلك من الأسماء التي أطلق أفعالها على نفسه ولم يسمّ نفسه بها مثل (يمكر، ويستهزئ، وفتن) ونحوها. وأسماء الله كلها حسنى تدل على المدح، وكل اسم ينقسم إلى كامل وناقص فلا يدخل في أسمائه الحسنى، وإن كان يوصف الله به كالمريد والمتكلم،

стр. 90

فالله يريد ويتكلم، لكن لا يسمى بذلك. ٦ - الفرق بين الأسماء والصفات بما يلي: ١ - الصفات مشتقة من الأسماء، فكل اسم يؤخذ منه صفة كالرحمة من الرحيم، والقوة من القوي، والعلم من العليم. ٢ - أسماء الله كلها دالة على ذاته. وصفاته نوعان: ذاتية كالحياة والعلم والقدرة، وفعلية كالمجيء، والنزول. ٣ - التعبيد في أسماء المخلوقين في الأسماء في لا في الصفات، فيقال عبد الله، ولا يقال عبد العلم، أو عبد الوجه. ٧ - وصفات الله تنقسم إلى قسمين: ١ - الصفات الثبوتية، وهي كل ما أثبته الله لنفسه، أو أثبته له رسوله من صفات الكمال كالحياة، والعلم، والقدرة، والرحمة، والنزول، والاستواء ونحو ذلك كالوجه، واليدين. ٢ - الصفات السلبية، وهي كل ما نفاه الله عن نفسه، أو نفاه عنه رسوله من صفات النقص كالموت، والنوم، والعجز، والتعب، والجهل، والنسيان، والغفلة، والظلم ونحو ذلك. فهذه الصفات يجب نفيها عن الله ، وإثبات ضدها على الوجه الأكمل، والصفات الثبوتية أكثر بكثير من الصفات السلبية. وكل ما نفاه الله عن نفسه فالمراد به إثبات كمال ضده كما قال سبحانه: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ (٥٨)﴾ [الفرقان: ٥٨].

стр. 91

٨ - وصفات الله نوعان: ١ - صفات ذاتية: وهي التي لا تنفك عن الذات، ولا يزال الله متصفاً بها، وهي نوعان: ١ - صفات معنوية كالحياة، والعلم، والقدرة، والحكمة ونحوها. ٢ - صفات خبرية كالوجه، والعينين، واليدين، والقدمين. فهذه الصفات كلها ملازمة للذات، لا تنفك عنها أبداً. ٢ - صفات فعلية: وهي الصفات المتعلقة بمشيئة الله، إن شاء فعلها، وإن شاء لم يفعلها، وهي نوعان: ١ - صفات لها سبب معلوم مثل الرضا، والسخط، والحب، والكره ونحو ذلك، فإذا وُجد سبب الرضا رضي سبحانه، وإذا وُجد سبب السخط سخط سبحانه. ٢ - صفات ليس لها سبب معلوم كالنزول إلى السماء الدنيا كل ليلة حين يبقى ثلث الليل الآخر. ومن الصفات ما هو صفة ذاتية وفعلية باعتبارين كالكلام، فإنه باعتبار أصله صفة ذاتية، وباعتبار آحاد الكلام صفة فعلية؛ لأن الله يتكلم متى شاء. ٩ - وأسماء الله وصفاته وأفعاله مطلقة في الكمال والحسن، لا تناهى ولا تنقطع بآخِر، ولا تُحدّ بأول كعلمِه، وقدرته، وحلمه، ورحمته، وسائر صفاته. ١٠ - وأسماء الله نوعان: ١ - منها ما يطلق على الله مفرداً أو مقترناً بغيره، وهو غالب أسماء الله كالعزيز والحكيم، والسميع والبصير ونحو ذلك، فتقول مثلاً: سبحان العزيز، أو تقول: سبحان العزيز الرحيم.

стр. 92

٢ - ومنها ما لا يطلق على الله بمفرده، بل مقروناً بمقابله كالمعطي المانع، والنافع الضار، والمعز المذل، ونحو ذلك فهذه أسماء مزدوجة تجري مجرى الاسم الواحد؛ لأنه يراد بها الرب المتفرد بالخلق والأمر. - كيفية الإلحاد في أسماء الله: الإلحاد في أسماء الله هو العدول بها عن الحق الذي ثبت لها. والإلحاد في أسماء الله أنواع: ١ - تسمية الأصنام بها كتسمية الكفار اللات من الله، والعزى من العزيز. ٢ - نسبة الله تعالى إلى ما لا يليق بجلاله كنسبة النصارى له ابناً هو المسيح، ونسبة اليهود له ابناً هو العزير. ٣ - وصفه سبحانه بما يتقدس عنه من النقائص كقول اليهود إن الله فقير، وأن يد الله مغلولة، لعنهم الله بما قالوا. ٤ - تعطيل أسماء الله عن معانيها كقول الملاحدة إن الله سميع بلا سمع، بصير بلا بصر. ٥ - تشبيه صفات الله بصفات خلقه كقول الملاحدة إن أسماء الله وصفاته كأسماء المخلوقين وصفاتهم. وكل ذلك كفر موجب للخلود في النار. ١ - قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٨٠)﴾ [الأعراف:١٨٠]. ٢ - وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٤٠)﴾ [فُصِّلَت:٤٠].

стр. 93

١ - أسماء الله الحسنى - عدد أسماء الله الحسنى: العلم بالله وأسمائه وصفاته من أشرف العلوم وأعظمها وأوجبها، وأسماء الله عز جل كلها حسنى، ولهذا أمرنا الله بالتعبد بها. وأسماء الله ﷻ كثيرة لا يحصيها إلا الله. منها ما تفرد الله بعلمه .. ومنها ما علّمه الله بعض خلقه .. ومنها ما بينه الله في كتابه، أو سماه به رسوله ﷺ . ١ - قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٨٠)﴾ [الأعراف:١٨٠]. ٢ - وَعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّ للهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْماً، مِائَةً إِلا وَاحِداً، مَنْ أحْصَاهَا دَخَلَ الجَنَّةَ» متفق عليه (١). ٣ - وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَا قَالَ عَبْدٌ قَطُّ إِذَا أَصَابَهُ هَمٌّ وَحَزَنٌ: اللَّهُمَّ إِنِّي عَبْدُكَ، وَابْنُ عَبْدِكَ، وَابْنُ أَمَتِكَ، نَاصِيَتِي بِيَدِكَ، مَاضٍ فِيَّ حُكْمُكَ، عَدْلٌ فِيَّ قَضَاؤُكَ، أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ، أَوْ أَنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِكَ، أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَداً مِنْ خَلْقِكَ، أَوِ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الغَيْبِ عِنْدَكَ، أَنْ تَجْعَلَ القُرْآنَ رَبِيعَ قَلْبِي، وَنُورَ صَدْرِي، وَجِلاَءَ حُزْنِي، وَذَهَابَ هَمِّي» أخرجه أحمد (٢).

стр. 94

أسماء الله الحسنى الواردة في القرآن والسنة الله: وهو المألوه المعبود الذي تألهه الخلائق، وتحبه وتعظمه، وتخضع له، وتفزع إليه، المستحق لإفراده بالعبادة؛ لما اتصف به من صفات الجلال والجمال والكمال. وهذا الاسم دال على جميع الأسماء الحسنى، ومستلزم لها، ولهذا يضيفها إليه. وهو الإله: الذي تألهه القلوب وتحبه وتعظمه، وتفزع جميع الخلائق إليه لكمال غناه، وتطمئن القلوب بذكره، وتسكن إليه. وهو الرحمان: الذي وسعت رحمته كل شيء، ذو الرحمة الواسعة التي عمت كل شيء، الذي يرحم خلقه في كل وقت وآن. وهو الرحيم: الذي يستحق أن يؤله ويعبد، الذي يرحم برحمته جميع خلقه، فهو الرحمان الذي عم برحمته الواسعة جميع خلقه. وهو الأول: الذي ليس قبله شيء، والذي ابتدأ خلق كل شيء، الذي بلغ الكمال في أسمائه وصفاته. وهو الآخر: الذي ليس بعده شيء، وليس وراءه شيء يقصد، الذي إليه يرجع الأمر كله. وهو الملك: الذي ملك الخلائق كلها، بيده الملك، وهو على كل شيء قدير، المَلك النافذ أمره في ملكه. وهو المالك: الذي يملك كل شيء، فكل مخلوق مملوك له، مالك الملك في السماء والأرض، وفي الدنيا والآخرة.

стр. 95

وهو المليك: الرحيم الكريم القادر، ذو الفضل والإحسان الدائم على من اتقاه وأطاعه. الملك الذي ملك الممالك، وملك الملوك، وملك ما يملكون كله؛ لأنه الذي خلقهم، وملَّكهم ما هم فيه. وهو القدوس: الذي تنزه عن العيوب والنقائص، الممدوح بالفضائل والمحاسن، المنزه عن الأولاد والأنداد والنقائص. وهو السلام: الذي سلم من كل عيب وآفة ونقص وذم، لكمال ذاته وأسمائه وصفاته، السلام الذي سلمت حياته من الموت، وسلم علمه من النقص، وسلم الخلق من ظلمه فلا يظلم أحداً. وهو المؤمن: الذي أثنى على نفسه بكل حمد، المصدق لنفسه ولرسله فيما بلغوه عنه، الذي أمن خلقه من أن يظلمهم، خلق الأمن ومنّ به على من شاء من عباده. وهو المهيمن: الشاهد على خلقه بما يصدر منهم، العالم بجميع ما في الكون، المهيمن العلي على جميع خلقه، الخالق المهيمن على كل مخلوق. وهو العزيز: الذي لا يُرام جنابه، القاهر الذي لا يُغلب، القوي الذي خضعت له المخلوقات، الجبار الذي لا يُنال جنابه لكمال عزته وعظمته وجبروته وكبريائه، وله العزة جميعاً. وهو الجبار: العالي على خلقه، القاهر لهم على ما أراد، ذو الجبروت والعظمة، الذي جبر مفاقر الخلق، وكفاهم أسباب الرزق، الرحيم الذي جبر القلوب المنكسرة. وهو المتكبر: الذي تكبر عن ظلم خلقه، وتكبر عن كل سوء وشر، وتكبر

стр. 96

بأسمائه وصفاته فلا شيء مثله، وتكبر عن صفات الخلق فلا شيء مثله. وهو الكبير: الذي له الملك والعظمة والسلطان، الكبير العظيم الذي كل شيء دون جلاله صغير، وله الكبرياء في السماوات والأرض. وهو الخالق: الذي خلق المخلوقات كلها على غير مثال سابق، وأحكم الخلق وأتقنه، فلا يستطيع أحد أن يخلق مثله. خلق السماوات والأرض، وخلق الإنس والجن، وخلق الليل والنهار، وخلق الدنيا والآخرة. وهو الخلاق: الذي خلق كل شيء، ويخلق كل يوم، بل كل لحظة ما يشاء، بأي قدر شاء، في أي وقت شاء، من أي نوع شاء، من الذرات والنبات والحيوان وغيرها. وهو البارئ: الذي برأ الخلق كلهم، وأوجدهم على غير مثال سابق، وميز بعضهم من بعض، وجعلهم أبرياء، فخلقه كله مستو مستقيم محكم متقن. وهو المصور: الذي خلق الخلق، وصورهم على صور مختلفة في الحجم واللون والشكل والطول والحُسن، الذي أحسن كل شيء خلقه، يصور خلقه على ما يشاء، ويختار بعلمه وحكمته. وهو البديع: الذي بدع الخلق وبدأه وفطره على غير مثال سابق، خلق العرش والكرسي، وخلق السماوات والأرض وما فيهن، الذي خلق كل شيء وأبدعه في غاية الحسن والجمال. وهو البَرّ: الذي عم جميع خلقه بعطائه، الرحيم بعباده، المحسن إليهم، العطوف عليهم، المصلح لأحوالهم في الدين والدنيا والآخرة. وهو البصير: الذي يبصر كل شيء، فلا يخفى عليه مثقال ذرة في الأرض ولا

стр. 97

في السماء، العليم بحاجات الخلق، البصير بأفعال العباد، العالم بخفيات الأمور، الذي يبصر المستور والمنظور. وهو التواب: الذي يحب التوبة من عباده ويقبلها، الذي كلما تكررت التوبة من العبد تكرر منه القبول، الذي يتوب على كل من تاب إليه وأناب. وهو الجميل: الذي خلق الجمال في كل جميل، الجميل بذاته وأسمائه وصفاته، الذي كل جمال في الكون من جماله، الذي تجمل وتكرم بالخير على عباده. وهو الحكيم: الذي يضع الأشياء في محالها، الحكيم الذي لا يدخل تدبيره خلل ولا زلل ولا نقص، الحكيم في أقواله وأفعاله. وهو الحَكَم: الذي لا حَكَم أعدل منه، ولا قائل أصدق منه، الذي سَلِم له الحُكم، ورُدّ إليه فيه الأمر. وهو الحاكم: الذي يحكم بين عباده بالعدل، أحكم الحاكمين الذي لا يجور ولا يظلم أحداً، يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد. وهو الحافظ: الذي تكفل بحفظ الخلائق كلها، الذي يحفظ السماوات والأرض وما فيهن بلا كلفة ولا مشقة، الحافظ لأعمال العباد وأقوالهم، الحافظ للخلائق من المعاطب والمهالك. وهو الحفيظ: الذي حفظ جميع ما خلقه، وأحاط علمه بما أوجده، الذي حفظ السماء أن تقع على الأرض، والذي يعلم كل شيء، ولا يغيب عنه شيء، ويحفظ أولياءه من الوقوع في الذنوب. وهو الحاسب: الذي حفظ أعمال خلقه كلهم، المحاسب لهم عليها، المجازي عباده بأعمالهم دقيقها وجليلها.

стр. 98

وهو الحسيب: الكافي عباده، الذي لا غنى لهم عنه أبداً. فهو خالقهم ورازقهم وكافيهم في الدنيا والآخرة. الذي أحصى كل شيء عدداً، فلا يفوته مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء. وهو الحق: الملك الحق الذي لا إله غيره، فلا يسع أحد إنكاره ولا جحوده، هو الحق، وقوله الحق، وفعله حق، ودينه الحق، وكل شيء نَسَبه إليه فهو حق. وهو الحليم: الذي يدر على خلقه صنوف النعم مع معاصيهم، ويمهلهم ليتوبوا، ولا يعاجلهم بالعقوبة لينيبوا، ولو شاء لأخذهم بذنوبهم فوراً؛ لأنه الحليم الرحيم بعباده، الحكيم الحليم الذي يضع الأمور مواضعها. وهو الحميد: الذي يستحق الحمد كله، المحمود على أسمائه وصفاته، وعلى أقواله وأفعاله، وعلى إحسانه وشرعه وقدره، الذي يحمد خلقه المؤمنين، ويشكرهم على القليل من العمل. وهو الحي: القيوم الدائم الباقي، الحي الذي لا يموت أبداً، الذي يخلق من الأحياء ما لا يحصيه إلا هو، والذي خلق الحياة في كل حي. وهو الحيي: الذي يترك كل ما لا يتناسب مع سعة رحمته، وكمال جوده وكرمه، وعظيم عفوه وحلمه. وهو الخبير: الذي يعلم بكل شيء، ولا يخفى عليه شيء من أمور خلقه من متحرك وساكن، وناطق وصامت، وصغير وكبير. وهو الرازق: الذي خلق الأرزاق، وأوصلها إلى خلقه، وتكفل بأرزاق الخلائق كلها.

стр. 99

وهو الرزاق: الذي وسع الخلق كلهم برزقه، الذي يرزق جميع خلقه بلا كلفة ولا مشقة، خالق الأرزاق ومالكها ومعطيها، يصرفها ويقسمها على الخلائق كيف شاء حسب علمه وحكمته. وهو الرؤوف: الذي يرحم عباده، ويلطف بهم، وييسر أمورهم ويعفو عن سيئاتهم. وهو الرب: الذي له الملك والخلق والأمر وحده لا شريك له، والذي يربي جميع خلقه بأصناف النعم، المصلح أحوال خلقه بما أسبغ عليهم من وافر النعم. فكل شيء خَلْقه، وكل مخلوق عَبْده، وهو ربه الذي لا يصلح إلا بتدبيره، ولا يقوم إلا بأمره، ولا يبقى إلا بإذنه. وهو الرفيق: الذي يسهل الأمور، وييسر لعباده أسباب الخير كلها، الحليم الذي لا يَعْجل بعقوبة العصاة لعلهم يتوبون. وهو الرقيب: الذي يراقب الخلائق في كل حال، القائم على كل نفس بما كسبت، الحافظ الذي لا يغفل، ولا يغيب عما يحفظه، الذي يراقب جميع أفعال الخلق وأقوالهم، وما يجول في خواطرهم. وهو السُّبُّوح: الذي يسبحه ويقدسه كل خلقه، الذي كمل في أسمائه وصفاته وأفعاله، المنزه عن كل عيب ونقص وسوء، الذي تنزه عن الشريك وكل ما لا يليق بجلاله. وهو السِّتِّير: الذي يعلم بجميع أحوال خلقه، ويستر عليهم الكثير من العيوب والقبائح، ولا يفضحهم في المشاهد. وهو السميع: الذي وسع سمعه الأصوات على اختلاف الألسن واللغات

стр. 100

والحاجات، لا يَشْغله سمع عن سمع، ولا يعزب عن سمعه مسموع وإن دق، يسمع السر والنجوى، ويستوي عنده الجهر والخفوت، والنطق والسكوت. وهو السيد: الذي كمل في سؤدده، فله الأسماء الحسنى والصفات العلا، الذي حُقت له السيادة؛ لأنه الملك الذي له الخلق والأمر، وكل الخلائق مفتقرة إليه. وهو الشافي: الذي يشفي خلقه من كل آفة وعاهة ومرض، يشفي الأبدان من الأمراض، ويشفي القلوب من الشبه والشكوك. خلق الداء والدواء، ومَلَكَ الشفاء وحده لا شريك له. وهو الشاكر: الذي يشكر القليل من العمل، ويغفر الكثير من الزلل، ويشكر من شكره ويزيده. وهو الشكور: الذي تفضل على عباده بالنعم، ورضي منهم بالشكر، الذي يشكر اليسير من الطاعة، ويثيب عليها الكثير من الثواب، ويعطي الجزيل من النعم، ويرضى باليسير من الشكر. وهو الشهيد: المطَّلع على كل شيء، الذي أحاط علمه بكل شيء، الذي شهد على عباده بما عملوا، القريب من خلقه، الذي يراهم جميعاً في آن واحد، ولا يعزب عنه منهم مثقال ذرة. وهو الصمد: الذي بلغ الكمال في سؤدده وعظمته وجوده، الذي صمد لجميع حوائج الخلق، والذي تصمد الخلائق إليه في حوائجها، السيد المطاع الذي لا يُقضى دونه أمر. وهو الطيب: الذي له الأسماء الحسنى، والصفات العلا، المنزه عن النقائص

стр. 101

والعيوب، والشر والسوء. وهو الظاهر: الذي ظهر وغلب وقهر جميع المخلوقات، الذي ظهر فوق كل شيء، الذي ظهر بالدلائل الدالة عليه، وأفعاله المؤدية إلى العلم به. وهو الباطن: الذي احتجب عن أبصار الخلق، الذي لا يراه أحد في الدنيا، ويراه المؤمنون في الآخرة، لكنهم لا يدركون ولا يحيطون به؛ لكمال عظمته وكبريائه، الذي يعلم ببواطن الأمور وظواهرها فلا يخفى عليه شيء. وهو العليم: الذي يعلم كل شيء، أحاط علمه بالعالم العلوي، والعالم السفلي، وبالظاهر والباطن، فلا تخفى عليه خافية. وهو العالم بكل ما كان، وما يكون، وما سيكون، العالم بالسرائر والخفيات، العالم بالغيوب دون جميع خلقه، هو وحده عالم الغيب والشهادة الكبير المتعال. وهو العلام: الذي لا يعزب عنه مثقال ذرة، الذي أحاط بكل شيء علماً، الذي كل عِلم في الناس من علمه. وهو العظيم: ذو الجبروت والملكوت والكبرياء والعظمة، العظيم في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله، العظيم في ملكه وسلطانه، الذي يعظمه خلقه ويهابونه؛ لأنه العظيم الذي قهر المخلوقات كلها، وتفرد بالملك والخلق والأمر والجلال والجمال. وهو العفو: الذي وسع عفوه جميع خلقه، الذي لم يزل ولا يزال بالعفو معروفاً، الواضع عن المذنبين خطاياهم وآثامهم، فلا يستوفيها منهم إذا تابوا وأنابوا. وهو العلي: الذي له العلو المطلق من جميع الوجوه.

стр. 102

فله علو الذات، وعلو الصفات، وعلو القدر، وعلو القهر. الذي علا فوق كل شيء، وعلا عن كل عيب ونقص وسوء. وهو الأعلى: العالي فوق كل شيء، القاهر لكل شيء، وهو الأعلى في كل شيء في ذاته وأسمائه وصفاته، وله المثل الأعلى في الخلق والأمر، والعلو والكمال، والعظمة والكبرياء. وهو المتعال: في ذاته وأسمائه وصفاته، المنزه عن كل عيب ونقص وسوء وشر، العالي فوق كل شيء. وهو الغفار: الذي يستر ذنوب عباده، ويغطيها بستره، الستار لمساوئ عباده، فلا يكشف أخطاء المذنبين، ولا يهتك أستار العصاة. وهو الغفور: الذي لم يزل ولا يزال يغفر ويصفح ويعفو، يغفر الذنوب والسيئات، ومن كرمه يبدلها بحسنات. وكل أحد مضطر إلى عفوه ومغفرته، كما هو مضطر إلى رحمته وكرمه وإعانته. وهو الغافر: الذي يستر على المذنب ذنبه، ولا يفضحه بين خلقه وهو قادر، واسع المغفرة، يغفر الذنوب جميعاً. وهو الغالب: البالغ مراده من خلقه، الغالب الذي لا يُغلب ولا يُقهر، الغالب على أمره، الذي يفعل ما يشاء، القادر الذي لا يملك أحد أن يرد ما قضى؛ لكمال قدرته وعظمته. وهو الغني: الذي استغنى عن الخلق كلهم بقدرته وعز سلطانه، الذي لا حاجة له إلى أحد أصلاً، والخلق كلهم فقراء إليه.

стр. 103

الغني الذي له الغنى التام، وله خزائن السماوات والأرض، وخزائن كل شيء عنده، المغني خلقه ورازقهم من فضله. وهو الفتاح: الذي يحكم بين عباده بالحق والعدل، الذي يفتح أبواب الرزق والعلم والرحمة لعباده، الناصر للمؤمنين. وهو الفاتح: الذي يفتح جميع أبواب الخير والبر والطاعة، ويفتح ما انغلق من الأشياء والأمور، وييسر المتعسر، ويفتح قلوب الخلق وعيونهم ليبصروا الحق والهدى. وهو الفاطر: الذي ابتدأ خلق جميع المخلوقات، وفطر السماوات والأرض بما أراد، الذي فطر عباده على التوحيد والإيمان. وهو القادر: الذي له القدرة التامة، الذي لا يعجزه شيء، ولا يفوته مطلوبه، ولا يناله عجز ولا فتور. وهو القدير: الذي إذا أراد شيئاً كان، وله القدرة التامة الشاملة الدائمة، وهو على كل شيء قدير، إذا أراد شيئاً قال له كن فيكون. وهو المقتدر: الذي لا يمتنع عليه شيء، المظهر قدرته في خلق الصغير والكبير، والأبيض والأسود، الذي لا يعجزه شيء على الإطلاق. وهو القاهر: الذي علا فوق جميع المخلوقات، القاهر فوق عباده، الذي خضعت له الرقاب، وذلت له الجبابرة. وهو القهار: الذي قهر جميع الخلائق على ما أراد، فهو القاهر وكل ما سواه مقهور، فلا يتحرك متحرك، ولا يسكن ساكن، ولا يموت حي، ولا يزول ملك إلا بإذنه وعلمه، قهر الخلائق كلها بالأمراض والمصائب فلا يستطيع أحد ردها.

стр. 104

وهو القريب: من كل أحد، القريب من الداعي إذا دعاه، الذي يسمع دعاء عباده، القريب اللطيف الذي لا يخفى عليه شيء. وهو القيوم: الذي لا يحتاج إلى أحد، الذي قام بنفسه، واستغنى عن جميع مخلوقاته، وقام به غيره، وافتقرت إليه جميع مخلوقاته في الإيجاد، والإمداد، والبقاء. وهو القائم: الذي تكفل بحفظ كل شيء وتدبيره، القائم على كل نفس، القائم على كل شيء من المخلوقات، القائم بقسمة أرزاق الخلائق، وتصريف أحوالهم، وحشرهم وحسابهم وجزائهم. وهو القوي: القهار العزيز الجبار، الذي له القوة جميعاً، الذي لا يغلبه غالب، ولا يفوته هارب، ولا يعجزه شيء، الذي له القدرة التامة، الذي خلق العرش والكرسي، وخلق الملائكة العظام، والذي خلق السبع الشداد، وخلق الجبال الراسيات والنجوم الزاهرات. وهو القابض: الذي بيده كل شيء، الذي يطوي بره ومعروفه عمن يشاء من خلقه بحسب علمه وحكمته، الذي يملك كل شيء، ولا يفوته ذرة. وهو الباسط: الذي ينشر فضله على من يشاء من عباده، ويرزق ويوسع بحسب علمه وحكمته، يبسط بفضله، ويقبض بعدله، وهو الحكيم العليم. وهو الكافي: الذي صمد لجميع حوائج الخلق، والذي كفى خلقه وعباده ما يحتاجون من الأرزاق وغيرها، وحفظهم من المكاره، الذي لا يخفى عليه مثقال ذرة من خلقه. وهو الكريم: الذي مَنّ بعطائه وإحسانه جميع خلقه، الكثير الخير دائمه، الذي قدر فعفى، ووعد فوفّى، ولا يبالي كم أعطى ولمن أعطى، الكريم

стр. 105

الذي يعطي ولا تنقص خزائنه. وهو الأكرم: الذي يجود بكل خير على جميع خلقه، أكرم الأكرمين، لا يضيع من توسل إليه، ولا يَحْرِم أحداً سأله، يجود بالخير في كل آن. وهو الكفيل: القائم بأمور الخلائق كلهم، المتكفل بأرزاقهم، الموصلها إليهم، الذي تكفل برزق كل حي، فلن تموت نفس حتى تستكمل منه رزقها وأجلها وخطاها. وهو اللطيف: الذي أحاط علمه بكل شيء، بالظواهر والبواطن والسرائر والخفايا، الذي لا تخفى عليه خافية، البَرّ بعباده الذي يلطف بهم، ويرزقهم، ويسوق إليهم الخير، ويعصمهم من الشر من حيث لا يحتسبون، اللطيف الذي لا تدركه الأبصار. وهو المبين: الذي لا ريب في وجوده، الذي لا يخفى على خلقه، الذي أوضح لخلقه سبل النجاة في الدنيا والآخرة. وهو المتين: القوي الذي له القوة التامة، الذي لا تنقطع قوته، والذي لا يقف لقوته أحد، الذي نفذت مشيئته في جميع البريات والمخلوقات. وهو المجيب: الذي يجيب كل من دعاه، القريب من خلقه، يجيب من سأله، ويقبل عبادته، ويثيب عليها أجلّ الثواب. وهو المجيد: ذو المجد والكبرياء والعظمة، الذي له المجد كله؛ لعظمة وكمال أسمائه وصفاته، وكثرة خيره ودوامه، الذي تمجَّد بأفعاله، ومجَّده خلقه لعظمته وجلاله وجماله. وهو المحسن: الذي أحسن خَلْقه، وأحسن إلى كل مخلوق، وغمر بإحسانه وفضله جميع عباده.

стр. 106

وهو المحيط: الذي أحاط بكل شيء علماً، وأحصى كل شيء عدداً، وأحاط بجميع خلقه فلا يقدرون على فوته، الذي جميع المخلوقات في قبضته وتحت قهره لكمال علمه وقدرته. وهو المستعان: الغني القوي الذي لا يَطْلب العون من أحد، بل كل أحد يطلب عونه، والخلق كلهم فقراء إليه، ولا يمكن لأحد أن يقوم بعمل إلا بعونه. وهو المعطي: الذي عم بعطائه جميع خلقه، الكريم الذي يجود بكل خير، الذي يعطي الجزيل من غير سؤال، ويعطي على العمل القليل الثواب الكثير. وهو المانع: الذي امتنع بعظمته وجبروته وقدرته، فلا يقف له أحد، الذي منع الجبابرة من التسلط والظلم وقهرهم، ومنع بعض خلقه من تمام الرزق بحكمته وعلمه. وهو المقدِّم: الذي يقدِّم من يشاء، ويرفع من يشاء، ويقبل من يشاء، الحكيم الخبير الذي يُنْزِل الأشياء منازلها. وهو المؤخر: الذي يؤخر من يشاء، ويضع من يشاء، ويرد من يشاء؛ لأنه العليم الخبير الحكيم الذي يضع كل شيء في موضعه. وهو المقيت: الذي خلق الأقوات كلها، وأوصل إلى كل مخلوق ما يقتات به حسب علمه وحكمته، وهو القائم على جميع المخلوقات بالتدبير والتصريف، الحافظ لكل شيء، القائم على كل شيء. وهو المنان: الذي مَنَّ على جميع عباده بأنواع الإحسان والإنعام، الذي ابتدأ خلقه بالنوال قبل السؤال، الذي مَنَّ على رسله بالرسالة، وعلى عباده

стр. 107

بالهداية والنصر وجزيل النعم. وهو الناصر: الذي بيده النصر، الذي ينصر رسله والمؤمنين على أعدائهم؛ لأنه الناصر وحده، والنصر منه وحده. وهو النصير: الذي يملك النصر، الذي ينصر أولياءه، فلا يخذلهم ولا يُسْلِمهم لأعدائهم، الحليم الرحيم الذي ينصر عبده إذا انقطعت عنه الأسباب. وهو النور: الذي كل نور في العالم من نوره، الذي أنار قلوب المؤمنين بمعرفته، وأنار أبصارهم بنوره، فهو النور، وحجابه النور، وكتبه ورسله وشرعه نور. وهو الهادي: الذي يملك الهداية وحده، الذي هدى خلقه إلى معرفته، وهدى عباده إلى صراطه المستقيم، وهدى كل مخلوق إلى ما ينفعه، المبيِّن طريق الحق من الباطل. وهو الواحد: الذي تفرد بالكمال وحده لا شريك له، الذي لا يشاركه أحد في ذرة من ذرات ملكه العظيم. وهو الأحد: الذي لا شبيه له في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله، الأحد الذي لا شريك له في الخلق والأمر والعبادة. وهو الوارث: الحي الذي لا يموت، الباقي بعد فناء الخلق، الذي يسترد الخلق وما يملكون، والذي يرجع إليه كل شيء، فكل شيء لله، وهو إليه راجع. وهو الواسع: الذي وسع كل شيء رحمة وعلماً، الواسع الكريم الذي وسع رزقه جميع خلقه، ووسع علمه جميع ملكه، واسع الفضل والإحسان، واسع

стр. 108

الرحمة والمغفرة، الذي أحاط علمه بكل ذرة في ملكه، واسع العظمة والملك والسلطان. وهو الوتر: الفرد الذي لا شريك له ولا نظير، الأول الذي لا إله غيره، ولا رب سواه، الواحد الأحد الذي لا شريك له. وهو الودود: الذي يتودد ويتقرب إلى عباده بصنوف النعم، وجميل الإحسان والعفو، المحب لمن أطاعه وأناب إليه، الذي يودّه عباده ويحبونه؛ لكماله وجلاله وجماله وإحسانه. وهو الوكيل: الذي تكفّل بأمور الخلائق كلها خلقاً وتدبيراً وحفظاً، الذي كل الأمور موكولة إليه، الذي توكل ببيان دينه وحفظ كتابه، والذي تكفل بأرزاق الخلائق كلها، وأوصل إلى كل مخلوق رزقه. وهو الولي: الذي يتولى خلقه بنعمه، فهو سيدهم وربهم وخالقهم ومالكهم ورازقهم، الذي يتولى عباده المؤمنين بعونه وتوفيقه، وحفظه ونصره، وإرشادهم إلى ما ينفعهم. وهو المولى: الذي تولى عباده بصنوف النعم، المحب الناصر لعباده المؤمنين، الذي تولاه عباده المؤمنين، فعبدوه لكمال كرمه وغناه، وكمال جلاله وجماله، فنعم المولى، ونعم النصير. وهو الوهاب: الذي يهب من يشاء من عباده النبوة والملك والسلطان والمال والولد، كثير المواهب والعطايا، الذي يهب خيره وبره وإحسانه على الدوام، ويقسمه بين خلقه حسب علمه وحكمته، ويهب الحسن والجمال لكل مخلوقاته.

стр. 109

٢ - زيادة الإيمان - أصول الإيمان: أصل الدين وأساسه هو الإيمان بالله ، واليقين على ذاته، وأسمائه، وصفاته، وأفعاله، وخزائنه، ووعده، ووعيده. فهذه سبعة أصول يقوم عليها الإيمان بالله، ويزيد ويثمر. وجميع الأعمال والعبادات مبناها وقبولها مبني على هذا الأصل العظيم. فإذا زاد الإيمان، زادت الأعمال الصالحة، وحسنت الأخلاق، وصلحت الأحوال، وحصل رضا الله، فأسعد عبده في الدنيا، وأدخله الجنة في الآخرة. وإذا ضعف الإيمان، نقصت الأعمال الصالحة، وفسدت الأخلاق، فساءت الأحوال، وحصل غضب الله، فشقي الإنسان في الدنيا، وأدخله الله النار في الآخرة. - زيادة الإيمان: حتى يأتي الإيمان في حياتنا ويزيد لا بد من العلم بأمور: الأول: أن نعلم ونتيقن أن الله وحده خالق كل شيء. فالعرش شيء، والكرسي شيء، والجنة شيء، والنار شيء، والسماوات شيء والأرض شيء، والله خالق كل شيء. والشمس شيء، والقمر شيء، والنجوم شيء، والهواء شيء، والسحاب شيء، والله وحده خالق كل شيء.

стр. 110

والنبات شيء، والحيوان شيء، والإنس شيء، والجن شيء، والملائكة شيء، والجبال شيء، والبحار شيء، والله خالق كل شيء. والدنيا شيء، والآخرة شيء، والله خالق كل شيء: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (٦٢) لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٦٣)﴾ [الزُّمَر: ٦٢ - ٦٣]. نتكلم بذلك، ونسمعه، ونفكر به، وننظر في الآيات الكونية، والآيات القرآنية، نظر اعتبار وتفكر، حتى يرسخ الإيمان في قلوبنا، ونعرف ربنا، ويزيد إيماننا، وقد أمرنا الله بذلك: ١ - قال الله تعالى: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠١)﴾ [يونس:١٠١]. ٢ - وقال الله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (٢٤)﴾ [محمد:٢٤]. ٣ - وقال الله تعالى: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (١٢٤)﴾ [التوبة:١٢٤]. الثاني: أن نعلم ونتيقن أن الله وحده خلق المخلوقات كلها وخلق فيها الأثر. خلق الشمس وخلق فيها الأثر وهو النور .. وخلق الحيوان وخلق فيه الأثر وهو الحياة، وخلق النبات وخلق فيه الأثر وهو الثمر .. وخلق النار وخلق فيها الأثر وهو الإحراق. وخلق العين وخلق فيها الأثر وهو البصر .. وخلق الأذن وخلق فيها الأثر وهو السمع .. وخلق اللسان وخلق فيه الأثر وهو الكلام .. فكل مخلوق له من الله ثلاثة أوامر: أمر من الله بالخلق، وأمر بالبقاء، وأمر
следующие страницы →