← Акыда

Акыда · id 37535

التوصل إلى حقيقة التوسل

محمد نسيب الرفاعي

Полный текст (335 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

التوصل إلى حقيقة التوسل محمد نسيب الرفاعي

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة الطبعة الثالثة الحمد لله والصلاة والسلام على رسول اله ومن والاه إلى ما شاء الله فهذه بحمد الله ... هي الطبعة الثالثة، من كتابي: / التوسل إلى حقيقة التوسل / أزجي به مرة ثالثة إلى المكتبة الإسلامية وثكنة الفكر الإسلامي الحي ومعسكر الكلمة المسلمة المجاهد لتدفع به جندياً جديداً .. في جملة أفواج الكتب الإسلامية المناضلة المتلاحقة إلى حلبة الصراع مع الباطل إن الباطل كان زهوقاً. ولئن كان الجندي البشري المسلم ... قد يسقط شهيداً كريماً في ميادين شرف الدفاع عن الإسلام ... فإن الجندي الكتاب المسلم ... سيظل مجاهداً دائماً في ميدان الصراع وسيبقى سيفاً ماضياً من سيوف الإسلام ويظل صامداً في خلوده لأنه أقوى من الموت بل وسيموت قبل أن ينال الكتاب المسلم من الموت مقصداً بل وسينتقل الكتاب هذا الكائن الحي المسلم المناضل من حياة الجهاد في الدنيا ... إلى نقطة الثقل في ميزان صاحبه في الآخرة ... يسجل في الميزان العدل أرقاماً تعجز الجبال الشم عن تسجيل مثل وزنها وستظل كلمات وحروف الكتاب المسلم تتلألأ بالنور الصادع الساطع في الميزان حتى يشفع ويقول: يا رب لا أدخل الجنة حتى يدخل صاحبي قبلي إليها ... أجل لن يطول الموت الكتاب المسلم المجاهد ... لأنه يحمل فكرة الرسالة الخالدة التي لا تموت .. فهو حي بها ما دامت وهي محفوظ بحفظ الله لكتابه الجليل لأنها دفقة من دفقات نوره التي لا تخبو / إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون / ولئن كنت أقدم كتبي مع من يقدمون كتبهم جنوداً إلى المكتبة الإسلامية في الدنيا لتزجي بها سيوفاً في حلبة صراع الحق مع الباطل حتى تزهقه ... فأملنا جميعاً نحن حملة الحرف المسلم ... أن تكون هذه الحروف شفيعة لنا ... لا تدخل الجنة حتى تسوقنا إليها ونسمع النداء من العلاء .. يملأ القلوب والأفئدة: طبتم فادخلوها خالدين. المؤلف

стр. 3

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة الطبعة الثانية الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين وعلى آله وصحبه. أما بعد: فأحمد الله تعالى على قدره من رواج الطبعة الأولى من هذا الكتاب: / التوصل إلى حقيقة التوسل / داعياً إليه وهو أكرم مسؤول أن يقدر النفع به وأن يكون ذا أثر جليل في العقول والأفكار ... وبخاصة في الذين كانوا يجيزون التوسل إلى الله تعالى بذوات المخلوقين. هذا التوسل الممنوع الذي من أجل منعه وتحريمه أرسل الله وبعث المرسلين ليبلغوا الناس أن تعالى: لا يقبل توسلاً إليه ولا قربى إلا بما شرع جل وعلا لا بما يسول الشيطان لهم ويبتدعه من التوسل الممنوع الذي لا يزداد فاعله من الله إلا بعداً. ولعل هؤلاء ... يجدون في هذا الكتاب من الأدلة القاطعة والبراهين الساطعة المستندة إلى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ما يقنعهم بضرورة العودة إلى ما يرضيه تعالى من التوسل والقربى ... لأنه أو ضح حجة وأقوم محجة وهذه هي: / الطبعة الثانية / من هذا الكتاب أضعها بين أيدي حضرات القراء الأعزاء من إخواني المسلمين مصححة ومزيدة ومنقحة بعد أن نفدت نسخ الطبعة الأولى نفاذاً تاماً ... واشتد الطلب عليها فأعدنا طبعها لتظل المنفعة بها جارية والفائدة عميمة والأثر بالغاً وعميقاً ولعل الله يهدي بها القلوب ويسلكها صراطاً مستقيماً ويجعلنا ممن عناهم الرسول ﷺ بقوله: [لأن يدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم] وقوله ﷺ [ومن سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة دون أن ينقص من أجورهم شيء] وبقوله: إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية وعلم ينتفع به وولد صالح يدعو له.] وصلى الله على وعلى آله وصحبه أجمعين وآخر دعونا أن الحمد لله رب العالمين. المؤلف

стр. 4

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ كلمة فضيلة الشيخ إسماعيل الأنصاري البحاثة في علم الحديث بالرئاسة العامة لادارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد بالرياض الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: فإن مما وقع فيه الاشتباه والإجمال من الألفاظ لفظ ((التوسل)) فإن هذا اللفظ يطلق شرعاً على التقرب إلى الله تعالى بما شرعه من الإيمان به وتوحيده وتصديق رسله وعلى بما عمله المتوسل من الأعمال الصالحة التي يحبها الله ويرضاها وعلى التوسل إليه بأسمائه الحسنى وصفاته العالي وعلى التوسل إلى الله بدعاء المتوسل به للمتوسل وشفاعته. هذا ما يعنيه لفظ التوسل شرعاً. وفي عرف من خفي عليهم ذلك من المتأخرين وهم الأكثرون! صار لفظ التوسل على غير ذلك كقول الداعي في دعائه: ((اللهم إني أسألك أو

стр. 5

أتوسل إليك أو أتوجه إليك بفلان أو أسألك بجاه فلان أو بحرمته أو بحقه دون أن يكون لذلك الشخص المتوسل بدعائه له ولا بغير ذلك ... كما يطلق التوسل عند أولئك المتأخرين على الإقسام على الله بالرجل الصالح أو بمن يعتقد فيه الصلاح. لهذا اعتنى بموضوع التوسل من عرفوا مدى خطورة الوضع فأوضحوا الحقيقة وفرقوا بين ما دل الكتاب والسنة عليه من التوسل وما تكلم به الصحابة وفعلوه وبين ما أحدثه المحدثون في هذا اللفظ ومعناه. غير أن الموضوع كان متفرقاً في المراجع لم يفرده أحد بكتاب فيما أعلم ... قبل شيخ الإسلام تقي الدين أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية الحراني الذي صنف فيه كتابه المشهور ((القاعدة الجليلة في التوسل والوسيلة)) وبين فيه بكل دقة معنى التوسل المعهود عند الصحابة. وبحث في تلك الألفاظ التي أحدثها أولئك المتأخرون في أدعيتهم وادعوا أنها من قبيل التوسل المشروع وأجاب عم تعلقوا به واعتبروه أدلة لهم. ثم بعد شيخ الإسلام ابن تيمية لم أطلع على من اعتنى بجميع كل ما يتعلق بالموضوع في كتاب خاص كما اعتنى به في عصرنا هذا رئيس جمعية الدعوة السلفية إلى الصراط المستقيم بحلب الشيخ محمد نسيب الرفاعي فقد أفرده بكتاب سماه (التوصل إلى حقيقة التوسل) بسط فيه أدلة أنواع التوسل المشروع وبين وجه الاستدلال بكل دليل منها ثم تطرق للألفاظ المتقدمة التي اشتهر عند المتأخرين إطلاق لفظ ((التوسل)) عليها دون أي صلة للمتوسل به بموضوع المتوسل وأدى لكل لفظ ما يتطلبه من البحث معتمداً على أقوال أئمة العلم كأبي حنيفة وغيره في تلك الألفاظ ثم تعرض لما استدل به أولئك المتأخرون من كتاب الله وأحاديث رسول الله ﷺ فأجاب عنه بأن الكتاب عنه بأن ما في الكتاب والأحاديث لا يدل على مقصودهم وأوضح ذلك غاية الإيضاح وناقش ما لم يصح من الأحاديث

стр. 6

التي تتعلق بها سنداً ومتناً وسلك الأقسام على الله ببعض الصالحين والسؤال بذواتهم: مسلك شيخ الإسلام ابن تيمية بقوله في الأقسام على الله النبي ﷺ والسؤال بذاته: ((هذا هو الذي لم تكن الصحابة يفعلونه في الاستسقاء ونحوه لا في حياة النبي ﷺ ولا بعد مماته لا عند قبره ولا غير قبره ولا يعرف هذا في شيء من الأدعية المشهورة بينهم وإنما ينقل شيء من ذلك في أحاديث ضعيفة أو موقوفة أو عمن ليس قوله بحجة)) وقوله ﵀ في قول السائل: ((أسألك بجاه فلانت أو بحقه فإن هذا مما نقل عن بعض المتأخرين فعله ولم يكن فيه سنة عن النبي ﷺ بل السنة تدل على النهي عنه كما نقل ذلك عن أبي حنيفة وأبي يوسف وغيرهما وصرح في موضع آخر بأن التوسل بذوات الصالحين ليس سبباً يقتضي إجابة الدعاء. هذا ونسأل الله تعالى أن يثيب الشيخ محمد نسيب الرفاعي على ما بذله من جهود في سبيل إيضاح الحق في الموضوع وأن يحفظه ويرعاه. الرياض ٢٧/ ١٠/١٣٩٥ إسماعيل الأنصاري

стр. 7

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ كلمة إدارة جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية أحمد الله وأثني عليه واستغفره وأتوب إليه لا إله إلا هو ولا رب لنا سواه والصلاة والسلام على نبيه ورسوله محمد وعلى آله وصحبه. وبعد: فلقد قرأت كتاب (التوصل إلى حقيقة التوسل) للشيخ محمد نسيب الرفاعي جزاه الله خيراً فألفيته كتاباً بذوات المخلوقين وأوضح التحريم لها وأتى بما يقنع الخصم من أدلة المنع وأبطل أدلة الإثبات بأوفى بيان كما أتى بأدلة التوسل المشروع بأنواعه بما لم يسبق إليه فيما عرف ... فالكتاب يصلح مرجعاً كافياً في باب التوسل بالذوات والأموات والتعلق عليهم دون الله لاعتقاد صلاحهم وفضلهم وقدرتهم على نفع من تعلق عليهم وتسمية ذلك توسلاً وتشفعاً كما عليه المشركون والقبوريون قديماً وحديثاً. ويستحق الكتاب أن يطبع منه كميات ... وينشر في البلاد البعيدة التي تمكنت فيها رواسب الشرك الصريح وصعب علاجها وإنقاذها رجاء أن يحصل له ثمرة يانعة في إنقاذ فئام من الأمم ... مغمورين بالجهل والتقليد الأعمى للآباء والأجداد ... وصلى الله على محمد وآله وصحبه. جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض

стр. 8

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ كلمة الدكتور إبراهيم جعفر سقا المدرس بكلية الدعوة وأصول الدين الحمد لله كل شيء ومليكه وخالقه لا نعبد إلا إياه ولا نتوسل إليه إلا بما يحبه ويرضاه والصلاة والسلام على محمد وصحبه ومن والاه، وبعد: فهذا الكتاب - التوصل إلى حقيقة التوسل - للأخ المفضل والعالم السلفي العامل بعلمه والداعية الشهم الذي أوذي في الله فما وهن أو جبن .. وجمع له الناس فازداد إيماناً وقال: حسبنا الله ونعم الوكيل أقول: هذا الكتاب كان استجابة للحاجة الماسة إلى رد المسلمين إلى إيمانهم الصحيح بهذا الدين الذي يحملون اسمه ويجهلون في الغالب كنهه وحقيقته. فلقد أحس المؤلف حفظه الله في حسرة بالغة وألم شديد أن علة العلل في العالم الإسلامي هجر كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ والارتياح إلى البدع الضالة والعقائد الزائغة والأوضاع الفاسدة ... فقام رعاه الله بمطالبة الاعتماد على الكتاب والسنة حتى يعبد الله كما يجب ويرضى وحتى تغدو هذه الأمة المستسلمة لأهوائها المتخاذلة أمام أعداء دينها أمة فتية ملتهبة حماسة وغيرة وحنقاً على الشرك وأهله وعلى الجاهلية وعاداتها ونظمها وتقاليدها. - هذا الكتاب - باعتماده على القرآن والسنة يحدث صراعاً بين الإيمان والنفاق واليقين والشك والحق والباطل وبعدها يقوم في ناحية بعون الله ((فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى، وربطنا على قلوبهم إذا قاموا فقالوا ربنا رب السموات والأرض لن ندعو من دونه إلها لقد قلنا إذا شططاً)) ولعله مما يلفت النظر في هذا الكتاب أنه يثير في نفس قارئه المعاني الإيمانية بالأدلة الشرعية والحقائق الدينية والوقائع القرآنية والأمثلة المتضافرة بلا تمحل ولا اعتساف في مقدمة أو نتيجة ... إنه يبدأ برسم صورة سريعة للتوسل وأقسامه من حيث المشروع والممنوع وأنواع كل منها .. ثم يعرض الصورة الإيمانية

стр. 9

للتوسل المشروع بشكل يحس القارئ فيه بمدى الحاجة الملحة إلى الهدى الإلهي الذي انبثق ليخرج الناس من الظلمات إلى النور. والخصيصة البارزة في هذا الكتاب دور أنه مع الحق حيثما دار وانتصاره للنواحي الشرعية وإهداره للجوانب الشخصية وهو لهذا لا يعد نموذجاً للبحث في التوسل فحسب .. بل نموذجاً كذلك في أبحاث الدين عامة. ولعل القارئ لم يكن ينتظر من رجل خدم الدعوة السلفية وأسسها في بلده أن يتحدث ويؤلف في التوسل وحده فلا ينسى الإلحاح على الجوانب الأخرى من العقيدة مع الاعتصام بحبل الله والثقة به مهما حزب الأمر وادلهم الخطب. وأخيراً: فإن السمة الظاهرة في هذا الكتاب كله هي معرفة كيف يكون الأمر لو أدرك المسلمون العقيدة الصحيحة بحيث خالط الإيمان بالله ورسوله شغاف قلوبهم واستعذبوا التضحية في سبيل الله وجعلوا الحياة في كل جوانبها لا تقوم إلا عليه؟. على أن هذا الكتاب في غير حاجة حقاً لتقدمة مقدم، فقد تقبله القراء بقبول حسن وحفوه بحفاوة لم يظفر به كتاب ظهر من أمثاله في هذه الأيام .. وقد كان للإخلاص العميق وابتغاء وجه الله الأثر الكبير سر نجاح الكتاب وشهرته ولا أبالغ إن قلت: إن قراءة هذا الكتاب يكاد يكون واجباً على كل مسلم يريد أن يعرف التوسل الذي يحبه الله ويرضاه. وختاماً: أسأل الله تعالى أن يجعل لنصائح صاحب الفضيلة آذاناً صاغية وقلوباً واعية وأن يجزيه عن الإسلام وأمته خير الجزاء ويجعله من أولياء دينه الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون. ((إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد)) د. إبراهيم جعفر سقا المدرس بكلية الدعوة وأصول الدين في الجامعة الإسلامية

стр. 10

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون (١)) (يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجلاً كثيراً ونساءً واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيباً) (٢) (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولاً سديداً يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزاً عظيماً) (٣) أما بعد: فإن خير الكلام كلام الله وخير الهدي هدي محمد ﷺ وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار (٤).

стр. 11

أخي القارئ المسلم الكريم: أضع بين يديك كتاباً .. جهدت فيه والتزمت أن لا أقول فيه إلا الحق المؤيد بالحجج القرآنية والبراهين السنية وسيرة ومنهج السلف الصالح ولا أراني محتاجاً لتعريف السلف الصالح ... فالكل يعلم أنهم: محمد ﷺ وصحابته الكرام والقرون الخيرة التي شهد لأهلها بالخير ومن سار على نهجهم وتقفى خطاهم الهادية إلى يوم القيامة. وهذا الكتاب يبحث في موضوع جليل طالما تنازع فيه السلف والخلف واختلفوا فيه اختلافاً بيناً!!! ألا وهو موضوع التوسل وأعني بالتوسل التوسل إلى الله تعالى بما يحبه ويرضاه للفوز بمحبته ورضاه. على أن الطريق المؤدية إلى منتهى هذه الرغبات .. وغاية هذه الأمنيات .. قد شذ فيها الخلف عن السلف .. ! واتبعوا طرائق .. أقل ما يقال فيها: أنها على غير السبيل القويم والصراط المستقيم الموصل إلى الهدف الأسمى من الرضا والفوز فلا بدع أن تزور بهم تلك الطرائق ... عن النهج السوي فتضلهم عن الوصول إلى الغاية المنشودة. (وإن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون) (٢). بحثنا هذا ... بحث سلفي موضوعي بأسلوب علمي منهجي وعرض سهل جديد مفصل ومبوب يتسلسل بالقارئ تسلسلاً يعين على فهم الموضوع بشكل بسيط واضح وجذاب بمقارنة جلية بينة بين حجة السلف ورأي الخلف فيخرج القارئ من البحث مستطيعاً أن يعين بنفسه الطرف الذي اقتنع بحجته ويسير على الطريق الذي اختاره بعد تمحيص وتدقيق ومقارنة وتقرير ويسلك المحجة التي يدين الله بها أنها هي الحق الذي ما بعده إلا الضلال.

стр. 12

لا أدعي قط ... أنه بحث جديد أو موضوع حديث ... بل هو قديم وسحيق في آفاق القدم ... فهو موجود منذ أن اصطرع الهدى والضلال على الأرض واختلف أهل كل فيها وقد يكون هبوط الرسالات ... وابتعاث النبوات ... سبباً موجباً ليوضح فيه طرق الحق من طرق الضلال ويسلك البشرية صراطاً مستقيماً فمن أخذ به من مشكاة النبوات ومصابيح الرسالات ... فقد تجنب الغي والضلال واتبع النور الذي لا يجتمع والظلام في قلب واحد. ومن سلك فيه السبل ... افترقت به عن سبيل الله التي لا يزيغ عنها إلا هالك. وهكذا فإن بحثنا اليوم ... يسير في صراط المرسلين والنبيين أسلوباً وهدفاً وغاية تحقق فيه على نهجهم ومسيرتهم ما دعوا إلى تحقيقه منذ آدم إلى محمد عليهم أفضل الصلوات وأتم التسليمات وأبرك التحيات. إذا ... هو بحث في صميم الدعوة إلى الإسلام ... إن سلكت يا أخي فيه الحق والهدى كان القنطرة التي عليها تمر إلى جنات النعيم ... وإن سلكت فيه السبل ... أي غير طريق النبيين والمرسلين ... كان القائد والدافع إلى الهاوية التي هوى فيها من قبل ... من تنكب عن الطريق القويم وأزور عن الصراط المستقيم واختار على علم!!! خاتمة حذر منها ومن مغبتها المرسلون. فاختر يا أخي المسلم ما ينجيك ... يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم. منهجي في معالجة هذا الموضوع اخترت لك يا أخي منهجاً في معالجة هذا الموضوع الهام ... بل البالغ الأهمية حرصت فيه أن يكون منهجاً واضح المعالم ووضعت لك على كل منعطف الصوى الظاهرة البينة والدلالات القائمة التي يراها كل ذي بصر وبصيرة وأشرت لك بأوضح الإشارات وأبين العلامات على كل مفترق سبيل الخير والحق والهدى من سبل الشر والباطل والضلال وما المعالم والصوى والإشارات والدلالات والعلامات إلا: تنزيل رب العالمين وهدي خير الأنبياء

стр. 13

والمرسلين ومنهج خير صحب ومسلك خير قرون الأولين والآخرين. بحثت لك معنى التوسل لغة وشرعاً وقسمت التوسل إلى قسمين وهما: ١ - التوسل المشروع. ٢ - التوسل الممنوع وعرفت لك كلاً منهما. وقسمت أيضاً التوسل المشروع إلى ثلاثة أقسام: ١ - توسل المؤمن إلى الله تعالى بذاته وأسمائه وصفاته. ٢ - توسل المؤمن إلى الله تعالى بأعماله الصالحة. ٣ - توسل المؤمن إلى الله تعالى بدعاء أخيه المؤمن له. ثم عرفت كل قسم من هذه الأقسام الثلاثة وأثبت بالأدلة عليه من الآيات البينات ... ففسرتها وذكرت الشاهد منها ... وأكثرت الأمثلة والأدلة لتكون أوقع في النفس وأدعى إلى الاطمئنان واليقين. وكذلك ذكرت في كل قسم الأدلة الواضحة من الأحاديث الصحيحة فشرحتها وذكرت كذلك الشاهد منها ومن إيرادها والموطن المقصود منها وكيف أن رسول الله ﷺ ذكرها معلماً ومبلغاً وهادياً وآمرا باتباع هديها وسلوك محجتها وذلك من أدعيته وتوسلاته إلى ربه أو من أدعية وتوسلات النبيين قبله أو من سيرة الأمم السالفة المؤمنة الذين سبقونا بالإيمان وكيف كانوا يتوسلون إلى ربهم ليكون سبيله هو، وسبيل النبيين قبله وسبيل الذين سبقونا بالإيمان قدوة لنا وأسوة ونبراساً وهدى. وإنه ﷺ لم يذكرها لأصحابه إلا ليعلموا بها ويقتدوا بهديها. ثم ذكرت لك يا أخي: التوسل الممنوع وعرفته لك وذكرت حكم الشارع الحكيم فيه وفي من أخذ به وقسمته كذلك إلى أقسام ثلاثة: ١ - التوسل إلى الله تعالى بذات وشخص المتوسل به من المخلوقين. ٢ - التوسل إلى الله بجاه فلان أو حقه أو حرمته أو بركته!!! ٣ - الإقسام على الله تعالى بالمتوسل به ورددت كل ذلك بالدلائل الواضحات والبراهين الساطعات والحجج الدامغات من الكتاب والسنة وسيرة السلف الصالح ﵃ وبأقوال الأئمة المجتهدين

стр. 14

والعلماء الأعلام العاملين. ثم ذكرت أقوال المجيزين للتوسل الممنوع وما يدلون به من الحجج من القرآن والسنة (بزعمهم ... ) وذكرت دعاواهم وشبههم التي تربو على الثلاثين فكشفت عنها ونقضها واحدة إثر واحدة متناً وسنداً .. إما أنهم لم يحسنوا الاستدلال بها بأن جاءوا بها في غير مناسبتها ... وإما كونها من الأحاديث الموضوعة المكذوبة والباطلة وما لا أساس لها من الصحة!!! وأحسن ما أوردوا من حججهم الأحاديث الشديدة الضعف ... !!! التي لا يجوز إيرادها إلا في معرض عللها ليكون الناس على بينة منها فكيف إذا أوردت من أجل الاحتجاج بها ... !!!؟ وإنني لم أكن متجنياً عليهم ولا رددت شبههم لمجرد الهوى ... أو لعصبية ... لا والله ... وإنني لأبرأ إلى الله تعالى من كل ذلك ... وإنني أقسم بالله لو أن حججهم التي أدلوا بها صحيحة كلها أو جلها ... حتى ولو واحدة منها ... إذا لا تبعتها وأنا منشرح الصدر ولكن يا ليت ... وهل تنفع ليت ... ؟ ما ذنبي أنا!! إذا هم أوردوا من الأدلة ما لم يصح منها ولا دليل واحد ... ؟ أهم يأتون بالموضوعات والمكذوبات وأنا الملوم والمسؤول لم رددتها .. !!!؟ أنا ما رددتها ... إنما الذي ردّها وشهد بوضعها وكذبها وبطلانها جهابذة أعلام علم الحديث وأكابر أهل الجرح والتعديل. إنني أرى نفسي ... إنني أستحق الشكر منهم قبل غيرهم لأنني أنرت لهم الطريق ليروا الحق من الباطل والهدي من الضلال والرشاد بعد الغي ويتبعوا ما أمرهم الله أن يتبعوه ... فسلكتهم السبيل خطوةً خطوة وكلي أمل أن يعودوا إلى ما نصح لهم من الحق والحقيقة عساهم أن يكونوا من أتباع الحق ... فلعلهم كانوا مفتونين بتلك الشبهات والأباطيل ... فكشفتها لهم على حقيقتها فإذا هي الأحابيل المزأبقة التي كان يخيل إليهم أنهت تسعى .. حتى إذا جاءت عصا الحقيقة .. فابتلعت كل ما يأفكون .. فرحنا لأنهم سيسجدون

стр. 15

لله مؤمنين بما جاءت به الرسل .. كما آمن السحرة من قبل ... وسجدوا لله رب العالمين ونرجو الله أن يفعلوا لوجدوا الله تواباً رحيماً بل ولبدل سيئاتهم حسنات. والذي يحز في النفس أنك يا أخي تسمع منهم أنهم يؤيدون التوسل المشروع ويقولون بمشروعيته كما نقول تماماً .. ولكن يا ليتهم عندما يدعون ويتوسلون إليه تعالى أن يتوسلوا إليه بالتوسلات المشروعة ولو مرة واحدة .. !! إنني تعمدت الإصغاء إليهم وهم يجأرون بالدعاء إلى الله لعلي أسمعهم ولو مرة واحدة يقولون: اللهم إننا نتوسل إليك بأسمائك الحسنى وصفاتك العلى وبكل عمل صالح مقبول منا عندك أن تقضي حوائجنا ... فلا والله ما سمعت منهم هذا أو ما يشبه ... بل كلهم يتوسلون بأحرج الأوقات: بحق الأنبياء وجاه الأولياء وبركة الصالحين وينادونهم: بأن يدعوا الله لهم الكشف عنهم الهم والغم والحزن وهم يعلمون أن الذين ينادونهم: أموات غير أحياء وما يدرون أيان يبعثون. ليت شعري ... كيف يؤمنون معنا في صيغ التوسل المشروع ... ويوافقوننا في ذلك ويقولون لا نختلف معكم في هذا ... ثم لا يستعملونه أبداً ... مما يدل على أنهم غير صادقين في قولهم الذي قالوه: بأنهم يؤيدون التوسل المشروع!! ولو كانوا صادقين لتقربوا إلى الله ولم يرضوا عنه بديلاً ولأثبتوا من فعلهم دليلاً على صدقهم بما يقولون. ولعل هذا الموقف منهم ... كان من جملة الأسباب التي دعتني إلى تأليف هذا الكتاب ... راجيا أن أبلغ وإياهم به ما يقربنا إلى مرضاته تعالى فتنكشف الأعصبة وتنتهك الستر التي كانت تغشى الأبصار والبصائر فيظهر الحق جلياً واضحاً ونهتف جميعاً بلسان واحد: (قل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقاً) ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم وصل اللهم على محمد وعلى آله وصحبه والتابعين وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين ما شاء الله وسلم تسليماً كثيراً وآخر دعونا أن الحمد لله رب العالمين. محمد نسيب الرفاعي خادم الدعوة

стр. 16

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ معنى التوسل لغة وشرعاً التوسل لغة: قال الجوهري في صحاحه: ((الوسيلة: ما يتقرب به إلى الغير. والجمع: الوسيل والوسائل والتوسل واحد وسل فلان إلى ربه وسيلة وتوسل إليه بوسيلة أي تقرب إليه بعمل)). وفي القاموس: ((الوسيلة والواسلة: المنزلة عند الملك، والدرجة والقربة ووسل إلى الله توسيلاً: عمل عملاً تقرب به إلى الله كتوسل. والواسل: الواجب والراغب إلى الله تعالى)). وفي المصباح: ((وسلت إلى العمل. أسل من باب وعد رغبت وتقربت ومنه اشتقاق الوسيلة. وهي ما يتقرب به إلى الشيء. والجمع: الوسائل. والوسيل: قيل جمع وسيلة، وقيل لغة فيها، وتوسل إلى ربه بوسيلة: تقرب إليه بعمل)). وكل ما تقدم في معنى الوسيلة، قال سائر علماء اللغة وهذا ما اتفق عليه الجميع.

стр. 17

التوسل شرعاً: هو التقرب إلى الله تعالى بطاعته وعبادته واتباع أنبيائه ورسله وبكل عمل يحبه الله ويرضاه. قال ابن عباس ﵄: إن الوسيلة هي القربة وقال قتادة في تفسير القربة أي تقربوا إلى طاعة بطاعته والعمل بما يرضيه. وهكذا ... فإن كل ما أمر به الشرع من الواجبات والمستحبات فهو توسل شرعي ووسيلة شرعية. قال الله تعالى في سورة المائدة الآية / ٣٥ /: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة وجاهدا في سبيله لعلكم تفلحون) وقال جل وعلا في سورة الإسراء: (قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلاً / ٥٦/ أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذوراً) /٥٧/ يتضح مما تقدم أن التوسل لغة وشرعاً ... لا يخرج عن معنى التقرب أو ما يؤول من القربى إلى الله تعالى بما يرضاه من الأعمال الصالحة. وإنك لترى يا أخي المسلم أن آية المائدة ... يحض الله فيها عباده على أن يبتغوا إليه الوسيلة أي التقرب إليه بالإيمان والتقوى والجهاد في سبيله ولهم الفلاح أي الجنة والجنة ولا شك أقصى غايات الفلاح والنجاح. وإنك لترى أيضاً في سورة الإسراء الآيتين ٥٦ و ٥٧ أن الله تعالى يلفت أنظار المؤمنين إلى أن عمل المشركين بالتزلف إلى الله بأشخاص المخلوقين لا يفيدهم شيئاً لأنهم لا يملكون كشف الضر عنهم ولا تحويله فدعاؤهم بالذوات أو التوسل بهم ... لا يقدم ولا يؤخر ولا يوصلهم إلى مبتغاهم لأنهم أخطأوا الطريق إلى الله. إن هاتين الآيتين في سورة الإسراء: نزلتا في نفر من العرب كانوا يعبدون نفراً من الجن فأسلم الجنيون ... أما الإنس الذين كانوا يعبدونهم فلم يشعرو

стр. 18

ابإسلامهم ... فأخبرهم الله بوحيه المنزل على عبده ورسوله محمد ﷺ : (قل ادعوا الذين زعمتم من دونه لا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجعون رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذوراً) فإن هؤلاء الذين يزعم المشركون أنهم يقربونهم إلى الله زلفى هم أنفسهم يخبر الله عنهم أنهم يتسابقون ويتنافسون فيما بينهم بالتقرب إلى الله تعالى بالطاعات والأعمال الصالحة ويرجون رحمته ويخشون عذابه أن ينالهم ويشفقون منه فكيف يا أيها المشركون تدعونهم لكشف الضر عنكم وتوسطونهم .. ؟ فما الذي تؤملون منهم وهم على أشد ما يكونون حاجة إلى الله تعالى. فالذي لا يملك شيئاً .. لا يعطي شيئاً. وما مثلكم في هذا العمل الذي تصنعون .. إلا كمثل مريض ذهب إلى الطبيب لكي يتطبب عنده فرأى طبيبه مريضاً يتطبب عند كبير الأطباء مثلا أو عند أي طبيب آخر .. أفلا يدفعه واقع طبيبه لأن يتطبب عند من وجد طبيبه عنده.؟! فلو أن في طبيبه نفعاً لنفع نفسه .. وما احتاج إلى طبيب سواه. إذا قال هؤلاء الذين تدعونهم يرجون رحمة الله ويخشون عذابه ويتسارعون في مرضاة الله تعالى ويتقربون إليه بأعمالهم الصالحة المرضية فلماذا لا تصنعون كما صنعوا لتبلغوا عند الله الذي بلغوا .. لأن التوسل بالعبد الصالح من غير متابعة له في الأعمال الصالحة لا يجوز أن يكون وسيلة. ثم فكروا قليلاً وانظروا .. هل هؤلاء الذين توسطونهم .. !! يوسطون أحداً إلى الله في توسلاتهم؟ أم جعلوا أعمالهم الصالحة وسيلة إليه تعالى .. ؟ لا شك أن الجواب: بل جعلوا أعمالهم الصالحة وسيلة وقربة يتقربون بها إلى الله تعالى. فما بالكم لا تقتدون بهم .. ؟ ولم لا تفعلون ما يفعلون. . ما دمتم بهم وبصلاحهم تثقون .. ؟ أمن جهة تثقون بهم وبصلاحهم ومنزلتهم عند الله .. ومن جهة أخرى تخالفون هديهم ومنهجهم .. ؟! هذا أمر يوحي بأنكم غير صادقين في محبتكم لهم ولستم واثقين من صلاحهم ولو كنتم صادقين بذلك لجعلتموهم قدوتكم

стр. 19

الصالحة وأسوتكم الحسنة واتخذتم سبيلهم إلى الله سبيلاً لكم منهجهم منهجاً لكم. هذا ما قررته الآيات السابقة في هذا الموضوع ... ومن أحسن من الله قيلا؟ أقسام التوسل التوسل إطلاقاً يدخل معناه: كل توسل شرعياً كان أو بدعياً. فلأجل التفريق بينهما يجب أن نعلم أقسام التوسل حتى يكون لدينا ميزان نزن به الأشياء فنعرف غثها سمينها فإذا عرفنا ما هو التوسل الشرعي وما هو التوسل الغير شرعي وذلك بمعرفة الأدلة عندها نستطيع أن نأخذ لأنفسنا ما يحلو ونكون بعدها مسؤولين عما أخذنا .. إن الله كان خيراً فخير أو شراً فشر (فمن يعمل مثقال ذرة خير يره ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره) (١) ينقسم التوسل من حيث هو إلى قسمين: ١ - : توسل مشروع. ٢ - : توسل ممنوع. الكلام على التوسل المشروع تعريفه -: التوسل المشروع هو كل ندبنا الله تعالى إليه في كتابه وحثنا عليه ووضحه لنا رسوله الأمين ﷺ أي ما كان موافقاً لما شرع الله من التقرب إليه بالطاعات والأعمال الصالحة التي يحبها الله ويرضاها ولا يحب ولا يرضى إلا الذي أمر به: ١ - : توسل المؤمن إلى الله تعالى: بذاته العلية، وبأسمائه الحسنى، وبصفاته العلى. ٢ - : توسل المؤمن إلى الله تعالى بأعماله الصالحة. ٣ - : توسل المؤمن إلى الله تعالى بدعاء أخيه المؤمن له.

стр. 20

١ - التوسل إلى الله تعالى بذاته العلية .. وأسمائه الحسنى .. وصفاته العلى

стр. 21

التوسل إلى الله تعالى بذاته العلية .. وأسمائه الحسنى .. وصفاته العلى والأمثلة الدالة على ذلك تعريفه: هو أن تقدم بين يدي دعائك إلى ربك تعالى تمجيداً له وتعظيماً وحمداً وتقديساً في ذاته العلى. ثم تدعو بما بد لك ... ليكون هذا الحمد والتمجيد والتعظيم والتقديس للرب تعالى وسيلة إليه سبحانه لأن يتقبل دعاءك ويجيبك إلى ما دعوت وتنال مطلوبك. إن أعلى أنواع التوسل إلى الله تعالى وأقربها إجابة: التوسل إليه بذاته العلية وأسمائه الحسنى وصفاته العلى. لأنه تمجيد وتقديس وثناء على الله تعالى وهو كما أثنى على نفسه والقرآن والسنة مكتظة صفحهما بالأمثلة على الحض على التوسلات إليه تعالى. ولأجل توضيح ذلك .. نضع صوراً عديدة من هذه الأمثلة ... ولتكون أيضاً بمثابة الأدلة على صحة التوسل الذي ندعو إليه المسلمين دون سواه ونعتبره منهجاً صحيحاً ومسلكاً مثالياً للتوسل الشرعي أمر الله تعالى به ووضحه وبينه رسول الله ﷺ . ((الأمثلة الدالة على التوسل إليه تعالى بذاته وأسمائه وصفاته من القرآن الكريم)) إن الله تعالى دلنا دلالات واضحة وصريحة في كتابه العزيز على التوسل إليه والآيات في توضيح ذلك كثيرة ... إنما نقتطف لك يا أخي المسلم بعضاً منها على سبيل المثال وهي في نفس الوقت دليل قاطع من كتابه تعالى على توضيح مراده من كيفية التوسل إليه سبحانه ليكون سبباً يحبه الله ويرضاه لاستجابة الدعاء.

стр. 22

الدليل الأول قال الله تعالى: ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه سيجزون ما كانوا يعملون (١٨٠) الأعراف ١٨٠ هذا أمر من الله تعالى لعباده يحضهم فيه على أن يدعوه تعالى بأسمائه الحسنى ليكون دعاؤهم إليه إلى الاستجابة أقرب. أما الذين يلحدون في أسمائه أي يشركون بها فذروهم إليه فهو سيعاقبهم على ما كانوا يشركون بأسمائه. وأصل الإلحاد في اللغة: العدول عن القصد، والميل والجور والانحراف. هذا ما يدعو الله عباده المؤمنين إليه من التوسل إليه بأسمائه الحسنى. قال أبو يوسف عن أبي حنيفة: لا ينبغي لأحد أن يدعو الله إلا به. والدعاء المأذون فيه: المأمور به: ما استفيد من قوله تعالى: (ولله الأسماع الحسنى فادعوه بها) وقال ﵀: وكذا لا يصلي أحدٌ على أحدٍ إلا على النبي ﷺ وكره قوله بحق رسلك وأنبيائك وأوليائك أو بحق البيت لأنه لا حق للخلق على الخالق تعالى وذكر العلائي في التنوير عن (التتار خانية) أن أبا حنيفة قال: لا ينبغي لأحد أن يدعو الله إلا به وفي جميع متون الحنفية: إن قول الداعي المتوسل بحق الأنبياء والأولياء وبحق البيت الحرام مكروه كراهة تحريم وهي كالحرام في العقوبة بالنار عند محمد اهـ ملخصاً. وهكذا فإن المنكر لذلك النقل جاهل بمذهب أبي حنيفة ﵀.

стр. 23

وقوله تعالى (وذروا الذين يلحدون في أسمائه سيجزون ما كانوا يعملون) فيه تهديد ووعيد من الله تعالى، لمن ينحرفون عن دعاء الله بأسمائه الحسنى ويدعون غيره. ويأمر تعالى بمقاطعة الذين يلحدون بأسمائه عند التأكيد من عنادهم الباطل وعدم انقيادهم للحق فإن الله أعد لهم ما يستحقون من العذاب والنكال والعياذ بالله تعالى: إن ما تقدم من قوله تعالى: (ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها ... ) أمر منه سبحانه بأن نتوسل إليه بأسمائه الحسنى في جملة التوسلات المشروعة كما يكون دعاؤنا إليه أقرب للإجابة ولا شك في أن ما يصح في الأسماء يصح كذلك في الصفات لأن الأسماء مشتقة من الصفات غالباً ... ولا يعقل أن تكون أسماء وصفات لغير ذلت. إذا .. فيكون المتكلم القائل: (ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها ... ) هو ذات الله ﵎ وتقدس. وعلى هذا تكون هذه الآية من حيث الحض على التوسل بأسماء الله الحسنى شاملة أيضاً الحض على التوسل بالصفات العلى والذات العلية لأن هذا النوع من التوسل من أعلى أنواع التوسل المشروع وأقرب أسباب الإجابة لدعاء الداعي فجلت وعزت ذاته عن ذوات المخلوقين وتعالت أسماؤه وتنزهت عن أسماء المخلوقين وتقدست صفاته وتسامت عن صفات المخلوقين. (ليس كمثله شيء وهو السميع البصير). هذا الرب العظيم وهذا الإله المتعال هو الذي يدعو عباده إلى التوسل إليه وإلى التقرب إلى جنابه العزيز ويرشدنا في قرآنه الكريم إلى توسلات الأنبياء والرسل وكيف كانوا يتوسلون إليه لنتخذهم قدوتنا الصالحة وأسوتنا الحسنة وما هو جلت صفاته وتقدست أسماؤه يعطينا الأمثلة لتكون لنا حافزة على الاقتداء بأنبيائه ورسله والتأسي بهديهم. على هذا الصراط المستقيم.

стр. 24

الدليل الثاني قال الله تعالى مخبراً عن عبده ونبيه ورسوله إبراهيم عليه الصلاة السلام كيف توسل إليه تعالى عندما أراد أن يتضرع إليه بالدعاء: ربنا إنك تعلم ما نخفي وما نعلن وما يخفى على الله شيء في الأرض ولا في السماء * الحمد الله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحاق ويعقوب إن ربي لسميع الدعاء * رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي ربنا وتقبل دعاء * ربنا اغفرلي ولوالدي وللمؤمنين يوم يقوم الحساب * ... سورة ((إبراهيم ٣٨ - ٤١)) هذا نموذج من نماذج عدة من توسلات أبي الأنبياء إبراهيم ﵊. أرأيت يا أخي كيف قدم بين يدي دعائه توسلاً إلى الله تعالى ... بعلمه سبحانه الذي لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء من مكنونات صدور خلقه ولا معلناتها أنه المحمود في ذاته وأفعاله وصفاته وأنه الوهاب لكل نعمة. ومن ذلك أنه تعالى أنعم على عبده ورسوله إبراهيم رغم كبر سنه وعقم زوجته أن وهبه إسماعيل وإسحاق وإنه لسميع الدعاء خلقه أينما كانوا وبأية لغة دعوا وبأي قصد أو حاجة على اختلافها فإنه يسمع جميع الأدعية ويجيب كلاً على سؤله - متى شاء -. هكذا قدم إبراهيم بين يدي دعائه هذه التوسلات: بعلم الله، ووهبه، وحمده وسمعه هذه الصفات العلى التي جعلت عن صفات المخلوقين قدمها وسيلة ثم باشر بالدعاء لربه ... (رب اجعلني وقيم الصلاة ومن ذريتي ربنا وتقبل دعائي ربنا اغفر لي ولوالدي (١) وللمؤمنين يوم يقوم الحساب).

стр. 25

فما دام إبراهيم ﵊ يتوسل إلى الله تعالى بما علمه سبحانه أليس هذا حافزاً من الله تعالى إلى الاقتداء به؟ إذا فلنشعر ولنسارع بالاقتداء والتأسي لنحظى من الله بالإجابة المبتغاة من الدعاء. الدليل الثالث وإليك يا أخي مثلاً آخر من توسلات إبراهيم صلوات الله وسلامه عليه عسى أن يكون لك دليلاً ونبراساً من الله بالإجابة تستضيء به. قال أفرءيتم مما كنتم تعبدون * أنتم وءآباؤكم الأقدمون * فإنهم عدو لي إلا رب العالمين * الذي خلقني فهو يهدين * والذي يطعمني ويسقين * وإذا مرضت فهو يشفين * والذي يميتني ثم يحيين * والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين * رب هب لي حكماً وألحقني بالصالحين * واجعل لي لسان صدق في الأخرين * واجعلني من ورثة جنة النعيم * الشعراء ٧٥ - ٨٥ وهذا يا أخي دليل من سورة الشعراء / ٢٦ / فإن الله يخبرنا عن عبده ورسوله إبراهيم ﵊ كيف كان يجادل قومه المشركين ويدلهم على من تجب له العبادة وحده وهو الله تعالى لا شريك له ولا مثيل ولا ند. وإن هذه الآلهة التي يعبدونها هم وآباؤهم الأقدمون من قبلهم ليست آلهة ولا تستحق شيئاً من العبادة. فما أحد يستحق أن يعبد إلا رب العالمين وحده لا شريك له. ثم شرع يصف لهم هذا الإله العظيم بصفات لا تشبه أي صفة من صفات

стр. 26

خلقه فقال: (الذي خلقني فهو يهدين والذي يطعمني ويسقيني وإذا مرضت فهو يشفيني والذي يميتني ثم يحييني والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين). إنه ﷺ قد وصف لهم جانباً من صفات هذا الرب الجليل الذي خلق الخلق جميعاً والذي يهدي قلوب عباده إلى الحق وينعم عليهم. فما من نعمة في الأرض ولا في السماء إلا وهو مسديها إليهم. فهو الذي يطعم ويسقي وإذا مرض عبده فهو الذي يشفيه من مرضه ويعافيه، وهو الذي يميته ويحييه ويبعث من في القبور. وهو الذي - من حلمه وكرمه وعفوه - يجعل عباده طامعين في مغفرته وعفوه. هذه الصفات الجليلة العلى هل يتصف بها آلهتهم، أم هي صماء بكماء لا تعي ولا تسمع ولا تبصر؟ إن إبراهيم ﵊ ... هكذا كان لا يعرف قومه بصفات هذا الرب الجليل، ويلفت أنظارهم إلى أن الذين يعبدونهم من الأصنام والآلهة إنما هي عبادة باطلة إذ لا يستحق العبادة إلا الذي خلق وهدى وأطعم وسقى وأمرض وشفى وأمات وأحيا كل ذلك قاله إبراهيم بصيغة المتكلم ليثبت لقومه الكافرين بالله تعالى أنهم على ضلال وإنه على الهدى والحق ويدعوهم إلى هذا الهدى وإلى هذا الحق وإلى الإيمان بهذا الرب العظيم الجليل المتعال والاعتراف بهذه الصفات العلى والإيمان بها. وحرضهم على التوبة إليه تعالى مما فرط منهم. فقال: (والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين). وكأنه يلفت أنظارهم إلى أن الله تعالى كما أنه يغفر له ويطمع بذلك يوم القيامة فكذلك إنهم إن آمنوا واتقوا فإن الله تعالى يغفر لهم ما قد سلف والإسلام يجب ما قبله. إن هذه الصفات العلى لله تعالى التي وضحها إبراهيم في توسله بها جعلها

стр. 27

واسطة لقبول دعائه ... فبعد أن قدم هذه التوسلات المشروعة شرع ﵊ داعياً إلى الله تعالى: (رب هب لي حكماً وألحقني بالصالحين وأجعل لي لسان صدق في الآخرين واجعلني من ورثة جنة النعيم). أرأيت يا أخي المسلم كيف إن إبراهيم ﵇ قدم بين يدي دعائه توسلاً إليه تعالى ليكون سبباً في الإجابة لأن يهبه الحكم وأن يجعله من الصالحين في الدنيا والآخرة وأن يجعل له ذكراً جميلاً يقتدى به إلى الخير فتحبه كل ملة وتتولاه وأن يجعله من الذين يرثون الفردوس ويستقرون في جنات النعيم بما أسلفوا في الحياة الدنيا من العمل الصالح لوجهه تعالى. أرأيت يا أخي كيف يتوسل أبو الأنبياء إلى ربه ... ؟ من علمه ذلك؟ أشيء اخترعه من عند نفسه أم علمه إياه العليم الخبير؟ إنه والأنبياء والرسل عامة ما ينطقون عن الهوى بل الوحي يوحى إليهم من لدن عزيز حكيم. ولماذا أخبرنا الله بتوسلات إبراهيم ﵇ ... أليس إلا لنتبع ما فعل من حق وهدى وخير ولنقتفى أثره ونترسم خطاه ... ؟ أجل .. هو كذلك ... فلنبدأ جميعاً بذلك طائعين لله فيما هدى ومتبعين أبا الأنبياء فيما اهتدى.

стр. 28

الدليل الرابع قوله تعالى حاكياً عن قوم شعيب ﵇: قال الملأ الذين استكبروا من قومه لنخرجنك يا شعيب والذين ءآمنوا معك من قريتنا أو لتعودن في ملتنا قال أو لو كنا كارهين * قد افترينا على الله كذباً إن عدنا في ملتكم بعد إذ أنجانا الله منها وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله ربنا وسع ربنا كل شيء علما على الله توكلنا ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين * ... الأعراف ٨٨ - ٨٩ ضاق ذرعاً قوم شعيب بشعيب ﵊ ويمن آمنوا معه مما يدعوهم من الإيمان بالله تعالى وتوحيده التوحيد الخالص فهذه دوه بالنفي من بلدهم ... !! أو يعود في ملتهم .. ! وهذا شأن ((المستكبرين)) من كل قوم عندما تقوم عليهم الأدلة الدامغة والحجج البالغة من أنبيائهم أو مصلحيهم ... لا يستطيعون أن يردوا الدليل بالدليل والحجة بالحجة ... فيلجأون إلى الصنف والجور والتهديد بالقتل والنفي من الأرض ... وما إلى ذلك من العناد والمكابرة بالباطل. قال شعيب: كيف نعود في ملتكم بعد أن أنقذنا الله منها وذقنا حلاوة الإيمان ولذة اليقين وبرده؟ أنعود إلى دين نحن ندعوكم إلى هجره .. !؟ إذاً قد افترينا على الله كذباً أن أوحى إلينا بأن ندعوكم إلى عبادته، ولا يمكن

стр. 29

أن نعود فيها إلا إذا شاء ربنا. علق شعيب ﵇ عودته إلى ملتهم على مشيئة الله تعالى ... وهذا تأدب بالغ من شعيب ﵊ بأن رد المشيئة لله وجده مع علمه الأكيد بأن الله تعالى لن يشاء لهم العودة إلى الكفر بعد إذ هداهم إلى الإيمان وهو أعلم بما سيكون منهم بظهر الغيب. لجأ شعيب ﵇ إلى الله بأن رد المشيئة إليه وهو يعلم من يستحق الهداية فيهديه ومن يستحق الضلالة فيضله وسع كل شيء علماً فالمشيئة صفة له تعالى، والعلم صفة له تبارك وتقدس وقد توسل بهما إلى الله تعالى وتوكل على الله في تثبيته على الحق الذي بعثه به إلى قومه فبعد أن توسل بر المشيئة إليه وبعلمه الذي وسع كل شيء وبالتوكل عليه والتقرب بهذا التمجيد والتعظيم رفع الدعاء إليه تعالى: (ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق) أي لا يستطيع أحد أن يحول قلوبهم إلى الحق والإيمان والإسلام إلا هو ﵎ فإن قدر الله إيمانهم وعلم منهم ما سيختارون من الهدى ... فهذا هو المطلوب. وإن كان يعلم منهم أنهم سيظلون في عنتهم وكبريائهم على الحق فدعا أن يحكم بينهم (ربنا افتح علينا بيننا وبين قومنا بالحق) أي افتح علينا بالنصر عليهم وانتقم لنا منهم وعاملهم بما يستحقون (وأنت خير الفاتحين)، أي وأنت خير من ينصر عباده المؤمنين، على من كفر بك واستكبر عن عبادتك. وهكذا ... فإنك ترى يا أخي المسلم كيف أن شعيباً ﵊ لم يدع الله إلا بعد أن توسل إليه تعالى بصفاته العُلى وخمته بها كذلك بقوله: (وأنت خير الفاتحين) فاستجاب الله دعاء نبيه ورسوله شعيب ﵊ بعد أن ظل قومه على ما هم عليه من الكفر ... فأخبر سبحانه بقوله: (وقال الملأ الذين كفروا من قومه لئن اتبعتم شعيباً إنكم إذا لخاسرون /٩٠/فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين /٩٠/.

стр. 30

فكان جزاؤهم جزاء وفاقاً فكما أنهم توعدوا شعيباً والذين آمنوا معه بالإجلاء عن بلدهم فإن الله تعالى أجلاهم جميعاً إلى حيث لا رجعة فاستأصلهم وأجلاهم إلى جهنم وبئس المصير. ولا بد للقارئ المستنير إلا أن يخاطب نفسه ويسأل: ما الفائدة من ذكر هذه الأخبار بعد أن مضى عليها آلاف السنين؟ ولكنه سيجيب نفسه بنفسه: إن الله تعالى لا يذكر في قرآنه الكريم شيئاً عبثاً وحاشاه وسبحانه من ذلك إنما ذكر هذه القصة وما ألهم عبده ورسوله شعيباً من التوسل إليه بصفاته ... حتى يعلم أمة محمد كيفية التقرب إليه عند الدعاء ليكون الدعاء مستجاباً ... فقدم لهم هذه الصور من التوسلات بتمجيده، وتعظيمه بأسمائه وصفاته والثناء عليه - وهو كما أثنى على - - حتى يعلمنا ويحضنا على أتباع أنبيائه خير خلقه فيما يتوسلون إليه حتى نعمل مثلما عملوا لنحصل على النتيجة التي نبغيها من الدعاء. وهي الاستجابة والحصول على المطلوب. فهل نحن إذا اتبعنا هذى الله وهدى أنبيائه خير ... أم إذا اتبعنا خطوات الشيطان في الزيغ والضلال خير ... ؟!! لا ... بل سنتبع ما أمرنا الله به وما هدانا إليه (قل إن هدى الله هو الهدى ولئن اتبعت أهوائهم بعد الذي جاءك من العلم مالك من الله من ولي ولا نصير (١٢١)) البقرة.

стр. 31

الدليل الخامس قوله تعالى: واختار موسى قومه سبعين رجلاً لميقاتنا فلما أخذتهم الرجفة قال رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي أتهلكنا بما فعل السفاء منا إن هي إلا فتنتك تضل بها من تشاء وتهدي من تشاء أنت ولينا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين * واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة وفي الآخرة إنا هدنآ إليك قال عذابي أصيب به من أشأء ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون * ... الأعراف ١٥٥ - ١٥٦ ذهب موسى - بأمر ربه - مع سبعين رجلاً اختارهم من أخير قومه إلى ميقات كان وقته له ربه ليعتذروا إليه من عبادة بني إسرائيل العجل ويسألوه التوبة على من تركوا وراءهم من قومهم فسار بهم إلى طور سيناء ولما وصلوا قالوا لموسى عليه الصلاة السلام: اطلب لنا نسمع كلام ربنا .. فقال: أفعل. فلما دنا من الجبل وقع عليه عمود الغمام حتى تغشى الجبل كله ودنا موسى ﵊ فدخل فيه وقال للقوم أدنو فدنوا حتى إذا دخلوا في الغمام وقعوا سجوداً. فلما فرغ إليه أمره وانكشف عن موسى الغمام أقبل إليهم فقالوا: (لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتهم الصاعقة) فماتوا جميعاً. فقام موسى ﵊ يناشد ربه ويدعوه ويرغب ويقول: (رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي أتهلكنا بما فعل السفهاء منا). فقوله: (بما فعل السفهاء منا) يعني به السفهاء الذين عبدوا العجل لأن

стр. 32

هؤلاء السبعين الذين رافقوه لم يعبدوا العجل ولكنهم لم ينهوا الذين عبدوه كما قال ابن عباس وغيره: إنهم أخذتهم الرجفة لأنهم لم ينهوا قومهم عن عبادة العجل بينما الآية في سورة البقرة (وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتكم الصاعقة (٥٥)) والآية التي في سورة النساء (أرنا الله جهرة فأخذتهم الصاعقة بظلمهم (١٥٣)) تفيدان أن الصعق كان لقوهم: (أرنا الله جهرة) فأي السببين كان الصعق من أجله؟ الجواب: إنه وقع لكلا السببين لأنه لا أعظم من عقوبة الموت في الدنيا ثم بعثهم الله تعالى استجابة لدعاء موسى ﵊: (ثم بعثناكم من بعد موتكم لعلكم تشكرون) وقال موسى ﵊: (إن هي إلا فتنتك) أي ابتلاؤك واختبارك وامتحانك. فمن هاهنا موسى يتوسل إلى الله من أجل أن يتقبل الله دعاءه باحيائهم (إن هي إلا فتنتك تضل بها من تشاء وتهدي من تشاء) وهذا تمجيد لله وتعظيم له بأنه وحده هو الذي يضل من يشاء إضلاله حسب ما يستحق وهو وحده يهدي من يشاء هدايته حسب ما يستحق ولا يظلم الله أحداً فالتوسل كان بمشيئته تعالى التي هي صفة من الصفات العلى التي يتصف بها الرب جل شأنه وإنها هي الغالبة فما شاء كان ومالم يشأ لم يكن إن الحكم إلا له وإن الأمر إلا أمره له الخلق والأمر ثم توسل إليه باسمه الذي هو من الأسماء الحسنى فهو سبحانه الولي والنصير (الله ولي الذين آمنوا ... ) فقال: (أنت ولينا) ولا شك أن الله ولي الذين آمنوا ونصيرهم وناصرهم وما من ولي ولا نصير سواه. أرأيت يا أخي المسلم كيف قدم موسى بين يدي دعائه توسلاً إلى الله بصفاته العلى وأسمائه الحسنى ... ؟ فبعد أن فرغ من توسله وقرب من الله بما قدم من توسلات مقبولة عنده شرع بالدعاء: (فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين). ولو تأملت يا أخي المسلم ووفقت قليلاً عند هذه الفاء: (فـ) لو ضح لك المعنى من القصد الذي كان يقصده أي بسبب ما قدمت لك يا رب من التوسلات إليك بصفتك العظيمة واسمك الجليل .. (فاغفرلنا ... ) مما أذنب القوم من عبادة

стр. 33

العجل ومن (أرنا الله جهرة) و (ارحمنا) لأن رحمتك وسعت كل شيء وأنها سبقت غضبك (وأنت خير الغافرين) أي أنت خير من غفر الذنب وعفا عن الخطيئة ومن ذا الذي يغفر لنا يارب ... ؟ ومن ذا الذي يرحمنا إن لم ترحمنا يارب ... ؟ لا إله غيرك ولا رب سواك. ثم لم يكتف بذلك بل إنه لعلى علم بكرم الرب ورحمته ورأفته بعباده فاستزاد ﵊ من الكريم فقال: (واكتب لنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة إنا هدنا إليك ... ) أي تبنا وأنبنا وإليك ورجعنا عن ما سبق من الذنوب والخطايا .. (قال عذابي أصيب من أشاء ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتي يؤمنون). فيا أخي المسلم الكريم: أرأيت كيف توسل عبد الله ورسوله موسى ﵊ بالصفات والأسماء ممجداً ربه ومعظماً؟ ثم عقب ذلك بالتوبة إليه تعالى مما سبق من الذنب فما كان من الله تعالى إلا أن غمرهم بمغفرته ورحمته التي وسعت كل شيء وأحياهم بعد ما أماتهم بالصعق: (ثم بعثناكم من بعد موتكم لعلكم تشكرون). هذا هو التوسل المؤدي لاستجابة الدعاء وأن موسى ﵊ ليعلم قبله أنبياء ورسلاً أحباء على الله كرماء وذوي منزلة وجاء عظيم عنده فلم يتوسل بهم إليه تعالى ولا بأعمالهم ولا بجاههم .. لأنه يعلم: أن أعمالهم إنما هي لهم وليس له بأن يدل على الله بها وأنه ليعلم أن جاههم عليهم الصلاة والسلام عظيم ولا شك ... ولكنه لم يتوسل به إلى الله تعالى ... بل قدم تمجيداً لله وتعظيماً وتقديساً بأسمائه الحسنى وصفاته العلى ثم قدم إليه توبة من كل ذنب. فكان ذلك التوسل مقبولاً لدى الله تعالى وتقدس فاستجاب دعاءه وعفا ورحم وغفر وأحسن في الدنيا والآخرة وهو لذلك أهل لا إله إلا هو ولا رب سواه. وإن الله تعالى لم يذكر ذلك في محكم آياته إلا ليعلم هذه الأمة ما علم رسله وأنبياءه من التوسل الذي هو أعلى وأقرب التوسلات إليه وليحث المؤمنين جميعاً على

стр. 34

اتباع الأنبياء والمرسلين خير خلق الله وأكرمهم على الله فاتباعهم هو الحق والحق أحق أن يتبع وما بعد الحق إلا الضلال. (ذلك هدى الله يهدي به من يشاء من عباده ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون * أولئك الذي آتيناهم الكتاب والحكم والنبوة فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قوماً ليسوا بها كافرين * أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده قل لا أسألكم عليه أجراً إن هو إلا ذكرى للعالمين *) الأنعام ٨٨ - ٩٠ أخي المسلم الكريم لقد ذكرت لك - فيما سبق - أمثلة من القرآن الكريم عن التوسل إليه تعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العلى وبينت لك بالدليل القرآني كيف أن الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام يقدمون إلى ربهم تعالى وتقدس من توسلات تكون سبباً لا ستجابة الدعاء ولم يذكرها الله في تعالى إلا ليعلم المؤمنين كيف يتوسلون إلى ربهم ﵎ وكل ما تقدم هو توضيح لقوله تعالى: (ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها) وإن صفاته تعالى لها ولا شك حكم أسمائه تعالت أسماؤه وتقدست صفاته وإنك رأيت ما من دعاء إلا وقدم صاحبه بين يدي دعائه توسلاً إليه تعالى به. وكل أملي بك يا أخي الحبيب في الله أن ترى الحق حقاً وتهرع إلى العمل به وتحب أهله وأن ترى الباطل باطلاً فتهجره ولا تلتفت إلى كثرة من يأخذون به (وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله) ويكفي للدلالة على الباطل وأهله ... أن الدليل الذي يستندون إليه ... أقوال مجردة عن أدلة الكتاب والسنة بل تعارضها ... ؟!!! (أفمن يمشي مكباً على وجهه أهدى أم من يمشي سوياً على صراط مستقيم)؟ (١).

стр. 35

التوسل إلى الله تعالى بذاته العلية وأسمائه الحسنى وصفاته العلى

стр. 36

الأمثلة الدالة على التوسل بالذات والأسماء والصفات من الأحاديث الصحيحة أخي: كما أنني وضعت أما عينيك أمثلة قرآنية في الحض على التوسل إليه تعالى بذاته وأسمائه وصفاته .. كذلك أضع أمام عينيك أمثلة من الأحاديث الصحيحة، التي تبثت ... أن نبيك ورسولك محمداً ﷺ أن نبيك ورسولك محمداً ﷺ كان عندما يدعو ربه سبحانه إنما كان يقدم بين يدي دعائه توسلات إلى الله تعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العلى وإنك لتعلم علم اليقين أنه ﷺ قدوتك الحسنة وأسوتك ... والذي أمر الله أن تتأسى به وتسير على هديه: (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم والآخر وذكر الله كثيراً) ... (٢١) الأحزاب الدليل الأول عن عبد الله بن بريدة عن أبيه [أن رسول الله ﷺ سمع رجلاً يقول: اللهم إني أسألك بأني أشهد أنك أنت الله لا إله إلا أنت الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد. فقال: ((لقد سألت الله باسمه الأعظم))] أخرجه أبو داود والترمذي. الدليل الثاني وعن أنس بن مالك ﵁[أنه كان مع رسول الله ﷺ جالساً ورجل يصلي، ثم دعا: اللهم إني أسألك بأن لك الحمد لا إله إلا أنت المنان بديع السموات والأرض يا ذا الجلال والإكرام يا حي يا قيوم فقال النبي ﷺ : ((لقد دعا باسمه الأعظم الذي إذا دعي به أجاب وإذا سئل به أعطي))] أخرجه الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه والترمذي. وضعت يا أخي المسلم أمامك هذين الحديثين المتقدمين ليتضح لك منهما أن أسماء الله الحسنى هي أقرب التوسلات استجابة وأخصها بذلك اسم الله الأعظم. وقد شهد رسول الله ﷺ للصحابي الذي دعا ... إنه دعا باسم الله الأعظم الذي إذا دعي به أجاب وإذا سئل به أعطي. فالحديث الأول: دعا الرجل قائلاً: [اللهم إني أسألك بأني أشهد أنك أنت الله لا إله إلا أنت الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفؤاً أحد]. فقد توسل هذا الرجل بأسماء الله الحسنى ووافق عليها الاسم الأعظم فكان سبباً في قبول الدعاء بشهادة رسول الله ﷺ وأنعم بها وأكرم من شهادة. وكذلك الحديث الثاني: فقد قال فيه الرجل: [اللهم إني أسألك بأن لك الحمد لا إله إلا أنت المنان

стр. 37

بديع السموات والأرض يا ذا الجلال والإكرام يا حي يا قيوم] وكل هذه الأسماء هي أسماء حسنى وقد جعل هذا الرجل دعاءه الذي مجد به رب السموات والأرض وسيلة إلى ربه تعالى حتى يتقبل دعاءه ... لا سيما وأن الصادق المصدوق ﷺ شهد له أيضاً أنه توسل إلى الله وسأله باسمه الأعظم الذي إذا سئل به أعطي وإذا دعي به أجاب. فمن البدهي أن يرغب كل مؤمن بالدعاء إلى ربه مقدماً بين يدي دعائة وسيلة يرضى الله عنها وإن كل داع إلى الله تعالى يود من صميمه استجابه دعائه وحصوله على مطلوبه من الدعاء فلكي يحصل على هذه الأمنية .. فعليه سلوك الطرق الشرعية المؤدية إلى بلوغ أمنيته الغالية وليس من طريق شرعي أدل على شرعيته من طريق يسلكه رسول الله ﷺ ويختاره لنفسه ولأمته.

стр. 38

وهاهو يعلمنا أن نسلك هذا الطريق الذي هو أقرب الطرق إلى استجابة الدعاء فمن يسره الله تعالى إليه فيكون قد يسره الله لليسرى (فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى فسنيسره للعسرى). الليل (١٠)

стр. 39

الدليل الثالث دعاء استفتاح رسول الله صلاته من الليل وعن أم سلمة ﵂ قالت: [سألت عائشة أم المؤمنين ﵂ بأي شيء كان نبي الله ﷺ يفتح صلاته من الليل .. ؟ قالت: كان إذا قام من الليل افتتح صلاته قال: ((اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون اهدني لما اختُلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم))] هذا دعاء - كما قالت عائشة ﵂ كان رسول الله ﷺ وآله وسلم يفتتح به صلاته من الليل وإنه كما ترى ... مسبوق بتوسلات إلى الله تعالى بأسمائه الحسنى ومع أنه صلوات الله عليه وسلامه مستجاب الدعوة ... ولكن مع ذلك كان لا يدعو إلا ويقرب بين يدي دعائه توسلات إليه تعالى. وما التوسل بحد ذاته إلا تمجيد وتعظيم وتقديس لذات المتوسل إليه ﵎ وتقدس فما أعظم هذا التوسل حين يفتتح به قيامه في جوف الليل: ((اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك قيما كانوا فيه تختلفون)). مجده ﵊ بأنه رب جبرائيل وميكائيل واسرافيل وهم الأعيان من الملائكة وأعظمهم وأكرمهم على الله سبحانه وهم رسله إلى من يشاء من عباده رحمة أو عذاباً وأنه تعالى ربهم وخالقهم وهم عبيده لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ولا يغفلون عن عبادة ربهم طرفة عين وهم من خشيته مشفقون.

стр. 40

ثم يقول ممجداً ربه تعالى بأنه ((فاطر السموات والأرض)) أي خالقها بما ومن فيهما وما بينهما وموجدهما من العدم لا شريك له ولا رب غيره ولا إله سواه. ((عالم الغيب والشهادة)) أي يعلم كل شيء مما يشاهد العباد ومما يغيب عنهم ولا يخفى عليه منه شيء ولا يعلم من الغيب شيئاً أحد من خلقه ... إلا من ارتضى من رسول وأنه ﷺ يعظم ربه بأنه عالم الغيب والشهادة، ولا يعزب عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ثم يرد في الأرض ولا في السماء. ثم يرد إليه الحكم بين العباد فيما اختلفوا فيه من الحق ويقول: أ، ت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون فأنت الحكم العدل الذي لا يجور. قدم كل هذه التوسلات إليه بتمجيده وتعظيمه وتقديسه بأسمائه الحسنى وصفاته العلى ثم شرع يدعو فقال ﷺ : اهدني لما اختلف فيه من الحق بأذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم، أي اهدني إلى الحق الذي اختلف فيه الناس لا يهديني إليه إلا أنت إنك تهدي من تشاء ممن يستحق الهداية إلى الحق القويم والصراط المستقيم. وهكذا فقد رد المشيئة إليه تعالى في الهداية فهو يهدي من يشاء ويضل من يشاء بيده الخير وهو على كل شيء قدير. إن هذه التوسلات والدعاء الذي تلاها بالإضافة إلى أنه يقرب إلى الرب ﵎ ودعاء إليه ورغبة، فهو ولا شك تعليم لأمته حتى تقتفى أثره وحض منه ﷺ حتى تقتدي بفعله وتهتدي بهداه وإن خير الهدي هدي محمد ﷺ .
следующие страницы →