← Акыда

Акыда · id 37535

التوصل إلى حقيقة التوسل

محمد نسيب الرفاعي

Полный текст (335 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

الأمثلة الدالة على التوسل بالذات والأسماء والصفات من الأحاديث الصحيحة أخي: كما أنني وضعت أما عينيك أمثلة قرآنية في الحض على التوسل إليه تعالى بذاته وأسمائه وصفاته .. كذلك أضع أمام عينيك أمثلة من الأحاديث الصحيحة، التي تبثت ... أن نبيك ورسولك محمداً ﷺ أن نبيك ورسولك محمداً ﷺ كان عندما يدعو ربه سبحانه إنما كان يقدم بين يدي دعائه توسلات إلى الله تعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العلى وإنك لتعلم علم اليقين أنه ﷺ قدوتك الحسنة وأسوتك ... والذي أمر الله أن تتأسى به وتسير على هديه: (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم والآخر وذكر الله كثيراً) ... (٢١) الأحزاب الدليل الأول عن عبد الله بن بريدة عن أبيه [أن رسول الله ﷺ سمع رجلاً يقول: اللهم إني أسألك بأني أشهد أنك أنت الله لا إله إلا أنت الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد. فقال: ((لقد سألت الله باسمه الأعظم))] أخرجه أبو داود والترمذي. الدليل الثاني وعن أنس بن مالك ﵁[أنه كان مع رسول الله ﷺ جالساً ورجل يصلي، ثم دعا: اللهم إني أسألك بأن لك الحمد لا إله إلا أنت المنان بديع السموات والأرض يا ذا الجلال والإكرام يا حي يا قيوم فقال النبي ﷺ : ((لقد دعا باسمه الأعظم الذي إذا دعي به أجاب وإذا سئل به أعطي))] أخرجه الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه والترمذي. وضعت يا أخي المسلم أمامك هذين الحديثين المتقدمين ليتضح لك منهما أن أسماء الله الحسنى هي أقرب التوسلات استجابة وأخصها بذلك اسم الله الأعظم. وقد شهد رسول الله ﷺ للصحابي الذي دعا ... إنه دعا باسم الله الأعظم الذي إذا دعي به أجاب وإذا سئل به أعطي. فالحديث الأول: دعا الرجل قائلاً: [اللهم إني أسألك بأني أشهد أنك أنت الله لا إله إلا أنت الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفؤاً أحد]. فقد توسل هذا الرجل بأسماء الله الحسنى ووافق عليها الاسم الأعظم فكان سبباً في قبول الدعاء بشهادة رسول الله ﷺ وأنعم بها وأكرم من شهادة. وكذلك الحديث الثاني: فقد قال فيه الرجل: [اللهم إني أسألك بأن لك الحمد لا إله إلا أنت المنان

стр. 37

بديع السموات والأرض يا ذا الجلال والإكرام يا حي يا قيوم] وكل هذه الأسماء هي أسماء حسنى وقد جعل هذا الرجل دعاءه الذي مجد به رب السموات والأرض وسيلة إلى ربه تعالى حتى يتقبل دعاءه ... لا سيما وأن الصادق المصدوق ﷺ شهد له أيضاً أنه توسل إلى الله وسأله باسمه الأعظم الذي إذا سئل به أعطي وإذا دعي به أجاب. فمن البدهي أن يرغب كل مؤمن بالدعاء إلى ربه مقدماً بين يدي دعائة وسيلة يرضى الله عنها وإن كل داع إلى الله تعالى يود من صميمه استجابه دعائه وحصوله على مطلوبه من الدعاء فلكي يحصل على هذه الأمنية .. فعليه سلوك الطرق الشرعية المؤدية إلى بلوغ أمنيته الغالية وليس من طريق شرعي أدل على شرعيته من طريق يسلكه رسول الله ﷺ ويختاره لنفسه ولأمته.

стр. 38

وهاهو يعلمنا أن نسلك هذا الطريق الذي هو أقرب الطرق إلى استجابة الدعاء فمن يسره الله تعالى إليه فيكون قد يسره الله لليسرى (فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى فسنيسره للعسرى). الليل (١٠)

стр. 39

الدليل الثالث دعاء استفتاح رسول الله صلاته من الليل وعن أم سلمة ﵂ قالت: [سألت عائشة أم المؤمنين ﵂ بأي شيء كان نبي الله ﷺ يفتح صلاته من الليل .. ؟ قالت: كان إذا قام من الليل افتتح صلاته قال: ((اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون اهدني لما اختُلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم))] هذا دعاء - كما قالت عائشة ﵂ كان رسول الله ﷺ وآله وسلم يفتتح به صلاته من الليل وإنه كما ترى ... مسبوق بتوسلات إلى الله تعالى بأسمائه الحسنى ومع أنه صلوات الله عليه وسلامه مستجاب الدعوة ... ولكن مع ذلك كان لا يدعو إلا ويقرب بين يدي دعائه توسلات إليه تعالى. وما التوسل بحد ذاته إلا تمجيد وتعظيم وتقديس لذات المتوسل إليه ﵎ وتقدس فما أعظم هذا التوسل حين يفتتح به قيامه في جوف الليل: ((اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك قيما كانوا فيه تختلفون)). مجده ﵊ بأنه رب جبرائيل وميكائيل واسرافيل وهم الأعيان من الملائكة وأعظمهم وأكرمهم على الله سبحانه وهم رسله إلى من يشاء من عباده رحمة أو عذاباً وأنه تعالى ربهم وخالقهم وهم عبيده لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ولا يغفلون عن عبادة ربهم طرفة عين وهم من خشيته مشفقون.

стр. 40

ثم يقول ممجداً ربه تعالى بأنه ((فاطر السموات والأرض)) أي خالقها بما ومن فيهما وما بينهما وموجدهما من العدم لا شريك له ولا رب غيره ولا إله سواه. ((عالم الغيب والشهادة)) أي يعلم كل شيء مما يشاهد العباد ومما يغيب عنهم ولا يخفى عليه منه شيء ولا يعلم من الغيب شيئاً أحد من خلقه ... إلا من ارتضى من رسول وأنه ﷺ يعظم ربه بأنه عالم الغيب والشهادة، ولا يعزب عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ثم يرد في الأرض ولا في السماء. ثم يرد إليه الحكم بين العباد فيما اختلفوا فيه من الحق ويقول: أ، ت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون فأنت الحكم العدل الذي لا يجور. قدم كل هذه التوسلات إليه بتمجيده وتعظيمه وتقديسه بأسمائه الحسنى وصفاته العلى ثم شرع يدعو فقال ﷺ : اهدني لما اختلف فيه من الحق بأذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم، أي اهدني إلى الحق الذي اختلف فيه الناس لا يهديني إليه إلا أنت إنك تهدي من تشاء ممن يستحق الهداية إلى الحق القويم والصراط المستقيم. وهكذا فقد رد المشيئة إليه تعالى في الهداية فهو يهدي من يشاء ويضل من يشاء بيده الخير وهو على كل شيء قدير. إن هذه التوسلات والدعاء الذي تلاها بالإضافة إلى أنه يقرب إلى الرب ﵎ ودعاء إليه ورغبة، فهو ولا شك تعليم لأمته حتى تقتفى أثره وحض منه ﷺ حتى تقتدي بفعله وتهتدي بهداه وإن خير الهدي هدي محمد ﷺ .

стр. 41

الدليل الرابع من أدعية النوم وعن أبي هريرة ﵁ وأرضاه قال: [كان رسول الله ﷺ يأمرنا إذا أخذنا مضجعنا أن نقول: ((اللهم رب السموات ورب الأرض ورب العرش العظيم ربنا ورب كل شيء فالق الحب والنوى منزل التوراة والإنجيل والفرقان أعوذ بك من شر كل شيء أنت آخذ بناصيته. اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء وأن الآخر فليس بعدك شيء وأنت الطاهر فليس فوقك شيء وأنت الباطن فليس دونك شيء اقض عنا الدين وأغننا من الفقر))] أخرجه أحمد ومسلم والترمذي. بأبي وأمي أنت يا رسول الله ما أعطفك على أمتك وما أحناك عليها أنت كما وصفك ربك ( ... بالمؤمنين رؤوف رحيم) ﷺ الله عليك وعلى آلك وسلم تسليماً ما أشدك حرصاً بالخير حتى تتملى منه أمتك وما أخوفك عليها من الشر حتى ترتدع عنه نعم المعلم أنت ونعم الأب أنت بل ونعم النبي والقائد والرسول الرائد تقودها في خير سبيل إلى خير غاية وتسير بها في أقوم نهج إلى أسلم نهاية. أرأيت يا أخي المسلم كيف يعلمنا الحبيب الأعظم الأدعية الطيبة الخيرة.؟ اسمعه ... وكأنه ينطق أمامك بهذا الدعاء الكريم والتوسل العظيم بالأسماء الحسنى اسمعه وهو يقول: ((اللهم رب السموات ورب الأرض ورب العرش العظيم)) هذا تمجيد لله باسمه رب السموات والأرض والعرش العظيم ((ربنا ورب كل شيء)) ثناء عليه بصفته الربوبية التي ربي بها العالمين بنعمته لا رب لهم سواه ((فالق الحب والنوى)) أي يشقه في الثرى فتنبت منه الزروع على اختلاف أصنافها من الحبوب والثمار على تباين أشكالها وألوانها وطعومها ومذاقها رزقاً لعباده ليعلموا أنه المنعم وحده فلزم أن يكون هو المعبود وحده فلا يعبدون إلهاً غيره ولا رباً سواه.

стр. 42

ثم أثنى عليه وحمده على تنزيل كتبه على عباده ليدلهم على الصراط المستقيم ويهديهم إلى العمل بما أنزل فيها من الأحكام التي لا يأتيها الباطل، فلا يزيغ عنها إلا من شاء لنفسه الهلاك واختار لنفسه الكفر ((ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون)). ثم استعاذ عليه أفضل الصلاة والسلام من شر كل شيء ... فما من شيء إلا والله آخذ بناصيته فإنها كلها تحت سلطانه وقهره وهو آخذ بناصيتها ثم مجده بأنه هو الأول وليس قبل الأول شيء وأنه الآخر وليس بعد الآخر شيء وأنه الظاهر فما فوقه أحد قط ظاهر في صفاته العلى الدالة على وجود ذاته فلا ذات بلا صفات ولا صفات بلا ذات وأنه الباطن في ذاته العلية فليس دونه شيء ذاته ليست كالذوات وصفاته ليست كغيرها من الصفات فهي ذات وصفات بلا تكييف ولا تجسيم ولا تأويل ولا تمثيل ولا تعطيل ولا تشبيه. وهكذا فقد مجد ربه بذاته وأسمائه وصفاته في كل ما تقدم من توسلات. . ثم شرع بالدعاء فقال: ((اقض عنا الدين وأغننا من الفقر)). وهكذا فإن صلوات الله عليه وسلامه لم يدع قبل أن قدم بين يدي دعائه هذه التوسلات المشروعة التي علمه إياها ربه ((وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى)) ٣ - النجم ثم باشر بالدعاء إليه تعالى أن يقضي عنه الدين ويغنيه من الفقر وكان يأمر بذلك أمته أن تدعو بهذا الدعاء وغيره من الأدعية. . حتى يستجيب الله دعاءها. هكذا سنته ﷺ في دعائه أي لا يدعو حتى يتوسل إلى ربه بما يرضيه فهلا نتحاض فيما بيننا على ذلك ونتوسل إليه تعالى بمثل ما توسل وندعوه تعالى بمثل ما كان يدعو؟ (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم * قل اطيعوا الله والرسول فإن تولوا فإن الله لا يحب الكافرين *) ٣١ - ٣٢ آل عمران نعم إن كنا نحب الله فيجب أن نقدم برهانا على ذلك ودليلاً يؤيد دعوانا وإلا فتكون دعوانا بمحبة الله مجرد دعوى عارية عن الدليل خالية من البرهان

стр. 43

وما دليل محبتنا إلا باتباع رسول الله ﷺ حق الاتباع وطاعته فيما أمر والانتهاء عما نهى فعندما نصدق باتباعه ﷺ ونخلص بطاعته نكون قدمنا الدليل والبرهان .. عندها يجبنا الله تعالى ويرفعنا إلى مستوى المكانة التي وعدناها: (كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ... ) ١١٠ - آل عمران إذا ... فإن محبة الله موقوفة ومرهونة باتباع رسوله ﷺ فلنجهد جميعاً بالاتباع نصاً وتطبيقاً وسلوكاً ومنهجاً وحالاً وقالاً لا نبغي عن سنته حولا ولا بدلاً عليه أفضل الصلاة والسلام.

стр. 44

الدليل الخامس السؤال بالقرآن عن عمران بن حصين ﵁[أنه مر على قاص يقرأ ثم يسأل: فاسترجع (١) ثم قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((من قرأ القرآن فليسأل الله به فإنه سيجيء أقوام يقرأون القرآن يسألون به الناس))] رواه أحمد والترمذي مما لا شك فيه أن القرآن كلام الله تعالى: وكلامه تعالى وتقدس صفة له سبحانه فإذا قرأ المسلم القرآن إنما يقرأ ويتلو كلام الله تعالى وتبارك ليدبر آياته ويطبقها على نفسه ثم على من يعول ويجعل القرآن بما فيه من عقائد وأحكام وأخبار مرجعه في كل شيء فيحل حلاله ويحرم حرامه فيكون حجة له لا عليه وليسأل الله به حوائجه لتقضى ولا يسأل الناس به يتعجله ولا يتأجله. هكذا الأصل في قراءة القرآن الذي أنزله الله دستوراً ومنهاجاً للعالمين فمن غير نهجه وبدل ما أنزل من أجله إلى مقاصد ومرادات تنحرف عن مراد الله من تنزيله فيكون قد أزور عن الصراط المستقيم والسبيل القويم إلى سبل تتفرق به عن سبيله (وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون (١٥٣)) الأنعام.

стр. 45

وقد انحرف المسلمون بالقرآن - إلا من رحم ربك - إلى مقاصد انحرفت به عن المراد الذي شاءه الله تعالى لهذه الأمة المحمدية لتكون: خير أمة أخرجت للناس. فحققوا بذلك غايات وأهداف أعدائهم الذين يهدفون إلى صرف المسلمين عن أوامر القرآن ونواهيه وحلاله وحرامه وعبره وعظاته وهكذا كان ... فجعل المسلمون قرآنهم: تمائم وتعاويذ أحجة ووصفات طيبة وقراآت على الأموات وترانيم تخرج بآياته الكريمة عن معانيها وتتعلق الأنفس بالترانيم دون المعاني فتنطلق الآهات والتأوهات لا على مجد الإسلام الضائع ولا على أحكام الكتاب المعطلة ولا على ما هم عليه من الانقياد إلى أغراض الكافر العدو اللدود بل من أثر النغمات الموسيقية التي أخضع القارئ القرآن وآياته إلى موازينها وإيقاعاتها ... ودليلنا على ذلك أننا إذا سألنا أصحاب الآهات والتأوهات عن المعاني التي عقلوها من آيات الذكر الحكيم ... لوجدناهم في غفلة عن هدي القرآن لأن النفوس منصرفة إلى الألحان عن المعاني. ويقولون: ما شاء الله!! شيخنا قارئ على السبعة!! يرددونها كالببغاء وأنهم والله لأجهل منها بالسبعة والتسعة والعشرة ... وهذا ما يسعى الكافر لتحقيقه فيصرف المسلمين عن الجهاد في سبيل الله والحكم بما أنزل الله وفهم مراد الله والعمل بمقتضاه. يقولون: نقرؤه البركة!! وياليتهم يفهمون معنى البركة نعم يجب أن نقرؤه للبركة وما هي البركة .. ؟ أليست البركة هي الزيادة والنماء؟ زيادة في العقل ونماء في الفهم والعرفان فإذا عقلنا القرآن وفهمنا مضامينه وعلمنا أحكامه ونفذناها بدقة على مراد الله حصلت البركة والزيادة والنماء في كل شيء فكان الانطلاق والانعتاق والتحرير وكان البناء والعز والدولة والسلطان فلا نكتفي أن نكتب على الأوراق ونصرح بالأشداق: أمة واحدة من المحيط إلى الخليج ... نعم لا نكتفي بذلك لأن القرآن لا يقف عند هذا المطلب التافه ... بل هو هدى ورحمة للعالمين ولسوف ترف بنوده وأعلامه

стр. 46

وتخفق شاراته وراياته فوق كل سهل وجبل من هذه الأرض وستستظل بها كل ذرة من ذراتها وكل نسمة من نسماتها وكل بر وبحر وفضاء حتى يقضي الله أمره وينفذ أحكامه وترسو دولة الله وحدها على الأرض. من أجل هذا نز القرآن ... ولأجل هذا شرع الله تلاوته وقراءته ليكون لجنوده في كل حرف يتلون منه عشر حسنات لا أقول (الم) حرف، بل: ألف حرف لام حرف ميم حرف أجل يكون لكل جندي من جنود القرآن ثلاثون حسنة بمجرد تلاوته (الم) فكيف إذا كان دائم التلاوة عميق الفهم غزير العلم قائماً بالحكم شاكي السلاح يده على الزناد أيداً تنطلق بندقيته وقذيفته وصاروخه لأقل بادرة تبدر من أعداء الإسلام شرقاً وغرباً وجنوباً وشمالاً بالكيد للإسلام .. وليعتبر كل مسلم نفسه جندياً للقرآن تسيل نفسه على حد الظبى في سبيله ومن أجل خلوده وهذا أقصى ما يؤمله ويتمناه. لقد قدمت بين يدي هذا الحديث الكريم هذه المقدمة .. حتى أصل بأخي القارئ المسلم الكريم إلى أغوار ما يهدف إليه هذا الحديث، من توجيه بليغ ومقصد سام وأنني أعيده على مسامعك ... حتى تتلوه مرة ثانية بعد ما قرأت هذه المقدمة له: [من قرأ القرآن فليسأل الله به فإنه سيجيء أقوام يقرأون القرآن ويسألون به الناس]. أجل ... إذا سأل به الله تعالى يكون قد استعمله فيما أنزله الله وإذا سأل الناس به فيكون قد غير الوجهة التي أنزل من أجلها إلى وجهة أخرى وترك سبيل الله واتبع السبل ... !!؟ فتفرق به عن سبيله. فالذي يقرأ القرآن إذا عليه أن يقرأه ليفهمه ويعمل به ويستهدي بهديه ويقيم أحكامه فإذا سأل الله به متوسلاً كانت الاستجابة قريبة ومأمولة فتكون قراءة القرآن أقرب القربات وأعظم التوسلات لأن القرآن كلام الله وكلامه صفة له والتوسل إليه بصفاته العلى من أعلى أنواع التوسل المشروع اقرأ القرآن في المسلم ... واقرأه في خط النار وتوسل بما قرأت إليه تعالى أن ينصر الإيمان على الكفر والتوحيد على الشرك واقرأه

стр. 47

وتوسل به في أية حاجة لك مشروعة فإن الله سبحانه يستجيب دعاءك ويعطيك سؤلك وينيلك ما تتمنى في أي حاجة من حاجات الدنيا والآخرة. أما إذا سألت الناس به وتعجلت أجرك منهم ولم تتأجله من رب العالمين فقد أغضبت الله لأنك غيرت الوجهة التي من أجلها أنزل القرآن ... وفي ذلك معصية الرب فمن ساعدك على المعصية فهو شريكك فيها. أصبح القياد في يديك فإنك تستطيع أن تجعل قراءتك نوراً لك وهداية تخرجك من الظلمات إلى النور وسبيلاً صحيحاً ومنهجاً سليماً للوصول إلى رضاء الله تعالى وثوابه وعطائه في الدنيا والآخرة .. وتستطيع أن تجعل قراءتك حسرة عليك تتعجلها من الناس وتشتري بها ثمناً قليلاً في غير طاعته ... تقرأه على القبور وللأموات والله تعالى يقول: (إن هو إلا ذكر وقرأن مبين لينذر من كان حياً ويحق القول على الكافرين) إن هذا القرآن نذير للأحياء يفهمونه ويعقلونه ويعملون به لا للأموات الذين غدوا إلى ما عملوا في الدنيا وانقطع عملهم منها بوفاتهم إلا من صدقة جارية وعلم ينتفع به وولد صالح يدعو لهم وكل ذلك من كسبهم في الحياة الدنيا. اتضح لك ما هو المقصد الكريم من قوله ﷺ : [من قرأ القرآن فليسأل الله به فإنه سيجيء أقوام يقرأون القرآن يسألون به الناس]. وشتان بين من يسأل الله ومن يسأل به الناس وهل ما عند الناس كما عند الله وأي شيء يملكه الناس ... ؟!! ومن أين ما عند الناس ... أليس هو مما عند الله ومن ماله ورزقه ... ؟ فإذا كان ما عند الناس هو من الله فهلا سألتا به الله الذي له ملكوت كل شيء .. ورب الناس ورب ما عند الناس ... ؟ وهلا تقربنا إليه تعالى بما يحب ويرضى ولم نبع عطاء الله بعطاء الناس؟ أجل ... إن مراد النبي ﷺ أن يتعلق المسلم بربه ويرغب إليه بالدعاء

стр. 48

ويقدم بين يدي دعائه توسلاً مشروعاً أقرب ما يكون للاستجابة وأن يقطع المسلم كل أمل إلا منه تعالى وليرجوا ما عند الله وينقطع رجاءه مما عند الناس حق يكون حقاً عبد الله لا أعبد أحد غيره وأن يتقرب به إليه وبكلامه إلى حضرة قدسه وبسائر صفاته العلى وأسمائه الحسنى إلى جنابه تعالى وتبارك وتقدس وهل يشتري بعد الله بقرب الناس ... إلا من سفه نفسه .. !!!؟ القرآن .. وتلاوة القرآن وإمعان النظر بمعانيه وتدبره وتفهمه وتطبيقه على النفس والأهل والولد وسائر من ترعى وتعول هي القربات المقبولة المستطابة والتوسلات المطلوبة المستجابة. كيف لا، والقرآن: [كتاب الله فيه نبأ ما قبلكم وخبر ما بعدكم وحكم ما بينكم هو الفصل ليس بالهزل من تركه من جبار قصمه الله ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله وهو حبل الله المتين وهو الذكر الحكيم وهو الصراط المستقيم وهو الذي لا تزيغ به الأهواء ولا تلتبس به الألسن ولا تنقضي عجائبه ولا يشبع منه العلماء من قال به صدق ومن عمل به أجر ومن حكم به عدل ومن دعا إليه هدي إلى صراط مستقيم] (١). فإذا أنت قرأته يا أخي المسلم مستحضراً هذه النعوت الكريمة والأوصاف العظيمة علمت عظم ما تتوسل به إلى الله تعالى وأيقنت منه بالاستجابة لأنه كلام الله والكلام صفة للمتكلم والتوسل إليه تعالى بكلامه توسل بصفة من صفاته العلى وهو عمل يحبه ويرضاه بل هو أقرب القربات إليه. لا سيما وأن رسول الله ﷺ يقول: [لكل قارئ قرآن دعوة مستجابة] أي أن من يقرأ القرآن ويتوسل به إلى الله ثم يدعو ... كانت دعوته مستجابة. وأرجو أن لا يفهم أن مجرد القراءة بدون عمل وتطبيق لما قرأ .. يمكن أن تكون دعوة مستجابة ... لا بل عليه أي على القارئ أن يعزم على تطبيق

стр. 49

أحكام ما قرأ بقدر استطاعته .. حتى تكون دعوته مستجابة وأما من يقرأ ويفهم ويستطيع أن يطبق ولا يطبق فقد يكون عمله هذا من أسباب عدم القبول والعياذ بالله من غضبه ونقمته. اللهم إنا نتوسل إليك بالقرآن العظيم وبما نتلوه منه وما نعمل به ونطبق من كلامك الكريم أن تهدينا إلى أحكام كتابك وأن تقوينا على الأخذ بها والحكم بمقتضاها في كل شأن من شؤون الحياة. اللهم أعنا على الإقامة دولة الإسلام من جديد وأشدد أزرنا لتحقيق هذه الغاية حتى ننصر دينك ونعلي كلمتك أو نهلك دون هذه الغاية ونسقط من أجلها شهداء ابتغاء مرضاتك ولوجهك الكريم. اللهم وفقنا للقول والعمل ولا تجعلنا نقول ولا نعمل فما تأخر المسلمون ولا سقطت بلادهم بلداً بلداً في أيدي الأعداء إلا لما اكتفوا بالقول دون العمل. (يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون (٢) كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون (٣) إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفاً كأنهم بنيان مرصوص (٤)) الصف. اللهم الهمنا القول الصحيح الذي ترضاه يا رب العالمين ووجهنا وجهة كتابك وسلكنا محجة نبيك عليه أفضل الصلاة والسلام وأعد لنا الخيرية التي وصفتنا بها أول مرة: (كنتم خير أمة أخرجت للناس ... ) وأسبل علينا الهيبة التي أسبلتها علينا يوم الجهاد الأول اللهم وحد كلمة المسلمين وردهم إلى دينك رداً جميلاً وأجمعهم تحت راية الإسلام وحكم الإسلام اللهم ثبتهم على الحق في ميادين الحق والدعوة إلى الحق وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

стр. 50

٢ - توسل المؤمن إلى الله بأعماله الصالحة وأدلته من القرآن الكريم

стр. 51

توسل المؤمن إلى الله ... بأعماله الصالحة وأدلته من القرآن الكريم كما أن الله تعالى أرشد عباده المؤمنين إلى توسل إليه جل وعلا بأسمائه الحسنى وصفاته العلى .. فقد أرشدهم كذلك إلى نوع آخر من التوسل المشروع وهو: التوسل إليه بالأعمال الصالحة أي توسل المؤمن إليه بأعماله وطاعاته المقبولة عند الله تعالى وآية القبول: أن تكون خالصة لوجهه تعالى وأن تكون طبق ما أمر فإذا جمعت الأعمال هذين الشرطين فهي مقبولة عند الله تعالى وإنك يا أخي المسلم تستطيع أن تعلم فيما إذا كانت أعمالك مقبولة أو غير مقبولة. فانظر فيها وتأملها ... أهي خالصة لوجه الله لا رياء فيها ... ولا حباً بسمعة وإطراء من قبل الناس؟ ثم أهي موافقة للأمر الذي أمره الله تعالى في كتابه وسنة نبيه لا بدعة استحسنتها ... ولا رأياً أو هوى تعلق به قلبك دونما دليل شرعي ... فإذا كانت لوجه الله، وطبق ما أمر فأبشر فإن عملك مقبول فتقدم وتوسل به إلى الله تعالى ثم ادعه بما شئت فإن الله تعالى يستجيب لك عاجلاً أو آجلاً متى شاء. وكما أنني وضعت أمام ناظريك أمثلة وأدلة من القرآن الكريم والسنة الصحيحة على التوسل إليه تعالى بأسمائه وصفاته العلى ... فكذلك سأضع أيضاً أمامك أمثلة وأدلة من القرآن والسنة على التوسل إليه تعالى بالأعمال الصالحة وسأبدأ - كما فعلت في الفصل الأول - بذكر الأدلة القرآنية على التوسل إليه جل وعلا بالأعمال الصالحة التي يفعلها المؤمن طاعة لله كما أمر ولوجهه الكريم وإن الآيات التي تدل على ذلك إن هي إلا تعليم من الله تعالى لكي نتأسى بمن عمل بهما من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ومن إخواننا المؤمنين والمسلمين الذين سبقونا بالإيمان حتى نقتدي بأعمالهم ونهتدي بها لنفوز بما فازوا به من الرضوان والقبول منه ﵎ وتقدس. الأمثلة والأدلة من القرآن الكريم كثيرة جداً ... وحسبنا أن نختار لك بعض آيات نضعها أمام عينيك لتكون لك يا أخي مثالاً تحتذيه وأدلة تطمئن بها نفسك ويستيقنها فؤادك وتكون لك أبداً حجة تحتج بها في كل مضمار تتعرض فيه للنقاش في هذا السبيل وتدعو إلى الحق الذي وضح لك سناه واستبان هداه. قلت إن الأمثلة والأدلة من القرآن الكريم على التوسل إليه تعالى بالأعمال

стр. 52

الصالحة كثيرة ولعل أعظمها دلالة وأصدقها مثلاً على هذا النوع من التوسل المشروع هو ما أرشدنا الله تعالى إليه في سورة الفاتحة الجليلة العظيمة التي هي أم الكتاب وأم القرآن والسبع المثاني فإن هذه السورة العظيمة أجملت ما في القرآن من المعاني ... ولعل القرآن وما فيه من التوحيد والأحكام والأخبار شرح لما حوت سورة الفاتحة .. أجل إنه شرح مفصل وأكرم به وأعظم من شرح وأكرم وأعظم بالفاتحة من مقدمة جليلة شاملة داعية إلى هذا الكتاب الجليل الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد. وها أناذا واضع أمام عينيك هذه السورة الكريمة ... فلندرسها معاً في صدد ما نحن فيه من بحث التوسل بالأعمال الصالحة ... فهي توسل إليه تعالى بالأسماء الحسنى كما هي في نفس الوقت توسل بالأعمال ... فهي شاملة لذلك كله ولكننا استشهدنا بها في هذا الفصل لأنها تتعلق في أكثر معانيها ..

стр. 53

بما حواه أو سيحويه هذا الفصل من توضيح للتوسل بالأعمال الصالحة فتعال يا أخي المسلم الكريم نتلوها معاً ونستطلع ما فيها من الشواهد الحقة والأدلة المقنعة وبالله المستعان وحده لا شريك له.

стр. 54

الدليل الأول الفاتحة أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين (١) الرحمان الرحيم (٢) مالك يوم الدين (٣) إياك نعبد وإياك نستعين (٤) اهدنا الصراط المستقيم (٥) صراط الذين أنعمت عليهم (٦) غير المغضوب عليهم ولا الضالين (٧) هذا نص هذه السورة الجليلة ويحسن بنا أن نضع - يا أخي القارئ المسلم - أمامك مختصراً لتفسيرها حتى يسهل علينا جميعاً ... بيان وجه التوسل الذي يكون بين طيات هذه السورة الكريمة. لقد اشتملت أم الكتاب - وهي سبع آيات - على حمد الله والثناء عليه وتمجيده وأفراده بالعبادة والاستعانة فلا يعبد إلا هو ولا يستعان بأحد سواه فلما تقدم الحمد والثناء والتمجيد وإفراده بالعبادة والاستعانة ناسب أن يعقب بعد ذلك ... بالسؤال والدعاء منه تعالى بالهداية إلى الصراط المستقيم. فعن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: [قال الله : قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل .. فإذا قال: (الحمد لله رب العالمين) قال الله: حمدني عبدي وإذا قال: (الرحمن الرحيم) قال الله: أثنى علي عبدي فإذا قال: (مالك يوم الدين) قال الله: مجدني عبدي، وقال مرة فوض إلي عبدي، فإذا قال:

стр. 55

(إياك نعبد وإياك نستعين) قال: هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل فإذا قال: (اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين) قال الله: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل] فقوله تعالى: ((قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين)) أي قسم سورة الفاتحة نصفين نصف له وهو قوله تعالى في النصف الأول: (الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين إياك نعبد وإياك نستعين) أي هذا النصف الأول هو لله تعالى وذلك لأن العبد حمد الله تعالى وأثنى عليه بحمده وحصر العبادة والاستعانة فيه وحده لا شريك له. فأما الحمد فهو خالص دون كل ما برأ من خلقه على النعم الظاهرة والباطنة فاستغرق جميع أنواع الحمد وصنوفه لله تعالى وهذا الحمد إنما هو عمل صالح من العبد فلما حمده كان حمده هذا من أجل الأعمال الصالحة وأي عمل صالح أعظم من حمد رب العالمين المالك المتصرف في كل ما خلق في جميع عوالم السماوات والأرض وما بينهما على اختلاف أجناس هذه المخلوقات وأصنافهم مما نعلم وما لا نعلم وما الله به أعلم. فلا شك أنه الحمد الذي استغرق جميع أنواع الحمد لله سبحانه ولا ريب أنه من أجل أنواع الأعمال الصالحة. ثم أثنى العبد على ربه باسميه: (الرحمن الرحيم) المشتقين من صفة الرحمة التي هي صفة له جل وعلا هذه الرحمة عامة لجميع خلقه. وإنما وصف الله نفسه بالرحمن الرحيم بعد قوله: (رب العالمين) ليكون من باب بعد الترهيب فـ (الرحمن الرحيم) فيه ترغيب جاء من بعد ( ... رب العالمين) الذي فيه ترهيب وذلك مطابق للآية: (نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم وأن عذابي هو العذاب الأليم) ٤٩ - الحجر ثم مجد العبد ربه فقال: (مالك يوم الدين) أي أنه تعالى وحده المالك يوم القيامة لا يملك معه أحد ذلك اليوم كملكهم في الدنيا إذ يجوز في الدنيا أن يقول أحد ما: هذا ملكي .. هذا ما لي ... أما يوم القيامة، ليس لأحد ملك ولا مال ولما قدموا على خالقهم .. لم يقدموا عليه بأموال ولا أملاك

стр. 56

بل جاءوه فرادى كما خلقهم أول مرة ... والملك يومئذ لله الواحد القهار. فعندما يقول العبد: (مالك يوم الدين) إنما يمجد الله تعالى بأنه الملك والمالك وليس لأحد ملك معه. وإنك لترى يا أخي أن صبغة: (الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين جاءت بصيغة الغائب ولكن لما تلاها العبد: فحمد الله وأثنى عليه ومجده فقرب منه لأن هذا الحمد والثناء والتمجيد لمما يقرب إلى الله تعالى .. فلما قرب العبد من ربه فكأنه صار أمامه تماماً فناسب أن يخاطبه بصيغة المخاطب فقال: (إياك نعبد وإياك نستعين) فإن رب العالمين ورب كل شيء والرحمن الرحيم بجميع عباده ومالك يوم القيامة وحده لا شريك له وملكيه .. يستحق أن يعبد وحده وأن يستعان به وحده. إذا هو معبود بحق فلا يملك غير هذه الصفات العلى ولا ينادي غيره بهذه الأسماء الحسنى فصاحب هذه الأسماء والصفات إله عظيم يحق أن تصمد له العبادة وحده وأن يستعان وحده في كل شيء ... فمن كانت له تلك الصفات الكاملة ... يستحق إفراده بالعبادة وحده لا شريك له. وإنك با أخي لتلاحظ في قوله: (إياك نعبد وإياك نستعين) أنه قدم العبادة على الاستعانة لأن العبادة هي الغاية وأن الاستعانة هي الوسيلة إليها فإذا لم يعن الله عبده على طاعته ولم يطلب العبد إعانته على ذلك لا تحصل منه تمام العبادة .. أي إننا إذا لم نجعل طلب الإعانة من الله وحده لا تكون العبادة خالصة له. وهكذا فإن العبد بقوله (إياك نعبد وإياك نستعين إنما حصر العبادة والاستعانة بالله وحده فـ (إياك نعبد) تبرؤ من الشرك (وإياك نستعين) تبرؤ من الحول والطول والقوة والتفويض إلى الله . لا شك يا أخي القارئ الكريم في أنك مقتنع معي أن النصف الأول من الفاتحة هو لله تعالى خاصة .. لأنه مشتمل على الحمد له والثناء عليه والتمجيد لذاته العلية وإخلاص العبادة له واقتصار الاستعانة عليه.

стр. 57

أما النصف الثاني منها: (اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين) فإن هذا النصف الثاني هو للعبد ... لأنه يسأل الله فيه الهداية إلى الصراط المستقيم أي صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً غير صراط الذي غضب الله عليهم الذين عرفوا الحق ومالوا عنه إلى الباطل وهم يعلمون أنه باطل!!! وهم اليهود وكل من شابههم من الأقوام الآخرين ... الذين عرفوا الحق وأنكروه وكانوا حرباً عليه وعلى أهله وغير الضالين الذين لم يعرفوا الحق ولم يهتدوا إليه ولا فتشوا عنه بل تخطبوا في كل مهمه ... وتاهوا في كل فقر فضلوا سبيل الحق لأنهم لم يسلكوا الطريق إليه وهم النصارى .. ومن شابههم من الأقوام الذين ضلوا سواء السبيل ولم يسلكوا طريق الحق ليوصلهم إليه فظلوا في ضلالهم يعمهون وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً. هذه سورة الفاتحة الجليلة وضعتها بشطريها أمام ناظريك يا أخي الحبيب في الله موجزاً تفسيرها لك تأكدت معي من أن الله تعالى أرشدنا فيها إلى التوسل إليه ﷻ بحمده والثناء عليه وتمجيده وبإخلاص العبادة إليه والاستعانة به وحده لا شريك له فلما قدم العبد كل لربه ﵎ متوسلاً إليه بحمده والثناء عليه وتمجيده وإفراده بالعبادة ... ناسب أن يعقب بالسؤال وطلب حاجته وما حاجته إلا يهديه الصراط المستقيم فقال: (اهدنا الصراط المستقيم) إذا فإنه لم يدع قبل أن قرب عملاً صالحاً يكون له وسيلة لقبول الدعاء ... وإنه لم يدع إلا لأنه يعلم يقيناً أنه لا يهديه الصراط المستقيم إلا وحده لا شريك له ... فرفع إليه الدعاء ... موقناً بالإجابة ثم أوضح مطلبه عن نوعية هذا الصراط المستقيم الذي يحصر رغبته بالهداية إليه فقال: (صراط الذي أنعمت عليهم) من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين ... الذي سبقونا بالإيمان ... ونهجوا في حياتهم المنهج القويم والصراط المستقيم الذي لا عوج فيه ولا انحراف أي (غير المغضوب عليهم ولا الضالين) أي غير صراط المغضوب

стр. 58

عليهم الذين استحقوا الغضب من الله لانحرافهم - على علم - عن الحق الذي وضح لهم ... ولا صراط الضالين الذين تاهوا وضلوا بمتاهات بعدت بهم عن الحق ويحسبون أنهم على الهدى. أن هذا الدعاء الواضح من جميع جوانبه ... والذي هو كلام الله الذي علم به عباده المؤمنين أن يدعوه به بعد تقديم التوسلات المشروعة التي سبقته، من حمد وثناء وتمجيد وإخلاص العبادة والاستعانة له لدعاء عرف كل من يدعو به كيف الحق لأهله ... أي علم أنه لن يهديه إلى الصراط المستقيم إلا الله ولن يجنبه مزالق الزلل ومهاوي الغضب إلا الله تعالى وتقدس. فحق لهذا الداعي من ربه أن يستجيب دعاءه ويهديه إلى الصراط المستقيم وهذا الحق .. إنما هو حق أحقه الله على نفسه ... تفضلاً منه وتكريماً وامتناناً ﷻ لا إله غيره ولا رب سواه. على أن هذه السورة الكريمة ... على فضلها وجلالتها ووضوحها ودلالتها غرب عن أذهان ((بعض الناس .. !!؟)) وما فيها من معاني التوسل إلى الله ﵎ الذي يحض هو على العمل به التوسل به إليه. وغاب عن عقولهم ما يلفت الأنظار إلى ضرورة انتفاع قارئيها منها وما تدل عليه من الخير الذي من جملته هذه التوسلات العظيمة ... المفضية إلى استجابة الدعاء فعشوا عما فيها من هذا الخير ... وعمهوا عنه ... رغم أنهم يرددونها في صلواتهم مرات عديدة .. !!! كأن المراد من قرائتها .. سرد حروفها وألفاظها فحسب دون إمعان النظر في معانيها ومعرفة ما يتضمن هذا القول الحكيم من تعيين مراد الله من هذه السورة الكريمة المباركة. تركوا ما فيها من توسلات كريمة يلجون بها إلى رحاب عفو ورحمته ومغفرته ... وتعلقوا بتوسلات غير مشروعة!!! فضلوا ... وأضلوا ... وذهبوا يحملون أوزارهم وأوزار من أضلوهم ... ولا أدري إذا كانوا يحسبون أنهم يحسنون صنعاً!!!؟ فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

стр. 59

الدليل الثاني لا شك في أن من المعلوم لديك يا أخي .. أنه ليس في الفاتحة وحدها إرشاد إلى هذه التوسلات فحسب بل أن كتاب الله مليء بمثل هذه الإرشادات والأمثلة على التوسل إلى الله بالأعمال الصالحة. وإليك يا أخي أدلة وأمثلة عديدة من القرآن الكريم وآياته الخالدة بما يثبت لك ذلك: قال الله تعالى في كتابه العزيز: وإذ يرف إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم (١٢٧) ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك وأرنا مناسكنا وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم (١٢٨) ... البقرة أمر الله تعالى عبده ورسوله إبراهيم ﵊ أن يبني بيته في مكة فذهب إليها .. ولما وصل .. رأى ابنه إسماعيل يبري نبلاً له تحت دوحة قريبة من زمزم فلما رآه قام إليه وصنع كما يصنع الوالد بالولد والولد بالوالد ثم قال: با إسماعيل إن الله أمرني بأمر .. قال فاصنع ما أمرك ربك قال: وتعينني؟ قال: وأعينك. قال: فإن الله أمرني أن أبني ههنا بيتا وأشار إلى أكمة مرتفعة على ما حولها. فعند ذلك رفعا القواعد من البيت ... فجعل إسماعيل يأتي بالحجارة وإبراهيم يبني. حتى إذا ارتفع البناء، جاء بهذا الحجر (١) فوضعه له فقام عليه

стр. 60

وهو يبني وإسماعيل يناوله الحجارة وهما يقولان: (ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم). تعال يا أخي القارئ المسلم ولنقف قليلاً ... ونستعرض هذا العمل العظيم ... خطوة خطوة .. نر الامتثال لأمر الله في كل خطوة بارزة فيه أخلاق النبوة من الطاعة والتنفيذ .. دون أي زمن يفصل بين الأمر والطاعة ١ - تنفيذ إبراهيم ﵊ أمر ربه ببناء البيت وبسفره فوراً من فلسطين إلى مكة. ٢ - قول إبراهيم: يا إسماعيل: إن الله أمرني بأمر ... ولم يسمه له وجواب إسماعيل فوراً: فاصنع ما أمرك ربك دون أن يسأله عنه. ٣ - قول إبراهيم: وتعنني عليه ... ؟ وجواب إسماعيل فوراً: وأعينك. ٤ - مباشرتهما بالعمل: إبراهيم يبني وإسماعيل يناوله الحجارة. إنها النبوة الجليلة السامية تظهر واضحة جلية هكذا النبي ينفذ أمر ربه دون بحث أو سؤال عن نوع هذا الأمر .. وهكذا فإن أمر الله يجب تنفيذه فوراً .. دون السؤال عن الحكمة منه ما دام صادراً عن الحكيم العليم. هكذا كان موقف إبراهيم وإسماعيل ﵉. بعد أن استعرضنا وإياك .. هذه المراحل الأربعة القولية والعملية لهذين النبيين والرسولين الجليلين .. فكر يا أخي بهذا العمل وشكل تنفيذه ... أتراه عملاً صالحاً أم لا ... ؟ لا ريب أنك ستجيب فوراً: أكرم وأعظم به من عمل صالح عظيم كريم جليل وكيف لا ... وهو تنفيذ أمر الله تعالى بعمارة بيته المحرم الذي جعل أفئدة من الناس تهوي إليه أجل أنه عمل صالح لا من آحاد الناس ... بل من أبي الأنبياء إبراهيم وبكره النبي الرسول إسماعيل جد خير الأنبياء محمد صلى الله عليهم أجمعين. وخليق ببناء بيت الله، العمل الصالح العظيم أن يرفعاه وسيلة صالحة طيبة إلى جانب الله ﵎ وتقدس يتقربان إليه . با شرا به فعلاً ... ثم ابتهلا إليه عز شأنه: (ربنا تقبل منا إنك أنت السميع

стр. 61

العليم ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك وأرنا مناسكنا وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم). سألاه: أن يجعلهما مستسلمين إليه في كل أمورهما ويجعل من ذريتهما أمة مسلمة مستسلمة له وأن يعلمهما مناسكاً وأن يتوب عليهما إنه هو التواب الرحيم. أرأيت يا أخي المسلم الكريم: كيف أن هذين النبيين الرسولين الجليلين لم يدعوا الله قبل أن يقدما له وسيلة إليه من العمل الصالح ... وهو بناء بيته العظيم. فإذا كان هذان النبيان الرسولان الجليلان لم يدعوا إلى الله إلا قربا إليه وسيلة من عملهما الصالح ... أفر يجدر بنا ونحن الذين استجيبت فينا دعوتهما فكنا أمة مسلمة من ذريتهما أن نتخذها لنا أسوة حسنة وقدوة صالحة فيما فعلاه من تقديم إلى الله بالعمل الصالح فنسعى جاهدين أن يكون لنا دائما عمل صالح .. نتوسل به إلى الله ﷻ كما فعلا عليهما الصلاة والسلام. ولعل ذكر قصتهما هذه في القرآن حض من الله تعالى على التأسي بهما عليهما أفضل الصلاة والسلام اللهم نحن على ملة إبراهيم اللهم فثبتنا عليها إلى أن نلقاك وأنت راض عنا يا رب العالمين. (ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه ولقد اصطفياه في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين). ... (١٣٠) البقرة

стр. 62

الدليل الثالث قوله تعالى: لله ما في السموات وما في الأرض وإن تبدو ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء والله على كل شيء قدير (٢٨٤) ءامن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل ءامن بالله وملائكته ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير (٢٨٥) لا يكلف الله نفساً إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ربنا ولا تحمل علينا إصراً كما حملته على الذين من قبلنا ربنا ولا تحملنا مالا طاقة لنا به واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين (٢٨٦) ... البقرة روى الإمام أحمد عن أبي هريرة قال [لما نزلت على سول الله ﷺ : (لله ما في السموات وما في الأرض وإن تبيدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء والله على كل شيء قدير) اشتد ذلك على أصحاب رسول الله ﷺ فأتوا رسول الله ﷺ ثم جثوا على الركب وقالوا: يا رسول الله كلفنا من الأعمال ما نطيق: الصلاة والصيام والجهاد

стр. 63

والصدقة وقد أنزلت هذه الآية لا نطيقها فقال رسول الله ﷺ : ((أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم: سمعنا وعصينا؟ بل قولوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير)) فلما أقر بها القوم ونطقت بها ألسنتهم أنزل الله في أثرها: (آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسوله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير) فلما فعلوا ذلك نسخها الله فأنزل سبحانه: (لا يكلف الله نفساً إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا)] رواه مسلم، ولفظه: [ ... فلما فعلوا ذلك نسخها الله فأنزل: (لا يكلف الله نفساً إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا) قال: نعم، (ربنا ولا تحمل علينا إصراً كما حملته على الذين من قبلنا) قال: نعم (ربنا ولا تحملنا مالا طاقة لنا به) قال: نعم (واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين قال: نعم] وفي رواية ابن عباس: [قد فعلت] يتضح من الآيات الثلاث خواتيم سورة البقرة ... ومن حديث الإمام أحمد ولفظ مسلم: أنه شق على المسلمين أن يحاسبوا حتى على أحاديث النفس الخفية ... فذكروا ذلك لرسول الله ﷺ وصارحوه بأنهم لا يطيقون ذلك. لنقف هنا هنيهة ... لنرى تأديب الرسول الأعظم لأمته ونصحه المحض لها .. ولننظر كيف أدبهم ... قال ﵊ بأبي هو وأمي: [أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم: سمعنا وعصينا ... ؟!!! بل قولوا: سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير. هكذا الراعي الصالح والرسول الأمين يمحض النصح والتأديب لأمته ولولا هذه النصيحة المخلصة المحضة لهلك المسلمون من قولتهم: هذه آية لا نطيقها!!! بأبي أنت وأمي يا رسول الله ... أشهد أنك بلغت الرسالة وأديت الأمانة ونصحت الأمة فجزاك الله عنا وعن الإسلام والمسلمين خير الجزاء.

стр. 64

أجل علمهم ﷺ ماذا يقولون: (سمعنا وأطعنا ... ) فلما أقر بها القوم ونطقت بها ألسنتهم أنزل الله في أثرها: (آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون ... ) هذه نتيجة لقولهم: سمعنا وأطعنا ... وهذا هو شاهدنا من هذا الحديث أي قولهم سمعنا وأطعنا ... أجل سمعوا قول الله تعالى: ( ... وإن تبدو ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله) ثم أطاعوا كما علمهم رسول الله ﷺ ، فما قولك بقوله: سمعنا وأطعنا أليس هو عملاً صالحاً ... ؟ أجل ... إنه عمل صالح وأي عمل صالح أعظم من السمع والطاعة ... ؟ وهل الدين إلا سمع وطاعة .. ؟ السمع: أي استماع الأمر من آمره والطاعة: تنفيذ هذا الأمر بحذافيره دونما زيادة أو نقصان إذا: فالسمع والطاعة جماع العمل الصالح أو هو الدين كله ... وما الدين إلا الأوامر والنواهي والائتمار والانتهاء ... وهكذا فإنهم قدموا هذا العمل الصالح، وهو قولهم: سمعنا وأطعنا ثم عقبوا بالدعاء فقالوا: (ربنا إنك ربنا) أي نطلب المغفرة منك يا رب مما أخطأنا بقولنا: هذه آية لا نطيقها ... وإنك لترى يا أخي المسلم إنهم لم يرفعوا الدعاء إلى الله بالمغفرة وإلا قدموا بين يدي دعائهم وسيلة بالعمل الصالح وهو: (سمعنا وأطعنا) ثم رفعوا دعاءهم (غفرانك ربنا وإليك المصير). ما ظنك يا أخي برب يستغفره عبده مخلصاً تائباً منيباً مقراً بذنبه راجعاً عنه إليه أتراه يطرده من رحمته!!!؟ أم يتقبل دعاءه ويغفر ذنبه ... ؟ (قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعاً أنه هو الغفور الرحيم) ٥٣ - الزمر. أجل ... إنه تقبل دعاءه وغفر ذنبه. وهنا أخبر الله تعالى أنه على بما دار بين الرسول ﷺ وبين أصحابه الأبرار ﵃ من الحديث ... تعليم رسول الله لهم، تعليمه منه سمعهم وطاعتهم واستغفارهم فقال جل وعلا: (آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد م رسله وقالوا سمعنا واطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير). ثم نسخ ما أنزل

стр. 65

من قوله تعالى: ( .. وإن تبدو ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله) بقوله تعالى: (لا يكلف الله نفساً إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت). وهذا لا شك تخفيف عن عباده فهو الذي خلقهم وهو الذي يعلم تحملهم إنما أنزل الآية الأولى اختباراً لهم ... أيقولون سمعنا وأطعنا أم يقولون: سمعنا وعصينا؟ وهو ولا شك أعلم بما سيقولون قبل إنزال الآية ... ولكنه أنزلها حتى تكون سبباً في تعليمهم ماذا يقولون ... وهكذا كان ... فعلمهم رسول الله ﷺ إذا أرادوا أن يرفعوا دعاء للرب ﵎ أن يقدموا بين يدي دعائهم توسلاً بالعمل الصالح ففعلوا ... فنسخ الله آية الاختبار بآية التكليف بالوسع وأنه لا يثيب أحداً إلا بما كسبه من عمل صالح ولا يعاقبه إلا بما يجترحه من العمل السيء وهذا هو الفضل والعدل. (لا يكلف الله نفساً إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت) ثم شرع الله تعالى يعلم عباده كيف يتضرعون إليه فقال عز من قائل: (ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ربنا ولا تحمل علينا إصراً كما حملته على الذين من قبلنا ربنا ولا تحملنا مالا طاقة لنا به واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين). وفي هذه المناسبة الجليلة أذكرك يا أخي المسلم أن هذه الآيات هي خواتيم سورة البقرة التي عناها ﷺ بقوله: [أعطيت خواتيم سورة البقرة من كنز تحت العرش] رواه أحمد عن أبي ذر. والخلاصة فإنه يتضح مما تقدم كيف يعلم الله ورسوله المؤمنين الدعاء وأياً من الدعاء يكون مستجاباً ... وهو الذي سبقه توسل إلى الله تعالى بالأعمال الصالحة من السمع والطاعة والتوبة إليه سبحانه. ثم يلفت أنظارنا إلى أن الدعاء المستوفى في شروط القبول، يكون مقبولاً وأحياناً يقبل فوراً .. فما علينا نحن المسلمين لو تمسكنا بهدي الله رسوله ﷺ وتقيدنا بتعاليمهما التقيد التام طالما نعتقد أنه لا مجيب للدعاء إلا هو سبحانه ونتمسك حرفياً بما أنزل دون أن نجتهد في أمره .. ! ويؤدي بنا هذا الاجتهاد إلى نسخ أمره

стр. 66

بأهواء ابتدعناها من عند أنفسنا ... !!! وهي: أن نتوسل إليه بأحد مخلوقاته دون العمل الصالح بداعي أنه ليس لدينا عمل صالح ولا ندري إذا كانت أعمالنا مقبولة عند الله حتى نتوسل بها إليه ... أرأيت يا أخي كيف يدخل الشيطان هذه الشبه علينا .. ؟ وبدلاً من أن نطرد وساوس الشيطان بالكتاب والسنة نسينا الكتاب والسنة وأحللنا مكانها هذه الوساوس التي سولها لنا اللعين فأطعناه وعصينا الله ورسوله ونحن من جهلنا نحسب أننا نحسن صنعاً ... !! ألا أن الخير والحق كل الحق أن نرجع إلى الوحيين كتاب الله تعالى وسنة رسول الله ﷺ ونعود إلى تعاليمهما والاكتفاء بهما ... فإذا عدنا إلى أحكامهما وقارناها بواقعنا الذي نحن فيه نتأكد تماماً كنا على الباطل ويحفزنا هذا التأكيد .. للرجوع إلى الحق بدل التمادي في الباطل وما بعد الحق إلا الضلال.

стр. 67

الدليل الرابع قوله تعالى: هو الذي أنزل عليك الكتاب منه ءآيات محكمات هن أم الكتاب وأهر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون ءامنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولوا الألباب (٧) ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب (٨) ... آل عمران يخبر تعالى أن في القرآن آيات محكمات هن أم الكتاب أي واضحات لا التباس فيها ولا غموض على أحد ومنه آيات فيها اشتباه في الدلالة على الكثير من الناس أو بعض منهم فالأصل في ذلك رد المتشابهة إلى المحكم فمن فعل ذلك اهتدى ومن عكس انعكس. هذه الآية الكريمة يعلمنا ويأمرنا فيها ﷻ أن نؤمن بكل ما نزل إلينا منه تعالى محكماً كان أو متشابها ونقول: (آمنا به كل من عند ربنا) دون أن نؤول المتشابه تأويلاً يخرج عن مراد الله تعالى فنقع في الزيغ. إن شاهدنا من هذه الآية الكريمة قوله تعالى فيها: (آمنا به كل من عند ربنا) هكذا قول الراسخين في العلم، والناس تبع لهم في ذلك لأن الله تعالى أخبرنا أن المتشابه لا يعلمه إلا هو والراسخون في العلم يقولون (آمنا به كل من

стр. 68

عند ربنا) أي آمنا بالمحكم والمتشابه أنهما من عند الله أنهما من عند الله ولا شك في أن هذا الإيمان الوصف الذي ورد، أي ما علمنا منه طبقناه وما لم نعلم أو كلنا علمه إلى الله تعالى نعم أن الإيمان بذلك هو عمل صالح عظيم ندبنا إليه سبحانه وحضنا عليه وأمرنا به فالخروج عن أمر الله زيغ حذرنا الله منه أي إذا أولنا المتشابه الذي لا يعلمه إلا الله بما تراه أهواؤنا يكون ذلك سبيلاً إلى الزيغ لا محالة فحتى لا نقع فيه أمرنا أن نتوسل إليه تعالى بالإيمان به وبما أنزل أن لا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا إلى أنه لا يعلم المتشابه إلا الله (وما يذكر إلا أولوا الألباب) أي ما يتعظ بأمر الله والإيمان بما نزل وأنه جميعه حق وصدق وما يفهمه ويعقله ويتدبر معانيه على مراد الله إلا أولو العقول السليمة والمفهوم المستقيمة. فبعد أن علمنا الله تعالى التوسل إليه بإيماننا بمحكم آياته ومتشابهها أرشدنا إلى الدعاء بعد التوسل بقوله تعالى: (ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب) ليكون دعاؤنا هذا مستجاباً فقد دعوناه متوسلين إليه بإيماننا بما أنزل في كتابه الكريم أن يثبت قلوبنا على هذا الإيمان ولا يزيعها بعد إذ هداها إلى الحق إنه هو الذي يهب القلوب هدايتها ويجنبها الزيغ والضلال لا يفعل ذلك إلا هو وحده لا شريك له. إنه هو الوهاب لا إله غيره ولا رب سواه. أخي القارئ المسلم الحبيب: لا شك في أن كل داع إلى الله تعالى: يود ويرغب من صميمه أن يتقبل الله دعاءه ليحصل على ما يود ويرغب ... ولكن هل كل من يدعو يستجاب له ... ؟ فلكي يكون دعاؤه مستجاباً عليه أن يتقيد باتباع الطريقة التي يرضى الله عنها في الدعاء. وإن الداعي إلى الله تعالى على الطريقة الموافقة لإرشاده وهداه ... يحصل ولا شك على نتيجتين طيبتين. ١ - يحصل على رضاء الله عن عمله ويثيبه عليه ... لأنه أخذ بالهدى الذي دله عليه.

стр. 69

٢ - يحصل على استجابة الدعاء فيحظى بالمطلوب الذي دعا الله من أجله. أما الذي يهجر هدى الله في الدعاء ... ويتوسل إلى الله بتوسلات ما شرعها الله ولا هدى إليها في كتابه ولا في سنة رسوله ﷺ يحصل على نتيجتين عكسيتين تماماً. ١ - عدم رضاء الله عنه فيما عمل ... لأنه ابتدع في دعائه طريقة ليست من هدي الله تعالى ولا من هدي رسوله ﷺ وإن عدم رضاء الله تعالى ولا من هدي رسوله ﷺ وإن عدم رضاء الله يعني غضبه ولا شك أن الغضب مفض إلى العقاب فكما أن من أطاع الله فله ثواب فكذلك من عصاه فله عقاب والعياذ بالله من عقاب الله. ٢ - لا يستجاب دعاؤه ... فلا يحصل على مطلوبه الذي دعا الله تعالى للحصول عليه لأنه من أطاع الشيطان وعصى الرحمن. وعلى هذا ... فإن الله تعالى لا يتقبل عملاً إلا إذا كان راضياً عنه ومصداق ذلك قوله تعالى: (رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي وأن أعمل صالحاً ترضاه) وأن العمل وإن كان صالحاً في حد ذاته ... لا يتقبله الله إلا إذا كان راضياً عنه ومن أجل ضمانة رضاء الله عنه يجب أن تكون مطابقاً لشيئين: ١ - أن يكون مطابقاً لشرع الله تعالى ومصداقه (فلذلك فادع واستقم كما أمرت ولا تتبع أهواءهم ... ). ٢ - أن يكون خالصاً لوجهه تعالى لا يبتغي فيه من مخلوق شيئاً ومصداقه: (وسيجنبها الأتقى الذي يؤتي ماله يتزكى وما لأحد من نعمة تجزى إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى ولسوف يرضى).

стр. 70

الدليل الخامس قوله تعالى: الذين يقولون ربنا إننا ءامنا فاغفر لنا ذنوبنا وقنا عذاب النار (١٦) آل عمران يحسن بنا قبل أن نشرع بشرح الشاهد من هذه الآية الكريمة المستشهد بها في موضوعنا الذي نحن بصدده وبيان الحق من الباطل ... أن نرجع إلى ذكر الآيتين اللتين قبل هذه الآية حتى يتسنى لنا ربط الموضوع وتسهيل فهم المقصود منه على القارئ المسلم الكريم. قال تعالى: (زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن المآب (١٤) قل أؤنبئكم بخير من ذلكم للذين اتقوا عند ربهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وأزواج مطهرة ورضوان من الله والله بصير بالعباد (١٥) الذين يقولون ربنا إننا آمنا فاغفر لنا ذنوبنا وقنا عذاب النار (١٦) آل عمران). يخبر تعالى عما زين للناس في هذه الدنيا من أنواع الملاذ والشهوات من النساء والبنين. فبدأ بالنساء ... لأن الفتنة بهن أشد ثم بالبنين ثم بالمال ... من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام من الإبل والبقر والغنم والحرث أي الأرض للغرس وللزراعة. ثم يخبر أن ذلك كله متاع الحياة الدنيا وزينتها الفانية الزائلة. (قل أؤنبئكم

стр. 71

بخير من ذلكم) أي مما في الدنيا من تلك الملاذ والشهوات التي تقدم ذكرها ... فإن الله تعالى قد أعد (للذين اتقوا عند ربهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وأزواج مطهرة ورضوان من الله والله بصير بالعباد). أي أن الله تعالى قد أعد كل هذا النعيم الذي لا يفنى والملك الذي لا يبلى مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ... كل ذلك للمتقين (الذي يقولون ربنا إننا آمنا) أي آمنوا بالله وملائكته وكتبه ورسله وباليوم الآخر وبالقدر خيره وشره وما يستلزم هذا الإيمان من الائتمار بالمعروف والانتهاء عن المنكر. والإيمان في حد ذاته عمل صالح بل هو أساس كل عمل صالح فلا عمل صالحاً بلا إيمان فلما صدر عنك الإيمان يا أخي ... كان ولا شك عملاً صالحاً عظيماً كما أن صدور الكفر من العبد لا شك أنه عمل غير صالح. فلما تقرب المتقون إلى ربهم بقولهم: (ربنا إننا آمنا) وتوسلوا إلى الله تعالى بإيمانهم ... أصبحوا قريبين منه بما تقدم من الوسيلة الطيبة التي رفعوها إليه فناسب بعد هذا القرب منه تعالى أن يقدموا الدعاء الذي يرغبون فيه إليه فقالوا: ( ... فاغفر لنا ذنوبنا وقنا عذاب النار) أي بسبب ما آمنا فاغفر لنا ذنوبنا وجنبنا عذاب النار الذي لا يطاق إنك على كل شيء قدير. إن هؤلاء الذين صدرت عنهم هذه التوسلات بإيمانهم وأعمالهم الصالحة شهد الله لهم بأنهم هم الصابرون على طاعتهم الصادقون في عقيدتهم وأعمالهم القانتون الخاشعون في عباداتهم المنفقون أموالهم في طاعة الله كما أمر والمشفقون على أنفسهم المستغفرون من ذنوبهم قليلة كانت أو كثيرة المتيقنون بأن الله وحده غافر الذنب وقابل التوب فاستغفروا وتابوا إليه في الأسحار وجوف الليل في أوقات تجلي الله على عباده فيغفر للمستغفرين ويتوب على التائبين. هكذا ... فإن الله تعالى أعطانا نماذج من أعمالهم وتوسلاتهم الصادقة الطيبة حتى نتأسى بها ونعمل مثلها .. فإنهم آمنوا وصبروا وصدقوا وأنفقوا وقنتوا ثم طلبوا المغفرة.

стр. 72

وإن الله تعالى يمتدحهم بهذه الصفات الطيبة ويهيب بنا أن نقتدي بهم. فكما أحب منهم هذه الصفات ... كذلك فإنه تعالى يحبها منا أيضاً ومن كل عبد لنحصل على ما حصلوا عليه من الرضا والمحبة الخالدات والنعيم الذي لا يبلى. فهيا يا أخي المسلم إلى هذا الميدان، ميدان الإيمان والعمل الصالح ... وفي ذلك فليتنافس المتنافسون وأن صدر منك الذنب فتوسل إليه تعالى بما أسلفت من الطاعات والأعمال الصالحة الطيبة فإنه يغفر ذنبك ويقبل توبك ... لأن الذي توسلت به إليه ... إنما هو توسل شرعه لك وباب مفتوح لقبول إنابتك إليه فهيا يا أخي إلى تلك الرحاب الظليلة الوارفة وإلى روح وريحان ورب غير غضبان.

стр. 73

الدليل السادس قوله تعالى: فلما أحس عيسى منهم الكفر قال من أنصاري إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله ءآمنا بالله وأشهد بأنا مسلمون (٥٢) ربنا ءامنا بما أنزلت وتبعت الرسول فاكتبا مع الشاهدين (٥٣) آل عمران يقول تعالى: (فلما أحس عيسى) أي استشعر من بني إسرائيل التصميم على الكفر والاستمرار على الضلال. (قال من أنصاري إلى الله) أي من أنصاري في الدعوة إلى الله؟ (قال الحواريون نحن أنصار الله آمنا بالله واشهد بأنا مسلمون ربنا آمنا بما أنزلت واتبعنا الرسول فاكتبنا مع الشاهدين). الحواريون: جمع حواري وهو الناصر. والحواريون هم أصحاب عيسى ﵊ الذين آمنوا به وعددهم اثني عشر رجلاً قالوا نحن أنصار الله كيف لا نكون أنصاره وقد آمنا به واشهد يا عيسى بأنا مسلمون ولا شك أن الإسلام هو دين الأنبياء ومن اتبعهم من لدن آدم ﵇ إلى نبينا عليه وعليهم أفضل الصلاة وأتم التسليم ثم وجهوا خطابهم إلى الله سبحانه فقالوا: (ربنا آمنا بما أنزلت) أي الإنجيل وهو كتاب الله الذي نزل على عيسى ﵇ (واتبعنا الرسول) أي المسيح عيسى بن مريم ﵇ (فاكتبا مع الشاهدين) أي مع أمة محمد ﷺ قاله ابن عباس ﵁ وهذا كقوله تعالى: (وجعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً) شهداء على الناس أي تشهدون للأنبياء يوم القيامة أنهم بلغوا رسالات ربهم

стр. 74

لأقوامهم والوسط هاهنا: الخيار وقد جعل الله أمة محمد وسطاً لما خصها بأكمل الشرائع وأقوم المناهج وأوضح المذاهب. روى الإمام أحمد عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : [يدعى نوح يوم القيامة فيقال له: هل بلغت؟ فيقول: نعم فيدعى قومه فيقال لهم: هل بلغكم؟ فيقولون: ما أتانا من نذير من أحد فيقال لنوح من يشهد لك فيقول: محمد وأمته قال: فذلك قوله: (وكذلك جعلناكم أمة وسطاً) قال: الوسط: العدل فتدعون فتشهدون له بالبلاغ ثم أشهد عليكم] رواه البخاري والترمذي والنسائي وابن ماجه من طريق عن الأعمش ومن حديث لأحمد عن أبي سعيد الخدري: فيدعي محمد وأمته فيقال لهم: هل بلغ هذا قومه؟ فيقولون: نعم، فيقال: وما علمكم؟ فيقولون: جاءنا نبينا فأخبرنا أن الرسل قد بلغوا قوله : (وكذلك جعلناكم أمة وسطاً)] أخي القارئ المسلم الكريم: وضعت أمامك تفسيراً مقتضباً للآيتين المتقدمتين لتأخذ فكرة عامة عن معناهما ثم أشرع في توضيح الشاهد منها في بحثنا وموضوعنا الذي نحن بصدد تحقيقه: لنعد قليلاً إلى الآية: (فلما أحس عيسى منهم الكفر قال من أنصاري إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله آمنا به واشهد بأنا مسلمون). إن قول الحواريين: نحن أنصار الله آمنا به) ألا ترى يا أخي في قولهم عملاً صالحاً .. ؟ أجل إنه عمل صالح. وما قولك يا أخي بنصرة الله ورسوله والإيمان بهما ... ؟ فإذا لم يكن ذلك عملاً صالحاً فأين هو العمل الصالح .. ؟ لا شك ولا ريب في أنه عمل صالح بل هو رأس العمل الصالح وأساسه أيضاً. ودليلنا قولهم لرسولهم: (واشهد بأنا مسلمون) أي واشهد على إيماننا وإسلامنا فشهادة رسولهم لهم بذلك هي شهادة حق بإيمانهم وإسلامهم وصدقهم في قولهم: (نحن أنصار الله آمنا به واشهد بأنا مسلمون) ثم توجهوا إلى ربهم سبحانه وقالوا: (ربنا آمنا بما أنزلت وتبعنا الرسول فاكتبنا مع الشاهدين) الذي يشهدون لعيسى بن مريم ﵊ في جملة ما يشهدون للأنبياء -

стр. 75

أنه بلغ قومه رسالة الله. وإنك لترى يا أخي ... أنهم ما دعوا الله بهذا الدعاء ... وإلا وقدموا بين يدي دعائهم توسلاً بإيمانهم بعبده ورسوله المسيح عيسى بن مريم ﵊ وبما أنزل عليه من الإنجيل وبما اتبعوا به هذا الرسول الكريم فيما دعاهم إليه من أمر ونهي وكل ما تقدم إنما هو توسلات بأعمالهم الصالحة الخالصة لوجهه تعالى. ثم عقبوا على ذلك بدعائهم قائلين: (فاكتبنا مع الشاهدين) أي بسبب ما آمنا بك وبعبدك ورسولك المسيح عيسى بن مريم صلوات الله عليه وسلامه وبالإنجيل الذي أنزلته عليه وباتباعنا له فيما أمر ونهى ... اكتبنا مع الشاهدين. ولعلك أدركت يا أخي ... أن الأنبياء والرسل جميعاً على منهج واحد في التوسل إليه تعالى فلم يخبرنا الله أن أحداً منهم توسل إليه بأحد الأنبياء الذين سبقوهم ولا توسلوا إليه بملائكته ولا بأحد من خلقه ... بل توسلوا إليه بما شرع لهم من التوسل الذي يرضى عنه بل وأمر به عباده جميعاً. فإذا كان الأمر كذلك ... ونعلم أن الأنبياء والرسل وأعمال أصحابهم الذين اهتدوا بهديهم هي أحسن أعمال قاطبة فما علينا إلا أن نتخذ لنا من أعمالهم وسيرتهم الحسنة الطيبة نبراساً لنا وهدي نسير على أساسه في كل أمورنا ... أفلا يكفينا ما كفى أولئك المصطفين من الناس وهم خيار الخيار وصفوة الخلق. ولهذا فإن الله خصنا على ذلك ... لنقتفي آثارهم ونتعقب خطاهم ونسلك ما سلكوه من الهدي والحق والخير وإنا إن شاء الله لفاعلون.
следующие страницы →