← Акыда

Акыда · id 37535

التوصل إلى حقيقة التوسل

محمد نسيب الرفاعي

Полный текст (335 стр.). Показаны 316–335 · переход к 321.

стр. 316

٤ - قول رسول الله ﷺ ((أنا فاعل)) يحتمل أن يكون قد دعا له قبل أن يطلب منه ذلك فلما طلب منه قال ((أنا فاعل)) أي أنا فاعل ذلك قبل أن تطلب مني. ٥ - هل إذا طلب أحدنا الآن من رسول الله ﷺ أن يشفع له يقول له الرسول ((أنا فاعل)) كما قال لأنس ... ؟ فإن يمكن ذلك في ظنكم فما الفرق إذاً بين الحياة والموت وهل طلب أحد من الصحابة من الرسول ﷺ بعد وفاته ذلك؟ حتى نتأسى بفعله ... وهكذا فقد ثبت في هذا النقاش أن عمل أنس لا غبار عليه ولا يفيد أنه توسل بذات رسول الله بل طلب إليه بأن يدعو له لأن يكون في جملة من يشفع بهم رسول الله ﷺ يوم القيامة فأية حجة للقوم في هذا الحديث على دعواهم؟ هذا على فرض صحة الحديث فكيف إذا كان الحديث هذا ضعيف السند؟ نعم وإنه لكذلك وإليك البيان: الكلام على سند هذا الحديث قال الترمذي بعد أن خرج هذا الحديث: حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه لكن في سنده أبو الخطاب حرب بن ميمون ضعف ووثق فهو وإن وثقه بعض المحدثين لكن ضعفه آخرون منهم شيخ المحدثين البخاري وإمام جليل من أئمة هذا الفن وهو أبو زرعة وقال فيه / لين / وقال فيه الذهبي في ميزانه / صدوق يخطئ / وحسبك بذلك تضعيفاً للحديث وجرحاً له المخلوقين اللهم علمنا العلم الذي لا جهل معه.

стр. 317

٢٣ - خبر مرثية صفية عمة الرسول ﷺ يقول الشيخ دحلان: وكذا من أدلة التوسل: مرثية صفية ﵂ عمة رسول الله ﷺ فإنها رثته بعد وفاته ﷺ بأبيات فيها قولها: ألا يا رسول الله أنت رجاؤنا ... وكنت بنا براً ولم تك جافياً ففيها النداء بعد وفاته مع قولها [أنت رجاؤنا] وسمع تلك المرثية الصحابة ﵃ فلم ينكر عليها أحد قولها: يا رسول الله [أنت رجاؤنا]. الكلام على خبر هذه المرثية ١ - قيل أن هذه القصيدة ليست لصفية ﵂ ولم يذكرها ابن هشام في سيرته في جملة المراثي التي قيلت في رسول الله ﷺ . ٢ - إن في هذا البيت الذي استشهدوا فيه تحريفاً عن أصله فقد ذكر الحافظ الهيثمي في كتابه: مجمع الزوائد ج٩ ص٣٩ في باب وداعه ﷺ قال: روى الطبراني بإسناد حسن عن عروة بن الزبير قال: قالت صفية بنت عبد المطلب ترثي رسول الله: ألا يا رسول الله أنت رجاؤنا ... وكنت بنا براً ولم تك جافياً هكذا رواية الطبراني ولكن الدحلان حرف بيت الشعر وذكره في كتابه: ((الدرر السنية في الرد على الوهابية)) حيث كتب [أنت رجاؤنا] بدلاً من [كنت رجاؤنا] ليدل هذا اللفظ أن رسول الله ﷺ رجاء في الحياة وبعد الممات فصار مصداقاً لقوله تعالى: (فبدل اللذين ظلموا منهم قولاً غير الذين قيل لهم /٢٦٢/) الشعراء.

стр. 318

وذكره الشيخ محب الدين الطبري ((ذخائر العقبى في مناقب القربى)) أي [كنت رجاؤنا] لا [أنت رجاؤنا] وهذا التحريف ظاهر لا خفاء فيه ... فلماذا يا ترى؟ ومتى كان الكذب والتحريف والتبديل حجة أو دليلاً؟ نعم إن هذه الصفات حجة ودليل من لا خلاق لهم وقول صفية الصحيح أعني غير المحرف رد صريح عليهم وذلك أنها فرقت بين الحياة والموت فقالت: [كنت رجاؤنا] تعني ﵂ أنه ﷺ يوم أن كان حياً بين أظهرهم يرجعون إليه إذا أشكلت الأمور وتعقدت ليدعو الله لهم ويبين لهم ما يحتاجون إليه من الهدى في الدين والدنيا نعم كان ﷺ رجاءهم فيرجعون إلى الوحي المنزل عليه فيحل الأشكال وليس معنى هذا أنه كان رجاءهم في الخلق والرزق وتيسير الأمور وتفريخ الكروب وهداية القلوب. وكأن تحريفهم هذا لجأوا إليه ليثبتوا به مرادهم من جواز التوسل بذوات المخلوقين مع أن القضايا العلمية لا تثبت بالتحريف والإصرار على الباطل لأن هذا لا ينفعهم في شيء بل على العكس تماماً فإنه لا ينفعهم إلا الحق والصدق والعلم القويم والنقل السليم والأمانة في نقل الأخبار أما الباطل فلا يبقي حتى ولا على نفسه فضلاً عن أهله وذويه. وهكذا فقد تبين لك يا أخي أمتن خبرهم ذاك محرف وذلك عن عمد وتقصد وإصرار وهم يعلمون أما سنده فهو سند منقطع مرسل ولا أعني أن الخبر الذي أتوا به هم فذلك محرف موضوع أما السند المنقطع والمرسل فهو للخبر الذي ورد عن عروة ابن الزبير الذي تكون صفية بنت عبد المطلب جدته لأبيه وإليك البيان: الكلام على سند هذا الخبر هذا الخبر في سنده انقطاع بين عروة بن الزبير وبين صفية جدته لأبيه فقد ولد سنة ٢٩ كما في التهذيب ونحوه أي بعد وفاته ﷺ بتسع عشرة سنة ولما كانت مرثية صفية عقب وفاته ﷺ فتكون ولادته بعد القصيدة بتسع عشرة

стр. 319

سنة وصفية ﵂ ماتت سنة /٢٠/أي قبل ولادة عروة بتسع سنين ولهذا فإن عروة لم يدرك جدته صفية وإن روايته عن أبيه مرسلة فكيف عن أم أبيه فإنها أيضاً منقطعة ومرسلة. وهكذا فإن هذا الخبر أي خبر المرثية غير المحرفة ضعيف لا تثبت به حجة وذلك على فرض عدم التحريف والتبديل أما الخبر الذي أوردوه حجة على جواز توسل العبد بذوات المخلوقين فإنه محرف المتن ومرسل السند ومنقطعه وحري بهذا الخبر المحرف المنقطع المرسل أن يكون ضعيفاً لا تثبت به حجة ولا ينهض به دليل على صحة دعوى القوم ...

стр. 320

٢٤ - رؤيا الترمذي ذكر طاهر بن محمد بن هاشم با علوي في كتاب المسمى: مجمع الأحباب في ترجمة الإمام أبي عيسى الترمذي صاحب السنن أنه رأى في المنام رب العزة فسأله عما يحفظ عليه الإيمان حتى يتوفاه عليه قال: فقال لي: قل: إلهي بحرمة الحسين وأخيه وجده وبنيه وأمه وأبيه نجني من الغم الذي أنا فيه يا حي يا قيوم ياذا الجلال والإكرام أسألك أن تحيي قلبي بنور معرفتك يا الله يا الله يا الله يا أرحم الراحمين. هذه الرؤيا أثبتها الدحلان في كتابه ((الدرر السنية في الرد على الوهابية)) وكأنه آلى على نفسه أن يحشر في كتابه كل خبر يراه مؤيداً لوجهة نظره دون النظر والتثبت من صحته وهذه الرؤيا من هذا النوع الذي لا زمام له ولا خطام ولو أن غيره أتى له برؤيا يحتج فيها على أمر ما ليس له فيه غرض فكان يقيم الدنيا عليه ويقعدها لوماً وتأنيبا لأنه احتج برؤيا وكان يقول له مثلاً: يا أخي ومتى كانت الرؤى حججاً وأدلة؟ ألا تعلم أن الرؤيا لا يثبت بها شيء وأن الدين لا يؤخذ عن الرؤى والمنامات فكان لا ينظر أي اعتبار ولكن عندما يرى حجة فيما يزعم في حكاية خرافية أو منام أو رؤيا فإنه يسرع إلى الأخذ بها ويجعلها حجة ودليلاً وبرهاناً؟ كما فعل هنا بهذه الرؤيا التي رآها في كتاب ما فأعجبته لأن فيها ما يؤيد مذهبه الباطل مع أن الرجل يذكر بعلم الناس وقيل أنه تولى قضاء مكة في يوم من الأيام.

стр. 321

ولكن يجب على الذي أنعم الله عليه بالعلم أن يشكر الله على ذلك بأن يعطي العلم حقه ومستحقه من الفهم والدراية واتباع النصوص الشرعية وعدم العدول عنها إلى خرافات وترهات فإن فعل ذلك وتمسك بالحبل المتين والعروة الوثقى يكون قد شكر الله على ما أفاء عليه من نعمة العلم والفهم أما أن يحرف أو يبدل أو يخرف ويعزف عن النصوص إلى هواه فهذا ليس شأن العلم والعلماء ولا طريق أهل الإيمان وعلى كل فإن الرجل لاقى ربه ونرجو أن يكون قد تاب إلى الله قبل الموت وأحسن العمل. ولنعد إلى النظر في هذه الرؤيا المعزوة إلى الإمام الترمذي ﵀. ١ - ليس لهذه الرؤيا سند متصل صحيح بالترمذي لينظر فيه. ٢ - ليست الرؤى حججاً شرعية ولا أصلاً من أصول الدين لا سيما إذا كانت مخالفة لنص الكتاب والسنة. إننا نجل هذا الإمام الجليل عن الأخذ بمثل هذه الرؤيا وهو من رجال السنة العظام الناصرين لهذه السنة النبوية المطهرة فلا يعقل البتة أن ينصر مثل هذه الترهات وإن الكذابين والوضاعين يستفيدون من سيرة أمثال هؤلاء الأفذاذ وينسبون إليهم أقوالاً هم بريئون منها ولكن حتى يوهموا العامة أن ما نسب إلى مثل هؤلاء الجبال من العلم صحيح فالعامة ولا شك ليس عندهم الفقه اللازم والعقل الكامل المستنير ليفحصوا مثل هذه الأخبار الملفقة فينظروا إلى من هي معزاة فإن كان عزوها إلى عالم جليل معروف اطمأنوا إليها وأخذوها بالقبول فإذا تقادم عليها العهد فقد يأخذ بها بعض الخاصة أيضاً. وهكذا كان تسرب مثل هذه الأكاذيب إلى الناس وهذا سبيل الكذابين الوضاعين الذي لا يخافون الله. إذاً فالإمام الجليل أبو عيسى الترمذي صاحب السنن بريء من هذه الرؤيا المعزوة إليه إننا نتهم أولئك الكذابين بجريمتهم هذه ونتحداهم أن يأتوا بسند صحيح متصل إلى الإمام الترمذي. إن الله تعالى أنعم على هذه الأمة بأن تولى لها حفظ دينها وأكمله لها وأتم

стр. 322

عليها به النعمة ورضيه لها ديناً فما لم يكن يومئذ ديناً لا يكون اليوم ديناً (اليوم أكملت لكم دينكم وأتمت عليم\كم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً) ٣/المائدة. فلسنا محتاجين بعد هذا إلى رؤى ومنامات تنقض لنا ديننا. وعلى فرض صحة وقوع مثل هذه الرؤيا فصحة وقوعها شيء وصحة ما يترتب عليها من أحكام شيء آخر إلا إذا كانت مؤيدة لما في الكتاب والسنة من إحكام ولا تخالف أصلاً من أصول الدين هناك علماء بتفسير الأحلام يفسرون لمن رأى حلماً لماذا يرمز حلمه ما هنالك وما نحن بتفسير الأحلام بعالمين. قد يكون للشيطان دخل بمثل هذه الرؤى والمنامات فكثيراً ما يدخل الشيطان على ضعاف الأحلام والجهال بأن يتمثل لهم بأشكال مختلفة ويضلهم عن سواء السبيل ولكن الإمام الترمذي الجليل هو أجل من أن تمشي عليه أحابيل الشيطان فلا يعقل أن تدخل عليه مثل هذه المنامات وهو يعلم أنها مخالفة للشرع لأن الله تعالى لا يقبل واسطة أحد بينه وبين خلقه إلا فيما اختار من عباده من الأنبياء والرسل ليكونوا واسطة تبليغ الوحي فقط. إن هذا الدعاء الوارد في هذه الرؤيا الموضوعة تظهر عليه مسحة الصنعة ظاهرة جلية وإن صنعة السجع الظاهرة عليه هي من جملة الأسباب التي كشفت وضع الرؤيا وكذبها فإن ضرورة السجع الذي يلجأ إليها بعض الكذابين في حياكة ألفاظهم وسيلة من الوسائل للتأثير على الأسماع واستحسانها لفظاً فيؤثر هذه الاستحسان اللفظي على استحسانها معنىً وهذا غالباً ما يكون تأثيره على العامة فأما الذين نور الله أبصارهم وبصائرهم يعرفون صحتها من زيفها هم الذين يكشفون هذا الزيف فخذ مثلاً هذه الرؤيا فقد اضطر من حاك ألفاظها أن يجره السجع إلى مخالفة مراتب الأشخاص الواردة أسماؤهم في الرؤيا ... . إنه يقول: (إلهي بحرمة الحسن وأخيه وجده وبنيه وأمه وأبيه) فحتى ينتظم السجع قدم الحسن وأخاه الحسين على جدهما الرسول ﷺ ثم قدم ذرية

стр. 323

الحسن بالمقام على أمه وأبيه ذلك لضرورة السجع. هذا عدا عن أن الله لا يأمر بشيء في المنام يكون قد حرمه في الدين مما يدل على انكشاف بواطن الوضاعين ومقاصد الكذابين ونوايا الحاقدين حتى يعرف كذبهم وحقدهم. وهكذا فقد خاب فأل هؤلاء الضالين المضلين الذين يختلقون الأكاذيب والأخبار الملفقة وإن عتبنا على أحد فلا نعتب إلا على أمثال الشيخ الدحلان كيف تدخل عليه مثل هذه التلفيقات والترهات والأباطيل لا سيما وهو عالم كبير من علماء مكة فيما مضى من الزمن فيحشو في كتابه كل غث وباطل إلا أن يكون كتابه ((الدرر السنية في الرد على الوهابية)) ملفقاً عليه أو مدسوساً وإلا فإنه لمسؤول مسؤولية كبرى أمام الله تعالى عما ورد في كتابه جملة وتفصيلاً (ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب /٨/آل عمران).

стр. 324

٢٥ - توسل الشافعي بآل البيت ذكر ابن حجر الملكي في كتابه المسمى (بالصواعق المحرقة لإخوان الضلال والزندقة): أن الإمام الشافعي ﵁ توسل بأهل البيت النبوي حيث قال: آل النبي ذريعتي ... وهم إليه وسيلتي أرجو بهم أعطي غداً ... بيدي اليمين صحيفتي الكلام على هذا الخبر من السهل جداً على كل إنسان أن يلصق أية تهمة بأي إنسان آخر ولكن المعلوم أن مجرد الإتهام بدون إثبات لا يفيد صاحبه في شيء ويبقى اتهامه مجرد دعوى والدعوى العارية عن الإثبات دعوى لا قيمة لها ويبقى المتهم بريئاً إلى أن يدان لا سيما إذا كان المتهم من أجل الناس قدراً وأكبرهم مقاماً وأعزهم منزلة وأملأهم علماً وأغزرهم معرفة بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ وأشدهم ورعا وتقى فليس من السهل اتهامه فضلاً عن إثبات التهمة عليه. الشافعي ﵁ الذي كان أشد العلماء تمسكاً بالسنة ونصراً لها وحرصاً على حمايتها من البدعة لا يعقل بشكل من الأشكال أن ينسب إليه خرق للسنة لا فعلاً ولا قولاً ولا إقراراً ومع ذلك فإننا نتحدى (القوم ... ) أن يثبتوا بالنقل الصحيح أن الشافعي قال هذين البيتين من الشعر حاشاه ﵁ من ذلك.

стр. 325

صحيح أن الشافعي محب جداً لآل البيت لكنه حب محدود ولا شك بالحب لا يخرج عن هدي الكتاب والسنة وهو من أحرص أهل زمانه قاطبة على ذلك وقد علمت يا أخي أن التوسل بذوات المخلوقين لم يأت به شرع بل هو شعار من شعارات الجاهلية التي يترفع ويحل عنها مقام الشافعي الكريم وإننا لمنتظرون أن يثبت القوم بالنقل الصحيح عن الشافعي ﵁ ما عزي من قول أقل ما يقال فيه أن الافتراء المحض نعم إننا لمنتظرون ولكن هيهات هيهات وألف ألف هيهات. أما سند هذا الخبر فمعدوم ولا جود له إلا في مخيلة من اخترعوه ووضعوه واقترفوا فيه جريمة الافتراء والكذب فهو إذاً خبر باطل لا أصل له. وليس الشافعي ﵀ ورضي عنه أول من كذب عليه بل كذب عل من هو أعظم وأجل منه فقد كذب على رسول الله ﷺ فالذي يجرأ أن يكذب على سيد الخلق لا يتورع أن يكذب على الشافعي ﵁ وأرضاه.

стр. 326

٢٦ - توسل الشافعي بأبي حنيفة ﵄ قال ابن حجر المكي في كتابه المسمى ((الخيرات الحسان)) في مناقب أبي حنيفة النعمان في الفصل الخامس والعشرين أن الإمام الشافعي أيام هو ببغداد كان يتوسل بالإمام أبي حنيفة ﵁ يجيء إلى ضريحه يزوره فيسلم عليه ثم يتوسل إلى الله به في قضاء حاجاته. الكلام على متن هذا الخبر من المعلوم أن معنى التوسل هو القربى والمتوسل عليه ولا شك أن يتحرى في توسله أن يكون هذا من النوع الموافق لعقيدة هذا المتوسل به فإذا كان الذي يريد أن يتوسل به يكره ويحرم هذا النوع من التوسل فكيف يعقل من أحد أن يقدم على عمل هو مكروه عند التوسل به؟ لأنه موقن بأن المتوسل إليه به لا يقبل قطعاً هذا التوسل لا سيما وقد منعه منعا باتاً على ألسنة رسله من لدن آدم إلى محمد ﷺ فإن أبا حنيفة ﵁ كان لا يجيز التوسل إلى الله بأحد من خلقه فقد ثبت عنه أنه قال: ((لا ينبغي لأحد أن يدعو الله إلا به وأكره أن يقول: أسألك بمعاقد العز من عرشك وأن يقول بحق فلان وبحق أنبيائك ورسلك وبحق البيت الحرام)). ولا شك أن الشافعي ﵁ يعلم هذا من مذهب أبي حنيفة في التوسل فكيف يتوسل به وهو يكره هذا النوع من التوسل بل ويحرمه فهل من المعقول بعد أن يعلم الشافعي من أبي حنيفة ذلك أن يتوسل به هذا غير معقول البتة بل هو إغضاب لأبي حنيفة لأنه يكرهه ويحرمه لأن الله كرهه ويحرمه ولا شك أن الشافعي وأبا حنيفة ﵄ لا يحبان إلا ما يحب الله ولا يكرهان إلا ما يكرهه الله فكيف يتقرب الشافعي إلى الله بالتوسل بأبي حنيفة بما يغضب الله وأبا حنيفة حاشاه ﵁ من ذلك وهو بريء مما نسب إليه ولكن ماذا نقول للكذابين

стр. 327

والمفترين أننا نشكوهم إلى الله تعالى: اللهم عاملهم بما يستحقون. قال في ((تبعيد الشيطان)): والحكاية المنقولة عن الشافعي أنه كان يقصد الدعاء عند قبر أبي حنيفة من الكذب الظاهر. اهـ. إصرار الشيخ دحلان يقول الشيخ دحلان في كتابه ((الدرر السنية في الرد على الوهابية)): (وهؤلاء المانعون للتوسل يقولون بجواز التوسل بالأعمال الصالحة مع كونها أعراضاً فالذوات الفاضلة أولى). رد الشيخ رشيد رضا عليه فرد عليه الشيخ رشيد ﵁ عليه الرحمة بقوله تعليقاً على كتاب: ((صيانة الإنسان عن وسوسة الشيخ دحلان)): إن التوسل بالأعمال الصالحة هو التقرب إلى الله تعالى بما شرعه إلى تعالى بما شرعه لعباده بالإجماع والنصوص القطعية وهو المعقول إذ هي التي تزكي نفس العامل وتجعله أهلاً لرضوان الله تعالى واستجابته لدعائه وأما ذات غيرك فلا تأثير لها في تزكيتك مهما تكن الذات فاضلة بعملها المزكي لها (قد أفلح من زكاها /٩/الشمس) اهـ. قلت: لا شك ولا ريب أن العمل هو الذي يحمل الذات ولولا العمل لم يكن الذات شيئاً مذكوراً والعمل أداة معرفة في خير أو شر ... فإن كان عمله خيراً فيعرف بذلك العمل ويوصف به وإن كان عمله شراً فيعرف بذلك العمل ويوصف به وهكذا ترى أن الذات يتبع العمل لا العمل يتبع الذات. فالنبي ﷺ والأنبياء عليهم الصلاة والسلام وكذلك الصديقون والشهداء والصالحون لولا أعمالهم العظيمة التي وفقهم الله إليها ما عرفوا فبالأعمال الصالحة التي عملوها عرفت ذواتهم مكرمة قال الله تعالى (ووجدك ضالاً فهدى /٦/ الضحى) وقال عز من قائل: قل ما يعبأ بكم ربي لولا دعاؤكم

стр. 328

/٧٧/الفرقان) ففي هذا دلالة على أن العمل هو الذي جعل الذات مقربة ولا شك أن العمل لعامله وليس لغيره نصيب فيه فإذا فهم ما تقدم تبين أن العمل أفضل من العامل وهو الذي جعله فاضلاً لا أن العمل صار فاضلاً لما صدر عن ذلك الذات ولهذا فإن علياً ﵁ كان يقول: [أعرف الرجال بالحق لا الحق بالرجال واعرف الحق تعرف أهله] * * * وبهذا تبين فساد قول الشيخ دحلان وثبت أن الأعمال الصالحة أفضل من الذات بل هي التي جعلته ذاتاً فاضلاً وبها عرف ولولا الأعمال لما كانت الذوات شيئاً مذكوراً. ٢٧ - الرد على الشبهة الأخيرة ... أما ما أوردتموه علينا - في آخر ما زعمتموه من حجج - من أنكم توسطون إلى الله أنبياءه وأولياءه الصالحين في قضاء حوائجكم كما توسطون إلى كبير من المخلوقين أحد المقربين إليه في حوائجكم لتقضي عنده. فنقول وبالله المستعان: إن وساطة المخلوق للمخلوق جائزة فقد يكون هذا الكبير الذي ذكرتموه في شبهتكم تعتريه علل في نفسه مانعة دون قضاء حوائج الناس من جهل أو ظلم أو منفعة مادية أو معنوية يتطلع إليها أو مصالح متبادلة قائمة بينه وبين الوسيط أو أية علة أخرى تشكل حائلاً دونه قضاء مصالح الناس. فمثل هذا الكبير الذي افترضتم وجوده يحتاج ولا شك إلى وسيط مقرب لديه يتوسط لحل المشاكل المستعصية ...

стр. 329

ولكن لا يجوز إن صح قيام الوساطة إلى هذا الكبير للحيلولة دون علله الضارة بمصالح الناس أن يصح قيام هذه الوساطة بين الله وبين خلقه لأن القياس بين الوساطتين قياس مع الفارق إذ أن الله تعالى لا تحول بينه وبين خلقه مثل تلك العلل!!؟ تنزه الله وتقدس وتعالى عن ذلك علواً كبيراً ... ولعلكم أدركتم فساد قياسكم واقتنعتم بعدم صلاح وروده حجة لكم علينا ومع ذلك نسألكم: لو كان هذا الكبير مشهوراً لدى العام والخاص بإحقاق الحق والعدل وفاتحاً باب الدخول على مصراعيه للناس كافة فيدخل عليه من شاء ويسمع من كل أحد ظلامته ويقضي بها على الشكل الأتم الأكمل من الحق والعدل بلا أية واسطة فبالله عليكم أكنتم تحتاجون إلى واسطة للدخول عليه؟ ستقولون: لا بل ندخل عليه بلا واسطة. ثم نسألكم أيضاً: بالله عليكم أيكون هذا الذي قضى لكم حوائجكم بلا واسطة أفضل في نظركم أم ذاك الذي جعل دونه ودون مصالح الناس حجاباً فلا يقضي حوائجهم إلا بوسائط في نظركم أفضل ستقولون: بل هذا الذي يقضي حوائجنا بلا واسطة أفضل في نظرنا وفي أنظار الناس جميعاً. فنقول: يا سبحان الله لماذا لم تفترضوا الأفضل لله تعالى وأنكم لتعلمون أن الله تعالى واجب دائماً في حقه الأفضل والأمثل؟ ولكن يجب أن تعلموا علم اليقين إنكم والله لو شبهتم الخالق الأفضل لكفرتم فكيف وقد شبهتموه بأدنى ما يتصور من الحكام الظالمين الذين لا يوصلون الناس إلى حقوقهم إلا بوساطات المتوسطين وشفاعات الشافعين!!! فهل شعرتم في عملكم هذا أنكم ما قدرتم الحق قدره هدانا الله وإياكم سواء السبيل وسلكنا وإياكم صراطاً مستقيماً. والحمد لله رب العالمين

стр. 330

فتوى رسمية من مفتي الديار المصرية نشرتها مجلة الإذاعة المصرية في ٧/ ٣/١٩٥٧ سئل فضيلة الأستاذ الشيخ حسن مأمون مفتي الديار المصرية سؤالين هامين عن زيارة الأضرحة والتوسل فأجاب فضيلته بما يلي: س١ - ما حكم الشرع في زيارة الأضرحة - أضرحة الأولياء - والطواف بالمقصورة وتقبيلها والتوسل بالأولياء؟ ج١ - أود أن أذكر أولاً أن أصل الدعوة الإسلامية يقوم على التوحيد والإسلام يحارب جاهداً كل ما يقرب الإنسان من مزالق الشرك بالله. ولا شك أن التوسل بالأضرحة والموتى أحد هذه المزالق وهي رواسب جاهلية فلو نظرنا إلى ما قاله المشركون عندما نعي عليهم الرسول ﷺ عبادتهم للأصنام قالوا له: (ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى) فهي نفس التي يسوقها اليوم الداعون للتوسل بالأولياء لقضاء حاجة عند الله أو التقرب منه ومن مظاهر هذه الزيارات أفعال تتنافى مع عبادات إسلامية ثابتة فالطواف في الإسلام والتقبيل في الإسلام لم يسن إلا للحجر الأسود وحتى الحجر الأسود

стр. 331

قال فيه عمر وهو يقبله: (والله لولا أني رأيت رسول الله يقبلك ما فعلت) فتقبيل الأعتاب أو نحاس الضريح أو أي مكان به حرام قطعاً. وتأتي بعد ذلك الشفاعة وهذه هي في الآخرة غيرها في الدنيا فالشفاعة ارتبطت في أذهاننا بما يحدث في هذه الحياة من توسط إنسان لآخر أخطأ عند رئيسه ومن بيده أمره يطلب إليه أن يغفر له هذا الخطأ وإن كان هذا المخطئ لا يستحق العفو والمغفرة غير أن الله قد حدد طريق الشفاعة في الآخرة فهذه الشفاعة لن تكون إلا لمن يرتضي الله أن يشفعوا ولأشخاص يستحقون هذه الشفاعة وهؤلاء أيضاً يحددهم إذن فكل هذا متعلق بإذن الله وحكمه فإذا نحن سبقنا هذا الحكم بطلب الشفاعة من أي كان فإن هذا عبث لأننا نستطيع أن نعرف من سيأذن الله لهم بالشفاعة ومن يشفع لهم. وعلى ذلك يتضح أن كل زيارة للأضرحة - غير الشرعية - والطواف حولها وتقبيل المقصورة والأعتاب والتوسل بالأولياء وطلب الشفاعة منهم كل هذا حرام قطعاً ومناف للشريعة أو فيه إشراك بالله وعلى العلماء أن ينظموا حملة جادة لتبيان هذه الحقائق فإن الكثير من العامة بل ومن الخاصة ممن لم تتح لهم المعرفة الإسلامية الصحيحة يقعون فريسة الرواسب الجاهلية التي تتنافى مع الإسلام وإذا أخذ الناس بالرفق في هذا الأمر فلا بد أنهم سوف يستجيبون للدعوة لأن الجميع حريصون ولا شك على التعرف على حقائق دينهم. س٢ - هل يجوز النذر لغير الله مثل أن ينذر أحدهم نتائج ماشيته أو ريع أرضه أو مبلغاً من المال لأحد الأولياء؟ وهل يقر الإسلام هذه النذور؟ ج٢ - وردت الآيات صريحة في أن النذر لا يجوز إلا لله والنذر لغير الله شرك فالنذر طاعة ولا طاعة لغير الله. حسن مأمون مفتي الديار المصرية

стр. 332

الخاتمة بهذه الفتوى التي أفتاها الشيخ حسن مأمون مفتي الديار المصرية أختتم هذا الكتاب. هذا الكتاب الذي أوضحت فيه التوسل المشروع والتوسل الممنوع وقد ذكرت أدلة كلا الطرفين ويعلم الله أنني ما تحيزت إلا للحق وللحق وحده. لا شك أنني طرف في هذا النزاع العلمي العقائدي فإنني من مؤيدي التوسل المشروع ومن مخالفي التوسل الممنوع ومع الذين يحرمونه تحريماً باتاً ولكنني أستطيع أن أقول أنني كنت منصفاً في إيراد حجج الخصم في الرد عليها ولا شك أنني أعتقد اعتقاداً جازماً أن ما سموه حججاً وأدلة ليست كذلك البتة لأن الحجة لا يقال لها حجة إلا إذا أثبتت فكرة ما وأوضحتها وأظهرت الحق فيها أما إذا لم تستطع هذه التي يسمونها حججاً إثبات المقصود فليست بحجج ولا أدلة إنما هي شبه ظنوها حججاً وما كان الظن في يوم من الأيام يغني عن الحق شيئاً وعلى كل فإننا قد أظهرنا للجميع زيفها وزيغها وذكرنا أقوال علماء الحديث والعارفين بالرجال فيها فسقطت متوناً وأسناداً وتهافتت كورق الخريف وقد رأى القارئ المسلم الكريم بأم عينه كيف ينهار صرح شبههم لبنة لبنة إلى أن هد بنيانهم إلى القواعد إن

стр. 333

كان هناك قواعد وكلي أمل أن يعتبروا بهذه النهاية للباطل وكيف أنه زهق تحت ضربات الحق إن الباطل كان زهوقاً. ولعل أحداً يقول: إنك اعترفت بأنك طرف في هذا النزاع فكيف سمحت لنفسك أن تنفرد بالحكم على خصومك فحكمك في حقهم غير مقبول لأنك طرف فكيف تكون في آن واحد خصماً وحكماً فأقول: عن هذا النزاع القائم في هذا الموضوع لن تكون الأمة بأجمعها إلا أحد طرفين إلزاماً لأنه عقائدي وقد حدد الله فيه من أول الأمر أين هو الحق وما أنا إلا بذاكر فقط حكم الله تعالى وما بلغه رسول الله ﷺ ولا يمكن إلا أن أكون طرفاً وقد كنت واخترت طرف الحق والحمد لله الذي هداني لهذا وما كنت لأهتدي لولا أن هداني الله. وليست القضية خلافاً على أمور شخصية فلو كانت كذلك لصح فيها أن يقال: يجب أن يكون الحكم حيادياً أي ليس له مصلحة شخصية من هذا الخلاف القائم بين الطرفين المتقاضيين. ولكن الأمر ليس كذلك فهو على قضية شرعية ليس الحكم فيها سوى الله تعالى وقد حكم هو سبحانه لا أنا الذي حكمت ولا غيري من المخلوقين وأعني بذلك أن الأمر من أساسه هو الله تعالى ومن أجله أرسل من لدن آدم إلى محمد عليهم الصلاة والسلام ولست أول من ردد حكم الله على أمثال هؤلاء الذين يجيزون التوسل بذوات المخلوقين فقد بحث هذا الأمر قبلي كثير فجمعت أنا بدوري هذه الأبحاث بأسلوب علمي ومنهجي وعرض سهل جديد ورددت بها في هذا الكتاب على من يختلف مع دعوة الحق في هذا الأمر الجليل فبسطت لهم الحجج القرآنية والأدلة السنية ولما بسطواهم ما سموه بالحجج نقضتها كذلك بحجج القرآن وأدلة السنة واستعنت كذلك على دحض شبهاتهم بأقوال علماء الحديث وعلماء رجال الحديث على ضعف ووضع وكذب وبطلان ما أوردوا من حجج على ما يزعمون ولو كان غيري مختلفاً معهم لما أتى إلا بالذي أتيت فالحياد في هذا الموضوع غير وادر البتة

стр. 334

بل هو مستحيل وإن وجد فإنما هو طرف ولا شك ولكن في جانبهم لأنه لا مكان له في جانبنا فإن الأمة بأجمعها دونما أي استثناء طرفان فإن هنا أو هناك ولا ثالث لهما لأن الذي هو حيادي بين قول الله ورسوله وبين من كان خلافهما فهو مع خلافهما قطعاً إذاً لا حياد هنا البتة إنما يمكن أن يكون أحد ما بين بين الطرفين أي بمعنى أنه لم يتضح له الأمر بعد ويسعى جهده لتفهم وجهة الحق حتى تبعها فمثل هذا يكون هذا الكتاب شافياً لما يجد فإذا قرأه سيخرج بنتيجة حتمية دونما ريب أي سيكون أحد الطرفين حتماً فأين هذا الحياد المزعوم؟!!! إذاً لا حياد بين الحق والباطل لأن الحياد هنا كتم للعلم والعلم أمانة وكتمانه خيانة ولا شك أن مكان الخيانة هو في ناحية الباطل ولا مكان لها في طرف الحق وهكذا فإن الحياد بين الحق والباطل إنما هو انحياز صريح إلى الباطل ولا يسمع قول من يقول أنا حيادي في هذا النزاع بل يرد قوله ويقال له: خذ مكانك مع أهل الباطل وهذا طبعاً بعد أن يعرض عليه الحق بدليله فإن بقي على حياده المزعوم أشرنا إلى مكانه في الطرف الآخر وقلنا له: خذ مكانك مع أهل الباطل. ولكن لنا الأمل الوطيد بالله تعالى ثم بكل من يقرأ هذا الكتاب أن يخرج بنتيجة إيجابية فيرى الحق حقاً ويرزق اتباعه ويرى الباطل باطلاً ويرزق اجتنابه بفضل الله منه وكرمه. فإذا كان هذا الكتاب سيخرج بقارئه إلى هذه النتيجة الطيبة فنستطيع إذاً أن نسميه الكتاب القائد والسفر الرائد فلا ينطق إلا باسمه ولا يهتدي إلا بنوره وهداه. هذا الكتاب سيكون إن شاء الله الصحة الرائدة والدعوة القائدة إلى المنطلق البناء يبني العقيدة كما أرادها الله في تبيانه وكما دعا إليها الصادق الأمين في بلاغه وبيانه حتى يعبد الله وحده كما يحب ويرضى فينطلق الأبناء من منطلق الآباء يجددون للإسلام بنيانه الذي

стр. 335

سيبقى إلى أبد الآخرين في حفظ رب العالمين. (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) نحن لا ندعوا إلى شيء فرضناه أو إلى أمر ابتدعناه بل ندعوا: إلى الدعوة الأولى كما نزلت على داعيها أول مرة بلا تزييف ولا تأويل ولا تعطيل. أجل ندعوا إلى الدعوة المحمدية الندية السلفية الغضة الطرية وندعوا الآذان أن تنصت للوصية التي نطق بها الصادق المصدوق قبيل التحاقه بالرفيق الأعلى: [تركتم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك] علها ترن في الآذان وتعيها القلوب. صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه إلى ما شاء الله وسلم تسليماً كثيراً (وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين).