باله من الكفر وسوء الخاتمة، ونعوذ به تعالى من الزندقة المبرقعة في أثواب التقى الكاذب الخداع.
٦ - كما إن العرب يعتقون العبيد على قبر سيدهم تقرباً إلى الله ... فكذلك يطلب الأعرابي من ربه أن يعتقه على قبر الرسول ﷺ ولكن تقرباً لمن ... ؟ ألا إن شاء الله أعظم من أن يتقرب إلى أحد وهو الغني عن العالمين.
٧ - إن المعروف من قواعد التأدب مع العظماء إذا كنت في حضرتهم لا يجوز أن تذكر أحداً بسيادة أو تعظيم من عبيدهم دونهم ... ولا شك أن محمداً ﷺ سيدنا ... ولكن لا ينبغي عندما نناجي السيد الأعظم وهو الله تعالى أن نذكر أحداً بسيادة أثناء دعائه ... ولذلك جاءت الصلوات الإبراهيمية خلوة من التسييد لأنها دعاء لله تعالى في الصلاة على عبده ورسوله محمد. فالسيادة في موقف الدعاء ... كلها لله تعالى فهو السيد الأعظم ﵎ وتقدس. وليس من التأدب مع الله دعائه أن نذكر عبده محمداً بأنه سيد العالمين وإن كان هو كذلك.
٨ - الأعرابي كما تبين تكلم بكلمات طامات وأباطيل وتشكيكات ظهرت لك يا أخي بينة واضحة، وهو كما علمت مجهول الهوية بل هو شخصية موهومة أخترعها واضعوا هذا الخبر .. فلو فرضنا أن ليس في أقوال شئ يؤاخذ به عليه، وأنه معروف الهوية مثلاً ... فليس هو حجة حتى تتبع أقواله ... وليس في أقواله آية حجة على المطلوب فكيف إذا كانت أقواله من الكفر والزندقة على شئ عظيم .. ؟
٩ - لقد أثبتنا أن أقوال الأعرابي على جانب عظيم من الانحراف عن أساس ما جاء به القرآن الكريم، فلو عرضناهم بنداً بنداً وجملة جملة، وكلمة كلمة ... على القرآن والسنة ... لوجدنا فيها تجافياً كبيراً عما جاء فيهما من الحق. فإذا كان الأمر كذلك .. فأى حجة في هذا الخبر على المطلوب من أنه يجوز التوسل بذوات المخلوقين ... وهل من دليل أقوى إثباتاً وحجة على بطلان (دعوى القوم ... ) من هذا الخبر ... وأى حجة قامت به على صحة دعواهم ... . اللهم
стр. 282
إلا ما أنفضح من طوايا واضعية وما أنكشف من مخبآت زندقاتهم الفاجرة الكافرة.
١٠ - إن واضعي هذا الخبر الباطل ... لم يكتفوا بما دسوا فيه من بلايا على لسان الأعرابي المزعوم ... بل اخترعوا له شواهد زور!!؟ يشهد لدعائه بان دعاء حسن .. وكان سبباً في مغفرة الله للأعرابي! وشهود وزر آخرين ... أقروا بسكوتهم شهادة الذي تألى على الله وقال: [يا أخا العرب ... إن الله قد غفر لك بحسن هذا السؤال ... .!].
وإننا نناقش شهادة شاهد الزور في مسألتين:
الأولى: من أين علم أن الله قد غفر للأعرابي ... ؟!! أَأُوحي إليه!!؟ أم أنه يتألى على الله؟ إن مغفرة الله لعبده من أمور الغيب ولا يمكن القطع بها لأحد قط إنما ترجى له من الله رجاءً ودعاء فالقطع والجزم بها على الشكل الوارد في الخبر إنما هو كذب وجرأة على الله أو ادعاء منه بأنه يعلم الغيب ولا يعلم الغيب إلا الله (عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحداً إلا من ارتضى من رسول الله ... )
الثانية: أي حسن في سؤال الأعرابي ودعائه من أوله إلى آخره ... ؟ وإنه لمليء بالكفر والزندقة كما ثبت ذلك آنفاً؟ ثم إن سكوت الحاضرين على شهادة شاهد الزور إقرار لشهادته الكاذبة الكافرة إذا كان هناك واقع لكل ما ذكر أما الحقيقة فليس هناك أعرابي ولا دعاء ولا سؤال ولا حاضرون ولا غائبون إنما هو خبر ملفق من أساسه موضوع مكذوب مصنوع مختلق وضعه الزنادقة الكفرة الفجرة وتلقفه (القوم ... ) دونما تمحيص أو تدقيق ... وذلك على عادتهم في كل ما أوردوه إلى الآن من أحاديث وآثار وأخبار بلا روية ولا فهم هدانا الله وإياهم.
١١ - وعلى فرض أن الخبر واقع فليس فيه حجة على دعوى القوم ولا علاقة ولا ذكر ولا بيان لجواز صحة التوسل بذوات المخلوقين وليس له أي ذكر أو مناسبة وكل ما يدل على الخبر أن الأعرابي طلب المغفرة من الله ..
стр. 283
وهدد إن لم يحصل عليها بغضب رسول الله والعياذ بالله فأين الدليل في هذا الخبر إن كان ملفقاً أو واقعياً على صحة ما أدعاه (القوم ... ) من جواز التوسل بذوات المخلوقين ... ؟ إنهم تبنوا هذا الخبر وحملوا وزره أملاً أن يكون لهم حجة على صحة دعواهم فلم يفلحوا بالحصول على الحجة وباءوا بحملة وتبنيه وعادوا بخفي حنين متحملين أعباء الخبر الذي لم يكن إلا عبارة عن طامات وجهالات وظلمات فوق بعض فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
الكلام على سند هذا الخبر
لا كلام على سند هذا الخبر لنه لا سند له ولا زمام ولا خطام وليس له ذكر في أي من كتب الحديث فما دام هذا الخبر في هذا الدرك الأسفل من عدم وجود سند له يدل على صحته فضلاً عن متنه المكذوب والملفق وما حوى من المشاكل والأباطيل فهو حديث باطل لا وجود له إلا في أدمغة من اخترعوه ووضعوه وصنعوه ... و (صدقوه!!!؟) فكيف يصلح للاحتجاج به على ما يزعم (القوم ... ) ولكن ما العمل وهذا شأنهم وهذا سبيلهم وهذا منهجهم يتكرر دائماً وأبداً في كل حديث أو خبر يحتجون به ألا إن هذا الخبر أقل ما يقال في واضعيه أنهم زنادقة كفرة وأقل ما يقال في مصدقيه والمحتجين به أنهم سخفاء أغبياء أغرار جاهلون بله مغفلون ...
وأخيراً ...
أرأيت يا أخي كيف ينسخ الوضاعون بضاعتهم الكاذبة المفتراة؟ أرأيت كيف يحاولون حبكها!!! أملاً أن يغتر بها البسطاء والمغفلون ولكن الله ﷻ وله الحمد أظهر ما كانوا يبطنون وكشف ما كانوا يضمرون من المقاصد الهدامة فسفه أحلامهم وفضح أسرارهم وأفصح عن نواياهم الخبيثة الماكرة حتى أصبحت عريانة أمام الجميع لا تخفى منها خافية عن كل ذي بصر وبصيرة.
стр. 284
والحمد له تعالى على ما وفقنا إليه من العمل بما أوهن كيدهم ودحض أباطيلهم فأحق الحق وأزهق الباطل إن الباطل كان زهوقاً والحمد لله رب العالمين.
стр. 285
١٤ - أبيات الأعرابي ...
روى البيهقي عن أنس ﵁[أن أعرابياً جاء إلى النبي ﷺ يستسقي به ,انشد أبياتاً أولها:
أتيناك والعذراء يدمى لبانها ... وقد شغلت أم الصبي عن الطفل
إلى أن قال:
وليس لنا إلا إليك فرارنا ... وأنى فرار الخلق إلا إلى الرسل
فلم ينكر ﷺ هذا البيت بل قال أنس: لما انشد الأعرابي قام ﷺ يجر رداءه حتى رقى المنبر فخطب ودعا لهم فلم يزل يدعو حتى أمطرت السماء].
الكلام على متن هذا الحديث
إن القوم هداهم الله من كثرة تعلقهم بهذه القصة أي بالتوسل بذات المخلوقين فإن هوساً أصابهم في التفتيش عن حجة يتعلقون بها ويتمسكون بأهدابها لعلهم يجدون فيها دليلاً ينصرهم في دعواهم لدرجة أصبحوا يؤولون مفاهيم اللغة ولا يرون بأساً في تحميلها من المعاني ملا تحتمله حتى وقعوا بمشاكل كانوا متعاقين منها فجروا على أنفسهم متاعبها ويا ليتهم في الأخير نجحوا فيما يؤملون بل على العكس زادوا خصومهم قوة على قوة لأنهم هداهم الله لا يرعوون من خيبتهم في المرة الأولى من تشبثاتهم تلك بل أعادوا الكرة ثانية وثالثة ورابعة وكان نصيبهم من الخيبة والخذلان يتكرر في كل مرة
стр. 286
إن المفاهيم التي أضفوها على بعض الألفاظ اتفقوا فيما بينهم أنها تعطي المعاني المعينة التي اتفقوا عليها ولكن هذه المفاهيم بقيت على معانيها اللغوية الأصيلة عند الناس التي تخالف المعاني للمفاهيم الجديدة التي اصطلحوا عليها ... ولذلك ترى الناس لا يقرونهم على مفاهيم وتبقى القضية مستعصية الحل وخذ مثلاً على ذلك ما جاء في الحديث ..
١ - يقول لفظ الحديث هذا: [أن أعرابياً جاء إلى النبي ﷺ يستسقي به .. ] ففهموا منا أي كلمة [يستسقي به] أي يستسقي بذاته أو بجاهه!!! وذلك حسب المفاهيم المصطلحة عندهم على أن هذه المفاهيم لم يعمموها بين الناس غنما بقي على المفاهيم الأولية ففهموا منها: أن الأعرابي جاء إلى النبي ﷺ ليدعو الله لهم بأن يسقيهم الغيث وإلا لبقي الأعرابي في منزلة واكتفى أن يقول - وهو في بيته -: اللهم اسقنا الغيث بجاه نبيك أو بذات نبيك ولما تجشم عناء المجيء من أهله وبيته إلى النبي ﷺ في المدينة ولكنه لم يفعل ذلك بل أتى إلى النبي ليدعو لهم بأن يسقيهم الله المطر والغيث وبدل على هذا القصد قول أنس ﵁ في آخر الحديث: [فخطب ودعا لهم فلم يزل يدعو حتى أمطرت السماء] فلولا أنه طلب الدعاء منه لم يدع لهم.
٢ - وكذلك فإنهم تمسكوا ببيت الأعرابي الذي انشده أمام النبي ﷺ :
[وليس لنا إلا إليك فرارنا ... وأنى فرار الخلق إلا إلى الرسل]
وفهموا منه جواز الفرار إلى رسول الله في النائبات والاستغاثة به بالرسل عليه وعليهم أفضل الصلاة والسلام مع أن واقع الأعرابي يخالف مفاهيمهم ولو أن مفاهيمهم تلك تفضلوا وعمموها على الناس وتبنت مجامع اللغة العربية في كل بلاد العرب مفاهيمهم وأصدرت هذه المجامع اللغوية قرارات بذلك لقلنا والله لهم الحق في فهمهم الجديد ولغير الناس أيضاً مفاهيمهم طبق مفاهيم القوم الجديدة للكلمات والألفاظ وإلى الآن لم تتغير المفاهيم والناس هم على ما هم عليه من فهم صحيح للغتهم التي وسعت كلام الله تعالى والمجامع
стр. 287
العلمية للغة العربية لم تتخذ بعد تلك القرارات فمن أين لهم الحق بإلزامنا بمفاهيم مغلوطة خاطئة وعلى فرض أن الناس غيروا مفاهيمهم إلى من إلى مفاهيم القوم فإن الأعرابي كان وجوده قبل تغيير المفاهيم القديمة إلى مفاهيم جديدة وما كان ليدري أن لغة العرب سيطرأ على مفاهيمها هذا ((التحسن الجديد .. !!!)) وبناء على ذلك علينا أن نفهم كلامه مجرداً عن مفاهيم القوم الحديثة أي كما كان العرب يفهمون معاني الألفاظ والكلمات بحسب المدلولات العربية عهدهم.
وعلى هذا الأساس نفهم كلام الأعرابي أو معنى بيته الشعري: أن الناس كانوا يقاسون القحط والجفاف والجوع حتى ذهلت أم الطفل عن طفلها. وها نحن قد قررنا إليك يا رسول الله لتدعو لنا ربك أن يسقينا الغيث فإن دعاءك ليس كدعائنا فأنت رسول الله ومستجاب الدعوة فأعنا على القحط والجوع بدعائك فدعا لهم فأمطروا ويدل على هذا الفهم البيت الذي قبله وهو:
أتيناك والعذراء يدمى لبانها ... وقد شغلت أم الصبي عن الطفل
أي افتتح الأعرابي شكواه بهذا البيت ثم اختتمه بالبيت الأخير:
وليس لنا إلا إليك فرارنا ... وأنى فرار الخلق إلا إلى الرسل
أي لا سبيل إلى نزول المطر والغيث إلا بدعائك لنا الله أن يغيثنا ويمطرنا فصعد الرسول المنبر ودعا لهم فلم يزل يدعو حتى أمطرت السماء.
فأي حجة لكم بهذا الحديث على جواز التوسل بذات الرسول ﷺ وقلنا آنفاً لو أن الأعرابي منصرف النية إلى التوسل بذاته ﷺ لتوسل بذلك وهو في داره وبين أهلاه ولما أتى رسول الله من أهله إلى المدينة إنما قصده لدعائه ﷺ وقد فعل عليه أفضل الصلوات وأتم التسليم وأزكى التحية.
وإن هذا أي فعل الأعرابي بتكليف الرسول أن يدعو لهم جائز ولا شك وهذا من نوع التوسل بدعاء المؤمن لأخيه المؤمن الذي نوهنا عنه سابقاً في تقسيم أنواع التوسل وأقررنا مشروعيته فليرجع إليه من شاء وعلى هذا فإن متن الحديث - إن صح سنداً - فليس فيه أية حجة لكم أو دليل على جواز ما
стр. 288
تذهبون إليه من توسل المخلوق بذات المخلوق أو بجاهه وإن قصدكم هذا لم يمر ببال الأعرابي ولا طرأ على خاطره لأنه بعد لم تتح له الأقدار أن يبقى حياً ليطلع على (مفاهيمكم الجديدة) فهو معذور إذا لم يفهم فهمكم ولم يقصد قصدكم فتفضلوا بالعفو عن مفهوم الأعرابي وقصده والعفو من شيم الكرام.
لقد بينا لك يا أخي أن متن الحديث لا يساعد القوم على اتخاذه دليلاً لهم على صحة دعواهم وهاك الآن سند هذا الحديث:
الكلام على سند هذا الحديث
لا شك أن متن هذا الحديث صحيح المعنى على الشكل الذي نفهمه والذي يوافق مفهوم الصحابة له ويوافق اللغة العربية وإن سياقه يدل دلالة صريحة على أن الأعرابي ما جاء يتوسل بذات أو جاه الرسول ﷺ إنما جاء ليتوسل بدعائه إلى الله أن يغيث قومه وبلاده وقلنا أنه لو كان قصده الذات والجاه لكان يكفي أن يتوسل بهما وهو في أهله لا سيما وإن نص البيتين يفيد ذلك نعم إن هذا الحديث صحيح المعنى ولكن ليس كل حديث صحيح المعنى يكون طعام لذيذ نافع فهل يجوز أن نعزي هذا القول إلى رسول الله ﷺ فنقول: قال رسول الله: العسل طعام لذيذ نافع؟!!! كلا لا يجوز ونكون قد كذبنا عليه ﷺ وإن كان في واقعه كلاماً صحيحاً.
وهكذا فقد اتضح لنا أنه ليس كل كلام صحيح يجوز أن نعزوه لرسول الله ﷺ وهذا الحديث الذي نحن بصدد الكلام على سنده من هذا النوع تماماً فهو كلام صحيح المعنى ولكنه واهي السند وانظر ما قال العلماء الأعلام فيه:
إن في سند هذا الحديث ... (مسلم الملائي) وهو واه جداً قال الفلاس \: متروك وقال أحمد: لا يكتب حديثه. وقال: يحيى: ليس بثقة وقال البخاري: يتكلمون فيبه. وقال يحيى أيضاً: زعموا أنه اختلط. وقال النسائي وغيره: متروك وقال الذهبي: إنه روى حديث الطائر الذي أهدته
стр. 289
أم أيمن لرسول الله ﷺ وحديث الطائر موضوع عند أهل الحديث وانفرد بتصحيحه الحاكم واعترض على الحاكم أكثر أهل العلم ومن أراد المزيد فلينظر ترجمة الحاكم في النبلاء.
إذاً فالحديث واهي السند لا يحتج به وإن كان متنه صحيح المعنى على الشكل الذي نفهمه أما إذا كان (القوم ... ) لا يزالون - رغم توضيحنا - يفسرونه بأنه توسل بالذات فيكونون قد جانبوا الحق وحملوا ألفاظ الحديث ما لا تحتمل هذا من جهة ثانية واهي السند كما أثبتنا ذلك آنفاً والله الموفق للصواب.
стр. 290
١٥ - حديث الأعرابي
وفي صحيح البخاري: [أنه لما جاء الأعرابي وشكا للنبي ﷺ القحط فدعا الله فانجابت السماء بالمطر قال ﷺ : ((لو كان أبو طالب حياً لقرت عيناه من ينشد قوله؟)) فقال علي ﵁ يا رسول الله: كأنك أردت قوله:
وأبيض يستسقي الغمام بوجهه ... ثمال اليتامى، عصمة للأرامل]
فتهلل وجه الرسول ﷺ ولم ينكر إنشاد البيت ولا قوله يستسقى الغمام بوجهه ولو كان ذلك حراماً لأنكر ولم يطلب إنشاد البيت ولا قوله يستسقى الغمام بوجهه ولو كان ذلك حراماً لأنكر ولم يطلب إنشاده.
عجيب والله أمر هؤلاء (القوم!!!) إنهم يتعمدون تحريف الأحاديث لمصلحتهم التي يزعمونها مع أن هذا العمل ليس من مصلحتهم في شيء فإن التحريف والتبديل لا ينفعان أحداً ولو نفعا في شيء لنفعا اليهود والنصارى عندما بدلوه من آيات في التوراة والإنجيل تبعاً لأهوائهم ولا أدري لماذا يلجأ القوم لمثل هذه الأعمال التي ليست من هدي هذه الأمة المحمدية.
إن التحريف لا شك ولا ريب يدل على أنهم علموا الحق وبدلوه بعدما علموه وهذا من خلق اليهود الذي أجله غضب الله عليهم ولعنهم وأعد لهم عذاباً أليماً.
إن حديث الأعرابي الذي يعزوه الشيخ الدحلان إلى البخاري بلفظه أعلاه ليس في البخاري قطعاً بهذه الرواية!!! وهنا نترك الكلام والرد للشيخ بشير السهسواني ﵀ وغفر له قال في كتابه: (صيانة الإنسان عن وسوسة الشيخ دحلان) ما يلي: ويروي الدحلان في كتابه (الدرر السنية في الرد على الوهابية):
стр. 291
(وفي صحيح البخاري (وذكر الحديث إلى قوله: عصمة للأرامل) وقال: فتهلل وجه الرسول الكريم ﷺ ولم ينكر إنشاد البيت ولا قوله: يستسقى الغمام ولو كان بوجهه ولو كان ذلك حراماً أو شركاً لأنكره ولم بطلب إنشاده ليس في صحيح البخاري هذه الرواية إنما ورد من حديث أنس قال: [جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: هلكت المواشي وتقطعت السبل فمطرنا من الجمعة إلى الجمعة ثم جاء: فقال تهدمت السبل وهلكت المواشي فادع الله يمسكها فقال: ((اللهم على الآكام والظراب والأودية ومنابت الشجر)) فانجابت عن المدينة انجياب الثوب].
وقد روى البخاري حديث أنس هذا ... من طرق وليس في واحدة منها ((قال ﷺ : لو كان أبو طالب حياً لقرت عيناه ... الخ))
والصواب: أن راوي الحديث هو البيهقي لا البخاري وفي سنده مسلم الملائي وهو متروك الموضوع فانظر إلى تحريف الدحلان عدا عن أغلاط لغوية يجل عنها رسول الله وهو أفصح العرب وذلك من وجوه:
١ - إن كلمة (لما) لا يدخل في جوابها في مثل هذه المواضع لفظة: (الفاء) في قوله الله (فدعا الله ... )
٢ - إن لفظ (شكا) متعد بـ (إلى) لا بـ (اللام) قال الله تعالى (إنما أشكو بثي وحزني إلى الله) وفي رواية إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس بن مالك بن البخاري: [أن رجلاً شكا إلى النبي ﷺ : هلك المال وجعد العيال]
وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : [اشتكت النار إلى ربها] متفق عليه.
وعن خباب قال: [أتينا رسول الله ﷺ فشكونا إليه حر الرمضاء فسلم يشكنا] رواه مسلم.
وعن عائشة ﵂ عن البخاري في كتاب التيمم: [فشكوا ذلك إلى رسول الله ﷺ ] وقد جاء تعدية (شكا) بـ (إلى) في غير واحد من الأحاديث الصحيحة وقال في القاموس: شكا أمره إلى الله.
стр. 292
٣ - إن قوله: فانجابت السماء بالمطر لا معنى له فإنه (انجابت) بمعنى انكشفت وانكشاف السماء بالمطر لا محصل له.
٤ - أن الانجياب يدل على انقطاع المطر في الحديث [فانجابت عن المدينة انجياب الثوب] وانقطاع السحاب بعد دعاء السقي يدل على عدم إجابة الدعاء النبي ﷺ وهذا باطل بالبداهة بدليل أن الروايات كلها دالة على أن دعاء النبي ﷺ في هذه الواقعة قد أجيب بلا مرية.
٥ - إن انقطاع السحاب قبل ظهوره محال.
٦ - إن صلة الانجياب بـ/عن / كما في حديث انس لا بـ /الباء /.
وبالجملة: فصدر ما عزاه إلى البخاري أعني قوله: [لما جاء الأعرابي وشكا للنبي ﷺ إلى قوله بالمطر ... ] ليس في البخاري ولا البيهقي ولا في غيره من الكتب الحديثية فيما أعلم إذن إنما هو اختلاق الدحلان نفسه اهـ)
أرأيت كيف يحرفون الكلم عن مواضعه أرأيت أنهم ينسبون الحديث للبخاري وهو ليس فيه؟!! فإذا كان ذلك عن جهل فلم يقولون ملا يعلمون؟ وإذ كان عن علم فلم يحرفون الكلم عن مواضعه وهم يعلمون؟ وكل ذلك يفعلونه من أجل أن يؤيدوا قولاً باطلاً تبنوه!!! ألا يعلمون أنهم إلى الله يحشرون وسيسألهم عمال كانوا يعلمون وهل أعدوا أنفسهم إلى ذلك اليوم المعلوم؟ (فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون).
стр. 293
١٦ - حديث سواد بن قارب
روى الطبراني في الكبير: أن سواد بن قارب ﵁ أنشد الرسول ﷺ قصيدته التي توسل فيها التوسل ويقول الدحلان: ولم ينكر الرسول عليه ومنها قوله:
وأشهد أن الله لا رب غيره ... وأنك مأمون على كل غائب
وأنك أدنى المرسلين وسيلة ... إلى الله يا ابن الأكرمين الأطايب
فمرنا بما يأتيك يا خير مرسل ... وإن كان فيما فيه شيب الذوائب
وكن لي شفيعاً يوم لا ذو شفاعةٍ ... بمغن فتيلاً عن سواد بن قارب
الكلام على متن هذا الحديث
إن هذه الأبيات الأربعة التي استشهد بها الشيخ دحلان على جواز التوسل بذات رسول الله ﷺ ليس فيها معاني التوسل الذي يعنيه وبخاصة في البيت الثاني وهو قوله:
وإنك أدنى المرسلين وسيلة ... إلى الله يا ابن الأكرمين الأطايب
تقدم معنا في أول الكتاب في تعريف الوسيلة لغة وشرعاً أن الوسيلة هي القربة إلى الملك ووسل إلى الله وسيلة وتوسل إليه بوسيلة أي تقرب إليه بعمل. ولا شك ولا ريب أن العمل الذي عمله رسول الله ﷺ أعظم الأنبياء فصار بذلك أوفى المرسلين إلى الله وسيلة أي قربة ومنزلة فأي معنى من معاني التوسل بذوات المخلوقين موجود في هذا البيت ... ؟ الجواب: ليس فيه أي معنى من معاني التوسل بذوات المخلوقين إنما معناه هو ما قلناه آنفاً: إن أعمال رسول الله ﷺ هي أعظم أعمال الأنبياء والمرسلين فصار بذلك أدناهم
стр. 294
وأقربهم إلى الله تعالى.
كما أن الوسيلة معناها كما فسرها رسول الله ﷺ في قوله:
[إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثلما يقول ثم صلوا علي فمن صلى علي مرة ﷺ الله عليه بها عشراً ثم سلوا الله لي الوسيلة فإنها درجة رفيعة في الجنة ... لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله وأرجو أن أكون أنا هو]
وهذا المعنى أيضاً لا يخرج عن المعنى الأول وهي الوسيلة والقربة من الله تعالى فهل في ذلك ما يفيد جواز التوسل بذات المخلوق ... ؟
وهذا ما يقصده سواد بن قارب ﵁ في أبياته التي يمدح بها رسول الله ﷺ ولعل الدحلان يقصد أيضاً ما جاء في البيت الأخير:
وكن لي شفيعاً يوم لا ذو شفاعة ... بمغن قتيلاً عن سواد ن قارب
وكذلك ليس في البيت الأخير ما يعين الدحلان على مراده ألبته لأن سواد بن قارب يخاطب رسول الله ﷺ ويرجوه أن يدعو الله تعالى أن يكون له شفيعاً يوم القيامة والخطاب هذا ولا شك كان في حياته ﷺ وطلب الشفاعة منه حال حياته لا بأس به لأنه طلب لدعائه ﷺ لأن يكون سواد في جملة من يشفعه الله بهم يوم القيامة أي يأذن له بالشفاعة فيهم فما الذي في هذا البيت من معاني التوسل بذوات المخلوقين ... ؟! اللهم إلا إذا كان الدحلان يريد أن يحمل الألفاظ ليستقيم مراده ... !! فهذا شيء آخر إنما لا يقر على ذلك فإن اللغة العربية التي خلق الله مفاهيمها ومدلولات ألفاظها لا تخضع إلى مراد الدحلان فقواعد اللغة ثابتة ومعانيها فرغ منها فلا يطمع أحد في تغييرها على ما يحب ويهوى.
والخلاصة: ليس في متن هذا الحديث أي معنى من معاني التوسل المعروف عند الدحلان ومن البدهي بعد ذلك أن لا يصلح هذا الحديث حجة ولا دليلاً على مراد التوسل بذوات المخلوقين فسقطت حجة الاستدلال به على ذلك متناً أما سنداً فإليك تفصيل ذلك:
стр. 295
الكلام على سند هذا الحديث
تبين لك يا أخي القارئ المسلم الكريم: أن هذا الحديث ليس في صيغة متنه ما يفيد قيام أية حجة على صحة ما يجهد (القوم ... ) ويحاولون من إثبات جواز التوسل بذوات المخلوقين ... !!!
وحتى لو صح هذا الحديث سنداً ليس في متنه حجة لهم بل هو ولا شك حجة عليهم كما أثبتنا ذلك آنفاً فكيف وإن سنده ضعيف ... !!! فقد ذكر الحافظ ابن حجر الهيثمي في كتابه ((مجمع الزوائد)) إنه حديث ضعيف كما ثبت أن كافة طرقه ورواياته التي ورد فيها ضعيفة واهية وإليك البيان:
١ - رواية البيهقي وهي عنده: فيها زياد بن زيد بن بادويه ومحمد بن نواس الكوفي. قال الذهبي: هذا حديث منكر بالمرة، ومحمد بن نواس وزياد، مجهولان لا تقبل روايتهما. وأضاف: وأخاف أن يكون موضوعاً أبي بكر بن عباس (١).
٢ - رواية أبي يعلى: وقد رواها ابن كثير في (السير - المطولة) ص٣٤٤ - ٣٤٦ وقال: هذا منقطع من هذا الوجه.
وقد أوضح الحافظ الذهبي في الجزء الأول من / تاريخ الإسلام الكبير / ص١٢٤ علة هذه الطريقة. فقال: أبو عبد الرحمن: اسمه عثمان بن عبد الرحمن الوقاص متفق على تركه وعلي
بن منصور فيه جهالة مع أن الحديث منقطع.
٣ - رواية ابن عدي: قال الذهبي: فيه سعيد، يقول: أخبرني سواد بن قارب - وبينهما انقطاع - وعباد ليس بثقة يأتي بطامات.
٤ - رواية محمد بن السائب الكلبي: قال ابن كثير في / السيرة المطولة /ج١ ص٣٤٨ - ٣٤٩: محمد بن السائب الكلبي متهم بالكذب ورمي بالرفض كما في التقريب.
٥ - رواية أبي بكر محمد بن جعفر بن سيل الخرائطي في كتابه الذي جمعه
стр. 296
في هواتف الجان وهي عند ابن كثير في / السيرة المطولة / ص٣٤٦ وفيها الشعر ما سوى: (وكن لي شفيعاً).
٦ - رواية الفضل بن عيسى القرشي: عن العلاء بن يزيد.
قال السيوطي في شرح / شواهد المغني / ج٢ ص٢٥٥: والعلاء ابن يزيد قال المديني: كان يضع الحديث. وقال البخاري وغيره منكر الحديث. وقال أبو حيان: روى نسخة موضوعة. وأورد له الذهبي في / الميزان / عدة مناكير.
٧ - رواية الحسن بن سفيان: في مسنده من طريق الحسن بن عمارة. قال السيوطي في شرح شواهد المغني ص٢٥٥: والحسن بن عمارة ضعيف جداً (١) أرأيت يا أخي القارئ الكريم تهافت هذا الحديث وعدم صلاحه للاحتجاج به ... لا متناً ولا سنداً ... !!!؟
فبينما يريدون في إيراد متنه حجة لهم في إثبات وجهة نظرهم على صحة التوسل إلى الله بذوات المخلوقين إذا بهم بدافع من بلاهتهم واوافر من حمقهم ورعونتهم يعطون خصومهم - بإيرادهم هذا الحديث - سلاحاً صالحاً لتوجيهه ضدهم في الوقت الذي يشهرونه زاعمين نصرتهم به فالحديث لا يبحث في جواز التوسل بذوات المخلوقين لا في قليل أو كثير بل على العكس يثبت جواز توسل المؤمن بدعاء أخيه المؤمن له الذي يؤيده خصومهم ويدعون إليه.
وهكذا فإن حديثهم هذا كان حجة عليهم والفضل في ذلك يعود إليهم لأنهم هم الذين أعطوا خصومهم هذا السلاح.!!! فرجعوا بذلك مأزورين غير مأجورين ولا مشكورين لأنهم لا نية لهم ولا قصد ولكنهم ضربوا سهما فعاد إليهم مخترقاً مقاتلهم.
أما السند فلا أزيد يا أخي معرفة به بعد أن وضعت أما ناظريك صورة صحيحة عن مختلف طرقة ورواياته الضعيفة الواهنة
стр. 297
الواهية وبعد أن علمت أن رجاله مجموعة من الرجال المتهمين بالضعف الشديد والنكارة وحتى الكذب ... !!!؟
أسانيد كهذه الأسانيد الموصوفة بتلك الصفات نضع الحكم على الحديث الموصوف بها وأهليته للاحتجاج به من قبل القوم على صحة وجهة نظرهم بين يدي القارئ المسلم الكريم واثقين من حكمة العادل المنصف ...
стр. 298
١٧ - حديث: اللهم رب جبرائيل وميكائيل ...
روى النووي في الأذكار: [أن النبي ﷺ أمر أن يقول العبد بعد ركعتي الفجر ثلاثاً: اللهم رب جبرائيل ومكائيل وإسرافيل ومحمد ﷺ أجرني من النار].
الكلام على متن هذا الحديث
هكذا يرويه الشيخ دحلان في كتابه: / الدرر السنية في الرد على الوهابية / ويعزيه بهذا اللفظ تماماً إلى النووي في كتابه / الأذكار / ويستدل الدحلان بهذا الحديث على جواز التوسل بذوات المخلوقين كما يعزي الحكم بجوار ذلك أيضاً إلى الشيخ ابن علان شارح / الأذكار / ويقول نقلاً عن ابن علان:
((خص هؤلاء بالذكر للتوسل بهم في الدعاء: وإلا فهو سبحانه رب جميع المخلوقات فافهم ذلك أنه من التوسل المشروع)) اهـ.
قلت: نحن لم نر في هذا الحديث عن صح أو لم يصح - ما يشير إلى بحث التوسل إطلاقاً مشروعاً أو ممنوعاً ولا أدري كيف أستدل به الدحلان على جواز التوسل؟
بفظ الحديث يدعو إلى الدعاء لأن يجيره الله من النار ونحن ندعوا به أيضاً ليجيرنا الله من النار إنه دعاء لا بأس به وليس فيه مانع من الدعاء به فكيف يورده علينا الدحلان حجة ... ونحن متفقون على الدعاء به؟
стр. 299
يا ناس نحن مختلفون مع القوم في جواز التوسل إلى الله تعالى بذوات المخلوقين فأي توسل بذلك في لفظ هذا الحديث ... ؟ اللهم إلا إذا كان الدحلان يفهم من إضافة أسماء جبرائيل وميكائيل وإسرافيل ومحمد صلوات الله عليهم وسلامه إلى الرب وأن هذه الإضافة تفيد التوسل بهم!!! فإذا كان الأمر كذلك فيكون فهم الدحلان فهماً جديداً وفريداً من نوعه لم يسبقه إليه أحد!!! وفريداً من نوعه لم يسبقه إليه أحد!! حتى ولا من أشد الغلاة في الدعوة إلى التوسل بذوات المخلوقين!!!
ولعلك يا أخي القارئ المسلم الكريم تقول: إن الدحلان يقول إنه نقل هذا الجواز عن ابن شارح الأذكار فكيف تقول إن الدحلان لم يسبقه أحد في هذا الفهم ... ؟ فنقول وبالله المستعان:
١ - إن لفظ الحديث لا يفيد لا من قري ولا من بعيد أي معنى من معاني التوسل إنما يفيد - إن صح - بأن إضافة هذه الأسماء إلى اسم الرب سبحانه تشريف لهم وتكريم يمن قبل الله تعالى لا توسل بهم ..
وهذا ولا شك معروف عند الجميع وإنه من البدهيات المسلمات عند كل مسلم أما أن لفظ هذا الحديث يفيد التوسل بهم فعلى قائلي هذا القول الدليل فإن أثبتوا قولهم بالدليل من الكتاب والسنة فعلى الرأس وإلا فكلامهم مردود عليهم.
٢ - إن الله ذكر في القرآن أنه: (رب الشعرى) و (رب العرش العظيم) و (ورب السموات والأرض) و (رب كل شيء) و (رب المشرقين ورب المغربين) فهل معنى هذا انه يجوز التوسل بكل هذه المخلوقات؟!!!
الظاهر أن الجماعة الذي يقولون بجواز التوسل بكل هذه المخلوقات بدأوا يلهثون من التعب في إيراد الأدلة التي لم تفدهم في شيء حتى وصلوا إلى حد الخلط فياليتهم يستريحون قليلاً من هذا العناء ويريحون عقولهم التي
стр. 300
أتعبوها في الكد وراء إيراد المعاني التي لا تليق بالألفاظ التي يوردنها على صحة دعواهم أو يسلمون للحق ويرفعون أيديهم علامة الاستسلام ولئن فعلوا فسيجدون الله تواباً رحيماً ولكن ما زالوا يكدون في ميدان الباطل رغم أنهم رأوا بأم أعينهم مصارع الباطل مصرعاً مصرعا ولم يتعظوا ...
٣ - أما قول الدحلان: أن النووي يروي في الأذكار: [أن النبي ﷺ أمر أن يقول العبد بعد ركعتي الفجر: اللهم رب جبرائيل] الحديث فإن الدحلان يفتري على النووي فإن لفظ: [أن النبي أمر] ليس موجوداً في لفظ الحديث في الأذكار وإننا ننقل عن الأذكار هذا الحديث على الشكل الآتي: (روينا في كتاب ابن السني عن أبي المليح واسمه عامر بن أسامة عن أبيه ﵁ أن صلى ركعتي الفجر وأن رسول الله ﷺ صلى قريباً منه ركعتين خفيفتين ثم سمعه يقول وهو جالس: [((اللهم رب جبرائيل وإسرافيل وميكائيل ومحمد النبي ﷺ أعوذ بك من النار ثلاث مرات].
هذا الذي رواه النووي في الأذكار ليس فيه [أمر النبي ﷺ أن يقول العبد بعد ركعتي الفجر: اللهم رب جبرائيل ... ] الحديث ثم ليس فيه أيضاً قوله: [اللهم أجرني من النار] إنما قال: [أعوذ بك من النار] أرأيت يا أخي كيف يبدل الدحلان ويغير من لفظ الحديث؟ وهل التبديل والتغيير من صفات الأمة المحمدية؟ إنما هو من خلق غيرها من الأمم الذي وصفهم الله سبحانه في الفاتحة: بالمغضوب عليهم والضالين. اللهم لا تجعلنا منهم ولا تجعلنا نعمل مثل أعمالهم.
٤ - أما قول الدحلان: (قال العلامة ابن علان فيشرح الأذكار: خص هؤلاء بالذكر للتوسل بهم في قبول الدعاء وإلا فهو سبحانه رب جميع المخلوقات) إن هذه العبارة ليس لها ذكر أو أثر في شرح في الأذكار فهي من اختلاق الدحلان نفسه والدليل على لك أننا نضع يا أخي بين يديك عبارة ولفظ ابن علان وهو: ( ... إنما خصهم بالذكر وإن كان تعالى رب كل شيء بما تكرر في القرآن والسنة من نظائره من الإضافة إلى كل عظيم المرتبة وكبير الشأن
стр. 301
دونما يستحقر ويستصغر فيقال: رب السموات والأرض ورب العرش العظيم ورب الملائكة ورب المشرقين ورب المغربين ونحوه مما هو وصف له بدلائل العظمة وعظمة القدرة والملك ولم يستعمل فيما يستحقر ويستصغر فلا يقال رب الحشرات وخالق القردة الخنازير وشبهها على سبيل الإفراد وغنما يقال خالق المخلوقات وحينئذ هذه في العموم) اهـ.
وهكذا فإن عبارة ابن علان ليس فيها ما يدعيه على لسان الدحلان حينما قال في كتابه (الدرر السنية في الرد على الوهابية): (قال العلامة ابن علان في شرح الأذكار: خص هؤلاء بالذكر للتوسل بهم في قبول الدعاء وإلا فهو سبحانه رب جميع المخلوقات).
إذاً فإن الدحلان يكذب على ابن علان وابن علان بريء مما نسبه إليه الدحلان كما كذب على النووي في تحريف لفظ الحديث وهو في نفس الوقت تحريف لقول الرسول والرسول لم يقل الذي قاله الدحلان!!! فتأمل ...
أبهذه الأساليب الوضيعة الدنيئة!!! يثبتون مزاعمهم وهل هذه الأساليب تشرفهم في شيء ومتى صارت الأكاذيب والتحريفات والتبديلات حججاً وأدلة؟ اللهم إننا نخافك فقنا شر عبادك الكذابين.
الكلام على سند هذا الحديث
١ - أما الحديث نفسه فقد صححه الحاكم ولكن قال ابن حجر إنه حسن وقال: وجدت له شاهداً بسند ضعيف عن عائشة في سنده من هو متروك ومن فيه مقال. قال: أبو مليح عن كان هو ابن أسامة المذكور فقد اختلف عليه في إسناده وإن كان غيره فهو مجهول.
إن قول الحافظ ابن حجر: فإن كان أبو مليح هو أبو أسامة فقد اختلف عليه في إسناده فيكون الحديث مضطرباً وإن كان غيره فهو مجهول وعلى كلا التقديرين يكون الحديث ضعيفاً.
٢ - إن في سنده مبشراً فإن كان هو ابن عبيد الحمصي فهو واه جداً
стр. 302
ضعفه الذهبي وأحمد والبخاري والحافظ ورماه أحمد بالوضع وإن كان غيره فلا بد من تعيينه وتوثيقه.
٣ - إن فيه عباد بن سعد. قال عنه الذهبي لا شيء ولا عبرة لتوثيق ابن حبان له لأن توثيق ابن حبان لا يعارض قول الذهبي فيه (لا شيء) لأن ابن حبان معروف بالاحتجاج بمن لا يعرف.
قال ابن عبد الهادي في الصارم المنكي: (قد علم أن ابن حبان ذكر في كتابه الذي جمعه في الثقات عدداً وخلقاً عظيماً من المجهولين الذي لا يعرف هو ولا غيره أحوالهم ... وقال هو عنهم أنه لا يدري من أبناء من هم؟ وقد ذكر ابن حبان خلقاً كثيراً على هذا النمط ويجب أن توثيق ابن حبان للرجل بمجرد ذكره في هذا الكتاب من أدنى درجات التوثيق.
وروي هذا الحديث من طريق أخرى عن عائشة رواه أبو ليلى وفيه عبد الله بن أبي حميد أبو الخطاب عن أبي مليح الهذلي ضعفه محمد بن المثنى والبخاري والنسائي وأحمد.
стр. 303
١٨ - خير: لولا عباد ركع ...
[لولا عباد ركع وصبية رضع وبهائم رتع لصب عليكم البلاء صباً]
الكلام على متن هذا الخبر
لا شك أن للعباد الركع فضلاً ولهم مقام عند الله تعالى والصبية الرضع لم يقترفوا إثماً بعد فهم برآء من ٍالسوء والبهائم الرتع إنها بهائم غير مسؤولة وليست عاقلة أما العذاب على المستحقين فلا يمنعه وجود هؤلاء فالله غالب على أمره عن شاء منع العذاب رحمة بهؤلاء أو شاء صب العذاب على الجميع بما فيهم هؤلاء أيضاً ويحاسب كل على عمله وبقدره.
فلا نستطيع أن نجزم بأن وجود هؤلاء مانع لوقوع العذاب قال الله تعالى (واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة /٢٥/الأنفال) ومعنى هذا يمكن أن يوقع الله عذاباً عاماً في الأمة جمعاء ويحشر المتقين إلى جنات عرضها السموات والأرض ويساق المجرمون إلى جهنم زمراً ...
وهذا مما يدل على أن هذا الخبر ليس صحيحاً على إطلاقه وعلى كل الأحوال ليس فيه معنى التوسل بالعباد الركع والصبية الرضع والبهائم الرتع إنما يدل على أن وجود هؤلاء يقد يرحم الله من أجلهم الأمة فلا ينزل عليها عذاباً وقد ... وقد ... ولكن هل يجوز أن نتوسل بهم إلى الله فهذا ما يستلزم إيراد الدليل عليه ومع ذلك فلننظر في سنده وإليك البيان:
الكلام على سند هذا الخبر
قال الذهبي: ضعيف وفيه مالك بن عبيدة وأبوه - عبيدة - مجهولان.
والحديث إذا كان في مجهول واحد يسقط الاستدلال به لأنه يكون ضعيفاً والضعيف لا يصلح أن يكون حجة فكيف إذا كان فيه مجهولان فتكون المصبية به أعظم.
لذلك فإن هذا الخبر ضعيف لا تقوم به حجة على المطلوب لا في متنه ولا في سنده والحمد لله رب العالمين.
стр. 304
١٩ - حديث السؤال بمحمد والأنبياء ...
يروى عن عبد الملك بن هارون بن عنترة عن أبيه عن جده أن أبا بكر الصديق أتى النبي ﷺ فقال: إني أتعلم القرآن ويتفلت مني فقال رسول الله ﷺ : [قل: اللهم إني أسألك بمحمد نبيك وإبراهيم خليلك وبموسى نجيك وعيسى روحك وكلمتك وبتوراة موسى وانجيل عيسى وفرقان محمد وبكل وحي أوحيته وقضاء قضيته ... ]
الكلام على متن هذا الحديث
تأكد لنا مما علمناه من هذا الحديث وأعني بحث التوسل إطلاقاً أن التوسل ينقسم إلى قسمين: توسل مشروع حض عليه الله ورسوله وعمله الصحابة والقرون الخيرة إلى يومنا هذا وهذا مؤيد بالكتاب والسنة وسيرة السلف الصالح والتوسل المشروع كما ذكرنا في أول الكتاب إما أن يكون توسلاً بأسماء الله وصفاته وذاته أو توسلاً بأعمال المتوسل الصالحة أو بتوسل المؤمن بدعاء أخيه المؤمن له ودللنا على ذلك بالنصوص العديدة من الكتاب والسنة ولما كان التوسل
стр. 305
بذوات المخلوقين لم يحض عليه الكتاب ولا السنة ولا فعله الصحابة ولا القرون الخيرة ... إنما فعله الجاهليون فقالوا: (ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى /٣/الزمر) فهم أن النوع من التوسل هو توسل ممنوع لن الله لم يقبل من الجاهلين قولهم ومن أجل ذلك أرسل الأنبياء والرسل ليحولوا دون هذا التوسل الذي لا يرضاه الله تعالى فكيف والحالة هذه يوصي به رسول الله ﷺ أبا بكر بأن يتوسل بمحمد والأنبياء!؟ هذا مما لا يمكن أن يصح عنه ﷺ ومن المستحيل أن ينهي الرسول عن شيء من جهة ثم يخالف هو نفسه ما نهى عنه ويأمر أمته أن تفعل ما حرمه الله ورسوله قال الله تعالى في كتابه العزيز حكاية عن هود ﵇ (وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه /٤٨/) هود ولا شك أن الرسالات واحدة من حيث الدعوة فكما أن هوداً ﵇ لا يجوز أن يخالف قومه فيما ينهاهم عنه فكذلك لا يجوز لمحمد ﷺ أن يخالف أمته فيما ينهاهم عنه فكيف يقول لأبي بكر [قل: اللهم إني أسألك - بمحمد نبيك وإبراهيم خليلك ... ] الحديث ... هذا ولا شك مستحيل في حق ﷺ لأنه عمل بخلاف ما نزل عليه من الوحي والله يقول: (ولو تقول علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين /٤٦/) الحاقة إذاً فإن محمداً ﷺ من المستحيل أن يقول لأبي بكر ما جاء في الحديث مما يدل على كذبه ووضعه هذا من ناحية متنه أما من ناحية سنده فإليك البيان:
الكلام على سند هذا الحديث
قال ابن تيمية ﵀: هذا الحديث ذكره روين بن معاوية العبدري في جامعه ونقله ابن الأثير في جامع الأصول ولم يعزه لا هذا ولا هذا إلى كتاب من كتب المسلمين لكنه رواه في عمل يوم ليلة كابن السني وأبي نعيم وفي مثل هذه الكتب أحاديث كثيرة موضوعة لا يجوز الاعتماد عليها في الشريعة باتفاق العلماء وقد رواه أبو الشيخ الأصبهاني في كتاب فضائل الأعمال وفي هذا الكتاب أحاديث كثيرة كذب وموضوعة.
стр. 306
ورواه أبو موسى المديني من حديث زيد بن الحباب عن عبد الملك بن هارون ابن عنترة وقال: هذا حديث حسن مع أنه ليس بالمتصل قال أبو موسى: ورواه محرز بن هشام عن عبد الملك بن هارون عن أبيه عن جده عن الصديق ﵁ وعبد الملك ليس بذلك القوي وكان بالري وأبوه وجده ثقتان قلت - يعني ابن تيمية: عبد الملك بن هارون بن عنترة من المعروفين بالكذب قال يحيى بن معين: كذاب. وقال السعدي: دجال كذاب. وقال أبو حاتم بن حبان: يضع الحديث وقال النسائي: متروك. وقال البخاري: منكر الحديث. وقال أحمد بن حنبل: ضعيف. وقال ابن عدي: له أحاديث لم يتابعه عليها أحد. وقال الدارقطني: هو وأبوه ضعيفان. وقال الحاكم في كتاب المدخل: عبد الملك بن هارون بن عنترة الشيباني روى عن أبيه أحاديث موضوعة وأخرجه أبو الفرج بن الجوزي في كتاب الموضوعات وقول الحافظ أبو موسى (هو منقطع) يريد أنه لو كان رجاله ثقات فإن إسناده منقطع.
وهكذا تأكدنا من أن هذا الحديث موضوع المتن والسند ولا تقوم به حجة وتبقى القضية المختلف عليها مجرد دعوى ولم تثبت بدليل يعتمد عليه أو يحتج به رغم ما قدموا من حجج على زعمهم إنما حججهم كانت أصفاراً على الشمال ليس لها أية قيمة لأنها جميعاً كانت ولا شيء نقول هذا لا بدافع الخصومة العلمية القائمة إنما بدعم من شهادات أهل العلم المتفق على عدالتهم بين الطرفين المتخالفين كما ثبت ذلك من عرض تلك الأحاديث على ميزان الحق الذي تزان به تلك القضايا المتخاصم عليها ذلك الميزان الذي يحكم بالعدل وينطق بالحق الذي بعده إلا الضلال.
стр. 307
٢٠ - حديث دعاء حفظ القرآن
ذكره: موسى بن عبد الرحمن الصنعاني صاحب التفسير بإسناده عن ابن عباس مرفوعاً أنه قال: من سره أن يوعيه الله القرآن وحفظ أصناف العلم فليكتب هذا الدعاء في إناء نظيف أو في صحف من قوارير بعسل وزعفران وماء ومطر وليشربه على الريق وليصم ثلاثة أيام وليكن إفطاره عليه ويدعو به في أدبار صلواته: اللهم إني أسألك بأنك مسؤول لم يسأل مثلك ولا يسأل وأسألك بمحمد نبيك وإبراهيم خليلك وموسى نجيبك وعيسى روحك وكلمتك ووجيهك وذكر تمام الدعاء.
الكلام على متن هذا الحديث
١ - مما هو معلوم لدى الناس أن حفظ القرآن أو حفظ أي شيء من العلوم المتنوعة وعدم تفلتها لا يكون إلا بدوام التكرار والمراجعة فالمداومة على ذلك يجعل العلوم محفوظة وتستوعبها الذاكرة فلا تتفلت منها.
ولا شك أن الله تعالى جعل المداومة سبباً من أسباب عدم تفلتها وهو تعالى الذي أعان على ذلك ولولا معونة الله وإمداده ما حفظ حرف من القرآن ولا غيره.
ومثل ذلك الدواء فإنه سبب الشفاء والله هو الشافي وكذلك الحفظ فالمداومة على التكرار والمراجعة كانت الحفظ والله هو الذي يمد ويعين على الحفظ وعلى هذا راجع وكرر يعنك الله على بقاء ما حفظت في ذاكرتك أما الشكل الذي ورد في هذا الحديث من كتابة هدا الدعاء في إناء نظيف بعسل وزعفران وماء ومطر وشربه على الريق والصيام ثلاثة أيام والإفطار عليه ويدعو به أي بالدعاء المذكور فهذا مما لم نجده في حديث صحيح عن المعصوم ﵊ ولو صح لوجب الاعتقاد والعمل به ولكن لم يصح أما كتابة الدعاء على إناء على الشكل المتقدم هذا ما يفعله المشعوذون وكتاب الأحجبة والمسترزقون بأكل أموال الناس بالباطل وهو السحت
стр. 308
بعينه وإذا شئت ألا يتفلت القرآن أو أي علم سواه منك فداوم على التكرار والمراجعة ثم ادع الله تعالى مع هذه المداومة يعنك على مرادك ولا حاجة للعسل ولا للزعفران.
٢ - أما الدعاء الوارد في هذا الحديث ففيه من البلايا ما يؤكد وضع هذا الحديث وكذبه ولا أدري كيف خفى ما فيه على الذين اتخذوا من هذا الحديث حجة لهم على صحة دعواهم أكانوا غافلين أم متغافلين
يقول الدعاء: [اللهم إني أسألك بأنك مسؤول لم يسأل مثلك ولا يسأل] فقف يا أخي عند قوله: [ ... لم يسأل مثلك ولا يسأل] ففيه دسة خبيثة ماكرة كافرة ما وضعها إلا كافر ماكر خبيث وهي قوله: [مثلك] ولكن دغمهما في قوله: [اللهم إني أسألك بأنك أنت المسؤول لم يسأل مثلك ولا يسأل ... ] يخفيها في جملة الكلمات فتمر دون أن يشعر بها أحد ويجعل ألسنة الناس ترددها عن حسن نية فلا يفحصونها ذلك الفحص الدقيق لتظهر لهم ثم من هذا الذي هو مثل الله فلم يسأل ولا يسأل إن قصد واضع الحديث أن يجعل الناس يرددونها عن حسن ظن فيتلفظون بالكفر وهم لا يشعون ولا يستغفرون ويلقون الله على ذلك وقصد الكذاب أن يضع المثلية لله بأن لله مثيلاً ولكن لا يسألونه بل يسألون الله تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً (ليس كمثله شيئاً وهو السميع البصير /١١/ الشورى) فدس الكذاب المثلية في الدعاء وتلقفها الغافلون ودعوا بها بل حتى احتجوا بالدعاء كدليل لهم على صحة دعواهم!!! أرأيت كيف يمكر الوضاعون والكذابون بالمغافلين وهم لا يشعرون؟ ثم مرروها على الذين يحبون أن يتوسلوا بذوات المخلوقين.
٣ - أما قولهم في الدعاء: [وأسألك بمحمد نبيك وإبراهيم خليلك وموسى نجيك وعيسى روحك وكلمتك ووجيهك ... ]
فإن هذه التوسلات تقصد الوضاعون لفرضين:
١ - حتى يتسنى لهم تمرير (المثلية) في الدعاء وتمشيتها بسلام.
стр. 309
٢ - ثم أعقبوها بهذه التوسلات التي يفرج بها القائلون بجواز التوسل بذوات المخلوقين فألهوهم بها عن الانتباه إلى (المثلية) التي هي مقصودهم من وضع الدعاء.
٣ - (الدسة) والله أعلم ... (نصرانية) حتى يدخلوا مثلية عيسى لله تعالى وذلك ظاهر من قولهم: وعيسى روحك وكلمتك ووجيهك فلم يقولوا من روحك بل قالوا روحك حتى تتم المثلية التي دسوها.
٤ - أعطوا لعيسى أوصافاً ثلاثة: روحك وكلمتك ووجيهك ليرفعوا عيسى عن مستوى المذكورين قبله الذين ذكروا بوصف واحد فتثبت الأفضلية لعيسى على من ذكروا قبله وذلك باعتراف الرسول ﷺ الذي وضعوا الحديث باسمه وكذباً عليه حتى يكون إقراراً منه بأفضلية عيسى عليه وعلى سائر من ذكروا قبله.
٥ - غير خاف على القارئ المسلم تلك الركاكة الإنشائية التي كتبت بها صيغة لفظ الحديث مما يحل عن مثله كاتب عربي يتذوق الأسلوب العربي الصحيح فضلاً عن أفصح من نطق بالضاد ﷺ هذا عدا عن نواقض التوحيد الواردة في لفظ الحديث ما يدع القارئ أن يجزم جزماً قاطعاً بوضع هذا الحديث من قبل زنادقة فجرة لا يرعون لله وقاراً.
هذا ما ظهر لنا من متن هذا الحديث من الطامات فكيف إذا كان سنده أيضاً لا يقل عن متنه وضعاً وكذباً وإليك البيان والبرهان.
الكلام على سند هذا الحديث
قال ابن تيمية ﵀:
وموسى بن عبد الرحمن هذا من الكذابين. قال أبو أحمد بن عدي فيه: منكر الحديث وقال أبو حاتم بن حبان: دجال يضع الحديث. وضع على ابن جريح عن عطاء ابن عباس كتاباً في التفسير جمعه من كلام الكلبي
стр. 310
ومقاتل (١).
وهكذا فقد تبين لك يا أخي المسلم أن هذا الحديث مكذوب المتن والسند كباقي ما سبقه من الأحاديث التي احتج بها القوم على صحة دعواهم من جواز التوسل بذوات المخلوقين كنا نتمنى أنهم أتوا ولو بحديث صحيح واحد يؤيدهم وتمنينا هذا نقوله خجلاً مما منوابه من الفشل المتصل المتواصل عن إثبات دعواهم كأنهم لا يحفظون إلا كل حديث مكذوب موضوع ولا يحتجون إلا بكل قول يكشف سوآت مقاصدهم ... ليفتضح أمرهم حتى على أنفسهم ولعلهم يخجلون فيرجعون إلى الحق فتتصافح الأيدي وتتعاهد على المضي في طريق الحق إلى أن نلقي الله وإياهم على ما يجب ويرضى.
(قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعاً إنه هو الغفور الرحيم /٥٣/ الزمر).
стр. 311
٢١ - حديث استفتاح اليهود على المشركين بمحمد ﷺ
يروى عن عبد الملك بن هارون بن عنترة عن أبيه عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال [كانت يهود خيبر تقاتل غطفان فكلما التقوا هزمت يهود فعاذت بهذا الدعاء: اللهم إنا نسألك بحق محمد النبي الأمي الذي وعدتنا أن تخرجه لنا آخر الزمان إلا نصرتنا عليهم فكانوا إذا دعوا بهذا الدعاء هزموا غطفان فلما بعث النبي ﷺ كفروا به فأنزل الله تعالى: (وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا ... /٨٩/) البقرة.
الكلام على متن هذا الحديث
هذا الحديث حديث متصدع المتن منهار من وجوه:
١ - أن هذه الآية: (وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا ... ) لم تنزل في يهود خيبر قط إنما نزلت في اليهود الذين هم مجاورون للمدينة من بني قينقاع وبني النضير وهذا باتفاق أهل التفسير والسير فقد روى محمد بن إسحاق عن عاصم بن عمر بن قتادة الأنصاري عن رجال من قومه قالوا: مما دعانا إلى الإسلام - مع رحمة الله وهداه - ما كنا نسمع من رجال يهود وكنا أهل شرك وأصحاب أوثان وكان أهل الكتاب عندهم علم ليس عندنا وكانت لا تزال بيننا شرور فإذا نلنا منهم ما يكرهون قالوا لنا: (قد تقارب زمان نبي يبعث الآن فنقتلكم معه قتل عاد وإرم) كثيراً ما كنا نسمع ذلك منهم فلما بعث محمد رسولاً من عند الله أجبنا حين دعانا إلى الله، وعرفنا ما كانوا يتوعدوننا به فبادرناهم إليه فآمنا به وكفروا به ففينا وفيهم نزلت الآيات في البقرة: (ولما جاءهم من عند الله مصدق لما معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين /٨٩/) البقرة.
стр. 312
٢ - أن اليهود لم يحاربوا ((غطفان)) قط فكيف يقال نزلت في يهود خيبر وغطفان بل نزلت كما قلنا في يهود المدينة؟ فإن هذا القول من كذاب جاهل لم يحسن كيف يكذب ومما يبين ذلك أنه ذكر فيه انتصار اليهود على غطفان لما دعوا بهذا الدعاء وهذا مما لم ينقله أحد غير هذا الكذاب ولو كان هذا لكان مما تتوفر دواعي الصادقين على نقله.
٣ - التوراة ولا شك أقدم من حروب اليهود والعرب فإذا كان هذا الدعاء معروفاً عندهم وله هذا الأثر في الانتصار فلماذا لم يدعوا به من أول مرة فيوفرون أرواح رجالهم وبنيهم فعدم الدعاء به وترك العرب يقتلونهم دليل على كذب الحديث.
٤ - إن اليهود كانوا يعلمون من توراتهم أنه سيأتي نبي آخر الزمان وكانوا يظنون أنه سيبعث منهم واليهود من أولهم إلى آخرهم لم يسموا أحداً منهم محمداً قط فكيف يقول راوي الحديث نقلاً عن اليهود في دعائهم الذي يقولون فيه: [اللهم إننا نسألك بحق محمد النبي الأمي الذي وعدتنا أن تخرجه لنا آخر الزمان إلا نصرتنا عليهم ... .] ودليلنا انهم كانوا يظنون أنه سيبعث منهم قول أبو العالية وغيره: (كان اليهود إذا استنصروا بمحمد ﷺ على مشركين العرب يقولون: اللهم ابعث هذا النبي الذي نجده مكتوباً عندنا حتى نغلب المشركين ونقتلهم فلما بعث الله محمداً ورأوا أنه من غيرهم كفروا به حسداً للعرب وهم يعلمون أنه رسول الله ﷺ فأنزل الله تعالى هذه الآيات: (فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين).
٥ - أن كلا الروايتين: رواية محمد بن إسحاق ورواية أبي العالية وغيره ... ليس فيها ذكر اسم محمد ﷺ إنما ذكر نبي آخر الزمان مما يدل على أنهم لا يعرفون اسمه فكيف يذكرون اسمه صريحاً في الدعاء ... ؟ مما يدل على أن الحديث المذكور الذي فيه اسم النبي بصراحة هو موضوع لأن اليهود ما كانوا يعرفون اسمه ولا من أي القبائل هو فكيف يذكرون اسمه صريحاً في الدعاء؟ ولو علموا أن اسمه محمد لعلموا أنه من العرب ولما ظنوا أنه سيبعث منهم إذ لما بعث من العرب كفروا به حسداً منهم للعرب.
стр. 313
٦ - وعلى فرض أنهم كانوا يعلمون أنه سيبعث من العرب وهم ينتظرونه بفارغ الصبر فلما بعثه الله من العرب لماذا لم يؤمنوا به ويكونوا معه يحاربوا المشركين في صفه لينتقموا منهم ويثأروا لقتلاهم؟!!! بل سبقهم أخصامهم العرب وآمنوا به وقاتلوهم بل واستأصلوهم من جزيرة العرب إلى يومنا هذا؟ لأنهم ما كانوا يعلمون أنه سيبعث من العرب بل يظنون أنه سيبعث منهم ولكن الحديث المكذوب يقول في دعائهم اللهم إنا نسألك بحق محمد وهذا دليل على وضع الحديث.
كل هذه البلايا والألغام في متنه فكيف إذا تأكدت يا أخي أنه موضوع كذلك بالنسبة إلى سنده عندها تتفجر الألغام ويصبح أثراً بعد عين وإليك البيان:
الكلام على سند هذا الحديث
إن هذا الحديث رواه الحاكم في مستدركه وقال: أدت الضرورة إلى إخراجه وهذا مما أنكره عليه العلماء فإن عبد الملك بن هارون من أضعف الناس وهو عند أهل العلم بالرجال متروك بل كذاب وقد تقدم ذكر حال عبد الملك بن هارون في الصفحة /٣٠٩/ وقال عنه ابن تيمية: عبد الملك ابن هارون بن عنترة من المعروفين بالكذب وقال السعدي: دجال كذاب وقال أبو حاتم: يضع الحديث وقال النسائي: متروك. وقال البخاري: منكر الحديث. وقال أحمد بنم حنبل ضعيف. وقال ابن عدي: له أحاديث لا يتابعه عليها أحد وقال الدارقطني: هو وأبوه ضعيفان وقال الحاكم في كتاب المدخل: عبد الملك بن هارون بن عنترة الشيباني روى عن أبيه أحاديث موضوعة وأخرجه أبو الفرج بن الجوزي في كتاب الموضوعات.
стр. 314
هذا هو راوي الحديث وهذه شهادات علماء الرجال فيه بالإضافة إلى متنه المتصدع المنهار فهل تقوم به حجة على دعوى القوم لقد صار الكذب والوضع والاختلاق شعارات الأحاديث التي يقدمها القوم حججاً!!! على صحة دعواهم والله لا أدري ما أقول ولكن أترك تقدير النظر إليهم إلى نظر القارئ الكريم وفي هذه القدر كفاية لقوم يعقلون ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
стр. 315
٢٢ - حديث ((أنا فاعل))
روى الترمذي عن أنس بن مالك أنه قال: [سألت رسول الله ﷺ أن يشفع لي يوم القيامة فقال: ((أنا فاعل))]
الحديث غير صحيح السند كما سيأتي بيانه ولكن على فرض صحته ليس للمحتج به على جواز التوسل بذوات المخلوقين أية حجة وذلك من وجوه:
الكلام على متن هذا الحديث
لا يدل متن هذا الحديث على صحة دعوى القوم وإن صح فهو دليل لنا إن هو من قبيل توسل العبد إلى ربه بدعاء أخيه المؤمن له ثم:
١ - قو رسول الله ﷺ ((أنا فاعل)) لا بد أن يكون له علم من الله بإذنه بالشفاعة لأنس وهذا كقوله لعكاشة أنت منهم ولولا أن يعلم رسول الله ﷺ مسبقاً أن عكاشة من جملة السبعين ألف الذين يدخلون الجنة بلا حساب لما قال له: أنت منهم.
٢ - لأن أنساً ﵁ لما سأل رسول الله ﷺ أن يشفع له يوم القيامة كان حياً والرسول ﷺ كان حياً أيضاً وقال له ((أنا فاعل)).
٣ - طلب أنس من الرسول أن يشفع له يوم القيامة يفيد أن أنساً يقصد أن يدعو له الله تعالى أن يشفعه به يوم القيامة أي يجعله في جملة الحد الذي يحده له فيشفع فيهم فإذا دعا الله له بذلك فإن دعاءه ﷺ مستجاب فيكون أنس بذلك قد ضمن لنفسه شفاعته ﷺ وهذا حرص من أنس على فوزه بالجنة بشفاعته ﷺ .
стр. 316
٤ - قول رسول الله ﷺ ((أنا فاعل)) يحتمل أن يكون قد دعا له قبل أن يطلب منه ذلك فلما طلب منه قال ((أنا فاعل)) أي أنا فاعل ذلك قبل أن تطلب مني.
٥ - هل إذا طلب أحدنا الآن من رسول الله ﷺ أن يشفع له يقول له الرسول ((أنا فاعل)) كما قال لأنس ... ؟ فإن يمكن ذلك في ظنكم فما الفرق إذاً بين الحياة والموت وهل طلب أحد من الصحابة من الرسول ﷺ بعد وفاته ذلك؟ حتى نتأسى بفعله ...
وهكذا فقد ثبت في هذا النقاش أن عمل أنس لا غبار عليه ولا يفيد أنه توسل بذات رسول الله بل طلب إليه بأن يدعو له لأن يكون في جملة من يشفع بهم رسول الله ﷺ يوم القيامة فأية حجة للقوم في هذا الحديث على دعواهم؟ هذا على فرض صحة الحديث فكيف إذا كان الحديث هذا ضعيف السند؟ نعم وإنه لكذلك وإليك البيان:
الكلام على سند هذا الحديث
قال الترمذي بعد أن خرج هذا الحديث: حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه لكن في سنده أبو الخطاب حرب بن ميمون ضعف ووثق فهو وإن وثقه بعض المحدثين لكن ضعفه آخرون منهم شيخ المحدثين البخاري وإمام جليل من أئمة هذا الفن وهو أبو زرعة وقال فيه / لين / وقال فيه الذهبي في ميزانه / صدوق يخطئ / وحسبك بذلك تضعيفاً للحديث وجرحاً له المخلوقين اللهم علمنا العلم الذي لا جهل معه.
стр. 317
٢٣ - خبر مرثية صفية عمة الرسول ﷺ
يقول الشيخ دحلان: وكذا من أدلة التوسل: مرثية صفية ﵂ عمة رسول الله ﷺ فإنها رثته بعد وفاته ﷺ بأبيات فيها قولها:
ألا يا رسول الله أنت رجاؤنا ... وكنت بنا براً ولم تك جافياً
ففيها النداء بعد وفاته مع قولها [أنت رجاؤنا] وسمع تلك المرثية الصحابة ﵃ فلم ينكر عليها أحد قولها: يا رسول الله [أنت رجاؤنا].
الكلام على خبر هذه المرثية
١ - قيل أن هذه القصيدة ليست لصفية ﵂ ولم يذكرها ابن هشام في سيرته في جملة المراثي التي قيلت في رسول الله ﷺ .
٢ - إن في هذا البيت الذي استشهدوا فيه تحريفاً عن أصله فقد ذكر الحافظ الهيثمي في كتابه: مجمع الزوائد ج٩ ص٣٩ في باب وداعه ﷺ قال: روى الطبراني بإسناد حسن عن عروة بن الزبير قال: قالت صفية بنت عبد المطلب ترثي رسول الله:
ألا يا رسول الله أنت رجاؤنا ... وكنت بنا براً ولم تك جافياً
هكذا رواية الطبراني ولكن الدحلان حرف بيت الشعر وذكره في كتابه: ((الدرر السنية في الرد على الوهابية)) حيث كتب [أنت رجاؤنا] بدلاً من [كنت رجاؤنا] ليدل هذا اللفظ أن رسول الله ﷺ رجاء في الحياة وبعد الممات فصار مصداقاً لقوله تعالى: (فبدل اللذين ظلموا منهم قولاً غير الذين قيل لهم /٢٦٢/) الشعراء.
стр. 318
وذكره الشيخ محب الدين الطبري ((ذخائر العقبى في مناقب القربى)) أي [كنت رجاؤنا] لا [أنت رجاؤنا] وهذا التحريف ظاهر لا خفاء فيه ... فلماذا يا ترى؟ ومتى كان الكذب والتحريف والتبديل حجة أو دليلاً؟ نعم إن هذه الصفات حجة ودليل من لا خلاق لهم وقول صفية الصحيح أعني غير المحرف رد صريح عليهم وذلك أنها فرقت بين الحياة والموت فقالت: [كنت رجاؤنا] تعني ﵂ أنه ﷺ يوم أن كان حياً بين أظهرهم يرجعون إليه إذا أشكلت الأمور وتعقدت ليدعو الله لهم ويبين لهم ما يحتاجون إليه من الهدى في الدين والدنيا نعم كان ﷺ رجاءهم فيرجعون إلى الوحي المنزل عليه فيحل الأشكال وليس معنى هذا أنه كان رجاءهم في الخلق والرزق وتيسير الأمور وتفريخ الكروب وهداية القلوب.
وكأن تحريفهم هذا لجأوا إليه ليثبتوا به مرادهم من جواز التوسل بذوات المخلوقين مع أن القضايا العلمية لا تثبت بالتحريف والإصرار على الباطل لأن هذا لا ينفعهم في شيء بل على العكس تماماً فإنه لا ينفعهم إلا الحق والصدق والعلم القويم والنقل السليم والأمانة في نقل الأخبار أما الباطل فلا يبقي حتى ولا على نفسه فضلاً عن أهله وذويه.
وهكذا فقد تبين لك يا أخي أمتن خبرهم ذاك محرف وذلك عن عمد وتقصد وإصرار وهم يعلمون أما سنده فهو سند منقطع مرسل ولا أعني أن الخبر الذي أتوا به هم فذلك محرف موضوع أما السند المنقطع والمرسل فهو للخبر الذي ورد عن عروة ابن الزبير الذي تكون صفية بنت عبد المطلب جدته لأبيه وإليك البيان:
الكلام على سند هذا الخبر
هذا الخبر في سنده انقطاع بين عروة بن الزبير وبين صفية جدته لأبيه فقد ولد سنة ٢٩ كما في التهذيب ونحوه أي بعد وفاته ﷺ بتسع عشرة سنة ولما كانت مرثية صفية عقب وفاته ﷺ فتكون ولادته بعد القصيدة بتسع عشرة
стр. 319
سنة وصفية ﵂ ماتت سنة /٢٠/أي قبل ولادة عروة بتسع سنين ولهذا فإن عروة لم يدرك جدته صفية وإن روايته عن أبيه مرسلة فكيف عن أم أبيه فإنها أيضاً منقطعة ومرسلة.
وهكذا فإن هذا الخبر أي خبر المرثية غير المحرفة ضعيف لا تثبت به حجة وذلك على فرض عدم التحريف والتبديل أما الخبر الذي أوردوه حجة على جواز توسل العبد بذوات المخلوقين فإنه محرف المتن ومرسل السند ومنقطعه وحري بهذا الخبر المحرف المنقطع المرسل أن يكون ضعيفاً لا تثبت به حجة ولا ينهض به دليل على صحة دعوى القوم ...
стр. 320
٢٤ - رؤيا الترمذي
ذكر طاهر بن محمد بن هاشم با علوي في كتاب المسمى: مجمع الأحباب في ترجمة الإمام أبي عيسى الترمذي صاحب السنن أنه رأى في المنام رب العزة فسأله عما يحفظ عليه الإيمان حتى يتوفاه عليه قال: فقال لي: قل: إلهي بحرمة الحسين وأخيه وجده وبنيه وأمه وأبيه نجني من الغم الذي أنا فيه يا حي يا قيوم ياذا الجلال والإكرام أسألك أن تحيي قلبي بنور معرفتك يا الله يا الله يا الله يا أرحم الراحمين.
هذه الرؤيا أثبتها الدحلان في كتابه ((الدرر السنية في الرد على الوهابية)) وكأنه آلى على نفسه أن يحشر في كتابه كل خبر يراه مؤيداً لوجهة نظره دون النظر والتثبت من صحته وهذه الرؤيا من هذا النوع الذي لا زمام له ولا خطام ولو أن غيره أتى له برؤيا يحتج فيها على أمر ما ليس له فيه غرض فكان يقيم الدنيا عليه ويقعدها لوماً وتأنيبا لأنه احتج برؤيا وكان يقول له مثلاً: يا أخي ومتى كانت الرؤى حججاً وأدلة؟ ألا تعلم أن الرؤيا لا يثبت بها شيء وأن الدين لا يؤخذ عن الرؤى والمنامات فكان لا ينظر أي اعتبار ولكن عندما يرى حجة فيما يزعم في حكاية خرافية أو منام أو رؤيا فإنه يسرع إلى الأخذ بها ويجعلها حجة ودليلاً وبرهاناً؟ كما فعل هنا بهذه الرؤيا التي رآها في كتاب ما فأعجبته لأن فيها ما يؤيد مذهبه الباطل مع أن الرجل يذكر بعلم الناس وقيل أنه تولى قضاء مكة في يوم من الأيام.