← Акыда

Акыда · id 37535

التوصل إلى حقيقة التوسل

محمد نسيب الرفاعي

Полный текст (335 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

بخير من ذلكم) أي مما في الدنيا من تلك الملاذ والشهوات التي تقدم ذكرها ... فإن الله تعالى قد أعد (للذين اتقوا عند ربهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وأزواج مطهرة ورضوان من الله والله بصير بالعباد). أي أن الله تعالى قد أعد كل هذا النعيم الذي لا يفنى والملك الذي لا يبلى مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ... كل ذلك للمتقين (الذي يقولون ربنا إننا آمنا) أي آمنوا بالله وملائكته وكتبه ورسله وباليوم الآخر وبالقدر خيره وشره وما يستلزم هذا الإيمان من الائتمار بالمعروف والانتهاء عن المنكر. والإيمان في حد ذاته عمل صالح بل هو أساس كل عمل صالح فلا عمل صالحاً بلا إيمان فلما صدر عنك الإيمان يا أخي ... كان ولا شك عملاً صالحاً عظيماً كما أن صدور الكفر من العبد لا شك أنه عمل غير صالح. فلما تقرب المتقون إلى ربهم بقولهم: (ربنا إننا آمنا) وتوسلوا إلى الله تعالى بإيمانهم ... أصبحوا قريبين منه بما تقدم من الوسيلة الطيبة التي رفعوها إليه فناسب بعد هذا القرب منه تعالى أن يقدموا الدعاء الذي يرغبون فيه إليه فقالوا: ( ... فاغفر لنا ذنوبنا وقنا عذاب النار) أي بسبب ما آمنا فاغفر لنا ذنوبنا وجنبنا عذاب النار الذي لا يطاق إنك على كل شيء قدير. إن هؤلاء الذين صدرت عنهم هذه التوسلات بإيمانهم وأعمالهم الصالحة شهد الله لهم بأنهم هم الصابرون على طاعتهم الصادقون في عقيدتهم وأعمالهم القانتون الخاشعون في عباداتهم المنفقون أموالهم في طاعة الله كما أمر والمشفقون على أنفسهم المستغفرون من ذنوبهم قليلة كانت أو كثيرة المتيقنون بأن الله وحده غافر الذنب وقابل التوب فاستغفروا وتابوا إليه في الأسحار وجوف الليل في أوقات تجلي الله على عباده فيغفر للمستغفرين ويتوب على التائبين. هكذا ... فإن الله تعالى أعطانا نماذج من أعمالهم وتوسلاتهم الصادقة الطيبة حتى نتأسى بها ونعمل مثلها .. فإنهم آمنوا وصبروا وصدقوا وأنفقوا وقنتوا ثم طلبوا المغفرة.

стр. 72

وإن الله تعالى يمتدحهم بهذه الصفات الطيبة ويهيب بنا أن نقتدي بهم. فكما أحب منهم هذه الصفات ... كذلك فإنه تعالى يحبها منا أيضاً ومن كل عبد لنحصل على ما حصلوا عليه من الرضا والمحبة الخالدات والنعيم الذي لا يبلى. فهيا يا أخي المسلم إلى هذا الميدان، ميدان الإيمان والعمل الصالح ... وفي ذلك فليتنافس المتنافسون وأن صدر منك الذنب فتوسل إليه تعالى بما أسلفت من الطاعات والأعمال الصالحة الطيبة فإنه يغفر ذنبك ويقبل توبك ... لأن الذي توسلت به إليه ... إنما هو توسل شرعه لك وباب مفتوح لقبول إنابتك إليه فهيا يا أخي إلى تلك الرحاب الظليلة الوارفة وإلى روح وريحان ورب غير غضبان.

стр. 73

الدليل السادس قوله تعالى: فلما أحس عيسى منهم الكفر قال من أنصاري إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله ءآمنا بالله وأشهد بأنا مسلمون (٥٢) ربنا ءامنا بما أنزلت وتبعت الرسول فاكتبا مع الشاهدين (٥٣) آل عمران يقول تعالى: (فلما أحس عيسى) أي استشعر من بني إسرائيل التصميم على الكفر والاستمرار على الضلال. (قال من أنصاري إلى الله) أي من أنصاري في الدعوة إلى الله؟ (قال الحواريون نحن أنصار الله آمنا بالله واشهد بأنا مسلمون ربنا آمنا بما أنزلت واتبعنا الرسول فاكتبنا مع الشاهدين). الحواريون: جمع حواري وهو الناصر. والحواريون هم أصحاب عيسى ﵊ الذين آمنوا به وعددهم اثني عشر رجلاً قالوا نحن أنصار الله كيف لا نكون أنصاره وقد آمنا به واشهد يا عيسى بأنا مسلمون ولا شك أن الإسلام هو دين الأنبياء ومن اتبعهم من لدن آدم ﵇ إلى نبينا عليه وعليهم أفضل الصلاة وأتم التسليم ثم وجهوا خطابهم إلى الله سبحانه فقالوا: (ربنا آمنا بما أنزلت) أي الإنجيل وهو كتاب الله الذي نزل على عيسى ﵇ (واتبعنا الرسول) أي المسيح عيسى بن مريم ﵇ (فاكتبا مع الشاهدين) أي مع أمة محمد ﷺ قاله ابن عباس ﵁ وهذا كقوله تعالى: (وجعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً) شهداء على الناس أي تشهدون للأنبياء يوم القيامة أنهم بلغوا رسالات ربهم

стр. 74

لأقوامهم والوسط هاهنا: الخيار وقد جعل الله أمة محمد وسطاً لما خصها بأكمل الشرائع وأقوم المناهج وأوضح المذاهب. روى الإمام أحمد عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : [يدعى نوح يوم القيامة فيقال له: هل بلغت؟ فيقول: نعم فيدعى قومه فيقال لهم: هل بلغكم؟ فيقولون: ما أتانا من نذير من أحد فيقال لنوح من يشهد لك فيقول: محمد وأمته قال: فذلك قوله: (وكذلك جعلناكم أمة وسطاً) قال: الوسط: العدل فتدعون فتشهدون له بالبلاغ ثم أشهد عليكم] رواه البخاري والترمذي والنسائي وابن ماجه من طريق عن الأعمش ومن حديث لأحمد عن أبي سعيد الخدري: فيدعي محمد وأمته فيقال لهم: هل بلغ هذا قومه؟ فيقولون: نعم، فيقال: وما علمكم؟ فيقولون: جاءنا نبينا فأخبرنا أن الرسل قد بلغوا قوله : (وكذلك جعلناكم أمة وسطاً)] أخي القارئ المسلم الكريم: وضعت أمامك تفسيراً مقتضباً للآيتين المتقدمتين لتأخذ فكرة عامة عن معناهما ثم أشرع في توضيح الشاهد منها في بحثنا وموضوعنا الذي نحن بصدد تحقيقه: لنعد قليلاً إلى الآية: (فلما أحس عيسى منهم الكفر قال من أنصاري إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله آمنا به واشهد بأنا مسلمون). إن قول الحواريين: نحن أنصار الله آمنا به) ألا ترى يا أخي في قولهم عملاً صالحاً .. ؟ أجل إنه عمل صالح. وما قولك يا أخي بنصرة الله ورسوله والإيمان بهما ... ؟ فإذا لم يكن ذلك عملاً صالحاً فأين هو العمل الصالح .. ؟ لا شك ولا ريب في أنه عمل صالح بل هو رأس العمل الصالح وأساسه أيضاً. ودليلنا قولهم لرسولهم: (واشهد بأنا مسلمون) أي واشهد على إيماننا وإسلامنا فشهادة رسولهم لهم بذلك هي شهادة حق بإيمانهم وإسلامهم وصدقهم في قولهم: (نحن أنصار الله آمنا به واشهد بأنا مسلمون) ثم توجهوا إلى ربهم سبحانه وقالوا: (ربنا آمنا بما أنزلت وتبعنا الرسول فاكتبنا مع الشاهدين) الذي يشهدون لعيسى بن مريم ﵊ في جملة ما يشهدون للأنبياء -

стр. 75

أنه بلغ قومه رسالة الله. وإنك لترى يا أخي ... أنهم ما دعوا الله بهذا الدعاء ... وإلا وقدموا بين يدي دعائهم توسلاً بإيمانهم بعبده ورسوله المسيح عيسى بن مريم ﵊ وبما أنزل عليه من الإنجيل وبما اتبعوا به هذا الرسول الكريم فيما دعاهم إليه من أمر ونهي وكل ما تقدم إنما هو توسلات بأعمالهم الصالحة الخالصة لوجهه تعالى. ثم عقبوا على ذلك بدعائهم قائلين: (فاكتبنا مع الشاهدين) أي بسبب ما آمنا بك وبعبدك ورسولك المسيح عيسى بن مريم صلوات الله عليه وسلامه وبالإنجيل الذي أنزلته عليه وباتباعنا له فيما أمر ونهى ... اكتبنا مع الشاهدين. ولعلك أدركت يا أخي ... أن الأنبياء والرسل جميعاً على منهج واحد في التوسل إليه تعالى فلم يخبرنا الله أن أحداً منهم توسل إليه بأحد الأنبياء الذين سبقوهم ولا توسلوا إليه بملائكته ولا بأحد من خلقه ... بل توسلوا إليه بما شرع لهم من التوسل الذي يرضى عنه بل وأمر به عباده جميعاً. فإذا كان الأمر كذلك ... ونعلم أن الأنبياء والرسل وأعمال أصحابهم الذين اهتدوا بهديهم هي أحسن أعمال قاطبة فما علينا إلا أن نتخذ لنا من أعمالهم وسيرتهم الحسنة الطيبة نبراساً لنا وهدي نسير على أساسه في كل أمورنا ... أفلا يكفينا ما كفى أولئك المصطفين من الناس وهم خيار الخيار وصفوة الخلق. ولهذا فإن الله خصنا على ذلك ... لنقتفي آثارهم ونتعقب خطاهم ونسلك ما سلكوه من الهدي والحق والخير وإنا إن شاء الله لفاعلون.

стр. 76

الدليل السابع قوله تعالى: وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين (١٤٦) وما كان قولهم إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين (١٤٧) فئاتاهم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة والله يحب المحسنين (١٤٨) ... آل عمران لقد عاتب الله بهذه الآيات من انهزم يوم أحد وتركوا القتال لما سمعوا الصائح يصيح بأن محمداً قد قتل فقال تعالى: (وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير) أي وكم من نبي أصابه القتل ومعه ربيون أي جماعات فما وهنوا بعد نبيهم وما ضعفوا عن عدوهم وما استكانوا لما أصابهم في الجهاد في سبيل الله والدفاع عن دينهم وذلك الصبر (والله يحب الصابرين). لا شك أن الجهاد في سبيل الله تعالى من الأعمال الصالحة العظيمة التي تقرب صاحبها إلى الله سبحانه وإنه جل وعلا يعطينا أمثلة عن الذين كانوا يجاهدون مع أنبيائهم فقد يقتل نبيهم في سبيل الله إنما يبقى من بعده أصحابه يواصلون الجهاد فلم يضعفوا ولم يستكينوا بعد نبيهم ... بل ثبتوا وصبروا ورفعوا دعائهم إليه متوسلين بصبرهم في ساحات القتال على مناجرة الأعداء أن يغفر الله ذنوبهم ويثبت أقدامهم فلا يفرون من المعركة حتى ينصرهم الله أو يلقوه

стр. 77

شهداء راضياً عنهم ومثيبهم بما أعد لهم في الجنات الخالدات من الكرامة. إذا فالشاهد من هذه الآية هو ثباتهم وصبرهم في المعركة فما وهنوا ولا استكانوا بعد نبيهم وهذا كله من أعظم الطاعات والقربات إليه تعالى فتقربوا بها متوسلين إليه بها أن يغفر ذنوبهم وإسرافهم وأن يثبت أقدامهم ويهبهم النصر على القوم الكافرين فتقبل الله وسيلتهم ودعاءهم بالنصر فقال تعالى مخبراً بذلك: (فآتاهم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة والله يحب المحسنين) أي آتاهم ثواب الدنيا وهو النصر على الأعداء الكافرين وتوريثهم ديارهم من بعدهم وإضفائه عليهم أثواب العز والمجد والسؤدد والكرامة والتمكين في الحكم ... هذا عدا عما ادخره لهم عنده سبحانه من الثواب العظيم الدائم بأحسن الطاعات ما يجزي به عباده المخلصين المحسنين لأنهم قدموا إلى الله تعالى أحسن الطاعات وهو بذل الأرواح والمهج رخيصة في سبيله ومن أجل إعلاء كلمته فكان ذلك .. جزاءاً وفاقاً قدموا عملاً حسناً ... فجوزوا عليه بثواب أحسن. هكذا يروي لنا الله سبحانه من سيرة السالفين من إخواننا الذين سبقونا بالإيمان أخباراً وعلوماً عنهم يعلمنا فيها كيف نرفع العمل الصالح إليه ونتقرب به منه ونتوسل به إلي جنابه العلي العظيم حتى إذا دعونا بالنصر وغفران الذنوب والفلاح في الدنيا والنجاح في الآخرة واستجاب لنا دعاءنا بما قدمنا إليه من وسيلة العمل الصالح. هذا ما يريده الله منا وهذا ما يأمرنا به من العمل ... أما إذا عزفنا عن هداه وعما ندبنا إليه وحضنا عليه من الجهاد والعمل الصالح فيعاقبنا بمثل ما نعانيه اليوم من الذل والهوان وذهاب القوة والاستسلام إلى الأعداء. لأننا خلدنا إلى الخمول وتركنا الجهاد في سبيله تعالى وتفرقنا طرائق قدداً كل حزب بما لديهم فرحون ... فأصابنا الوهن. ولو أننا نفذنا أوامره وأحكامه والهدي الذي أنزله علينا فحفظنا أنفسنا وذدنا عن حدودنا ودافعنا عن حياضنا ما كان للكافرين علينا من سبيل والله قد وعدنا: (ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً) فلنصارح إذاً

стр. 78

أنفسنا بأننا لسنا مؤمنين حقاً!!! ولذلك فقد جازانا الله تعالى بأن جعل للكافرين علينا سبيلاً جزاءً وفاقاً ... على أن الطريق إليه تعالى ما تزال مفتوحة وسالكة واضحة ... فلنرجع إليها سالكين سبيله المستقيم هاجرين سبل غيره كيلا تتفرق بنا عن سبيله. وما سبيله إلا الرجوع إلى ما أنزل من الحق متبعين أحكام كتابه وبيان سنة نبيه عقيدة وعبادة وعملاً فهي الوسيلة الوحيدة المقبولة لاستجابة دعائنا وقصدنا عندها يحررنا من ربقة أعدائنا وينصرنا عليهم في كل ميدان لأننا قدمنا وسيلة إليه هو الذي حضنا عليها وهي العودة إلى شرعه الكامل والحكم على أساسه ... ثم لنجرب ... !! ولننظر .. أيبقينا الله أذلاء مهانين ... أم يعزنا في الدنيا ويسعدنا في الآخرة فإنه لا يذل من والاه الله ولا يعز من عاداه. أجل ... فلنجرب ... ونحن واثقين غير حيارى ولا مترددين إنه سينصرنا ويجعلنا كما كنا: (خير أمة أخرجت للناس). فهيا ... وهيا ... وحي على الفلاح ... ولمثل هذا فليعمل العاملون ... وبهذه الوسائل المقبولة فليتنافس المتنافسون.

стр. 79

الدليل الثامن قوله تعالى: إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب (١٩٠) الذين يذكرون الله قيماً وقعوداً وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السموات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلاً سبحانك فقنا عذاب النار (١٩١) ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته وما للظالمين من أنصار (١٩٢) ... آل عمران يقول تعالى: (إن في خلق السموات والأرض) أي بما فيها من الآيات العظيمة (واختلاف الليل والنهار) أي تعاقبهما وتعارضهما من طول وقصر الاعتدال. كل ذلك تقدير العزيز العليم (لآيات لأولي الألباب) أي العقول التامة الزكية المستقيمة المستقيمة التي تدرك حقائق الأشياء. ثم وصفهم بقوله تعالى: (الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم) أي يذكرونه في جميع أحوالهم ... على اختلاف معاني الذكر (ويتفكرون في خلق السموات والأرض) أي يتأملون ما فيها ويفهمون الحكم الدالة على عظمة الخالق وعلمه وحكمته واختياره ورحمته ويقولون: (ربنا ما خلقت هذا باطلاً سبحانك فقنا عذاب النار) أي ربنا ما خلقت هذا الكون عبثاً بل بالحق والعدل وسبحانك عن العبث فأنت أجل وأعظم وأقدس من أن تفعل عبثاً أو باطلاً. فبسبب ما نزهناك ومجدناك بذاتك وأسمائك وصفاتك وأفعالك. وأنت

стр. 80

حقيق بكل ذلك ... جنبنا عذاب النار، واحمنا منها بفضلك وإحسانك ويسرنا بتيسيرك لما تحب وترضى عنه من الأعمال الصالحة. (ربنا انك من تدخل الجنة فقد أخزيته وما للظالمين من أنصار أي لا مجير لهم منك يوم القيامة ولا محيد لهم عنك. لقد وذعت يا أخي المسلم بين يديك تفسيراً مقتضباً لهذه الآيات الكريمة لنستعين بهذا التفسير على فهم شاهدنا منها ونتدرج للحصول على ما نبتغي من صحة ما نذهب إليه من فهم التوسل المشروع وذلك بالأدلة الشرعية التي تثبت ذلك. إن أولي الألباب الزكية والعقول المستقيمة الذين يفكرون بعمق وتدبر في هذه المخلوقات العلوية والسفلية تتضح لهم آفاق جديدة من الفهم والأدلة الواضحة على إثبات وجود الخالق العظيم ويدفعهم بالحجة والبرهان إلى الإقرار عن بحث وتدقيق بعظمة الله وقدرته وسلطانه فيذكرونه بما يستحق من التوحيد والتمجيد والتعظيم في جميع أحوالهم لا يفترون عن ذلك أبداً لأنهم أينما اتجهوا وكيفهما نظروا تتجلى لهم معرفة هذا الرب العظيم في جميع صفاته وأفعاله وتتضح حقيقتها عندهم فيكون ذكرهم لله جل وعلا شاملاً كل ما في معاني التذكر من أنواع. إذ ليس الذكر مقتصراً على الشفهي فحسب ... لا ... بل هناك أنواع منوعة من الذكر ومنها الذكر الشفهي فإن من يمحص ويدقق في آيات القرآن تتضح له هذه ويرى: أن القرآن ذكر وتلاوته ذكر والصلاة ذكر والآذان ذكر والتذكر ذكر والتفكر ذكر والدعوة إلى الله تعالى ذكر والعلم ذكر وحلق العلم ذكر والذكر الشفهي بالتسبيح والتحميد والتمجيد والتكبير والتهليل ذكر أيضاً إنما يجب أن يكون موافقاً لما جاء في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ من تعريف ... لا أن ندخل فيه أهواءنا وآراءنا (١) ... فكما أن يجب أن نصلي ونزكي ونحج ونصوم طبقاً لأوامر الله تعالى

стр. 81

دونما زيادة أو نقصان فكذلك يجب فيه التقيد بما جاء عن الله تعالى وعن رسوله ﷺ من تعريف وأحكام لا يتعداها إلى ما تهوى الأنفس وانظر يا أخي ما جاء في الكتاب العزيز من وصف وتعريف للذكر: (واذكر ربك في نفسك تضرعاً وخيفة ودون الجهر من القول) وقوله تعالى: (إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم) وقوله ﷺ : [ ... ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه] إلى ما هناك من الآيات العديدة والأحاديث الكثيرة في تعريف الذكر والذاكرين ... على مراد الله وما بلغ رسوله صلوات الله وسلامه عليه. إن من يذكرون الله دائماً في غدواتهم وروحاتهم في أعمالهم وراحتهم وعند نومهم واضطجاعهم وفي صلوتهم قياماً فإن لم يستطيعوا فقعوداً أو لم يستطيعوا فعلى جنوبهم ... أجل أن يذكرون ويتفكرون فيما خلق الله يفيض الاعتراف بالحق عن مشاهدة وفهم وقرب بأن الله ما خلق الخلق إلا بالحق ويتخذون من ذكرهم بكل ذلك وسيلة إلى الله تعالى في قبوله دعاءهم بأن يقيهم عذاب النار التي لا تطاق فجعلوا تذكرهم وذكرهم وصلواتهم قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم وسيلة شرعية إليه ليتقبل أعمالهم ودعاءهم وهكذا فإنهم لم يدعوا إلا وقربوا بين يدي دعائهم توسلات يحبها الله ويرضاها ... أجل ... إنهم توسلوا إلى الله تعالى بذكره سبحانه على اختلاف أنواعه ... وهو لا شك عمل صالح عظيم تقربوا إليه جل وعلا ودعوه مبتهلين: أن يدخلهم الجنة ويقيهم عذاب النار وتضرعوا إليه أن لا يخزيهم يوم القيامة بإدخالهم النار فإن من يدخلها فقد باء بالخزي العظيم وليس له من الله ولي ولا نصير اللهم علمتنا فتعلمنا وأمرتنا فأطعنا اللهم فزدنا علماً وعلمنا العلم الذي لا جهل معه وسلكنا صراطك المستقيم وجنبنا السبل حتى لا تتفرق بنا عن سبيلك القويم واجعلنا نقوم بما أو صيتنا كي نتقي غضبك ونحظى برضاك ونفوز بجنتك التي وعدت المتقين.

стр. 82

الدليل التاسع قوله تعالى: ربنا إننا سمعنا منادياً ينادي للإيمان أن ءامنوا بربكم فئامنا ربنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا مع الأبرار (١٩٣) ربنا وءاتنا ما وعدتنا على رسلك ولا تخزنا يوم القيامة إنك لا تخلف الميعاد (١٩٤) فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى بعضكم ومن بعض فالذين هاجروا وأخرجوا من ديارهم وأوذوا في سبيلي وقاتلوا وقتلوا لأكفرن عنهم سيئاتهم ولأدخلنهم جنات تجري من تحتها الأنهار ثواباً من عند الله والله عنده حسن الثواب (١٩٥) ... آل عمران وقوله تعالى: (ربنا إننا سمعنا منادياً ينادي للإيمان أن آمنوا بربكم فأمنا ... ) هذه الآية الكريمة واضحة وضوحاً تاماً وظاهرة ظهوراً لاخفاء فيه ولا غموض بأن الإيمان عمل صالح عظيم بل هو رأس الأعمال الصالحة بل هو ركيزتها وأساسها المتين وكل عمل مهما كان صالحاً في ذاته وغير مرتكز على الإيمان فهو هباء منثور ولا شك أن الإيمان وسيلة مقبولة عند الله تعالى لتقبل الدعاء. ولهذا ترى أن أولي الألباب يقولون: (ربنا إننا سمعنا منادياً) أي ربنا إننا سمعنا عبدك ورسولك محمداً صلوات الله وسلامه عليه ينادي في الناس كما أمرته: (أن آمنوا بربكم) الذي خلقكم وأنشأكم فهو أحق بالعبادة ... (فآمنا) أي صدقناه وأطعنا ما أمرنا به وما دعانا إليه لأن ما جاء به إنما هو

стр. 83

منك وإنك أنت الذي أرسلته للناس كافة ليخرجهم من الظلمات إلى النور واتبعناه فإنه هو الصادق الأمين. قف هنا يا أخي المسلم الكريم وتأمل قوله تعالى على لسان عباده أولي الألباب (فآمنا) كم هذه اللفظة خفيفة على اللسان وكم هي ثقيلة في الميزان .. ؟ وانظر ضخامة معناها ... إنه الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله وباليوم الآخر وبالقدر خيره وشره والإيمان بكل ما حوى كتاب الله دخل القلوب وملأها وتخلل شغافها واستقر بها وفاضت من هذه القلوب النابضة آثار هذا الإيمان على الجوارح فعملت بكل ما يرضي الله تعالى وطبقت كل ما أمر .. وانتهت عما يسخطه وما عنه زجر ... ثم علم أولو الألباب كم هي منزلة هذا الإيمان عند رب الأرباب فتقدموا بهذا الإيمان إليه تعالى متوسلين به عنده وكل ذلك فهمناه من هذه (الفاء) من قوله تعالى: (ربنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا مع الأبرار) أي بسبب استجابتنا لنداء رسولك وإيماننا بما دعانا من الحق والخير والهدى، اللهم اغفر لنا ذنوبنا وامح عنا سيئاتنا واقبضنا إليك مرحومين مغفوراً لنا وألحقنا بالصالحين الأبرار الذين بروا بما وعدوا من الاستقامة على هذا الإيمان إلى أن قبضتهم إليك وأنت راض عنهم. (وآتنا ما وعدتنا على رسلك ولا تخزنا يوم القيامة إنك لا تخلف الميعاد) وهنا واصلوا دعاءهم بأن ينيلهم ما وعدهم على لسان الرسول وألسنة الرسل من قبله ... من المغفرة والرضوان والجنة ... متأكدين وموقنين ومطمئنين إلى أنه تعالى سيبر بوعده ولا شك لأنه ليس من صفاته العلى الإخلاف بما وعد فلا أحد أوفى بعهده من الله تعالى. فما ظنك يا أخي بالله الذي سمع توسلات عباده التوسلات التي يرضى عنها وهي التي أمرهم بها ... هؤلاء العباد الطائعين المؤمنين حقاً ... أيستجيب دعاءهم أم لا ... ؟ لا شك أنك ستقول: بل سيستجيب لهم دعاءهم ولا شك. ولذا جاء قوله تعالى طبق عبده المؤمن به فقال عز من قائل: (فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أثنى بعضكم من بعض فالذين

стр. 84

هاجروا وأخرجوا من ديارهم وأوذوا في سبيلي وقاتلوا وقتلوا لأكفرن عنهم سيئاتهم ولأدخلنهم جنات تجري من تحتها الأنهار ثواباً من عند الله والله عنده حسن الثواب) أجل .. إن الله عنده حسن الثواب لعباده المؤمنين الطائعين كيف لا وأنهم هاجروا وأخرجوا من ديارهم وأهليهم وأموالهم وأوذوا أشد الإيذاء في سبيل الله وقاتلوا الكفر وأهله فمنهم من قضى نحبه في سبيله تعالى ومنهم من ينتظر وما بدلوا لا هنوا ولا تراجعوا بل ثبتوا حتى نصرهم الله تعالى. نعم كيف لا ... وهم الذين وصفهم الله بأنهم أولو الألباب الزكية والعقول المستقيمة الذين يذكرون الله في جميع أحوالهم الحياتية وبمختلف أنواع الذكر ويتفكرون في الخالق والخليقة فزادهم فهماً وإدراكاً كالحقيقة الربوبية والألوهية والأسماء والصفات والأفعال وإن هذا الخلق ما خلقه الله عبثاً ولا صدفة ولا باطلاً ولما نادى منادي الإيمان ﷺ ودعاهم إليه أسرعوا إلى الإيمان بالله تعالى ونبيه وكتابه وبكل ما جاء فيه من الهدى والخير والحق. ثم قدموا كل ذلك توسلات إليه تعالى لتكون هذه التوسلات الحقة سبباً في قبول دعائهم واستجابته وأكد سبحانه تكفيره سيآتهم وإدخالهم جنات تجري من تحتها الأنهار ثواباً منه سبحانه والله عنده أحسن الثواب ﷻ ولا إله غيره ولا رب سواه. فهيا أيها الأخوان المؤمنون إلى العمل الصالح نعمله لوجه الله خالصاً له ليكون لنا ذخراً ووسيلة إليه وقربى لجنابة العظيم لا نبتغي إلا وجه ربنا ذي الجلال والإكرام. فإن دعوناه بها أجاب دعاءنا وادخلنا جنات عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً.

стр. 85

الدليل العاشر قوله تعالى: ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم ربنا ليقوموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون (٣٧) ... إبراهيم هذا دعاء يدعو به إبراهيم ﵊ بعد فراغه من بناء البيت الحرام فقال: (ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم) أي نفذت أمرك يا رب حينما أمرتني بأن أسكن أم ولدي هاجر وابني إسماعيل في هذا الوادي غير ذي الزرع ولولا أمرك إياي ما فعلت ولما أمرتني بذلك علمت أنك ستتولاهم برعايتك وعنايتك فأطعتك وأسكنت أم ولدي وولدي متوكلاً عليك وذلك ليقيموا الصلاة مع ذراريهم التي ستكون في المستقبل منهم بتقديرك ومشيئك. فلا شك أن طاعة أوامر الله تعالى بإسكان هاجر وابنها بهذا الوادي الممحل تحت الشمس المحرقة بلا أكل ولا ماء إنما هو غاية قصوى في التوكل عليه حتى أنه لما وضعها في ذلك المكان وانصرف عنها ... قالت له هاجر أم ولده إلى من تتركنا يا إبراهيم؟ فلم يجبها وظل منصرفاً عنهما حتى قالت له في الثالثة: إلى من تتركنا يا إبراهيم ... آلله أمرك بهذا ... ؟ فالتفت إبراهيم ﵇ إليها وقال: نعم ... قالت: إذاً لا يضيعنا ... وهذا كذلك توكل على الله منها واطمئنان ويقين بأنه سبحانه لا يضيعهما وهو العليم الحكيم الخبير.

стр. 86

إن الطاعة المطلقة والتوكل على الله من إبراهيم بإسكان ذريته بواد غير ذي زرع عند بيته المحرم ومن أجل أن يقيموا لله وحده الصلاة لا شك أنه عمل صالح عظيم منه ﷺ هذه الطاعة وهذا التوكل وبناء البيت العظيم ... جعل كل هذا العمل الصالح وسيلة منه إليه تعالى ثم دعا الله وقال: ( ... فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون). أي بسب ما أطعتك وتوكلت عليك وبنيت بيتك الحرام اللهم فاجعل أفئدة المسلمين تهوي إليهم بالمحبة أي لذريته التي أسكنها بواد غير ذي زرع ثم إلى ذراريهم إلى يوم القيامة وارزقهم من الثمرات ليكون ذلك عوناً على طاعتهم لك. ولما كان توسل إبراهيم إلى الله توسلاً شرعياً ويحبه الله ويرضاه استجاب دعاءه كما قال : (أم لم نمكن لهم حرماً آمنا يجبى إليه ثمرات كل شيء زرقاً من لدنا ٥٧ - القصص وهذا من لطفه وكرمه ورحمته فها إن الثمرات تترى على الحرم وأهله استجابة لدعاء إبراهيم ﵇ وتجبى إليه ثمرات كل شيء من كافة أنحاء المعمورة فاللهم أوزعنا أن نشكر نعمتك ... وهكذا فقد علمت يا أخي المسلم أن التوسل المشروع سبب في استجابة الدعاء لا سيما إذا كان صادراً عن نبي كريم بل من أبي الأنبياء ﵊ فلا شك أن ذلك كان تلقياً من الله تعالى وتعليماً منه لأن كل عمل يعمله النبي إنما هو وحي من الله سبحانه. وكلنا يعلم ... أن الأنبياء هم القدوة الصالحة لمن بعدهم وعندها يذكر الله القصة تلك: في القرآن فهو حض منه تعالى لعباده المؤمنين لأن يتقفوا خطوات الأنبياء في أعمالهم وعباداتهم ولأنهم المثل الأعلى للمؤمنين والأسوة الصالحة والقدوة الحسنة في كل شأن من شؤون دينهم ودنياهم ... فإلى هذه القدوة الصالحة والأسوة الحسنة ندعو المؤمنين ليكونوا حقا كما كانوا ... ويعودوا خير أمة أخرجت للناس. على أن هذه الخيرية على الناس لم تأتهم صدفة ولا اتفاقاً ولا رمية من

стр. 87

غير رام ... إنما كانت هذه الخيرية لما اتخذوا من كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ نوراً يستضيئون بهما في دياجير الشك والجهل فلما آمنوا وتعلموا بدلهم الله بحال خير من حالهم التي كانوا عليها فقد تبدل شكهم بإيمان ويقين وجهلهم بمعرفة وعلم فصاروا هداة للعالمين وصاروا إلى قيادة الدنيا وأهلها في الحق والهدى والخير وتذوق أهل الأرض على أيديهم طعوماً من الطمأنينة في العقيدة والراحة في العبادة والعدل في الأحكام لأنهم يحكمون بما أنزل الله (ومن أحسن من الله حكماً لقوم يوقنون /٥٠/) المائدة.

стр. 88

الدليل الحادي عشر قوله تعالى: قال رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي فغفر له إنه هو الغفور الرحيم (١٦) القصص يحسن بنا من أجل أن نفهم مراد الله من هذه الآية الكريمة أن نستعرض الآية التي قبلها ... لكي نعلم ما هو الذنب الذي ارتكبه موسى ﵊ والذي اعترف لله بأنه ظلم للنفس فطلب المغفرة منه؟ قال في الآية التي سبقتها: (ودخل المدينة على حين غفلة من أهلها فوجد فيها رجلين يقتتلان هذا من شيعته وهذا من عدوه فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه فوكزه موسى فقضى عليه قال هذا من عمل الشيطان إنه عدو مضل مبين /١٥/). فهم من هذه الآية الكريمة أن الذنب الذي فعله موسى صلوات الله وسلامه عليه هو قتل نفساً ما قصد قتلها إنما أراد أن ينتصر للذي من شيعته على الذي من عدوه المعتدي فوكزه والوكز عادة لا يؤدي إلى القتل إنما سبق الأجل

стр. 89

ومات الرجل من أثر وكزة موسى نفهم أنه ﵇ لم يكن في نيته قتل الرجل ... لكنه قتل قضاءاً وقدراً ... وعلى كل فإن القتل صدر عن موسى ﵇ خطأ .. وفي هذا ولا شك ذنب يقتضي الاستغفار لأنه ظلم نفسه بقتل الرجل وإن لم يكن عن قصد ... (قال ربي إني ظلمت نفسي فاغفر لي فغفر له إنه هو الغفور الرحيم). إن اعتراف موسى ﵇ بأنه ظلم نفسه بقتله القبطي ... أجل إن هذا الاعتراف منه عمل صالح أراد أن يتوسل به موسى إلى ربه ليغفر له ذنبه وإن كان فعله له خطأ ... فإنه - على كل - ذنب يستلزم التوبة منه ولما أراد أن تكون التوبة منه مقبولة عند الله ليحصل على المغفرة منه قدم بين يدي توبته ودعائه واستغفاره عملاً صالحاً يصلح أن يكون سبباً شرعياً عند الله لقبوا التوبة وحصول المغفرة فاعترف بذنبه بأنه ظلم نفسه بهذا العمل الذي وقع منه ولو خطأ ... فقدم هذا الاعتراف وسيلة للمغفرة ... فتقبل الله منه ... وكان اعترافه عملاً صالحاً مقبولاً ... وأهلاً عند الله لأن يغفر الله له به (فغفر له) أي قبل توسله ومن قبول الله لتوسله فهم أن الاعتراف بالذنب عمل صالح يصلح لأن يكون وسيلة إليه تعالى وقربى منه وفهم أيضاً أن التوبة عند الله ترجح على الذنب وأن الاعتراف والندم توبة إليه تعالى مقبولة. ونود أن لا نغادر هذا الفصل ... قبل أن نتوقف - ولو قليلاً - عند الآية التي قبلها .. عند قوله تعالى: (فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه .. ) هذه الآية التي يستدل بها بعض الناس ... على جواز الاستغاثة بغير الله ... ولا يحسبن القارئ الكريم أننا شذذنا عن البحث عندما ننتقل من بحث التوسل إلى الاستغاثة فأقول: لالا .. إننا لم نشذ عن البحث إنما نحن في صميمه ويجب علينا معالجته في مناسبته ... أخي القارئ المسلم الحبيب: تذكر أننا عندما نقول لأحد من الذين يجوزون الاستغاثة بغير الله ... يا أخي ... إياك أن تستغيث أو تدع أحداً أمامك ...

стр. 90

يستغيث بغير الله فإن الاستغاثة عبادة ... ولا يجوز صرفها إلا لله تعالى فيقول يا أخي إن هذا لا يستغيث بغير الله ... إنما يتوسل به إلى الله تعالى مع أنه يستغيث فعلاً بغير الله ولكن يريد أن يصرف مفهوم الاستغاثة إلى مفهوم الوسيلة ... تهرباً من المسؤولية التي تلحق به عند استغاثته هر بغير الله ... أو سكوته عن أحد ما ... استغاث أمامه بغير الله تعالى. ولم يعلم أن هذه المغالطة!! إنما يغالط بها ربه الذي يعلم الجهر وما يخفى والسر وأخفى فغلا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء إنه بهذه المحاولة أوالمغالطة يريد أن يدفع عنه الانتقاد والنصح فحسب ... وإلا فإنه يجيز بلا شك ولا ريب الاستغاثة بغير الله تعالى ... ولكنه يريد أن يتهرب من الإدانة فيختبئ وراء الوسيلة ليبرر بزعمه عمله ودليلنا على أنه يجعل الوسيلة تكأة لتبرير استغاثته بغير الله هو استدلاله بقوله تعالى: (فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه) ويقول: أرأيت كيف تجوز الاستغاثة بغير الله ... ؟ فهذا الاسرائيلي استغاث بموسى على القبطي فأغاثه موسى .. ولم ينبهه موسى ﵇ إلى عدم جواز استغاثته به بل كان عليه أن لا يستغيث بموسى عليه إنما يستغيث بالله وحده ... !!! فسكوت موسى عن استغاثة الاسرائيلي ... بل واغاثته فعلاً دليل واضح على جواز الاستغاثة بغير الله ... فأقول: هذه إما مغالطة ثانية أو جهل مطبق من هذا المتفلسف الذي يدافع عن الزندقة والشرك والكفر بلا علم ولا كتاب منير. وأرجح أنه كما يقول العامة من عندنا (غشيم وشيطان) بأن واحد نحن لا يهمنا مهما كانت منزلته الإبليسية أو الغبائية ... فإنه هو الذي سيحمل وزره وأوزار من يضلهم ... إنما المهم في الأمر أن نسعى مخلصين لإظهار الحق له ولغيره ومن نشاء فليؤمن ومن شاء فليكفر. ولا يمنعنا أحد عن الجهر بالحق. لا حجة للجهال الذين يحتجون باستغاثة الإسرائيلي بموسى ﵊ على جواز الاستغاثة بغير الله مع علمهم بأن استغاثة الإسرائيلي بموسى ﵊ هي استغاثة مخلوق بمخلوق في أمر يقدر على تنفيذه المستغاث به.

стр. 91

أي إغاثته من القبطي وقد فعل ... فكيف تحتجون به على جواز استغاثة مخلوق بمخلوق في أمر لا يقدر عليه إلا الله وحده كالمغفرة وجلب الرزق وتفريج الكروب وما إلى ذلك .. ؟ فشتان بين الاستغاثتين!! لأن الأولى استغاثة عادة ... ويمكن أن يفعلها أي إنسان لأن ذلك مقدوره وفي حدود طاقته ... أما الثانية أي الاستغاثة فيما لا يقدر عليه أحد إلا الله تعالى فهي استغاثة عباده. فمن صرفها لغير الله تعالى فقد وجه عبادة لغيره ... وهذا والعياذ بالله .. هو الشرك الأكبر. فإذا فهم هذا .. وضح الفارق بين الاستغاثتين ولا قياس مع الفارق كما هو معلوم والله الموفق للصواب. أرأيت يا أخي كيف يخلطون - خبثاً أو غباء - بين الاستغاثتين لينصروا الباطل على الحق ... ؟ تراهم يفسرون الاستغاثة بالوسيلة ... ولا وجه في المشابهة بينهما قطعاً، وليست الاستغاثة هي الوسيلة أبداً لأن لكل معنى مستقلاً دون الآخر فالاستغاثة يتم حصولها بوجود شيئين فقط وهما: المستغيث والمستغاث به أما الوسيلة فلا تتم إلا في وجود ثلاثة أشياء: المتوسل والمتوسل به والمتوسل إليه فكيف يمكن أن نقول الاستغاثة هي الوسيلة .. ؟!! وقد علمنا الفارق بينهما .. ؟ ولكن برغم كل ذلك .. فلا يزال الخصوم - هداهم الله يتمسكون بهذا التفسير المغلوط برغم وضوح الفارق بينهما!!! فإن كنت لا تدري فتلك مصيبة ... وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم ج نستميح عذراً من القارئ المسلم العزيز لا ستطرادنا بالبحث ... وسيعذرنا القارئ ولا شك .. ما دمنا نحاول أن نبين واقعاً مؤلماً يعيشه قسم لا يستهان به المسلمين وأمراً باطلاً يتمسك به المغرضون .. !!؟ برغم بيان الحجة ووضوح المحجة وسطوع الحق متلألئاً كالشمس ولكن الغرض مرض والعياذ بالله تعالى. ندعوه تعالى أن يقينا وإياهم والمسلمين عامة من شره ويجنبنا الفتن ما ظهر منها وما بطن ...

стр. 92

الدليل الثاني عشر قوله تعالى: قالا ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين (٢٣) الأعراف هذه كلمات طيبة في آية كريمة طيبة هي الكلمات التي تلقاهن آدم من ربه والتوسلات التي لقنهن الله آدم لتكون سبباً في التوبة عليه وعلى زوجه قال الله تعالى: (فتلقى آدم كلمات من ربه فتاب عليه إنه هو التواب الرحيم). ... (٣٧) البقرة روى مجاهد وسعيد بن خبير وأبو العالية والربيع بن أنس والحسن وقتادة ومحمد بن كعب القرظي وخالدان بن معدان وعطاء الخرساني وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم: أن الكلمات التي تلقاها آدم من ربه فتاب عليه هي: (قالا ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين) أي أن هذه الآية إنما هي الكلمات التي تلقاها آدم من ربه أي هو الذي أملاها عليه وأمره أن يدعو بها هو وزوجه حواء فكانت توسلاً منهما إليه تعالى قدر بسببها التوبة عليهما والمغفرة. وإن التوسل الظاهر في هذه الآية هو: الاعتراف بالذنب والخطيئة ... ولا شك أن الاعتراف بالذنب عمل صالح جليل وأقرأ بأنهما ظلما أنفسهما والإقرار بالذنب وظلم النفس كذلك عمل صالح جليل وندما على ما فرطا من العمل الذي كان سبباً في حرمانهما الجنة ... والندم ولا شك توبة وما دام الله هو الذي علم آدم هذه الكلمات وتلقاها منه ... دل ذلك على أن هذا التوسل هو التوسل المشروع وهو المتلقى عن الرب جل وعلا وهو الذي قدر أن يكون سبباً في للتوبة والمغفرة ومما لا شك فيه ... أن هذا ليس خاصاً بآدم فقط

стр. 93

إنما هو باق في عقبه ونسله المؤمنين إلى يوم القيامة. ولم يذكره الله تعالى في القرآن إلا ليحث المؤمنين أن يتوسلوا إليه بالعمل الصالح والقرآن والسنة مليتان ولا شك بالأدلة والأمثلة على ذلك. إذاً فآدم ﵇ لم يتب الله عليه ... قبل أن توسل إليه تعالى بعمله الصالح من اعترافه وإقراره بالذنب والخطيئة وطلب المغفرة من الله (فتاب عليه إنه هو التواب الرحيم) أي تاب عليه وعلى زوجه أي أنه يتوب على من تاب وإليه وأناب وهذا من رحمته بعبيده. وعن ابن عباس ﵄: قال آدم ﵇: ألم تخلقني بيدك؟ قيل له بلى. ونفخت في من روحك؟ قيل له: بلى. وكتبت علي أن أعمل هذا .. ؟ قيل له: بلى. قال أفرأيت إن تبت هل أنت راجعي إلى الجنة؟ قال: نعم. وكذا رواه العوفي وسعيد بن جبير وسعيد بن معبد ورواه الحاكم في مستدركه إلى ابن عباس. هذا ما أخبرنا الله في كتابه من توسل آدم وزوجته باعترافهما بذنبيهما وطلبهما المغفرة على الشكل الذي أمرهما الله به فكان هذا التوسل سبباً في حصول التوبة والمغفرة واستجابة الدعاء. أما ما يقوله ((المغرضون ... )) من أنه توسل وقتئذ بالرسول الأعظم محمد صلوات الله وسلامه عليه فهذا مما لم يثبت به دليل من قرآن أو سنة صحيحة بل اعتمد القائلون ذلك على أحاديث لا أساس لها من الصحة وهي موضوعة مكذوبة وأعلى ما فيها درجة الحديث الشديد الضعف (١). وإننا نتساءل: ما هو السر في استناد القائلين بجواز التوسل إلى الله بمخلوقاته، إلى أحاديث مكذوبة وموضوعة والشديدة الضعف وإلى آراء من سبقهم في نحلتهم تلك ... بينما نرى السلفيين لا يستندون في أقوالهم إلا على أحاديث صحيحة ومتفق عليها بين المحدثين؟ والغريب جداً أن الذين نصبوا أنفسهم خصوماً لدعوة السلف يعترفون بأن حجج خصومهم على

стр. 94

جانب عظيم من الصحة ويشهد لها القرآن وكتب الحديث المعتمدة وفي الوقت ذاته لا يتبعونها بل يردونها ويناصبون الداعين لها شديد العداء ويعملون بخلافها وهم يعلمون أنهم لا يستندون إلا إلى الأحاديث المكذوبة والموضوعة والشديدة الضعف فلماذا هذا الموقف من دعوة الحق وأهلها .. وهم يعلمون ... !!!؟ هذا سؤال ندع الجواب عليه إلى القارئ المسلم الكريم .. [اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه وحببنا فيه. وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه وكرهنا فيه].

стр. 95

الدليل الثالث عشر قوله تعالى: وقال موسى يا قوم إن كنتم ءامنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين (٨٤) فقالوا على الله توكلنا ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين (٨٥) ونجنا برحمتك من القوم الكافرين (٨٦) يونس التوكل على الله عبادة عظيمة له سبحانه والتوكل عليه يجب أن يكون في كل شيء ومن توكل عليه تعالى حق التوكل لا يخيب في أي مسعى يسعاه في دنياه وآخرته ... ولكن يجب أن يكون مرافقاً للعمل والأخذ بالأسباب فإن من يتكل على الله في دخول الجنة ولا يعمل لها عقيدة وعبادة وعملاً فلن يدخلها! وكذلك في كل شأن من شؤون الدنيا والآخرة فيجب لكل عمله على أن لا نعتقد أن أعمالنا هي التي تفضي إلينا بالنجاح وحدها بل بتوفيق الله تعالى ورحمته.

стр. 96

فمثلاً أنا لا أربح بتجارتي ولا أوفق بزراعتي ولا أفوز في أي ربح بمجرد خبرتي وعلمي فحسب ... بل يجب أن يكون هذا موفوراً بتمامه وأتوكل على الله في الفوز بما أتمناه ولهذا: قال رسول الله ﷺ [((لا يدخل أحدكم الجنة بعمله)) قالوا ولا أنت يا رسول الله. قال: ((ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته))] فلا يصبح العمل بلا توكل على الله كما لا يصح التوكل بلا عمل فعندها يكون تواكلا لا توكلاً ويتمنى صاحبه على الله الأماني دون أن يأخذ بأسباب نيل الأماني ... قدمنا هذه الكلمة بين يدي البحث لنعلم نوعية التوكل الذي يرضاه الله فهو سبحانه يحب التوكل لا التواكل وهذا ما أمر به أنبياءه أن يبلغوه عباده .. ولم يحض نبياً به ويستثنى آخراً منه بل أوصاهم جميعاً بالتوكل عليه. وهذا موسى ﵊ يخبرنا الله عنه: (وقال موسى لقومه يا قوم إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين) أي إن كنتم آمنتم بالله حقاً في جميع صفاته وأسمائه فيلزمكم هذا الإيمان أن تتوكلوا عليه سبحانه في كل أموركم لأن تمام صفات المؤمن المسلم أن يتوكل عليه وهو الذي يعلم ما كان وما يكون وما هو كائن منه إلى يوم القيامة فخليق بهذا الإله العظيم الذي له هذه الصفات الكاملة التامة أن تسلم أمورك إليه مع مراعاة ما أمرك به من العمل وقول موسى ﵊: (إن كنتم مسلمين) أي إن اتخذتم الإسلام ديناً ومبدأ يجب إلزاماً أن تظهر آثار إسلامكم عليكم فتسلموا أموركم إليه وتتوكلوا عليه وتطمئنوا إلى نتيجة ما يقدره الله عليكم وترضوا بذلك ظاهراً وباطناً وهذا التسليم هو أحد معاني الإسلام. فما كان من قومه المؤمنين إلا أن استجابوا: (فقالوا على الله توكلنا) فنالوا بقولهم أجرين على عملين صالحين الأجر الأول: طاعتهم لأمر نبيهم بالتوكل على الله وهذه الطاعة لنبيهم عمل صالح ولا شك والأجر الثاني: توكلهم بالفعل عليه تعالى أي تنفيذ عملية التوكل على الله ولا شك أن التوكل عليه سبحانه عبادة مباشرة لله تعالى وأنه جل وعلا أهل لذلك فرفعوا هذين العملين إلى

стр. 97

الله تعالى وسيلة بين يدي دعائهم إليه فلم يدعوا إلا أن قالوا (على الله توكلنا) مستحضرين المعنيين السابقين ودعوا: (ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين) أي لا تنصرهم علينا فيظنوا أنهم إنما نصروا لأنهم على الحق ونحن على الباطل فيفتنوا بذلك ... ويفتن المؤمنون بدينهم. فانظر يا أخي المسلم أن مؤمني قوم موسى توسلوا - بأمر نبيهم عن أمر الله - بأعمالهم الصالحة التي هي طاعتهم لنبيهم وتوكلهم على ربهم وجعلوها قربات إليه بين يدي دعائهم ثم دعوا الله ألا يجعلهم فتنة لعدوهم ولا فتنة لأنفسهم ... هكذا علمهم نبيهم ورسوله عبد الله موسى ﵊ الذي ما ينطق عن الهوى ... فإنه هو وسائر الأنبياء والرسل عليهم أفضل الصلاة وأتم التسليم وأذكى التحية إنما يوحى إليهم ... فلا يقولون شيئاً استقلالاً من عند أنفسهم بل إنما هو الوحي الإلهي ... يتنزل عليهم منه وتبارك وتقدس. فمن هذا ... نعلم أن موسى ﵊ لما قال لهم: ( ... إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين) ما قاله من عند نفسه، إنما بوحي وأمر وتعليم من الله تعالى. إن قوم موسى ﵊ استجابوا لأمر نبيهم فتوكلوا على الله سبحانه ودعوا متوسلين إليه تعالى باستجابة أمر نبيهم وطاعتهم له وبتوكلهم الفعلي على ربهم ﵎ أن ينصرهم على عدوهم ولا ينصر عدوهم عليهم. فما ظنك يا أخي المسلم ... ما ظنك بالله تعالى .. ؟ أتراه سبحانه يستجيب دعاءهم وينصرهم على أعدائهم ... ؟ أم أنه لا يفعل ... !!! لا بل أنه سيفعل ويستجيب ... وإنه قد استجاب ... إنه هو السميع المجيب. نعم نعم ... إنه قد استجاب دعاءهم ... ونصرهم على عدوهم نصراً عزيزاً مؤزراً وحسبهم من هذا النصر المحجل المبين ... أنه لم ينجهم من فرعون وأسره وإذلاله ومن اضطهاده لهم فحسب ... بل أغرق لهم عدوهم فرعون

стр. 98

بقضه وقضيضه وتاجه وصولجانه ... وكامل عدده وعدته وعدده العديد ... !!! وأعينهم تنظر ذلك ... وتشتفي صدورهم بل وكل ذرة من ذرات وجودهم بذلك المصير الذليل والخاتمة المقهورة ... مصير فرعون الظالم المسرف وخاتمة ذلك المتغطرس المتأله ... !!! وهو يغرق بكامل جيشه. فقد أذله الله وقهره وأورث الله موسى وقومه الأرض من بعده يتبوؤنها بما فيها من مخلفات وخيرات وجنات وعيون .. (فأخرجناهم من جنات وعيون (٥٧) وكنوز ومقام كريم (٥٨) كذلك وأوثناها بني إسرائيل (٥٩) الشعراء) وما ذلك إلا بفضل الله ومنته وكرمه ورحمته. أرأيت يا أخي المسلم الحبيب كيف ينصر الله عباده المؤمنين ويستجيب دعاءهم لما توكلوا عليه ثم رفعوا توكلهم على ربهم وطاعتهم لرسوله وسيلة إليه ﵎ لا ستجابة دعائهم ... ؟ هذه أمثلة حية رائعة ناطقة بالحق والصدق يسوقها الله تعالى في قرآنه خاتم الكتب لا للمرور بها مر الكرام دونما عظة أو اعتبار بل للتأسي بمن كانوا قبلنا بأعمالهم الصالحة وتوسلاتهم بها إليه تعالى. فهيا أيها الأخوة المؤمنون هيا يا أهل القرآن نلتزم بما التزم به المؤمنون من قبلنا ... وهيا للعمل الصالح المرضي المقبول ... نعمله مطمئنين ونرفعه إلى الله متوسلين به إليه واثقين بالإجابة. اللهم اجعلنا بفضلك ومنك وكرمك ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه إنك يا مولانا سميع قريب مجيب الدعاء والحمد رب العالمين.

стр. 99

الدليل الرابع عشر قوله تعالى: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ إذا جاء نصر الله والفتح (١) ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجاً (٢) فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان تواباً (٣) ... النصر روى البخاري عن ابن عباس: [كان عمر يدخلني مع أشياخ بدر فكأن بعضهم وجد في نفسه فقال: لم يدخل هذا معنا ولنا أبناء مثله؟ فقال عمر: إنه ممن قد علتم ... فدعاني ذات يوم فأدخلني معهم فما رأيت أنه قد دعاني يومئذ عليه إلا ليريهم ... فقال: ما تقولون في قول الله : (إذا جاء نصر الله والفتح) ... ؟ فقال بعضهم: أمرنا أن نحمد الله ونستغفره إذا نصرنا وفتح علينا وسكت بعضهم ولم يقل شيئاً فقال لي: أكذلك تقول يا ابن عباس؟ فقلت: لا ... فقال: ما تقول؟ فقلت: هو أجل رسول الله ﷺ أعلمه له قال: (إذا جاء نصر الله والفتح) فذلك علامة أجلك ... (فسبح بحمد وبك واستغفره إنه كان تواباً) فقال عمر بن الخطاب: لا أعلم منها إلا ما تقول] تفرد به البخاري. روى الإمام أحمد عن ابن عباس، قال: [لما نزلت: (إذا جاء نصر الله والفتح) قال رسول الله ﷺ ((نعيت إلى نفسي)) فإنه مقبوض في تلك السنة].

стр. 100

على أن المعنى الذي فسره أهل بدر في مجلس عمر بن الخطاب ﵃ أجمعين كما تقدم ... هو معنى مليح صحيح وقد ثبت له شاهد من صلاة النبي ﷺ يوم فتح مكة وقت الضحى ثماني ركعات فقال قائلون: هي صلاة الضحى. وأجيبوا: بأنه لم يكن يواظب عليها في الحضر فكيف صلاها ذلك اليوم وقد كان مسافراً ... ؟ ولم ينو الإقامة في مكة؟! ولهذا أقام فيها قريباً من تسعة عشر يوماً يقصر الصلاة ويفطر هو وجميع الجيش والصحيح أنها صلاة الفتح. قدمنا بين يدي فهمنا لمراد الله تعالى من هذه السورة الكريمة لتسهيل فهو الشاهد منها تفسيراً مختصراً يعيننا على توضيح ما نود توضيحه من الاستشهاد بهذه السورة الكريمة على التوسل بالأعمال الصالحة من التسبيح والتحميد والاستغفار استدراراً لمغفرته فإنه هو الغفور الرحيم والتواب الكريم لا إله غيره ولا رب سواه. كانت هذه السورة المباركة آخر سورة نزلت من القرآن الكريم وهي كما قال ابن عباس ووافقه عمر .. نعي لنفس رسول الله ﷺ فقد قرب أجله صلوات الله عليه وسلامه وأوشك أن يلتحق بالرفيق الأعلى لانتهاء مهمته في الدنيا فيهأه الله للقدوم عليه ... فالآخرة خير له من الدنيا ولسوف يعطيه ربه فيرضى لذا أمره تعالى أن يجعل خواتيم عمله مع فرائضه التي افترضها الله عليه التسبيح والتحميد والاستغفار استدراراً للتوبة والمغفرة وإن كان ﷺ مغفوراً له سلفاً ولكن ليبقى دائماً عبداً شكوراً وفي هذا ولا شك تعليم لأمته أن تصنع مثلما يصنع ... فالمغفور له من ذنبه ما تقدم وما تأخر مكلف أن يسبح ويحمد ويستغفر ... فما أحرانا نحن بذلك. ومن يمعن النظر في هذا الأمر من طلب التحميد والتكبير والاستغفار ير إن الله ما يطلب منا ذلك إلا توسلاً بها أي بالتحميد والتسبيح والاستغفار إليه تعالى لتكون سبباً لتوبة الله على المستغفرين فلولا أن يعلموا أن الله أهل للتحميد والتسبيح والاستغفار ما فعلوا ذلك فعلمهم به دفعهم إليه فقد علموا أن الله أهل لكل ذلك،

стр. 101

وفوق ذلك فله الحمد في الأولى والآخرة وهو المستحق وحده لهذه العبادة ... فإن هذا التحميد والتسبيح والاستغفار أراده الله وسيلة يتوسل بها عبده ورسوله محمد ﷺ ومن ورائه أمته لتكون سبباً مشروعاً لمغفرة الله تعالى وتوبته على عباده المؤمنين فليكثروا من ذلك فإنه عمل يحبه ويرضاه ويجب أن يرفع إليه دائماً ... وما ذلك إلا ليجزينا سبحانه بأحسن ما كنا نعمل ... تفضلاً منه وامتناناً وكرماً إنه الكريم المنان ذو الفضل والمنة والنعمة. فهيا أيها الأخوان المؤمنون المسلمون: سراعاً إلى مثل هذا العمل الصالح نعمله ونرفعه إليه تعالى متوسلين به إليه ﷻ ليغفر لنا ويتوب علينا ويرحمنا ويعيد إلينا عزتنا وترجع إلينا دولتنا فنحكم بكتابه وبسنة سيد خلقة وأحبابه ونعود إلى ما كنا عليه هداة مهديين خير دعاة إليه في العالمين وصلى الله على محمد وآله وصحبه ومن والاه وتبع هداه إلى ما شاء الله. لقد وضح بلا شك ... مما جاء في الصفات المتقدمة من هذا الفصل: ((توسل المؤمن إلى الله بأعماله الصالحة وأدلته من القرآن الكريم)) أن في القرآن الكريم حثا من الله تعالى لعباده على أن يتوسلوا إليه بالأعمال الصالحة التي عملوها لوجهه تعالى خالصة له لتكون سبباً لاستجابة الدعاء وبلوغ المطلوب ولو أردنا أن نستشهد بكل ما جاء في القرآن الكريم من الآيات لضاق به هذا المؤلف ولكننا أثبتنا طائفة منها كشاهد على صحة ما تذهب إليه. ولما كانت السنة الصحيحة مفسرة للقرآن فقد ورد فيها: أحاديث في الحض على التوسل إلى الله تعالى بالأعمال الصالحة التي فعلها المؤمن ... ولو أنعمنا النظر لرأينا الحض على التوسل بالأعمال الصالحة إليه ... إنما هو في الحقيقة حض على فعل الأعمال الصالحة نفسها إذ هل يمكن أن تتوسل إلى الله تعالى بأعمالك الصالحة إذا لم يكن لك عمل صالح مهما كان صغيراً؟ الجواب: كلا

стр. 102

لا يمكن إذاً فالمراد م الحض والحث على التوسل بالعمل الصالح إنما هو في الحقيقة كما قلنا آنفاً ... حض وحث على العمل الصالح نفسه حتى ترفعه إلى الله تعالى وسيلة إليه يحفها منه تعالى الرضا والقبول فهيا للعمل الصالح وهيا للتوسل به إليه تعالى .. وما دام المقصود وجهه سبحانه فالعمل الصالح عبادة له تعالى والتوسل به إلى الله تعالى عبادة له أيضاً تقربنا إليه سبحانه وتدنينا من رحاب مغفرته ﷻ ولا إله غيره ولا رب سواه.

стр. 103

٣ - توسل المؤمن إلى الله تعالى بأعماله الصالحة

стр. 104

توسل المؤمن إلى الله تعالى بأعماله الصالحة وأدلته من السنة الصحيحة في السنة المطهرة ... أمثلة رائعة لا تحصى ... في الحض على التوسل إلى تعالى بالأعمال الصالحة لا تكفي لا ستيعابها هذه الصفحات المعدودة ولا تتسع لها هذه الورقات المحدودة ... إنما المقصود إيراد الأمثلة والأدلة ليحصل الاقتناع ونحظى بالطمأنينة. وسأحاول أن أضع بين يديك يا أخي المسلم الكريم باقة زكية من حقلها الكبير الفواح وعساني أوفق إلى تقريبها إليك وإدنائها منك لتقطف أنت وبيدك جناها العبق فتنتعش النفس بأريجها العطر ويشعر القلب بالسكينة وينبض باليقين من شذى ريحها الطيب ولن تصبر على الانفراد بالاستمتاع بها وحدك ... فستدنيها من غيرك ليتنسم عرفها أيضاً فيشعر بما شعرت به قبله ... إذ ليس التمتع بلذة فحسب ... إنما يكون تمتعاً أشهى وألذ ... عندما ترى غيرك يشاركك هذه اللذة الغامرة، ويوافقك صادقاً على ما حكمت عليه من الحكم السليم ... بصلاحيته وأحقيته ... وبخاصة .. إذا كان هذا التصديق والموافقة ... بتأثير منك. ولولا هذا ... ما انتشر العلم ولا عمت المعرفة ... ولحبس العالم علمه في صدره ومات العلم بموت العلماء ولكنها حكمة الله العلي القدير الذي جعل

стр. 105

في عمل الخير لذة ... وفي إذاعته ونشره لذائذ ... لا يشعر بها إلا من عاناها وكابدها بعظيم أثرها ووافر بهجتها في الروح والبدن. اللهم فلك الحمد كله على ما وهبت وأنعمت إنك أنت الحكيم العليم. جل جلالك وعز سلطانك وتبارك اسمك اللهم علمني العلم الذي لا جهل معه وسلكني بفضلك صراطك المستقيم صراط الذي أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين. والسنة - كما لا يخفى - لها قوة الاستدلال كما للقرآن ... إذ السنة شرع والقرآن شرع فكما أن القرآن وحي من عند الله فكذلك السنة وحي منه تعالى إذ كان جبريل ﵇ ينزل على النبي ﷺ بالسنة كما ينزل عليه بالقرآن يعلمه إياها كما يعلمه القرآن ومصداق ذلك قوله صلوات الله وسلامه عليه: [والذي نفسي بيده بعثت بالقرآن ومثله معه] أي السنة ولا شك أن الرسول ﷺ : (ما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى) ٣ - النجم. وهكذا فقد ثبت لديك يا أخي ... أن القرآن والسنة يستويان في الاستدلال وما أجمل عبارة ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه: ((إعلام الموقعين)) ج١ص/٣٩ في تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم) ٥٩ - النساء قال رحمه الله تعالى: (((يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم) فأمر تعالى بطاعته وطاعة رسوله وأعاد الفعل - أي قوله (وأطيعوا الرسول) إعلاماً بأن طاعة الرسول تجب استقلالاً من غير عرض ما أمر به على الكتاب بل إذا أمر وجبت طاعته مطلقاً سواء كان ما أمر به في الكتاب أولم يكن فيه ... فإنه ﷺ أوتي الكتاب ومثله معه ... ولم يأمر بطاعة أولي الأمر استقلالاً بل حذف الفعل - أي وأطيعوا .. - ولم يقل وأطيعوا أولي لأمر منكم - وجعل طاعتهم في ضمن طاعة الرسول إيذاناً بأنهم يطاعون تبعاً لطاعة الرسول فمن أمر منهم بطاعة رسول الله وجبت طاعته ومن بخلاف ما جاء به الرسول فلا سمع ولا طاعة كما صح عنه ﷺ أنه قال: [لا طاعة لمخلوق

стр. 106

في معصية الخالق] وقال: [إنما الطاعة في المعروف] اهـ. آن لي أيها الأخ الحبيب في الله أن أضع بين يديك .. ما انتقيته لك من الأحاديث الدالة على شرعية التوسل بالأعمال الصالحة، والحض عليه من الرسول صلوات الله عليه وسلامه لا سيما ... إذا كان مما توسل به هو لنفسه - بأبي هو وأمي - أو مما علمه ﵊ لأمته فأحر بنا نحن المسلمين من بعده ... أن نقتدي بفعله ونمتثل أمره وهديه فنتوسل كما كان يتوسل وندعوا كما كان يدعو ونطبق تماماً ما كان يأمرنا به من الحق والخير والهدى. الدليل الأول فعن عبد الله بن عمرو بن العاص عن أبي بكر الصديق ﵁ أنه قال لرسوله ﷺ [علمني دعاء ادعو به في صلاتي. قال: ((قل: اللهم إني ظلمت نفسي كثيراً ولا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم))] أخرجه الإمام أحمد بن حنبل والبخاري ومسلم والترمذي. لا شك أن العلم بالذنب انه ذنب مدعاة للتذكر بأن الله أعد للمذنبين عذاباً أليماً ومن عرض نفسه للعذاب الأليم يكون قد ظلمها ظلماً كثيراً باقترافه الذنوب. فعلم ذلك ... والمعرفة به يولد في النفس شيئين: ١ - الإقلاع عن الذنب، وعدم العودة إليه. ٢ - الإسراع إلى التوبة إلى الله واستغفاره تعالى من الذنب. ومن أجل أن ترفع التوبة إليه تعالى لا بد قبل هذا ... أن تعترف بالذنب الذي اقترفته بأنه ذنب يقتضي التوبة إذ لولا الاعتراف بالذنب أنه وقع منك لا تسرع إلى التوبة والاستغفار وإذا كنت تظن أن هذا الذي وقع منك ليس ذنباً ... بل قربة!!! فلا تفكر بالتوبة ولا بالاستغفار حتى ولا بالإقلاع عنه ... !! وهذا ما لفت رسول الله ﷺ نظر أبي بكر إليه وهو الاعتراف باقتراف الذنب

стр. 107

وظلم النفس فقال له: [قل: اللهم إني ظلمت نفسي ظلماً كثيراً .. ] وهذا تعليم منه ﷺ لأبي بكر ومن وراء أبي بكر يعلم الأمة جميعاً بالاعتراف لله تعالى فيكون حتماً ندماً ... والندم توبة ولا شك. فالاعتراف بالذنب عمل صالح أيضاً ... والتوبة إلى الله من الذنب عمل صالح كذلك. فقوله ﷺ : [قل اللهم إني ظلمت نفسي ظلماً كثيراً ... ] تضمن كل هذه المعاني التي تنم عن تلك الأعمال الصالحة. وقوله: [ولا يغفر الذنوب إلا أنت] هو معرفة واعتراف أيضاً بأنه لا يوجد في الأرض ولا في السماء ولا فيما بينهما أحد يغفر الذنوب إلا الله وهذا فيه توسلان: توسل باعترافه ومعرفته اللذين هما عمل صالح ثم علمه بأنه هو وحده غافر الذنب وقابل التوب هو توسل باسمه تعالى الغفار. ولولا علمه أنه غافر الذنب وحده لا شريك له وقابل التوب وحده لا شريك له لما استغفر ولا تاب إليه فاستغفاره والتوبة إليه علم منه بأنه وحده يطلب منه ذلك لأنه وحده القادر على ذلك وهذا الإيمان والعلم كذلك عمل صالح. أرأيت يا أخي كم تجمع في قوله: [اللهم إني ظلمت نفسي ظلماً كثيراً ولا يغفر الذنوب إلا أنت ... ] من أعمال صالحة وتوحيد باسمه التواب والغفار .. ؟ فبعد أن قدم دعائه كل هذه التوسلات بالأسماء والصفات والأعمال الصالحة شرع رسول الله ﷺ يعلمه بعد ذلك الدعاء: [ ... فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم] قف يا أخي قليلاً عند هذه ((الفاء)) من قوله: ((فاغفر لي)) وأمعن النظر جيداً ... واستوضح ما فيها من معان ... تر ... إن هذه الفاء وحدها حملت كل المعاني التي تقدمت من التوسلات بالأعمال الصالحة وبالأسماء والصفات أي: فيما قدمت من اعترافي بذنوبي ومعرفتي وعلمي بها وندمي على ما فرطت وبتوبتي إليك وباستغفارك وبأنك أنت الغفار التواب ... اغفر لي بمغفرة من عندك وحدك لا شريك لك، وارحمني برحمتك التي وسعت كل شيء فإنك وحدك أنت الغفور وأنت الرحيم ولا يغفر ولا يرحم إلا

стр. 108

أنت ... ثم عاد مختتماً دعائه بتمجيده وتعظيمه بأنه وحده هو الغفور الرحيم. هكذا يعلم رسول الله ﷺ أبا بكر ومن ورائه الأمة كيف يتوسلون إلى الله بأعمالهم الصالحة حتى يغفر ذنوبهم ويرحمهم برحمته الواسعة هذا مراد رسول الله ﷺ من تعليم أمته كيف تدعو ربها وكيف تتوسل إليه جل وعلا في الملمات والشدائد لتعلم علم اليقين بأنه لا ينقذها ولا يفرج كرباتها ولا يغفر ذنوبها وزلاتها إلا هو وحده لا شريك له. هذه حقيقة مسلم بها بل هي أولى الحقائق ... فلا يعذر بالجهل بها أي مسلم ويجب أن تكون من بدهيات معلوماته الدينية ... وإلا فلا يكون إلا مسلماً تقليدياً ... لا يثبت على أمر من أمور دينه الذي هو عصمة أمره والجهل ما كان في يوم من الأيام عذراً مقبولاً عند الله تعالى لأن الجهل في العقيدة يؤدي إلى الكفر وصاحبه لا يدري إلى أين يقوده جهله. فليهرع المسلمون إذن ... إليه تعالى في كل ما يلم بهم من ملمات فلا يدعوا في الشدائد إلا الله تعالى ولا يتوكلوا إلا عليه ولا يستعينوا إلا به ولا يستغيثوا بأحد غيره ولا يصرفوا أية عبادة من سائر أنواع العبادات إلا له ﷻ وتقدست أسماؤه لأنه ﵎ هو مستحقها وحده لا شريك له ولا يتوسلوا إليه سبحانه إلا بما علمهم في كتابه وفي سنة رسوله ﷺ وبما حضهم عليه من التوسلات التي شرعها وبلغنا إياها عبده ورسوله وخيرته من خلقه وصفوته من عباده أبو القاسم محمد صلوات الله وسلامه عليه وتحياته ورحمت وبركاته فإذا أردنا أن ندعوا الله تعالى فلا نتوسل إلا بها ... لتكون من الأسباب المقبولة لاستجابة الدعاء إليه وبلوغ ما نتمنى منه ... من توفيق في الدنيا والآخرة ونصر على الأعداء مع ضرورة الأخذ بالأسباب التي شرعها الله وبالعمل المأمورين به ... بعد التوكل عليه تعالى في كل ما نفكر وما نعمل (وعلى الله فليتوكل المؤمنون).

стр. 109

الدليل الثاني قوله ﷺ فيما رواه عنه البراء بن عازب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : [يا فلان: إذا أويت إلى فراشك فقل: اللهم أسلمت نفسي إليك ووجهت وجهي إليك وفوضت أمري إليك وألجأت ظهري إليك رغبة ورهبة إليك لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك آمنت بكتابك الذي أنزلت وبنبيك الذي أرسلت فإن مت من ليلتك مت على الفطرة وإن أصبحت أصبت خيراً] أخرجه الإمام أحمد والبخاري ومسلم والترمذي. فقوله ﷺ : [يا فلان: إذا أويت إلى فراشك فقل: اللهم أسلمت نفسي إليك .. ] أي إني أسلمتك روحي التي بين جنبي وأغمض عيني وكلي بين يديك واستودعك نفسي وأنت خير مستودع فأرحمها برحمتك يا أرحم الراحمين [وجهت وجهي إليك ... ] أي وليت وجهي قبلك مسلماً أمري إليك فأنت ربي ورب العالمين [وفوضت أمري إليك] أي تبرأت من حولي وقوتي وتدبيري وأمري كله بين يديك فأنت أرحم بي مني وأعلم فأقدر لي الخير كله إنك على كل شيء قدير [وألجأت ظهري إليك] أي وإنني عذت بك أن ينالني عدوي من خلفي فإنني الجأت ظهري إليك وإلى قوتك واحتميت بك ظاهراً وباطناً وما تسليمي نفسي إليك وتوجيه وجهي

стр. 110

إليك وتفويض أمري إليك، وإسناد ظهري إليك إلا رغبة في ثوابك ورهبة من عقابك. [ولا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك] أي أنني مؤمن بأنك أنت المقدم وأنت المؤخر وأنت المعطي وأنت المانع وأنت المهيمن وأنت الرحمن الرحيم وأنت اللطيف الخبير وأنت العفو الغفور فلا ملجأ منك إلا إليك ولا منجى منك إلا إليك ولا فرار منك إلا إليك فأنت شديد العقاب والغفور الرحيم لا إله غيرك ولا رب سواك. [آمنت بكتابك الذي أنزلت] أي أنني آمنت وصدقت بما أنزلت على عبدك ورسولك محمد من الكتاب المبين والحب المتين والصراط المستقيم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد آمنت بحلاله وحرامه وبكل ما جاء فيه جملة وتفصيلاً وأنني عامل بما آمنت به صادع بالحق الذي آليت على نفسي أن أصدع به وأنشره ما استطعت إلى ذلك سبيلاً وأصبر على كل أذية تلحقني من أجل ذلك مبتغياً في كلا ما أعمل وجهك يا ذا الجلال والإكرام وأرجو منك لا من أحد سواك الثواب وأخشى منك لا من أحد غيرك أن ينزل بي أي عقاب أنت المعبود بحق السموات والأرض وحدك لا شريك لك. [وبنيك الذي أرسلت] أي آمنت وصدقت أيضاً بعبدك ورسولك محمد خير خلقك وصفوتك من عبادك آمنت بنبوته ورسالته وأنك أنت الذي أرسلته رحمة للعالمين أشهد أن طاعته من طاعتك ومحبته من محبتك وهداه من هداك ولا أتبع أحداً إلا على نور شريعته ولا أقبل حكماً إلا على هدي سنته وضياء محجته التي لا يزيغ عنها إلا هالك إنه تبيي ورسولي وقرة عيني وحبيبي أشرف الخلق وأفضل العباد عبدك ورسولك محمد اللهم أحيني على سنته وأمتني على شريعته واحشرني على ملته واسقني من حوضه تحت لوائه وتحت ظلك يوم لا ظل إلا ظلك يا رب العالمين. هذه هي معاني بل مختصر هذا الحديث الجليل هذه المعاني السامية الهادية ... يود ويرغب إليك يا أخي المسلم نبيك ورسولك وحبيبك وقرة عينك محمد أن تدعو الله تعالى بها عندما تأوي إلى فراشك وتسلم نفسك إلى
следующие страницы →