ـ[الحجج الباهرة في إفحام الطائفة الكافرة الفاجرة]ـ
المؤلف: جلال الدين محمد بن أسعد الدواني الصديقي المتوفى ٩٢٨ هـ
تحقيق ودراسة: د. عبد الله حاج علي منيب
الناشر: مكتبة الإمام البخاري
الطبعة: الأولى، ١٤٢٠ هـ - ٢٠٠٠ م
عدد الأجزاء: ١
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
стр. 2
- بسم الله الرحمن الرحيم -
الحمد لله محكم أحكام الجمهور بمذاهب السنة، رافض حكم بدعة الرفض بأحكام الكتاب والسنة. والصلوات الطيبات على نبيه محمد أشرف المخلوقات من البشر والملك والجن، فصلى الله عليه وعلى آله وأصحابه مصابيح أهل الجنة في الجنة.
أما بعد، فإنه لم ظهر دين الإسلام على الأديان كلها تحقيقا لما وعده الله تعالى بقوله سبحانه: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ وقوله تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آَيَاتِنَا فِي الْآَفَاقِ﴾ ونحو ذلك، امتدت إليه الأبصار فأصابته عيون الحساد.
стр. 3
حتى ظهرت هذه الفرقة المعارضة المسماة بالرافضة على رأس المائة الرابعة من خلافة بني العباس، فأحدثت فيه أقوالا. بعضها مبني على الكذب الظاهر. وبعضها مبني على التأويل الفاسد. وبعضها مبني على السخرية والضحك ونحو ذلك. وكان الأولى أن نعاملهم بالإهمال بأن نضرب عنهم الذكر صفحا بعدم الرد عليهم، كمعاملة أعداء الإسلام من أهل الكتاب في بلاد الإسلام، لكون حقيقية الإسلام وبقائه وبطلان اليهودية والنصرانية بقيا قطعيتين. وكذلك مذهب الجمهور ومن خالفه.
стр. 4
ولأنهم تجري عليهم أحكامنا، وتحت أيدينا وسلطاننا، بالخصوص في مشهد علي ﵁ وفي الحلة اللذين هما تحت الرفض.
стр. 5
لكن حيث كان لهم في بعض الأماكن من عراق العرب ظهور وجدال، لترخص أهل العراق وسلاطينهم في الدين، احتجنا إلى الرد عليهم بسؤال من لسؤاله حق من الإخوان.
وإني ملتزم أن لا أحتج بالحديث إلا نادرا، لكون متنه مظنونا يجوز للخصم دفع الاحتجاج به بدعواه الكذب له. بل إما أحتج بالقرآن لكونه مقطوع المتن أو بالمعقول المقطوع الدلالة أو بما شاهدته منهم رأي العين، حين ابتليت عندهم بالأسر ومكثت عندهم قريبا من ثماني سنين، وذلك عند سياحتي لطلب العلم.
стр. 6
وعلم الله وكفى به عليما أني لا أستعين في ذلك بكتاب بل بديهة.
وإني معتذر إلى أمير المؤمنين علي ﵁ وإلى مجموع أهل البيت ﵈، بما يوهم التجري به من الحق الذي كان الإغماض عنه أولى، وإن كان الرافضة سببه، وإن كان جائزا كونه حقا. وأهل البيت لا يجزعون من الحق، لأن الله تعالى أجاز بمثله عمن هو أفضل من علي ﵇، وهو عيسى ﵇ حين غالت النصارى به وبأمه: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ﴾ أي كانا يخرجان لقضاء الحاجة.
ورتبته على مقدمة وسبعة فصول.
أما المقدمة ففي خلافة الخلفاء قبل علي رضي الله عنه
стр. 7
(إمامة أبي بكر)
أما إمامة أبي بكر ﵁ فالدليل عليها من وجوه.
الأول قوله تعالى: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى﴾ أجمع المفسرون أنها نزلت في أبي بكر ﵁. وإذا ثبت أنه الأتقى ثبت أنه الأكرم عند الله تعالى لقوله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾. وحينئذ فيثبت فيه استحقاق التقديم على كل أحد غيره، لكونه دونه بالتقوى والكرامة عند الله تعالى، كما هو مفهوم الآية.
الثاني: قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾
стр. 8
وهذا الداعي -هو الموعود على طاعته حسن الثواب وعلى مخالفته أليم العقاب- ليس هو النبي ﷺ لكونه ﵊ مأمورا بنهي المخلفين من الأعراب عن اتباعه بقوله تعالى: ﴿قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ﴾ فامتنع أن يكون هو الداعي. وليس هو عليا ﵁ لأنه لم يقاتل في أيام خلافته الكفار وإنما كان حربه مع المسلمين. فتعين أن يكون الداعي هو الصديق ﵁، لأنه دعاهم إلى قتال بني حنيفة أهل الردة في اليمامة، وهو أولو بأس شديد، كانوا ثمانين ألفا. ولقوة بأسهم
стр. 9
أشار إليه علي ﵁ بالقعود عنهم فقال: هؤلاء أصحاب شوكة، وهذا أول عسكر يخرج لنا بعد موت النبي ﷺ ، نخاف أن ينكسر فلا يقوم لنا بعده قائم. فما وهن الصديق ﵁ ولا ضعف. ثم جهز العسكر وخرج معه مرحلة حتى تسمّع الناس بخروجه، وأمّر عليهم سيف الله خالد بن الوليد ﵁، فظفر بهم وقتلهم وقتل أميرهم مسيلمة الكذاب
стр. 10
ورجع بالغنائم والسبي. ومن سبيهم تسرّى علي ﵁ الحنفية أم ولده محمد، واستقر الإسلام في اليمامة. وكانت تلك أسا لبناء الإسلام بعد النبي ﷺ .
الثالث قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ والنبي ﷺ لم يأخذ غير جزيرة العرب، وتوفي ﵊ ولم يظهر دينه على كل الأديان إلا في خلافة الصديق
стр. 11
رضي الله عنه وخلافة صاحبيه بعده ﵃، لأنهم أجلسوا ملوك الأديان المخالفة لٌلإسلام من اليهود والنصارى والمجوس وغيرهم على التراب وسلبوا ممالكهم وخزائنهم وخلعوا تيجانهم. ومن سلم من سيوفهم ولم يُسلم ضربوا عليه الجزية. واسترقوا الأطفال والنساء، حتى أخذوا شاه زنان -ابنة كسرى الذي كانوا يسمونه الأعاجم شاه شاهان- رقيقة. فتسراها الحسين ﵁ من سبي عمر ﵁. ولا دليل أظهر من هذا على حقية الخلفاء الثلاثة. إذ الدين الذي سماه الله تعالى بالهدى ودين الحق كان ظهوره على الأديان كلها بإمامتهم.
стр. 12
الرابع قوله تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آَيَاتِنَا فِي الْآَفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ﴾ ومعنى رؤية آيات الله سبحانه في الأفاق، كما نقل صاحب الكشاف، هو انتشار هذا الدين في أقطار. ومعنى رؤيتها في أنفسهم تمليك الضعفاء من المسلمين ممالك الأغنياء من الملوك، وملكوا ممالكهم وهم عرب قرية، يعني أهل مكة. حتى حكم سلمان ﵁ في مملكة كسرى، وهو فارسي غريب مملوك.
стр. 13
والمغيرة بن شعبة ﵁ في مملكة النعمان بن المنذر، الحيرة وأعمالها. ومعاوية ﵁ في الشام، مملكة هرقل ملك الروم، وهو من صعاليك العرب.
стр. 14
وعمرو بن العاص في مصر مملكة فرعون. حتى آل الأمر بعد ذلك إلى أن كان المأمون يقرأ حتى وصل إلى قوله تعالى حكاية عن فرعون: ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ﴾ فصاح بالخصيب، وكان عبدا مولاه علي الوزير أبو المنصاة، فأجابه، قال: وليتك مصرا، استصغارا لما استعظمه عدو الله فرعون. وأمثال ذلك. ولا دليل أبلغ من ذلك على حقية هذا الدين وحقية إمامة الثلاثة، إذ كانوا أصله.
الخامس قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ
стр. 15
الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ والمراد بالركوع هاهنا التواضع والخضوع، من قول الشاعر:
لا تهن الفقير علك أن تر ... كع يوما والدهر قد رفعه
وبذلك فسره صاحب الكشاف، فهو قوله تعالى: ﴿خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾
وفي هذه الآية دليل واضح على إمامة الثلاثة: الصديق وصاحبيه. إذ
стр. 16
شروط الولاية في الآية حاصلة وصالحة لهم؛
стр. 17
لوجود الجُمع وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والخضوع. أما الولاية والجُمع وإقامة الصلاة فظاهر عليهم. وأما إيتاء الزكاة فلا شك أنهم كانوا أصحاب أموال. وأما الخضوع، هو عدم التكبر، فقد ثبت أن الصديق ﵁ كان أرأف الصحابة وألينهم جانبا. وعمر كان يلبس المرقّع، وكان عليه رداء فيه إحدى وعشرون رقعة، واحدة منها قطعة جراب. وكان يحمل الطعام على عاتقه للضعفاء. وكان يعمر القناطر ويحمي القوافل بنفسه وأمثال ذلك. هذا وهو ملك الدنيا ومالك ملوكها بالقهر، وقد طبقت راياته وعساكره الأقطار، وترجف من سطوته ملوك الأرض من غير منازع في إمامته. وعثمان ﵁ كان على مثل ذلك بالسطوة والحكم، وصبر
стр. 18
لقتله ولم يدم من المسلمين مثل محجمة من دم عند حصاره، وقال: لا أكون أول من خلّف محمدا في أمته بالسيف. وهذا دليل متضح على صحة إمامتهم.
ادعت الرافضة [لعنهم الله] أن هذه الآية في علي ﵁ خاصة دون غيره. واحتجوا بها أنه ﵁ تصدق بخاتمه على سائل وهو راكع.
стр. 19
ويمتنع ذلك من وجوه:
الأول أن الذين ﴿الَّذِينَ آَمَنُوا﴾ لفظ جمع، ويمتنع حمل الجمع على الواحد في لغة العرب. قالوا: للتعظيم. قلنا: التعظيم هاهنا مدفوع لعلي ﵁، إذ الله ورسوله ذكرا في الآية من غير مقارنة تعظيم، فكيف يذكر التعظيم له دونهما.
стр. 20
الثاني أن الرافضة يدّعون أن عليا ﵁ طلق الدنيا وأنه لا مال له، كان يلبس القصير ويأكل الشعير. والآية فيها ذكر الزكاة، والزكاة لا تكون إلا ممن له مال. فتنافيا.
الثالث أن الله مدح الخاشع في الصلاة. وكون إنسان يشغل جوارحه في الصلاة بنزع خاتم وإشارة إلى سائل وقذفه إليه ويشغل قلبه بنية الزكاة ليس من الخشوع. وحاشا أمير المؤمنين من مثل ذلك، إذ هو بحر علم لا يدرك قعره.
الرابع أن الزكاة تطلق على صدقة الفرض ولا تكون إلا من الأنفع للمستحق. وأي نفع في قطعة فضة يجوز عليها احتمال الجهالة في القدر والغش في الجنس عن مال مضروب معلوم خالص. وهل نسبة مثل هذا إلى عالم زمانه إلا سفه من الرافضة.
الخامس أن الله تعالى وصف الحزب الذي يتولاه هذا الإمام بأن يكون
стр. 21
غالبا بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ ولم يُر غالبا إلا أهل السنة الذين هم أتباع أبي بكر وعمر وعثمان وعلي ﵃. والرافضة الذين يزعمون أنهم أتباع علي منذ ظهروا إلى الآن، بل إلى آخر الزمان، لم يزالوا مغلوبين تحت الحكم والقهر. وهذه أدلة راجحة تمنع اختصاص علي بالإمامة دون أصحابه. والله أعلم.
السادس قوله تعالى ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا﴾ والثلاثة الشروط التي في الآية خطاب للصحابة. وقد حصل للأئمة الثلاث الاستخلاف وتمكين الدين وأبدل الخوف -الذي حصل بموت النبي ﷺ حين ارتدت أهل اليمامة وتبعت مسيلمة الكذاب- بالأمن. وكان أصل تمكين من تمكن وأمن من أمن فيما بعد خلافتهم.
стр. 22
السابع قوله تعالى ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا﴾ الآية. أجمع المفسرون أن بعض الحديث المسر قول النبي ﷺ لزوجته حفصة بنت عمر: "إن أباك وأبا بكر يليان أمر أمتي من بعدي" وأن البعض المعرض عنه أمر خلافتهما.
стр. 23
الثامن أن الله تعالى جعل إثبات الحق بشاهدين عدلين أو بتسليم الخصم. وكلاهما حصل للصديق ﵁. أما التسليم فعلي ﵁ -على تقدير كونه مدّعي الإمامة- حينئذ لم ينازع. وأما الشهادة فقد شهد للصديق ثمانون ألفا عدول. لأن أولئك صدر
стр. 24
الأمة. وقد عدّلهم الله تعالى بأن جعلهم شهودا على الناس وجعل النبي ﷺ مزكيا لهم بقوله : ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ فالطاعن في شهادتهم من الرافضة بدعوى التعصب منهم للصديق، فقد رد قوله الله تعالى. وكفى بذلك كفرا وتجرؤا على الله تعالى. وطعن الخصم أو المتعصب له في الشهود لا يسمع، ولا حاصل له على التعصب غير استهزاء الحكم به.
التاسع أن النبي ﷺ توفي عن أمته وهم من الآل والأصحاب مائة وعشرون ألفا، والجميع اتفقوا على إمامة أبي بكر ﵁، ثمانون ألفا حضروا بيعته، أربعون ألفا كانوا متفرقين في البلاد وقد حضروا بعد البيعة ووافقوا.
وصورة الاجتماع أن النبي ﷺ لما توفي أنكر عمر ﵁ وفاته وقال: ما ينبغي لمحمد أن يموت، والله ليبعثنه والله ليقطعن أيدي رجال وأرجلهم. وكان أبو بكر غائب في حائط له، فجاء ودخل على النبي ﷺ وكشف
стр. 25
عن وجهه فرآه ميتا، فقبله وقال: بأبي طبت حيا وميتا. ثم أنشد شعرا:
كنت السواد لناظري ... وعليك يبكي الناظر
من شاء بعدك فليمت ... فعليك كنت أحاذر
ثم خرج [إلى] الناس وتلا على عمر قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ فقال عمر: والله لقد كنت أتلوها، وكأنها الآن لم تمر على قلبي. ثم نادى أبو بكر في الناس: ألا من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت. ثم باشر غسله علي والعباس
стр. 26
وواحد من الأنصار يفيض الماء عليه. ثم كفن وصلت الناس عليه فرادى.
стр. 27
واختلفوا في موضع دفنه. فقال الصديق: ما من نبي مات إلا دفن موضع موته. فاعتمدوا على ذلك. ثم حُول فراشه الذي مات عليه وحفر قبره موضع الفراش ودفن فيه في حجرة زوجته عائشة ﵂.
ثم بعد دفنه اجتمع الأنصار في سقيفة بني ساعدة ليقيموا سيدهم سعد بن عبادة أميرا على الناس.
стр. 28
فجاء أبو بكر وعمر إليهم. فقام خطيبهم فحمد الله وأثنى عليه وقال في خطبته: نحن كتيبة (١) الإسلام ونحن آوينا رسول الله ﷺ ونصرناه، ونحن أحق بالإمامة. قال عمر ﵁: وكنت هيأت مقالة لأقدمها بين يدي أبي بكر، فلما هممت بالكلام منعني أبو بكر فقال: على رسلك يا عمر. ثم تكلم بديهم أحسن ما كنت لفقته، فقال: ما ذكرتم فيكم من خير فأنتم أهله، ولكن الإمامة لا تصل إليكم. فقالوا: منا أمير ومنكم أمير. قال أبو بكر ﵁: قال النبي ﷺ : «الأئمة من قريش». فلم يقم أبو بكر ﵁ من مجلسه حتى بايعه مجموع الأنصار. فوعك
стр. 29
سعد، فقال قائل: قتلتم سعدا، قال عمر: قتله الله. فلم تدر عليه سنة حتى بال في جحر من الأرض فخرج منه سهم رمته الجن به فمات به. وسُمع قائل ينشد شعرا:
قد قتلنا سيد الخزرج سعد بن عبادة
ورمينا بسهمين فلم نخطِ فؤاده
ثم بعد بيعة الأنصار هرع مجموع من كان حاضرا من الآل والصحب إلى بيعته، وجاء مجموع من كان غائبا وبايع. والجميع انقادوا
стр. 30
لأمره ونهيه، حتى لو رمى أحدا منهم في النار لطرح نفسه اعتقادا منه لوجوب طاعته.
واستمروا له إلى موته من غير معارض ولا منازع. ثم انقادوا بعده أيضا لمنصوصه عمر ﵁. ثم انقادوا بعد عمر ﵁ لمنصوص منصوصه في الشورى عثمان كما سيجيء. وعلي حاضر ﵁ ولم يدع إمامة لنفسه. ولا شك أن المتفق عليه المتصرف أولى من الساكت المسلّم. ولم يزل الصديق على التمكن مدة أيام خلافته إلى أن مات ودفن مع النبي ﷺ في حجرة ابنته عائشة ﵂، ولما قربت جنازته من الحجره وكان بابها مقفولا فتح من غير فاتح وسمع فيها صوت: أدخل الحبيب إلى الحبيب.
وكانت مدة خلافته سنتين ونصف، ومدة عمره ثلاثا وستين سنة، كعمر النبي ﷺ .
(خلافة عمر)
وأما خلافة عمر ﵁ فالدليل عليها أيضا من وجوه:
стр. 31
الأول قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ﴾ الآية.
الثاني أيضا قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ الآية.
الثالث أيضا قوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا﴾ الآية.
الرابع قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ﴾ الآية.
الخامس أيضا الاتفاق من غير منازع وعدم القائل بغيره حينئذ. وكل ما قيل في الآيات الخمس في الصديق فهو له.
стр. 32
السادس تنصيص الخليفة الأول الذي أثبتنا بالأدلة القاطعة صحة خلافته، وهو الصديق ﵁، مع انقياد جميع الناس لهذا التنصيص بالسمع والطاعة. ولم يزل كذلك حتى قُتل ﵁. قتله أبو لؤلؤة عبد المغيرة بن شعبة.
وكان سبب قتله أن أبا لؤلؤة كان نصرانيا يحمي لسبي النصارى من الروم وغيرهم إذا وصلوا إلى المدينة، ويحسن إلى الأسارى منهم. ثم إنه جاء إلى عمر يشكو على سيده المغيرة فقال: يا أمير المؤمنين، إن المغيرة ضرب علي كل يوم ثلاثة دراهم وأنا عاجز عنها، فقال: ما تحترف؟ قال: إني نجار أعمل الرحى تدور في الهواء، فقال عمر: ما أرى هذه الضريبة كثيرة عليك مع احترافك هذا. فوجد عليه أكثر من الأول وعزم على
стр. 33
قتله ليريح النصارى أهل دينه، فقال: يا أمير المؤمنين إني إريد أن أعمل لك رحى تدور في الشرق والغرب، فقال: أوعدني العبد! فانصرف وهو عازم على قتله. ثم هيأ له سكينا قبضتها في وسطها وطرفاها محددان. فجاء كعب الأحبار إلى عمر قبل ضربه فقال: يا أمير المؤمنين تهيأ للموت فإنك ميت بعد ثلاث، فقال: وما يدريك؟ قال: وجدت ذلك في التوراة، فقال: أوعمر مذكور في التوراة؟ قال: لا، ولكن نعتك فيها، وصاحب هذا النعت لم يبق من أجله غير ثلاثة أيام، فقال: يا هذا لا أجد فيّ علة، قال: هو كذلك. فلما كان أول الثلاث تخفى أبو لؤلؤة ودخل الجامع مع المصلين ووقف قريبا منه في الصف الذي يليه مغيرا هيئته حتى لا يعرف. فلما ركع ضربه. وكان عمر جهوري الصوت يسمعه آخر صف، فاختفى صوته وأكب الناس على أبي لؤلؤة، فضرب يمينا وشمالا بحدي سكينه التي في يده، فقتل سبعة
стр. 34
غير عمر، فنشر أحد الناس برنسا كان معه وحذفه عليه، فغطى بصره وتكربل به، فقبضوه. قيل إنه قتل نفسه، وقيل بل قتلوه سريعا في المسجد وعمر حي حينئذ، ولم ينتظروا موت عمر حيث كان كافرا. فقال عمر: انظروا من ضربني، فقالوا: أبو لؤلؤة عبد المغيرة. فقال: الحمد لله الذي لم يجعل منيتي على يد مسلم. ثم أتي إلى عمر بطبيب يختبر جرحه، فسقاه نبيذا فطلع من جوفه.
стр. 35
فقال: أوص يا أمير المؤمنين، إنك ميت. فأوصى بالمسلمين والأنصار وبلزوم الدين والتقوى؛ ثم قال: فاذهبوا إلى أم المؤمنين عائشة ﵂ وسلوها أن أدفن مع صاحبيّ. فلما جاءها الرسول قالت: كنت هيأته لنفسي، وإني اليوم أوثر به أمير المؤمنين. فأعلم بذلك عمر، فقال: ما كان علي أهم من ذلك، ولكن لا تكتفوا بهذا الإذن فإني حي الآن -يعني عين الحي
стр. 36
يستحي من الحي- بل إذا مت فمروا بجنازتي على بابها فإن أذنت وإلا ردوني إلى مقابر المسلمين. فلما مُر بجنازته على بابها واستؤذنت له فأذنت ودفن مع صاحبيه إلى جانب أبي بكر ﵄.
وكانت مدة خلافته عشر سنين، ومدة عمره ثلاثا وستين سنة كعمر صاحبيه.
(خلافة عثمان)
وأما خلافة عثمان ﵁ فالدليل عليها أيضا من وجوه:
وهو ما سبق من قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾
стр. 37
وقوله تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آَيَاتِنَا فِي الْآَفَاقِ﴾ وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾، فهذه أربعة.
والوجه الخامس تنصيص عبد الرحمن بن عوف الحكم في قصة الشورى.
стр. 38
وذلك لما ضرب عمر ﵁ قيل له: يا أمير المؤمنين استخلف. قال: إن أترك الاستخلاف فقد تركه من هو خير مني -يعني النبي ﷺ فإنه لم يستخلف أحدا- وإن أستخلف فقد استخلف من هو خير مني -يعني أبا بكر، فإنه استخلف عمر- وإن كانت شرا فقد كفانا ما حملنا منها، بل الأمر في هذه الستة الذين توفي رسول الله ﷺ وهو راض عنهم. عدّ عليا وعثمان وطلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف
стр. 39
وسعيد بن زيد بن الخطاب، لكن أخرجه عمر منهم لكونه ابن عمه. وقال: يحضره عبد الله بن عمر وليس له من الأمر شيء، فمن ارتضت الأمة من هذه الستة كان حاكما.
فلما دفن عمر امتدت الرقاب إلى الستة تريد الإمامة لها. فقال عبد الرحمن: الأمر يطول بين ستة، أيكم ينزل عن حقه فيجعله لصاحبه حتى يقرب الاختيار؟
стр. 40
فقال الزبير: جعلت حقي لعلي. وقال طلحة: جعلت حقي لعثمان. وقال سعد: جعلت حقي لعبد الرحمن. فقال عبد الرحمن: صار الأمر لثلاثة، فأيكم ينزل عن حقه لصاحبه تقريبا للأمر حتى يبقى في اثنين نختار واحدا منهما؟ فأمسك الشيخان، يعني عليا وعثمان. فقال عبد الرحمن: أنزل لكما وتحكّماني في أمركما ولكما الله علي أن لا آل الأمر عن أفضلكما؟ فقالا: حكمناك. فقال: حقي لكما.