← Акыда

Акыда · id 37537

الحجج الباهرة في إفحام الطائفة الكافرة الفاجرة

جلال الدين الدواني

Полный текст (331 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

فتقدم أبو موسى وخطب، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إني أرى الإسلام قد وهن والمسلمين قد نقهوا بين علي ومعاوية، كان السيف في أيام الخلفاء قبلهم مشهورا على الكفار مغمودا عن أهل القبلة، وبين هذين انعكس الأمر، أشهدكم علي أن عزلت عليا ومعاوية عن الخلافة وأثبتها في ابن عم النبي ﷺ عبد الله بن عباس. ثم قعد. فقام عمرو بن العاص وقال بعد حمد الله والثناء عليه: أشهدكم علي أن عزلت عليا عن الخلافة كما عزله صاحبه وأثبتها في معاوية. (١)

стр. 72

وقفل العسكران على ذلك، معاوية إلى الشام ينادى أمير المؤمنين، وعلي إلى العراق على الندم والشقاق من أصحابه. وحينئذ انفرد الخوارج عنه وفارقوا عسكره وقالوا: أنت على حكم

стр. 73

المخلوق والله تعالى يقول: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ فإن أشهدت عليك بالتوبة وإلا لم نعد إليك. فقال علي: حاشا لله اعتراف بمعصية بعد طاعة. فبعث إليهم عبد الله بن عباس وناظرهم. فقال علي: لي أسوة بالنبي ﷺ فإنه نزل بني قريظة على حكم سعد

стр. 74

بن معاذ وقتلهم بحكمه. فلم يلتفتوا إلى ذلك. واشتغل علي بقتالهم. وترك قتال معاوية. وكان حرب النهروان حربا مشهورا. فلما طال ذلك الأمر بينهم اجتمع ثلاثة من الخوارج: البرك بن عبد الله

стр. 75

وعمرو بن بكر التميمي وعبد الرحمن بن ملجم، ودار بينهم أن الإسلام والمسلمين قد وهنا بين هذه الثلاثة علي ومعاوية وعمرو بن العاص، ينبغي أن كلا منا يتقبل بواحد منه يقتله ويتقرب إلى الله ويريح المسلمين. فتقبل عمرو بن بكر التميمي بقتل عمرو، وتقبل البرك بن عبد الله بقتل معاوية، وتقبل ابن ملجم بقتل علي ﵁.

стр. 76

وكان ابن ملجم نكح قطام من الخوارج، فشرطت عليه ثلاثة آلاف دينار وقينة ومهرا وقتل علي، فتقبل بقتل علي. وفي ذلك قال الشاعر: ولم أر مهرا ساقه متزوج ... كمثل قطام من فصيح وأعجم ثلاثة آلاف ومهر وقينة ... وقتل علي بالحسام المجذم ثم تواعدوا إلى ليلة تاسع عشرة من شهر رمضان، كل يروح إلى صاحبه يقتله بها. فصاحب عمرو راح إلى مصر، فلم يخرج عمرو إلى الصلاة بل

стр. 77

أخرج مكانه واحدا غيره فقتل. ومعاوية خرج تلك الليلة إلى الصلاة فضربه صاحبه على إليتيه فقدّها بالسيف أربع قطع، فلم يمت بتلك الضربة بل استدعى الطبيب ليلمها له، فقال: هذه لا تلحم إلا بالنار، فقال معاوية: لا طاقة لي بالنار. فداواها حتى اندملت، وهي أربع فلذ على حالها. وكان بعد ذلك يسمى معاوية أبا الألايا. وابن ملجم راح إلى الكوفة فضرب عليا تلك الليلة ضربة كان فيها قتله. وقبض ابن ملجم إلى حين موت علي ثم قتلوه. وكانت مدة خلافته خمس سنين، وعمره ثلاثا وستين سنة، كعمر النبي ﷺ وأبي بكر وعمر ﵄.

стр. 78

ودفن موضع قتله في مسجد الكوفة بين قصر الإمارة وبين القبلة، متشبها بالنبي ﷺ ، فإنه جعل قبره موضع فراشه الذي مات عليه. وكذلك سائر الأنبياء تكون قبورهم كما نقل.

стр. 79

الفصل الأول في رد حججهم وفي جواب إمامة علي ﵁ دون من تقدمه من الثلاثة احتجت الرافضة على إمامة علي من وجوه (الاحتجاج بآية إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا) الأول: قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا﴾ الآية. وقد عرف رد قولهم بها للوجوه المقدم ذكرها من كون الآية للجمع وعلي واحد، وذكر الزكاة وعلي حينئذ لا مال له، ومن عدم الخشوع فعل الزكاة في الصلاة، ومن إخراج خاتم في الصلاة عن زكاة مال، ومن كون الرافضة حزبا مغلوبا. (الاحتجاج بآية وأنفسنا وأنفسكم) الثاني قوله تعالى: ﴿وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ﴾ ادعوا أن عليا نفس النبي ﷺ -

стр. 80

حين أتى بنفسه وبه عند المباهلة. قلنا: لا معارضة في أن قرابة الإنسان نفسه، وجميع إخوة علي والعباس وأولاده كذلك، ولا قيل بإمامة واحد منهم. وقد قال الله تعالى لمجموع قريش: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ فتخصيص علي لذلك بالإمامة دونهم تحكم. مع أن لا دلالة في مثل ذلك على الإمامة. (الاحتجاج بحديث أنت مني بمنزلة هارون من موسى) الثالث قول النبي ﷺ : «أنت مني بمنزلة هارون من موسى»

стр. 81

قلنا: لا دليل فيها على إمامة علي من وجوه أيضا: الأول إنما قيل تسلية لعلي، لا تنصيصا عليه، لأنه ﷺ حين خرج إلى تبوك لم يترك في المدينة رجلا يصلح للحرب ولم يترك غير النساء والصبيان والضعفاء، فاستخلف عليا عليهم. فطعنت المنافقون في علي فقالوا: ما تركه إلا لشيء يكرهه منه. فخرج إلى النبي ﷺ باكيا، فقال: أتذرني مع النساء والصبيان؟ فقال النبي ﷺ تسلية: «أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى». وقد استخلف النبي ﷺ ابن أم مكتوم على المدينة إحدى عشرة مرة، وهو أعمى لا يصلح للإمامة. الثاني: أن في هذا الحديث دلالة على عدم استحقاق علي للإمامة لأن

стр. 82

هارون مات قبل موسى، ولم يكن له بعد موسى أمر، فيلزم الرافضة أن يقولوا: ليس لعلي بعد النبي ﷺ أمر. الثالث أن الرافضة لو عقلت ما ذكروا هذا الحديث حجة على استخلاف علي، لأنه شبهه بهارون في الاستخلاف، ولم يحصل من استخلاف هارون إلا الفتنة العظيمة والفساد الكبير بعبادة بني إسرائيل العجل، حتى أخذ موسى برأس أخيه يجره إليه. وكذلك حصل من استخلاف علي أيضا لما عرفت من قتل المسلمين يوم الجمل وفي صفين، ووهن الإسلام حتى طمعت فيه الأعداء. ولم يكن لوم على علي ﵁ في ذلك لكونه صاحب الحق. لكن لو لم يكن في خلافته مثله لكان أولى.

стр. 83

(الاحتجاج بحديث من كنت مولاه فعلي مولاه) الرابع: قول النبي ﷺ : «من كنت مولاه فعلي مولاه».

стр. 84

قلنا: لا دلالة في هذا على إمامة علي، لأنه جاء بسبب نزاع زيد بن حارثة عبد النبي ﷺ مع علي حين قال له: أتنازعني وأنا مولاك. فشكى زيد ذلك إلى رسول الله ﷺ فقال له النبي ﷺ : «من كنت مولاه فعلي مولاه». ولا شك أن أقارب الإنسان موالي عتيقه. وقد يراد بالمولى الناصر. ولا دلالة فيه أيضا على الإمامة. فالمولى لفظ مشترك بين المعتق والعتيق والناصر. وإن كان فلا دلالة فيه

стр. 85

على الخلافة. ولم يأت لفظ المولى للحكم. فبطل الاستدلال به على الإمامة. (دعوى الوصية لعلي) الخامس: دعوى الرافضة بالوصية لعلي ﵁. قالوا ذلك في موضعين: أحدها في كتب السنة. ذكره الفراء في تفسيره المسمى بمعالم التنزيل عند قوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ قال: قال علي ﵁: لما نزلت هذه الآية أمرني رسول الله ﷺ أن أجمع بني عبد المطلب فجمعتهم وهم حينئذ أربعون رجلا يزيدون واحدا أو ينقصونه. فقال لهم بعد أن أضافهم برجل شاة وبعس من لبن، شبعا وريا، وإن كان أحدهم ليأكله ويشربه: "يا بني عبد المطلب، إني قد جئتكم بخيري الدنيا والآخرة، وقد أمرني الله تعالى أن أدعوكم إليه، فأيكم يوازرني عليه فيكون أخي ووصيي وخليفتي فيكم فاسمعوا له وأطيعوا؟ "

стр. 86

فقاموا يضحكون وقالوا لأبي طالب: أمرك أن تسمع لابنك وتطيعه. قلنا: الجواب عن ذلك من وجوه: الأول: أن يقال هذه الرواية مكذوبة عن علي. والدليل عليه أن هذه الآية، أي ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾، أمر للنبي ﷺ بمجرد الإنذار

стр. 87

الخاص لمجموع أقرباء عشيرته، ولم يؤمر بطلب مؤازرة واحد منهم أو إنذاره. فكيف يخص بها واحدا منهم دون الباقين. الثاني: أن الإيصاء والاستخلاف على ناس لا يكون إلا بعد الانقياد والطاعة منهم، وهم حينئذ على خلاف ذلك، فكيف يستحسن من أكمل الناس رأيا فعله. الثالث: أن من يتحقق من واحد رد حكمه عليه وهو أصل، فكيف يجعل تابعه حاكما عليه ويأمره بالسمع والطاعة، وهل ذلك إلا سفه، كالمثل المضروب بين الناس، وهو: من قال لآخر أعطني دينارين بعلامة ما طلب أستاذي منك فلسا ما أعطيته. الرابع أن صاحب المعالم ذكر عنه في تفسير هذه الآية أربع روايات، واحدة عن علي ﵁ وفيها ما ذكرتم من الوصية والاستخلاف، والثلاث الأخر عن غيره، اثنتان عن ابن عباس

стр. 88

عن النبي ﷺ ، والأخرى عن أبي هريرة عن النبي ﷺ . وليس في الثلاث شيء مما روي عن علي ﵁. فروايته معارضة بهن. الخامس أن الروايات المذكورة عن غير علي مقدمة راجحة على الرويات المذكورة عنه، لأن الآية آمرة بالإنذار، والثلاثة منذرة بقوله ﷺ : "إني نذير لكم بين يدي عذاب شديد". والرواية عن علي ﵁ مبشرة بقوله ﷺ : "يا بني عبد المطلب قد جئتكم بخيري الدنيا والآخرة"، وبقوله: "أيكم يوازرني عليه فيكون خليفتي". والثلاث مطابقة مقصود الآية، وهذه مضادة وضعيفة. السادس أن صاحب المعالم لم يسند الرواية عن علي ﵁ إلى نقله بأن يقول أخبرنا ونحوه، بل نسبها إلى نقل غيره غير متصل به. قال: "روى محمد بن إسحاق".

стр. 89

ونسب الثلاث المعارضة لها إليه: "أخبرنا عبد الواحد المليحي". فوجب العمل بهن دون تلك. ولم يقم علينا بها حجة، لأنها جاءت مجيء النقل من المكتوب طريق التواريخ والحكايات، ومحمد بن إسحاق الناقل معروف بذلك. فسقط الاحتجاج بها. فإن قيل: كيف نقلها هذا العالم منكم -يعني صاحب المعالم- وهو يعرف أنها غير صحيحة؟ قلت: نقلها ونقل ما يعارضها حتى [يتبين] الزيف من الخالص فيسقط احتجاج الغير بها، فلا بأس عليه في ذلك، إذ هو دأب العلماء في محل

стр. 90

الخصام. وأيضا ذكر الروايات الضعيفة والموضوعة هو دأب المفسرين الكبار. ألا ترى ما أورده البيضاوي من الأحاديث الموضوعة في أواخر السور وفي سورة هل أتى وغيرها. السابع أن الرافضة يدعون أن عليا ﵁ لم يزل مسلما. والذي تدل عليه الرواية عنه أن النبي ﵁ إنما طلب المؤازرة من أقاربه الكفار. فما معنى جواب علي ﵁ وهو ليس منهم في الاعتقاد ولم يتناوله الطلب ولا الخطاب. الثامن أن عليا ﵁ كان قد أسلم وآمن قبل ذلك، وهو المأمور بجمع الكفار من بني عبد المطلب على حسب روايته. والرافضة يدعونه أبلغ البلغاء. ومقالته هذه لا تطابق هذا المقام. وحاشا مثله. وهو بليغ في مثلها.

стр. 91

التاسع أن الخطاب بطلب المؤازرة المرتب عليه الوصية والاستخلاف المذكوران إنما كان للكفار. وحينئذ فلا يستقيم للرافضة حجة بذلك إلا إذا زعموا أن عليها كان حينئذ على مثل ما هم عليه. وحاشاه من مثل ذلك اتفاقا. فبطل الاحتجاج. العاشر أن من شروط الوصية والاستخلاف الجزم بهما. وتعليق استحقاقهما بوجود شيء ينافي ذلك. الحادي عشر: أن الوصية والاستخلاف يكونان لمعين مقطوع به اتفاقا. وطلبه من واحد من جماعة متعلق بصفة واحدة توجد به يوجب الجهالة. فتعين البطلان به. الثاني عشر أن الخطاب بالصفة هو لواحد يكون فيه. فلو وجدت من اثنين أو أكثر دفعة واحدة أو مرتبا وقع الشقاق. فاستحال. الثالث عشر أن من شروط الموصي والمستخلف العلم بما ينص عليه بهما. وطلبه من جماعة بصفة محمول على جهالة الموصي والمستخلف به. فتنافيا. الرابع عشر أن الاستخلاف لا يكون إلا لبالغ، وعلي ﵁ كان صبيا، والصبي محجور من مثله فامتنع. الخامس عشر أن عليا ﵁ كان صبيا ولم يكن أحد أبويه مسلما حتى يحكم بإسلامه تبعا لأصله، ولم يكن إسلامه إلا باعتقاده وإقراره وهو بالغ وكامل. فكيف يسوغ الأمر لكاملين بالسمع والطاعة. ولهذا نقل الراوي ضحك المجموعين من هذا الكلام.

стр. 92

السادس عشر أن دعوى النبي ﷺ حتى يؤلف ويستخلف جميع من دعاه إلى الإيمان. وقوله في الرواية: "أيكم يؤازرني فيكن وصيي وخليفتي فيكم" إذا أجيبت من واحد يوجب منافرة الباقين. فاستحال. السابع عشر أن ترغيب النبي ﷺ يجب أن يكون بثواب يعم جميع من يؤمن به، كالجنة في الآخرة والتمكين في الدنيا مثلا. وقوله: "أيكم يؤازرني فيكن وصيي وخليفتي فيكم" لا يختص ثوابه إلا بواحد، وما يبقى فائدة للباقين. وهل يوجب ذلك إلا عدم الرغبة في الإيمان وانعدامه. الثامن عشر أن الوصية بالاستخلاف، فأحدهما عين الآخر. وقد ذكرا في الرواية أحدهما معطوفا على الآخر. والعطف يوجب المغايرة والترادف. وكلاهما يمتنعان في التبليغ. التاسع عشر: المؤازرة المرتب عليها الوصية والاستخلاف كانت ثابتة لعلي ﵁ قبل الخمسة المذكورة لتقدم إيمانه عليها اتفاقا. فما معنى طلب النبي ﷺ لها من غيره بعد ذلك. وهذان حالان متناقضان. العشرون: إن كان غرض النبي ﷺ ثبوت الوصية والاستخلاف لغير علي من الجماعة المخاطبين، فاستحال أن يكون له. وإن كان غرضه ثبوتها لعلي فهو تحصيل الحاصل لتقدم إيمانه ﵁ على ذلك. ومثله لا يصلح من حكيم.

стр. 93

الحادي والعشرون: أن بعض هؤلاء المجموعين المخاطبين من بني عبد المطلب من أسلم كالعباس وغيره وبايع أبا بكر وتابعه وانقاد لمنصوصه عمر بن الخطاب ﵁. وهذا مما يؤيد كذب هذه الرواية. الثاني والعشرون: أن يقال هذه الرواية عن علي ﵁ صحيحة على سبيل التسليم للجدال، ولكنها لا تقوم حجة علينا ولا على ثبوت وصية واستخلاف لعلي قبل أصحابه المتقدمين عليه ﵁ من وجهين: أحدهما أنها لم توجد إلا من نقله ولم توجد من نقل أحد غيره، فهي من قبل شهادة المرء لنفسه. فلم تقبل على الأخصام في محل الخصام. ولا يمنع جواز أن يطلب الخلافة لنفسه على ظن استحقاقه لها اجتهادا بالطلب إذا استحقت لغيره، إذ هو ليس بمعصوم. ثانيهما: أن الآية آمرة بالإنذار الخاص لعشيرة النبي ﷺ الأقربين، والخطاب بالوصية والاستخلاف لعلي ﵁ هو عليهم وفيهم دون غيرهم في عشيرته البعيدة وغير عشيرته. ولا يدخل غيرهم في ذلك. ألا ترى أنهم قالوا لأبي طالب: "أمرك أن تسمع لابنك وتطيع" وهم

стр. 94

يضحكون. (غدير خم) وأما الثاني، وهو ما ذكره الرافضة من النص على علي في غدير خم.

стр. 95

فالجواب أيضا من وجوه. وكل منها يصلح أن يكون جوابا عن المتقدم. الأول: أنه ثبت أن العباس قال لعلي: مدّ يدك لأبايعك حتى يقول الناس بايع ابن عم النبي عمه، فلا يختلف عليك اثنان. فقال علي ﵁: ليس ذلك إلا لأهل بدر. وطلب البيعة لعلي ممن يُدعى له أنه نص النبي فيه يدل على عدم النص وكذب الدعوى. الثاني: أن عليا ﵁ لم يحكم إلا بالمبايعة من باقي الصحابة. وطلب البيعة من علي ومد يده لها اعتراف وإقرار منه ودليل ظاهر على عدم النص فيه وعدم استحقاقه لها بغير الإجماع والمبايعة. الثالث أن أبا بكر ﵁ بويع، ولم يدّع أحد لعلي ﵁ نصا ولا هو لنفسه. فدل على عدم النص فيه. الرابع أن الأنصار طلبوا الحكم لسيدهم سعد بن عبادة وقالوا لقريش: "منا أمير ومنكم أمير". وهذا يدل على عدم النص فيه ﵁ أو غيره. وإلا ادعاه المنصوص به عليه واحتج به. ولم يقع شيء من ذلك. فامتنع. الخامس أن أبا بكر ﵁ احتج على الأنصار حين قالوا: "منا أمير ومنكم أمير" بحجة عامة، وانقطعوا بها وسلموا وبايعوا أبا بكر ﵁. وهو قوله: إن النبي ﷺ قال: «الأئمة من قريش». ولو كان

стр. 96

نص خاص في علي أو غيره لاحتج به عليهم، وكان أولى من العام وأقوى في الاحتجاج. وإذ لم يحتج به يثبت عدمه. السادس أن أبا بكر ﵁ نص على عمر ﵁، وانقاد الآل والصحب له، ولم يعارض أحد في ذلك. ولا ادعى علي أيضا نصا لنفسه. فثبت عدم النص به. السابع أن عمر ﵁ جعل الأمر شورى في ستة. وعلي منهم. ودخل في الشورى معهم من غير دعوى النص به منه أو من غيره. فدل على عدمه فيه. الثامن أن عليا حكم الحكمين بينه وبين معاوية. واتفق على ذلك مجموع العسكرين. ولا دليل أقوى من ذلك على عدم النص به. التاسع أن الحسن ﵁ بايع معاوية وسلم الأمر إليه.

стр. 97

والرافضة يدعون أنه منصوص [أبيه] المنصوص له. وهذا مما يدل على عدم النص بهما. وإلا توجه الخطأ بزعم من يدعي له النص فضلا عن العصمة. العاشر أن الرافضة يدعون أن الخلافة لعلي ﵁ واجبة لأنه موصى له بها، ويدعون أنه لا يخل بواجب، لأنه معصوم. ولا خلاف أنه تركها على الخلفاء قبله وترك نزاعهم عليها. وهذا يدل على أحد شيئين: إما إخلاله بالواجب أو عدم الوصية. والأول باطل اتفاقا، فتعين الثاني. الحادي عشر أن ترك الخلافة من علي ﵁ إما تقية مع وجود الوصية له أو بقوة لعدم الوصية. والأول باطل لأن التقية إنما

стр. 98

تكون من الكفار لخوفهم على النفس عند العجز، وهؤلاء صدور الأمة وخيارها، ولا يخاف على نفس علي منهم. ولا يجوز لعلي التقية من مسلم يرتكب باطلا، بالخصوص مثل مسألة الإمامة التي هي أصل كبير في الدين. فتعين الثاني أي عدم الوصية به. الثاني عشر: نسلم جواز التقية من المسلمين عند خلافة الخلفاء ﵃ جدلا. فهلا اتقى من معاوية لخوف وقوع الفساد في الدين جدلا، ثم نقول: فهلا اتقى علي ﵁ من حرب عائشة يوم الجمل وعقر

стр. 99

جملها ووقوعها بين أعدائها يطوفون بها كالمسبية، وهي زوجة رسول الله ﷺ ومحبوبته وابنة صديقه والمأمور بحرمتها بضرب الحجاب عليها والمبرأة بالقرآن والمحرم نكاحها على الأمة، وقتل خيار الصحابة مثل طلحة والزبير، وتطاير أيدي كثير من المسلمين عند بروك جملها. وهلا اتقى من حرب يوم النهرون، وقد قتل خلق كثير من القراء والمسلمين وغيرهم في حرب الخوارج، وهلا اتقى حرب معاوية، ولا فساد أكثر مما وقع في نزاعهما حتى قتل بينهما في صفين سبعون ألفا من المسلمين فيهم من خيار الصحابة وكان ذلك طاعون الدين. وذلك مما يوجب أحد شيئين: إما خطأ الإمام علي على تقدير الوصية لتناقض فعله، أو صوابه على تقدير عدمها لثبوت حق المتروك نزاعهم (وهم الخلفاء الثلاثة) عليه وثبوت حقه على المتنازع.

стр. 100

والأول باطل. فتعين حقية الثاني. الثالث عشر: أن الله تعالى عدّل هذه الأمة وزكاها بقوله تعالى: ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ وقد شهدوا لأبي بكر ﵁. فدل على عدم النص في غيره. الرابع عشر: أن النبي ﷺ قال: «لا تجتمع أمتي على ضلالة»، وقد اجتمعت على أبي بكر ﵁. فلا وصية لغيره. الخامس عشر: ثبت أن عليا ﵁ بايع أبا بكر ﵁، إما مع إجماع الأمة وإما بعده بستة أشهر كما نقل. وذلك دليل عدم الوصية. السادس عشر: أن تأخير البيعة من علي ﵁ ووقوعها بعد ستة أشهر يدل على اجتهاد منه في هذه المسألة. والاجتهاد منه ينافي النص فيه. السابع عشر: أن الله تعالى وعد مخالفة الإجماع بقوله تعالى: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ﴾ الآية. والرافضة

стр. 101

يدعون أن عليا ﵁ لم يبايع أبا بكر أصلا وخالف إجماع الأمة فيه. هذا مما يدل إيقاع الوعيد عليه أو كذب الرافضة. وأي الآيتين ثبت له دل على عدم النص فيه. وحاشاه من إيقاع الوعيد عليه ومخالفته سبيل المؤمنين، إذ مثل ذلك يرفع الأمانة والتقوى، فضلا عن استحقاق الخلافة. فتعين كذب الرافضة. الثامن عشر: ادعت الرافضة أن النبي ﷺ وصى عليا أن لا يوقع بعده فتنة ولا يجذب بعده سيفا. ولا دليل أكبر من ذلك على عدم الوصية وعلى استحقاق أصحابه المتقدمين عليه الخلافة دونه، إذ نهي عن نزاعهم. التاسع عشر: أن عليا ﵁ نكح في أيام إمامة المتقدمين عليه بالخلافة وتسرّى من سبيهم. والحسين ﵁ تسرى بنت كسرى من سبي عمر ﵁. وهذا دليل منهما يشعر باستحقاق من تقدمهما الإمامة وبأن لا نص [لغيرهم]. العشرون: أن عليا ﵁ كان مباشرا أشوار الخلفاء قبله في

стр. 102

إنفاذ العساكر ومنعها وفيما يهم من أمر الأعداء. والحسن والحسين رضي الله

стр. 103

عنهما كانا ملازمين مجلس عثمان ﵁ -الذي هو مختار الشورى من وصية عمر الذي هو منصوص أبي بكر ﵁ ومباشرين ما يأمر به من إقامة الحدود وغيرها. وفي هذا دليل على حقية الخلفاء المذكورين وأن لا نص لغيرهم. الحادي والعشرون: أن عليا ﵁ أنكح عمر ابنته أم كلثوم من

стр. 104

فاطمة ﵁ في إمامته وأولدها زيد بن عمر. وهذا مما يدل على الوداد بين علي وعمر ﵄ وصحة إمامة عمر ﵁ الذي هو منصوص أبي بكر ﵁، وأنهما لم يكونا على باطل. وإذ ثبت ذلك فلا وصية لغيرهما. الثاني والعشرون: أن غدير خم والنص الذي ادعته الرافضة لعلي فيه زور لا يعرفهما أحد من المسلمين، غير الرافضة الذين يدعونه. وحينئذ فدعواعم كالعدم إذ لا مستند لهم من غيرهم. الثالث والعشرون: أن الوصية لعلي ﵁ جهلها الآل والصحب

стр. 105

وبايعوا أبا بكر ﵁ وانقادوا له ولمنصوصه ولمنصوص منصوصه بالشورى. وما جهله من هو مصاحب النبي ﷺ حضرا وسفرا ومشاهد للوحي ونزول جبريل ﵇ كيف عرفها الرافضة الذين جاءوا وحدثوا بعد ذلك بمئات سنين؟ وأيهما أعرف الحاضر أو الغائب أو الموجود أو المعدوم؟ الرابع والعشرون: لم لم تدّع فاطمة رضي الله تعالى عنها الوصية؟ وأي تقية يحتمل في حقها؟ وهل كان أحد يقدر على مخالفتها، خصوصا بعد علمها بقرب موتها حيث أخبرها والدها الصادق المصدوق ﷺ ورضي عنها. وهل كانت تخون والدها ﷺ بكتمان وصيته ونصه؟ وهل

стр. 106

يحتمل عليها وعلى عم النبي ﷺ وأزواجه الطاهرات وأصحابه الكرام من المهاجرين والأنصار وأهل الصفة وغيرهم أن يخونوا نبينا عند موته ويصروا على خيانتهم إلى موت عثمان ﵁ وهم الذين بذلوا في محبته ونصرة دينه أموالهم وأرواحهم وهجروا أوطانهم وأهلهم وتركوا راحتهم ورياستهم. وهل اعتقاد ذلك في حقهم إلا كفر وضلال. (حديث سأعطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله) السادس: وأما تأمر علي ﵁ في فتح خيبر وقول النبي ﷺ : «سأعطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله يفتح الله على يديه» فبات كل يترجاها، فلما أصبح أعطاها عليا، وكان أرمد فبصق في عينيه فبرئت في الحال. قلنا: لا دلالة في ذلك على استحقاق علي الإمامة قبل أصحابه الثلاثة.

стр. 107

أما التأمر فإن النبي ﷺ أمّر الصديق أول حجة في الإسلام. وأمر كثيرا من أصحابه على كثير من الغزوات، بل كل غزوة خرج بها أو لم يخرج كان عليها أمير من أصحابه. وأما قوله: «يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله» فليس هو من خواص علي ﵁. هذه صفة المؤمنين جميعا كما قال الله تعالى عمن حضر القادسية من عساكر عمر: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾

стр. 108

وأما الفتح فقبح الله الرافضة، يفتخرون لعلي ﵁ -وهو صاحب المفاخر والمناقب العالية- بفتح قرية فيها يهود أصحاب حرف، إما صاغة أو غير صاغة. وأهل السنة لم يفتخروا لأبي بكر وعمر وعثمان ﵃ بممالك الملوك العظام أصحاب التيجان والعساكر والهمم العالية والعدد والعدد، مثل كسرى والعراق الذي كان بريده بينه وبين عسكره صفا من دجلة إلى الفرات يتراسلان في ساعة واحدة، والعسكران منه ومن عمر يتحاربان،

стр. 109

ومثل قيصر وهرقل والشام والروم وغيرها. وهل كان فارس من هؤلاء إلا كجمع اليهود، وهل بعض قرية من هذه الأقاليم إلا كخيبر. وأين يوم خيبر من أيام القادسية مثل البويب الذي عد فيه قتلى الكفار مائة ألف وبقيت عظام القتلى دهرا طويلا، ومثل يوم عماس والهرير وأغواث وأرماث واليرموك الذي كان فيه أهل الروم أربعمائة ألف مقاتل،

стр. 110

والصحابة ثلاثين ألفا. وغير ذلك من المعارك المهولة التي لو عددنا ذكرها لطال. هذا صنيع أئمة أهل السنة وأتباعهم وهم لم يفتخروا بشيء من ذلك ولم يجعلوه لأصحابهم بتعظيم أمر. والرافضة يجعلون الجرو كلبا. فقد صح بهم المثل المضروب وهو قول الناس: الكسرة البيضاء في يد المكدي عجب.
следующие страницы →