ـ[باهر البرهان فى معانى مشكلات القرآن]ـ
المؤلف: محمود بن أبي الحسن (علي) بن الحسين النيسابورىّ الغزنوي، أبو القاسم، الشهير بـ (بيان الحق) (المتوفى: بعد ٥٥٣هـ)
المحقق (رسالة علمية): سعاد بنت صالح بن سعيد بابقي
الناشر: جامعة أم القرى - مكة المكرمة حرسها الله تعالى
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
стр. 2
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
المقدمة
قال القاضي الإمام العالم بيان الحق خاتم المفسرين محمود بن أبي الحسن بن حسين النيسابوري تغمده الله برحمته أما بعد حمد الله كفاء حقه والصلاة على محمد خير خلقه وعلى آله الطيبين وعترته الطاهرين فإن أفضل العلوم علم كتاب الله النازل من عنده والسبب الواصل بين الله وعبده وقد وجدت تفاسيره إما مقصورة على قول واحد من الأولين أو مختصة بالتكثير والتكرير كما هو في مجموعات المتأخرين والطريقة الأولى من فرط إيجازها لا تشفي القلب والثانية تعيي على
стр. 3
الحفظ لإطالة القول فعند ذلك رغبت إلى الله جل وعز في فضل التوفيق لإيضاح مشكلات التنزيل وإحسان التوقيف على غوامض التأويل بلفظ جزل ومخرج سهل وإيجاز في عاقبة الغريب وبعض إطناب في المشكل العويص وربما جمحت في الرسن بإيراد بعض الشعر الحسن لتمخيض العقل وإجمام الطبع وليتساهم فيه النظر الأدباء والكتاب كما يستقرئ معانيه العلماء وأولو الألباب
стр. 4
وجميع ما في هذا الكتاب من تفسير أسفر عن وجهه أو تأويل أحسر عن ذراعه فهو يجري على سائر ما جمع فيهما مجرى الغرة من الدهم والقرحة من الكمت وبالله التوفيق
стр. 5
سورة الفاتحة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
افتتاح القراءة باسم الله واجب لقوله تعالى اقرأ باسم ربك فإن إعمال الباء يقتضي الحق على افتتاح القراءة بالتسمية والاستنجاح بها على سائر الأمور سنة لقوله ﵇ كل أمر ذي بال لم يبدأ فيه باسم الله فهو أبتر
стр. 6
والله اسمه جل وعز وحده وليس بمشتق عن شيء ومعناه الذي تحق له العبادة وليس معناه المعبود ولا المستحق للعبادة لأن من يعبده أو تستحق عليه عبادته إنما خلق بعد أن لم يكن وهو عز اسمه إله فيما لم يزل الرحمن الرحيم اسمان من الرحمة والرحمة هي النعمة على المحتاج وتمام النعمة أن يكون المنعم بها مستغنياً عن فعلها والمنعم عليه محتاجا إليه وذلك المنعم هو الله فحق له العبادة ووجب له الحمد والنعمة قد تبلغ مبلغا لا يقدر أحد من الخلق على شيء منه مثل نعمة الحياة والعقل والحواس وقد يكون يما يتيسر للعباد المعاونة على أسباب منها مثل تعليم العلم وتهذيب الخلق والمواساة بالجاه والمال فذلك اختص أحد الاسمين الجاري بناؤه على المبالغة بالله وهو الرحمن لا يشارك ويشترك الثاني بين جميع المنعمين والرب المالك المدبر والربانيون العلماء الذين يربون العلم
стр. 7
ويجوز أن يكون معنى الرب الحافظ يقال للخرقة التي تحفظ فيها القداح ربابة وربة قال الهذلي
١ - وما الراح راح الشام جاءت سبيئة ... لها غاية تهدى الكرام عقابها
٢ - توصل بالركبان حينا وتؤلف الـ ... جوار ويغشيها الأمان ربابها
ولا يجوز أن يكون معنى الرب السيد حقيقة لأن السيد لا يستعمل بالإضافة إلى الحي المختار والرب يستعمل عاما في الجميع والعالم اسم للعدد الكثير ممن يعقل وعن ابن عباس ﵄ أنه اسم كل ذي روح
стр. 8
وعن الحسن ﵀ ان العالم بما يحويه الفلك والأول أولى لأنه جم جمع العقلاء ولأنه لا يقال رأيت عالما من الإبل ولأن الأصل في اللغة الظهور من ذلك العالم فالعلم رأس الجبل والعلم اللواء والأعلم المشقوق الشفة العليا لأن ذلك ظاهر بين والظهور انما يكون للجمع الكثير وعلى الخصوص فيمن يعقل فانهم في الخليقة كالرؤوس والأعلام وإنهم مستدلون كما أنهم أدلة إلا أن يقال إن جميع المخلوقات يدخل في العالم على التبع لما يعقل فيكون حسنا لأنه أعم معنى والمالك القادر على التصرف ملكا والملك القادر عليه أمرا وتدبيرا فالأول أخص ظهورا إلا أنه أشد نفوذا واختيار قراءة الملك أو المالك أحدهما على الآخر لا يستقيم مع العلم بأنهما منزلان وأن في كل واحد منهما فائدة على حدة
стр. 9
والدين فسر بالجزاء والقضاء والحساب والطاعة والأصل الجزاء لأن الحساب للجزاء وكذلك القضاء المجازاة والطاعة القضاء يقتضي المجازاة عليها فتكون تسمية السبب باسم المسبب وتخصيص الملك بيوم الدين للرفع منه الإشادة به كقوله رب العرش ولأنه تعالى يملك في الدنيا بعض العباد ممالك كالعواري المستردة وأما الآخرة فالأمر فيها لله واحدة والصحيح في إياك مذهب الأخفش أنه اسم موضوع مضمر معرف غير مضاف والكاف فيه حرف خطاب ولا موضع لع من الإعراب بمنزلة الكاف في ذلك ولهذا لم يكن مشقا لأن الأسماء المضمرة لا اشتقاق في شيء منها إلا ما حكى عن الزجاج أنه كان يشتقه من الآية أي العلامة وأن إياك نعبد حقيقتك
стр. 10
نعبد فقيل له كيف يكون الاسم المضمر مشتقاً؟ فقال هو مظهر خص به المضمر وإنما كرر إياك لأنه بمعنى الكاف في نعبدك ونسستعينك ولأنه تعليم أن يجدد لكل دعوة عزيمة وتوجها ولا نجمعهما في ربقة ولا نعرضهما في صفقة وإنما لم يقل نعبدك ونستعينك وهو أوجز لأن نستعين على نظم أي السورة ولهذا قدمت العبادة على الاستعانة كما قدم الرحمن وهو أبلغ مع ما في تقديم ضمير المعبود على ذكر العابد من مراعاة التعظيم وإحسان الترتيب وإنما كان إياك نعبد بلفظ الخطاب والحمد لله في أول السورة بالغيبة لأنك تحمد نظيرك ولا تعبده فاستعمل لفظ الحمد لتوسطه مع الغيبة والعبادة التي هي الأمر الأقصى جرت بالخطاب تقربا منه تعالى بالانتهاء إلى محدودة منها وعلى هذا جاء آخر السورة
стр. 11
صراط الذين أنعمت عليهم باسناد النعمة إليه لفظا وصرف لفظ الغضب إلى المغضوب عليهم تحسناً وتلطفاً وإنما سئلت الهداية وهي حاصلة للتثبيت عليها في المستقبل من العمر وقيل إنه سؤال الهداية إلى طريق الجنة في الآخرة فكأنه استنجاز لما وعدنا في قولة يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام أي سبل دار السلام وقيل إنه لما كانت بإزاء كل دلالة شبهة حسن من المهتدي سؤال الهداية التي تزاح بها عن القلب الشبهات
стр. 12
وعن على ﵁ أن الصراط المستقيم هنا كتاب الله فيكون سؤال الهداية لحفظة وتبين معانيه وعن النبي ﵇ أن الصراط المستقيم سنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي فيحسن طلب الهداية إلى جميع مناهج السنة ممن قد هدى بالإيمان وسأل عدي بن حاتم النبي ﵇ عن المغضوب عليهم فقال هم اليهود وعن الضالين
стр. 13
فقال هم النصارى والقرآن يدل عليه هو قوله في اليهود وباءوا بغضب من الله وفي النصارى وضلوا عن سواء السبيل فإن قيل إن غير أبداً نكرة فكيف وصف بها المعرفة؟ قلنا غير المغضوب عليهم على مذهب الأخفش بدل من الذين وليس بوصف وفي كلام أبي على إن غير هاهنا مع ما أضيف إليه معرفة وحكم كل مضاف إلى معرفة أن يكون معرفة وإنما تنكرت في الأصل غير ومثل مع
стр. 14
إضافتها إلى المعارف - من أجل معناهما لأنك إذا قلت رأيت غيرك فكل شيء تراه سواه هو غيره وكذلك إذا قال رأيت مثلك فما هو مثله من خلقه وخلقه وجاهه وعلمه لا يحصى فإنما صارتا نكرتين من أجل المعنى فأما إذا كانت المعرفة له ضد واحد وأردت إثباته ونفي ضده وعلم ذلك السامع فوصفته بغير وأضفت غير إلى ضده فهو معرفة كقولك عليك بالحركة غير السكون فغير السكون معرفة وهو الحركة فكأنك كررت الحركة تأكيدا فكذلك هذه لأن كل من أنعم عليه بالإيمان فهو غير مغضوب عليه على العكس فغير المغضوب هم الذين أنعم عليهم فهو مساو له في معرفته فغير على هذا التقدير معرفة وهاهنا إشكال آخر معنوي في كيفية غضب الله فينبغي أن تعلم أن الغضب من الله يخالف غضبنا فإنه منا شهوة الانتقام عند غليان دم القلب وهو من الله إرادة المضار بمن عصاه وهاهنا أصل تعرف به عامة الصفات المشكلة المعاني وهو أن لا يذهب فيها إلى التوهم اللفظي بحسب المبدأ ولكنه بحسب التمام
стр. 15
أوصاف الله تعالى تحمل على الأغراض الانتهائية لا على الأغراض الابتدائية مثاله الرأفة والرحمة فإنهما انعصار القلب لمكروه في الغير ثم طريانه علينا ببعث على إغاثة المبتلى بذلك المكروه فوصفنا إيانا بالرحمة والرأفة للمبدأ الذي هو انعصار القلب وأما في وصفه تعالى فللتمام الذي هو إغاثة المبتلى وكذلك المحبة منا ميل الطباع وتمامها إرادة الخير والإصلاح ووصف الله بها على معنى تمامها والغضب يعرض لنا فينتقض الطبع على جهة الحمية ويتغير الوجه وتحمر العين وربما يرتعد البدن ثم يدعو إلى جنس من العقوبة يضاد الرضي فيوصف الله تعالى به على هذا المعنى الأخير الذي هو الغاية والمال وعلى هذا يجري القول في الصفات والله أعلم
стр. 16
آمين معناه اللهم افعل اسم سمى به الفعل مثل صه ومه ورويدا وإليك ودونك وأصله أمين فأشبعت الهمزة كأنه فعيل من الأمن وليس به.
تمت سورة الفاتحة
стр. 17
سورة البقرة
المروى عن ابن عباس ﵄ في الم ونظائرها أن كل حرف منها عبارة عن اسم من أسماء الله مفتتح بتلك الحروف وعن الشعبي أنها أنفسها أسماء الله وعن عكرمة أنها أقسام
стр. 18
وقيل هجاء ألم أي أنزل ذلك الكتاب وقيل أنها حروف الجمل الحسابية إشارة إلى مقادير أشياء وآجال قوم وقال قطرب كانت العرب تعاهدوا أن لا يسمعوا القرآن وبلغوا فيه فافتتح بما لا يعلم تطرقاً إلى استماع ما يعلم وقال ثعلب إن الافتتاح بما لا يعلم صحيح على مذهبهم كقولهم ألا
стр. 19
إنك كذا ولا معنى في ألا سوى استحضار قلب السامع فكذلك أمر هذه الحروف وأكثر هذه الأقاويل مدخولة لأنها ليست على نهج كلام العرب ولأنه لا يجوز في كلام الحكيم الأصوات الخالية من المعنى وإنما الصواب في أحد الأقوال الثلاثة أحدهما أنها من المتشابة الذي لا يعلم تأويله إلا الله وهو قول أبي بكر الصديق ﵁ قال إن لكل كتاب سرا وسر الله في القرآن أوائل السور ولأنها سميت معجمة لإعجام بيانها وإبهام أمرها والقول الثاني ما قاله الحسن إنها أسماء للسور لأن الله أشار
стр. 20
بها هاهنا إلى الكتاب فإما أن يكون اسما للمشار إليه أو صفة وليس الموضع موضع الصفة لإنها لتحلية الموصوف بالمعاني المخصصة ولا معاني لهذه الحروف فتعينت أسماء أعلاماً فإن قيل فلم لم يعم جميع السور بالتسمية قلنا كما خص بعضها بتشريف في المعنى فإن قيل اشتركت سورتان وثلاث في تسمية قلنا كما يشترك جماعة من الناس في اسم واحد فإن قيل فيجب أن يكون غير السورة من حيث كان الاسم غير المسمي قلنا من يقول ذلك فإنما يقوله في الأشخاص التي حكمها حكم الألفاظ والقول الثالث أنها إشارة إلى أن ذلك الكتاب يتألف كم خذه الحروف كتأليف كلامهم فلو كان من عند غير الله لأتيتم بمثله ومعنى الإشارة في ذلك الكتاب الموعود إنزاله في الكتب السالفة من هذه الحروف وقيل معناه ذلك الكتاب الموعود بقوله
стр. 21
إنا سنلقى عليك قولا ثقيلا وقال الأصم يعني ب ذلك ما تقدم من القرآن فقد سبق البقرة سور كثيرة قال المبرد وأمثال هذا التقدير الذي يقر ذلك على وضعه أولى من التحول إلى أن ذلك بمعنى هذا وهما غير أن حاضر وغائب إلا أنه جاء أن ذلك معناه هذا عن الضحاك وغير في الكتاب الموفق
стр. 22
قال أبو عبيدة لقيني ملحد مرة فقال يا أبا عبيدة ألم ذلك الكتاب وهو هذا الكتاب فأي شيء ذلك من هذا؟ فقلت إن قبلت الحجة العربية قال هات قلت قول خفاف بن ندبة إن تك خيلي قد أصيب صميمها فعمدا على عيني تيممت مالكا وقلت له والرمح يأطر متنه تأمل خفافاً إنني أنا ذلكا
стр. 23
لا ريب فيه إخبار عن كون القرآن حقا مصدقا إذ أسباب الشك عنه زائلة وصفات التعقيد والتناقض منه بعيدة والإعجاز واقع والهدى حاصل والشيء إذا بلغ هذا المبلغ اتصف بأنه لا ريب فيه فيبطل بهذا سؤال من يقول إن المنكرين لا يقل ريبهم بالقول إنه لا ريب فيه واختصاص المتقين بهداهم على هذا الطريق وقيل إنه على جهة التعظيم لقدرهم والإشادة بذكرهم الذين يؤمنون بالغيب أي بما يغيب عن الحواس ولا يدرك إلا بالعقول وقيل بل المراد أنهم يؤمنون بالله ورسوله بظهر الغيب لا كالمنافقين الذين إذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وهذا كقوله تعالى من خشى الرحمن بالغيب وقوله ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب وقال الهذلي
стр. 24
أخالد ما راعيت من ذي قرابة فتحفظني بالغيب أو بعض ما تبدي والجار والمجرور في بالغيب من البيت والآية في موضع حال أي تحفظني غائباً ويؤمنون غائبين عن مراءاة الناس ومخافتهم وعلى القول الأول في موضع المفعول به إن الذين كفروا سواء عليهم في قوم من الكفار أخبر الله بعلمه فيهم كما أخبر نوحا فقال أنه لن يؤمن من قومك والحكم في الإنذار مع العلم بالإصرار إقامة الحجة وقيل ليكون الإرسال عاما وقيل لثبات الرسول على محاجة المعاندين وإنما جرى لفظ الاستفهام في ءأنذرتهم ومعناه الخبر لأن فيه التسوية التي في الاستفهام ألا ترى أنك إذا استفهمت فقلت أخرج زيد
стр. 25
أم قام فقد استوى الأمران عندك في الإبهام وعدمه على أحدهما بعينه كما إذا قلت في الخبر سواء على أخرجت أم أقمت كان الأمر في التسوية كذلك قال حسان ما أبالي أنب بالحزن تيس أم لحاني بظهر غيب لئيم وسمهم بسمة تعرفها الملائكة وفائدتها الوضع منهم والتبكيت كما أنه لما كتب الإيمان في قلوب المؤمنين كان تحلية لهم بما يرفعهم
стр. 26
آية على التشبيه لحالهم بحال المطبوع على قلبه المضروب على سمعه وبصره كما قال لقد أسمعت لو ناديت حيا ولكن لا حياة لمن تنادي وقال مجاهد الشيء إذا ختم ضم فالقلب إذا ران عليه المعاصي انضم ولم ينبسط بالإنذار ولم ينشرح بالإيمان وقيل إن المراد حفظ ما في قلوبهم للمجازاة إذ كل شيء يحفظ فإنه يختم وقيل إنه على الدعاء عليهم لا الخبر عنهم
стр. 27
وقيل بل المراد ظاهره وهو المنع ولكن المنع منعان منع بسلب القدرة ومنع بالخذلان والذي يجوز على الله منهما الخذلان وحبس التوفيق عقوبة لهم على كفرهم وإنما لم يجمع السمع لأنه أجرى مجرى المصدر أو لأنه توسط الجمعين فكان جمعا بدلالة القرينة مثل السموات والأرض والظلمات والنور يخدعون الله قد تكون المفاعلة من الواحد مثل عافاه الله وقاتله وعاقبت اللص وطارقت النعل ومعناه يعملون عمل المخادع وقيل إن المراد مخادعة الرسول والمؤمنين حين يساترونهم ما في قلوبهم لان الله لا يخفى عليه السرائر ولا يحتجب دونه الضمائر وهذا كقوله إن الذين يؤذون الله ورسوله أي يأذون أولياء الله
стр. 28
وأصل الخداع الاخفاء ومنه الحديث بين يدي الساعة سنون خداعة لأن امرها يخفى يظن بها الخصب فتجدب والدهر يقال له الخداع اخفاء صروفه ونلون خطوبه كما قال الأنصاري ذات أساهيج جمالية حشت بحاري وإقطاع أقضي بها الحاجات إن الفتى رهن بذي لونين خداع
стр. 29
وقيل معنى مخادعتهم إفسادهم ما بينهم وبين الله خدع الشيء فسد قال سويد حرة تجلو شتيتا واضحا كشعاع الشمس في الغيم سطع أبيض اللون لذيذا طعمه طيب الريق إذا الريق خدع وعلى هذا يطرد بمعنى وما يخادعون إلا أنفسهم لأن الإنسان يفسد نفسه ولكن لا يخفى عن نفسه شيئا يعلمه
стр. 30
في قلوبهم مرض أي شك قال البعيث فقلت لبشر إذ تبينت إنما يراد بنا في الأمر صماء صيلم تيقن فإن الشك داء وإنما ينجيك مصروم من الأمر مبرم وقيل غم وحزن كما قال حارثة بن بدر الغداني
стр. 31
إذا الهم أمسى وهو داء فأمضه ولست بممضيه وأنت تعادله وقل للفؤاد إذا نزا بك نزوة من الروع أفرخ أكثر الروع باطله وقيل مداجاة ونفاق كما قال أجامل أقواما حياء وقد أري صدورهم تغلى على مراضها وقيل معناه ظلمة وغمة كما قال
стр. 32
وليلة مرضت من كل ناحية فما يضيء لها شمس ولا قمر ولو أجرى المرض على ظاهره لكان أيضا قريبا فإن القلب جارحة من الجوارح يكون سليماً وسقيما وسويا وناقصا وإنما داؤه الجهل والفساد وودواؤه التعليم والإرشاد وأطباؤه الأنبياء ومن بعدهم العلماء قال السدي وزادهم عداوة الله مرضا فحذف المضاف كقوله فويل للقسية قلوبهم من ذكر الله أي من ترك ذكر الله وقيل زادهم الله بما فاتهم من حدود الشريعة وفروضها لأن من دعى إلى خير فلم يصلحه ازداد شرا إلى شر
стр. 33
ولهذا قيل إن القلب الغير التقي كلما هديته المراشد زدته فسادا كالبدن الغير نقي كلما غذوته الأطايب زدته سقاما وقيل زادهم مرضا زيادة تأييد الرسول وعلى القولين إضافة مرض قلوبهم إلى الله على طريق تسمية المسبب باسم السبب إذ الله لما كان هو الذي شرع الدين ونصر الرسول وهما سبب مرضهم جازت إضافة زيادة المرض إلى الله بسبب زيادة الآيات كما قال الفرزدق
стр. 34
سقتها خروق في المسامع لم تكن علاطا ولا موسومة في الملاغم أي لما سمعت السقاة أنها إبل فلان سقوها إتلالا فكان سبب السقي فعبر بالسبب عن المسبب بهذه الفصاحة وأنشد ابن السراج في مثل هذا الموضع شعر ذر الآكلين الماء ظلماً فما هم ينالون خيرا بعد أكلهم الماء
стр. 35
والماء لا تؤكل ولكنهم كانوا يبيعون شرب الأرض من صاحبها فيشترون بثمنه ما يأكلونه فاكتفي المسبب ومثله كثير الله يستهزئ بهم أي يجازيهم بالعقوبة على استهزائهم وقيل يرجع وبال استهزائهم عليهم وحمله ابن عباس ﵄ على استدراجهم والاستدراج زيادة النعم على التمادي في الخطيئات وقيل إنهم عوملوا في الدنيا بأحكام المسلمين وإذا دفعوا إلى أشد العذاب كان كالاستهزاء بهم وروى عدي بن حاتم في حديث طويل أنه يفتح لهم بابا الجنة ثم يرصفون إلى النار
стр. 36
وقيل إنه على مزاوجة الكلام كقوله تعالى وجزؤا سيئة سيئة قال تميم بن مقبل لعمر أبيك لقد شاقني خيال حزنت له أو حزن
стр. 37
وقال مزاحم العقيلي بكت درهم من نأيهم فتسرعت دموعي فأي الباكين ألوم أمستعبر يبكي من الهون والبلي أم آخر يبكي شجوه ويهيم وليس ثم حزن ولا بكاء ولكنهما مزاوجة ومكافأة ويمدهم في طغيانهم يملي لهم ويعمر عن ابن مسعود رضي الله عنه
стр. 38
وعن ابن عباس ﵄ يكلهم إلى نفوسهم ويخذلهم واختيارهم وقيل إنه على حذف المضاف أي يمدهم في جزاء طغيانهم ومد أمد واحد وقيل مد في الأمد وأمد في العدد وقال الفراء مد في الشيء له جاذب وفاعل وأمد من غيره والطغيان تعدي الطور وتجاوز القدر والهمة والحيرة
стр. 39
فما ربحت تجارتهم جاءت على سماعة العربية وإن كان الرابح هو التاجر كما قال جرير تعجب إذا فاجأني الشيب وارتقي إلى الرأس حتى ابيض مني المسائح فقد جعل المفروك لأنام ليله يحب حديثي والغيور والمشايح مثلهم كمثل الذي استوقد نارا قال السدي نزلت في قوم أسلموا ثم نافقوا
стр. 40
وقال سعيد بن جبير نزلت في اليهود كانوا ينتظرون مبعث النبي ﵇ ويستفتحون به فذلك استضاءتهم ثم كفرهم به ذهاب نورهم ويندفع على التأويلين قول الطاعن كيف يمثل المنافق الذي لا نور له بمن أعطي نورا ثم شاب أو كصيب الصعيب فيعل من صاب يصوب كسيد من ساد يسود ومعناه ذو صوب فيجوز مطرا ويجوز سحابا