← Адаб

Адаб · id 37540

الأدب الصغير ت خلف

ابن المقفع

Полный текст (72 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

الْأَدَبُ الصَّغِيرُ لِلْأَدِيبِ الْكَبِيرِ الْعَلاَّمَةِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْمُقَفَِّعِ نُسْخَةٌ مَضْبُوطَةٌ بِالشَّكْلِ التَّامِّ قَرَأَهُ وَعَلَّقَ عَلَيْهِ وائلُ بْنُ حَافِظِ بْنِ خَلَفٍ عَفَا اللهُ عَنْهُ الطَّبْعَةُ الأُولَى

стр. 2

الْأَدَبُ الصَّغِيرُ لِلْأَدِيبِ الْكَبِيرِ الْعَلاَّمَةِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْمُقَفَِّعِ ((وَقَدْ وَضَعْتُ فِي هَذَا الْكِتَابِ مِنْ كَلاَمِ النَّاسِ الْمَحْفُوظِ حُرُوفًا فِيهَا عَوْنٌ عَلَى عِمَارَةِ الْقُلُوبِ وَصِقَالِهَا وَتَجْلِيَةِ أَبْصَارِهَا، وَإِحْيَاءٌ لِلتَّفْكِيرِ، وَإِقَامَةٌ لِلتَّدْبِيرِ، وَدَلِيلٌ عَلَى مَحَامِدِ الْأُمُورِ وَمَكَارِمِ الْأَخْلاَقِ إِنْ شَاءَ اللهُ)) (ابن المقفع) قَرَأَهُ وَعَلَّقَ عَلَيْهِ وائلُ بْنُ حَافِظِ بْنِ خَلَفٍ عَفَا اللهُ عَنْهُ الطَّبْعَةُ الأُولَى

стр. 3

مقدَِّمة الْمُحَقِّقِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمينَ. والصلاة والسلام على الرسل والنبيينَ، لا سيما خاتمِهم العربي ذي المقام المأنوق في أعلى عِلِّيِّينَ. والرِّضَاءُ عن آله الطاهرينَ، وأصحابه والذين اتبعوهم بإحسان أجمعين. أما بعد: فَهَذَا كِتَابُ "الأدب الصغير" للأديب الأريب عبدِ اللهِ بْنِ الْمُقَفَِّعِ (١).

стр. 4

وَهُوَ خَلِيقٌ بِأنْ يصلَ ليد كُلِّ عربي قارئ، وَمَقْمَنَةٌ لأن يُتلى على كل أمي عابئ. وقد اشتمل على حِكَم شتى في الأخلاق والآداب لا تتساوق تحت معنى واحد، إنما هي أشبه شيء بخواطرَ كانت تسنح كلما قَدَحَ تَأَمُّلُ ابنِ المقفعِ زَنْدَ فِكْرِهِ، ثم تأتي الْقَرِيحَةُ بَعْدُ. وابن المقفع رَجُلٌ ثَبِيتٌ عَرُوفٌ، مُجَرَّذٌ مُجَرِّبٌ، طَلاَّعُ الثَّنَايا (١)، ثم هو رشيقُ القلم. وقد سطر في رَقِّ هذا الكتاب بقلمه السيال وأسلوبه البديع - الذي قلما يُبارى ويُوازى وإن ضَرَّجَ المحاكي الكلامَ وزينه - ما أفادته تجارِب الزمان، وما انتقاه من عيون الكلام (٢).

стр. 5

وقدمه بمقدمة لها القِدْحُ المُعَلَّى من البلاغة والفصاحة والبيان والتبيين. قال فيها: ((وَقَدْ وَضَعْتُ فِي هَذَا الْكِتَابِ مِنْ كَلاَمِ النَّاسِ الْمَحْفُوظِ حُرُوفًا فِيهَا عَوْنٌ عَلَى عِمَارَةِ الْقُلُوبِ وَصِقَالِهَا وَتَجْلِيَةِ أَبْصَارِهَا، وَإِحْيَاءٌ لِلتَّفْكِيرِ، وَإِقَامَةٌ لِلتَّدْبِيرِ، وَدَلِيلٌ عَلَى مَحَامِدِ الْأُمُورِ وَمَكَارِمِ الْأَخْلاَقِ إِنْ شَاءَ اللهُ)). وقد بدا لنا أن نعيد للكتاب بهاءَهُ، ونجدد رُوَاءَهُ؛ ففعلنا وحققناهُ. فجمعنا ما استطعنا من نسخ الكتاب المطبوعة (١) وقابلنا بينها، وأثبتنا في

стр. 6

المتن ما خلناه الأصوبَ منها، وما عُد اختلافًا ففي الحاشية مكانهُ، وما كان خطأً أهملناهُ. وعمدنا إلى بعض الغريب فشرحناهُ، وقصدنا إلى النص فضبطناهُ، وبالشكل التام زيناهُ. فَدُونَكَهُ.

стр. 7

بَيْدَ أَنَّ بعضَ مَن تناول الكتاب بالطبع قد عَلْوَنَ فِقَرَهِ (١) بعناوينَ ارتآها، ولو شئنا لفعلنا مثل هذا، غير أننا آثرنا أن يظل الكتاب كما وضعه صاحبُهُ. وللأخلاق الحسنة ومكارم الآداب في ديننا منزلةٌ سَنِيَّةٌ سَامِقَةٌ، بلغ من علو شأنها أن قال رسول الله ( ﷺ ): ((إنما بُعِثْتُ لأتمم صالحَ الأخلاقِ)) وفي لفظ: ((إنما بُعِثْتُ لأتمم مكارمَ الأخلاقِ)) (٢). وفرض الشارع الحكيم على الآباء تأديبَ الأبناء وتعليمَهم جميل الخصال ليكملَ نفعهم (٣)، فإن الذي يرجو منفعةَ غير المؤدب ويبتغي خيرَ ذي النَّزَقِ كالذي يبل الصخر الأصم كي يلينَ، أو يطبخ الحديد يلتمس أدمه. - قال ربنا (جل ثناؤه): ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم:١٢]. قال غير واحد: معنى قوله (تعالى ذكره): ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ أي: علموهم وأدبوهم. - ورُوِيَ عن رسول الله ( ﷺ ) أنه قال: ((مَا نَحَلَ والِدٌ وَلَدًا مِنْ نَحْلٍ أَفْضَلَ مِنْ

стр. 8

أَدَبٍ حَسَنٍ)). أخرجه البخاري في "التاريخ الكبير"، والترمذي في "السنن" (١٩٥٢)، والبيهقي في "السنن الكبير" (ج٣/ص٨٤) وضعفوه، وكذا ضعفه الذهبي وهو الصواب. وصححه الحاكم في "المستدرك" (٤/ ٢٦٣)!، ورمز له السيوطي بالصحة في "الجامع الصغير" (٨١١٨)!. - وعن عثمان الحاطبي قال: سمعت ابن عمر ﵄ يقول لرجل: ((أدب ابنك؛ فإنك مسئول عن ولدك ماذا أدبته وماذا علمته؟، وإنه مسئول عن برك وطواعيته لك)). أخرجه الإمام البيهقي في "السنن الكبير" (ج٣/ص٨٤). - وعن ضمرة بن ربيعة قال: سمعت سفيان الثوري ﵀ يقول: ((كان يقال: حُسْنُ الأدبِ يطفئ غضبَ الربِّ ) ا. هـ. أخرجه أبو نعيم في "حلية الأولياء وطبقات الأصفياء" [(ج٦/ص٣٣٩/رقم٩٠٩٧) ط/ مكتبة الإيمان بالمنصورة]. - وعن أبي زكريا العنبري قال: ((علم بلا أدب، كنار بلا حطب. وأدب بلا علم، كروح بلا جسم)) رواه الإمام السمعاني في أول كتابه "أدب الإملاء والاستملاء ". وانظر "الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع" للخطيب البغدادي (١/ ٨٠). - قال ابن المقفع: ((أَحَقُّ النَّاسِ بِالْعِلْمِ أَحْسَنُهُمْ تَأْدِيبًا)). - وقال أيضًا: ((أَفْضَلُ مَا يُورِثُ الآبَاءُ الْأَبْنَاءَ: الثَّنَاءُ الْحَسَنُ، وَالْأَدَبُ النَّافِعُ، وَالْإِخْوَانُ الصَّالِحُونَ)). "الأدب الصغير". - عن حَبِيبٍ الْجَلاَّبِ قَالَ: قِيلَ لابن المبارك ﵀: مَا خَيْرُ ما أُعْطِيَ الرَّجُلُ؟ قَالَ: ((غَرِيزَةُ عَقْلٍ فِيهِ)). قِيلَ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ؟ قَالَ: ((أَدَبٌ حَسَنٌ)).

стр. 9

قِيلَ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ؟ قَالَ: ((أَخٌ صَالِحٌ يَستَشِيرُهُ)). قِيلَ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ؟ قَالَ: ((صَمْتٌ طَوِيلٌ)). قِيلَ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ؟ قَالَ: ((مَوْتٌ عَاجِلٌ)) ا. هـ أخرجه ابن حبان في أول كتابه "روضة العقلاء". - وعن ابن المبارك ﵀، قال: ((مَن تهاون بالأدب عُوقب بحرمان السنن، ومن تهاون بالسنن عوقب بحرمان الفرائض، ومن تهاون بالفرائض عوقب بحرمان المعرفة)). - قال أبو نصر الفقيه: سمعت البوشنجيَّ - (أبا عبد الله محمد بن إبراهيم العبدي الفقيه المالكي. ﵀ - يقول: ((مَن أراد العلم والفقه بغير أدب؛ فقد اقتحم أن يكذب على الله ورسوله ﷺ )) "سير أعلام النبلاء" (١٣/ ٥٨٦). - وقال الطَّيبي في شرح حديث: ((مَا كَانَ الفُحْشُ فِي شَيْءٍ قَطُّ إِلاَّ شَانَهُ، وَلاَ كَانَ الْحَيَاءُ فِي شَيْءٍ قَطُّ إِلاَّ زَانَهُ)) قال: ((وأشار (يعني: النبيَّ ﷺ ) بهذين إلى أن الأخلاق الرذلة مِفتاح كل شر، بل هي الشر كله. والأخلاق الحسنة السَّنية مفتاح كل خير، بل هي الخير كله)) "فيض القدير" للعلامة المناوي [(ج٥ص٥٩٨) ط/ مكتبة مصر]. - وقال الحجاج بن أرطأة: ((إن أحدَكم إلى أدب حسن أحوجُ منه إلى خمسين حديثا)). - وقال ابن المبارك: قال لي مَخْلد بن الحسين: ((نحن إلى كثير من الأدب أحوج منا إلى كثير من الحديث)) "الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع" للخطيب البغدادي. - وقال علي بن أبي طالب ﵁ لابنه محمد ابن الحنفية: ((أذك قلبك

стр. 10

بالأدب كما تذكي النار بالحطب)) "العِقد الفريد" للعلامة ابن عبد ربه. - عن ابن أبي أويس قال: سمعت خالي مالكَ بْنَ أنسٍ ﵀ يقول: ((كانت أمي تلبسني الثياب، وتعممني وأنا صبي، وتوجهني إلى ربيعةَ بنِ أبي عبد الرحمن المدني، وتقول: ((يا بُني! ائت مجلس ربيعة، فتعلم من سمته وأدبه، قبل أن تتعلم من حديثه وفقهه)) أخرجه الإمام الكبير ابن عبد البر ﵀ في "التمهيد لما في الموطإِ من المعاني والأسانيد" [(ج٢ص٥) ط/ دار الكتب العلمية - بيروت- لبنان]. - وقال إبراهيم بن حبيب بن الشهيد: قال لي أبي: ((يا بني! ائت الفقهاء والعلماء، وتعلم منهم، وخذ من أدبهم وأخلاقهم وهديهم؛ فإن ذاك أحب إليَّ من كثير من الحديث)). - وقال ابن قيم الجوزية (قدس الله روحه ونور ضريحه): ((أدب المرء عنوان سعادته وفلاحه، وقلة أدبه عنوان شقاوته وبواره. فما استُجْلِب خيرُ الدنيا والآخرة بمثل الأدب، ولا استجلب حرمانهما بمثل قلة الأدب)) ا. هـ "مدارج السالكين" (ج٢/ص٢٩٧ - ٢٩٨). - وقال محمد بن علي: أدب الله محمدًا ( ﷺ ) بأحسن الآداب، فقال: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف:١٩٩]، فلما وعى قال: ﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ [الحشر:٧]. "البيان والتبيين" للجاحظ [(ج٢ص١٤) ط/ دار الكتب العلمية - بيروت - لبنان].

стр. 11

ذلك، واللهَ (جل ثناؤه) أسألُ أن يهديني لأحسن الأخلاق والأعمال لا يهدي لأحسنها إلا هو، وأن يصرف عني سيئ الأخلاق والأعمال لا يصرف عني سيئها إلا هو، وأن يحسن خُلُقي كما حسن خَلْقي، وأن يجعل عملي كله صالحًا، ولوجهه خالصًا، ولعباده نافعًا؛ إن ربي لسميع الدعاء،،، وخطه بيمينه وائل بنُ حافظ بنِ خلف غفر الله له ولوالديه، وأحسن إليهما وإليه ليلة الأربعاء الثامنَ عشرَ من شهر ربيع الآخِر لسنة اثنتين وثلاثين وأربعمائة وألف من الهجرة. الموافق: الثالث والعشرين من مارس (آذار) لعام ألفين وأحد عشر من الميلاد. بمنزلي الكائن بقرية العكريشة - مركز كفر الدوار - محافظة البحيرة - جمهورية مصر العربية هاتف رَقْم: ٠٠٢/ ٠١٦٠٨٢٧٨٣٦ waelhafez٩٥@gmail.com

стр. 12

ترجمة ابن المقفع مقتبسة من كتاب "تاريخ الإسلام" للإمام شمس الدين أبي عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان بن قَايْماز الذهبي (المتوفى: ٧٤٨هـ) ﵀ وطيب ثراه) عبد الله بن المقفع: أحد المشهورين بالكتابة والبلاغة، والترسل والبراعة [زاد في "سير أعلام النبلاء": أحد البلغاء والفصحاء، ورأس الكتاب، وأولي الانشاء، من نظراء عبد الحميد الكاتب]. وكان فارسيًّا فأسلم على يد عيسى بن علي عم السفاح وهو كهل، ثم كتب له واختص به. ومن كلام ابن المقفع قال: ((شربت من الخطب ريًّا، ولم أضبط لها رويًّا، فغاضت ثم فاضت، فلا هي نظامًا، ولا هي غيرها كلامًا)). قال الأصمعي: صنف ابن المقفع "الدرة اليتيمة" التي لم يصنف مثلها في فنها. وقد سُئل: مَن أدبك؟ قال: ((نفسي. كنت إذا رأيت من غيري حسنًا أتيته، وإذا رأيت قبيحًا أبيته)). ويقال: كان ابن المقفع علمه أكثر من عقله. وهو الذي وضع كتاب "كليلة ودمنة" فيما قيل، والأصح: أنه هو الذي

стр. 13

عربه من الفارسية (١). قال الهيثم بن عدي: جاء ابن المقفع إلى عيسى بن علي فقال: أريد أن أسلم على يديك، فقال: ليكن ذلك بمحضر من وجوه الناس غدًا. ثم جلس ابن المقفع وهو يأكل ويزمزم على دين المجوسية، فقال له عيسى: أتزمزم وأنت تريد أن تسلم؟! قال: ((أكره أن أبيت على غير دين)). وكان ابن المقفع يتهم بالزندقة. وعن المهدي قال: ((ما وجدت كتاب زندقة إلا وأصله ابن المقفع)) [تقدم أنا لا نُسلم بذلك. فكن على ذُِكر. راجع الحاشية رَقْم (١) من

стр. 14

مقدمة المحقق]. وقيل: إن ابن المقفع كان ينال من متولي البصرة سفيانَ بنِ معاويةَ بن يزيد بن المهلب ويسميه ابن المغتلمة، فحنق عليه وقتله بإذن المنصور، ولكونه كتب في توثق عبد الله بن علي من المنصور يقول: ((ومتى غدر بعمه فنساؤه طوالق، وعبيده أحرار، ودوابه حبس، والمسلمون في حل من بيعته)). فلما وقف المنصور على ذلك عظم عليه وكتب إلى سفيان يأمره بقتله. وقال المدائني: دخل ابن المقفع على سفيان، وقال: أتذكر ما كنت تقول في أمي؟ قال: ((أنشدك الله أيها الأمير في نفسي))، فأمر له بتنور فسجر، ثم قطع أربعته ثم سائر أعضائه وألقاها في التنور، وهو ينظر، وقال: ((ليس عليَّ في المثلة بك حرج؛ لأنك زنديق قد أفسدت الناس)). فسأل سليمان بن علي وعيسى عنه، فقيل: إنه دخل دار سفيان بن معاوية سليمًا ولم يخرج، فخاصماه إلى المنصور وأحضراه مقيدًا، فشهد شهود بالحال، فقال المنصور: أرأيتم إن قتلت سفيان، فخرج ابن المقفع من هذا المجلس أأقتلكم بسفيان؟ فنكلوا عن الشهادة كلهم، وعلموا أنه برضا المنصور. ويقال: إن ابن المقفع عاش ستًّا وثلاثين سنة. وحكى البلاذري أن سفيان ألقاه في بئر. وقيل: أدخله حمامًا وأغلقه عليه. وقيل: إن قتله كان في سنة خمس وأربعين ومائة. وقيل: في نحو سنة اثنتين وأربعين. [وذُكر أنه توفي سنة سبع وثلاثين ومائة].

стр. 15

وكان اسم أبيه داذويه، وكان كاتبًا، ولي للحجاج خراج فارس فخان وأخذ من الأموال، فعذبه الحجاج، فتقفعت يده فلقب المقفع. وقيل: بل الذي عذبه يوسف بن عمر الثقفي الأمير. والمقفَّع: بفتح الفاء، الصحيح. وقال ابن مكي في كتاب "تثقيف اللسان": يقولون ابن المقفَّع، والصواب بكسر الفاء؛ لأنه كان يعمل القفاع ويبيعها، وهي قفاف الخوص)) ا. هـ.

стр. 16

الْأَدَبُ الصَّغِيرُ لِلْأَدِيبِ الْكَبِيرِ الْعَلاَّمَةِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْمُقَفَِّعِ ((وَقَدْ وَضَعْتُ فِي هَذَا الْكِتَابِ مِنْ كَلاَمِ النَّاسِ الْمَحْفُوظِ حُرُوفًا فِيهَا عَوْنٌ عَلَى عِمَارَةِ الْقُلُوبِ وَصِقَالِهَا وَتَجْلِيَةِ أَبْصَارِهَا، وَإِحْيَاءٌ لِلتَّفْكِيرِ، وَإِقَامَةٌ لِلتَّدْبِيرِ، وَدَلِيلٌ عَلَى مَحَامِدِ الْأُمُورِ وَمَكَارِمِ الْأَخْلاَقِ إِنْ شَاءَ اللهُ)) (ابن المقفع) قَرَأَهُ وَعَلَّقَ عَلَيْهِ وائلُ بْنُ حَافِظِ بْنِ خَلَفٍ عَفَا اللهُ عَنْهُ الطَّبْعَةُ الأُولَى

стр. 17

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قال ابن المقفع: أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّ لِكُلِّ مَخْلُوقٍ حَاجَةً، وَلِكُلِّ حَاجَةٍ غَايَةً، وَلِكُلِّ غَايَةٍ سَبِيلاً. وَاللهُ وَقَّتَ لِلْأُمُورِ أَقْدَارَهَا، وَهَيَّأَ إِلَى الْغَايَاتِ سُبُلَهَا، وَسَبَّبَ الْحَاجَاتِ بِبَلاَغِهَا. فَغَايَةُ النَّاسِ وَحَاجَاتُهُمْ صَلاَحُ الْمَعَاشِ وَالْمَعَادِ، وَالسَّبِيلُ إِلَى دَرَْكِهَا الْعَقْلُ الصَّحِيحُ. وَأَمَارَةُ صِحَّةِ الْعَقْلِ: اخْتِيَارُ الْأُمُورِ بِالْبَصَرِ، وَتَنْفِيذُ الْبَصَرِ بِالْعَزْمِ. وَلِلْعُقُولِ سَجِيَّاتٌ وَغَرَائِزُ بِهَا تَقْبَلُ الْأَدَبَ، وَبِالْأَدَبِ تَنْمَى الْعُقُولُ وَتَزْكُو. فَكَمَا أَنَّ الْحَبَّةَ الْمَدْفُونَةَ فِي الْأَرْضِ لاَ تَقْدِرُ أَنْ تَخْلَعَ يَبَسَهَا وَتُظْهِرَ قُوَّتَهَا وَتَطْلُعَ فَوْقَ الْأَرْضِ بِزَهْرَتِهَا وَرَيْعِهَا (١) وَنَضْرَتِهَا وَنَمَائِهَا إِلاَّ بِمَعُونَةِ الْمَاءِ الَّذِي يَغُورُ (٢) إِلَيْهَا فِي مُسْتَوْدَعِهَا فَيُذْهِبَ عَنْهَا أَذَى الْيَبَسِ وَالْمَوْتِ، وَيُحْدِثَ لَهَا بِإِذْنِ اللهِ الْقُوَّةَ وَالْحَيَاةَ = فَكَذَلِكَ سَلِيقَةُ الْعَقْلِ مَكْنُونَةٌ (٣) فِي مَغْرِزِهَا مِنَ الْقَلْبِ، لاَ قُوَّةَ لَهَا وَلاَ حَيَاةَ بِهَا وَلاَ مَنْفَعَةَ عِنْدَهَا حَتَّى يَعْتَمِلَهَا الْأَدَبُ الَّذِي هُوَ ثِمَارُهَا وَحَيَاتُهَا وَلِقَاحُهَا.

стр. 18

وَجُلُّ الْأَدَبِ بِالْمَنْطِقِ، وَجُلُّ الْمَنْطِقِ بِالتَّعَلُّمِ، لَيْسَ مِنْهُ حَرْفٌ مِنْ حُرُوفِ مُعْجَمِهِ، وَلاَ اسْمٌ مِنْ أَنْوَاعِ أَسْمَائِهِ إِلاَّ وَهُوَ مَرْوِيٌّ مُتَعَلَّمٌ مَأْخُوذٌ عَنْ إِمَامٍ سَابِقٍ مِنْ كَلاَمٍ أَوْ كِتَابٍ؛ وَذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ النَّاسَ لَمْ يَبْتَدِعُوا أُصُولَهَا، وَلَمْ يَأْتِهِمْ عِلْمُهَا إِلاَّ مِنْ قِبَلِ الْعَلِيمِ الْحَكِيمِ. فَإِذَا خَرَجَ النَّاسُ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَهُمْ عَمَلٌ أَصِيلٌ وَأَنْ يَقُولُوا قَوْلاً بَدِيعًا؛ فَلْيَعْلَمِ الْوَاصِفُونَ الْمُخْبِرُونَ أَنَّ أَحَدَهُمْ - وَإِنْ أَحْسَنَ وَأَبْلَغَ - لَيْسَ زَائِدًا عَلَى أَنْ يَكُونَ كَصَاحِبِ فُصُوصٍ وَجَدَ يَاقُوتًا وَزَبَرْجَدًا وَمَرْجَانًا، فَنَظَمَهُ قَلاَئِدَ (١) وَسُمُوطًا (٢) وَأَكَالِيلَ (٣)، وَوَضَعَ كُلَّ فَصٍّ مَوْضِعَهُ، وَجَمَعَ إِلَى كُلِّ لَوْنٍ شِبْهَهُ وَمَا يَزِيدُهُ بِذَلِكَ حُسْنًا، فَسُمِّيَ بِذَلِكَ صَانِعًا (٤) رَفِيقًا. وَكَصَاغَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ صَنَعُوا مِنْهَا مَا يُعْجِبُ النَّاسَ مِنَ الْحُلِيِّ وَالْآَنِيَةِ. وَكَالنَّحْلِ وَجَدَتْ ثَمَرَاتٍ أَخْرَجَهَا اللهُ طَيِّبَةً، وَسَلَكَتْ سُبُلاً جَعَلَهَا اللهُ ذُلُلاً؛ فَصَارَ ذَلِكَ شِفَاءً وَطَعَامًا وَشَرَابًا مَنْسُوبًا إِلَيْهَا، مَذْكُورًا بِهِ أَمْرُهَا وَصَنْعَتُهَا. فَمَنْ جَرَى عَلَى لِسَانِهِ كَلاَمٌ يَسْتَحْسِنُهُ أَوْ يَسْتَحْسِنُ مِنْهُ، فَلاَ يَعْجَبَنَّ إِعْجَابَ الْمُخْتَرِعِ الْمُبْتَدِعِ؛ فَإِنَّهُ إِنَّمَا اجْتَنَاهُ كَمَا وَصَفْنَا. وَمَنْ أَخَذَ كَلاَمًا حَسَنًا عَنْ غَيْرِهِ فَتَكَلَّمَ بِهِ فِي مَوْضِعِهِ وَعَلَى وَجْهِهِ، فَلاَ تَرَيَنَّ

стр. 19

عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ ضُؤُولَةً (١)؛ فَإِنَّ مَنْ أُعِينَ عَلَى حِفْظِ كَلاَمِ الْمُصِيبِينَ، وَهُدِيَ لِلاقْتِدَاءِ بِالصَّالِحِينَ، وَوُفِّقَ لِلْأَخْذِ عَنِ الْحُكَمَاءِ، فَلاَ عَلَيْهِ أَنْ لاَ يَزْدَادَ؛ فَقَدْ بَلَغَ الْغَايَةَ، وَلَيْسَ بِنَاقِصِهِ فِي رَأْيِهِ وَلاَ غَامِطِهِ (٢) مِنْ حَقِّهِ أَنْ لاَ يَكُونَ هُوَ اسْتَحْدَثَ ذَلِكَ وَسَبَقَ إِلَيْهِ. وَإِنَّمَا إِحْيَاءُ الْعَقْلِ الَّذِي يَتِمُّ بِهِ وَيَسْتَحْكِمُ خِصَالٌ سَبْعٌ: الْإِيثَارُ بِالْمَحَبَّةِ، وَالْمُبَالَغَةُ فِي الطَّلَبِ، وَالتَّثَبُّتُ فِي الاخْتِيَارِ، وَالاعْتِقَادُ (٣) لِلْخَيْرِ، وَحُسْنُ الْوَعْيِّ (٤)، وَالتَّعَهُّدُ لِمَا اخْتِيرَ وَاعْتُقِدَ، وَوَضْعُ ذَلِكَ مَوْضِعَهُ قَوْلاً وَعَمَلاً. أَمَّا الْمَحَبَّةُ: فَإِنَّمَا (٥) يَبْلُغُ الْمَرْءُ مَبْلَغَ الْفَضْلِ فِي كُلِّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ حِينَ يُؤْثِرُ بِمَحَبَّتِهِ؛ فَلاَ يَكُونُ شَيْءٌ أَمْرَأَ وَلاَ أَحْلَى عِنْدَهُ مِنْهُ. وَأَمَّا الطَّلَبُ: فَإِنَّ النَّاسَ لاَ يُغْنِيهِمْ حُبُّهُمْ مَا يُحِبُّونَ وَهَوَاهُمْ مَا يَهْوَوْنَ عَنْ طَلَبِهِ وَابْتِغَائِهِ، وَلاَ يُدْرِكُ لَهُمْ بُغْيَتَهُمْ نَفَاسَتُهَا فِي أَنْفُسِهِمْ دُونَ الْجِدِّ وَالْعَمَلِ (٦).

стр. 20

وَأَمَّا التَّثَبُّتُ وَالتَّخَيُّرُ: فَإِنَّ الطَّلَبَ لاَ يَنْفَعُ إِلاَّ مَعَهُ وَبِهِ. فَكَمْ مِنْ طَالِبِ رَُشَْدٍ وَجَدَهُ وَالْغَيَّ مَعًا، فَاصْطَفَى مِنْهُمَا الَّذِي مِنْهُ هَرَبَ، وَأَلْغَى الَّذِي إِلَيْهِ سَعَى. فَإِذَا كَانَ الطَّالِبُ يَحْوِي غَيْرَ مَا يُرِيدُ وَهُوَ لاَ يَشُكُّ بِالظَّفَرِ؛ فَمَا أَحَقَّهُ بِشِدَّةِ التَّبْيينِ وَحُسْنِ الابْتِغَاءِ! وَأَمَّا اعْتِقَادُ الشَّيْءِ بَعْدَ اسْتِبَانَتِهِ: فَهُوَ مَا يُطْلَبُ مِنْ إِحْرَازِ الْفَضْلِ بَعْدَ مَعْرِفَتِهِ. وَأَمَّا الْحِفْظُ وَالتَّعَهُدُّ: فَهُوَ تَمَامُ الدَّرَْكِ (١)؛ لأَنَّ الْإِنْسَانَ مُوَكَّلٌ بِهِ النِّسْيَانُ وَالْغَفْلَةُ، فَلاَ بُدَّ لَهُ إِذَا اجْتَبَى صَوَابَ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ مِنْ أَنْ يَحْفَظَهُ عَلَيْهِ ذِهْنُهُ لِأَوَانِ حَاجَتِهِ. وَأَمَا الْبَصَرُ بِالْمَوْضِعِ: فَإِنَّمَا تَصِيرُ الْمَنَافِعُ كُلُّهَا إِلَى وَضْعِ الْأَشْيَاءِ مَوَاضِعَهَا، وَبِنَا إِلَى هَذَا كُلِّهِ حَاجَةٌ شَدِيدَةٌ. فَإِنَّنَا لَمْ نُوضَعْ فِي الدُّنْيَا مَوْضِعَ غِنىً وَخَفْضٍ (٢) وَلَكِنْ مَوْضِعَ فَاقَةٍ وَكَدٍّ (٣)، وَلَسْنَا إِلَى مَا يُمْسِكُ بِأَرْمَاقِنَا (٤) مِنْ الْمَأْكَلِ وَالْمَشْرَبِ بِأَحْوَجَ مِنَّا إِلَى مَا يُثْبِتُ عُقُولَنَا مِنَ الْأَدَبِ الَّذِي بِهِ تَفَاوُتُ الْعُقُولِ. وَلَيْسَ غِذَاءُ الطَّعَامِ بِأَسْرَعَ فِي نَبَاتِ الْجَسَدِ مِنْ غِذَاءِ الْأَدَبِ فِي نَبَاتِ الْعَقْلِ. وَلَسْنَا بِالْكَدِّ فِي طَلَبِ الْمَتَاعِ الَّذِي يُلْتَمَسُ بِهِ دَفْعُ الضَّرَرِ وَالْغَلَبَةُ بِأَحَقَّ مِنَّا بِالْكَدِّ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ الَّذِي

стр. 21

يُلْتَمَسُ بِهِ صَلاَحُ الدِّينِ وَالدُّنْيَا. وَقَدْ وَضَعْتُ فِي هَذَا الْكِتَابِ مِنْ كَلاَمِ النَّاسِ الْمَحْفُوظِ حُرُوفًا فِيهَا عَوْنٌ عَلَى عِمَارَةِ الْقُلُوبِ وَصِقَالِهَا (١) وَتَجْلِيَةِ أَبْصَارِهَا، وَإِحْيَاءٌ لِلتَّفْكِيرِ، وَإِقَامَةٌ لِلتَّدْبِيرِ، وَدَلِيلٌ عَلَى مَحَامِدِ الْأُمُورِ وَمَكَارِمِ الْأَخْلاَقِ إِنْ شَاءَ اللهُ. الْوَاصِفُونَ أَكْثَرُ مِنَ الْعَارِفِينَ، وَالْعَارِفُونَ أَكْثَرُ مِنَ الْفَاعِلَينَ. فَلْيَنْظُرِ امْرُؤٌ أَيْنَ يَضَعُ نَفْسَهُ. فَإِنَّ لِكُلِّ امْرِئٍ لَمْ تَدْخُلْ عَلَيْهِ آفَةٌ نَصِيبًا مِنَ اللُّبِّ يَعِيشُ بِهِ، لاَ يُحِبُّ أَنَّ لَهُ بِهِ مِنَ الدُّنيا ثَمَنًا. وَلَيْسَ كُلُّ ذِي نَصِيبٍ مِنَ اللُّبِّ بِمُسْتَوْجِبٍٍ أَنْ يُسَمَّى فِي ذَوِي الْأَلْبَابِ، وَلاَ أَنْ يُوصَفَ بِصِفَاتِهِمْ. فَمَنْ رَامَ (٢) أَنْ يَجْعَلَ نَفْسَهُ لِذَلِكَ الاسْمِ وَالْوَصْفِ أَهْلاً، فَلْيَأْخُذْ لَهُ عَتَادَهُ (٣)، وَلْيُعِدَّ لَهُ طُولَ أَيَّامِهِ، وَلْيُؤْثِرْهُ عَلَى أَهْوَائِهِ؛ فَإِنَّهُ قَدْ رَامَ أَمْرًا جَسِيمًا لاَ يَصْلُحُ عَلَى الْغَفْلَةِ، وَلاَ يُدْرَكُ بِالْمَعْجَِزَةِ (٤)، وَلاَ يَصِيرُ عَلَى الْأَثَرَةِ. وَلَيْسَ كَسَائِرِ أُمُورِ الدُّنْيَا وَسُلْطَانِهَا وَمَالِهَا وَزِينَتِهَا الَّتِي قَدْ يُدْرِكُ مِنْهَا الْمُتَوانِي مَا

стр. 22

يَفُوتُ الْمُثَابِرَ، وَيُصِيبُ مِنْهَا الْعَاجِزُ مَا يُخْطِئُ الْحَازِمَ. وَلْيُعْلَمْ أَنَّ عَلَى الْعَاقِلِ أُمُورًا إِذَا ضَيَّعَهَا حَكَمَ عَلَيْهِ عَقْلُهُ بِمُقَارَنَةِ الْجُهَّالِ. فَعَلَى الْعَاقِلِ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ النَّاسَ مُشْتَرِكُونَ مُسْتَوُون فِي الْحُبِّ لِمَا يُوافِقُ، وَالْبُغْضِ لِمَا يُؤْذِي، وَأَنَّ هَذِهِ مَنْزِلَةٌ اتَّفَقَ عَلَيْهَا الْحَمْقَى وَالْأَكْيَاسُ (١)، ثُمَّ اخْتَلَفُوا بَعْدَهَا فِي ثَلاَثِ خِصَالٍ هُنَّ جِمَاعُ الصَّوَابِ وَجِمَاعُ الخَطَإِ، وَعِنْدَهُنَّ تَفَرَّقَتِ الْعُلَمَاءُ وَالْجُهَّالُ، وَالْحَزَمَةُ (٢) وَالْعَجَزَةُ. الْبَابُ الْأَوَلُ (٣) مِنْ ذَلِكَ: أَنَّ الْعَاقِلَ يَنْظُرُ فِيمَا يُؤْذِيهِ وَفِيمَا يَسُرُّهُ، فَيَعْلَمَ أَنَّ أَحَقَّ ذَلِكَ بِالطَّلَبِ إِنْ كَانَ مِمَّا يُحِبُّ، وَأَحَقَّهُ بِالاتِقَاءِ إِنْ كَانَ مِمَّا يَكْرُهُ، أَطْوَلُهُ وَأَدْوَمُهُ وَأَبْقَاهُ؛ فَإِذَا هُوَ قَدْ أَبْصَرَ فَضْلَ الآخِرَةِ عَلَى الدُّنْيَا، وَفَضْلَ سُرُورِ الْمُرُوءَةِ عَلَى لَذَّةِ الْهَوَى، وَفَضْلَ الرَّأْيِ الْجَامِعِ الْعَامِّ الَّذِي تَصْلُحُ بِهِ الْأَنْفُسُ وَالْأَعْقَابُ عَلَى حَاضِرِ الرَّأْيِ الَّذِي يُسْتَمْتَعُ بِهِ قَلِيلاً ثُمَّ يَضْمَحِلُّ (٤)، وَفَضْلَ الْأَكَلاَتِ عَلَى الْأَكْلَةِ، وَالسَّاعَاتِ عَلَى السَّاعَةِ. وَالْبَابُ الثَّانِي (٥) مِنْ ذَلِكَ: هُوَ أَنْ يَنْظُرَ فِيمَا يُؤْثِرُ مِنْ ذَلِكَ، فَيَضَعَ الرَّجَاءَ

стр. 23

وَالْخَوْفَ فِيهِ مَوْضِعَهُ، فَلاَ يَجْعَلُ اتِّقَاءَهُ لِغَيْرِ الْمَخُوفِ، وَلاَ رَجَاءَهُ فِي غَيْرِ الْمُدْرَكِ. فَيَتْرُكُ (١) عَاجِلَ اللَّذَاتِ طَلَبًا لِآجِلِهَا، وَيَحْتَمِلُ قَرِيبَ الْأَذَى تَوَقِيًّا لِبَعِيدِهِ. فَإِذَا صَارَ إِلَى الْعَاقِبَةِ؛ بَدَا لَهُ أَنَّ قَرَارَهُ (٢) كَانَ تَوَرُّطًا، وَأَنَّ طَلَبَهُ كَانَ تَنَكُّبًا. الْبَابُ الثَّالِثُ (٣) مِنْ ذَلِكَ: هُوَ تَنْفِيذُ الْبَصَرِ بِالْعَزْمِ بَعْدَ الْمَعْرِفَةِ بِفَضْلِ الَّذِي هُوَ أَدْوَمُ، وَبَعْدَ التَّثَبُّتِ فِي مَوَاضِعِ الرَّجَاءِ وَالْخَوْفِ؛ فَإِنَّ طَالِبَ الْفَضْلِ بِغَيْرِ بَصَرٍ تَائِهٌ حَيْرَانُ، وَمُبْصِرَ الْفَضْلِ بِغَيْرِ عَزْمٍ ذُو زَمَانَةٍ (٤) مَحْرُومٌ. وَعَلَى الْعَاقِلِ مُحَاسَبَةُ نَفْسِهِ، وَمُخَاصَمَتُهَا (٥)، وَالْقَضَاءُ عَلَيْهَا، وَالْإِثَابَةُ لَهَا، وَالتَّنْكِيلُ بِهَا. أَمَّا الْمُحَاسَبَةُ: فَيُحَاسِبُهَا بِمَالِهَا، فَإِنَّهُ لاَ مَالَ لَهَا إِلاَ أَيَّامُهَا الْمَعْدُودَةُ الَّتِي مَا ذَهَبَ مِنْهَا لَمْ يُسْتَخْلَفْ كَمَا تُسْتَخْلَفُ النَّفَقَةُ، وَمَا جُعِل مِنْهَا فِي الْبَاطِلِ لَمْ يَرْجِعْ إِلَى الْحَقِّ، فَيَتَنَبَّهُ لِهَذِهِ الْمُحَاسَبَةِ عِنْدَ الْحَوْلِ إِذَا حَالَ (٦)، وَالشَّهْرِ إِذَا انْقَضَى، وَالْيَوْمِ إِذَا وَلَّى، فَيَنْظُرُ فِيمَا أَفْنَى مِنْ ذَلِكَ، وَمَا كَسَبَ لِنَفْسِهِ، وَمَا اكْتَسَبَ عَلَيْهَا، فِي أَمْرِ الدِّينِ وَأَمْرِ الدُّنْيَا، فَيَجْمَعُ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ فِيهِ إِحْصَاءٌ،

стр. 24

وَجِدٌّ، وَتَذْكِيرٌ لِلْأُمُورِ، وَتَبْكِيتٌ لِلنَّفْسِ، وَتَذْلِيلٌ لَهَا؛ حَتَّى تَعْتَرِفَ وَتُذْعِنَ. وَأَمَّا الْخُصُومَةُ: فَإِنَّ مِن طِبَاعِ النَّفْسِ الْأَمَّارَةِ بِالسُّوءِ (١) أَنْ تَدَّعِيَ الْمَعَاذِيرَ فِيمَا مَضَى، وَالْأَمَانِيَ فِيمَا بَقِيَ، فَيَرُدَّ عَلَيْهَا مَعَاذِيرَهَا وَعِلَلَهَا وَشُبُهَاتِهَا. وَأَمَّا الْقَضَاءُ: فَإِنَّهُ يَحْكُمُ فِيمَا أَرَادَتْ مِنْ ذَلِكَ عَلَى السَّيِّئَةِ بِأَنَّهَا فَاضِحَةٌ مُرْدِيَةٌ مُوْبِقَةٌ (٢)، وَلِلْحَسَنَةِ بِأَنَّهَا زَائِنَةٌ مُنْجِيَةٌ مُرْبِحَةٌ. وَأَمَّا الْإِثَابَةُ وَالتَّنْكِيلُ: فَإِنَّهُ يَسُرُّ نَفْسَهُ بِتَذَكُّرِ تِلْكَ الْحَسَنَاتِ وَرَجَاءِ عَوَاقِبِهَا وَتَأْمِيلِ فَضْلِهَا، وَيُعَاقِبُ نَفْسَهُ بِالتَّذَكُّرِ لِلسَّيِّئَاتِ وَالتَّبَشُّعِ بِهَا وَالاقْشِعْرَارِ مِنْهَا وَالْحُزْنِ لَهَا. فَأَفْضَلُ ذَوِي الْأَلْبَابِ أَشَدُّهُمْ لِنَفْسِهِ بِهَذَا أَخْذًا، وَأَقَلُّهُمْ عَنْهَا فِيهِ فَتْرَةً (٣). وَعَلَى الْعَاقِلِ أَنْ يَذْكُرَ الْمَوْتَ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ مِرَارًا، ذِكْرًا يُبَاشِرُ بِهِ الْقُلُوبَ وَيَقْذَعُ (٤) الطِّمَاحَ (٥)؛ فَإِنَّ فِي كَثْرَةِ ذِكْرِ الْمَوْتِ عِصْمَةً مِنَ الْأَشَرِ (٦)، وَأَمَانًا بِإِذْنِ اللهِ مِنَ الْهَلَعِ.

стр. 25

وَعَلَى الْعَاقِلِ أَنْ يُحْصِيَ عَلَى نَفْسِهِ مَسَاوِيَهَا فِي الدِّينِ [وَفِي الرَّأْيِ] (١) وَفِي الْأَخْلاَقِ وَفِي الْآدَابِ، فَيَجْمَعُ ذَلِكَ كُلَّهُ فِي صَدْرِهِ أَوْ فِي كِتَابٍ، ثُمَّ يُكْثِرُ عَرْضَهُ عَلَى نَفْسِهِ، وَيُكَلِّفُهَا إِصْلاَحَهُ، وَيُوَظِّفُ ذَلِكَ عَلَيْهَا تَوْظِيفًا مِنْ إِصْلاَحِ الْخَلَّةِ (٢) وَالْخَلَّتَيْنِ وَالْخِلاَلِ فِي الْيَوْمِ أَوِ الْجُمُْعَةِ أَوِ الشَّهْرِ. فَكُلَّمَا أَصْلَحَ شَيْئًا مَحَاهُ، وَكُلَّمَا نَظَرَ إِلَى مَحْوٍ اسْتَبْشَرَ، وَكُلَّمَا نَظَرَ إِلَى ثَابِتٍ اكْتَأَبَ. وَعَلَى الْعَاقِلِ أَنْ يَتَفَقَّدَ مَحَاسِنَ النَّاسِ وَيَحْفَظَهَا عَلَى نَفْسِهِ (٣)، وَيَتَعَهَدَهَا بِذَلِكَ مِثْلَ الَّذِي وَصَفْنَا فِي إِصْلاَحِ الْمَسَاوِئِ. وَعَلَى الْعَاقِلِ أَنْ لاَ يُخَادِنَ (٤) وَلاَ يُصَاحِبَ وَلاَ يُجَاوِرَ مِنَ النَّاسِ - مَا

стр. 26

اسْتَطَاعَ - إِلاَّ ذَا فَضْلٍ فِي الْعِلْمِ وَالدِّينِ وَالْأَخْلاَقِ؛ فَيَأْخُذَ عَنْهُ، أَوْ مُوَافِقًا لَهُ عَلَى إِصْلاَحِ ذَلِكَ؛ فَيُؤَيِّدَ مَا عِنْدَهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَلَيْهِ فَضْلٌ؛ فَإِنَّ الْخِصَالَ الصَّالِحَةَ مِنَ الْبِرِّ لاَ تَحْيَا وَلاَ تَنْمَى إِلاَّ بِالْمُوَافِقِينَ وَالْمُؤَيِّدِينَ، وَلَيْسَ لِذِي الْفَضْلِ قَرِيبٌ وَلاَ حَمِيمٌ أَقْرَبَ إِلَيْهِ [وَأَحَبَّ] (١) مِمَّنْ وَافَقَهُ عَلَى صَالِحِ الْخِصَالِ فَزَادَهُ وَثَبَّتَهُ. وَلِذَلِكَ زَعَمَ بَعْضُ الأَوَّلِينَ أَنَّ صُحْبَةَ بَلِيدٍ نَشَأَ مَعَ الْعُلَمَاءِ أَحَبُّ إِلَيْهِمْ مِنْ صُحْبَةِ لَبِيبٍ نَشَأَ مَعَ الْجُهَّالِ. وَعَلَى الْعَاقِلِ أَنْ لاَ يَحْزَنَ عَلَى شَيْءٍ فَاتَهُ مِنَ الدُّنْيَا أَوْ تَوَلَّى، وَأَنْ يُنْزِلَ مَا أَصَابَهُ مِنْ ذَلِكَ ثُمَّ انْقَطَعَ عَنْهُ مَنْزِلَةَ مَا لَمْ يُصِبْ، وَيُنْزِلَ مَا طَلَبَ مِنْ ذَلِكَ وَلَمْ يُدْرِكْهُ (٢) مَنْزِلَةَ مَا لَمْ يَطْلُبْ، وَلاَ يَدَعَ حَظَّهُ مِنَ السُّرُورِ بِمَا أَقْبَلَ مِنْهَا، وَلاَ يَبْلُغَنَّ ذَلِكَ سُكْرًا وَلاَ طُغْيَانًا؛ فَإِنَّ مَعَ السُّكْرِ النِّسْيَانَ، وَمَعَ الطُّغْيَانِ التَّهَاوُنَ، وَمَنْ نَسِيَ وَتَهَاوَنَ خَسِرَ. وَعَلَى الْعَاقِلِ أَنْ يُؤْنِسَ ذَوِي الْأَلْبَابِ بِنَفْسِهِ وَيُجَرِّئَهُمْ عَلَيْهَا حَتَّى يَصِيرُوا حَرَسًا عَلَى سَمْعِهِ وَبَصَرِهِ وَرَأْيِهِ، فَيَسْتَنِيمَ (٣) إِلَى ذَلِكَ وَيُرِيحَ لَهُ قَلْبَهُ، وَيَعْلَمَ أَنَّهُمْ لاَ يَغْفُلُونَ عَنْهُ إِذَا هُوَ غَفَلَ عَنْ نَفْسِهِ.

стр. 27

وَعَلَى الْعَاقِلِ - مَا لَمْ يَكُنْ مَغْلُوبًا عَلَى نَفْسِهِ - أَنْ لاَ يَشْغَلَهُ شُغْلٌ (١) عَنْ أَرْبَعِ سَاعَاتٍ: سَاعَةٍ يَرْفَعُ فِيهَا حَاجَتَهُ إِلَى رَبِّهِ، وَسَاعَةٍ يُحَاسِبُ فِيهَا نَفْسَهُ، وَسَاعَةٍ يُفْضِي فِيهَا إِلَى إِخْوَانِهِ وَثِقَاتِهِ الَّذِينَ يَصْدُقُونَهُ عَنْ عُيُوبِهِ وَيَنْصَحُونَهُ فِي أَمْرِهِ، وَسَاعَةٍ يُخْلِي فِيهَا بَيْنَ نَفْسِهِ وَبَيْنَ لَذَّتِهَا مِمَّا يَحِلُّ وَيَجْمُلُ؛ فَإِنَّ هَذِهِ السَّاعَةَ عَوْنٌ عَلَى السَّاعَاتِ الْأُخَرِ، وَإِنَّ اسْتِجْمَامَ الْقُلُوبِ وَتَوْدِيعَهَا (٢) زِيَادَةُ قُوَّةٍ لَهَا وَفَضْلُ بُلْغَةٍ. وَعَلَى الْعَاقِلِ أَنْ لاَ يَكُونَ رَاغِبًا (٣) إِلاَّ فِي إِحْدَى ثَلاَثِ خِصَالٍ: تَزَوُّدٍ لِمَعَادٍ، أَوْ مَرَمَّةٍ (٤) لِمَعَاشٍ، أَوْ لَذَّةٍ فِي غَيْرِ مَحْرَمٍ.

стр. 28

وَعَلَى الْعَاقِلِ أَنْ يَجْعَلَ النَّاسَ طَبَقَتَيْنِ مُتَبَايِنَتَيْنِ، وَيَلْبَسَ لَهُمْ لِبَاسَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ: فَطَبَقَةٌ مِنَ الْعَامَّةِ: يَلْبَسُ لَهُمْ لِبَاسَ انْقِبَاضٍ وَانْحِجَازٍ وَتَحَفُّظٍ فِي كُلِّ كَلِمَةٍ وَخَطْوَةٍ. وَطَبَقَةٌ مِنَ الْخَاصَّةِ: يَخْلَعُ عِنْدَهُمْ لِبَاسَ التَّشَدُّدِ، وَيَلْبَسُ لِبَاسَ الْأَنَسَةِ وَاللُّطْفِ (١) وَالْبِذْلَةِ وَالْمُفَاوَضَةِ. وَلاَ يُدْخِلُ فِي هَذِهِ الطَّبَقَةِ إِلاَّ وَاحِدًا (٢) مِنْ أَلْفٍ كُلِّهِمْ ذُو فَضْلٍ فِي الرَّأْيِ، وَثِقَةٍ فِي الْمَوَدَّةِ، وَأَمَانَةٍ فِي السِّرِّ، وَوَفَاءٍ بِالْإِخَاءِ. وَعَلَى الْعَاقِلِ أَنْ لاَ يَسْتَصْغِرَ شَيْئًا مِنَ الْخَطَإِ فِي الرَّأْيِّ، وَالزَّلَلِ فِي الْعِلْمِ، وَالْإِغْفَالِ فِي الْأُمُورِ؛ فَإِنَّهُ مَنِ اسْتَصْغَرَ الصَّغِيرَ أَوْشَكَ أَنْ يَجْمَعَ إِلَيْهِ صَغِيرًا وَصَغِيرًا، فَإِذَا الصَّغِيرُ كَبِيرٌ، وإِنَّمَا هِيَ ثُلَمٌ (٣) يَثْلِمُهَا الْعَجْزُ والتَّضْيِيعُ، فَإِذَا لَمْ تُسَدَّ أَوْشَكَتْ أَنْ تَتَفَجَّرَ بِمَا لاَ يُطَاقُ. وَلَمْ نَرَ شَيْئًا قَطُّ إِلاَّ قَدْ أُوتِيَ مِنْ قِبَلِ الصَّغِيرِ الْمُتَهَاوَنِ بِهِ. قَدْ رَأَيْنَا الْمُلْكَ يُؤْتَى مِنَ الْعَدُوِّ الْمُحْتَقَرِ بِهِ، وَرَأَيْنَا الْصِّحَّةَ تُؤْتَى مِنَ الدَّاءِ الَّذِي لاَ يُحْفَلُ بِهِ، وَرَأَيْنَا الْأَنْهَارَ تَنْبَثِقُ مِنَ الْجَدْوَلِ الَّذِي يُسْتَخَفُّ بِهِ. وَأَقَلُّ الْأُمُورِ احْتِمَالاً للضَّيَاعِ الْمُلْكُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ يَضِيعُ - وَإِنْ كَانَ صَغِيرًا - إِلاَّ اتَّصَلَ بِآخَرَ

стр. 29

يَكُونُ عَظِيمًا. وَعَلَى الْعَاقِلِ أَنْ يَجْبُنَ عَنِ الرَّأْيِ (١) الَّذِي لاَ يَجِدُ عَلَيْهِ مُوَافِقًا وَإِنْ ظَنَّ أَنَّهُ عَلَى الْيَقِينِ. وَعَلَى الْعَاقِلِ أَنْ يَعْرِفَ أَنَّ الرَّأْيَ وَالْهَوَى مُتَعَادِيَانِ، وَأَنَّ مِنْ شَأْنِ النَّاسِ تَسْوِيفَ الرَّأْيِّ وَإِسْعَافَ الْهَوَى. فَيُخَالِف ذَلِكَ وَيَلْتَمِس أَنْ لاَ يَزَالَ هَوَاهُ مُسَوَّفًا وَرَأْيُهُ مُسْعَفًا. وَعَلَى الْعَاقِلِ إِذَا اشْتَبَهَ عَلَيْهِ أَمْرَانِ فَلَمْ يَدْرِ فِي أَيِّهِمَا الصَّوَابُ أَنْ يَنْظُرَ أَهْوَاهُمَا عِنْدَهُ؛ فَيَحْذَرَهُ. وَمَنْ نَصَبَ نَفْسَهُ لِلنَّاسِ إِمَامًا فِي الدِّينِ، فَعَلَيْهِ أَنْ يَبْدَأَ بِتَعْلِيمِ نَفْسِهِ وَتَقْوِيمِهَا فِي السِّيرَةِ وَالطُِّعْمَةِ (٢) وَالرَّأْيِ وَاللَّفْظِ وَالْأَخْدَانِ (٣)؛ فَيَكُونَ تَعْلِيمُهُ بِسِيرَتِهِ أَبْلَغَ مِنْ تَعْلِيمِهِ بِلِسَانِهِ (٤)؛ فَإِنَّهُ كَمَا أَنَّ كَلاَمَ الْحِكْمَةِ يُونِقُ

стр. 30

الْأَسْمَاعَ (١)، فَكَذَلِكَ عَمَلُ الْحِكْمَةِ يَرُوقُ الْعُيُونَ وَالْقُلُوبَ. وَمُعَلِّمُ نَفْسِهِ وَمُؤَدِّبُهَا أَحَقُّ بِالْإِجْلاَلِ وَالتَّفْضِيلِ مِنْ مُعَلِّمِ النَّاسِ وَمُؤَدِّبِهِم. وِلاَيَةُ النَّاسِ بَلاَءٌ عَظِيمٌ (٢). وَعَلَى الْوَالِي أَرْبَعُ خِصَالٍ هِيَ أَعْمِدَةُ السُّلْطَانِ وَأَرْكَانُهُ الَّتِي بِهَا يَقُومُ

стр. 31

وَعَلَيْهَا يَثْبُتُ: الاجْتِهَادُ فِي التَّخَيُّرِ، وَالْمُبَالَغَةُ فِي التَّقَدُّمِ، وَالتَّعَهُّدُ الشَّدِيدُ، وَالْجَزَاءُ الْعَتِيدُ. فَأَمَّا التَّخَيُّرُ لِلْعُمَّالِ وَالْوُزَرَاءِ: فَإِنَّهُ نِظَامُ الْأَمْرِ وَوَضْعُ مَؤُونَةِ الْبَعِيدِ الْمُنْتَشِرِ؛ فَإِنَّهُ عَسَى أَنْ يَكُونَ بِتَخَيُّرِهِ رَجُلاً وَاحِدًا قَدِ اخْتَارَ أَلْفًا؛ لِأَنَّهُ مَنْ كَانَ مِنَ العُمَّالِ خِيَارًا فَسَيَخْتَارُ كَمَا اخْتِيرَ. وَلَعَلَّ عُمَّالَ الْعَامِلِ وَعُمَّالَ عُمَّالِهِ يَبْلُغُونَ عَدَدًا كَثِيرًا. فَمَنْ تَبَيَّنَ التَّخَيُّرَ فَقَدْ أَخَذَ بِسَبَبٍ وَثِيقٍ، وَمَنْ أَسَّسَ أَمْرَهُ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ لَمْ يَجِدْ لِبُنْيَانِهِ (١) قِوَامًا (٢).

стр. 32

وَأَمَّا التَّقْدِيمُ وَالتَّوْكِيدُ: فَإِنَّهُ لَيْسَ كُلُّ ذِي لُبٍّ أَوْ ذِي أَمَانَةٍ يَعْرِفُ وُجُوهَ الْأُمُورِ وَالْأَعْمَالِ، وَلَوْ كَانَ بِذَلِكَ عَارِفًا لَمْ يَكُنْ صَاحِبُهُ حَقِيقًا أَنْ يَكِلَ ذَلِكَ إِلَى عِلْمِهِ دُونَ تُوْقِيفِهِ عَلَيْهِ وَتَبْيِينِهِ لَهُ وَالاحْتِجَاجِ عَلَيْهِ بِهِ. وَأَمَّا التَّعَهُّدُ: فَإِنَّ الْوَالِي إِذَا فَعَلَ ذَلِكَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا، وَإِنَّ الْعَامِلَ إِذَا فُعِلَ ذَلِكَ بِهِ كَانَ مُتَحَصِّنًا حَرِيزًا. وَأَمَّا الْجَزَاءُ: فَإِنَّهُ تَثْبِيتُ الْمُحْسِنِ، وَالرَّاحَةُ مِنَ الْمُسِيءِ. لاَ يُسْتَطَاعُ السُّلْطَانُ إِلاَّ بِالْوُزَرَاءِ وَالْأَعْوَانِ، وَلاَ يَنْفَعُ الْوُزَرَاءُ إِلاَّ بِالْمَوَدَّةِ وَالنَّصِيحَةِ، وَلاَ الْمَوَدَّةُ إِلاَّ مَعَ الرَّأْيِ وَالْعَفَافِ. وَأَعْمَالُ السُّلْطَانِ كثيرةٌ، وَقَلِيلٌ مَا تُسْتَجْمَعُ الْخِصَالُ الْمَحْمُودَةُ عِنْدَ أَحَدٍ، وَإِنَّمَا الْوَجْهُ فِي ذَلِكَ وَالسَّبِيلُ الَّذِي بِهِ يَسْتَقِيمُ الْعَمَلُ أَنْ يَكُونَ صَاحِبُ السُّلْطَانِ عَالِمًا بِأُمُورِ مَنْ يُرِيدُ الاسْتِعَانَةَ بِهِ، وَمَا عِنْدَ كُلِّ رَجُلٍ مِنَ الرَّأْيِ وَالْغَنَاءِ (١)، وَمَا فِيهِ مِنَ الْعُيُوبِ. فَإِذَا اسْتَقَرَّ ذَلِكَ عِنْدَهُ عَنْ عِلْمِهِ وَعَلِمَ (٢) مَنْ يَأْتَمِنُ، وَجَّهَ لِكُلِّ عَمَلٍ مَنْ قَدْ عَرَفَ أَنَّ عِنْدَهُ مِنَ الرَّأْيِ وَالنَّجْدَةِ وَالْأَمَانَةِ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ فِيهِ، وَأَنَّ مَا فِيهِ مِنَ الْعُيُوبِ لاَ يَضُرُّ بِذَلِكَ. وَيَتَحَفَّظُ مِنْ أَنْ يُوَجِّهَ أَحَدًا وَجْهًا لاَ يَُحْتَاجُ فِيهِ إِلَى مُرُوءَةٍ إِنْ كَانَتْ عِنْدَهُ، وَلاَ يَأْمَنُ عُيُوبَهُ وَمَا يَُكْرَهُ مِنْهُ.

стр. 33

ثُمَّ عَلَى الْمُلُوكِ بَعْدَ ذَلِكَ تَعَهُّدُ (١) عُمَّالِهِمْ وَتَفَقُّدُ أُمُورِهِمْ، حَتَّى لاَ يَخْفَى عَلَيْهِمْ إِحْسَانُ مُحْسِنٍ، وَلاَ إِسَاءَةُ مُسِيءٍ. ثُمَّ عَلَيْهِمْ بَعْدَ ذَلِكَ أَنْ لاَ يَتْرُكُوا مُحْسِنًا بِغَيْرِ جَزَاءٍ، وَلاَ يُقِرُّوا مُسِيئًا وَلاَ عَاجِزًا عَلَى الْإِسَاءَةِ وَالْعَجْزِ. فَإِنَّهُمْ إِنْ تَرَكُوا ذَلِكَ؛ تَهَاوَنَ الْمُحْسِنُ، وَاجْتَرَأَ الْمُسِيءُ، وَفَسَدَ الْأَمْرُ، وَضَاعَ الْعَمَلُ. اقْتِصَارُ السَّعْيِ إِبْقَاءٌ لِلْجَمَامِ (٢). وَفِي بُعْدِ الْهِمَّةِ يَكُونُ النَّصَبُ (٣). وَمَنْ سَأَلَ فَوْقَ قَدْرِهِ (٤) اسْتَحَقَّ الْحِرْمَانَ (٥). وَسُوءُ حَمْلِ الْغِنَى أَنْ يَكُونَ عِنْدَ الْفَرَحِ مَرِحًا. وَسُوءُ حَمْلِ الْفَاقَةِ أَنْ يَكُونَ عِنْدَ الطَّلَبِ شَرِهًا (٦). وَعَارُ الْفَقْرِ

стр. 34

أَهْوَنُ مِنْ عَارِ الْغِنَى. وَالْحَاجَةُ مَعَ الْمَحَبَّةِ خَيْرٌ مِنَ الْغِنَى مَعَ الْبِغْضَةِ (١). الدُّنْيَا دُوَلٌ، فَمَا كَانَ لَكَ مِنْهَا أَتَاكَ عَلَى ضَعْفِكَ، وَمَا كَانَ عَلَيْكَ لَمْ تَدْفَعْهُ بِقُوَّتِكَ. إِذَا جُعِلَ الْكَلاَمُ مَثَلاً؛ كَانَ ذَلِكَ أَوْضَحَ لِلْمَنْطِقِ، وَأَبْيَنَ فِي الْمَعْنَى، وَآنَقَ لِلسَّمْعِ، وَأَوْسَعَ لِشُعُوبِ (٢) الْحَدِيثِ. أَشَدُّ الْفَاقَةِ عَدَمُ الْعَقْلِ. وَأَشَدُّ الْوَحْدَةِ وَحْدَةُ اللَّجُوجِ (٣). وَلاَ مَالَ أَفْضَلُ مِنَ الْعَقْلِ (٤). وَلاَ أَنِيسَ آنَسُ مِنَ الاسْتِشَارَةِ.

стр. 35

مِمَّا يُعْتَبَرُ بِهِ صَلاَحُ الصَّالِحِ وَحُسْنُ نَظَرِهِ لِلنَّاسِ أَنْ يَكُونَ إِذَا اسْتَعْتَبَ الْمُذْنِبَ سَتُورًا لاَ يُشِيعُ وَلاَ يُذِيعُ، وَإِذَا اسْتُشِيرَ سَمْحًا بِالنَّصِيحَةِ مُجْتَهِدًا لِلرَّأْيِ، وَإِذَا اسْتَشَارَ مُطَّرِحًا لِلْحَيَاءِ مُنَفِّذًا لِلْحَزْمِ مُعْتَرِفًا لِلْحَقِّ. الْقَسْمُ الَّذِي يُقْسَمُ لِلنَّاسِ وَيُمَتَّعُونَ بِهِ نَحْوَانِ: فَمِنْهُ حَارِسٌ، وَمِنْهُ مَحْرُوسٌ. فَالْحَارِسُ الْعَقْلُ، وَالْمَحْرُوسُ الْمَالُ (١). وَالْعَقْلُ - بِإِذْنِ اللهِ - هُوَ الَّذِي يُحْرِزُ الْحَظَّ، وَيُؤْنِسُ الْغُرْبَةَ، وَيَنْفِي الْفَاقَةَ، وَيُعَرِّفُ النَّكِرَةَ، وَيُثَمِّرُ الْمَكْسَبَةَ، وَيُطَيِّبُ الثَّمَرَةَ، وَيُوَجِّهُ السُّوقَةَ (٢)

стр. 36

عِنْدَ السُّلْطَانِ، وَيَسْتَنْزِلُ لِلسُّلْطَانِ نَصِيحَةَ السُّوقَةِ، وَيُكْسِبُ الصَّدِيقَ، وَيَكْفِي الْعَدُوَّ. كَلاَمُ اللَّبِيبِ - وَإِنْ كَانَ نَزْرًا (١) - أَدَبٌ عَظِيمٌ. وَمُقَارَفَةُ الْمَأْثَمِ - وَإِنْ كَانَ مُحْتَقَرًا - مُصِيبَةٌ جَلِيلَةٌ. وَلِقَاءُ الْإِخْوَانِ - وَإِنْ كَانَ يَسِيرًا - غُنْمٌ (٢) حَسَنٌ. قَدْ يَسْعَى إِلَى أَبْوَابِ السُّلْطَانِ أَجْنَاسٌ مِنَ النَّاسِ كَثِيرٌ. أَمَّا الصَّالِحُ فَمَدْعُوٌ، وَأَمَّا الطَّالِحُ فَمُقْتَحِمٌ، وَأَمَّا ذُو الْأَدَبِ فَطَالِبٌ، وَأَمَّا مَنْ لاَ أَدَبَ لَهُ فَمُحْتَبَسٌ (٣)، وَأَمَّا الْقَوِيُّ فَمُدَافِعٌ، وَأَمَّا الضَّعِيفُ فَمَدْفُوعٌ، وَأَمَّا الْمُحْسِنُ فَمُسْتَثِيبٌ، وَأَمَّا الْمُسِيءُ فَمُسْتَجِيرٌ. فَهُوَ مَجْمَعُ الْبَرِّ وَالْفَاجِرِ، وَالْعَالِمِ وَالْجَاهِلِ، وَالشَّرِيفِ وَالْوَضِيعِ. النَّاسُ - إِلاَّ قَلِيلاً مِمَّنْ عَصَمَ اللهُ - مَدْخُولُونَ (٤) فِي أُمُورِهِمْ: فَقَائِلُهُمْ بَاغٍ، وَسَامِعُهُمْ عَيَّابٌ، وَسَائِلُهُمْ مُتَعَنِّتٌ، وَمُجِيبُهُمْ مُتَكَلِّفٌ، وَوَاعِظُهُمْ غَيْرُ مُحَقِّقٍ لِقَوْلِهِ بِالْفِعْلِ، وَمَوْعُوظُهُمْ غَيْرُ سَلِيمٍ مِنَ الاسْتِخْفَافِ، وَالْأَمِينُ مِنْهُمْ

стр. 37

غَيْرُ مُتَحَفِّظٍ مِنْ إِتْيَانِ الْخِيَانَةِ، وَذُو الصِّدْقِ (١) غَيْرُ مُحْتَرِسٍ مِنْ حَدِيثِ الْكَذَبَةِ، وَذُو الدِّينِ غَيْرُ مُتَوَرِّعٍ عَنْ تَفْرِيطِ الْفَجَرَةِ، وَالْحَازِمُ مِنْهُمْ غَيْرُ تَارِكٍ لِتَوَقُّعِ الدَّوَائِرِ (٢). يَتَنَاقَضُونَ الْبُِنَى (٣)، وَيَتَرَقَّبُونَ (٤) الدُّوَلَ، وَيَتَعَايَبُونَ بِالْهَمْزِ. مُولَعُونَ فِي الرَّخَاءِ بِالتَّحَاسُدِ، وَفِي الشِّدَّةِ بِالتَّخَاذُلِ. كَمْ قَدِ انْتُزِعَتِ الدُّنْيَا مِمَّنْ قَدِ اسْتَمْكَنَ مِنْهَا وَاعْتَكَفَتْ لَهُ، فَأَصْبَحَتِ الْأَعْمَالُ أَعْمَالَهُمْ وَالدُّنْيَا دُنْيَا غَيْرِهِمْ، وَأَخَذَ مَتَاعَهُمْ مَنْ لَمْ يَحْمَدْهُمْ، وَخَرَجُوا إِلَى مَنْ لاَ يَعْذُرُهُمْ. فَأَصْبَحْنَا خَلَفًا مِنْ بَعْدِهِمْ، نَتَوَقَّعُ مِثْلَ الَّذِي نَزَلَ بِهِمْ. فَنَحْنُ إِذَا تَدَبَّرْنَا أُمُورَهُمْ، أَحِقَّاءُ أَنْ نَنْظُرَ مَا نَغْبِطُهُمْ بِهِ فَنَتَّبِعَهُ، وَمَا نَخَافُ عَلَيْهِمْ مِنْهُ فَنَجْتَنِبَهُ. كَانَ يُقَالُ: إِنَّ اللهَ (تَعَالَى) قَدْ يَأْمُرُ بِالشَّيْءِ وَيَبْتَلِي بِثِقَلِهِ، وَيَنْهَى عَنِ الشَّيْءِ وَيَبْتَلِي بِشَهْوَتِهِ. فَإِذَا كُنْتَ لاَ تَعْمَلُ مِنَ الْخَيْرِ إِلاَّ مَا اشْتَهَيْتَ (٥)، وَلاَ تَتْرُكُ مِنَ الشَّرِّ إِلاَّ مَا

стр. 38

كَرِهْتَ (١)، فَقَدْ أَطْلَعْتَ الشَّيْطَانَ عَلَى عَوْرَتِكَ، وَأَمْكَنْتَهُ مِنْ رُمَّتِكَ (٢)، فَأَوْشَكَ أَنْ يَقْتَحِمَ عَلَيْكَ فِيمَا تُحِبُّ مِنَ الْخَيْرِ فَيُكَرِّهَهُ إِلَيْكَ، وَفِيمَا تَكْرَهُ مِنَ الشَّرِّ فَيُحَبِّبَهُ إِلَيْكَ. وَلَكِنْ يَنْبَغِي لَكَ فِي حُبِّ مَا تُحِبُّ مِنَ الْخَيْرِ التَّحَامُلُ عَلَى مَا يُسْتَثْقَلُ مِنْهُ، وَيَنْبَغِي لَكَ فِي كَرَاهَةِ مَا تَكْرَهُ مِنَ الشَّرِّ التَّجَنُّبُ (٣) لِمَا تُحِبُّ مِنْهُ. الدُّنْيَا زُخْرُفٌ يَغْلِبُ الْجَوَارِحَ مَا لَمْ تَغْلِبْهُ الْأَلْبَابُ. وَالْحَكِيمُ مَنْ يُغْضِي عَنْهُ طَرْفَهُ وَلَمْ يَشْغَلْ بِهِ قَلْبَهُ. اطَّلَعَ مِنْ أَدْنَاهُ فِيمَا وَرَاءَهُ، وَذَكَرَ [فِي بَدْئِهِ] (٤) لَوَاحِقَ شَرِّهِ، فَأَكَلَ مُرَّهُ، وَشَرِبَ كَدِرَهُ؛ لِيَحْلَوْلِيَ (٥) لَهُ، وَيَصْفُوَ فِي طُولٍ مِنْ إِقَامَةِ الْعَيْشِ الَّذِي يَبْقَى وَيَدُومُ، غَيْرَ عَائِفٍ لِلرَُّشَْدِ (٦) إِنْ لَمْ يَلْقَهُ بِرِضَاهُ، وَلَمْ يَأْتِهِ مِنْ طَرِيقِ هَوَاهُ.

стр. 39

لاَ تَأْلَفِ الْمُسْتَوْخمَ (١)، وَلاَ تُقِمْ عَلَى غَيْرِ الثِّقَةِ. قَدْ بَلَغَ فَضْلُ اللهِ عَلَى النَّاسِ مِنَ السَّعَةِ وَبَلَغَتْ نِعْمَتُهُ عَلَيْهِمْ مِنَ السُّبُوغِ (٢) مَا لَوْ أَنَّ أَخَسَّهُمْ حَظًّا وَأَقَلَّهُمْ مِنْهُ نَصِيبًا وَأَضْعَفَهُمْ عِلْمًا وَأَعْجَزَهُمْ عَمَلاً وَأَعْيَاهُمْ لِسَانًا بَلَغَ مِنَ الشُّكْرِ لَهُ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ بِمَا خَلَصَ إِلَيْهِ مِنْ فَضْلِهِ وَوَصَلَ إِلَيْهِ مِنْ نِعْمَتِهِ مَا بَلَغَ لَهُ مِنْهُ أَعْظَمُهُمْ حَظًّا وَأَوْفَرُهُمْ نَصِيبًا وَأَفْضَلُهُمْ عِلْمًا وَأَقْوَاهُمْ عَمَلاً وَأَبْسَطُهُمْ لِسَانًا؛ لَكَانَ عَمَّا اسْتَوْجَبَ اللهُ عَلَيْهِ مُقَصِّرًا، وَعَنْ بُلُوغِ غَايَةِ الشُّكْرِ بَعِيدًا. وَمَنْ أَخَذَ بِحَظِّهِ مِنْ شُكْرِ اللهِ، وَحَمْدِهِ، وَمَعْرِفَةِ نِعَمِهِ، وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ، وَالتَّحْمِيدِ لَهُ؛ فَقَدِ اسْتَوْجَبَ بِذَلِكَ مِنْ أَدَائِهِ إِلَى اللهِ الْقُرْبَةَ (٣) عِنْدَهُ، وَالْوَسِيلَةَ إِلَيْهِ، وَالْمَزِيدَ فِيمَا شَكَرَهُ عَلَيْهِ مِنْ خَيْرِ الدُّنْيَا، وَحُسْن ثَوَابِ الْآخِرَةِ. أَفْضَلُ مَا يُعْلَمُ بِهِ عِلْمُ ذِي الْعِلْمِ وَصَلاَحُ ذِي الصَّلاَحِ أَنْ يَسْتَصْلِحَ بِمَا أُوتِيَ مِنْ ذَلِكَ مَنِ اسْتَطَاعَ (٤) مِنَ النَّاسِ، وَيُرَغِّبَهُمْ فِيمَا رَغِبَ فِيهِ لِنَفْسِهِ مِنْ حُبِّ اللهِ، وَحُبِّ حِكْمَتِهِ، وَالْعَمَلِ بِطَاعَتِهِ، وَالرَّجَاءِ لِحُسْنِ ثَوَابِهِ فِي الْمَعَادِ إِلَيْهِ، وَأَنْ يُبَيِّنَ الَّذِي لَهُمْ مِنَ الْأَخْذِ بِذَلِكَ، وَالَّذِي عَلَيْهِمْ فِي تَرْكِهِ، وَأَنْ يُوَرِّثَ ذَلِكَ

стр. 40

أَهْلَهُ وَمَعَارِفَهُ؛ لِيَلْحَقَهُ أَجْرُهُ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ. الدِّينُ أَفْضَلُ الْمَوَاهِبِ الَّتِي وَصَلَتْ مِنَ اللهِ (تَعَالَى) إِلَى خَلْقِهِ، وَأَعْظَمُهَا مَنْفَعَةً، وَأَحْمَدُهَا فِي كُلِّ حِكْمَةٍ. فَقَدْ بَلَغَ فَضْلُ الدِّينِ وَالْحِكْمَةِ أَنْ مُدِحَا عَلَى أَلْسِنَةِ الْجُهَّالِ، عَلَى جَهَالَتِهِمْ بِهِمَا وَعَمَاهُمْ عَنْهُمَا. أَحَقُّ النَّاسِ بِالسُّلْطَانِ أَهْلُ الْمَعْرِفَةِ. وَأَحَقُّهُمْ بِالتَّدْبِيرِ الْعُلَمَاءُ. وَأَحَقُّهُمْ بِالْفَضْلِ أَعْوَدُهُمْ عَلَى النَّاسِ بِفَضْلِهِ. وَأَحَقُّهُمْ بِالْعِلْمِ أَحْسَنُهُمْ تَأْدِيبًا. وَأَحَقُّهُمْ بِالْغِنَى أَهْلُ الْجُودِ. وَأَقْرَبُهُمْ إِلَى اللهِ أَنْفَذُهُمْ فِي الْحَقِّ عِلْمًا وَأَكْمَلُهُمْ بِهِ عَمَلاً. وَأَحْكَمُهُمْ أَبْعَدُهُمْ مِنَ الشَّكِّ فِي اللهِ (تَعَالَى). وَأَصْوَبُهُمْ رَجَاءً أَوْثَقُهُمْ بِاللهِ. وَأَشَدُّهُم انْتِفَاعًا بِعِلْمِهِ أَبْعَدُهُمْ مِنَ الْأَذَى. وَأَرْضَاهُمْ فِي النَّاسِ أَفْشَاهُمْ مَعْرُوفًا. وَأَقْوَاهُمْ أَحْسَنُهُمْ مَعُونَةً. وَأَشْجَعُهُمْ أَشَدُّهُمْ عَلَى الشَّيْطَانِ. وَأَفْلَجُهُمْ بِالْحُجَّةِ (١) أَغْلَبُهُمْ لِلشَّهْوَةِ وَالْحِرْصِ. وَآخَذُهُمْ بِالرَّأْيِ أَتْرَكُهُمْ لِلْهَوَى. وَأَحَقُّهُمْ بِالْمَوَدَّةِ أَشَدُّهُمْ لِنَفْسِهِ حُبًّا. وَأَجْوَدُهُمْ أَصْوَبُهُمْ بِالْعَطِيَّةِ مَوْضِعًا. وَأَطْوَلُهُمْ رَاحَةً أَحْسَنُهُمْ لِلْأُمُورِ احْتِمَالاً. وَأَقَلُّهُمْ دَهَشًا (٢) أَرْحَبُهُمْ ذِرَاعًا (٣). وَأَوْسَعُهُمْ غِنًى أَقْنَعُهُمْ بِمَا أُوتِيَ. وَأَخْفَضُهُمْ عَيْشًا (٤)
следующие страницы →