Полный текст (72 стр.). Показаны 36–72 · переход к 41.
стр. 36
عِنْدَ السُّلْطَانِ، وَيَسْتَنْزِلُ لِلسُّلْطَانِ نَصِيحَةَ السُّوقَةِ، وَيُكْسِبُ الصَّدِيقَ، وَيَكْفِي الْعَدُوَّ.
كَلاَمُ اللَّبِيبِ - وَإِنْ كَانَ نَزْرًا (١) - أَدَبٌ عَظِيمٌ. وَمُقَارَفَةُ الْمَأْثَمِ - وَإِنْ كَانَ مُحْتَقَرًا - مُصِيبَةٌ جَلِيلَةٌ. وَلِقَاءُ الْإِخْوَانِ - وَإِنْ كَانَ يَسِيرًا - غُنْمٌ (٢) حَسَنٌ.
قَدْ يَسْعَى إِلَى أَبْوَابِ السُّلْطَانِ أَجْنَاسٌ مِنَ النَّاسِ كَثِيرٌ.
أَمَّا الصَّالِحُ فَمَدْعُوٌ، وَأَمَّا الطَّالِحُ فَمُقْتَحِمٌ، وَأَمَّا ذُو الْأَدَبِ فَطَالِبٌ، وَأَمَّا مَنْ لاَ أَدَبَ لَهُ فَمُحْتَبَسٌ (٣)، وَأَمَّا الْقَوِيُّ فَمُدَافِعٌ، وَأَمَّا الضَّعِيفُ فَمَدْفُوعٌ، وَأَمَّا الْمُحْسِنُ فَمُسْتَثِيبٌ، وَأَمَّا الْمُسِيءُ فَمُسْتَجِيرٌ. فَهُوَ مَجْمَعُ الْبَرِّ وَالْفَاجِرِ، وَالْعَالِمِ وَالْجَاهِلِ، وَالشَّرِيفِ وَالْوَضِيعِ.
النَّاسُ - إِلاَّ قَلِيلاً مِمَّنْ عَصَمَ اللهُ - مَدْخُولُونَ (٤) فِي أُمُورِهِمْ: فَقَائِلُهُمْ بَاغٍ، وَسَامِعُهُمْ عَيَّابٌ، وَسَائِلُهُمْ مُتَعَنِّتٌ، وَمُجِيبُهُمْ مُتَكَلِّفٌ، وَوَاعِظُهُمْ غَيْرُ مُحَقِّقٍ لِقَوْلِهِ بِالْفِعْلِ، وَمَوْعُوظُهُمْ غَيْرُ سَلِيمٍ مِنَ الاسْتِخْفَافِ، وَالْأَمِينُ مِنْهُمْ стр. 37
غَيْرُ مُتَحَفِّظٍ مِنْ إِتْيَانِ الْخِيَانَةِ، وَذُو الصِّدْقِ (١) غَيْرُ مُحْتَرِسٍ مِنْ حَدِيثِ الْكَذَبَةِ، وَذُو الدِّينِ غَيْرُ مُتَوَرِّعٍ عَنْ تَفْرِيطِ الْفَجَرَةِ، وَالْحَازِمُ مِنْهُمْ غَيْرُ تَارِكٍ لِتَوَقُّعِ الدَّوَائِرِ (٢).
يَتَنَاقَضُونَ الْبُِنَى (٣)، وَيَتَرَقَّبُونَ (٤) الدُّوَلَ، وَيَتَعَايَبُونَ بِالْهَمْزِ.
مُولَعُونَ فِي الرَّخَاءِ بِالتَّحَاسُدِ، وَفِي الشِّدَّةِ بِالتَّخَاذُلِ.
كَمْ قَدِ انْتُزِعَتِ الدُّنْيَا مِمَّنْ قَدِ اسْتَمْكَنَ مِنْهَا وَاعْتَكَفَتْ لَهُ، فَأَصْبَحَتِ الْأَعْمَالُ أَعْمَالَهُمْ وَالدُّنْيَا دُنْيَا غَيْرِهِمْ، وَأَخَذَ مَتَاعَهُمْ مَنْ لَمْ يَحْمَدْهُمْ، وَخَرَجُوا إِلَى مَنْ لاَ يَعْذُرُهُمْ.
فَأَصْبَحْنَا خَلَفًا مِنْ بَعْدِهِمْ، نَتَوَقَّعُ مِثْلَ الَّذِي نَزَلَ بِهِمْ.
فَنَحْنُ إِذَا تَدَبَّرْنَا أُمُورَهُمْ، أَحِقَّاءُ أَنْ نَنْظُرَ مَا نَغْبِطُهُمْ بِهِ فَنَتَّبِعَهُ، وَمَا نَخَافُ عَلَيْهِمْ مِنْهُ فَنَجْتَنِبَهُ.
كَانَ يُقَالُ: إِنَّ اللهَ (تَعَالَى) قَدْ يَأْمُرُ بِالشَّيْءِ وَيَبْتَلِي بِثِقَلِهِ، وَيَنْهَى عَنِ الشَّيْءِ وَيَبْتَلِي بِشَهْوَتِهِ.
فَإِذَا كُنْتَ لاَ تَعْمَلُ مِنَ الْخَيْرِ إِلاَّ مَا اشْتَهَيْتَ (٥)، وَلاَ تَتْرُكُ مِنَ الشَّرِّ إِلاَّ مَا стр. 38
كَرِهْتَ (١)، فَقَدْ أَطْلَعْتَ الشَّيْطَانَ عَلَى عَوْرَتِكَ، وَأَمْكَنْتَهُ مِنْ رُمَّتِكَ (٢)، فَأَوْشَكَ أَنْ يَقْتَحِمَ عَلَيْكَ فِيمَا تُحِبُّ مِنَ الْخَيْرِ فَيُكَرِّهَهُ إِلَيْكَ، وَفِيمَا تَكْرَهُ مِنَ الشَّرِّ فَيُحَبِّبَهُ إِلَيْكَ.
وَلَكِنْ يَنْبَغِي لَكَ فِي حُبِّ مَا تُحِبُّ مِنَ الْخَيْرِ التَّحَامُلُ عَلَى مَا يُسْتَثْقَلُ مِنْهُ، وَيَنْبَغِي لَكَ فِي كَرَاهَةِ مَا تَكْرَهُ مِنَ الشَّرِّ التَّجَنُّبُ (٣) لِمَا تُحِبُّ مِنْهُ.
الدُّنْيَا زُخْرُفٌ يَغْلِبُ الْجَوَارِحَ مَا لَمْ تَغْلِبْهُ الْأَلْبَابُ. وَالْحَكِيمُ مَنْ يُغْضِي عَنْهُ طَرْفَهُ وَلَمْ يَشْغَلْ بِهِ قَلْبَهُ. اطَّلَعَ مِنْ أَدْنَاهُ فِيمَا وَرَاءَهُ، وَذَكَرَ [فِي بَدْئِهِ] (٤) لَوَاحِقَ شَرِّهِ، فَأَكَلَ مُرَّهُ، وَشَرِبَ كَدِرَهُ؛ لِيَحْلَوْلِيَ (٥) لَهُ، وَيَصْفُوَ فِي طُولٍ مِنْ إِقَامَةِ الْعَيْشِ الَّذِي يَبْقَى وَيَدُومُ، غَيْرَ عَائِفٍ لِلرَُّشَْدِ (٦) إِنْ لَمْ يَلْقَهُ بِرِضَاهُ، وَلَمْ يَأْتِهِ مِنْ طَرِيقِ هَوَاهُ. стр. 39
لاَ تَأْلَفِ الْمُسْتَوْخمَ (١)، وَلاَ تُقِمْ عَلَى غَيْرِ الثِّقَةِ.
قَدْ بَلَغَ فَضْلُ اللهِ عَلَى النَّاسِ مِنَ السَّعَةِ وَبَلَغَتْ نِعْمَتُهُ عَلَيْهِمْ مِنَ السُّبُوغِ (٢) مَا لَوْ أَنَّ أَخَسَّهُمْ حَظًّا وَأَقَلَّهُمْ مِنْهُ نَصِيبًا وَأَضْعَفَهُمْ عِلْمًا وَأَعْجَزَهُمْ عَمَلاً وَأَعْيَاهُمْ لِسَانًا بَلَغَ مِنَ الشُّكْرِ لَهُ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ بِمَا خَلَصَ إِلَيْهِ مِنْ فَضْلِهِ وَوَصَلَ إِلَيْهِ مِنْ نِعْمَتِهِ مَا بَلَغَ لَهُ مِنْهُ أَعْظَمُهُمْ حَظًّا وَأَوْفَرُهُمْ نَصِيبًا وَأَفْضَلُهُمْ عِلْمًا وَأَقْوَاهُمْ عَمَلاً وَأَبْسَطُهُمْ لِسَانًا؛ لَكَانَ عَمَّا اسْتَوْجَبَ اللهُ عَلَيْهِ مُقَصِّرًا، وَعَنْ بُلُوغِ غَايَةِ الشُّكْرِ بَعِيدًا.
وَمَنْ أَخَذَ بِحَظِّهِ مِنْ شُكْرِ اللهِ، وَحَمْدِهِ، وَمَعْرِفَةِ نِعَمِهِ، وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ، وَالتَّحْمِيدِ لَهُ؛ فَقَدِ اسْتَوْجَبَ بِذَلِكَ مِنْ أَدَائِهِ إِلَى اللهِ الْقُرْبَةَ (٣) عِنْدَهُ، وَالْوَسِيلَةَ إِلَيْهِ، وَالْمَزِيدَ فِيمَا شَكَرَهُ عَلَيْهِ مِنْ خَيْرِ الدُّنْيَا، وَحُسْن ثَوَابِ الْآخِرَةِ.
أَفْضَلُ مَا يُعْلَمُ بِهِ عِلْمُ ذِي الْعِلْمِ وَصَلاَحُ ذِي الصَّلاَحِ أَنْ يَسْتَصْلِحَ بِمَا أُوتِيَ مِنْ ذَلِكَ مَنِ اسْتَطَاعَ (٤) مِنَ النَّاسِ، وَيُرَغِّبَهُمْ فِيمَا رَغِبَ فِيهِ لِنَفْسِهِ مِنْ حُبِّ اللهِ، وَحُبِّ حِكْمَتِهِ، وَالْعَمَلِ بِطَاعَتِهِ، وَالرَّجَاءِ لِحُسْنِ ثَوَابِهِ فِي الْمَعَادِ إِلَيْهِ، وَأَنْ يُبَيِّنَ الَّذِي لَهُمْ مِنَ الْأَخْذِ بِذَلِكَ، وَالَّذِي عَلَيْهِمْ فِي تَرْكِهِ، وَأَنْ يُوَرِّثَ ذَلِكَ стр. 40
أَهْلَهُ وَمَعَارِفَهُ؛ لِيَلْحَقَهُ أَجْرُهُ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ.
الدِّينُ أَفْضَلُ الْمَوَاهِبِ الَّتِي وَصَلَتْ مِنَ اللهِ (تَعَالَى) إِلَى خَلْقِهِ، وَأَعْظَمُهَا مَنْفَعَةً، وَأَحْمَدُهَا فِي كُلِّ حِكْمَةٍ. فَقَدْ بَلَغَ فَضْلُ الدِّينِ وَالْحِكْمَةِ أَنْ مُدِحَا عَلَى أَلْسِنَةِ الْجُهَّالِ، عَلَى جَهَالَتِهِمْ بِهِمَا وَعَمَاهُمْ عَنْهُمَا.
أَحَقُّ النَّاسِ بِالسُّلْطَانِ أَهْلُ الْمَعْرِفَةِ. وَأَحَقُّهُمْ بِالتَّدْبِيرِ الْعُلَمَاءُ. وَأَحَقُّهُمْ بِالْفَضْلِ أَعْوَدُهُمْ عَلَى النَّاسِ بِفَضْلِهِ. وَأَحَقُّهُمْ بِالْعِلْمِ أَحْسَنُهُمْ تَأْدِيبًا. وَأَحَقُّهُمْ بِالْغِنَى أَهْلُ الْجُودِ. وَأَقْرَبُهُمْ إِلَى اللهِ أَنْفَذُهُمْ فِي الْحَقِّ عِلْمًا وَأَكْمَلُهُمْ بِهِ عَمَلاً. وَأَحْكَمُهُمْ أَبْعَدُهُمْ مِنَ الشَّكِّ فِي اللهِ (تَعَالَى). وَأَصْوَبُهُمْ رَجَاءً أَوْثَقُهُمْ بِاللهِ. وَأَشَدُّهُم انْتِفَاعًا بِعِلْمِهِ أَبْعَدُهُمْ مِنَ الْأَذَى. وَأَرْضَاهُمْ فِي النَّاسِ أَفْشَاهُمْ مَعْرُوفًا. وَأَقْوَاهُمْ أَحْسَنُهُمْ مَعُونَةً. وَأَشْجَعُهُمْ أَشَدُّهُمْ عَلَى الشَّيْطَانِ. وَأَفْلَجُهُمْ بِالْحُجَّةِ (١) أَغْلَبُهُمْ لِلشَّهْوَةِ وَالْحِرْصِ. وَآخَذُهُمْ بِالرَّأْيِ أَتْرَكُهُمْ لِلْهَوَى. وَأَحَقُّهُمْ بِالْمَوَدَّةِ أَشَدُّهُمْ لِنَفْسِهِ حُبًّا. وَأَجْوَدُهُمْ أَصْوَبُهُمْ بِالْعَطِيَّةِ مَوْضِعًا. وَأَطْوَلُهُمْ رَاحَةً أَحْسَنُهُمْ لِلْأُمُورِ احْتِمَالاً. وَأَقَلُّهُمْ دَهَشًا (٢) أَرْحَبُهُمْ ذِرَاعًا (٣). وَأَوْسَعُهُمْ غِنًى أَقْنَعُهُمْ بِمَا أُوتِيَ. وَأَخْفَضُهُمْ عَيْشًا (٤) стр. 41
أَبْعَدُهُمْ مِنَ الْإِفْرَاطِ. وَأَظْهَرُهُمْ جَمَالاً أَظْهَرُهُمْ حَصَافَةً (١). وَآمَنُهُمْ فِي النَّاسِ آكَلُهُمْ نَابًا وَمِخْلَبًا. وَأَثْبَتُهُمْ شَهَادَةً عَلَيْهِمِ أَنْطَقُهُمْ عَنْهُمْ. وَأَعْدَلُهُمْ فِيهِمْ أَدْوَمُهُمْ مُسَالَمَةً لَهُمْ. وَأَحَقُّهُمْ بِالنِّعَمِ أَشْكَرُهُمْ لِمَا أُوتِيَ مِنْهَا.
أَفْضَلُ مَا يُورِثُ الآبَاءُ الْأَبْنَاءَ: الثَّنَاءُ الْحَسَنُ، وَالْأَدَبُ النَّافِعُ، وَالْإِخْوَانُ الصَّالِحُونَ.
فَصْلُ مَا بَيْنَ الدِّينِ وَالرَّأْيِ: أَنَّ الدِّينَ يَسْلَمُ (٢) بِالْإِيمَانِ، وَأَنَّ الرَّأْيَ يَثْبُتُ بِالْخُصُومَةِ. فَمَنْ جَعَلَ الدِّينَ خُصُومَةً فَقَدْ جَعَلَ الدِّينَ رَأْيًّا، وَمَنْ جَعَلَ الرَّأْيَ دِينًا فَقَدْ صَارَ شَارِعًا، وَمَنْ كَانَ هُوَ يُشَرِّعُ لِنَفْسِهِ الدِّينَ فَلاَ دِينَ لَهُ.
قَدْ يَشْتَبِهُ الدِّينُ وَالرَّأْيُ فِي أَمَاكِنَ لَوْلاَ تَشَابُهُهُمَا لَمْ يَحْتَاجَا إِلَى الْفَصْلِ.
الْعُجْبُ آفَةُ الْعَقْلِ، وَاللَّجَاجَةُ (٣) قُعُودُ الْهَوَى، وَالْبُخْلُ (٤) لِقَاحُ الْحِرْصِ، وَالْمِرَاءُ فَسَادُ الِّلسَانِ، وَالْحَمِيَّةُ سَبَبُ الْجَهْلِ، وَالْأَنَفَةُ تَوْءَمُ السَّفَهِ، стр. 42
وَالْمُنَافَسَةُ أُخْتُ الْعَدَاوَةِ.
إِذَا هَمَمْتَ بِخَيْرٍ فَبَادِرْ هَوَاكَ، لاَ يَغْلِبْكَ. وَإِذَا هَمَمْتَ بِشَرٍّ فَسَوِّفْ هَوَاكَ لَعَلَّكَ تَظْفَرُ. فَإِنَّ مَا مَضَى مِنَ الْأَيَّامِ وَالسَّاعَاتِ عَلَى ذَلِكَ هُوَ الْغُنْمُ.
لاَ يَمْنَعَنَّكَ صِغَرُ شَأْنِ امْرِئٍ مِنَ اجْتِنَاءِ مَا رَأَيْتَ مِنْ رَأْيِهِ صَوَابًا، وَالاصْطِفَاءِ لِمَا رَأَيْتَ مِنْ أَخْلاَقِهِ كَرِيمًا؛ فَإِنَّ اللُّؤْلُؤَةَ الْفَائِقَةَ لاَ تُهَانُ لِهَوَانِ غَائِصِهَا الَّذِي اسْتَخْرَجَهَا.
مِنْ أَبْوَابِ التَّرَفُّقِ (١) وَالتَّوْفِيقِ فِي التَّعْلِيمِ (٢) أَنْ يَكُونَ وَجْهُ الرَّجُلِ الَّذِي يَتَوَجَّهُ فِيهِ مِنَ الْعِلْمِ وَالْأَدَبِ فِيمَا يُوَافِقُ طَاعَةً، وَيَكُونَ لَهُ عِنْدَهُ مَحْمَلٌ وَقَبُولٌ. فَلاَ يَذْهَبُ عَنَاؤُهُ فِي غَيْرِ غَنَاءٍ (٣)، وَلاَ تَفْنَى أَيَّامُهُ فِي غَيْرِ دَرَْكٍ (٤)، وَلاَ يَسْتَفْرِغُ نَصِيبَهُ فِيمَا لاَ يَنْجَعُ فِيهِ (٥)، وَلاَ يَكُونُ كَرَجُلٍ أَرَادَ أَنْ يُعَمِّرَ أَرْضًا تَهَِمَةً (٦). فَغَرَسَهَا جَوْزًا وَلَوْزًا، وَأَرْضًا стр. 43
جَلْسًا (١) فَغَرَسَهَا نَخْلاً وَمَوْزًا.
الْعِلْمُ زَيْنٌ لِصَاحِبِهِ فِي الرَّخَاءِ، وَمَنْجَاةٌ لَهُ فِي الشِّدَّةِ.
بِالْأَدَبِ تَعْمُرُ الْقُلُوبُ. وَبِالْعِلْمِ تَسْتَحْكِمُ الْأَحْلاَمُ. وَالْعَقْلُ الذَّاتِيُّ غَيْرُ الصَّنِيعِ كَالْأَرْضِ الطَّيِّبَةِ الْخَرَابِ.
مِمَّا يَدُلُّ عَلَى مَعْرِفَةِ اللهِ وَسَبَبُ الْإِيمَانِ (٢) أَنْ يُوَكِّلَ بِالْغَيْبِ لِكُلِّ ظَاهِرٍ مِنَ الدُّنْيَا صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ عَيْنًا، فَهُوَ يُصَرِّفُهُ وَيُحَرِّكُهُ.
فَمَنْ كَانَ مُعْتَبِرًا بِالْجَلِيلِ مِنْ ذَلِكَ فَلْيَنْظُرْ إِلَى السَّمَاءِ فَسَيَعْلَمُ أَنَّ لَهَا رَبًّا يُجْرِي فَلَكَهَا وَيُدَبِّرُ أَمْرَهَا.
وَمَنِ اعْتَبَرَ بِالصَّغِيرِ فَلْيَنْظُرْ إِلَى حَبَّةِ الْخَرْدَلِ فَسَيَعْرِفُ أَنَّ لَهَا مُدَبِّرًا يُنْبِتُهَا، وَيُزْكِيهَا، وَيُقَدِّرُ لَهَا أَقْوَاتَهَا مِنَ الْأَرْضِ وَالْمَاءِ، وَيُوَقِّتُ لَهَا زَمَانَ نَبَاتِهَا وَزَمَانَ تَهَشُّمِهَا.
وَأَمْرِ [النُّبُوءَةِ] (٣) وَالْأَحْلاَمِ، وَمَا يَحْدُثُ فِي أَنْفُسِ النَّاسِ مِنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ، ثُمَّ يَظْهَرُ مِنْهُمْ بِالْقَوْلِ وَالْفِعْلِ. стр. 44
ثُمَّ اجْتِمَاعِ الْعُلَمَاءِ وَالْجُهَّالِ وَالْمُهْتَدِينَ وَالضُّلاَّلِ عَلَى ذِكْرِ اللهِ (تَعَالَى) وَتَعْظِيمِهِ، وَاجْتِمَاعِ مَنْ شَكَّ فِي اللهِ (تَعَالَى) وَكَذَّبَ بِهِ عَلَى الإِقْرَارِ بِأَنَّهُمْ أُنْشِئُوا حَدِيثًا، وَمَعْرِفَتِهِمْ أَنَّهُمْ لَمْ يُحْدِثُوا أَنْفُسَهُمْ.
فَكُلُّ ذَلِكَ يَهْدِي إِلَى اللهِ، وَيَدُلُّ عَلَى الَّذِي كَانَتْ مِنْهُ هَذِهِ الْأُمُورُ، مَعَ مَا يَزيدُ ذَلِكَ يَقِينًا عِنْدَ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ اللهَ حَقٌّ كَبِيرٌ، وَلاَ يَقْدِرُ أَحَدٌ عَلَى أَنْ يُوقِنَ أَنَّهُ بَاطِلٌ (١).
إِنَّ لِلسُّلْطَانِ الْمُقْسِطِ حَقًّا لاَ يَصْلُحُ لِخَاصَّةٍ وَلاَ عَامَّةٍ أَمْرٌ إِلاَّ بِإِرَادَتِهِ، فَذُو اللُّبِّ حَقِيقٌ أَنْ يُخْلِصَ لَهُمُ النَّصِيحَةَ، وَيَبْذُلَ لَهُمُ الطَّاعَةَ، وَيَكْتُمَ سِرَّهُمْ، وَيُزَيِّنَ سِيرَتَهُمْ، وَيَذُبَّ بِلِسَانِهِ وَيَدِهِ عَنْهُمْ، وَيَتَوَخَّى مَرْضَاتِهِمْ، وَيَكُونَ مِنْ أَمْرِهِ الْمُؤَاتَاةُ (٢) لَهُمْ، وَالْإِيثَارُ لِأَهْوَائِهِمْ وَرَأْيِهِمْ عَلَى هَوَاهُ وَرَأْيِهِ، وَيُقَدِّرَ الْأُمُورَ عَلَى مُوَافَقَتِهِمْ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ لَهُ مُخَالِفًا، وَأَنْ يَكُونَ مِنْهُ الْجِدُّ فِي الْمُخَالَفَةِ لِمَنْ جَانَبَهُمْ وَجَهِلَ حَقَّهُمْ، وَلاَ يُوَاصِلَ مِنَ النَّاسِ إِلاَّ مَنْ لاَ تُبَاعِدُ مُوَاصَلَتُهُ إِيَّاهُ مِنْهُمْ، وَلاَ تَحْمِلَهُ عَدَاوَةُ أَحَدٍ لَهُ وَلاَ إِضْرَارٌ بِهِ عَلَى الاضْطِغَانِ (٣) عَلَيْهِمْ، وَلاَ مُؤَاتَاةُ أَحَدٍٍ عَلَى الاسْتِخْفَافِ بِشَيْءٍ مِنْ أُمُورِهِمْ وَالانْتِقَاصِ لِشَيْءٍ مِنْ حَقِّهِمْ، وَلاَ يَكْتُمَهُمْ شَيْئًا مِنْ نَصِيحَتِهِمْ، وَلاَ يَتَثَاقَلَ عَنْ شَيْءٍ مِنْ طَاعَتِهِمْ، وَلاَ يَبْطَرَ إِذَا أَكْرَمُوهُ، وَلاَ يَجْتَرِئَ عَلَيْهِمْ إِذَا قَرَّبُوهُ، وَلاَ стр. 45
يَطْغَى إِذَا سَلَّطُوهُ، وَلاَ يُلْحِفَ (١) إِذَا سَأَلَهُمْ، وَلاَ يُدْخِلَ عَلَيْهِمُ الْمَؤُونَةَ (٢)، وَلاَ يَسْتَثْقِلَ مَا حَمَّلُوهُ، وَلاَ يَغْتَرَّ بِهِمْ (٣) إِذَا رَضُوا عَنْهُ، وَلاَ يَتَغَيَّرَ لَهُمْ إِذَا سَخِطُوا عَلَيْهِ، وَأَنْ يَحْمَدَهُمْ عَلَى مَا أَصَابَ مِنْ خَيْرٍ مِنْهُمْ أَوْ مِنْ غَيْرِهِمْ؛ فَإِنَّهُ لاَ يَقْدِرُ أَحَدٌ عَلَى أَنْ يُصِيبَهُ بِخَيْرٍ إِلاَّ بِدِفَاعِ اللهِ عَنْهُ بِهِمْ.
مِمَّا يَدُلُّ عَلَى عِلْمِ الْعَالِمِ مَعْرِفَتُهُ بِمَا يُدْرَكُ مِنَ الْأُمُورِ، وَإِمْسَاكُهُ عَمَّا لاَ يُدْرَكُ، وَتَزْيِينُهُ نَفْسَهُ بِالْمَكَارِمِ، وَظُهُورُ عِلْمِهِ لِلنَّاسِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَظْهَرَ مِنْهُ فَخْرٌ وَلاَ عُجْبٌ، وَمَعْرِفَتُهُ زَمَانَهُ الَّذِي هُوَ فِيهِ، وَبَصَرُهُ بِالنَّاسِ، وَأَخْذُهُ بِالْقِسْطِ، وَإِرْشَادُهُ الْمُسْتَرْشِدَ، وَحُسْنُ مُخَالَقَتِهِ خُلَطَاءَهُ، وَتَسْوِيَتُهُ بَيْنَ قَلْبِهِ وَلِسَانِهِ، وَتَحَرِّيهِ الْعَدْلَ فِي كُلِّ أَمْرٍ، وَرَُحْبُ ذَرْعِهِ فِيمَا نَابَهُ، وَاحْتِجَاجُهُ بِالْحُجَجِ فِيمَا عَمِلَ، وَحُسْنُ تَبْصِيرِهِ.
مَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْصُرَ (٤) شَيْئًا مِنْ عِلْمِ الآخِرَةِ فَبِالْعِلْمِ الَّذِي يُعْرَفُ بِهِ ذَلِكَ. وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْصُرَ شَيْئًا مِنْ عِلْمِ الدُّنْيَا (٥) فَبِالْأَشْيَاءِ الَّتِي هِيَ تَدُلُّ عَلَيْهِ.
لِيَكُنِ الْمَرْءُ سَؤُولاً، وَلْيَكُنْ فَصُولاً بَيْنَ الْحَقِّ وَالَبَاطِلِ، وَلْيَكُنْ صَدُوقًا стр. 46
لِيُؤَمَّنَ عَلَى مَا قَالَ، وَلْيَكُنْ ذَا عَهْدٍ لِيُوَفَّى لَهُ بِعَهْدِهِ، وَلْيَكُنْ شَكُورًا لِيَسْتَوْجِبَ الزِّيَادَةَ، وَلْيَكُنْ جَوَادًا لِيَكُونَ لِلْخَيْرِ أَهْلاً، وَلْيَكُنْ رَحِيمًا بِالْمَضْرُورِينَ لِئَلاَّ يُبْتَلَى بِالضَُّرِّ، وَلْيَكُنْ وَدُودًا لِئَلاَّ يَكُونَ مَعْدِنًا لِأَخْلاَقِ الشَّيْطَانِ، وَلْيَكُنْ حَافِظًا لِلِسَانِهِ مُقْبِلاً عَلَى شَأْنِهِ لِئَلاَّ يُؤْخَذَ بِمَا لَمْ يَجْتَرِمْ، وَلْيَكُنْ مُتَوَاضِعًا لِيُفْرَحَ لَهُ بِالْخَيْرِ وَلاَ يُحْسَدَ عَلَيْهِ، وَلْيَكُنْ قَنِعًا لِتَقَرَّ عَيْنُهُ بِمَا أُوتِيَ، وَلْيُسِرَّ (١) لِلنَّاسِ بِالْخَيْرِ لِئَلاَّ يُؤْذِيَهُ الْحَسَدُ، وَلْيَكُنْ حَذِرًا لِئَلاَّ تَطُولَ مَخَافَتُهُ، وَلاَ يَكُونَنَّ (٢) حَقُودًا لِئَلاَّ يَضُرَّ بِنَفْسِهِ إِضْرَارًا بَاقِيًا، وَلْيَكُنْ ذَا حَيَاءٍ لِئَلاَّ يُسْتَذَمَّ لِلْعُلَمَاءِ (٣). فَإِنَّ مَخَافَةَ الْعَالِمِ مَذَمَةَ الْعُلَمَاءِ أَشَدُّ مِنْ مَخَافَتِهِ عُقُوبَةَ السُّلْطَانِ.
حَيَاةُ الشَّيْطَانِ تَرْكُ الْعِلْمِ، وَرُوحُهُ وَجَسَدُهُ الْجَهْلُ، وَمَعْدِنُهُ فِي أَهْلِ الْحِقْدِ وَالْقَسَاوَةِ، وَمَثْوَاهُ فِي أَهْلِ الْغَضَبِ، وَعَيْشُهُ فِي الْمُصَارَمَةِ (٤)، وَرَجَاؤُهُ فِي الْإِصْرَارِ عَلَى الذُّنُوبِ.
وَقَالَ (٥): لاَ يَنْبَغِي لِلْمَرْءِ أَنْ يَعْتَدَّ بِعِلْمِهِ وَرَأْيِهِ مَا لَمْ يُذَاكِرْهُ ذَوُو الْأَلْبَابِ стр. 47
وَلَمْ يُجَامِعُوهُ عَلَيْهِ؛ فَإِنَّهُ لاَ يُسْتَكْمَلُ عِلْمُ الْأَشْيَاءِ بِالْعَقْلِ الْفَرْدِ.
أَعْدَلُ السِّيَرِ أَنْ تَقِيسَ النَّاسَ بِنَفْسِكَ، فَلاَ تَأْتِي إِلَيْهِمْ إِلاَّ مَا تَرْضَى أَنْ يُؤْتَى إِلَيْكَ (١).
وَأَنْفَعُ الْعَقْلِ أَنْ تُحْسِنَ الْمَعِيشَةَ فِيمَا أُوتِيتَ مِنْ خَيْرٍ، وَأَنْ لاَ تَكْتَرِثَ مِنَ стр. 48
الشَّرِّ (١) بِمَا لَمْ يُصِبْكَ.
وَمِنَ الْعِلْمِ أَنْ تَعْلَمَ أَنَّكَ لاَ تَعْلَمُ بِمَا لاَ تَعْلَمُ.
وَمِنْ أَحْسَنِ ذَوِي الْعُقُولِ عَقْلاً مَنْ أَحْسَنَ تَقْدِيرَ أَمْرِ مَعَاشِهِ وَمَعَادِهِ تَقْدِيرًا لاَ يُفْسِدُ عَلَيْهِ وَاحِدًا مِنْهُمَا نَفَادُ الآخَرِ (٢)، فَإِنْ أَعْيَاهُ ذَلِكَ رَفَضَ الْأَدْنَى وَآثَرَ عَلَيْهِ الْأَعْظَمَ.
وَقَالَ: الْمُؤْمِنُ بِشَيْءٍ مِنَ الْأَشْيَاءِ - وَإِنْ كَانَ سِحْرًا - خَيْرٌ مِمَّنْ لاَ يُؤْمِنُ بِشَيْءٍ وَلاَ يَرْجُو مَعَادًا.
لاَ تُؤَدِّي التَّوْبَةُ أَحَدًا إِلَى النَّارِ، وَلاَ الْإِصْرَارُ عَلَى الذُّنُوبِ أَحَدًا إِلَى الْجَنَّةِ.
مِنْ أَفْضَلِ [أَعْمَالِ] (٣) الْبِرِّ ثَلاَثُ خِصَالٍ: الصِّدْقُ فِي الْغَضَبِ، وَالْجُودُ فِي الْعُسْرَةِ، وَالْعَفْوُ عِنْدَ الْمَقْدَُِرَةِ (٤). стр. 49
رَأْسُ الذُّنُوبِ الْكَذِبُ: هُوَ يُؤَسِّسُهَا وَهُوَ يَتَفَقَّدُهَا وَيُثَبِّتُهَا.
وَيَتَلَوَّنُ ثَلاَثَةَ أَلْوَانٍ: بِالْأُمْنِيَّةِ، وَالْجُحُودِ، وَالْجَدَلِ.
يَبْدُو لِصَاحِبِهِ (١) بِالْأُمْنِيَّةِ الْكَاذِبَةِ فِيمَا يُزَيَّنُ لَهُ مِنَ الشَّهَوَاتِ (٢) فَيُشَجِّعُهُ عَلَيْهَا بِأَنَّ ذَلِكَ سَيَخْفَى.
فَإِذَا ظَهَرَ عَلَيْهِ قَابَلَهُ بِالْجُحُودِ وَالْمُكَابَرَةِ.
فَإِنْ أَعْيَاهُ ذَلِكَ خَتَمَ بِالْجَدَلِ، فَخَاصَمَ عَنِ الْبَاطِلِ وَوَضَعَ لَهُ الْحُجَجَ، وَالْتَمَسَ بِهِ التَّثَبُّتَ وَكَابَرَ بِهِ الْحَقَّ حَتَّى يَكُونَ مُسَارِعًا لِلضَّلاَلَةِ وَمُكَابِرًا بِالْفَوَاحِشِ.
لاَ يَثْبُتُ دِينُ الْمَرْءِ عَلَى حَالَةٍ وَاحِدَةٍ أَبَدًا، وَلَكِنَّهُ لاَ يَزَالُ إِمَّا زَائِدًا وَإِمَّا نَاقِصًا.
مِنْ عَلاَمَاتِ اللَّئِيمِ الْمُخَادِعِ أَنْ يَكُونَ حَسَنَ الْقَوْلِ، سَيِّئَ الْفِعْلِ، بَعِيدَ الْغَضَبِ، قَرِيبَ الْحَسَدِ، حَمُولاً لِلْفُحْشِ، مُجَازِيًا بِالْحِقْدِ، مُتَكَلِّفًا لِلْجُودِ، صَغِيرَ الْخَطَرِ، مُتَوَسِّعًا فِيمَا لَيْسَ لَهُ، ضَيِّقًا فِيمَا يَمْلِكُ. стр. 50
وَكَانَ يُقَالُ: إِذَا تَخَالَجَتْكَ (١) الْأُمُورُ فَاسْتَقِلَّ أَعْظَمَهَا خَطَرًا (٢)، فَإِنْ لَمْ يَسْتَبِنْ (٣) ذَلِكَ فَأَرْجَاهَا دَرْكًا (٤)، فَإِنِ اشْتَبَهَ ذَلِكَ فَأَجْدَرَهَا أَنْ لاَ يَكُونَ لَهُ مَرْجُوعٌ حِينَ (٥) تُوَلِّي فُرْصَتُهُ.
وَكَانَ يُقَالُ: الرِّجَالُ أَرْبَعَةٌ: اثْنَانِ يُخْتَبَرُ (٦) مَا عِنْدَهُمَا بِالتَّجْرِبَةِ، وَاثْنَانِ قَدْ كُفِيتَ تَجْرِبَتَهُمَا.
فَأَمَّا اللَّذَانِ يُحْتَاجُ (٧) إِلَى تَجْرِبَتَهُمَا: فَإِنَّ أَحَدَهُمَا بَرٌّ كَانَ مَعَ أَبْرَارٍ، وَالآخَرَ فَاجِرٌ كَانَ مَعَ فُجَّارٍ؛ فَإِنَّكَ لاَ تَدْرِي لَعَلَّ الْبَرَّ مِنْهُمَا إِذَا خَالَطَ الْفُجَّارَ أَنْ يَتَبَدَّلَ فَيَصِيرَ فَاجِرًا، وَلَعَلَّ الْفَاجِرَ مِنْهُمَا إِذَا خَالَطَ الْأَبْرَارَ أَنْ يَتَبَدَّلَ بَرًّا، فَيَتَبَدَّلُ الْبَرُّ فَاجِرًا، وَالْفَاجِرُ بَرًّا.
وَأَمَّا اللَّذَانِ قَدْ كُفِيتَ تَجْرِبَتَهُمَا وَتَبَيَّنَ لَكَ ضَوْءُ أَمْرِهِمَا: فَإِنَّ أَحَدَهُمَا فَاجِرٌ كَانَ فِي أَبْرَارٍ، وَالآخَرَ بَرٌّ كَانَ فِي فُجَّارٍ.
حَقٌّ عَلَى الْعَاقِلِ أَنْ يَتَّخِذَ مِرْآتَيْنِ: فَيَنْظُرَ مِنْ إِحْدَاهُمَا فِي مَسَاوِئِ نَفْسِهِ فَيَتَصَاغَرَ بِهَا وَيُصْلِحَ مَا اسْتَطَاعَ مِنْهَا، وَيَنْظُرَ مِنَ (٨) الْأُخْرَى فِي مَحَاسِنِ стр. 51
النَّاسِ فَيُحَلِّيَهُمْ بِهَا وَيَأْخُذَ مَا اسْتَطَاعَ مِنْهَا.
احْذَرْ خُصُومَةَ الْأَهْلِ وَالْوَلَدِ وَالصَّدِيقِ وَالضَّعِيفِ، وَاحْتَجَّ عَلَيْهِمْ بِالْحُجَجِ.
لاَ يُوقِعَنَّكَ بَلاَءٌ تَخَلَّصْتَ (١) مِنْهُ فِي آخَرَ لَعَلَّكَ أَنْ لاَ تَخْلُصَ مِنْهُ.
الْوَرِعُ لاَ يَخْدَعُ، وَالْأَرِيبُ لاَ يُخْدَعُ.
وَمِنْ وَرَعِ الرَّجُلِ أَنْ لاَ يَقُولَ مَا لاَ يَعْلَمُ، وَمِنَ الْإَِرْبِ (٢) أَنْ يَتَثَبَّتَ فِيمَا يَعْلَمُ.
وَكَانَ يُقَالُ: عَمَلُ الرَّجُلِ فِيمَا يَعْلَمُ أَنَّهُ خَطَأٌ هَوَى، وَالْهَوَى آفَةُ الْعَفَافِ.
وَتَرْكُهُ الْعَمَلَ بِمَا يَعْلَمُ أَنَّهُ صَوَابٌ تَهَاوُنٌ، وَالتَّهَاوُنُ آفَةُ الدِّينِ.
وَإِقْدَامُهُ عَلَى مَا لاَ يَدْرِي أَصَوَابٌ هُوَ أَمْ خَطَأٌ جِمَاحٌ، وَالْجِمَاحُ (٣) آفَةُ الْعَقْلِ. стр. 52
وَكَانَ يُقَالُ: وَقِّرْ مَنْ فَوْقَكَ، وَلِنْ لِمَنْ دُونَكَ، وَأَحْسِنْ مُؤَاتَاةَ (١) أَكْفَائِكَ (٢). وَلْيَكُنْ آثَرَ ذَلِكَ عِنْدَكَ مُؤَاتَاةُ (٣) الْإِخْوَانِ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ هُوَ الَّذِي يَشْهَدُ لَكَ بِأَنَّ (٤) إِجْلاَلَكَ مَنْ فَوْقَكَ لَيْسَ بِخُضُوعٍ مِنْكَ لَهُمْ، وَأَنَّ لِينَكَ لِمَنْ دُونَكَ لَيْسَ لالْتِمَاسِ خِدْمَتِهِمْ.
خَمْسَةٌ مُفَرِّطُونَ فِي خَمْسَةِ أَشْيَاءَ يَنْدَمُونَ عَلَيْهَا: (٥) الْوَاهِنُ الْمُفَرِّطُ إِذَا فَاتَهُ الْعَمَلُ، وَالْمُنْقَطِعُ مِنْ إِخْوَانِهِ وَصَدِيقِهِ إِذَا نَابَتْهُ النَّوَائِبُ، وَالْمُسْتَمْكِنُ مِنْهُ عَدُوُّهُ لِسُوءِ رَأْيِهِ إِذَا تَذَكَّرَ عَجْزَهُ، وَالْمُفَارِقُ لِلزَّوْجَةِ الصَّالِحَةِ إِذَا ابْتُلِيَ بِالطَّالِحَةِ، وَالْجَرِيءُ عَلَى الذُّنُوبِ إِذَا حَضَرهُ الْمَوْتُ.
أُمُورٌ لاَ تَصْلُحُ إِلاَّ بِقَرَائِنِهَا:
لاَ يَنْفَعُ الْعَقْلُ بِغَيْرِ وَرَعٍ، وَلاَ الْحِفْظُ بِغَيْرِ عَقْلٍ، وَلاَ شِدَّةُ الْبَطْشِ بِغَيْرِ شِدَّةِ الْقَلْبِ، وَلاَ الْجَمَالُ بِغَيْرِ حَلاَوَةٍ، وَلاَ الْحَسَبُ بِغَيْرِ أَدَبٍ، وَلاَ السُّرُورُ بِغَيْرِ أَمْنٍ، وَلاَ الْغِنَى بِغَيْرِ جُودٍ، وَلاَ الْمُرُوءَةُ بِغَيْرِ تَوَاضُعٍ، وَلاَ الْخَفْضُ (٦) بِغَيْرِ стр. 53
كِفَايَةٍ، وَلاَ الاجْتِهَادُ بِغَيْرِ تَوْفِيقٍ.
أُمُورٌ هُنَّ تَبَعٌ لِأُمُورٍ:
فَالْمُرُوءَاتُ كُلُّهَا تَبَعٌ لِلْعَقْلِ، وَالرَّأْيُ تَبَعٌ لِلتَّجْرِبَةِ، وَالْغِبْطَةُ (١) تَبَعٌ لِحُسْنِ الثَّنَاءِ، وَالسُّرُورُ تَبَعٌ لِلْأَمْنِ، وَالْقَرَابَةُ تَبَعٌ لِلْمَوَدَّةِ، وَالْعَمَلُ تَبَعٌ لِلْقَدَرِ، وَالْجِدَّةُ (٢) تَبَعٌ لِلْإِنْفَاقِ.
أَصْلُ الْعَقْلِ التَّثَبُّتُ، وَثَمَرَتُهُ السَّلاَمَةُ.
وَأَصْلُ الْوَرَعِ الْقَنَاعَةُ، وَثَمَرَتُهُ الظَّفَرُ.
وَأَصْلُ التَّوْفِيقِ الْعَمَلُ، وَثَمَرَتُهُ النَّجَاحُ (٣).
لاَ يُذْكَرُ الْفَاجِرُ فِي الْعُقَلاَءِ، وَلاَ الْكَذُوبُ فِي الْأَعِفَّاءِ (٤)، стр. 54
وَلاَ الْخَذُولُ (١) فِي الْكُرَمَاءِ، وَلاَ الْكَفُورُ (٢) بِشَيْءٍ مِنَ الْخَيْرِ.
لاَ تُؤَاخِيَنَّ خَِبًّا (٣)، وَلاَ تَسْتَنْصِرَنَّ عَاجِزًا، وَلاَ تَسْتَعِينَنَّ كَسِلاً (٤).
إِنَّ مِنْ أَعْظَمِ مَا يُرَوِّحُ بِهِ الْمَرْءُ نَفْسَهُ أَنْ لاَ يَجْرِيَ لِمَا يَهْوَى وَلَيْسَ كَائِنًا، إِلاَّ (٥) لِمَا لاَ يَهْوَى وَهُوَ لاَ مَحَالَةَ كَائِنٌ.
اغْتَنِمْ مِنَ الْخَيْرِ مَا تَعَجَّلْتَ، وَمِنَ الْأَهْوَاءِ مَا سَوَّفْتَ، وَمِنَ النَّصَبِ مَا عَادَ عَلَيْكَ.
وَلاَ تَفْرَحْ بِالْبَطَالَةِ، وَلاَ تَجْبُنْ عَنِ الْعَمَلِ.
مَنِ اسْتَعْظَمَ مِنَ الدُّنْيَا شَيْئًا فَبَطِرَ، وَاسْتَصْغَرَ مِنَ الدُّنْيَا شَيْئًا فَتَهَاوَنَ، وَاحْتَقَرَ مِنَ الْإِثْمِ شَيْئًا فَاجْتَرَأَ عَلَيْهِ، وَاغْتَرَّ بِعَدُوٍّ وَإِنْ قَلَّ فَلَمْ يَحْذَرْهُ؛ فَذَلِكَ مِنْ ضَيَاعِ الْعَقْلِ. стр. 55
لاَ يَسْتَخِفُّ ذُو الْعَقْلِ بِأَحَدٍ.
وَأَحَقُّ مَنْ لَمْ يُسْتَخَفَّ بِهِ ثَلاَثَةٌ: الْأَتْقِيَاءُ، وَالْوُلاَةُ، وَالْإِخْوَانُ.
فَإِنَّهُ مَنِ اسْتَخَفَّ بِالْأَتْقِيَاءِ أَهْلَكَ دِينَهُ.
وَمَنِ اسْتَخَفَّ بِالْوُلاَةِ أَهْلَكَ دُنْيَاهُ.
وَمَنِ اسْتَخَفَّ بِالْإِخْوَانِ أَفْسَدَ مُرُوءَتَهُ.
مَنْ حَاوَلَ الْأُمُورَ (١) احْتَاجَ فِيهَا إِلَى سِتٍّ: الْعِلْمِ، وَالتَّوْفِيقِ، وَالْفُرْصَةِ، وَالْأَعْوَانِ، وَالْأَدَبِ، وَالاجْتِهَادِ.
وَهُنَّ أَزْوَاجٌ:
فَالرَّأْيُ وَالْأَدَبُ زَوْجٌ: لاَ يَكْمُلُ الْأَدَبُ إِلاَّ بِالرَّأْيِ، وَلاَ يَكْمُلُ الرَّأْيُ بِغَيْرِ الْأَدَبِ.
وَالْأَعْوَانُ وَالْفُرْصَةُ زَوْجٌ: لاَ يَنْفَعُ الْأَعْوَانُ إِلاَّ عِنْدَ الْفُرْصَةِ، وَلاَ تَنْفَعُ (٢) الْفُرْصَةُ إِلاَّ بِحُضُورِ الْأَعْوَانِ.
وَالتَّوْفِيقُ وَالاجْتِهَادُ زَوْجٌ: فَالاجْتِهَادُ سَبَبُ التَّوْفِيقِ، وَبِالتَّوْفِيقِ يَنْجَحُ الاجْتِهَادُ. стр. 56
يَسْلَمُ الْعَاقِلُ مِنْ عِظَامِ الذُّنُوبِ وَالْعُيُوبِ بِالْقَنَاعَةِ وَمُحَاسَبَةِ النَّفْسِ.
لاَ تَجِدُ الْعَاقِلَ يُحَدِّثُ مَنْ يَخَافُ تَكْذِيبَهُ، وَلاَ يَسْأَلُ مَنْ يَخَافُ مَنْعَهُ، وَلاَ يَعِدُ بِمَا لاَ يَجِدُ إِنْجَازَهُ، وَلاَ يَرْجُو مَا يُعَنَّفُ بِرَجَائِهِ، وَلاَ يُقْدِمُ عَلَى مَا (١) يَخَافُ الْعَجْزَ عَنْهُ.
وَهُوَ يُسَخِّي بِنَفْسِهِ (٢) عَمَّا يُغْبَطُ بِهِ الْقَوَّالُونَ خُرُوجًا مِنْ عَيْبِ التَّكْذِيبِ، وَيُسَخِّي بِنَفْسِهِ عَمَّا يَنَالُ [بِهِ] (٣) السَّائِلُونَ سَلاَمَةً مِنْ مَذَلَّةِ الْمَسْأَلَةِ، وَيُسَخِّي بِنَفْسِهِ عَنْ مَحْمَدَةِ الْمَوَاعِيدِ بَرَاءَةً مِنْ مَذَمَّةِ الْخُلْفِ، وَيُسَخِّي بِنَفْسِهِ عَنْ فَرَحِ الرَّجَاءِ خَوْفَ الْإِكْدَاءِ (٤)، وَيُسَخِّيهِ عَنْ مَرَاتِبِ الْمُقْدِمِينَ مَا يَرَى مِنْ فَضَائِحِ الْمُقَصِّرِينَ.
لاَ عَقْلَ لِمَنْ أَغْفَلَهُ عَنْ آخِرَتِهِ مَا يَجِدُ مِنْ لَذَّةِ دُنْيَاهُ، وَلَيْسَ مِنَ الْعَقْلِ أَنْ يَحْرِمَهُ حَظَّهُ مِنَ الدُّنْيَا بَصَرُهُ بِزَوَالِهَا. стр. 57
حَازَ الْخَيْرَ رَجُلاَنِ: سَعِيدٌ، وَمَرْجُوٌّ.
فَالسَّعِيدُ: الْفَالِجُ (١)، وَالْمَرْجُوُّ: مَنْ لَمْ يَخْصِمْ (٢).
وَالْفَالِجُ الصَّالِحُ مَا دَامَ فِي قَيْدِ الْحَيَاةِ وَتَعَرُّضِ الْفِتَنِ فِي مُخَاصَمَةِ الْخُصَمَاءِ مِنَ الْأَهْوَاءِ وَالْأَعْدَاءِ.
السَّعِيدُ يُرَغِّبُهُ اللهُ فِي الآخِرَةِ حَتَّى يَقُولَ: لاَ شيْءَ غَيْرُهَا، فَإِذَا هَضَمَ دُنْيَاهُ وَزَهِدَ فِيهَا لآخِرَتِهِ، لَمْ يَحْرِمْهُ اللهُ بِذَلِكَ نَصِيبَهُ مِنَ الدُّنْيَا وَلَمْ يُنْقِصْهُ مِنْ سُرُورِهِ فِيهَا.
وَالشَّقِيُّ يُرَغِّبُهُ الشَّيْطَانُ فِي الدُّنْيَا حَتَّى يَقُولَ: لاَ شيْءَ غَيْرُهَا، فَيَجْعَلُ اللهُ لَهُ التَّنْغِيصَ (٣) فِي الدُّنْيَا الَّتِي آثَرَ مَعَ الْخِزْيِ الَّذِي يَلْقَى بَعْدَهَا.
الرِّجَالُ أَرْبَعَةٌ: جَوَادٌ، وَبَخِيلٌ، وَمُسْرِفٌ، وَمُقْتَصِدٌ.
فَالْجَوَادُ الَّذِي يُوَجِّهُ نَصِيبَ آخِرَتِهِ وَنَصِيبَ دُنْيَاهُ جَمِيعًا فِي أَمْرِ آخِرَتِهِ.
وَالْبَخِيلُ الَّذِي لاَ يُعْطِي (٤) وَاحِدَةً مِنْهُمَا نَصِيبَهَا.
وَالْمُسْرِفُ الَّذِي يَجْمَعُهُمَا لِدُنْيَاهُ. стр. 58
وَالْمُقْتَصِدُ الَّذِي يُلْحِقُ بِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا نَصِيبَهَا.
أَغْنَى النَّاسِ أَكْثَرُهُمْ إِحْسَانًا.
قَالَ رَجُلٌ لِحَكِيمٍ (١): مَا خَيْرُ مَا يُؤْتَى الْمَرْءُ؟
قَالَ: ((غَرِيزَةُ عَقْلٍ)).
قَالَ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ؟
قَالَ: ((فَتَعَلُّمُ عِلْمٍ)). стр. 59
قَالَ: فَإِنْ حُرِمَهُ؟
قَالَ: ((صِدْقُ اللِّسَانِ)).
قَالَ: فَإِنْ حُرِمَهُ؟
قَالَ: ((سُكُوتٌ طَوِيلٌ)).
قَالَ: فَإِنْ حُرِمَهُ؟
قَالَ: ((مِيتَةٌ عَاجِلَةٌ)).
مِنْ أَشَدِّ عُيُوبِ الْإِنْسَانِ خَفَاءُ عُيُوبِهُ عَلَيْهِ. فَإِنَّ مَنْ خَفِيَ عَلَيْهِ عَيْبُهُ خَفِيَتْ عَلَيْهِ مَحَاسِنُ غَيْرِهِ، وَمَنْ خَفِيَ عَلَيْهِ عَيْبُ نَفْسِهِ وَمَحَاسِنُ غَيْرِهِ فَلَنْ يُقْلِعَ عَنْ عَيْبِهِ الَّذِي لاَ يَعْرِفُ، وَلَنْ يَنَالَ مَحَاسِنَ غَيْرِهِ الَّتِي لاَ يُبْصِرُهَا (١) أَبَدًا.
خُمُولُ الذِّكْرِ أَجْمَلُ مِنَ الذِّكْرِ الذَّمِيمِ.
لاَ يُوجَدُ الْفَخُورُ مَحْمُودًا، وَلاَ الْغَضُوبُ مَسْرُورًا، وَلاَ الْحُرُّ حَرِيصًا، وَلاَ الْكَرِيمُ حَسُودًا، وَلاَ الشَّرِهُ (٢) غَنِيًّا، وَلاَ الْمَلُولُ ذَا إِخْوَانٍ. стр. 60
خِصَالٌ يُسَرُّ بِهَا الْجَاهِلُ، كُلُّهَا كَائِنٌ عَلَيْهِ وَبَالاً:
مِنْهَا: أَنْ يَفْخَرَ مِنَ الْعِلْمِ وَالْمُرُوءَةِ بِمَا لَيْسَ عِنْدَهُ.
وَمِنْهَا: أَنْ يَرَى بِالْأَخْيَارِ مِنَ الاسْتِهَانَةِ وَالْجَفْوَةِ مَا يُشْمِتُهُ بِهِمْ.
وَمِنْهَا: أَنْ يُنَاقِلَ (١) عَالِمًا وَدِيعًا مُنْصِفًا لَهُ فِي الْقَوْلِ فَيَشْتَدَّ صَوْتُ ذَلِكَ الْجَاهِلِ عَلَيْهِ ثُمَّ يُفْلِجُهُ (٢) نُظَرَاؤُهُ مِنَ الْجُهَّالِ حَوْلَهُ بِشِدَّةِ الصَّوْتِ وَكَثْرَةِ الضَّحِكِ.
وَمِنْهَا: أَنْ تَفْرُطَ مِنْهُ الْكَلِمَةُ (٣) أَوِ الْفِعْلَةُ الْمُعْجِبَةُ لِلْقَوْمِ فَيُذْكَرَ بِهَا.
وَمِنْهَا: أَنْ يَكُونَ مَجْلِسُهُ فِي الْمَحْفِلِ (٤) وَعِنْدَ السُّلْطَانِ فَوْقَ مَجَالِسِ أَهْلِ الْفَضْلِ عَلَيْهِ.
مِنَ الدَّلِيلِ عَلَى سَخَافَةِ الْمُتَكَلِّمِ أَنْ يَكُونَ مَا يُرَى مِنْ ضَحِكِهِ لَيْسَ عَلَى حَسَبِ مَا عِنْدَهُ مِنَ الْقَوْلِ، أَوِ الرَّجُلُ يُكَلِّمُ صَاحِبَهُ فَيُجَاذِبَهُ الْكَلاَمَ لِيَكُونَ هُوَ الْمُتَكَلِّمَ، أَوْ يَتَمَنَّى أَنْ يَكُونَ صَاحِبُهُ قَدْ فَرَغَ وَأَنْصَتَ لَهُ فَإِذَا نَصَتَ (٥) لَهُ стр. 61
لَمْ يُحْسِنِ الْكَلاَمَ.
فَضْلُ الْعِلْمِ (١) فِي غَيْرِ الدِّينِ مَهْلَكَةٌ. وَكَثْرَةُ الْأَدَبِ فِي غَيْرِ رِضْوَانِ اللهِ وَمَنْفَعَةِ الْأَخْيَارِ قَائِدٌ إِلَى النَّارِ. وَالْحِفْظُ الذَّاكِي الْوَاعِي (٢) لِغَيْرِ الْعِلْمِ النَّافِعِ مُضِرٌّ بِالْعَمَلِ الصَّالِحِ. وَالْعَقْلُ غَيْرُ الْوَازِعِ (٣) عَنِ الذُّنُوبِ خَازِنٌ لِلشَّيْطَانِ (٤).
لاَ يُؤَمِنَنَّكَ شَرَّ الْجَاهِلِ قَرَابَةٌ وَلاَ جِوَارٌ وَلاَ إِلْفٌ، فَإِنَّ أَخْوَفَ مَا يَكُونُ الْإِنْسَانُ لِحَرِيقِ النَّارِ أَقْرَبُ مَا يَكُونُ مِنْهَا.
وَكَذَلِكَ الْجَاهِلُ: إِنْ جَاوَرَكَ أَنْصَبَكَ، وَإِنْ نَاسَبَكَ جَنَى عَلَيْكَ، وَإِنْ أَلِفَكَ حَمَلَ عَلَيْكَ مَا لاَ تُطَيقُ، وَإِنْ عَاشَرَكَ آذَاكَ وَأَخَافَكَ، مَعَ أَنَّهُ عِنْدَ الْجُوعِ سَبُعٌ ضَارٍ، وَعِنْدَ الشِّبَعِ مَلِكٌ فَظٌّ، وَعِنْدَ الْمُوَافَقَةِ فِي الدِّينِ قَائِدٌ إِلَى جَهَنَّمَ.
فَأَنْتَ بِالْهَرَبِ مِنْهُ أَحَقُّ مِنْكَ بِالْهَرَبِ مِنْ سَُمِّ الْأَسَاوِدِ (٥) وَالْحَرِيقِ الْمَخُوفِ وَالدَّيْنِ الْفَادِحِ (٦) وَالدَّاءِ الْعَيَاءِ (٧). стр. 62
وَكَانَ يُقَالُ: قَارِبْ عَدُوَّكَ بَعْضَ الْمُقَارَبَةِ تَنَلْ حَاجَتَكَ، وَلاَ تُقَارِبْهُ كُلَّ الْمُقَارَبَةِ فَيَجْتَرِئَ عَلَيْكَ عَدُوُّكَ وَتَذِلَّ نَفْسُكَ وَيَرْغَبَ عَنْكَ نَاصِرُكَ.
وَمَثَلُ ذَلِكَ مَثَلُ الْعُودِ الْمَنْصُوبِ فِي الشَّمْسِ، إِنْ أَمَلْتَهُ قَلِيلاً زَادَ ظِلُّهُ، وَإِنْ جَاوَزْتَهُ الْحَدَّ فِي إِمَالَتِهِ نَقَصَ الظِّلُّ.
الْحَازِمُ لاَ يَأْمَنُ عَدُوَّهُ عَلَى كُلِّ حَالٍ: إِنْ كَانَ بَعِيدًا لَمْ يَأْمَنْ مُعَاوَدَتَهُ (١)، وَإِنْ كَانَ قَرِيبًا لَمْ يَأْمَنْ مُوَاثَبَتَهُ، وَإِنْ كَانَ مُنْكَشِفًا لَمْ يَأْمَنْ اسْتِطْرَادَهُ وَكَمِينَهُ، وَإِنْ رَآهُ وَحِيدًا لَمْ يَأْمَنْ مَكْرَهُ.
الْمَلِكُ الْحَازِمُ يَزْدَادُ بِرَأْيِ الْوُزَرَاءِ الْحَزَمَةِ كَمَا يَزْدَادُ الْبَحْرُ بِمَوَادِّهِ مِنَ الْأَنْهَارِ (٢).
الظَّفَرُ بِالْحَزْمِ، وَالْحَزْمُ بِإِجَالَةِ الرَّأْيِ، والرَّأْيُ [بِتَكْرَارِ (٣) стр. 63
النَّظَرِ] (١) وَتَحْصِينِ الْأَسْرَارِ.
إِنَّ الْمُسْتَشِيرَ وَإِنْ كَانَ أَفْضَلَ مِنَ الْمُسْتَشَارِ رَأْيًا فَهُوَ يَزْدَادُ بِرَأْيِهِ رَأْيًا، كَمَا تَزْدَادُ النَّارُ بِالْوَدَكِ (٢) ضَوْءًا.
عَلَى الْمُسْتَشَارِ مُوَافَقَةُ الْمُسْتَشِيرِ عَلَى صَوَابِ مَا يَرَى، وَالرِّفْقُ بِهِ فِي تَبْصِيرِ خَطَإٍ إِنْ أَتَى بِهِ، وَتَقْلِيبُ الرَّأْيِ فِيمَا شَكَّا فِيهِ حَتَّى تَسْتَقِيمَ لَهُمَا مُشَاوَرَتُهُمَا.
لاَ يَطْمَعَنَّ ذُو الْكِبْرِ فِي حُسْنِ الثَّنَاءِ، وَلاَ الْخَِبُّ (٣) فِي كَثْرَةِ الصَّدِيقِ، وَلاَ السَّيِّئُ الْأَدَبِ فِي الشَّرَفِ، وَلاَ الشَّحِيحُ فِي الْمَحْمَدَةِ، وَلاَ الْحَرِيصُ فِي стр. 64
الْإِخْوَانِِ، وَلاَ الْمَلِكُ الْمُعْجَبُ بِثَبَاتِ الْمُلْكِ.
صَرْعَةُ اللِّينِ أَشَدُّ اسْتِئْصَالاً مِنْ صَرْعَةِ الْمُكَابَرَةِ.
أَرْبَعَةُ أَشْيَاءَ لاَ يُسْتَقَلُّ مِنْهَا قَلِيلٌ: النَّارُ، وَالْمَرَضُ، وَالْعَدُوُّ، وَالدَّيْنُ.
أَحَقُّ النَّاسِ بِالتَّوْقِيرِ الْمَلِكُ الْحَلِيمُ، الْعَالِمُ بِالْأُمُورِ وَفُرَصِ الْأَعْمَالِ وَمَوَاضِعِ الشِّدَّةِ وَاللِّينِ وَالْغَضَبِ وَالرِّضَا وَالْمُعَاجَلَةِ وَالْأَنَاةِ، النَّاظِرُ فِي أَمْرِ يَوْمِهِ وَغَدِهِ وَعَوَاقِبِ أَعْمَالِهِ.
السَّبَبُ الَّذِي يُدْرِكُ بِهِ الْعَاجِزُ حَاجَتَهُ هُوَ الَّذِي يَحُولُ بَيْنَ الْحَازِمِ وَبَيْنَ طَلِبَتِهِ (١).
إِنَّ أَهْلَ الْعَقْلِ وَالْكَرَمِ يَبْتَغُونَ إِلَى كُلِّ مَعْرُوفٍ وُصْلَةً وَسَبِيلاً.
وَالْمَوَدَّةْ بَيْنَ الْأَخْيَارِ سَرِيعٌ اتِّصَالُهَا بَطِيءٌ انْقِطَاعُهَا، وَمَثَلُ ذَلِكَ مَثَلُ كُوبِ الذَّهَبِ الَّذِي هُوَ بَطِيءُ الانْكِسَارِ هَيِّنُ الْإِصْلاَحِ. стр. 65
وَالْمَوَدَّةْ بَيْنَ الأشرار سَرِيعٌ انْقِطَاعُهَا بَطِيءٌ اتِّصَالُهَا، كَالْكُوزِ مِنَ الْفَخَّارِ يَكْسِرُهُ أَدْنَى عَبَثٌ ثُمَّ لاَ وَصْلَ لَهُ أَبَدًا (١).
وَالْكَرِيمُ يَمْنَحُ الرَّجُلَ مَوَدَّتَهُ عَنْ لُقْيَةٍ وَاحِدَةٍ أَوْ مَعْرِفَةِ يَوْمٍ. وَاللَّئِيمُ لاَ يَصِلُ أَحَدًا إِلاَّ عَنْ رَغْبَةٍ أَوْ رَهْبَةٍ.
فَإِنَّ أَهْلَ الدُّنْيَا يَتَعَاطَوْنَ فِيمَا بَيْنَهُمْ أَمْرَيْنِ وَيَتَوَاصَلُونَ (٢) عَلَيْهِمَا: ذَاتَ النَّفْسِ، وَذَاتَ الْيَدِ.
فَأَمَّا الْمُتَبَادِلُونَ ذَاتَ الْيَدِ فَهُمُ الْمُتَعَاوِنُونَ الْمُسْتَمْتِعُونَ الَّذِينَ يَلْتَمِسُ بَعْضُهُمُ الانْتِفَاعَ بِبَعْضٍ مُنَاجَزَةً وَمُكَايَلَةً (٣).
مَا التَّبَعُ وَالْأَعْوَانُ وَالصَّدِيقُ وَالْحَشَمُ إِلاَّ لِلْمَالِ. وَلاَ يُظْهِرُ الْمُرُوءَةَ إِلاَّ الْمَالُ. وَلاَ الرَّأْيُ وَلاَ الْقُوَّةُ إِلاَّ بِالْمَالِ. стр. 66
وَمَنْ لاَ إِخْوَانَ لَهُ فَلاَ أَهْلَ لَهُ، وَمَنْ لاَ أَوْلاَدَ لَهُ فَلاَ ذِكْرَ لَهُ، وَمَنْ لاَ عَقْلَ لَهُ فَلاَ دُنْيَا لَهُ وَلاَ آخِرَةَ، وَمَنْ لاَ مَالَ لَهُ فَلاَ شَيْءَ لَهُ.
وَالْفَقْرُ دَاعِيَةٌ إِلَى صَاحِبِهِ مَقْتَ النَّاسِ، وَهُوَ مَسْلَبَةٌ لِلْعَقْلِ وَالْمُرُوءَةِ، مَذْهَبَةٌ لِلْعِلْمِ وَالْأَدَبِ، وَمَعْدِنٌ لِلتُّهَْمَةِ، وَمَجْمَعَةٌ لِلْبَلاَيَا.
وَمَنْ نَزَلَ بِهِ الْفَقْرُ وَالْفَاقَةُ لَمْ يَجِدْ بُدًّا مِنْ تَرْكِ الْحَيَاءِ، وَمَنْ ذَهَبَ حَيَاؤُهُ ذَهَبَ سُرُورُهُ، وَمَنْ ذَهَبَ سُرُورُهُ مَقُتَ (١)، وَمَنْ مَقُتَ أُوذِيَ، وَمَنْ أُوذِيَ حَزِنَ، وَمَنْ حَزِنَ فَقَدْ ذَهَبَ عَقْلُهُ وَاسْتُنْكِرَ حِفْظُهُ وَفَهْمُهُ.
وَمَنْ أُصِيبَ فِي عَقْلِهِ وَفَهْمِهِ وَحِفْظِهِ كَانَ أَكْثَرُ قَوْلِهِ وَعَمَلِهِ فِيمَا يَكُونُ عَلَيْهِ لاَ لَهُ.
فَإِذَا افْتَقَرَ الرَّجُلُ اتَّهَمَهُ مَنْ كَانَ لَهُ مُؤْتَمِنًا، وَأَسَاءَ بِهِ الظَّنَّ مَنْ كَانَ يَظُنُّ بِهِ حَسَنًا. فَإِذَا أَذْنَبَ غَيْرُهُ ظَنُّوهُ (٢)، وَكَانَ لِلتُّهَْمَةِ وَسُوءِ الظَّنِّ مَوْضِعًا.
وَلَيْسَ مِنْ خَلَّةٍ (٣) هِيَ لِلْغَنِيِّ مَدْحٌ إِلاَّ وَهِيَ لِلْفَقِيرِ عَيْبٌ:
فَإِنْ كَانَ شُجَاعًا سُمِّيَ أَهْوَجَ (٤). стр. 67
وَإِنْ كَانَ جَوَادًا سُمِّيَ مُفْسِدًا.
وَإِنْ كَانَ حَلِيمًا سُمِّيَ ضَعِيفًا.
وَإِنْ كَانَ وَقُورًا سُمِّيَ بَلِيدًا.
وَإِنْ كَانَ لَسِنًا (١) سُمِّيَ مِهْذَارًا (٢).
وَإِنْ كَانَ صَمُوتًا سُمِّيَ عَيِيًّا (٣).
وَكَانَ يُقَالُ: مَنْ ابْتُلِيَ بِمَرَضٍ فِي جَسَدِهِ لاَ يُفَارِقُهُ، أَوْ بِفِرَاقِ الْأَحِبَّةِ وَالْأِخْوَانِ، أَوْ بِالْغُرْبَةِ حَيْثُ لاَ يَعْرِفُ مَبِيتًا وَلاَ مَقِيلاً (٤) وَلاَ يَرْجُو إِيَابًا (٥)، أَوْ بِفَاقَةٍ (٦) تَضْطَرُّهُ إِلَى الْمَسْأَلَةِ: فَالْحَيَاةُ لَهُ مَوْتٌ، وَالْمَوْتُ لَهُ رَاحَةٌ. стр. 68
وَجَدْنَا الْبَلاَيَا فِي الدُّنْيَا إِنَّمَا يَسُوقُهَا إِلَى أَهْلِهَا الْحِرْصُ وَالشَّرَهُ (١)، فَلاَ يَزَالُ صَاحِبُ الدُّنْيَا يَتَقَلَّبُ فِي بَلِيَّةٍ وَتَعَبٍ؛ لِأَنَّهُ لاَ يَزَالُ بِخَلَّةِ الْحِرْصِ وَالشَّرَهِ.
وَسَمِعْتُ الْعُلَمَاءَ قَالُوا: لاَ عَقْلَ كَالتَّدْبِيرِ، وَلاَ وَرَعَ كَالْكَفِّ، وَلاَ حَسَبَ كَحُسْنِ الْخُلُقِ، وَلاَ غِنًى كَالرِّضَى (٢).
وَأَحَقُّ مَا صُبِرَ عَلَيْهِ مَا لاَ سَبِيلَ إِلَى تَغْيِيرِهِ.
وَأَفْضَلُ الْبِرِّ الرَّحْمَةُ، وَرَأْسُ الْمَوَدَّةِ الاسْتِرْسَالُ، وَرَأْسُ الْعَقْلِ الْمَعْرِفَةُ بِمَا يَكُونُ وَمَا لاَ يَكُونُ، وَطِيبُ النَّفْسِ حُسْنُ الانْصِرَافِ عَمَّا لاَ سَبِيلَ إِلَيْهِ.
وَلَيْسَ فِي (٣) الدُّنْيَا سُرُورٌ يَعْدِلُ صُحْبَةَ الْإِخْوَانِ، وَلاَ فِيهَا غَمٌّ يَعْدِلُ غَمَّ فَقْدِهِمْ.
لاَ يَتِمُّ حُسْنُ الْكَلاَمِ إِلاَّ بِحُسْنِ الْعَمَلِ، كَالْمَرِيضِ الَّذِي قَدْ عَلِمَ دَوَاءَ стр. 69
نَفْسِهِ، فَإِذَا هُوَ لَمْ يَتَدَاوَ بِهِ لَمْ يُغْنِهِ عِلْمُهُ.
الرَّجُلُ ذُوْ الْمُرُوءَةِ قَدْ يُكْرَمُ عَلَى غَيْرِ مَالٍ، كَالْأَسَدِ الَّذِي يُهَابُ وَإِنْ كَانَ عَقِيرًا (١).
وَالرَّجُلُ الَّذِي لاَ مُرُوءَةَ لَهُ يُهَانُ وَإِنْ كَثُرَ مَالُهُ، كَالْكَلْبِ الَّذِي يَهُونُ عَلَى النَّاسِ وَإِنْ هُوَ طُوِّقَ وَخُلْخِلَ (٢).
لِيَحْسُنْ تَعَاهُدُكَ نَفْسَكَ بِمَا تَكُونُ بِهِ لِلْخَيْرِ أَهْلاً، فَإِنَّكَ إِذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ أَتَاكَ الْخَيْرُ يَطْلُبُكَ كَمَا يَطْلُبُ الْمَاءُ السَّيْلَ إِلَى الْحَدُورَةِ (٣).
وَقِيلَ فِي أَشْيَاءَ لَيْسَ لَهَا ثَبَاتٌ وَلاَ بَقَاءٌ: ظِلُّ الْغَمَامِ (٤)، وَخُلَّةُ الْأَشْرَارِ (٥)، وَعِشْقَ النِّسَاءِ، وَالنَّبَأُ الْكَاذِبُ، وَالْمَالُ الْكَثِيرُ.
وَلَيْسَ يَفْرَحُ الْعَاقِلُ بِالْمَالِ الْكَثِيرِ، وَلاَ يَحْزُنُهُ قِلَّتُهُ. وَلَكِنَّ مَالَهُ عَقْلُهُ وَمَا قَدَّمَ مِنْ صَالِحِ عَمَلِهِ. стр. 70
إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِفَضْلِ السُّرُورِ وَكَرَمِ الْعَيْشِ وَحُسْنِ الثَّنَاءِ مَنْ لاَ يَبْرَحُ رَحْلُهُ مِنْ إِخْوَانِهِ وَأَصْدِقَائِهِ مِنَ الصَّالِحِينَ مَوْطُوءًا، وَلاَ يَزَالُ عِنْدَهُ مِنْهُمْ زِحَامٌ، وَيَسُرُّهُمْ وَيَسُرُّونَهُ، وَيَكُونُ مِنْ وَرَاءِ حَاجَاتِهِمْ وَأُمُورِهِمْ، فَإِنَّ الْكَرِيمَ إِذَا عَثَرَ لَمْ يَسْتَقِلْ إِلاَّ بِالْكِرَامِ، كَالْفِيلِ إِذَا وَحِلَ (١) لَمْ يَسْتَخْرِجْهُ إِلاَّ الْفِيَلَةُ.
لاَ يَرَى الْعَاقِلُ مَعْرُوفًا صَنَعَهُ وَإِنْ كَانَ كَثِيرًا. وَلَوْ خَاطَرَ بِنَفْسِهِ وَعَرَضَهَا فِي وُجُوهِ الْمَعْرُوفِ لَمْ يَرَ ذَلِكَ عَيْبًا، بَلْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أَخْطَرَ الْفَانِي بِالْبَاقِي، وَاشْتَرَى الْعَظِيمَ بِالصَّغِيرِ.
وَأَغْبَطُ النَّاسِ عِنْدَ ذَوِي الْعَقْلِ أَكْثَرُهُمْ سَائِلاً مُنْجِحًا (٢)، وَمُسْتَجِيرًا آمِنًا.
لاَ تَعُدَّ غَنِيًّا مَنْ لَمْ يُشَارِكْ فِي مَالِهِ ِ، وَلاَ تَعُدَّ نَعِيمًا مَا كَانَ فِيهِ تَنْغِيصٌ وَسُوءُ ثَنَاءٍ، وَلاَ تَعُدَّ الْغُنْمَ غُنْمًا إِذَا سَاقَ غُرْمًا وَلاَ الْغُرْمَ غُرْمًا إِذَا سَاقَ غُنْمًا، وَلاَ تَعْتَدَّ مِنَ الْحَيَاةِ مَا كَانَ فِي فِرَاقِ الْأَحِبَّةِ. стр. 71
وَمِنَ الْمَعُونَةَ عَلَى تَسْلِيَةِ الْهُمُومِ وَسُكُونِ النَّفْسِ: لِقَاءُ الْأَخِ أَخَاهُ، وَإِفْضَاءُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إِلَى صَاحِبِهِ بِبَثِّهِ (١).
وَإِذَا فُرِّقَ بَيْنَ الْأَلِيفِ وَأَلِيفِهِ فَقَدْ سُلِبَ قَرَارَهُ وَحُرِمَ سُرُورَهُ.
وَقَلَّ مَا تَرَانَا نُخلِّفُ (٢) عَقَبَةً مِنَ الْبَلاَءِ إِلاَّ صِرْنَا فِي أُخْرَى.
لَقَدْ صَدَقَ الْقَائِلُ الَّذِي يَقُولُ: لاَ يَزَالُ الرَّجِلُ مُسْتَمِرًّا مَا لَمْ يَعْثُرْ (٣)، فَإِذَا عَثَرَ مَرَةً وَاحِدَةً فِي أَرْضِ الْخَبَارِ (٤) لَجَّ بِهِ (٥) العِثَارُ وَإِنْ مَشَى فِي جَدَدٍ (٦)؛ لِأَنَّ هَذَا الْإِنْسَانَ مُوَكَّلٌ بِهِ الْبَلاَءُ، فَلاَ يَزَالُ فِي تَصَرُّفٍ وَفِي تَقَلُّبٍ لاَ يَدُومُ لَهُ شَيْءٌ وَلاَ يَثْبُتُ مَعَهُ، كَمَا لاَ يَدُومُ لِطَالِعِ النُّجُومِ طُلُوعُهُ وَلاَ لآفِلِهَا أُفُولُهُ (٧)، وَلَكِنَّها فِي تَقَلُّبٍ وَتَعَاقُبٍ، فَلاَ يَزَالُ الطَّالِعُ يَكُونُ آفِلاً، وَالآفِلُ طَالِعًا. стр. 72
هذا آخر كتاب " الأدب الصغير" للعلامة عبد الله بن المقفع.
بتحقيق أبي عبد الرحمن وائل بن حافظ بن خلف
والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.