Полный текст (72 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.
стр. 1
الْأَدَبُ الصَّغِيرُ
لِلْأَدِيبِ الْكَبِيرِ الْعَلاَّمَةِ
عَبْدِ اللهِ بْنِ الْمُقَفَِّعِ
نُسْخَةٌ مَضْبُوطَةٌ بِالشَّكْلِ التَّامِّ
قَرَأَهُ وَعَلَّقَ عَلَيْهِ
وائلُ بْنُ حَافِظِ بْنِ خَلَفٍ
عَفَا اللهُ عَنْهُ
الطَّبْعَةُ الأُولَى
стр. 2
الْأَدَبُ الصَّغِيرُ
لِلْأَدِيبِ الْكَبِيرِ الْعَلاَّمَةِ
عَبْدِ اللهِ بْنِ الْمُقَفَِّعِ
((وَقَدْ وَضَعْتُ فِي هَذَا الْكِتَابِ مِنْ كَلاَمِ النَّاسِ الْمَحْفُوظِ حُرُوفًا فِيهَا عَوْنٌ عَلَى عِمَارَةِ الْقُلُوبِ وَصِقَالِهَا وَتَجْلِيَةِ أَبْصَارِهَا، وَإِحْيَاءٌ لِلتَّفْكِيرِ، وَإِقَامَةٌ لِلتَّدْبِيرِ، وَدَلِيلٌ عَلَى مَحَامِدِ الْأُمُورِ وَمَكَارِمِ الْأَخْلاَقِ إِنْ شَاءَ اللهُ)) (ابن المقفع)
قَرَأَهُ وَعَلَّقَ عَلَيْهِ
وائلُ بْنُ حَافِظِ بْنِ خَلَفٍ
عَفَا اللهُ عَنْهُ
الطَّبْعَةُ الأُولَى
стр. 3
مقدَِّمة الْمُحَقِّقِ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمينَ. والصلاة والسلام على الرسل والنبيينَ، لا سيما خاتمِهم العربي ذي المقام المأنوق في أعلى عِلِّيِّينَ. والرِّضَاءُ عن آله الطاهرينَ، وأصحابه والذين اتبعوهم بإحسان أجمعين.
أما بعد:
فَهَذَا كِتَابُ "الأدب الصغير" للأديب الأريب عبدِ اللهِ بْنِ الْمُقَفَِّعِ (١) . الحواشي
(١) كان عبد الله بن المقفع مجوسيًّا من أهل فارس، وكان يسمى روزبه بن داذويه، وأسلم على يد عيسى بن علي عم السفاح والمنصور، وأطلقوا على أبيه: المقفع - بفتح الفاء -؛ لأن الحجاج بن يوسف الثقفي كان قد استعمله على الخراج، فخان، فعاقبه حتى تقفعت يداه. وقيل: بل هو المقفع - بكسر الفاء -؛ نُسب إلى بيع القفاع وهي من الجريد كالمقاطف بلا آذان. وسنذكر ترجمة ابنِ المقفع بعدُ.
وقد مات مقتولاً، واختلفوا في سبب مقتله والطريقة التي قُتل بها وفي سنة وفاته أيضًا، ومهما يكن من أمر فإنا لا نسلم أبدًا لمن قال: إنه قُتل على الزندقة! واستدل بما أورده العلامة ابن كثير ﵀ في "البداية والنهاية" [(ج١٠/ ص٧٨) ط/ مكتبة الصفا] عن المهدي قال: ((ما وجد كتاب زندقة إلا وأصله من ابن المقفع، ومطيع بن إياس، ويحيى بن زياد)) قالوا: ونسي الجاحظ، وهو رابعهم!!)) ا. هـ
نقول: أما "فلانٌ" وأمثالُه مِنَ الحَوَاقِّ فعسى، وأما ابن المقفع فلا؛ فَكُتُبُهُ بين أيدينا تكاد تنطق قائلة: ((وايم الله! إنَّّ صاحبي لبريء مما نُسب إليه))!. وليت شعري كيف ساغ لفلان وفلان وفلان ممن ترجموا للرجل أن يجزموا بذلك، وكلهم قد صَفِرَت يَدُهُ من البرهان؟ إنْ هي إلا تهمة تناقلوها بدون بيان. وقِدْمًا اتهموا أبا العلاء المعري بذلك حتى قيض الله له مِن جهابذة المتأخرين مَن أثبت بالدليل الساطع والبرهان القاطع براءته. فتبصروا رحمكم الله.стр. 4
وَهُوَ خَلِيقٌ بِأنْ يصلَ ليد كُلِّ عربي قارئ، وَمَقْمَنَةٌ لأن يُتلى على كل أمي عابئ.
وقد اشتمل على حِكَم شتى في الأخلاق والآداب لا تتساوق تحت معنى واحد، إنما هي أشبه شيء بخواطرَ كانت تسنح كلما قَدَحَ تَأَمُّلُ ابنِ المقفعِ زَنْدَ فِكْرِهِ، ثم تأتي الْقَرِيحَةُ بَعْدُ.
وابن المقفع رَجُلٌ ثَبِيتٌ عَرُوفٌ، مُجَرَّذٌ مُجَرِّبٌ، طَلاَّعُ الثَّنَايا (١) ، ثم هو رشيقُ القلم. وقد سطر في رَقِّ هذا الكتاب بقلمه السيال وأسلوبه البديع - الذي قلما يُبارى ويُوازى وإن ضَرَّجَ المحاكي الكلامَ وزينه - ما أفادته تجارِب الزمان، وما انتقاه من عيون الكلام (٢) . الحواشي
(١) يقال: فلان طلاع الثنايا: إذا كان يعلو الأمور فيقهرها بمعرفته وتجارِبه وجودة رأيه.(٢) توجد عبارات أفادها ابن المقفع ممن كان قبله ودونها كما صرح هو بذلك، والعلم رحم بين أهله، وهاك مثالاً واحدًا، قوله: ((وَعَلَى الْعَاقِلِ - مَا لَمْ يَكُنْ مَغْلُوبًا عَلَى نَفْسِهِ - أَنْ لاَ يَشْغَلَهُ شُغْلٌ عَنْ أَرْبَعِ سَاعَاتٍ: سَاعَةٍ يَرْفَعُ فِيهَا حَاجَتَهُ إِلَى رَبِّهِ، وَسَاعَةٍ يُحَاسِبُ فِيهَا نَفْسَهُ، وَسَاعَةٍ يُفْضِي فِيهَا إِلَى إِخْوَانِهِ وَثِقَاتِهِ الَّذِينَ يَصْدُقُونَهُ عَنْ عُيُوبِهِ وَيَنْصَحُونَهُ فِي أَمْرِهِ، وَسَاعَةٍ يُخلي فِيهَا بَيْنَ نَفْسِهِ وَبَيْنَ لَذَّتِهَا مِمَّا يَحِلُّ وَيَجْمُلُ ... وَعَلَى الْعَاقِلِ أَنْ لاَ يَكُونَ رَاغِبًا إِلاَّ فِي إِحْدَى ثَلاَثِ خِصَالٍ: تَزَوُّدٍ لِمَعَادٍ، أَوْ مَرَمَّةٍ لِمَعَاشٍ، أَوْ لَذَّةٍ فِي غَيْرِ مَحْرَمٍ)).
فهذا الكلام رواه الحافظ ابن أبي الدنيا ﵀ في كتاب "محاسبة النفس" رَقْم(١٢) بسنده عن وهب بن منبه قال: ((مكتوب في حكمة آل داود: حق على العاقل ... )) فذكره بنحوه. ورواه ابن حبان في "صحيحه" (٣٦٢ - إحسان) (٩٤ - موارد الظمآن)، وأبو نعيم في "حلية الأولياء" [(ج١/ص١٥٨ - ١٦٠/رقم٥٥١) ط/ مكتبة الإيمان]، والطبراني في "المعجم الكبير" (٢/ ١٥٧) رقم(١٦٥١) في أثناء حديث طويل عن أبي ذر الغفاري ﵁ مرفوعًا، وفيه: ((أن صحف إبراهيم ﵇ كانت أمثالاً كلها .. وفيها: على العاقل ما لم يكن مغلوبًا على عقله .... )) فذكره بلفظ مقارب، وسنده ضعيف جدًّا. كما أنَّ هناك عباراتٍ كثيرةً اقتبسها ابنُ المقفع من "كليلة ودمنة".
هذا، وحسبك دلالةً على نفاسة كتاب ابن المقفع هذا أن كثيرًا من العلماء البلغاء الأكابر قد بثوا حِكَمه في مصنفاتهم وإن لم يصرحوا باسمه، منهم الحافظ ابن حبان ﵀ في كتابه الماتع "روضة العقلاء "، والعلامة شهاب الدين محمد بن أحمد الأبشيهي الشافعي في "المستطرف في كل فن مستظرف".стр. 5
وقدمه بمقدمة لها القِدْحُ المُعَلَّى من البلاغة والفصاحة والبيان والتبيين.
قال فيها: ((وَقَدْ وَضَعْتُ فِي هَذَا الْكِتَابِ مِنْ كَلاَمِ النَّاسِ الْمَحْفُوظِ حُرُوفًا فِيهَا عَوْنٌ عَلَى عِمَارَةِ الْقُلُوبِ وَصِقَالِهَا وَتَجْلِيَةِ أَبْصَارِهَا، وَإِحْيَاءٌ لِلتَّفْكِيرِ، وَإِقَامَةٌ لِلتَّدْبِيرِ، وَدَلِيلٌ عَلَى مَحَامِدِ الْأُمُورِ وَمَكَارِمِ الْأَخْلاَقِ إِنْ شَاءَ اللهُ)).
وقد بدا لنا أن نعيد للكتاب بهاءَهُ، ونجدد رُوَاءَهُ؛ ففعلنا وحققناهُ.
فجمعنا ما استطعنا من نسخ الكتاب المطبوعة (١) وقابلنا بينها، وأثبتنا في الحواشي
(١) النسخة الأم هي نسخة المرحوم العلامة طاهر الجزائري [ونرمز لهذه النسخة بالحرف (ط)]، وهو الذي أخرج الكتاب للنور بعد أن كان كامنًا قرونًا عددًا. ويتلوها نسخة أحمد زكي باشا [ونرمز لهذه النسخة بالحرف (ك)]، وقد طبعتها جميعة العروة الوثقى الخيرية الإسلامية بمطبعة مدرسة محمد علي الصناعية سنة ١٣٢٩هـ = ١٩١١م، بعد أن قررت نظارة المعارف العمومية تدريس هذا الكتاب في جميع مدارسها الابتدائية.
يقول الشيخ طاهر في تصديره للكتاب: ((لما ذهبت إلى مدينة بعلبك سنة ١٢٢٣ هـ رأيت عند بعض الأفاضل الواردين عليها مجموعًا استعاره من بعض أعيانها، فرأيت فيه الضالة المنشودة وهي رسالة "الأدب الصغير" لعبد الله بن المقفع الكاتب الذي يُضرب ببلاغته المثل، فكتبتها بخطي في نحو يوم وأرجو أن يتيسر لنشرها مَن عُرف بحسن الطبع ليعم بها النفع)).
ثم استعان الشيخ طاهر بالنقادة محمد أفندي كرد علي الدمشقي فنشرها في مجلته العربية الطائرة الصيت أيام كان يصدر "الْمُقْتَبَس" بمدينة القاهرة.
قال أحمد زكي باشا: ((فجاءت وفيها شيءٌ كثير من أوجه النقص لعدم وجود نسخة ثانية للتصحيح، ولعدم تيسر الوقت الكافي للعناية بها كما هي أهله. ولقد استخدمتها ورجعت إليها في بعض الكلمات، فلصاحبيها فضل السبق، ولهما نصيب من الشكر)).
وأقول: ولقد عثرت على النسختين وغيرهما، والكل تبع لهما وفروع عنهما، وكلفني ضبط النص عَرَقًا من القِرْبَةِ، وإن كان العلامة أحمد زكي قد سبقني إلى ذلك، ولكن وقع في نسخته هنات في الضبط وسقط في النص، وقد خالف الشيخَ طاهرًا في بعض الكلمات وظنها تحريفًا أو تصحيفًا، والصواب في بعضها مع الشيخ طاهر. رحمهما الله وغفر لهما.стр. 6
المتن ما خلناه الأصوبَ منها، وما عُد اختلافًا ففي الحاشية مكانهُ، وما كان خطأً أهملناهُ.
وعمدنا إلى بعض الغريب فشرحناهُ، وقصدنا إلى النص فضبطناهُ، وبالشكل التام زيناهُ. فَدُونَكَهُ.
стр. 7
بَيْدَ أَنَّ بعضَ مَن تناول الكتاب بالطبع قد عَلْوَنَ فِقَرَهِ (١) بعناوينَ ارتآها، ولو شئنا لفعلنا مثل هذا، غير أننا آثرنا أن يظل الكتاب كما وضعه صاحبُهُ.
وللأخلاق الحسنة ومكارم الآداب في ديننا منزلةٌ سَنِيَّةٌ سَامِقَةٌ، بلغ من علو شأنها أن قال رسول الله ( ﷺ ): ((إنما بُعِثْتُ لأتمم صالحَ الأخلاقِ)) وفي لفظ: ((إنما بُعِثْتُ لأتمم مكارمَ الأخلاقِ)) (٢) .
وفرض الشارع الحكيم على الآباء تأديبَ الأبناء وتعليمَهم جميل الخصال ليكملَ نفعهم (٣) ، فإن الذي يرجو منفعةَ غير المؤدب ويبتغي خيرَ ذي النَّزَقِ كالذي يبل الصخر الأصم كي يلينَ، أو يطبخ الحديد يلتمس أدمه.
- قال ربنا (جل ثناؤه): ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم:١٢]. قال غير واحد: معنى قوله (تعالى ذكره): ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ أي: علموهم وأدبوهم.
- ورُوِيَ عن رسول الله ( ﷺ ) أنه قال: ((مَا نَحَلَ والِدٌ وَلَدًا مِنْ نَحْلٍ أَفْضَلَ مِنْ الحواشي
(١) أي: جعل لكل فِقْرَةٍ مِن فِقَرِهِ عُِنْوَانًا. فالعلوان هو: العُِنْوان.(٢) حديث صحيح: أخرجه الإمام أحمد في "المسند" (ج٢/ص٣١٨)، والإمام البخاري في "الأدب المفرد"(٢٧٣) ، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (ج٢/ص٣١٦)، والبيهقي في "السنن الكبير" (ج١٠ص١٩١ - ١٩٢) وغيرُهم من حديث أبي هريرة ﵁.(٣) انظر كتابنا "المنتخب مِن وصايا الآباء للأبناء".стр. 8
أَدَبٍ حَسَنٍ)). أخرجه البخاري في "التاريخ الكبير"، والترمذي في "السنن" (١٩٥٢) ، والبيهقي في "السنن الكبير" (ج٣/ص٨٤) وضعفوه، وكذا ضعفه الذهبي وهو الصواب. وصححه الحاكم في "المستدرك" (٤/ ٢٦٣)!، ورمز له السيوطي بالصحة في "الجامع الصغير" (٨١١٨) !.
- وعن عثمان الحاطبي قال: سمعت ابن عمر ﵄ يقول لرجل: ((أدب ابنك؛ فإنك مسئول عن ولدك ماذا أدبته وماذا علمته؟، وإنه مسئول عن برك وطواعيته لك)). أخرجه الإمام البيهقي في "السنن الكبير" (ج٣/ص٨٤).
- وعن ضمرة بن ربيعة قال: سمعت سفيان الثوري ﵀ يقول: ((كان يقال: حُسْنُ الأدبِ يطفئ غضبَ الربِّ ) ا. هـ. أخرجه أبو نعيم في "حلية الأولياء وطبقات الأصفياء" [(ج٦/ص٣٣٩/رقم٩٠٩٧) ط/ مكتبة الإيمان بالمنصورة].
- وعن أبي زكريا العنبري قال: ((علم بلا أدب، كنار بلا حطب. وأدب بلا علم، كروح بلا جسم)) رواه الإمام السمعاني في أول كتابه "أدب الإملاء والاستملاء ". وانظر "الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع" للخطيب البغدادي (١/ ٨٠).
- قال ابن المقفع: ((أَحَقُّ النَّاسِ بِالْعِلْمِ أَحْسَنُهُمْ تَأْدِيبًا)).
- وقال أيضًا: ((أَفْضَلُ مَا يُورِثُ الآبَاءُ الْأَبْنَاءَ: الثَّنَاءُ الْحَسَنُ، وَالْأَدَبُ النَّافِعُ، وَالْإِخْوَانُ الصَّالِحُونَ)). "الأدب الصغير".
- عن حَبِيبٍ الْجَلاَّبِ قَالَ: قِيلَ لابن المبارك ﵀: مَا خَيْرُ ما أُعْطِيَ الرَّجُلُ؟ قَالَ: ((غَرِيزَةُ عَقْلٍ فِيهِ)). قِيلَ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ؟ قَالَ: ((أَدَبٌ حَسَنٌ)).
стр. 9
قِيلَ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ؟ قَالَ: ((أَخٌ صَالِحٌ يَستَشِيرُهُ)). قِيلَ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ؟ قَالَ: ((صَمْتٌ طَوِيلٌ)). قِيلَ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ؟ قَالَ: ((مَوْتٌ عَاجِلٌ)) ا. هـ أخرجه ابن حبان في أول كتابه "روضة العقلاء".
- وعن ابن المبارك ﵀، قال: ((مَن تهاون بالأدب عُوقب بحرمان السنن، ومن تهاون بالسنن عوقب بحرمان الفرائض، ومن تهاون بالفرائض عوقب بحرمان المعرفة)).
- قال أبو نصر الفقيه: سمعت البوشنجيَّ - (أبا عبد الله محمد بن إبراهيم العبدي الفقيه المالكي. ﵀ - يقول: ((مَن أراد العلم والفقه بغير أدب؛ فقد اقتحم أن يكذب على الله ورسوله ﷺ )) "سير أعلام النبلاء" (١٣/ ٥٨٦).
- وقال الطَّيبي في شرح حديث: ((مَا كَانَ الفُحْشُ فِي شَيْءٍ قَطُّ إِلاَّ شَانَهُ، وَلاَ كَانَ الْحَيَاءُ فِي شَيْءٍ قَطُّ إِلاَّ زَانَهُ)) قال: ((وأشار (يعني: النبيَّ ﷺ ) بهذين إلى أن الأخلاق الرذلة مِفتاح كل شر، بل هي الشر كله. والأخلاق الحسنة السَّنية مفتاح كل خير، بل هي الخير كله)) "فيض القدير" للعلامة المناوي [(ج٥ص٥٩٨) ط/ مكتبة مصر].
- وقال الحجاج بن أرطأة: ((إن أحدَكم إلى أدب حسن أحوجُ منه إلى خمسين حديثا)).
- وقال ابن المبارك: قال لي مَخْلد بن الحسين: ((نحن إلى كثير من الأدب أحوج منا إلى كثير من الحديث)) "الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع" للخطيب البغدادي.
- وقال علي بن أبي طالب ﵁ لابنه محمد ابن الحنفية: ((أذك قلبك
стр. 10
بالأدب كما تذكي النار بالحطب)) "العِقد الفريد" للعلامة ابن عبد ربه.
- عن ابن أبي أويس قال: سمعت خالي مالكَ بْنَ أنسٍ ﵀ يقول: ((كانت أمي تلبسني الثياب، وتعممني وأنا صبي، وتوجهني إلى ربيعةَ بنِ أبي عبد الرحمن المدني، وتقول: ((يا بُني! ائت مجلس ربيعة، فتعلم من سمته وأدبه، قبل أن تتعلم من حديثه وفقهه)) أخرجه الإمام الكبير ابن عبد البر ﵀ في "التمهيد لما في الموطإِ من المعاني والأسانيد" [(ج٢ص٥) ط/ دار الكتب العلمية - بيروت- لبنان].
- وقال إبراهيم بن حبيب بن الشهيد: قال لي أبي: ((يا بني! ائت الفقهاء والعلماء، وتعلم منهم، وخذ من أدبهم وأخلاقهم وهديهم؛ فإن ذاك أحب إليَّ من كثير من الحديث)).
- وقال ابن قيم الجوزية (قدس الله روحه ونور ضريحه): ((أدب المرء عنوان سعادته وفلاحه، وقلة أدبه عنوان شقاوته وبواره. فما استُجْلِب خيرُ الدنيا والآخرة بمثل الأدب، ولا استجلب حرمانهما بمثل قلة الأدب)) ا. هـ "مدارج السالكين" (ج٢/ص٢٩٧ - ٢٩٨).
- وقال محمد بن علي: أدب الله محمدًا ( ﷺ ) بأحسن الآداب، فقال: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف:١٩٩]، فلما وعى قال: ﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ [الحشر:٧]. "البيان والتبيين" للجاحظ [(ج٢ص١٤) ط/ دار الكتب العلمية - بيروت - لبنان].
стр. 11
ذلك، واللهَ (جل ثناؤه) أسألُ أن يهديني لأحسن الأخلاق والأعمال لا يهدي لأحسنها إلا هو، وأن يصرف عني سيئ الأخلاق والأعمال لا يصرف عني سيئها إلا هو، وأن يحسن خُلُقي كما حسن خَلْقي، وأن يجعل عملي كله صالحًا، ولوجهه خالصًا، ولعباده نافعًا؛ إن ربي لسميع الدعاء،،،
وخطه بيمينه
وائل بنُ حافظ بنِ خلف
غفر الله له ولوالديه، وأحسن إليهما وإليه
ليلة الأربعاء الثامنَ عشرَ من شهر ربيع الآخِر لسنة اثنتين وثلاثين وأربعمائة وألف من الهجرة.
الموافق: الثالث والعشرين من مارس (آذار) لعام ألفين وأحد عشر من الميلاد.
بمنزلي الكائن بقرية العكريشة - مركز كفر الدوار - محافظة البحيرة - جمهورية مصر العربية
هاتف رَقْم: ٠٠٢/ ٠١٦٠٨٢٧٨٣٦
waelhafez٩٥@gmail.com
стр. 12
ترجمة ابن المقفع
مقتبسة من كتاب "تاريخ الإسلام" للإمام شمس الدين أبي عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان بن قَايْماز الذهبي (المتوفى: ٧٤٨هـ) ﵀ وطيب ثراه)
عبد الله بن المقفع: أحد المشهورين بالكتابة والبلاغة، والترسل والبراعة [زاد في "سير أعلام النبلاء": أحد البلغاء والفصحاء، ورأس الكتاب، وأولي الانشاء، من نظراء عبد الحميد الكاتب].
وكان فارسيًّا فأسلم على يد عيسى بن علي عم السفاح وهو كهل، ثم كتب له واختص به.
ومن كلام ابن المقفع قال: ((شربت من الخطب ريًّا، ولم أضبط لها رويًّا، فغاضت ثم فاضت، فلا هي نظامًا، ولا هي غيرها كلامًا)).
قال الأصمعي: صنف ابن المقفع "الدرة اليتيمة" التي لم يصنف مثلها في فنها.
وقد سُئل: مَن أدبك؟ قال: ((نفسي. كنت إذا رأيت من غيري حسنًا أتيته، وإذا رأيت قبيحًا أبيته)).
ويقال: كان ابن المقفع علمه أكثر من عقله.
وهو الذي وضع كتاب "كليلة ودمنة" فيما قيل، والأصح: أنه هو الذي
стр. 13
عربه من الفارسية (١) .
قال الهيثم بن عدي: جاء ابن المقفع إلى عيسى بن علي فقال: أريد أن أسلم على يديك، فقال: ليكن ذلك بمحضر من وجوه الناس غدًا.
ثم جلس ابن المقفع وهو يأكل ويزمزم على دين المجوسية، فقال له عيسى: أتزمزم وأنت تريد أن تسلم؟!
قال: ((أكره أن أبيت على غير دين)).
وكان ابن المقفع يتهم بالزندقة.
وعن المهدي قال: ((ما وجدت كتاب زندقة إلا وأصله ابن المقفع)) [تقدم أنا لا نُسلم بذلك. فكن على ذُِكر. راجع الحاشية رَقْم (١) من الحواشي
(١) اضطربَتِ الأقوالُ فِي وَاضِعِ "كليلة ودمنة" مَنْ هُوَ؟ والأصح مَا رجحه الإمامُ الذَّهَبِيُّ هنا مِنْ أنه هنديُّ الأصلِ، وَضَعَهُ الفَيْلَسُوفُ الهِنْدِيُّ بَيْدَبَا لِدَبْشَلِيمَ مَلِكِ الهِنْدِ. ثم تَرْجَمَهُ مِن الهِنْدِيَّةِ إلى الفَارِسيةِ (الفهلوية): بَرْزَوَيْهِ بْنُ أَزْهَرَ رأسُ أطباءِ فارسَ بِأَمْرِ كِسْرَى أَنوشِرْوَانَ بْنِ قُبَاذَ بْنِ فَيْرُوزَ ملكِ الفرسِ. ثم ترجمه للعربية عبد الله بنُ المقفع وزاد فيه. والأدلة على ذلك كثيرة، منها: أن الإمام ابن قتيبة ﵀ ينقل منه في "عيون الأخبار" ويقول: ((قرأت في كتاب للهند ... )). وقال أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ [المتوفى سنة خمس وخمسين ومائتين] في الرسالة الرابعة من "مجموع رسائله" (كتاب فخر السودان على البيضان) وهو يعدد فضائل الهند وهم من السودان: ((ولهم خط جامع لحروف اللغات، وخطوط أيضًا كثيرة، ولهم شعر كثير، وخطب .. . وعنهم أُخذ كتاب "كليلة ودمنة ". ولهم رأي ونجدة، وليس لأحد من أهل الصبر ما لهم)). هذا، ونحن الآن بصدد تحقيق كتاب "كليلة ودمنة" بعد أن عثرنا له على مخطوطة نفيسة يتيمة. وقد أشرفنا على الانتهاء منه.стр. 14
مقدمة المحقق].
وقيل: إن ابن المقفع كان ينال من متولي البصرة سفيانَ بنِ معاويةَ بن يزيد بن المهلب ويسميه ابن المغتلمة، فحنق عليه وقتله بإذن المنصور، ولكونه كتب في توثق عبد الله بن علي من المنصور يقول: ((ومتى غدر بعمه فنساؤه طوالق، وعبيده أحرار، ودوابه حبس، والمسلمون في حل من بيعته)). فلما وقف المنصور على ذلك عظم عليه وكتب إلى سفيان يأمره بقتله.
وقال المدائني: دخل ابن المقفع على سفيان، وقال: أتذكر ما كنت تقول في أمي؟ قال: ((أنشدك الله أيها الأمير في نفسي))، فأمر له بتنور فسجر، ثم قطع أربعته ثم سائر أعضائه وألقاها في التنور، وهو ينظر، وقال: ((ليس عليَّ في المثلة بك حرج؛ لأنك زنديق قد أفسدت الناس)).
فسأل سليمان بن علي وعيسى عنه، فقيل: إنه دخل دار سفيان بن معاوية سليمًا ولم يخرج، فخاصماه إلى المنصور وأحضراه مقيدًا، فشهد شهود بالحال، فقال المنصور: أرأيتم إن قتلت سفيان، فخرج ابن المقفع من هذا المجلس أأقتلكم بسفيان؟ فنكلوا عن الشهادة كلهم، وعلموا أنه برضا المنصور.
ويقال: إن ابن المقفع عاش ستًّا وثلاثين سنة.
وحكى البلاذري أن سفيان ألقاه في بئر. وقيل: أدخله حمامًا وأغلقه عليه.
وقيل: إن قتله كان في سنة خمس وأربعين ومائة. وقيل: في نحو سنة اثنتين وأربعين. [وذُكر أنه توفي سنة سبع وثلاثين ومائة].
стр. 15
وكان اسم أبيه داذويه، وكان كاتبًا، ولي للحجاج خراج فارس فخان وأخذ من الأموال، فعذبه الحجاج، فتقفعت يده فلقب المقفع. وقيل: بل الذي عذبه يوسف بن عمر الثقفي الأمير.
والمقفَّع: بفتح الفاء، الصحيح.
وقال ابن مكي في كتاب "تثقيف اللسان": يقولون ابن المقفَّع، والصواب بكسر الفاء؛ لأنه كان يعمل القفاع ويبيعها، وهي قفاف الخوص)) ا. هـ.
стр. 16
الْأَدَبُ الصَّغِيرُ
لِلْأَدِيبِ الْكَبِيرِ الْعَلاَّمَةِ
عَبْدِ اللهِ بْنِ الْمُقَفَِّعِ
((وَقَدْ وَضَعْتُ فِي هَذَا الْكِتَابِ مِنْ كَلاَمِ النَّاسِ الْمَحْفُوظِ حُرُوفًا فِيهَا عَوْنٌ عَلَى عِمَارَةِ الْقُلُوبِ وَصِقَالِهَا وَتَجْلِيَةِ أَبْصَارِهَا، وَإِحْيَاءٌ لِلتَّفْكِيرِ، وَإِقَامَةٌ لِلتَّدْبِيرِ، وَدَلِيلٌ عَلَى مَحَامِدِ الْأُمُورِ وَمَكَارِمِ الْأَخْلاَقِ إِنْ شَاءَ اللهُ)) (ابن المقفع)
قَرَأَهُ وَعَلَّقَ عَلَيْهِ
وائلُ بْنُ حَافِظِ بْنِ خَلَفٍ
عَفَا اللهُ عَنْهُ
الطَّبْعَةُ الأُولَى
стр. 17
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قال ابن المقفع:
أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّ لِكُلِّ مَخْلُوقٍ حَاجَةً، وَلِكُلِّ حَاجَةٍ غَايَةً، وَلِكُلِّ غَايَةٍ سَبِيلاً.
وَاللهُ وَقَّتَ لِلْأُمُورِ أَقْدَارَهَا، وَهَيَّأَ إِلَى الْغَايَاتِ سُبُلَهَا، وَسَبَّبَ الْحَاجَاتِ بِبَلاَغِهَا.
فَغَايَةُ النَّاسِ وَحَاجَاتُهُمْ صَلاَحُ الْمَعَاشِ وَالْمَعَادِ، وَالسَّبِيلُ إِلَى دَرَْكِهَا الْعَقْلُ الصَّحِيحُ.
وَأَمَارَةُ صِحَّةِ الْعَقْلِ: اخْتِيَارُ الْأُمُورِ بِالْبَصَرِ، وَتَنْفِيذُ الْبَصَرِ بِالْعَزْمِ.
وَلِلْعُقُولِ سَجِيَّاتٌ وَغَرَائِزُ بِهَا تَقْبَلُ الْأَدَبَ، وَبِالْأَدَبِ تَنْمَى الْعُقُولُ وَتَزْكُو.
فَكَمَا أَنَّ الْحَبَّةَ الْمَدْفُونَةَ فِي الْأَرْضِ لاَ تَقْدِرُ أَنْ تَخْلَعَ يَبَسَهَا وَتُظْهِرَ قُوَّتَهَا وَتَطْلُعَ فَوْقَ الْأَرْضِ بِزَهْرَتِهَا وَرَيْعِهَا (١) وَنَضْرَتِهَا وَنَمَائِهَا إِلاَّ بِمَعُونَةِ الْمَاءِ الَّذِي يَغُورُ (٢) إِلَيْهَا فِي مُسْتَوْدَعِهَا فَيُذْهِبَ عَنْهَا أَذَى الْيَبَسِ وَالْمَوْتِ، وَيُحْدِثَ لَهَا بِإِذْنِ اللهِ الْقُوَّةَ وَالْحَيَاةَ = فَكَذَلِكَ سَلِيقَةُ الْعَقْلِ مَكْنُونَةٌ (٣) فِي مَغْرِزِهَا مِنَ الْقَلْبِ، لاَ قُوَّةَ لَهَا وَلاَ حَيَاةَ بِهَا وَلاَ مَنْفَعَةَ عِنْدَهَا حَتَّى يَعْتَمِلَهَا الْأَدَبُ الَّذِي هُوَ ثِمَارُهَا وَحَيَاتُهَا وَلِقَاحُهَا. الحواشي
(١) الرَّيْع - بفتح الراء: النَّمَاءُ والزِّيادةُ.(٢) غَارَ الْمَاءُ غَوْرًا وغُؤورًا: أي: سَفَلَ في الأرضِ.(٣) اكتَنَّ الشيْءُ واستكَنَّ: أي: استتر، والْكِنُّ - بكسر الكاف: السُّتْرة.стр. 18
وَجُلُّ الْأَدَبِ بِالْمَنْطِقِ، وَجُلُّ الْمَنْطِقِ بِالتَّعَلُّمِ، لَيْسَ مِنْهُ حَرْفٌ مِنْ حُرُوفِ مُعْجَمِهِ، وَلاَ اسْمٌ مِنْ أَنْوَاعِ أَسْمَائِهِ إِلاَّ وَهُوَ مَرْوِيٌّ مُتَعَلَّمٌ مَأْخُوذٌ عَنْ إِمَامٍ سَابِقٍ مِنْ كَلاَمٍ أَوْ كِتَابٍ؛ وَذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ النَّاسَ لَمْ يَبْتَدِعُوا أُصُولَهَا، وَلَمْ يَأْتِهِمْ عِلْمُهَا إِلاَّ مِنْ قِبَلِ الْعَلِيمِ الْحَكِيمِ.
فَإِذَا خَرَجَ النَّاسُ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَهُمْ عَمَلٌ أَصِيلٌ وَأَنْ يَقُولُوا قَوْلاً بَدِيعًا؛ فَلْيَعْلَمِ الْوَاصِفُونَ الْمُخْبِرُونَ أَنَّ أَحَدَهُمْ - وَإِنْ أَحْسَنَ وَأَبْلَغَ - لَيْسَ زَائِدًا عَلَى أَنْ يَكُونَ كَصَاحِبِ فُصُوصٍ وَجَدَ يَاقُوتًا وَزَبَرْجَدًا وَمَرْجَانًا، فَنَظَمَهُ قَلاَئِدَ (١) وَسُمُوطًا (٢) وَأَكَالِيلَ (٣) ، وَوَضَعَ كُلَّ فَصٍّ مَوْضِعَهُ، وَجَمَعَ إِلَى كُلِّ لَوْنٍ شِبْهَهُ وَمَا يَزِيدُهُ بِذَلِكَ حُسْنًا، فَسُمِّيَ بِذَلِكَ صَانِعًا (٤) رَفِيقًا. وَكَصَاغَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ صَنَعُوا مِنْهَا مَا يُعْجِبُ النَّاسَ مِنَ الْحُلِيِّ وَالْآَنِيَةِ. وَكَالنَّحْلِ وَجَدَتْ ثَمَرَاتٍ أَخْرَجَهَا اللهُ طَيِّبَةً، وَسَلَكَتْ سُبُلاً جَعَلَهَا اللهُ ذُلُلاً؛ فَصَارَ ذَلِكَ شِفَاءً وَطَعَامًا وَشَرَابًا مَنْسُوبًا إِلَيْهَا، مَذْكُورًا بِهِ أَمْرُهَا وَصَنْعَتُهَا.
فَمَنْ جَرَى عَلَى لِسَانِهِ كَلاَمٌ يَسْتَحْسِنُهُ أَوْ يَسْتَحْسِنُ مِنْهُ، فَلاَ يَعْجَبَنَّ إِعْجَابَ الْمُخْتَرِعِ الْمُبْتَدِعِ؛ فَإِنَّهُ إِنَّمَا اجْتَنَاهُ كَمَا وَصَفْنَا.
وَمَنْ أَخَذَ كَلاَمًا حَسَنًا عَنْ غَيْرِهِ فَتَكَلَّمَ بِهِ فِي مَوْضِعِهِ وَعَلَى وَجْهِهِ، فَلاَ تَرَيَنَّ الحواشي
(١) القَلائِد: جمع قِلاَدَة، وهي: ما يُجْعَلُ في العُنُقِ مِنْ حَلْيٍ وَنَحْوِهِ.(٢) السِّمْط: الخَيْطُ ما دام فيه الْخَرَزُ، وإِلاَّ فهو سِلْكٌ، و: خَيْطُ النَّظْمِ لأنه يُعَلَّقُ، وقيل: هي قِلادة .. وجمعه: سُمُوطٌ.(٣) الإِكْلِيلُ: شِبْه عِصَابَةٍ تُزَيَّنُ بالْجَوْهَرِ. ويُسَمَّى التاجُ إِكْليلاً.(٤) في بعض النسخ: [صَائِغًا].стр. 19
عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ ضُؤُولَةً (١) ؛ فَإِنَّ مَنْ أُعِينَ عَلَى حِفْظِ كَلاَمِ الْمُصِيبِينَ، وَهُدِيَ لِلاقْتِدَاءِ بِالصَّالِحِينَ، وَوُفِّقَ لِلْأَخْذِ عَنِ الْحُكَمَاءِ، فَلاَ عَلَيْهِ أَنْ لاَ يَزْدَادَ؛ فَقَدْ بَلَغَ الْغَايَةَ، وَلَيْسَ بِنَاقِصِهِ فِي رَأْيِهِ وَلاَ غَامِطِهِ (٢) مِنْ حَقِّهِ أَنْ لاَ يَكُونَ هُوَ اسْتَحْدَثَ ذَلِكَ وَسَبَقَ إِلَيْهِ.
وَإِنَّمَا إِحْيَاءُ الْعَقْلِ الَّذِي يَتِمُّ بِهِ وَيَسْتَحْكِمُ خِصَالٌ سَبْعٌ: الْإِيثَارُ بِالْمَحَبَّةِ، وَالْمُبَالَغَةُ فِي الطَّلَبِ، وَالتَّثَبُّتُ فِي الاخْتِيَارِ، وَالاعْتِقَادُ (٣) لِلْخَيْرِ، وَحُسْنُ الْوَعْيِّ (٤) ، وَالتَّعَهُّدُ لِمَا اخْتِيرَ وَاعْتُقِدَ، وَوَضْعُ ذَلِكَ مَوْضِعَهُ قَوْلاً وَعَمَلاً.
أَمَّا الْمَحَبَّةُ: فَإِنَّمَا (٥) يَبْلُغُ الْمَرْءُ مَبْلَغَ الْفَضْلِ فِي كُلِّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ حِينَ يُؤْثِرُ بِمَحَبَّتِهِ؛ فَلاَ يَكُونُ شَيْءٌ أَمْرَأَ وَلاَ أَحْلَى عِنْدَهُ مِنْهُ.
وَأَمَّا الطَّلَبُ: فَإِنَّ النَّاسَ لاَ يُغْنِيهِمْ حُبُّهُمْ مَا يُحِبُّونَ وَهَوَاهُمْ مَا يَهْوَوْنَ عَنْ طَلَبِهِ وَابْتِغَائِهِ، وَلاَ يُدْرِكُ لَهُمْ بُغْيَتَهُمْ نَفَاسَتُهَا فِي أَنْفُسِهِمْ دُونَ الْجِدِّ وَالْعَمَلِ (٦) . الحواشي
(١) أي: ضَعْفًا وَنَقْصًا.(٢) يقال: غَمَطَ فلانٌ فلانًا غَمْطًا: أي: اسْتَصْغَرَهُ وَاحْتَقَرَهُ. وفي الحديث الذي أخرجه الإمامُ مسلمُ بْنُ الحجاجِ ﵀ في "صحيحه" (ج٢/ ٨٨ - ٨٩/نووي): ((الْكِبْرُ: بَطَرُ الْحَقِّ، وَغَمْطُ النَّاسِ)) أي: احتقارهم وازدراؤهم. وفي نسخة "للأدب الصغير": [ولا بغائضه].(٣) في نسخة "ك": [وَالاعْتِيَادُ].(٤) في "ك": [وَحُسْنُ الرَّعْيِّ].(٥) في "ك": [فَإِنَّهَا تُبْلِغُ الْمَرْءَ مَبْلَغَ الْفَضْلِ ... إلخ].(٦) في "ك": [ولا تُدْرَكُ لَهُمْ بُغْيَتُهُمْ وَنَفَاسَتُهَا فِي أَنْفُسِهِم دُونَ .. إلخ].стр. 20
وَأَمَّا التَّثَبُّتُ وَالتَّخَيُّرُ: فَإِنَّ الطَّلَبَ لاَ يَنْفَعُ إِلاَّ مَعَهُ وَبِهِ. فَكَمْ مِنْ طَالِبِ رَُشَْدٍ وَجَدَهُ وَالْغَيَّ مَعًا، فَاصْطَفَى مِنْهُمَا الَّذِي مِنْهُ هَرَبَ، وَأَلْغَى الَّذِي إِلَيْهِ سَعَى.
فَإِذَا كَانَ الطَّالِبُ يَحْوِي غَيْرَ مَا يُرِيدُ وَهُوَ لاَ يَشُكُّ بِالظَّفَرِ؛ فَمَا أَحَقَّهُ بِشِدَّةِ التَّبْيينِ وَحُسْنِ الابْتِغَاءِ!
وَأَمَّا اعْتِقَادُ الشَّيْءِ بَعْدَ اسْتِبَانَتِهِ: فَهُوَ مَا يُطْلَبُ مِنْ إِحْرَازِ الْفَضْلِ بَعْدَ مَعْرِفَتِهِ.
وَأَمَّا الْحِفْظُ وَالتَّعَهُدُّ: فَهُوَ تَمَامُ الدَّرَْكِ (١) ؛ لأَنَّ الْإِنْسَانَ مُوَكَّلٌ بِهِ النِّسْيَانُ وَالْغَفْلَةُ، فَلاَ بُدَّ لَهُ إِذَا اجْتَبَى صَوَابَ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ مِنْ أَنْ يَحْفَظَهُ عَلَيْهِ ذِهْنُهُ لِأَوَانِ حَاجَتِهِ.
وَأَمَا الْبَصَرُ بِالْمَوْضِعِ: فَإِنَّمَا تَصِيرُ الْمَنَافِعُ كُلُّهَا إِلَى وَضْعِ الْأَشْيَاءِ مَوَاضِعَهَا، وَبِنَا إِلَى هَذَا كُلِّهِ حَاجَةٌ شَدِيدَةٌ. فَإِنَّنَا لَمْ نُوضَعْ فِي الدُّنْيَا مَوْضِعَ غِنىً وَخَفْضٍ (٢) وَلَكِنْ مَوْضِعَ فَاقَةٍ وَكَدٍّ (٣) ، وَلَسْنَا إِلَى مَا يُمْسِكُ بِأَرْمَاقِنَا (٤) مِنْ الْمَأْكَلِ وَالْمَشْرَبِ بِأَحْوَجَ مِنَّا إِلَى مَا يُثْبِتُ عُقُولَنَا مِنَ الْأَدَبِ الَّذِي بِهِ تَفَاوُتُ الْعُقُولِ. وَلَيْسَ غِذَاءُ الطَّعَامِ بِأَسْرَعَ فِي نَبَاتِ الْجَسَدِ مِنْ غِذَاءِ الْأَدَبِ فِي نَبَاتِ الْعَقْلِ. وَلَسْنَا بِالْكَدِّ فِي طَلَبِ الْمَتَاعِ الَّذِي يُلْتَمَسُ بِهِ دَفْعُ الضَّرَرِ وَالْغَلَبَةُ بِأَحَقَّ مِنَّا بِالْكَدِّ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ الَّذِي الحواشي
(١) الدَّرَك - بالتحريك: اسمٌ مِنَ الإِدْرَاكِ مثل اللَّحَق. والدَّرْكُ: اللَّحَاقُ والوصولُ إلى الشيء وبلوغه. يقال: أدركته إِدْراكًا ودركًا.(٢) انظر الحاشية رقم(١٠٥) .(٣) الْكَدُّ: الشدة في العمل وطلب الرزق، والإلحاحُ في محاولة الشيء.(٤) الرَّمَق - بفتحتين: بقية الروح. وقد يُطلق على القوة.стр. 21
يُلْتَمَسُ بِهِ صَلاَحُ الدِّينِ وَالدُّنْيَا.
وَقَدْ وَضَعْتُ فِي هَذَا الْكِتَابِ مِنْ كَلاَمِ النَّاسِ الْمَحْفُوظِ حُرُوفًا فِيهَا عَوْنٌ عَلَى عِمَارَةِ الْقُلُوبِ وَصِقَالِهَا (١) وَتَجْلِيَةِ أَبْصَارِهَا، وَإِحْيَاءٌ لِلتَّفْكِيرِ، وَإِقَامَةٌ لِلتَّدْبِيرِ، وَدَلِيلٌ عَلَى مَحَامِدِ الْأُمُورِ وَمَكَارِمِ الْأَخْلاَقِ إِنْ شَاءَ اللهُ.
الْوَاصِفُونَ أَكْثَرُ مِنَ الْعَارِفِينَ، وَالْعَارِفُونَ أَكْثَرُ مِنَ الْفَاعِلَينَ.
فَلْيَنْظُرِ امْرُؤٌ أَيْنَ يَضَعُ نَفْسَهُ. فَإِنَّ لِكُلِّ امْرِئٍ لَمْ تَدْخُلْ عَلَيْهِ آفَةٌ نَصِيبًا مِنَ اللُّبِّ يَعِيشُ بِهِ، لاَ يُحِبُّ أَنَّ لَهُ بِهِ مِنَ الدُّنيا ثَمَنًا. وَلَيْسَ كُلُّ ذِي نَصِيبٍ مِنَ اللُّبِّ بِمُسْتَوْجِبٍٍ أَنْ يُسَمَّى فِي ذَوِي الْأَلْبَابِ، وَلاَ أَنْ يُوصَفَ بِصِفَاتِهِمْ.
فَمَنْ رَامَ (٢) أَنْ يَجْعَلَ نَفْسَهُ لِذَلِكَ الاسْمِ وَالْوَصْفِ أَهْلاً، فَلْيَأْخُذْ لَهُ عَتَادَهُ (٣) ، وَلْيُعِدَّ لَهُ طُولَ أَيَّامِهِ، وَلْيُؤْثِرْهُ عَلَى أَهْوَائِهِ؛ فَإِنَّهُ قَدْ رَامَ أَمْرًا جَسِيمًا لاَ يَصْلُحُ عَلَى الْغَفْلَةِ، وَلاَ يُدْرَكُ بِالْمَعْجَِزَةِ (٤) ، وَلاَ يَصِيرُ عَلَى الْأَثَرَةِ. وَلَيْسَ كَسَائِرِ أُمُورِ الدُّنْيَا وَسُلْطَانِهَا وَمَالِهَا وَزِينَتِهَا الَّتِي قَدْ يُدْرِكُ مِنْهَا الْمُتَوانِي مَا الحواشي
(١) الصَّقْلُ: الْجِلاَءُ. وصَقَلَ الشيْءَ يَصْقُلُهُ صَقْلاً وصِقَالاً، فهو مَصْقُولٌ وَصَقِيلٌ: جَلاَهُ. والاسم: الصِّقَالُ.(٢) رَامَ الشيْءَ يَرُومُهُ رَوْمًا ومَرَامًا: أي: طَلَبَهُ.(٣) الْعَتَادُ: الْعُدَّة، يقال: أَخَذَ للأمرِ عُدَّتَهُ وَعَتَادَهُ، أي: أُهْبَتَهُ وَآلَتَهُ.(٤) الْمَعْجَِزَةُ بفتح الجيم المعجمة وكسرها، مِنَ الْعَجْزِ وهو الضعف. قال الجوهري في "الصحاح": ((تقول: عَجَزْتُ عن كذا أَعْجِزُ بالكسر عَجْزًا وَمَعْجِزَةً وَمَعْجَزَةً وَمَعْجِزًا وَمَعْجَزًا بالفتح أيضًا على القياس)).стр. 22
يَفُوتُ الْمُثَابِرَ، وَيُصِيبُ مِنْهَا الْعَاجِزُ مَا يُخْطِئُ الْحَازِمَ.
وَلْيُعْلَمْ أَنَّ عَلَى الْعَاقِلِ أُمُورًا إِذَا ضَيَّعَهَا حَكَمَ عَلَيْهِ عَقْلُهُ بِمُقَارَنَةِ الْجُهَّالِ.
فَعَلَى الْعَاقِلِ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ النَّاسَ مُشْتَرِكُونَ مُسْتَوُون فِي الْحُبِّ لِمَا يُوافِقُ، وَالْبُغْضِ لِمَا يُؤْذِي، وَأَنَّ هَذِهِ مَنْزِلَةٌ اتَّفَقَ عَلَيْهَا الْحَمْقَى وَالْأَكْيَاسُ (١) ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا بَعْدَهَا فِي ثَلاَثِ خِصَالٍ هُنَّ جِمَاعُ الصَّوَابِ وَجِمَاعُ الخَطَإِ، وَعِنْدَهُنَّ تَفَرَّقَتِ الْعُلَمَاءُ وَالْجُهَّالُ، وَالْحَزَمَةُ (٢) وَالْعَجَزَةُ.
الْبَابُ الْأَوَلُ (٣) مِنْ ذَلِكَ: أَنَّ الْعَاقِلَ يَنْظُرُ فِيمَا يُؤْذِيهِ وَفِيمَا يَسُرُّهُ، فَيَعْلَمَ أَنَّ أَحَقَّ ذَلِكَ بِالطَّلَبِ إِنْ كَانَ مِمَّا يُحِبُّ، وَأَحَقَّهُ بِالاتِقَاءِ إِنْ كَانَ مِمَّا يَكْرُهُ، أَطْوَلُهُ وَأَدْوَمُهُ وَأَبْقَاهُ؛ فَإِذَا هُوَ قَدْ أَبْصَرَ فَضْلَ الآخِرَةِ عَلَى الدُّنْيَا، وَفَضْلَ سُرُورِ الْمُرُوءَةِ عَلَى لَذَّةِ الْهَوَى، وَفَضْلَ الرَّأْيِ الْجَامِعِ الْعَامِّ الَّذِي تَصْلُحُ بِهِ الْأَنْفُسُ وَالْأَعْقَابُ عَلَى حَاضِرِ الرَّأْيِ الَّذِي يُسْتَمْتَعُ بِهِ قَلِيلاً ثُمَّ يَضْمَحِلُّ (٤) ، وَفَضْلَ الْأَكَلاَتِ عَلَى الْأَكْلَةِ، وَالسَّاعَاتِ عَلَى السَّاعَةِ.
وَالْبَابُ الثَّانِي (٥) مِنْ ذَلِكَ: هُوَ أَنْ يَنْظُرَ فِيمَا يُؤْثِرُ مِنْ ذَلِكَ، فَيَضَعَ الرَّجَاءَ الحواشي
(١) الأكياس: جمع كَيِّس، وهو العاقل.(٢) الْحَزَمَة: جمع حَازِم، يقال: حَزُمَ - بالضم - الرَّجُلُ حَزَامَةً فهو حازم. والْحَزْم: ضَبْطُ الرَّجُلِ أَمْرَهُ وأخذُهُ بالثقة.(٣) أي: الْخَصْلَةُ الْأُولَى.(٤) اضْمَحَلَّ الشَّيْءُ: أي: ذهب، وفي لغة الكلابيين: امْضَحَلَّ الشَّيْءُ - بتقديم الميم - حكاه أبو زيد. واضمحل السَّحَابُ: تَقَشَّع. "الصحاح".(٥) أي: الخصلة الثانية.стр. 23
وَالْخَوْفَ فِيهِ مَوْضِعَهُ، فَلاَ يَجْعَلُ اتِّقَاءَهُ لِغَيْرِ الْمَخُوفِ، وَلاَ رَجَاءَهُ فِي غَيْرِ الْمُدْرَكِ. فَيَتْرُكُ (١) عَاجِلَ اللَّذَاتِ طَلَبًا لِآجِلِهَا، وَيَحْتَمِلُ قَرِيبَ الْأَذَى تَوَقِيًّا لِبَعِيدِهِ. فَإِذَا صَارَ إِلَى الْعَاقِبَةِ؛ بَدَا لَهُ أَنَّ قَرَارَهُ (٢) كَانَ تَوَرُّطًا، وَأَنَّ طَلَبَهُ كَانَ تَنَكُّبًا.
الْبَابُ الثَّالِثُ (٣) مِنْ ذَلِكَ: هُوَ تَنْفِيذُ الْبَصَرِ بِالْعَزْمِ بَعْدَ الْمَعْرِفَةِ بِفَضْلِ الَّذِي هُوَ أَدْوَمُ، وَبَعْدَ التَّثَبُّتِ فِي مَوَاضِعِ الرَّجَاءِ وَالْخَوْفِ؛ فَإِنَّ طَالِبَ الْفَضْلِ بِغَيْرِ بَصَرٍ تَائِهٌ حَيْرَانُ، وَمُبْصِرَ الْفَضْلِ بِغَيْرِ عَزْمٍ ذُو زَمَانَةٍ (٤) مَحْرُومٌ.
وَعَلَى الْعَاقِلِ مُحَاسَبَةُ نَفْسِهِ، وَمُخَاصَمَتُهَا (٥) ، وَالْقَضَاءُ عَلَيْهَا، وَالْإِثَابَةُ لَهَا، وَالتَّنْكِيلُ بِهَا.
أَمَّا الْمُحَاسَبَةُ: فَيُحَاسِبُهَا بِمَالِهَا، فَإِنَّهُ لاَ مَالَ لَهَا إِلاَ أَيَّامُهَا الْمَعْدُودَةُ الَّتِي مَا ذَهَبَ مِنْهَا لَمْ يُسْتَخْلَفْ كَمَا تُسْتَخْلَفُ النَّفَقَةُ، وَمَا جُعِل مِنْهَا فِي الْبَاطِلِ لَمْ يَرْجِعْ إِلَى الْحَقِّ، فَيَتَنَبَّهُ لِهَذِهِ الْمُحَاسَبَةِ عِنْدَ الْحَوْلِ إِذَا حَالَ (٦) ، وَالشَّهْرِ إِذَا انْقَضَى، وَالْيَوْمِ إِذَا وَلَّى، فَيَنْظُرُ فِيمَا أَفْنَى مِنْ ذَلِكَ، وَمَا كَسَبَ لِنَفْسِهِ، وَمَا اكْتَسَبَ عَلَيْهَا، فِي أَمْرِ الدِّينِ وَأَمْرِ الدُّنْيَا، فَيَجْمَعُ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ فِيهِ إِحْصَاءٌ، الحواشي
(١) في "ك": [فَيَتَوَقَّى].(٢) في "ك": [فِرَارَهُ].(٣) أي: الخصلة الثالثة.(٤) زَمِنَ الشَّخْصُ يَزْمَنُ زَمَنًا وَزُمْنَةً وَزَمَانَةً فهو زَمِنٌ وَزَمِينٌ، وهو: مرض يدوم زمانًا طويلاً.(٥) في "ط"، و "ك": [مخاصمة نفسه ومحاسبتها].(٦) أي: عند العام إذا مَرَّ وَمَضَى.стр. 24
وَجِدٌّ، وَتَذْكِيرٌ لِلْأُمُورِ، وَتَبْكِيتٌ لِلنَّفْسِ، وَتَذْلِيلٌ لَهَا؛ حَتَّى تَعْتَرِفَ وَتُذْعِنَ.
وَأَمَّا الْخُصُومَةُ: فَإِنَّ مِن طِبَاعِ النَّفْسِ الْأَمَّارَةِ بِالسُّوءِ (١) أَنْ تَدَّعِيَ الْمَعَاذِيرَ فِيمَا مَضَى، وَالْأَمَانِيَ فِيمَا بَقِيَ، فَيَرُدَّ عَلَيْهَا مَعَاذِيرَهَا وَعِلَلَهَا وَشُبُهَاتِهَا.
وَأَمَّا الْقَضَاءُ: فَإِنَّهُ يَحْكُمُ فِيمَا أَرَادَتْ مِنْ ذَلِكَ عَلَى السَّيِّئَةِ بِأَنَّهَا فَاضِحَةٌ مُرْدِيَةٌ مُوْبِقَةٌ (٢) ، وَلِلْحَسَنَةِ بِأَنَّهَا زَائِنَةٌ مُنْجِيَةٌ مُرْبِحَةٌ.
وَأَمَّا الْإِثَابَةُ وَالتَّنْكِيلُ: فَإِنَّهُ يَسُرُّ نَفْسَهُ بِتَذَكُّرِ تِلْكَ الْحَسَنَاتِ وَرَجَاءِ عَوَاقِبِهَا وَتَأْمِيلِ فَضْلِهَا، وَيُعَاقِبُ نَفْسَهُ بِالتَّذَكُّرِ لِلسَّيِّئَاتِ وَالتَّبَشُّعِ بِهَا وَالاقْشِعْرَارِ مِنْهَا وَالْحُزْنِ لَهَا.
فَأَفْضَلُ ذَوِي الْأَلْبَابِ أَشَدُّهُمْ لِنَفْسِهِ بِهَذَا أَخْذًا، وَأَقَلُّهُمْ عَنْهَا فِيهِ فَتْرَةً (٣) .
وَعَلَى الْعَاقِلِ أَنْ يَذْكُرَ الْمَوْتَ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ مِرَارًا، ذِكْرًا يُبَاشِرُ بِهِ الْقُلُوبَ وَيَقْذَعُ (٤) الطِّمَاحَ (٥) ؛ فَإِنَّ فِي كَثْرَةِ ذِكْرِ الْمَوْتِ عِصْمَةً مِنَ الْأَشَرِ (٦) ، وَأَمَانًا بِإِذْنِ اللهِ مِنَ الْهَلَعِ. الحواشي
(١) في "ك": [الآمِرَةِ بِالسُّوءِ].(٢) أي: مُهْلِكَةٌ.(٣) أي: إغفالاً وضعفًا.(٤) أي: يعيب ويكف ويقهر.(٥) الطِّمَاح: الكِبْرُ والفَخْرُ، وأصله: الارتفاع، فكل مرتفع مُفْرِط في تَكَبُّر: طامِح؛ وذلك لارتفاعه. ورجلٌ طَمَّاحٌ: أي: شَرِهٌ.(٦) الْأَشَر: الْمَرَح والْبَطَر، وقيل: أَشَدُّ الْبَطَرِ. "لسان العرب" للعلامة ابن منظور، وفي "المصباح المنير" للفيومي: ((أَشِرَ أَشَرًا فهو أَشِرٌ: بطر وكفر النعمة فلم يشكرها)).стр. 25
وَعَلَى الْعَاقِلِ أَنْ يُحْصِيَ عَلَى نَفْسِهِ مَسَاوِيَهَا فِي الدِّينِ [وَفِي الرَّأْيِ] (١) وَفِي الْأَخْلاَقِ وَفِي الْآدَابِ، فَيَجْمَعُ ذَلِكَ كُلَّهُ فِي صَدْرِهِ أَوْ فِي كِتَابٍ، ثُمَّ يُكْثِرُ عَرْضَهُ عَلَى نَفْسِهِ، وَيُكَلِّفُهَا إِصْلاَحَهُ، وَيُوَظِّفُ ذَلِكَ عَلَيْهَا تَوْظِيفًا مِنْ إِصْلاَحِ الْخَلَّةِ (٢) وَالْخَلَّتَيْنِ وَالْخِلاَلِ فِي الْيَوْمِ أَوِ الْجُمُْعَةِ أَوِ الشَّهْرِ.
فَكُلَّمَا أَصْلَحَ شَيْئًا مَحَاهُ، وَكُلَّمَا نَظَرَ إِلَى مَحْوٍ اسْتَبْشَرَ، وَكُلَّمَا نَظَرَ إِلَى ثَابِتٍ اكْتَأَبَ.
وَعَلَى الْعَاقِلِ أَنْ يَتَفَقَّدَ مَحَاسِنَ النَّاسِ وَيَحْفَظَهَا عَلَى نَفْسِهِ (٣) ، وَيَتَعَهَدَهَا بِذَلِكَ مِثْلَ الَّذِي وَصَفْنَا فِي إِصْلاَحِ الْمَسَاوِئِ.
وَعَلَى الْعَاقِلِ أَنْ لاَ يُخَادِنَ (٤) وَلاَ يُصَاحِبَ وَلاَ يُجَاوِرَ مِنَ النَّاسِ - مَا الحواشي
(١) ما بين المعقوفين ساقط من "ك".(٢) الْخَلَّة: الْخَصْلَة، والجمع: خِلاَل.(٣) سُئِلَ ابنُ المقفعِ: مَن أدبك؟ قال: ((نفسي؛ كنت إذا رأيت من غيري حسنًا أتيته، وإذا رأيت قبيحًا أبيته)). ويُروى أن نبي الله عيسى ( ﷺ ) قيل له: مَن أدبك؟ فقال: ((ما أدبني أحد، ولكن رأيت جهل الجاهل فاجتنبته)) قال الإمام أبو حامد الغزالي في كتابه "بداية الهداية": " ولقد صدق (على نبينا وعليه الصلاة والسلام) .. فلو اجتنب الناس ما يكرهونه من غيرهم؛ لكملت آدابهم، واستغنوا عن المؤدِّبين " ا. هـ(٤) الْخِدْن والْخَدِين: الصاحب والصديق، والجمع: أَخْدَانٌ وَخُدَنَاءٌ، يقال: خَادَنْتُ الرَّجُلَ مخادنَةً ... قال أبو زيد: خادنت الرجل: صادقته. ورجل خُدَنَةٌ: كثير الأخدان. "مقاييس اللغة" للعلامة ابن فارس ﵀، و"اللسان".стр. 26
اسْتَطَاعَ - إِلاَّ ذَا فَضْلٍ فِي الْعِلْمِ وَالدِّينِ وَالْأَخْلاَقِ؛ فَيَأْخُذَ عَنْهُ، أَوْ مُوَافِقًا لَهُ عَلَى إِصْلاَحِ ذَلِكَ؛ فَيُؤَيِّدَ مَا عِنْدَهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَلَيْهِ فَضْلٌ؛ فَإِنَّ الْخِصَالَ الصَّالِحَةَ مِنَ الْبِرِّ لاَ تَحْيَا وَلاَ تَنْمَى إِلاَّ بِالْمُوَافِقِينَ وَالْمُؤَيِّدِينَ، وَلَيْسَ لِذِي الْفَضْلِ قَرِيبٌ وَلاَ حَمِيمٌ أَقْرَبَ إِلَيْهِ [وَأَحَبَّ] (١) مِمَّنْ وَافَقَهُ عَلَى صَالِحِ الْخِصَالِ فَزَادَهُ وَثَبَّتَهُ. وَلِذَلِكَ زَعَمَ بَعْضُ الأَوَّلِينَ أَنَّ صُحْبَةَ بَلِيدٍ نَشَأَ مَعَ الْعُلَمَاءِ أَحَبُّ إِلَيْهِمْ مِنْ صُحْبَةِ لَبِيبٍ نَشَأَ مَعَ الْجُهَّالِ.
وَعَلَى الْعَاقِلِ أَنْ لاَ يَحْزَنَ عَلَى شَيْءٍ فَاتَهُ مِنَ الدُّنْيَا أَوْ تَوَلَّى، وَأَنْ يُنْزِلَ مَا أَصَابَهُ مِنْ ذَلِكَ ثُمَّ انْقَطَعَ عَنْهُ مَنْزِلَةَ مَا لَمْ يُصِبْ، وَيُنْزِلَ مَا طَلَبَ مِنْ ذَلِكَ وَلَمْ يُدْرِكْهُ (٢) مَنْزِلَةَ مَا لَمْ يَطْلُبْ، وَلاَ يَدَعَ حَظَّهُ مِنَ السُّرُورِ بِمَا أَقْبَلَ مِنْهَا، وَلاَ يَبْلُغَنَّ ذَلِكَ سُكْرًا وَلاَ طُغْيَانًا؛ فَإِنَّ مَعَ السُّكْرِ النِّسْيَانَ، وَمَعَ الطُّغْيَانِ التَّهَاوُنَ، وَمَنْ نَسِيَ وَتَهَاوَنَ خَسِرَ.
وَعَلَى الْعَاقِلِ أَنْ يُؤْنِسَ ذَوِي الْأَلْبَابِ بِنَفْسِهِ وَيُجَرِّئَهُمْ عَلَيْهَا حَتَّى يَصِيرُوا حَرَسًا عَلَى سَمْعِهِ وَبَصَرِهِ وَرَأْيِهِ، فَيَسْتَنِيمَ (٣) إِلَى ذَلِكَ وَيُرِيحَ لَهُ قَلْبَهُ، وَيَعْلَمَ أَنَّهُمْ لاَ يَغْفُلُونَ عَنْهُ إِذَا هُوَ غَفَلَ عَنْ نَفْسِهِ. الحواشي
(١) ما بين المعقوفين ساقط من "ك".(٢) في "ك": [ثُمَّ لَمْ يُدْرِكْهُ].(٣) اسْتَنَامَ إلى الشيء: أي: أَنِس به وَسَكَنَ إليه واطمأنَّ، فهو مُسْتَنِيمٌ إليه.стр. 27
وَعَلَى الْعَاقِلِ - مَا لَمْ يَكُنْ مَغْلُوبًا عَلَى نَفْسِهِ - أَنْ لاَ يَشْغَلَهُ شُغْلٌ (١) عَنْ أَرْبَعِ سَاعَاتٍ: سَاعَةٍ يَرْفَعُ فِيهَا حَاجَتَهُ إِلَى رَبِّهِ، وَسَاعَةٍ يُحَاسِبُ فِيهَا نَفْسَهُ، وَسَاعَةٍ يُفْضِي فِيهَا إِلَى إِخْوَانِهِ وَثِقَاتِهِ الَّذِينَ يَصْدُقُونَهُ عَنْ عُيُوبِهِ وَيَنْصَحُونَهُ فِي أَمْرِهِ، وَسَاعَةٍ يُخْلِي فِيهَا بَيْنَ نَفْسِهِ وَبَيْنَ لَذَّتِهَا مِمَّا يَحِلُّ وَيَجْمُلُ؛ فَإِنَّ هَذِهِ السَّاعَةَ عَوْنٌ عَلَى السَّاعَاتِ الْأُخَرِ، وَإِنَّ اسْتِجْمَامَ الْقُلُوبِ وَتَوْدِيعَهَا (٢) زِيَادَةُ قُوَّةٍ لَهَا وَفَضْلُ بُلْغَةٍ.
وَعَلَى الْعَاقِلِ أَنْ لاَ يَكُونَ رَاغِبًا (٣) إِلاَّ فِي إِحْدَى ثَلاَثِ خِصَالٍ: تَزَوُّدٍ لِمَعَادٍ، أَوْ مَرَمَّةٍ (٤) لِمَعَاشٍ، أَوْ لَذَّةٍ فِي غَيْرِ مَحْرَمٍ. الحواشي
(١) الشغل فيه أربعُ لغاتٍ: "شُغْلٌ"، و "شُغُلٌ"، و "شَغْلٌ"، و "شَغَلٌ"، والجمع: "أَشْغَالٌ". قاله في "الصحاح".(٢) أي: ترفيهها وراحتها. وقد قيل: ((أخذ الراحة للجِدِّ جِدٌّ)). وقال الجاحظ في "الحيوان" (ج١ص٣٧ - ٣٨): ((الْمُزَاحُ جِدٌّ إِذَا اجْتُلِبَ ليكونَ عِلَّةً للجِدِّ. والبطالةُ وَقَارٌ وَرَزَانَةٌ إذا تُكُلِّفَتْ لتلك العاقبة ... قال أبو شمر: إذا كان لا يُتَوَصَّلُ إلى ما يُحْتَاجُ إليه إلا بما لا يُحْتَاجُ إليه؛ فقد صار ما لا يُحْتَاجُ إليه يُحْتَاجُ إليه)) انتهى بتصرف. ولمزيد فائدة حول هذا المعنى: انظر مقدمة العلامة ابن الجوزي ﵀ لكتابه "أخبار الحمقى والمغفلين".(٣) هكذا في جميع النسخ التي بين يدي، وأظنه تصحيفًا من [ظاعنًا]، فهذه الفقرة والتي قبلها أثر مشهور نقله ابن المقفع، واللفظة فيه كما ذكرتُ، وقد تقدم تخريجه، راجع الحاشية رَقْم(٣) .(٤) يقال: رَمَّ الشَّيْءَ يَرُمّه - بضم الراء وكسرها - رَمًّا وَمَرَمَّةً: أي: أصلحه. "مختار الصحاح" للرازي.стр. 28
وَعَلَى الْعَاقِلِ أَنْ يَجْعَلَ النَّاسَ طَبَقَتَيْنِ مُتَبَايِنَتَيْنِ، وَيَلْبَسَ لَهُمْ لِبَاسَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ:
فَطَبَقَةٌ مِنَ الْعَامَّةِ: يَلْبَسُ لَهُمْ لِبَاسَ انْقِبَاضٍ وَانْحِجَازٍ وَتَحَفُّظٍ فِي كُلِّ كَلِمَةٍ وَخَطْوَةٍ.
وَطَبَقَةٌ مِنَ الْخَاصَّةِ: يَخْلَعُ عِنْدَهُمْ لِبَاسَ التَّشَدُّدِ، وَيَلْبَسُ لِبَاسَ الْأَنَسَةِ وَاللُّطْفِ (١) وَالْبِذْلَةِ وَالْمُفَاوَضَةِ. وَلاَ يُدْخِلُ فِي هَذِهِ الطَّبَقَةِ إِلاَّ وَاحِدًا (٢) مِنْ أَلْفٍ كُلِّهِمْ ذُو فَضْلٍ فِي الرَّأْيِ، وَثِقَةٍ فِي الْمَوَدَّةِ، وَأَمَانَةٍ فِي السِّرِّ، وَوَفَاءٍ بِالْإِخَاءِ.
وَعَلَى الْعَاقِلِ أَنْ لاَ يَسْتَصْغِرَ شَيْئًا مِنَ الْخَطَإِ فِي الرَّأْيِّ، وَالزَّلَلِ فِي الْعِلْمِ، وَالْإِغْفَالِ فِي الْأُمُورِ؛ فَإِنَّهُ مَنِ اسْتَصْغَرَ الصَّغِيرَ أَوْشَكَ أَنْ يَجْمَعَ إِلَيْهِ صَغِيرًا وَصَغِيرًا، فَإِذَا الصَّغِيرُ كَبِيرٌ، وإِنَّمَا هِيَ ثُلَمٌ (٣) يَثْلِمُهَا الْعَجْزُ والتَّضْيِيعُ، فَإِذَا لَمْ تُسَدَّ أَوْشَكَتْ أَنْ تَتَفَجَّرَ بِمَا لاَ يُطَاقُ.
وَلَمْ نَرَ شَيْئًا قَطُّ إِلاَّ قَدْ أُوتِيَ مِنْ قِبَلِ الصَّغِيرِ الْمُتَهَاوَنِ بِهِ. قَدْ رَأَيْنَا الْمُلْكَ يُؤْتَى مِنَ الْعَدُوِّ الْمُحْتَقَرِ بِهِ، وَرَأَيْنَا الْصِّحَّةَ تُؤْتَى مِنَ الدَّاءِ الَّذِي لاَ يُحْفَلُ بِهِ، وَرَأَيْنَا الْأَنْهَارَ تَنْبَثِقُ مِنَ الْجَدْوَلِ الَّذِي يُسْتَخَفُّ بِهِ. وَأَقَلُّ الْأُمُورِ احْتِمَالاً للضَّيَاعِ الْمُلْكُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ يَضِيعُ - وَإِنْ كَانَ صَغِيرًا - إِلاَّ اتَّصَلَ بِآخَرَ الحواشي
(١) في "ك": [وَاللَّطَفَةِ].(٢) فِي "ط": ((إِلاَّ وَاحِدٌ))، بالرفع على أنه فاعل يَدْخلُ.(٣) جمع ثُلْمَة: وهي: الخلل في الحائط وغيره.стр. 29
يَكُونُ عَظِيمًا.
وَعَلَى الْعَاقِلِ أَنْ يَجْبُنَ عَنِ الرَّأْيِ (١) الَّذِي لاَ يَجِدُ عَلَيْهِ مُوَافِقًا وَإِنْ ظَنَّ أَنَّهُ عَلَى الْيَقِينِ.
وَعَلَى الْعَاقِلِ أَنْ يَعْرِفَ أَنَّ الرَّأْيَ وَالْهَوَى مُتَعَادِيَانِ، وَأَنَّ مِنْ شَأْنِ النَّاسِ تَسْوِيفَ الرَّأْيِّ وَإِسْعَافَ الْهَوَى. فَيُخَالِف ذَلِكَ وَيَلْتَمِس أَنْ لاَ يَزَالَ هَوَاهُ مُسَوَّفًا وَرَأْيُهُ مُسْعَفًا.
وَعَلَى الْعَاقِلِ إِذَا اشْتَبَهَ عَلَيْهِ أَمْرَانِ فَلَمْ يَدْرِ فِي أَيِّهِمَا الصَّوَابُ أَنْ يَنْظُرَ أَهْوَاهُمَا عِنْدَهُ؛ فَيَحْذَرَهُ.
وَمَنْ نَصَبَ نَفْسَهُ لِلنَّاسِ إِمَامًا فِي الدِّينِ، فَعَلَيْهِ أَنْ يَبْدَأَ بِتَعْلِيمِ نَفْسِهِ وَتَقْوِيمِهَا فِي السِّيرَةِ وَالطُِّعْمَةِ (٢) وَالرَّأْيِ وَاللَّفْظِ وَالْأَخْدَانِ (٣) ؛ فَيَكُونَ تَعْلِيمُهُ بِسِيرَتِهِ أَبْلَغَ مِنْ تَعْلِيمِهِ بِلِسَانِهِ (٤) ؛ فَإِنَّهُ كَمَا أَنَّ كَلاَمَ الْحِكْمَةِ يُونِقُ الحواشي
(١) في "ك": [أَنْ يَجْبُنَ عَنِ الْمُضِيِّ عَلَى الرَّاْيِ].(٢) أي: يجب عليه أن يكون طَيِّبَ الْكَسْبِ حلاله، فالطُّعْمَةُ: وَجْهُ الْمَكْسَبِ، يقال: فلان عَفِيفُ الطُّعْمَةِ، وخبيث الطُّعْمَةِ إذا كان رديءَ الكسب. وقال أبو عبيد: فلان حسن الطِّعْمَةِ والشِّرْبَةِ بالكسر. "الصحاح".(٣) الْأَخْدَان: الأصحاب. انظر الحاشية رَقْم(٥٠) .(٤) فلسان الحال أفصح من لسان المقال. وقال علي بن أبي طالب لابنه محمد ابن الحنفية ﵄: ((خير المقال ما صدقته الفعال)). أورده العلامةُ ابنُ عبد ربه في "العِقد الفريد" في أثناء كتاب طويل من عليٍّ لابنه، وقد نقلته برُمَّتِهِ في كتابي "المنتخب من وصايا الآباء للأبناء" فانظره إن شئت غير مأمور؛ فإنه نفيس غاية.стр. 30
الْأَسْمَاعَ (١) ، فَكَذَلِكَ عَمَلُ الْحِكْمَةِ يَرُوقُ الْعُيُونَ وَالْقُلُوبَ. وَمُعَلِّمُ نَفْسِهِ وَمُؤَدِّبُهَا أَحَقُّ بِالْإِجْلاَلِ وَالتَّفْضِيلِ مِنْ مُعَلِّمِ النَّاسِ وَمُؤَدِّبِهِم.
وِلاَيَةُ النَّاسِ بَلاَءٌ عَظِيمٌ (٢) .
وَعَلَى الْوَالِي أَرْبَعُ خِصَالٍ هِيَ أَعْمِدَةُ السُّلْطَانِ وَأَرْكَانُهُ الَّتِي بِهَا يَقُومُ الحواشي
(١) أي: يُعجبها ويَروقها.(٢) انظر آخر كتابي "المنتخب"، فقد ذكرت ثمة كتاب طاهر بن الحسين لابنه عبد الله لما ولاه المأمونُ الرَّقة ومصرَ وما بينهما، وهو كتاب جامع لأمور الولاية وغيرها، قال فيه العلامة ابنِ خلدون ﵀ [المتوفى سنة ثمان وثمانمائة من الهجرة] في "المقدمة" (ص٣٢٢ - بتحقيقي) من كلامه على السياسة وكيف يقوم للسلطان أمره ويستقيم ملكه: ((ومن أحسن ما كتب في ذلك وأودع كتاب طاهر بن الحسين لابنه عبد الله بن طاهر لما ولاه المأمون الرَّقَّةَ ومصرَ وما بينهما، فكتب إليه أبوه طاهر كتابه المشهور، عهد إليه فيه، ووصاه بجميع ما يحتاج إليه في دولته وسلطانه من الآداب الدينية والخلقية، والسياسة الشرعية والملوكية، وحثه على مكارم الأخلاق ومحاسن الشيم بما لا يستغني عنه ملك ولا سُوقَة)) ثم ساقه بتمامه، وقال عَقِيبه: ((هذا أحسن ما وقفت عليه في هذه السياسة)).
وقال الإمام العَلاَّمَة الحَبْر الفَهَّامة أبو جعفرٍ محمدُ بنُ جريرٍ الطبريُّ ﵀ [المتوفى سنة عشر وثلاثمائة] بعد أن أورده في "تاريخ الأمم والملوك" [(ج٥/ص١٥٦ - ١٦١) ط/ دار الكتب العلمية - بيروت- لبنان]، قال: ((وذُكر أن طاهرًا لما عهد إلى ابنه عبد الله هذا العهد تنازعه الناس وكتبوه، وتدارسوه وشاع أمره، حتى بلغ المأمونَ، فدعا به وقُرئ عليه، فقال: ((ما بَقَّى أبو الطيب (يعني: طاهرًا) شيئًا من أمر الدين والدنيا والتدبير والرأي والسياسة وإصلاح الملك والرعية وحفظ البَيْضَة وطاعة الخلفاء وتقويم الخلافة إلا وقد أحكمه، وأوصى به وتقدم)).стр. 31
وَعَلَيْهَا يَثْبُتُ: الاجْتِهَادُ فِي التَّخَيُّرِ، وَالْمُبَالَغَةُ فِي التَّقَدُّمِ، وَالتَّعَهُّدُ الشَّدِيدُ، وَالْجَزَاءُ الْعَتِيدُ.
فَأَمَّا التَّخَيُّرُ لِلْعُمَّالِ وَالْوُزَرَاءِ: فَإِنَّهُ نِظَامُ الْأَمْرِ وَوَضْعُ مَؤُونَةِ الْبَعِيدِ الْمُنْتَشِرِ؛ فَإِنَّهُ عَسَى أَنْ يَكُونَ بِتَخَيُّرِهِ رَجُلاً وَاحِدًا قَدِ اخْتَارَ أَلْفًا؛ لِأَنَّهُ مَنْ كَانَ مِنَ العُمَّالِ خِيَارًا فَسَيَخْتَارُ كَمَا اخْتِيرَ. وَلَعَلَّ عُمَّالَ الْعَامِلِ وَعُمَّالَ عُمَّالِهِ يَبْلُغُونَ عَدَدًا كَثِيرًا. فَمَنْ تَبَيَّنَ التَّخَيُّرَ فَقَدْ أَخَذَ بِسَبَبٍ وَثِيقٍ، وَمَنْ أَسَّسَ أَمْرَهُ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ لَمْ يَجِدْ لِبُنْيَانِهِ (١) قِوَامًا (٢) . الحواشي
(١) في "ك": [لِبِنَائِهِ].(٢) قِوَام الأمرِ: نظامه وعماده، وهو أيضًا مِلاكه الذي يقوم به. قاله في "الصحاح". وكلامُ ابنِ المقفع هذا كلام رجلٍ عَرُوفٍ حقًّا، وَلاَ يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ. واعتبر بما ذكره العلامة ابن الجوزي ﵀ في كتابه الماتع "صيد الخاطر" (ص٢٢٧)، قال: قال عمر بن عبد العزيز لرجل: أَشِرْ عليَّ فيمن أستعمل؟ فقال: ((أما أرباب الدين فلا يريدونك، وأما أرباب الدنيا فلا تريدهم، ولكن عليك بالأشراف؛ فإنهم يصونون شرفهم عما لا يصلح)).
وقد روى أبو بكر الصولي قال: حدثني الحسين بن يحيى عن أبي إسحاقَ قال: دعاني المعتصم يومًا فأدخلني معه الحمام، ثم خرج فخلا بي، وقال: يا أبا إسحاقَ! في نفسي شيء أريد أن أسألك عنه، إن أخي المأمون اصطنع قومًا فأنجبوا، واصطنعت أنا مثلهم فلم ينجبوا! قلت: ومن هم؟ قال: اصطنع طاهرًا، وابنَه، وإسحاقَ، وآل سهل، فقد رأيت كيف هم، واصطنعت أنا الأفشين فقد رأيت إلى ما آل أمره، وأساش فلم أجده شيئًا، وكذلك إيتاح ووصيف! قلت: يا أمير المؤمنين! هاهنا جواب على أمان من الغضب. قال: لك ذلك. قلت: ((نظر أخوك إلى الأصول فاستعملها فأنجبت فروعها، واستعملت فروعًا لا أصول لها فلم تنجب)). فقال: يا أبا إسحاق! مقاساة ما مر بي طول هذه المدة أهون عليَّ من هذا الجواب)) ا. هـ.стр. 32
وَأَمَّا التَّقْدِيمُ وَالتَّوْكِيدُ: فَإِنَّهُ لَيْسَ كُلُّ ذِي لُبٍّ أَوْ ذِي أَمَانَةٍ يَعْرِفُ وُجُوهَ الْأُمُورِ وَالْأَعْمَالِ، وَلَوْ كَانَ بِذَلِكَ عَارِفًا لَمْ يَكُنْ صَاحِبُهُ حَقِيقًا أَنْ يَكِلَ ذَلِكَ إِلَى عِلْمِهِ دُونَ تُوْقِيفِهِ عَلَيْهِ وَتَبْيِينِهِ لَهُ وَالاحْتِجَاجِ عَلَيْهِ بِهِ.
وَأَمَّا التَّعَهُّدُ: فَإِنَّ الْوَالِي إِذَا فَعَلَ ذَلِكَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا، وَإِنَّ الْعَامِلَ إِذَا فُعِلَ ذَلِكَ بِهِ كَانَ مُتَحَصِّنًا حَرِيزًا.
وَأَمَّا الْجَزَاءُ: فَإِنَّهُ تَثْبِيتُ الْمُحْسِنِ، وَالرَّاحَةُ مِنَ الْمُسِيءِ.
لاَ يُسْتَطَاعُ السُّلْطَانُ إِلاَّ بِالْوُزَرَاءِ وَالْأَعْوَانِ، وَلاَ يَنْفَعُ الْوُزَرَاءُ إِلاَّ بِالْمَوَدَّةِ وَالنَّصِيحَةِ، وَلاَ الْمَوَدَّةُ إِلاَّ مَعَ الرَّأْيِ وَالْعَفَافِ.
وَأَعْمَالُ السُّلْطَانِ كثيرةٌ، وَقَلِيلٌ مَا تُسْتَجْمَعُ الْخِصَالُ الْمَحْمُودَةُ عِنْدَ أَحَدٍ، وَإِنَّمَا الْوَجْهُ فِي ذَلِكَ وَالسَّبِيلُ الَّذِي بِهِ يَسْتَقِيمُ الْعَمَلُ أَنْ يَكُونَ صَاحِبُ السُّلْطَانِ عَالِمًا بِأُمُورِ مَنْ يُرِيدُ الاسْتِعَانَةَ بِهِ، وَمَا عِنْدَ كُلِّ رَجُلٍ مِنَ الرَّأْيِ وَالْغَنَاءِ (١) ، وَمَا فِيهِ مِنَ الْعُيُوبِ.
فَإِذَا اسْتَقَرَّ ذَلِكَ عِنْدَهُ عَنْ عِلْمِهِ وَعَلِمَ (٢) مَنْ يَأْتَمِنُ، وَجَّهَ لِكُلِّ عَمَلٍ مَنْ قَدْ عَرَفَ أَنَّ عِنْدَهُ مِنَ الرَّأْيِ وَالنَّجْدَةِ وَالْأَمَانَةِ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ فِيهِ، وَأَنَّ مَا فِيهِ مِنَ الْعُيُوبِ لاَ يَضُرُّ بِذَلِكَ. وَيَتَحَفَّظُ مِنْ أَنْ يُوَجِّهَ أَحَدًا وَجْهًا لاَ يَُحْتَاجُ فِيهِ إِلَى مُرُوءَةٍ إِنْ كَانَتْ عِنْدَهُ، وَلاَ يَأْمَنُ عُيُوبَهُ وَمَا يَُكْرَهُ مِنْهُ. الحواشي
(١) الْغَنَاء - بالفتح والمد: النَّفْع.(٢) ضبطها العلامة أحمد زكي باشا كالآتي: [وعِلْمِ].стр. 33
ثُمَّ عَلَى الْمُلُوكِ بَعْدَ ذَلِكَ تَعَهُّدُ (١) عُمَّالِهِمْ وَتَفَقُّدُ أُمُورِهِمْ، حَتَّى لاَ يَخْفَى عَلَيْهِمْ إِحْسَانُ مُحْسِنٍ، وَلاَ إِسَاءَةُ مُسِيءٍ.
ثُمَّ عَلَيْهِمْ بَعْدَ ذَلِكَ أَنْ لاَ يَتْرُكُوا مُحْسِنًا بِغَيْرِ جَزَاءٍ، وَلاَ يُقِرُّوا مُسِيئًا وَلاَ عَاجِزًا عَلَى الْإِسَاءَةِ وَالْعَجْزِ. فَإِنَّهُمْ إِنْ تَرَكُوا ذَلِكَ؛ تَهَاوَنَ الْمُحْسِنُ، وَاجْتَرَأَ الْمُسِيءُ، وَفَسَدَ الْأَمْرُ، وَضَاعَ الْعَمَلُ.
اقْتِصَارُ السَّعْيِ إِبْقَاءٌ لِلْجَمَامِ (٢) . وَفِي بُعْدِ الْهِمَّةِ يَكُونُ النَّصَبُ (٣) . وَمَنْ سَأَلَ فَوْقَ قَدْرِهِ (٤) اسْتَحَقَّ الْحِرْمَانَ (٥) . وَسُوءُ حَمْلِ الْغِنَى أَنْ يَكُونَ عِنْدَ الْفَرَحِ مَرِحًا. وَسُوءُ حَمْلِ الْفَاقَةِ أَنْ يَكُونَ عِنْدَ الطَّلَبِ شَرِهًا (٦) . وَعَارُ الْفَقْرِ الحواشي
(١) في "ك": [تَعَاهُدُ].(٢) الْجَمَام - بالفتح: الرَّاحَة.(٣) النَّصَب: الإعياء والتعب. وقد نظم أبو الطيب المتنبي هذا المعنى، فقال:
وَإِذا كانَتِ النُّفُوسُ كِبَارًا ... تَعِبَتْ فِي مُرَادِهَا الْأَجْسَامُ
وقال الرضي:
ولكل جسم في النحول بلية ... وبلاء جسمي من تفاوت همتي
وقال ابن الجوزي: ((مَا ابْتُلِيَ الإنسان قَطُّ بأعظمَ من علو همته. فإنَّ مَنْ علت همتُهُ يختار المعالي، وقد لا يساعد الزمان، وقد تضعف الآلة؛ فيبقى في عذاب)).(٤) في "ك": [فوق قُدْرَتِهِ].(٥) وصى عبد الله بن الأهتم ابنه فقال: ((يا بني! لا تطلب الحوائج من غير أهلها، ولا تطلبها فى غير حينها، ولا تطلب ما لست له مُسْتَحِقًّا؛ فإنك إن فعلت ذلك كنت بالحرمان حَقِيقًا)) أورده الإمام الماوردي ﵀ في كتابه " أدب الدنيا والدين".(٦) الشَّرَهُ: غَلَبَةُ الْحِرْصِ، وقد شَرِهَ الرَّجُلُ فهو شَرِهٌ.стр. 34
أَهْوَنُ مِنْ عَارِ الْغِنَى. وَالْحَاجَةُ مَعَ الْمَحَبَّةِ خَيْرٌ مِنَ الْغِنَى مَعَ الْبِغْضَةِ (١) .
الدُّنْيَا دُوَلٌ، فَمَا كَانَ لَكَ مِنْهَا أَتَاكَ عَلَى ضَعْفِكَ، وَمَا كَانَ عَلَيْكَ لَمْ تَدْفَعْهُ بِقُوَّتِكَ.
إِذَا جُعِلَ الْكَلاَمُ مَثَلاً؛ كَانَ ذَلِكَ أَوْضَحَ لِلْمَنْطِقِ، وَأَبْيَنَ فِي الْمَعْنَى، وَآنَقَ لِلسَّمْعِ، وَأَوْسَعَ لِشُعُوبِ (٢) الْحَدِيثِ.
أَشَدُّ الْفَاقَةِ عَدَمُ الْعَقْلِ. وَأَشَدُّ الْوَحْدَةِ وَحْدَةُ اللَّجُوجِ (٣) . وَلاَ مَالَ أَفْضَلُ مِنَ الْعَقْلِ (٤) . وَلاَ أَنِيسَ آنَسُ مِنَ الاسْتِشَارَةِ. الحواشي
(١) الْبِغْضَة - بالكسر: شِدَّة البُغْضِ.(٢) أي: لتفاريع الحديث وتفاريقه.(٣) يقال: لَجَّ في الأمر: أي: تمادى عليه وأبى أن ينصرف عنه.(٤) هذه الجملة وردت في حديث مرفوع، ولكنه مفتعل موضوع، مكذوب مصنوع، رواه الإمام أبو القاسمِ الطبرانيُّ في "المعجم الكبير" عن عليٍّ قال: سمعت رسول الله ( ﷺ ) يقول: ((لا فقر أشد من الجهل، ولا مال أعود من العقل ... ولا استظهار أوفق من المشاورة. ولا عقل كالتدبير. ولا حسب كحسن الخلق. ولا ورع كالكف .. )) قال الحافظ نور الدين الهيثمي ﵀ في كتابه "مجمع الزوائد ومنبع الفوائد" (ج١٠ص٢٨٣): ((رواه الطبراني، وفيه أبو رجاء الحنطي، واسمه محمد بن عبد الله، وهو كذاب)).стр. 35
مِمَّا يُعْتَبَرُ بِهِ صَلاَحُ الصَّالِحِ وَحُسْنُ نَظَرِهِ لِلنَّاسِ أَنْ يَكُونَ إِذَا اسْتَعْتَبَ الْمُذْنِبَ سَتُورًا لاَ يُشِيعُ وَلاَ يُذِيعُ، وَإِذَا اسْتُشِيرَ سَمْحًا بِالنَّصِيحَةِ مُجْتَهِدًا لِلرَّأْيِ، وَإِذَا اسْتَشَارَ مُطَّرِحًا لِلْحَيَاءِ مُنَفِّذًا لِلْحَزْمِ مُعْتَرِفًا لِلْحَقِّ.
الْقَسْمُ الَّذِي يُقْسَمُ لِلنَّاسِ وَيُمَتَّعُونَ بِهِ نَحْوَانِ: فَمِنْهُ حَارِسٌ، وَمِنْهُ مَحْرُوسٌ.
فَالْحَارِسُ الْعَقْلُ، وَالْمَحْرُوسُ الْمَالُ (١) .
وَالْعَقْلُ - بِإِذْنِ اللهِ - هُوَ الَّذِي يُحْرِزُ الْحَظَّ، وَيُؤْنِسُ الْغُرْبَةَ، وَيَنْفِي الْفَاقَةَ، وَيُعَرِّفُ النَّكِرَةَ، وَيُثَمِّرُ الْمَكْسَبَةَ، وَيُطَيِّبُ الثَّمَرَةَ، وَيُوَجِّهُ السُّوقَةَ (٢) الحواشي
(١) روى الحافظ أبو نعيمٍ في كتابه "حلية الأولياء وطبقات الأصفياء" [(ج١/ص٧٥ - ٧٦/ رقم٢٤٣) ط/ مكتبة الإيمان بالمنصورة] وصيةَ علي بن أبي طالب ﵁ لكميل بن زياد، وفيها: ((العلم خير من المال: العلم يحرسك وأنت تحرس المال، العلم يزكو على العمل (وفي رواية: الإنفاق)، والمال تنقصه النفقة .. العلم يكسب العالم الطاعة في حياته، وجميل الأحدوثة بعد موته .. )). ورواها أيضًا ابن عبد ربه في "العِقد الفريد" [كتاب المرجانة في مخاطبة الملوك - باب فضيلة العلم]، وإسناده فيه نظر؛ فإنَّ فيه أبا مخنف واسمه لوط بن يحيى شيعي متهم فيما يرويه. راجع تخريجي لأحاديث لـ"مقدمة ابن خلدون" حاشية ص٢٢٧ ط/ دار العقيدة بالإسكندرية. وانظر أيضًا المجلد الأول من "مِفتاح دار السعادة" للإمام ابن قيم الجوزية (قدس الله روحه ونور ضريحه)، فقد ذكر ما يزيد على أربعين وجهًا لتفضيل العلم على المال.(٢) السُّوقَة من الناس: الرعية، وَمَنْ دون المَلِكِ ممن ليس ذا سلطان، يستوي فيه الواحد والجمع والمذكر والمؤنث، وربما جُمِعَ على سُوَقٍ بفتح الواو.стр. 36
عِنْدَ السُّلْطَانِ، وَيَسْتَنْزِلُ لِلسُّلْطَانِ نَصِيحَةَ السُّوقَةِ، وَيُكْسِبُ الصَّدِيقَ، وَيَكْفِي الْعَدُوَّ.
كَلاَمُ اللَّبِيبِ - وَإِنْ كَانَ نَزْرًا (١) - أَدَبٌ عَظِيمٌ. وَمُقَارَفَةُ الْمَأْثَمِ - وَإِنْ كَانَ مُحْتَقَرًا - مُصِيبَةٌ جَلِيلَةٌ. وَلِقَاءُ الْإِخْوَانِ - وَإِنْ كَانَ يَسِيرًا - غُنْمٌ (٢) حَسَنٌ.
قَدْ يَسْعَى إِلَى أَبْوَابِ السُّلْطَانِ أَجْنَاسٌ مِنَ النَّاسِ كَثِيرٌ.
أَمَّا الصَّالِحُ فَمَدْعُوٌ، وَأَمَّا الطَّالِحُ فَمُقْتَحِمٌ، وَأَمَّا ذُو الْأَدَبِ فَطَالِبٌ، وَأَمَّا مَنْ لاَ أَدَبَ لَهُ فَمُحْتَبَسٌ (٣) ، وَأَمَّا الْقَوِيُّ فَمُدَافِعٌ، وَأَمَّا الضَّعِيفُ فَمَدْفُوعٌ، وَأَمَّا الْمُحْسِنُ فَمُسْتَثِيبٌ، وَأَمَّا الْمُسِيءُ فَمُسْتَجِيرٌ. فَهُوَ مَجْمَعُ الْبَرِّ وَالْفَاجِرِ، وَالْعَالِمِ وَالْجَاهِلِ، وَالشَّرِيفِ وَالْوَضِيعِ.
النَّاسُ - إِلاَّ قَلِيلاً مِمَّنْ عَصَمَ اللهُ - مَدْخُولُونَ (٤) فِي أُمُورِهِمْ: فَقَائِلُهُمْ بَاغٍ، وَسَامِعُهُمْ عَيَّابٌ، وَسَائِلُهُمْ مُتَعَنِّتٌ، وَمُجِيبُهُمْ مُتَكَلِّفٌ، وَوَاعِظُهُمْ غَيْرُ مُحَقِّقٍ لِقَوْلِهِ بِالْفِعْلِ، وَمَوْعُوظُهُمْ غَيْرُ سَلِيمٍ مِنَ الاسْتِخْفَافِ، وَالْأَمِينُ مِنْهُمْ الحواشي
(١) أي: قليلاً.(٢) الغُنْم: الفوز بالشيء من غير مشقة، وضده: الْغُرْم.(٣) في "ك": [فَمُخْتَلِسٌ].(٤) الدَّخَل: ما داخل الإنسانَ من فساد وعيب وغش في عقل أو جسم أو رأي. وقد دَخِلَ دَخَلاً وَدُخِلَ دَخْلاً فهو مَدْخُولٌ.стр. 37
غَيْرُ مُتَحَفِّظٍ مِنْ إِتْيَانِ الْخِيَانَةِ، وَذُو الصِّدْقِ (١) غَيْرُ مُحْتَرِسٍ مِنْ حَدِيثِ الْكَذَبَةِ، وَذُو الدِّينِ غَيْرُ مُتَوَرِّعٍ عَنْ تَفْرِيطِ الْفَجَرَةِ، وَالْحَازِمُ مِنْهُمْ غَيْرُ تَارِكٍ لِتَوَقُّعِ الدَّوَائِرِ (٢) .
يَتَنَاقَضُونَ الْبُِنَى (٣) ، وَيَتَرَقَّبُونَ (٤) الدُّوَلَ، وَيَتَعَايَبُونَ بِالْهَمْزِ.
مُولَعُونَ فِي الرَّخَاءِ بِالتَّحَاسُدِ، وَفِي الشِّدَّةِ بِالتَّخَاذُلِ.
كَمْ قَدِ انْتُزِعَتِ الدُّنْيَا مِمَّنْ قَدِ اسْتَمْكَنَ مِنْهَا وَاعْتَكَفَتْ لَهُ، فَأَصْبَحَتِ الْأَعْمَالُ أَعْمَالَهُمْ وَالدُّنْيَا دُنْيَا غَيْرِهِمْ، وَأَخَذَ مَتَاعَهُمْ مَنْ لَمْ يَحْمَدْهُمْ، وَخَرَجُوا إِلَى مَنْ لاَ يَعْذُرُهُمْ.
فَأَصْبَحْنَا خَلَفًا مِنْ بَعْدِهِمْ، نَتَوَقَّعُ مِثْلَ الَّذِي نَزَلَ بِهِمْ.
فَنَحْنُ إِذَا تَدَبَّرْنَا أُمُورَهُمْ، أَحِقَّاءُ أَنْ نَنْظُرَ مَا نَغْبِطُهُمْ بِهِ فَنَتَّبِعَهُ، وَمَا نَخَافُ عَلَيْهِمْ مِنْهُ فَنَجْتَنِبَهُ.
كَانَ يُقَالُ: إِنَّ اللهَ (تَعَالَى) قَدْ يَأْمُرُ بِالشَّيْءِ وَيَبْتَلِي بِثِقَلِهِ، وَيَنْهَى عَنِ الشَّيْءِ وَيَبْتَلِي بِشَهْوَتِهِ.
فَإِذَا كُنْتَ لاَ تَعْمَلُ مِنَ الْخَيْرِ إِلاَّ مَا اشْتَهَيْتَ (٥) ، وَلاَ تَتْرُكُ مِنَ الشَّرِّ إِلاَّ مَا الحواشي
(١) في "ك": [وَالصَّدُوقُ].(٢) الدَّوَائِر: الدواهي.(٣) في "ك": [الْبِنَاءَ].(٤) في "ك": [وَيَتَرَاقَبُونَ].(٥) في "ك": [اشْتَهَيْتَهُ].стр. 38
كَرِهْتَ (١) ، فَقَدْ أَطْلَعْتَ الشَّيْطَانَ عَلَى عَوْرَتِكَ، وَأَمْكَنْتَهُ مِنْ رُمَّتِكَ (٢) ، فَأَوْشَكَ أَنْ يَقْتَحِمَ عَلَيْكَ فِيمَا تُحِبُّ مِنَ الْخَيْرِ فَيُكَرِّهَهُ إِلَيْكَ، وَفِيمَا تَكْرَهُ مِنَ الشَّرِّ فَيُحَبِّبَهُ إِلَيْكَ.
وَلَكِنْ يَنْبَغِي لَكَ فِي حُبِّ مَا تُحِبُّ مِنَ الْخَيْرِ التَّحَامُلُ عَلَى مَا يُسْتَثْقَلُ مِنْهُ، وَيَنْبَغِي لَكَ فِي كَرَاهَةِ مَا تَكْرَهُ مِنَ الشَّرِّ التَّجَنُّبُ (٣) لِمَا تُحِبُّ مِنْهُ.
الدُّنْيَا زُخْرُفٌ يَغْلِبُ الْجَوَارِحَ مَا لَمْ تَغْلِبْهُ الْأَلْبَابُ. وَالْحَكِيمُ مَنْ يُغْضِي عَنْهُ طَرْفَهُ وَلَمْ يَشْغَلْ بِهِ قَلْبَهُ. اطَّلَعَ مِنْ أَدْنَاهُ فِيمَا وَرَاءَهُ، وَذَكَرَ [فِي بَدْئِهِ] (٤) لَوَاحِقَ شَرِّهِ، فَأَكَلَ مُرَّهُ، وَشَرِبَ كَدِرَهُ؛ لِيَحْلَوْلِيَ (٥) لَهُ، وَيَصْفُوَ فِي طُولٍ مِنْ إِقَامَةِ الْعَيْشِ الَّذِي يَبْقَى وَيَدُومُ، غَيْرَ عَائِفٍ لِلرَُّشَْدِ (٦) إِنْ لَمْ يَلْقَهُ بِرِضَاهُ، وَلَمْ يَأْتِهِ مِنْ طَرِيقِ هَوَاهُ. الحواشي
(١) في "ك": [كَرِهْتَهُ].(٢) أي: أمكنت الشيطان من الْمِقْوَد الذي يقودك به، فأصل الرُّمَّة: الحبل يُقلَّد البعير. ومنه قولهم: دفع إليه الشيْءَ برمته، وأصله: أن رجلاً دفع إلى رجلٍ بعيرًا بحبل في عنقه، فقيل ذلك لكل مَن دفع شيئًا بجملته.(٣) في "ك": [التَّحَبُّبُ]!! وهو تصحيف.(٤) ما بين المعقوفين ساقط من "ك".(٥) احْلَوْلَى الشَّيْءُ: حَلاَ وَحَسُنَ.(٦) أي: غير تاركٍ له. يقال: عَافَ الشَّيْءَ: أي: كَرِهَهُ فَتَرَكَهُ، فهو عائف.стр. 39
لاَ تَأْلَفِ الْمُسْتَوْخمَ (١) ، وَلاَ تُقِمْ عَلَى غَيْرِ الثِّقَةِ.
قَدْ بَلَغَ فَضْلُ اللهِ عَلَى النَّاسِ مِنَ السَّعَةِ وَبَلَغَتْ نِعْمَتُهُ عَلَيْهِمْ مِنَ السُّبُوغِ (٢) مَا لَوْ أَنَّ أَخَسَّهُمْ حَظًّا وَأَقَلَّهُمْ مِنْهُ نَصِيبًا وَأَضْعَفَهُمْ عِلْمًا وَأَعْجَزَهُمْ عَمَلاً وَأَعْيَاهُمْ لِسَانًا بَلَغَ مِنَ الشُّكْرِ لَهُ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ بِمَا خَلَصَ إِلَيْهِ مِنْ فَضْلِهِ وَوَصَلَ إِلَيْهِ مِنْ نِعْمَتِهِ مَا بَلَغَ لَهُ مِنْهُ أَعْظَمُهُمْ حَظًّا وَأَوْفَرُهُمْ نَصِيبًا وَأَفْضَلُهُمْ عِلْمًا وَأَقْوَاهُمْ عَمَلاً وَأَبْسَطُهُمْ لِسَانًا؛ لَكَانَ عَمَّا اسْتَوْجَبَ اللهُ عَلَيْهِ مُقَصِّرًا، وَعَنْ بُلُوغِ غَايَةِ الشُّكْرِ بَعِيدًا.
وَمَنْ أَخَذَ بِحَظِّهِ مِنْ شُكْرِ اللهِ، وَحَمْدِهِ، وَمَعْرِفَةِ نِعَمِهِ، وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ، وَالتَّحْمِيدِ لَهُ؛ فَقَدِ اسْتَوْجَبَ بِذَلِكَ مِنْ أَدَائِهِ إِلَى اللهِ الْقُرْبَةَ (٣) عِنْدَهُ، وَالْوَسِيلَةَ إِلَيْهِ، وَالْمَزِيدَ فِيمَا شَكَرَهُ عَلَيْهِ مِنْ خَيْرِ الدُّنْيَا، وَحُسْن ثَوَابِ الْآخِرَةِ.
أَفْضَلُ مَا يُعْلَمُ بِهِ عِلْمُ ذِي الْعِلْمِ وَصَلاَحُ ذِي الصَّلاَحِ أَنْ يَسْتَصْلِحَ بِمَا أُوتِيَ مِنْ ذَلِكَ مَنِ اسْتَطَاعَ (٤) مِنَ النَّاسِ، وَيُرَغِّبَهُمْ فِيمَا رَغِبَ فِيهِ لِنَفْسِهِ مِنْ حُبِّ اللهِ، وَحُبِّ حِكْمَتِهِ، وَالْعَمَلِ بِطَاعَتِهِ، وَالرَّجَاءِ لِحُسْنِ ثَوَابِهِ فِي الْمَعَادِ إِلَيْهِ، وَأَنْ يُبَيِّنَ الَّذِي لَهُمْ مِنَ الْأَخْذِ بِذَلِكَ، وَالَّذِي عَلَيْهِمْ فِي تَرْكِهِ، وَأَنْ يُوَرِّثَ ذَلِكَ الحواشي
(١) أي: الثقيل غير المواتي.(٢) أي: الكمال والتمام والسَّعَة. يقال: أَسْبَغَ اللهُ عَلَيْهِ النِّعْمَةَ: أي: أَكْمَلَهَا وَأَتَمَّهَا وَوَسَّعَهَا.(٣) في "ط"، و"ك": [وَالْقُرْبَةِ]، بالجر عطفًا على الأداء وكذا ما بعده.(٤) في "ك": [مَا اسْتَطَاعَ].стр. 40
أَهْلَهُ وَمَعَارِفَهُ؛ لِيَلْحَقَهُ أَجْرُهُ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ.
الدِّينُ أَفْضَلُ الْمَوَاهِبِ الَّتِي وَصَلَتْ مِنَ اللهِ (تَعَالَى) إِلَى خَلْقِهِ، وَأَعْظَمُهَا مَنْفَعَةً، وَأَحْمَدُهَا فِي كُلِّ حِكْمَةٍ. فَقَدْ بَلَغَ فَضْلُ الدِّينِ وَالْحِكْمَةِ أَنْ مُدِحَا عَلَى أَلْسِنَةِ الْجُهَّالِ، عَلَى جَهَالَتِهِمْ بِهِمَا وَعَمَاهُمْ عَنْهُمَا.
أَحَقُّ النَّاسِ بِالسُّلْطَانِ أَهْلُ الْمَعْرِفَةِ. وَأَحَقُّهُمْ بِالتَّدْبِيرِ الْعُلَمَاءُ. وَأَحَقُّهُمْ بِالْفَضْلِ أَعْوَدُهُمْ عَلَى النَّاسِ بِفَضْلِهِ. وَأَحَقُّهُمْ بِالْعِلْمِ أَحْسَنُهُمْ تَأْدِيبًا. وَأَحَقُّهُمْ بِالْغِنَى أَهْلُ الْجُودِ. وَأَقْرَبُهُمْ إِلَى اللهِ أَنْفَذُهُمْ فِي الْحَقِّ عِلْمًا وَأَكْمَلُهُمْ بِهِ عَمَلاً. وَأَحْكَمُهُمْ أَبْعَدُهُمْ مِنَ الشَّكِّ فِي اللهِ (تَعَالَى). وَأَصْوَبُهُمْ رَجَاءً أَوْثَقُهُمْ بِاللهِ. وَأَشَدُّهُم انْتِفَاعًا بِعِلْمِهِ أَبْعَدُهُمْ مِنَ الْأَذَى. وَأَرْضَاهُمْ فِي النَّاسِ أَفْشَاهُمْ مَعْرُوفًا. وَأَقْوَاهُمْ أَحْسَنُهُمْ مَعُونَةً. وَأَشْجَعُهُمْ أَشَدُّهُمْ عَلَى الشَّيْطَانِ. وَأَفْلَجُهُمْ بِالْحُجَّةِ (١) أَغْلَبُهُمْ لِلشَّهْوَةِ وَالْحِرْصِ. وَآخَذُهُمْ بِالرَّأْيِ أَتْرَكُهُمْ لِلْهَوَى. وَأَحَقُّهُمْ بِالْمَوَدَّةِ أَشَدُّهُمْ لِنَفْسِهِ حُبًّا. وَأَجْوَدُهُمْ أَصْوَبُهُمْ بِالْعَطِيَّةِ مَوْضِعًا. وَأَطْوَلُهُمْ رَاحَةً أَحْسَنُهُمْ لِلْأُمُورِ احْتِمَالاً. وَأَقَلُّهُمْ دَهَشًا (٢) أَرْحَبُهُمْ ذِرَاعًا (٣) . وَأَوْسَعُهُمْ غِنًى أَقْنَعُهُمْ بِمَا أُوتِيَ. وَأَخْفَضُهُمْ عَيْشًا (٤) الحواشي
(١) الْفَلْج: الظَّفَر وَالْفَوْز، وقد فَلَجَ الرجلُ على خَصْمِهِ يَفْلُجُ فَلْجًا. وفَلَج بِحُجَّتِِهِِ: أي: أَحْسَنَ الإِدْلاَءَ بِهَا فَغَلَبَ خَصْمَهُ. وفي "ك": [وَأَفْلَحُهُمْ - بالحاء المهملة- بِحُجَّةٍ].(٢) دَهِشَ الرَّجُلُ يَدْهَشُ دَهَشًا: تَحَيَّرَ.(٣) أي: واسع القوة والقدرة والبطش.(٤) الْخَفْض: لين العيش وسعته. يقال: عيش خَفْضٌ وَخَافِضٌ وَمَخْفُوضٌ وَخَفِيضٌ.следующие страницы →