← Акыда

Акыда · id 37542

حقيقة التأويل - ط أطلس

عبد الرحمن المعلمي اليماني

Полный текст (99 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

- بسم الله الرحمن الرحيم - مقدمة في الصدق والكذب اعلم أن أعظم نعم الله على عباده تيسيره لهم الكلام الذي يتفاهمون به، ولولاه لكانوا كالأنعام أو أضل سبيلا. ألا ترى أن الإنسان إذا نشأ منفردا عن أبناء جنسه لا يدرك إلا ما وقعت عليه حواسه، والحواس لا تهتدي إلى حقائق الأشياء، فإذا رأى مثلا شجرة لم يهتد إلى معرفة نفعها من ضرها إلا بتجربة، والتجربة قد تودي بحياته؛ ثم لا يهتدي إلى صفة استنباتها، والقيام عليها وإصلاحها إلا بتجربة قد يفوز فيها وقد لا يفوز؛ ولعله يقضي عمره كله في بضع تجارب، ولا يتفرغ مع ذلك للنظر في غير قوته، فلا يمكنه تحصيل علم، ولا إتقان صناعة، ولا معرفة ما لم يقع عليه بصره من الأرض. فأما الدين فلا صلة له به إلا بعض الأمور الكلية إذا قضي له أن ينتفع لها، ورزق عقلا سليما، وذكاء مرهفا. ثم إذا اجتمع هذا بأمثاله، ولم يكن هناك كلام يتفاهمون به،

стр. 2

فقد يتعاونون على تحصيل القوت ونحوه تعاون النحل والنمل، ولكنه لا يستطيع احدهم أن يطلع الآخر على ما اطلع عليه، إلا بان يذهب إلى ذلك الشيء حتى يوقفه عليه، فإذا كان الذي اطلع عليه الأول معنى من المعاني تعذر اطلاعه الآخر عليه. نعم؛ هناك الإشارة، ولكنها ضئيلة الفائدة عسرة الفهم، وأنت ترى الأخرس وما يعانيه من مشقة الحياة وترى الغريب إذا دخل بلد قوم لا يعرفها ولا يعرف لغتهم ولا يعرفون لغته ما تكون حاله! فيسر الله للناس بالكلام أن يطلع احدهم على جميع ما اطلع عليه ألوف منهم بأيسر وقت. فالقضية التي لا يمكن أن يفهمها بالإشارة، أو يمكن أن يفهمها بعد صرف ساعة أو ساعتين بكلمة واحدة، وبذلك بلغ الإنسان إلى ما تراه من العلم والمدنية. إذا فلولا الكلام لكان الناس كالأنعام. فنعمة هذا شانها وخطرها ما عسى أن يكون حال من استعملها في نقيض مقصودها؟ ألا ترى لو أن امرأة سافرت برضيعها، فنزلت في بيت من مدينة، ثم تركت طفلها وخرجت، ولما أرادت الرجوع إلى البيت

стр. 3

لإرضاع طفلها لم تهتد إلى الطريق، فسألت شخصا - وذكرت له اسم المحلة - فأرشدها إلى الطريق فرجعت إلى طفلها، فوجدته يكاد يموت، وعلمت أنها لو تأخرت ساعة مات، فأرضعته. ثم تدبرت نعمة الكلام، أليست تعلم أنها لو كانت بكماء لمات ابنها؟ فافرض أن الذي سألته كذب عليها، فأراها طريقا تؤدي إلى محلة أخرى فذهبت منها، فمشت ساعة أو أكثر، ثم تبين لها الأمر فسألت آخر فأرشدها، فلم تبلغ البيت إلا وقد مات طفلها، أليست تتمنى أن الذي كذب عليها لم يخلق، أو أنه كان أصم لا يسمع سؤالها، أو نحو ذلك؟ بلى، وكل إنسان يتمنى معها ذلك. ثم افرض أن الذي أخبرها أولا ورّى خبره في خبرة، كأن قال لها: هذا القطار يذهب إلى تلك المحلة، وأومأ إلى قطار ذاهب إلى جهة أخرى، وعنى أنه عند رجوعه يذهب إلى تلك المحلة، ألا تكون النتيجة واحدة والمفسدة واحدة؟ وسواء أورى أم لم يورّ؟.

стр. 4

تشديد الشارع في الكذب أما الكذب على الله ، بأن تخبر عن الله ما لا علم لك به، ومنه الكذب على رسوله في أمور الدين، فقد نص القرآن على أنه من أشد الكفر، وقد أوضحنا هذا في رسالة "العبادة"، بما لا مزيد عليه. وأما الكذب في غير ذلك، ففي الصحيحين عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : «آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان». زاد مسلم بعد قوله ثلاث: «وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم». وفيهما: [عن] عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ : «أربع من كن فيه كان منافقا خالصا، ومن كان فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا اؤتمن خان، وإذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر».

стр. 5

وروي من حديث أبي أمامة، وسعد بن أبي وقاص، عن النبي ﷺ قال: «يطبع المؤمن على الخلال كلها، إلا الخيانة والكذب».

стр. 6

وإذا تدبرت وجدت الأمور المذكورة كلها تدور على الكذب، فمن كان إذا وعد أخلف فإنه يكذب في وعده، فيقول: سأفعل وهو يريد أن لا يفعل! والخائن موطّن نفسه على الكذب، يقال له: عندك كذا أو فعلت كذا؟ فيقول: لا. ومن كان إذا عاهد غدر فهو كالوعد، بل لو كانت نيته عند المعاهدة أن يفي ثم غدر لكان كاذبا، لأن حقيقة المعاهدة أنه سيفي حتما، بخلاف الوعد، فإن العادة كالقاضية بأن مراده أنه سيفعل إذا لم يعرض له ما يغير رأيه. وأما الفجور في الخصومة فمعناه: أنه يفتري على خصمه ويبهته بما ليس فيه، وذلك هو الكذب وحسبك أن الإنسان المعروف بالكذب قد سلخ نفسه من الإنسانية، فإن من يعرفه لم يعد يثق بخبره فلا يستفيد الناس منه شيئا، ومن لم يعرفه يقع بظنه صدقه في المفاسد والمضار، فأنت ترى أن موت هذا الرجل خير للناس من حياته. وهبه يتحرى من الكذب ما لا يضر فإنه لا يستطيع ذلك، ولو استطاعه لكان إضراره بنفسه إذ أفقدها ثقة الناس به، على أن الكذبة الواحدة كافية لتزلزل ثقة الناس به.

стр. 7

الترخيص في بعض ما يسمى كذبا في الصحيحين من حديث أم كلثوم بنت عقبة، عن النبي ﷺ أنه قال: «ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس ويقول خيرا أو ينمي خيرا». قال الحافظ في الفتح: قال العلماء: المراد هنا أنه يخبر بما علمه من الخير ويسكت عما علمه من الشر، ولا يكون ذلك كذبا، وزاد مسلم في رواية: "قال ابن الشهاب: ولم أسمع يرخص في شيء مما يقول الناس كذب إلا في ثلاث: الحرب، والإصلاح بين الناس، وحديث الرجل امرأته وحديث المرأة زوجها". ثم ذكر أن بعض الرواة أدرج هذا الكلام، فجعله من قول أم كلثوم بلفظ "وقالت: ولم أسمعه يرخص ... ". وبيّن الحافظ في الفتح أن الذي أدرجه في الحديث وهم،

стр. 8

والصواب أنه من قول الزهري، ونقل الحكم بالإدراج عن النسائي وموسى بن هارون وغيرهما، ثم قال: "قال الطبري: ذهبت طائفة

стр. 9

إلى جواز الكذب لقصد الإصلاح، وقالوا: إن الثلاث المذكورة كالمثال، وقالوا: الكذب المذموم إنما هو فيما فيه مفسدة، أو ما ليس فيه مصلحة. وقال آخرون: لا يجوز الكذب في شيء مطلقا، وحملوا الكذب المراد هنا على التورية والتعريض، كمن يقول للظالم: دعوت لك أمس، وهو يريد قوله: اللهم اغفر للمسلمين". ثم قال الحافظ: "واتفقوا على جواز الكذب عند الاضطرار، كما لو قصد ظالم قتل رجل - وهو مختف عنده - فله أن ينفي كونه عنده، ويحلف على ذلك، ولا يأثم، والله أعلم". أقول: مهما خلا الكذب عن المفسدة، فلا يكاد يخلو عن إفقاد صاحبه ثقة الناس بكلامه، وحرمانهم الاستفادة من خيره بقية عمره؛ فهو يستفيد من أخبارهم، ولا يثقون به فيستفيدوا من خبره؛ ولعل سقوط ثقتهم بخبره يوقعهم في مضار ويصرف عنهم مصالح مما

стр. 10

يخبرهم به صادقا فلا يصدقونه. ولو أبيح الكذب في الإصلاح فكذب المصلح يوشك أن يعرف كذبه فتسقط الثقة به. وافرض أنه علم عذره، فإنها على ذلك تسقط الثقة به في الإصلاح، فإذا قال خيرا أو نمى خيرا بعد ذلك لم يصدق وإن كان صادقا، لأنه عرف استحلاله الكذب في ذلك؛ ومع هذا فإنها تزلزل الثقة بخبره في غير الإصلاح أيضا، إذ يقول الناس: لعله يرى خبره هذا إصلاحا فيستحل الكذب فيه! وقريب من هذا حال الكذب في الحرب، وكذب كل من الزوجين على الآخر، وأنا نفسي كانت إذا سألتني زوجتي ما لا أريد أقول لها: أفعل إن شاء الله! قاصدا التعليق، فلما قلت ذلك ثلاث مرات أو أزيد فطنت للقضية! فصارت لا تثق بوعدي إذا قلت سأفعل إن شاء الله، فوقعت في مشكلة، لأنني أحتاج إلى أن أقول: "إن شاء الله" في كل وعد وإن أردت الوفاء به، للأمر الشرعي بذلك. وقولك للظالم "دعوت لك أمس" فيه مفاسد، لأنه إن كان

стр. 11

يحسن الظن بك، وحمل قولك على ظاهره جرّأه ذلك على الظلم قائلا: إن دعاء الصالح ليدل على أنه يراني من أهل الخير، وأن ما يخطر لي من التأويل في هذه الأمور التي يزعم الناس أنها ظلم هو تأويل صحيح! وما من ظالم إلا والشيطان يوسوس له بتأويل ما يبرر به صنيعه. وإن استبعد دعاءك له اعتقد كذبك ومداهنتك له، وطمع منك في غيرها، وزالت من قلبه هيبته لك في الله، وأوشك أن تنالك منه مضرّة لسقوطك من عينه، ويتجرأ مع ذلك على المظالم قائلا: الناس سواسية، هذا الذي يقال صالح يكذب ويداهن الظلمة، فلو استطاع لظلم! وإذا تنبه لاحتمال كلامك التورية لم تأمن أن يحمل قولك: "دعوت لك" على "دعوت عليك"، يقول: كأنه أراد "دعوت لأجلك"، أي: دعوت الله أن يريح الناس من شرك، أو نحو ذلك.

стр. 12

والحاصل أن الكذب لا يخلو من المفاسد، ولكن إذا تعين طريقا لدفع مفسدة عظيمة - كالقتل ظلما - جاز على قاعدة تعارض المفسدتين. والمنقول من هذا إنما هو في التورية، كقول إبراهيم لزوجته: هي أختي، لعلمه أنه لو قال "زوجتي" لقتلوه. وقوله: ﴿إني سقيم﴾، لأنه أراد أن يتوصل إلى تكسير أصنامهم، وفي ذلك دفع مفسدة عظيمة. وقوله: ﴿بل فعله كبيرهم هذا فسئلوهم إن كانوا ينطقون﴾، لأنه أراد أن يتوصل بذلك إلى إنقاذهم من الشرك، والشرك أعظم المفاسد، مع أنهم إذا خلصوا من الشرك خلص هو من القتل. وظني أن هذه كلها كانت قبل أن ينبّأ إبراهيم ﵇، كما قررته في رسالة "العبادة".

стр. 13

وكل من هذه الثلاث فيها تورية قريبة، والحال التي كان عليها شبه قرينة تشكك في حمل كلامه على ظاهره، فيصير بها الكلام كالمجمل. وإيضاح هذا: أنه قد علم أنه لو تبين للظلمة أنها امرأته لقتلوه، وإذا عرف ذلك فيبعد أن يعترف بأنها امرأته، ومثل هذه الحال توقع عادة في الكذب المحض. ولهذا لا يثق الناس بخبر من وقع في مثلها، فإذا عرفوا منه التحفظ من الكذب قالوا لعله ورّى، فهذا شبه قرينة. أولا ترى الناس لا يرتابون في قول الغني لبعض المال الذي تحت يده: هذا مال امرأتي؟ ويرتابون في مثل هذا القول إذا وقع من مفلس أو معوز. ومع هذا كله، فقد سمى الشارع هذه الثلاث الكلمات كذبات، فقال النبي ﷺ : «لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات، كلهن في ذات الله .. »، والحديث في الصحيحين. وجاء في الشرع ما يدل أن مثل هذا الكذب لا يخلو من

стр. 14

مخالفة، ففي الصحيحين في حديث الشفاعة: «فيأتون آدم فيقولون: اشفع لنا عند ربك، فيقول: لست هناكم - ويذكر خطيئته التي أصاب أكله من الشجرة وقد نهي عنها - فيأتون نوحا، فيقول لست هناك - ويذكر خطيئته التي أصاب بسؤاله ربه بغير علم - فيأتون إبراهيم فيقول: إني لست هناكم، ويذكر ثلاث كذبات كذبهن .. ». وهناك ثلاث أنواع دون ما ذكر: أولها: الإيهام: كأن يريد غزوة جهة الشرق، فيسأل عن الطريق في جهة الغرب، حتى إذا كان جاسوس يرى الاستعداد للغزو، ويسمع ذلك السؤال، فيتوهم أن القصد جهة الغرب، فإذا رجع إلى العدو الشرقي أخبرهم بذلك، فيكفون عن الاستعداد. وبهذا أو نحوه فسر ما جاء في الصحيح، أن النبي ﷺ كان إذا أراد غزوة ورّى بغيرها. وليس ذلك بكذب. على أن من شأن

стр. 15

من يريد غزوة أن يكتم قصده، ويحرص على إيهام العدو أنه لا يقصدهم؛ وهذا شبه قرينة تشكك في الإيهام المذكور. ثانيها: الكلام الموجه: وهو الذي يحتمل معنيين فأكثر على السواء، وليس هذا أيضا من الكذب في شيء البتة. ثالثها: أن يكون الكلام ظاهرا في المعنى المراد، ولكنه صيغ مصاغا يستخف المخاطب، فإذا استعجل فهم خلاف المقصود. وقد نقل شيء من هذا عن النبي ﷺ ، كان ربما تعمده تأديبا للمخاطبين، وتعليما لهم أن لا يستعجلوا في فهم الكلام قبل التروي فيه، فمن ذلك: ما روي أن رجلا سأله أن يحمله على بعير، فقال ﷺ : «لأحملنك على ولد ناقة»، فاستعجل الرجل وقال: وما أصنع بولد ناقة؟ فقال ﷺ : «وهل تلد الإبل إلا النوق؟» العرف قد صير الظاهر من ولد ناقة أو ولد بقرة، أو نحو ذلك

стр. 16

هو الصغير، ولكن قوله: "لأحملنك" قرينة واضحة أنه لم يرد الصغير لأن الصغير لا يحمل عليه. ومثله ما يروى: أن امرأة مرت تسأل عن زوجها - وقد كان خرج من عندها قبل قليل - فقال لها: "هو ذاك في عينيه بياض". فالعرف قد جعل الظاهر من قولنا: "في عيني فلان بياض" هو البياض العارض، ولكن العادة قاضية بأن البياض العارض لا يحدث في ساعة. ومنه ما يروى أنه قال لامرأة من المسلمات قد قرأت القرآن

стр. 17

وفهمته: «لا تدخل الجنة عجوز»، فلما فزعت قال لها: «أما تقرئين القرآن: ﴿إنا أنشأنهن إنشاء * فجعلنهن أبكارا﴾؟». فقد علمت فيما تقدم حقيقة الكذب وقبحه، وأنه غير محمود حتى في حال الضرورة، كما في قول إبراهيم ﵇: «هي أختي»، وتعلم أن الله سمى نفسه الحق، وبعث الرسول بالحق، وأنزل الكتاب بالحق، وأنزل الكتاب هدى للناس، وبعث الرسول هدى للناس، وهو الغني عن العالمين؛ فكيف يجوز عليه ﵎ أن يكذب، أو يأمر رسوله بالكذب، أو يقره على الكذب، وكيف يجوز على رسوله الكذب وقد جعل الله

стр. 18

تعالى الكذب عليه من أشد الكفر، فقال: ﴿فمن أظلم ممن كذب على الله﴾ وقال لرسوله: ﴿ولا تقف ما ليس لك به علم﴾. فأنى يجوز مسلم أن يكذّب رب العالمين، أو يكذب رسوله الصادق الأمين؟

стр. 19

الباب الأول في معنى التأويل التأويل في اللغة: مصدر أوّل يؤوّل، وأوّل فعّل - بتشديد أوسطه - ثلاثيه آل يؤول أولا. قال أهل اللغة: الأوْل الرجوع. وهذا تفسير تقريبي. وأغلب ما تستعمل في الرجوع الذي فيه معنى الصيرورة. ومن أمثلة اللغويين: "طبخ الشراب؛ فآل إلى قدر كذاو كذا". ولذلك وضع بعض النحاة "آل" في الأفعال التي تجيء بمعنى "صار"، وتعمل عملها. و"آل" قريب من معنى "حال"، أي: تحول من حال إلى حال،

стр. 20

وأكثر ما يقال: استحال. وفي الحديث: «فاستحالت غربا». إلا أن "حال" و "استحال" يختص بما تحول إلى حالة غير ناشئة عن الحالة الأولى؛ و"آل" تكون حاله الثانية ناشئة عن الأولى، كقولك: "ربما تؤول البدعة إلى الكفر"، أو ناشئة عما جعل "آل" غاية له، كقولهم: "طبخ الشراب حتى آل إلى قدر كذا وكذا". وفرق ثان، وهو أن "حال" و "استحال" قد يكون بسرعة، كما في الحديث: "فاستحالت غربا". و "آل" يقتضي أنه بعد مدة، كما في "طبخ الشراب"، أو ما هو كالمدة، وذلك يكون في رجوع الشيء إلى الشيء بغموض وخفاء، كقولك: إن إخراج النصوص الشرعية عن ظواهرها بمجرد الرأي والهوى يؤول إلى الكفر؛ تريد أنه كفر، إلا أن كونه كفرا إنما يعلم بعد ترو وتدبر؛ ولذلك لا يكفر كل من فعل ذلك؛ لأنه قد يكون معذورا.

стр. 21

والتأويل مأخوذ من هذا، فهو أن يجعل الكلام يؤول إلى معنى لم يكن ظاهرا منه، فآل الكلام إلى أن حمل على ذلك المعنى بعد أن كان غير ظاهر فيه. والتأويل قد يكون للرؤيا، وقد يكون للفعل، وقد يكون للفظ. فأما تأويل الرؤيا: فالأصل فيه أنه مصدر أوّل العابر الرؤيا تأويلا، أي: ذكر أنها تؤول إلى كذا، ويذكر ما يزعم أنه رمز بها إليه، وكثيرا ما يطلق على المعنى الذي تؤوّل به: ومنه - والله أعلم - قول الله حكاية عن جلساء مَلك مصر: ﴿وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين﴾. ومواضع أخرى من سورة يوسف. ويطلق على نفس الواقعة التي كانت الرؤيا رمزا إليها، ومنه - والله أعلم - قول الله حكاية عن يوسف ﵇: ﴿هذا تأويل رؤياي﴾. فجعل نفس سجود أبويه وإخوته له هو تأويل رؤياه التي ذكرها بقوله: ﴿إني رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم لي سجدين﴾.

стр. 22

وأما تأويل الفعل: فهو توجيهه بذكر الباعث عليه والمقصود منه؛ فيتبين بذلك أنه على وفق الحكمة بعد أن كان متوهما فيه أنه مخالف لها. ومنه ما حكاه الله عن الخضر: ﴿سأنبئُك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا﴾. وقد يطلق على العاقبة التي يؤول إليها الفعل؛ وبه فسر قتادة وغيره قول الله : ﴿ذلك خير وأحسن تأويلا﴾. وأما تأويل اللفظ: فالأصل فيه أن يحمل على معنى لم يكن ظاهرا منه، فالكلام الذي لا يظهر معناه غير ذلك الظاهر تأويلا. ويطلق على نفس المعنى الذي حمل عليه، ويطلق على نفس الحقيقة التي عبر عنها باللفظ. فإذا قال المفسر في قوله تعالى: ﴿وغدوا على حرد قادرين﴾، ﴿ويل يومئذ للمكذبين﴾، ﴿فسوف يلقون غيا﴾، ﴿ومن يفعل ذلك يلق أثاما﴾ ﴿سأرهقه صعودا﴾.

стр. 23

الحرد: المنع. ويل وغي وأثام: أودية في جهنم. صعود: جبل فيها فحمله إياها على هذه المعاني هو التأويل بالإطلاق الأول، ونفس تلك المعاني هي التأويل بالإطلاق الثاني. يقال: ما تأويل الحرد؟ فيقال: المنع. وما تأويل صعود؟ فيقال تأويله أنه جبل في جهنم. ونفس المنع، وتلك الأودية، وذلك الجبل: هي التأويل بالإطلاق الثالث. ويحتمل الأول والثاني دعاء النبي ﷺ لابن عباس: «اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل». وفي رواية: «اللهم علمه الحكمة وتأويل الكتاب».

стр. 24

وقد ذكر الحافظ طرق الحديث في الفتح، في كتاب العلم، في شرح باب قول النبي ﷺ "اللهم علمه الكتاب". ويحتمل أن يكون المراد: علمه كيف يؤول، فيكون من الإطلاق الأول، ويحتمل أن يكون المراد: علمه المعاني التي يؤول إليها ألفاظ الكتاب، فيكون الإطلاق الثاني، والله أعلم ومن الثالث: قوله ﵎: ﴿ولقد جئناهم بكتاب فصلنه على علم هدى ورحمة لقوم يؤمنون * هل ينظرون إلا تأويله يوم يأتي تأويله يقول الذين نسوه من قبل قد جاءت رسل ربنا بالحق﴾، وقوله ﴿وما كان هذا القرآن أن يفترى .... بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله﴾

стр. 25

الباب الثاني في حكم التأويل قد تقرر في الأصول أنه لا تكليف إلا بفعل، والفعل إنما يتأتى في التأويل بالإطلاق الأول، فأقول: اللفظ الذي يراد تأويله لا يخلو عن ثلاثة أحوال: الأول: أن يكون في العقائد. الثاني: أن يكون إخبارا عما قد وقع -كخلق السموات والأرض- أو عن أمر كوني، فإنه واقع -كأحوال الشمس والقمر-، أو أنه سيقع -كخروج يأجوج ومأجوج-. الثالث: أن يكون فيما عدا ذلك من الأحكام، ونحوه.

стр. 26

الفصل الأول: في تأويل النصوص الواردة في العقائد النصوص في العقائد على ضربين: الأول: ما ورد في عقيدة كُلِّف الناس باعتقادها. والثاني: بخلافه. فالأول هو: الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، والبعث بعد الموت، والقدر. والنصوص على ذلك من الكتاب والسنة كثيرة شهيرة. والمقصود من هذا الإيمان هو تحقيق ما أنشئ الإنسان هذه النشأة في الدنيا لأجله، وهو الابتلاء؛ ﴿ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حيّ عن بينة﴾ والهلاك هو العصيان، والحياة هي الطاعة. وبتفاوت الهلاك والحياة يتفاوت العصيان والطاعة، ولا يتصور عصيان وطاعة إلا ممن

стр. 27

علم الأمر والنهي؛ ولا يتصور العلم بأمره ونهيه إلا بعد الإيمان بأنه موجود حي -كما هو واضح- وبأنه قادر، إذ لا يعلم استحقاقه الطاعة إلا بذلك، وبأنه عالم، إذ لا تنبعث النفس على الطاعة وتنزجر عن المعصية إلا بذلك، وبأنه حكيم، إذ لا يعلم صحة النبوة ويوثق بالجزاء إلا بذلك. وبأن الملائكة حق؛ لأنهم الوسائط بين الله وأنبيائه، والمبلغون لكتبه، فلا يعلم صحة الأمر والنهي، وأنه من عند الله إلا بعد الإيمان بهم. وبأن كتب الله حق؛ لأنها هي الجامعة للأمر والنهي، فلا يعلم صحة ذلك إلا بالإيمان بها. وبأن الأنبياء حق؛ لأنهم المبلغون للأمر والنهي، فلا يعلم صحة ذلك إلا بالإيمان بهم. وثمّ تفاصيل ترجع إلى ما ذكر، كالإيمان بعصمة الملائكة المبلغين، والأنبياء بعد البعثة؛ لأن حكمة الله تقتضي ذلك، ولا يتم الوثوق بالأمر والنهي إلا بذلك. وبالبعث بعد الموت؛ لأنه لا يوثق بالجزاء إلا بذلك. وبالقدر؛ لأنه لا يسلم الإيمان بقدرة الله تعالى وعلمه وحكمته إلا به، وقد اشتهر عن الشافعي ﵀ أنه قال: "إذا سلّم القدرية

стр. 28

بالعلم حجوا". ولهذا القول غور أبعد مما فهموه منه، وقد لوحت إليه، وعسى أن ألم به في موضع آخر. وعامة ما ذكر يمكن إدراكه بالعقل، ولا سيما بعد تنبيه الأنبياء. فآيات الآفاق والأنفس تدل على وجود الله، إذ لا بد للأثر من مؤثر، فأي أثر تحس به في الكون لا بد له من مؤثر. فإذا فرض مؤثر حادث كان هو أيضا محتاجا إلى آخر، وهكذا حتى ينتهي الفكر إلى مؤثر غني بنفسه هو الله . والآثار في الآفاق والأنفس تدل على حياة المؤثر الأعظم، وقدرته، وعلمه، وحكمته؛ وما تدل عليه الآثار من حكمته يوجب العلم بأنه لم ينشئ الناس هذه النشأة عبثا، ولا يدعهم سدًى وهملا، ولا يكلهم إلى عقولهم المحدودة المختلفة، بل لا بد أن يرشدهم؛ ولا توجد في الكون صورة للإرشاد إلا النبوة، وبذلك تثبت النبوة، والملائكة والكتب أيضا. وأما العلم بنبوة رجل معين فتعلم بالمعجزات، وبالعلم بطهارة سيرته وحرصه على العمل بما جاء به سرا وعلنا، وباستقراء ما جاء به، وظهور أن عامته مطابق للحق

стр. 29

والعدل والحكمة. ولا يخدش في ذلك الجهل بوجه الحكمة في بعض ذلك، فإن ذلك ضروري؛ لأن الدين من شرع الحكيم العليم الذي أحاط بكل شيء علما، وعقل المخلوق وعلمه محدود، وأنت ترى عقول الناس مختلفة، فكم من أمر يجزم كثير من الناس بأنه خلاف الحكمة، فيجيء من هو أعقل أو أعلم منهم فيبين لهم وجه الحكمة، وقد قال الله ﴿وفوق كل ذي علم عليم﴾. وكثير من الأحكام يحصل المقصود بالعمل بها، ولا يحتاج إلى العلم بوجه حكمتها، وقد يكون العلم بوجه الحكمة يفتقر إلى صرف مدة طويلة من العمر. ومثل ذلك مثل الطبيب والمريض؛ فإن الطبيب يعلم من طبائع الأمراض والأدوية ما لا يعلمه المريض، ومن ذلك ما لا يدرك إلا بعد صرف مدة طويلة في التعلم، وقد يكون المريض ضعيف الفهم لا يتهيأ له معرفة ذلك ولو أتعب نفسه فيه؛ ففي مثل هذا ليس على الطبيب إلا إعطاء المريض الدواء المناسب، وليس عليه أن يشرح له حقيقة المرض، وأسبابه، وسبب تأثير الدواء؛ لأن هذا يطول ويتعب في غير فائدة، وبحسبِ المريض أن يعلم أن الذي أعطاه الدواء طبيب ناصح، والعلم بذلك لا يحتاج إلى استقراء مستغرق. ولو قال المريض: لا آخذ الدواء حتى تشرح لي حقيقة المرض وأسبابه وحقيقة الدواء وتأثيره، لَعُدَّ أحمق الناس! ولطرده الطبيب

стр. 30

قائلا له: أنا أعالجك رحمة وشفقة، وقد قام عندك من الدلائل ما يكفي في علمك أني طبيب ناصح، وتعلم أن معرفة ما تريد أن أعرفك به يفتقر إلى علوم ليست عندك، ولعل فهمك لا يبلغها، واشتغالي بذلك إضاعة لوقتي ووقتك فيما لا حاجة إليه، وصرف الوقت في مداواة العُقل أولى بي من التحامق مع الحمقى! هذا كله مع أن الطبيب بشر يجوز عليه الغش والخطأ. وبالجملة؛ فالعلم بنبوة النبي له طرق بعضها أكمل من بعض، ولست الآن في صدد الاستيفاء. والمقصود: أن الإيمان بما ذكر هو الذي يتوقف عليه معرفة الأمر والنهي. وقد بقي معنى مهم، وهو الإيمان بالوحدانية، فالوحدانية في الربوبية قد تكلم فيها أهل الكلام، ولا حاجة للإطالة فيها، وأما وحدانية الألوهية، فقد حققتها في رسالة العبادة، والحمد لله. واعلم أن هذه الأمور الضرورية في الإيمان معلومة في الدين بالضرورة، فمن أراد أن يتأول بعض نصوصها تأويلا ينافي ما علم بالضرورة فلا نزاع في كفره.

стр. 31

المبحث الأول: في بيان جناية التأويل الفاسد على أهله واعلم أنه يتصل بالأمور الضرورية للإيمان تفصيلات لا يتوقف الإيمان على العلم بها، مثل كيفية الحياة والعلم، وغير ذلك؛ وهناك أمور أخرى لا يتوقف الإيمان على العلم بها أصلا، وإنما وجب الإيمان بها بخبر الصادق المصدوق، وعلى هذين تدور رحى التأويل. فمن قائل: هي حياة كحياتي، ويد كيدي، ووجه كوجهي .... إلى غير ذلك. ومن قائل: هذا يستلزم حدوث الرب، ونقصه تعالى عن ذلك، فلا بد من تأويله! ومن قائل: حياة تليق به ، ويد تليق به سبحانه، ولا أؤول. ويحتجّ الأول بأن الله قد وصف نفسه بذلك، ووصفه به

стр. 32

رسله، وقد قام البرهان على وجوب حمل النصوص على ظواهرها، إذ لو كان المراد بها غير ظاهرها لكانت كذبا! - على ما حققناه في الفصل الثاني - وذلك محال. وأجاب الثاني عن هذا بأجوبة: أحدها: أن اللفظ إنما يبقى على ظاهره ما لم تكن هناك قرينة تصرفه إلى معنى آخر، وتحقيق هذا: أن اللفظ قد يكون له ظاهر في نفسه، ولكنه اقترن به ما صار الظاهر معنى آخر، فقولك: "إن زيدا رجع اليوم" ظاهره أنه رجع هو نفسه. وقولك: "إن أمس رجع اليوم" لا يظهر منه ذلك، بل يظهر منه أن اليوم مشابه لأمس في كونه صحوا أو غيما أو نحو ذلك؛ وهذا حق في نفسه، ولكن لما سئل المؤولون عن القرينة ذكروا أمورا، منها العقل، فقيل: إن العقل لا يصح أن يكون قرينة إلا إذا كان بديهيا حاصلا للمخاطبين، وفي المعاني العقلية التي تجعلونها هي القرينة [مع] اعترافكم أنه لا يحصل للإنسان إلا بعد ممارسته المعقولات من المنطق والفلسفة وغير ذلك. وهذه النصوص الدالة على أن الله في جهة العلو تؤولونها لمخالفتها العقل - زعمتم! وأنتم تعترفون أن الإيمان بموجود ليس في جهة لا يتهيأ للإنسان

стр. 33

حتى يمارس المعقولات ويوغل فيها، فعند ذلك تأنس نفسه بالتصديق بذلك! ذكر هذا الغزالي في كتبه، وغيره. وإذا كان الحال هكذا، لأن القرينة التي يعلم المتكلم أن المخاطب لا يدركها لا تخرج الكلام عن الكذب، كما تقدم. قالوا: هناك قرينة أخرى، وهي قول الله : ﴿ليس كمثله شيء﴾ وقوله : ﴿ولم يكن له كفوا أحد﴾ قيل لهم: هاتان الآيتان غير ظاهرتين في المعنى الذي تريدون. أما الأول: فلو قلت لرجل: عندي شيء ليس كمثله شيء، لما فهم أنه ليس في الكون ما يشبهه من بعض الوجوه شيء، وقريب من هذا يقال في الآية الثانية؛ فكيف يجوز أن يكتفى في هذا المطلب العظيم بقرينة ظاهرها أنها ليست قرينة؟ وفوق هذا: فقد تقرر في الأصول أنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، والحاجة في النصوص الاعتقادية هي وقت الخطاب، فلو كان المراد جعل هاتين الآيتين قرينة لوجب قرنهما، أو إحداهما، أو ما يقوم مقامهما بكل آية أو حديث يتعلق بالصفات، وإلا لزم الكذب.

стр. 34

فإن قالوا: إذا سمع الإنسان القرينة الواضحة أولا أغنى ذلك عن إعادتها مع كل آية من آيات الصفات. قيل لهم: بعد فرض تسليم الوضوح لم يكن العمل على هذا، أي أن لا يتلو النبي ﷺ شيئا من آيات الصفات على أحد حتى يتلو عليه الآيتين المذكورتين أو أحداهما، بل قد نزل قبلهما كثير من القرآن، وقد كان الرجل يسلم ثم يصلي مع النبي ﷺ فيتلو في صلاته من القرآن ما شاء الله، ولا يبدأ بإحدى الآيتين، ولعل كثيرا من الأعراب الذين أسلموا لم يسمعوا الآيتين ولا إحداهما؛ ولم يقل أحد من العلماء إنه يجب على قارئ القرآن أن لا يقرأه بمحضر من العامة إلا بعد أن يذكر لهم الآيتين أو إحداهما، أو ما يقوم مقام ذلك. فإن قالوا: فإنه يلزم مثل هذا في آيات التحليل العامة التي دلت آيات أخر على تخصيصها، وليست في سياقها، فيمكن أن يكون بعض الأعراب سمع الآية العامة فذهب يستحل كل ما تناولت، مع أن بعضه محرم بآية لم يسمعها؛ ومثل هذا يقال في الأحاديث، وهكذا ما يشبه العموم من كل دليل ظاهره تحليل شيء، وقد بينه دليل آخر.

стр. 35

فالجواب أن الخطأ في التحليل والتحريم سهل، فلا يكون المخطئ كافرا ولا فاسقا؛ بل هو معذور مأجور، كما سيأتي إيضاحه. وليس الخطأ في الكفر كذلك، بل قال جم غفير إن كل مجتهد في الأحكام مصيب، وله غفور. وقد أوضحنا ذلك في موضع آخر. حاصله: أن كثيرا من القوانين لا يكون مطابقا للحكمة في كل فرد من الأفراد، وإنما روعي مطابقته في الأعم الأغلب. ومثّلناه بحد الزنا، فرُبَّ شيخ غني ضعيف الشهوة قادر على التزوج فتركه، واحتال لاجتماعٍ بامرأة قبيحة يستطيع التزوج بها ولا يعشقها، فزنى بها، ولما كان غير محصن فحده الجلد؛ وآخر شاب فقير شديد الشهوة لا يقدر على التزوج صادفته امرأة جميلة يعشقها، ولا يستطيع زواجها، فلم يتمالك نفسه حتى وقع عليها، وكان قد تزوج امرأة، وبات معها ليلة واحدة ثم ماتت، ولما كان محصنا فحده الرجم؛ فأنت ترى الثاني أحق من الأول بالتخفيف، ولكن الشارع لم يخفف عنه. وإنما كان ذلك لأن الجرأة على المعصية أمر يخفى ولا ينضبط، فأناط الشرع الأمر بصفة واضحة منضبطة وهي الإحصان، وعرفه

стр. 36

لأن الغالب في الزاني المحصن أن يكون أرغب عن الزنا من غير المحصن، فإذا زنى مع ذلك كانت جرأته أشد من غير المحصن. ولكن الحكم العدل ﵎ يجبر ما يستلزمه القانون العام من خلل في بعض الجزئيات بقدره الذي لا يعجزه علم الحقيقة، ولا تقدير ما يوافق الحكمة. ولذلك صور قد ذكرت بعضها في غير هذا الموضع، والذي يختص بهذا الموضع هو أن الله قد يعلم أن هذا الشيء الذي دلت الآية بعمومها على أنه حلال، وبينت آية أخرى أنه حرام، يعلم سبحانه أن الحكمة لا تقتضي تحريم ذلك الشيء على هذا الشخص، فيسره سبحانه قدر له أن يسمع الآية العامة، ولا يسمع الآية الأخرى، وهو وإن كان مخطئا بالنظر إلى الحكم الشرعي فهو مصيب بالنظر إلى الحكم الذي علم الله أنه أنسب به، ولا يأتي مثل هذا في الكفر. واعلم أن المؤولين يكابرون، والمكابرة لا علاج لها إلا الكي. ولكن جماعة من متبحريهم أنفوا من المكابرة ووقعوا في شر منها؛ لأنهم أصروا على شبهاتهم الفلسفية، ثم قال بعضهم: إن المقصود من الشريعة هو الإصلاح لحال البشر حتى يمتثلوا الأمر ويجتنبوا النهي،

стр. 37

وإنما ضمت من العقائد ما يتوقف ذلك عليه، وأما ما عدا ذلك فإنما جاءت بما يتوافق اعتقاد غالب الناس وإن كان خطأ في نفسه! وإنما فعلت ذلك لئلا تصد الناس عن قبول الشريعة إذا جاءت بما يخالف عقائدهم! قالوا: فجاءت بأن الله مستو على عرشه فوق سماواته، وبأن له وجها، ويدا، وقدما، وغير ذلك، مما هو عندهم من خواص الأجسام! قالوا: لأن غالب الناس - بل كلهم إلا من تغلغل في المعقولات - لا يصدقون بموجود قائم بذاته، ليس بجسم ولا في جهة! وعند هؤلاء أن عامة الصحابة والتابعين، وغالب الأمة مخطئون في اعتقادهم، يلزمهم القول بحدوث الحق ونقصه ﵎، ولكن الشريعة أقرتهم على ذلك؛ فليسوا بكفار، ولا فساق في حكم الشرع. وأنت ترى أن هؤلاء أدنى من الكافرين إلى العقل في بادئ الرأي، ولكنهم أخبث منهم. فإنهم يقولون: لا ريب أن آيات الصفات وأحاديثها ظاهرة في الباطل، ولم تكن هناك قرينة كافية لصرفها عن ذلك، وعامة الصحابة والتابعين وغالب من بعدهم فهموا

стр. 38

منها المعنى الباطل، وهي نفسها سيقت سياقا يُفهم منه المعنى الباطل، وذلك كذب لا محالة، ولكن الكذب لإصلاح الناس حسن! فجوز هؤلاء - بل نسبوا - الكذب إلى الله وكتابه ورسوله ﴿كبرت كلمة تخرج من أفواههم﴾. ثم يقال لهم: لو سلم أن الكذب قد يكون حسنا، فإنما ذلك من الإنسان العاجز المحتاج؛ ولو لم يستحل أن يقع من الله ورسوله شيء من هذا الكذب فقد كان يجب أن لا يكون إلا عند الحاجة، ولا حاجة إلى تلك الآيات والأحاديث، فكان يكفي أن يثبت لله ما لا بد منه، ويعرض عما عدا ذلك مما يخطئ الناس فيه من الاعتقاد، فلا يرده عليهم. فأما أن يصرح بما يوافق اعتقادهم الخاطئ، ويؤكده، ويكرره في مواضع لا تحصى، فهذا ما لا يتوهم جوازه؛ لأن الإصلاح المقصود لا يتوقف عليه. وقد حكم الله بكفر من نسب إليه الولد، وقال في ربه بألوهية ابنه! وغير ذلك، قبل بعثة محمد ﷺ وبعدها. وإذا تدبرت ما قدمناه في تشديد الله ورسوله في الكذب ازددت بصيرة في هذا إن شاء الله تعالى.

стр. 39

ووجه آخر، وهو: أنه كان في أصحاب رسول الله ﷺ جماعة من أهل الذكاء والفطنة وسلامة العقل يلازمون النبي ﷺ حضرا وسفرا، ويصدقونه في كل ما يقول؛ أفما كان ينبغي أن يبوح لهم بالحقيقة، ويأمرهم أن يبوحوا بها لمن وثقوا بذكائه وفطنته، وهكذا يتسلسل هذا الأمر في كبار العلماء في كل قرن؛ فما بالنا نجد كبار العلماء - من الصحابة والتابعين فمن بعدهم - هم أشد الناس بعدا عن هذا الاعتقاد، وعامة من خاض في ذلك هم ممن لم ينشأ على العلم، ولا لازم العلماء، ولا تبحر في الكتاب والسنة، وإنما اعتمد الجعد بن درهم وجهم بن صفوان وأشباههم ممن لا تعرف له عناية بالعلوم الدينية ولا ملازمة لأئمتها؛ فقام الأئمة المشهورون بالعلم وملازمة أهل العلم فبدّعوا هؤلاء وضللواهم وكفّروهم، كما هو معروف. فإن قال قائل: لعل النبي ﷺ أوصاهم بالكتمان! قيل له - مع العلم ببطلان قوله -: وهل كان الكتمان فرضا، حتى إذا سمعوا من يذكر الحق ضللوه وكفروه؟ فإن قال: نعم! قيل: فهل كان ذلك حقا أم باطلا؟ فإن قال: بل حقا!

стр. 40

قيل له: فأنت وأئمتك على هذا مبطلون، ضالون، مضلون، محاربون لله ورسوله! واعلم أن من هؤلاء من كابر أيضا، ومنهم من رأى أن المكابرة لا تجدي ففر إلى ما هو أخبث وأخبث، فقال: إن الأنبياء أناس فضلاء أخيار أرادوا إصلاح البشر، وصَفَت نفوسهم إلى درجة أنهم صاروا يتوهمون أنهم يسمعون كلام الله تعالى وملائكته، وإنما ذلك تخيلا محضا! غير أن نفوسهم لما كانت طاهرة كانت تتخيل ما يناسب ما يريدونه من الإصلاح بحسب معرفتهم، وكانوا يعتقدون ما أخبروا به، ويرون أنه الحق! ولما رأى بعض هؤلاء أن ما تواتر من صفات الأنبياء -مما يدل على نهاية العقل والفطنة والمعرفة- يأبى ذلك قال: هم أناس عقلاء اخترعوا لأممهم ما يصلحونهم به في دنياهم! ورأى غير هؤلاء أن ما تواتر عن الأنبياء مما يبرهن على ملازمتهم للصدق والعبادة وشدة الخوف من الله وتقديم طاعته على كل ما عداه، مع ما جاؤا به من الحكمة التي تبهر العقول وتحيرها.
следующие страницы →