← Акыда

Акыда · id 37542

حقيقة التأويل - ط أطلس

عبد الرحمن المعلمي اليماني

Полный текст (99 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

لأن الغالب في الزاني المحصن أن يكون أرغب عن الزنا من غير المحصن، فإذا زنى مع ذلك كانت جرأته أشد من غير المحصن. ولكن الحكم العدل ﵎ يجبر ما يستلزمه القانون العام من خلل في بعض الجزئيات بقدره الذي لا يعجزه علم الحقيقة، ولا تقدير ما يوافق الحكمة. ولذلك صور قد ذكرت بعضها في غير هذا الموضع، والذي يختص بهذا الموضع هو أن الله قد يعلم أن هذا الشيء الذي دلت الآية بعمومها على أنه حلال، وبينت آية أخرى أنه حرام، يعلم سبحانه أن الحكمة لا تقتضي تحريم ذلك الشيء على هذا الشخص، فيسره سبحانه قدر له أن يسمع الآية العامة، ولا يسمع الآية الأخرى، وهو وإن كان مخطئا بالنظر إلى الحكم الشرعي فهو مصيب بالنظر إلى الحكم الذي علم الله أنه أنسب به، ولا يأتي مثل هذا في الكفر. واعلم أن المؤولين يكابرون، والمكابرة لا علاج لها إلا الكي. ولكن جماعة من متبحريهم أنفوا من المكابرة ووقعوا في شر منها؛ لأنهم أصروا على شبهاتهم الفلسفية، ثم قال بعضهم: إن المقصود من الشريعة هو الإصلاح لحال البشر حتى يمتثلوا الأمر ويجتنبوا النهي،

стр. 37

وإنما ضمت من العقائد ما يتوقف ذلك عليه، وأما ما عدا ذلك فإنما جاءت بما يتوافق اعتقاد غالب الناس وإن كان خطأ في نفسه! وإنما فعلت ذلك لئلا تصد الناس عن قبول الشريعة إذا جاءت بما يخالف عقائدهم! قالوا: فجاءت بأن الله مستو على عرشه فوق سماواته، وبأن له وجها، ويدا، وقدما، وغير ذلك، مما هو عندهم من خواص الأجسام! قالوا: لأن غالب الناس - بل كلهم إلا من تغلغل في المعقولات - لا يصدقون بموجود قائم بذاته، ليس بجسم ولا في جهة! وعند هؤلاء أن عامة الصحابة والتابعين، وغالب الأمة مخطئون في اعتقادهم، يلزمهم القول بحدوث الحق ونقصه ﵎، ولكن الشريعة أقرتهم على ذلك؛ فليسوا بكفار، ولا فساق في حكم الشرع. وأنت ترى أن هؤلاء أدنى من الكافرين إلى العقل في بادئ الرأي، ولكنهم أخبث منهم. فإنهم يقولون: لا ريب أن آيات الصفات وأحاديثها ظاهرة في الباطل، ولم تكن هناك قرينة كافية لصرفها عن ذلك، وعامة الصحابة والتابعين وغالب من بعدهم فهموا

стр. 38

منها المعنى الباطل، وهي نفسها سيقت سياقا يُفهم منه المعنى الباطل، وذلك كذب لا محالة، ولكن الكذب لإصلاح الناس حسن! فجوز هؤلاء - بل نسبوا - الكذب إلى الله وكتابه ورسوله ﴿كبرت كلمة تخرج من أفواههم﴾. ثم يقال لهم: لو سلم أن الكذب قد يكون حسنا، فإنما ذلك من الإنسان العاجز المحتاج؛ ولو لم يستحل أن يقع من الله ورسوله شيء من هذا الكذب فقد كان يجب أن لا يكون إلا عند الحاجة، ولا حاجة إلى تلك الآيات والأحاديث، فكان يكفي أن يثبت لله ما لا بد منه، ويعرض عما عدا ذلك مما يخطئ الناس فيه من الاعتقاد، فلا يرده عليهم. فأما أن يصرح بما يوافق اعتقادهم الخاطئ، ويؤكده، ويكرره في مواضع لا تحصى، فهذا ما لا يتوهم جوازه؛ لأن الإصلاح المقصود لا يتوقف عليه. وقد حكم الله بكفر من نسب إليه الولد، وقال في ربه بألوهية ابنه! وغير ذلك، قبل بعثة محمد ﷺ وبعدها. وإذا تدبرت ما قدمناه في تشديد الله ورسوله في الكذب ازددت بصيرة في هذا إن شاء الله تعالى.

стр. 39

ووجه آخر، وهو: أنه كان في أصحاب رسول الله ﷺ جماعة من أهل الذكاء والفطنة وسلامة العقل يلازمون النبي ﷺ حضرا وسفرا، ويصدقونه في كل ما يقول؛ أفما كان ينبغي أن يبوح لهم بالحقيقة، ويأمرهم أن يبوحوا بها لمن وثقوا بذكائه وفطنته، وهكذا يتسلسل هذا الأمر في كبار العلماء في كل قرن؛ فما بالنا نجد كبار العلماء - من الصحابة والتابعين فمن بعدهم - هم أشد الناس بعدا عن هذا الاعتقاد، وعامة من خاض في ذلك هم ممن لم ينشأ على العلم، ولا لازم العلماء، ولا تبحر في الكتاب والسنة، وإنما اعتمد الجعد بن درهم وجهم بن صفوان وأشباههم ممن لا تعرف له عناية بالعلوم الدينية ولا ملازمة لأئمتها؛ فقام الأئمة المشهورون بالعلم وملازمة أهل العلم فبدّعوا هؤلاء وضللواهم وكفّروهم، كما هو معروف. فإن قال قائل: لعل النبي ﷺ أوصاهم بالكتمان! قيل له - مع العلم ببطلان قوله -: وهل كان الكتمان فرضا، حتى إذا سمعوا من يذكر الحق ضللوه وكفروه؟ فإن قال: نعم! قيل: فهل كان ذلك حقا أم باطلا؟ فإن قال: بل حقا!

стр. 40

قيل له: فأنت وأئمتك على هذا مبطلون، ضالون، مضلون، محاربون لله ورسوله! واعلم أن من هؤلاء من كابر أيضا، ومنهم من رأى أن المكابرة لا تجدي ففر إلى ما هو أخبث وأخبث، فقال: إن الأنبياء أناس فضلاء أخيار أرادوا إصلاح البشر، وصَفَت نفوسهم إلى درجة أنهم صاروا يتوهمون أنهم يسمعون كلام الله تعالى وملائكته، وإنما ذلك تخيلا محضا! غير أن نفوسهم لما كانت طاهرة كانت تتخيل ما يناسب ما يريدونه من الإصلاح بحسب معرفتهم، وكانوا يعتقدون ما أخبروا به، ويرون أنه الحق! ولما رأى بعض هؤلاء أن ما تواتر من صفات الأنبياء -مما يدل على نهاية العقل والفطنة والمعرفة- يأبى ذلك قال: هم أناس عقلاء اخترعوا لأممهم ما يصلحونهم به في دنياهم! ورأى غير هؤلاء أن ما تواتر عن الأنبياء مما يبرهن على ملازمتهم للصدق والعبادة وشدة الخوف من الله وتقديم طاعته على كل ما عداه، مع ما جاؤا به من الحكمة التي تبهر العقول وتحيرها.

стр. 41

قال قائلهم: نهاية إقدام العقول عقال ... وأكثر سعي العالمين ضلال وأرواحنا في وحشة من جسومنا ... وغاية دنيانا أذى ووبال ولم نستفد من بحثا طول عمرنا ... سوى أن جمعنافيه قيل وقالوا ومنهم من تداركته رحمة الله ﵎، فرضي من العناية بالآيات، على أنه لم يرجع سالما من كل عيب، وإلى الله المآب،

стр. 42

وعليه الحساب. وأما من قال: حياة تليق به، ويد تليق به تعالى، ونحو ذلك، ولا تؤول، فهم فرق: الفرقة الأولى: من يسلم أن ظواهر آيات الصفات وأحاديثها تقتضي المحال، وأن التأويل سائغ ولكنه خطر. وقال قائلهم: مذهب السلف أسلم ومذهب الخلف أعلم! الفرقة الثانية: كالأولى، إلا أنها تقول لا يجوز التأويل أصلا. الفرقة الثالثة: من يقول: كل ما أثبته الله لنفسه وأثبته له رسوله ﵊ فهو حق وصدق على ظاهره. أما الفرقتان الأوليان فيلتحقان بالمؤولين، وقد تقدم ما لهم وعليهم. وأما الفرقة الثالثة فإنها نسبت إلى موافقة من قال حياة كحياتي ويد كيدي، وهي أبعد الناس عن ذلك. وهاك الإيضاح:

стр. 43

غالب الصفات يختلف تصورها تبعا لاختلاف تصور الموصوف بها، فيقال للصبي الغر والأعرابي الجلف: يد إنسان؛ فيتصور شيئا، ثم يقال يد فرس؛ فيتصور شيئا آخر، ثم يقال له: يد طائر؛ فيتصور شيئا ثالثا، وهكذا. فإذا قيل له: يد الله، فقد يتخيل شيئا ما، فإذا رجع إلى عقله علم أن ذلك التخيل خرص وتخمين، ثم يقول: ما رأيت الله ، ولا رأيت ما يماثله، فكيف يتهيأ لي تصور يده؟ وهذه حقيقة متفق عليها بين العقلاء، وهي أن الإنسان لا يدرك إلا ما أحس به أو أحس بفرد أو أفراد مماثلة له، ولا يدرك ما أحس به أو أحس بما يماثله إلا ما تناوله الإحساس، ولا يدرك مما أحس بما يماثله إلا ما يعلم أنه قدر مشترك بينهما؛ فلسنا ندرك من صفات الله إلا ما يتصف المخلوق بما يشبهه في الجملة، فاستدللنا بآثاره على وجوده؛ لأننا نعرف الوجود في الجملة بوجود الخلق الذين نحس بهم، ونعلم أن الأثر يدل على وجود مؤثر. وهكذا بقية الصفات التي تقدم ذكرها، مع العلم بأن صفات الرب واجبة

стр. 44

كاملة مُبرأة، وأن صفات المخلوق فانية ناقصة معيبة؛ ولكن ذلك يمنع وجود اشتراك في الجملة يتهيأ به الإدراك، على أننا إنما ندرك صفات الله على وجهٍ إجمالي. فأما اليد مثلا فإننا لا نجد ذاتا تشبه ذات الرب في الصورة -تفصيلا ولا إجمالا- حتى ندرك يده تعالى بالقياس على يد تلك الذات التي نعرفها. هذا في الإثبات. وأما في النفي فلم ندرك ذاتا تشبه ذاته وليس لها يد حتى ندرك بالقياس عليها أنه ليس له سبحانه يد؛ غاية الأمر أننا ندرك أنه سبحانه منزه عن النقص، ولكننا لا ندرك أنه لو كان له يد تليق به لكان ذلك نقصا، ومن زعم أنه يدرك هذا فإنه تخيل يدا كيد المخلوق، فلذلك جزم بأنها نقص. والإنسان إذا حاول أن يتصور شيئا، إن كان قد أدركه بواسطة الحواس فذاك، وإلا فإن كان قد أدرك ما يشابهه فإنه يتصوره بتلك الصورة، ولكن العقل إذا علم أنها لا تشابهه في كل شيء جرد الصورة المتخيلة من بعض الأوصاف، وإذا كانت الصورة مشابهة لما

стр. 45

يحاول تصوره كغيره قاس القياس بتصور صورة على قدر المشترك بين تلك الصورة التي أدركها مجردة عن الحواس التي تختلف، وربما ضم إليها صفة أو نقص منها صفة إذا قام لديه ما يوجب ذلك. فإذا سمعت برجل انكليزي لم تره، ولا رأيت صورته، ولا وصف لك، وكلفت ذهنك أن يتصوره، وكنت رأيت جماعة من الإنكليز؛ فإن ذهنك يتخيل صورة على قدر المشترك بين الذين رأيتم حتى يتخيل القياس. ولو أردت تصور رجل حبشي لا تختلف الصورة التي تخيلتها؛ فإذا وصف لك الرجل أنه أعور، أو أعرج، أو طويل، أو قصير، أضفت هذه الصفة إلى تلك الصورة، ولكن بحسب القدر المشترك بين العور والعرج، والطول والقصر الذين قد أدركتهم. على أنك لو كلفت نفسك تصوره كبيرا جدا كالجبل أو صغيرا جدا كالذرة لأمكنك ذلك. وإذا تدبرت وجدت الذهن إنما يستمد التصور من القياس على الصور المخزونة في الحفظ، ولكنه يركب ويقسم، وبهذا يمكنه أن يتصور شق رجل، ويتصور رجلا له وجه فرس ... وهكذا. فإذا كلفته أن يتصور ما لم يحس به ولا بما يشبهه؛ فإنه يفرض

стр. 46

عليك صورا يستمدها من خزانته، وقد يركب ويقسم، ويزيد وينقص، وكلما عرض عليك صورة، فقال العقل: ليس هذا أريد، عاد فاستمد من الخزانة صورة أخرى. فإذا كلف الذهن تصور يد الله فأول ما يفرض يد إنسان؛ لأنها أقرب الأيدي حضورا بالذهن لكثرة تكرر إحساسه بها، فإذا لم تقبلها أخذ يزيد في تلك الصورة وينقص، ويستمد الزيادة والنقص من الأجرام التي قد أدركها، فإنه يجعلها نورا على صفة ما قد أدكه من نور الشمس والقمر وغيرها، ويعظمها - لإدراكه صفة العظمة - حتى يجعلها كالجبل أو أعظم منه، وغير ذلك. والعقل يحكم كل مرة أن تلك الصورة فيها نقص وعيب، وأن الله مبرأ من ذلك، فإذا يئس من وجدان صورة تليق برب العزة فهو بين أمرين: إما أن يعترف بعجزه وقصوره، وأن الموجودات لا تنحصر فيما يمكنه تصوره وتخيله، فهذا يجوّز أن يكون لله يد تليق به، فإذا علم أن الصادق المصدوق قد أخبر بذلك آمن به. وإما أن يغلب عليه الغرور والدعوى، ويزعم أنه ما من موجود إلا ويمكنه تصوره، فهذا ينكر أن تكون لله يد، ويزعم أن من

стр. 47

أثبت لله يدا يلزمه أن يثبت له يدا من تلك الأيدي التي تخيل صورها العقل. فلو أن رجلا خلق أكمه وكبر، وعلم الكلام ما عدا الألوان، ولم يخبر بأن الناس يبصرون، ثم قال له رجل بصير ذات يوم: هذا شيء أبيض، فإنه يقول: ما معنى أبيض، أكبير؟ فيقال: لا، فيقول: فصغير؟ فيقال: لا، فيقول: فأملس، فخشن، فجامد، فمائع؟ إلى غير ذلك من المعاني التي قد عرفها وأحس بها. فإذا قيل له في كل ذلك: لا، لا! قال: فهذا عدم! وإن كان قد أُخبر بالألوان، وتواتر عنده أن الناس يبصرون وأن للأشياء ألوانا، فإنه يصدقهم، ولكنه لا يستطيع تصور ذلك. فهذا مثل الإنسان إذا أخبر بصفات الرب ، وكأنه لهذا المعنى زعم بعض المتكلمين أن رؤية المؤمنين لربهم في الآخرة إنما تكون بحاسة سادسة يخلقها لهم! ولبيان خطئه أضرب مثلا ثانيا: افرض أنه لا يوجد في الدنيا من الألوان إلا السواد والبياض، ثم أخبر إنسان بأن هناك شيئا يُرى، أليس يقول: أسود؟ فإذا قيل: لا! فيقول: أبيض؟ فيقال: لا، فيقول فليس في الوجود شيء يُرى إلا أبيض أو أسود!

стр. 48

فهذا مثل القوم؛ فإنهم لما لم يعرفوا في المرئيات إلا هذه المحسوسات قالوا: لو أمكن رؤية الله لكان من جنس هذه المحسوسات! والمقصود من المثال التفهيم، وإلا فلا يخفى أن الحمرة من جنس الألوان؛ وليس الله من جنس الخلق. ولو فرض أن إنسانا لم ير ... (عبارة غير واضحة) تنطبع فيه صورته، ثم أخبر بأن الإنسان يمكنه أن يدرك بمعونة حاسة بصره لون حدقته، فيعلم أنها سوداء أو زرقاء أو غير ذلك بدون أن يخرج إحدى عينيه من موضعها، ولا يتغير شكله، أليس يبادر فيقول: هذا محال! والمقصود من هذه الأمثلة تقريب الذي ذكرناه: من أن الإنسان يجحد ما لا يحس به، ولا بما يشبهه. ولو قلت لبدوي - لم يسمع بالآلات المخترعة -: إنه يمكننا أن نسمع كلام أهل أمريكا ونحن بحضرموت بدون معجزة ولا سحر ولا كرامة، لقال: هذا كذب! ولو لم يكن قد سمع بالمعجزات والكرامات والسحر ما احتجت أن تقول له: بدون كذا وكذا. إذا علمت هذا؛ فإنا نقول:

стр. 49

كان الصحابة - ومن بعدهم ممن يتحكك بالبدع - يعلمون حق العلم أنه لا سبيل للعقل إلى تصور يد الله ولا سبيل للعقل أن يدرك أنه سبحانه ليس له يد تليق به؛ فلما أخبرهم الله ورسوله بأن لله يدًا آمنوا وصدقوا، فليس في تلك النصوص بحمد الله لا كذب ولا إضلال، وليس في عقيدة السلف جهل ولا ضلال، فإن الجهل بما ليس في قدرة الإنسان العلم به لا يعد نقصا، وإنما الجاهل من يجهل ذلك ويجهل أنه جاهل، ويخيب ويطمع فيما ليس فيه مطمع، ويؤول به الأمر إلى ما سمعت وتسمع. واعلم أن سبب ضلال القوم أمور: الأول: قلة حظهم من معرفة الكتاب والسنة. الثاني: تقديسهم للفلاسفة فوق تقديس الأنبياء بدرجات. الثالث: ما في فطرة الإنسان من دعوى أن عقله يستطيع إدراك كل شيء، فطره على ذلك لئلا يكسل ويتوانى عن المعارف والعلوم، كما فطره على طول الأمل ليبقى في عمارة الدنيا، وعدل ذلك بالعقل ليكبحه عن تجاوز الحد في ذينك الأمرين. وهؤلاء القوم نشأوا على التطلع والتعمق، فاعتضدت الفطرة بالعادة، فأغفلهم ذلك عما يقررونه من أن الإدراك لا يكون إلا بإحساس أو قياس كما سلف، فكلفوا عقولهم أن تدرك ما ليس من شأنها إدراكه، فصارت

стр. 50

تتقيهم بالتخيلات. وقد أُثِرَ عن الشافعي رحمه الله تعالى أنه قال: "إن للعقل حدا ينتهي إليه، كما أن للبصر حدا ينتهي إليه". أقول: وقد جربنا أن من كُلِّف بصره إدراك ما لا يستطيع إدراكه يخيل إليه أنه يدرك ذلك، فكم مرة تراءى الناس الهلال فتراءيته معهم، فإذا حدقت وأمعنت في النظر يخيل إلي أني قد رأيته، ولكنها خطفة لا تثبت، ثم أيأس من ذلك الموضع فأنظر إلى موضع آخر، فيخيل إلي مثل ذلك؛ فعلمت أن تلك الخطفة هي صورة خيالية هي صورة خيالية لما أتخيله تبرز إلى العيان؛ لقوة التخيل وكد البصر. فكثيرا ما يعرض للعقل مثل هذا إذا كلف إدراك ما لا يدرك، والفرق أن خطأ البصر ينتبه له العقل، ولا يكاد ينتبه لخطأ نفسه. لو بغير الماء حلقي شرق ... كنت كالغصان بالماء اعتصار وكثيرا ما يدرك العقل خطأ ما تصوره ولكنه لا ييأس، فلا يزال في أخذ ورد إلى أن يكل ويمل؛ يسمع بذهاب تعبه سدى فيقنع بالشبهة التي وقف عندها، ومثله مثل مسافر يأبى أن ينزل ليستريح

стр. 51

إلا في موضع حسن جميل، وليس أمامه موضع كذلك، فلا يزال كلما أتى على موضع لم يره على الشرط حتى يعقله التعب والاعياء؛ فينزل ويسلي نفسه ويغالطها، يزعم أن ذلك الموضع حسن وجميل. وأنت إذا كنت قد وقفت على بعض الكتب المطولة في الفلسفة وتدبرتها تحققت هذا المعنى، ولا تكاد تجد شبهة عقلية قد قررها أحدهم على أنها برهان قاطع إلا وجدت غيره قد نقضها، ثم يجيء ثالث فيدفع هذا النقض، فيجيء رابع فيرد ذلك الدفع، وهكذا. حجج تهافت كالزجاج تخالها ... حقا وكل كاسر مكسور ثم اعلم أن أعظم ما يستندون إليه هو الاستقراء؛ فيستقرئون ما يدخل تحت حواسهم حتى تنتظم لهم مقدمة كلية بالنسبة إلى ما استقرؤوه، ثم يزعمون أنه لا يخرج موجود عن تلك الكلية، وذلك أمر بديهي البطلان؛ فإنهم يقولون: الحيوان كله يحرك فكه الأسفل إلا التمساح، فلو فرضنا أنهم لم يروا التمساح ولا سمعوا به - كأن كان في أمريكا فبل اكتشافها - فهذا الاستقراء يكون في زعمهم

стр. 52

برهانا قاطعا على أنه لا يوجد حيوان يحرك فكه الأعلى! وهم يبالغون بزعمهم في نفي مشابهة الرب لشيء من خلقه، ثم يحكمون عليه بما استقرؤوه من خلقه. ومن أعظم بلايا العقل دعواه أنه لا يتعالى عن إدراكه شيء، فكثيرا ما ينظر فإذا لم يدرك جحد، ولاسيما عقول هؤلاء القوم الذين تسرب إليهم تقديس الفلاسفة وأهل الريب في النبوة على تفاوتهم فبه، ومثل ذلك مثل نفر من الناس فيهم رجل يرى أنه أحدهم نظرا، فيرى آخر منهم فيخبر أصحابه، فيترآه ذلك الرجل فلا يراه، فيبادر بتكذيب القائل "إني أراه" قائلا: لو كان الهلال طالعا لرأيته؛ لأنني أحدّ الجماعة نظرا! وهذا من أعظم غلط العقل، فتراه ينفي وجود بعض الأشياء وينكر بعض الأحكام ويرد كثيرا من الأخبار، لأنه لم يدركها أو لم يدرك وجه صحتها أو مطابقتها للحكمة. ولولا هذا الخطأ ومثله لم يكد يغلط عاقل ولا يضل، ولا استحل مسلم أن يذم المعقولات، ويحذر من شدة الاعتماد عليها، فإن الدين لا يقوم إلا على العقل كما قدمنا. ومما يُتقى به خطأ العقل - إذا زعم أن إدراكه قاطع - أن يفرض صاحبه أنه اجتمع بمن هو أكمل منه وأعقل، فأخبره برأيه في تلك

стр. 53

القضية، فقال له الأكمل: أخطأت! فإن أحس في نفسه أثرا لقول الأكمل: "أخطأت" فليعلم أن إدراكه ذلك ليس بقاطع. وقد بحث معي مسلم في مسألة معروفة، فزعم أن العقل القاطع يدل على نفيها، فقلت له: لو فرضنا أن النبي ﷺ لا يزال حيا، وأننا سألناه عن هذه المسألة فقال: هي حق ثابت، فهل تصدقه؟ فقال: وكيف لا أصدقه؟ فقلت له: فأين العقل القاطع؟ فإن قلت: إنهم يجيبون عن مثل هذا بأنه يستحيل أن يقوله النبي ﷺ . فقلت: فإنهم يردون النصوص الصريحة من القرآن بنحو ذلك. فإن قلت: ولكنهم يتأولونها. قلت: قد تقدم أن حملها على التأويل معناه نسبة الكذب إلى الله ورسوله. وبعد؛ فالمكابرة لا دواء لها، والمقصود إرشاد من في قلبه خير إلى أن يفرض ما تقدم، ثم ينظر فلعله يتبين له خطؤه في توهم القطع. فإن قال قائل: إنما استقامت لك الحجة لأنك مثلت بالحياة

стр. 54

واليد، ومن الصفات الأخرى ما لا يظهر استقامة تلك الحجة فيه، ومن ذلك كون الله على عرشه فوق السموات، وكونه ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا، ويجيء يوم القيامة، وغير ذلك. أقول: الحجة مثبتة في هذه كلها؛ لأن الفلاسفة مقلديهم أثاروا شبها ليست مما فطرت عليه العقول، ولا كان يعرفها العرب الذين تلقوا الشريعة غضة، وقد كنت أحببت أن أوضح ذلك مفصلا، ثم ضربت عن ذلك لمعنى سأذكره فيما بعد إن شاء الله تعالى، فلأكتف بجواب إجمالي: قد علمت أن الإخبار بكلام له معنى ظاهر وليس عند المخاطب قرينة توجب صرفه عن ظاهره يكون كذبا، ولا تغني تورية المتكلم في نفسه أو ملاحظته قرينة يعلم أن المتكلم لا يشعر بها، كأن يقدم رجل من اليمن إلى الحجاز، فيسأله رجل عن أبيه، فيقول إنه قد مات، ويريد في نفسه أنه نائم، ويزعم أن وجود الأب في اليمن حيا يرزق قرينة! وعلمت أن الكذب محال أن يقع من الله ورسوله، والله إنما أنزل الكتب وأرسل الرسل لهداية الناس إلى الصراط

стр. 55

المستقيم لا لإضلالهم. فإذا أحطت بهذا؛ فكل نص في كتاب الله أو في السنة المقطوع بها - يخبر بصفة من صفات الله وله معنى ظاهر يعلم أن العرب الذين دعاهم النبي ﷺ لا يفهمون غيره - فلا مفر للمسلم من الإيمان به. ثم اعلم [أن] من الصفات ما لا شبهة لمن أنكره أصلا، كما قد قدمنا في الحياة واليد مفصلا. ومنها ما لم تكن فيه شبهة ولكن نشأت الشبهة فيه لمن اطلع على كلام الفلاسفة؛ وهذا لا بد للمسلم من الإيمان به وتكذيب الفلاسفة علمًا بأن العقل الإنساني قاصر وأن إدراكه يتفاوت وأنه كثيرا ما يتوهم أنه قد أدرك إدراكا قطعيا وهو مخطئ. ومن تأمل اختلاف الفلاسفة والمتكلمين من كل أمة، وتخطئة آخرهم لأولهم - مع زعم كل منهم أن عقله أدرك ما قاله إدراكا خاطئا - تبين له هذا. ولو اطلعت على آراء فلاسفة العصر لرأيت من ذلك كثيرا جدا. ومنها ما تعرض الشبهة فيه لكل أحد؛ وهذا لا بد للمسلم من الإيمان به، وصرف نفسه عن استرسالها في الفكر.

стр. 56

ففي الصحيحين من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «يأتي الشيطان أحدكم، فيقول: من خلق كذا؟ من خلق كذا؟ حتى يقول: من خلق ربك؟ فإذا بلغه فليستعذ بالله ولينته». وفيهما من حديثه أيضا قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يزال الناس يتساءلون حتى يقال هذا: خلق الله الخلق فمن خلق الله؟ فمن وجد من ذلك شيئا؛ فليقل آمنت بالله ورسله». وفي رواية لأبي داود: «لا يزال الناس يتساءلون حتى يقال هذا: خلق الله الخلق فمن خلق الله؟ فإذا قالوا ذلك فقولوا: الله أحد الله الصمد لم يلد ويولد ولم يكن له كفوا أحد، ثم ليتفل عن يساره ثلاثا وليستعذ بالله من الشيطان الرجيم». وذلك أن الفكر إذا أراد أن يتصور أن الله لم يزل ولا نهاية لأوليته تاه وتحير.

стр. 57

المبحث الثاني: في تفسير قوله تعالى هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات قال الله تعالى: ﴿هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولوا الألباب﴾ اختلف الناس في هذه الآية حتى كادت تصير هي نفسها من المتشابه، وقد يسر لي في فهم معناها سبيل واضح إن شاء الله تعالى، فأقول: قد ثبت أن القرآن كله محكم، لقوله تعالى: ﴿كتاب أحكمت آياته﴾؛ وأنه كله متشابه، لقوله تعالى: ﴿الله نزل أحسن

стр. 58

الحديث كتابا متشابها مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم .. ﴾. وثبت بالآية المصدّر بها أن منه ما هو محكم غير متشابه، ومنه ما هو متشابه غير محكم. واتفق على أن المراد بالإحكام في قوله تعالى: ﴿أحكمت آياته﴾ عدم الخلل في الحسن والصدق ومطابقة الحكمة، وبالتشابه في قوله تعالى: ﴿كتابا متشابها﴾ أن بعضه يشبه بعضا في الحسن والصدق ومطابقة الحكمة؛ فلا منافاة بين هذا الإحكام وهذا التشابه. وأما الإحكام والتشابه في الآية المصدّر بها فهي صريحة في تنافيهما، وبذلك يعلم أن لكل منهما معنى غير المعنى المتقدم، فبحثنا عن ذلك فوجدنا المحكم محكما لا يحتمل إلا ذلك المعنى الواحد، وأنه لا خلل فيه، والقرآن كله محكم لا خلل فيه البتة، ولكن يمكن أن يقال: الخلل المنتفي عن القرآن البتة هو الخلل الحقيقي، فأما ما يتوهم خللا وليس في الحقيقة بخلل فهو موجود في القرآن، فيجوز أن يقال: أحكمت آياته في الحقيقة، فمنه آيات محكمات ليس فيها خلل ولا ما يتوهم خللا، وأخر فيها ما يتوهم خللا فهي المتشابهات. وقبل أن نبتّ الحكم في هذا ننظر في معنى ﴿متشابهات﴾،

стр. 59

فنجد المعنى المتبادر أن كل آية منها تشبه الأخرى، وهذا عام في آيات القرآن كلها، كما قال تعالى: ﴿كتابا متشابها﴾. فإن قيل: إن هناك وجها تتشابه فيه الآيات التي يكون فيها ما يتوهم خللا مختصة به، وهو توهم الخلل في كل آية منها. قلت: ولكن هذا لا يكفي لتخصيصها بلفظ: ﴿متشابهات﴾، فإن المحكمات أيضا فيها وجه تتشابه فيه، وهو خاص بها، وهو أنه ليس في كل منها خلل، ولا ما يتوهم خللا. ويمكن أن يقال: كل آية من المتشابهات في نفسها، على أن يكون المعنى: متشابهات معانيها، أي: يتشابه فيها معنيان، أو معان، كما يقال: اشتبه علي الأمر، أي: اشتبه صوابه بخطئه، ويقال: اشتبه علي الأمران، أي لم تميز بينهما. فإن قلت: ولكنه لا يقال: تشابه علي الأمر! قلت: لا أستحضر شاهدا لذلك، ولكن "اشتبه" و "تشابه" بمعنى، قال تعالى: ﴿مشتبها وغير متشابه﴾ وقد قال المولد: رق الزجاج وراقت الخمر ... تشابها فتشاكل الأمر

стр. 60

الشاهد في قوله: "وتشاكل الأمر". فلنترك هذا ههنا، ولننظر في بقية الآية، لعلنا نجد فيها ما يبين المقصود. قال تعالى: ﴿فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله﴾. دلت الآية أن المتشابه من شأنه أن يتبعه الزائغون ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله. ومن المعقول أن الآية التي تتشابه معانيها يتبعها الزائغ ابتغاء الفتنة ليحملها على المعنى الذي يوافق هواه، ولكن قوله تعالى: ﴿وابتغاء تأويله﴾ يدل أن ابتغاء تأويل المتشابه زيغ. فإن قيل: إنما يكون زيغا في حق الزائغين، لأنهم يبتغون الفتنة. قلت: لا أرى هذا شيئا، إذ لو كان كذلك لكان المدار على ابتغاء الفتنة، ولما ظهر معنى لزيادة: ﴿وابتغاء تأويله﴾، بل ولا

стр. 61

تخصيص المتشابه، لأن مبتغي الفتنة يبتغيها في كل آية من القرآن، وإن كان ابتغاؤه إياها فيما تشابهت معانيه أكثر. فإن قيل: فإنما يكون زيغا في حق الزائغين، لأنهم يبتغون الفتنة. قلت: لا أراه كذلك، لأن من ليس براسخ في العلم قد يخطئ في فهم المحكم أيضا. وأوضح من هذا كله قوله تعالى: ﴿وما يعلم تأويله إلا الله﴾، فقصر علم تأويل المتشابه على الله . فإن قلت: فقد قال: ﴿والراسخون في العلم﴾؟ قلت: ليس هذا عطفا البتة، وإنما هو معادل قوله: ﴿فأما الذين في قلوبهم زيغ﴾، فكأنه قال: وأما الراسخون في العلم ... فالآية كقولك: أما زيد ففي المسجد وعمرو ذهب إلى السوق، اختار هذا المعنى ابن هشام في المغني، وهو المختار؛ لأن "أما"

стр. 62

للتفصيل، وذكر القسمين أو الأقسام بعدها هو الأصل، والحذف خلاف الأصل. فلما كان قوله: ﴿والراسخون﴾ يحتمل أنه القسم الثاني ويحتمل خلافه، فحمله على أنه القسم الثاني هو الظاهر حتما، ويؤيد ذلك أن القائلين بالعطف قالوا إن قوله ﴿يقولون﴾ خبر مبتدأ محذوف، أي هم يقولون، ولا يخفى أن الأمر إذا دار بين الإضمار وعدمه فالأصل عدمه. ومنهم من جوز أن يكون حالا، وهو باطل؛ لأن الحال قيد في عامله، فيصير المعنى: وما يعلم تأويله في حال قول الراسخين كذا وكذا إلا الله والراسخون قد يعلم تأويله في غير تلك الحال! ولا وجه لهذا. وإن قدر أنه حال من ضمير محذوف، والتقدير: يعلمونه حال كونهم يقولون. وهذا تعسف بتكثير الإضمار، ويلزم أن الله والراسخين لا يعلمون تأويله إلا في تلك الحال، وهناك مصارعات

стр. 63

ومقارعات، انظرها في روح المعاني إن أحببت. وأوضح من هذا كله: أنه صح - كما في المستدرك وغيره - عن ابن عباس - وهو المدعو له بتعلم التأويل - كان يقرأ: ﴿وما يعلم تأويله إلا الله﴾ ويقول الراسخون .. وحكي مثله عن أبي بن كعب. وقد صح عن النبي ﷺ قوله: «أقرؤكم أبي».

стр. 64

وجاء عن ابن مسعود - وهو هو - أنه كان يقرأ: ﴿وإن تأويله إلا عند الله والراسخون في العلم [يقولون]﴾. فلو كان المعنى على العطف لقال والراسخين كما لا يخفى. وقد رويت عن النبي ﷺ وأصحابه آثار كثيرة تصرح بأن المتشابه لا يعلمه إلا الله تعالى وحده. انظرها في الدر المنثور. وسياق الآيات يدل على ذلك، فإن قول الراسخين: ﴿آمنا به كل من عند ربنا﴾ ظاهر في عدم علمهم بتأويله، وإنما علموا أنه حق لأنه من عند ربهم، فكأنهم قالوا: أما ما علمنا تأويله فقد علمنا أنه حق بعلمنا بتأويله. وقولهم بعد ذلك: ﴿ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا﴾ ظاهر في أن المتشابه مظنة لأن يكون سبب الزيغ، فتحمله هذه الأشياء على الجهل بحقيقة حاله، وبأن العقل له حد ينتهي إليه، كما أن للبصر حدا ينتهي إليه، وربما حملته على الخوض والكلام والنقض والإلزام

стр. 65

فيما نعلم أنه لا سبيل له إليه، وكم من راسخ يرميه الناس بالكفر والضلال! وكم من زائغ يتخذونه إماما في الدين! فالحق أن هذه الآيات أفادت علامة الزائغ وآية الراسخ: فعلامة الزائغ اتباع المتشابه وابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله، وإذا خفي علينا ابتغاء الفتنة لم يخف ابتغاء التأويل. وآية الراسخ الكف عن ذلك والاكتفاء بقوله: ﴿آمنا به كل من عند ربنا﴾. وفي الصحيحين وغيرهما من حديث أم المؤمنين عائشة ﵂، أن النبي ﷺ تلا هذه الآيات، ثم قال: «إذا رأيتم الذين يبتغون ما تشابه منه فأولئك الذين سماهم الله فاحذروهم». ولو كانوا قد علموا تأويله لكان بالنظر إليهم كالمحكم، وتعليل اتباع الزائغين للمتشابه بقوله: ﴿ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله﴾ ظاهر

стр. 66

في أن ابتغاء تأويله زيغ، إذ لو كان الزيغ إنما هو في اتباعه ابتغاء الفتنة لما كان لقوله: ﴿وابتغاء تأويله﴾ معنى. فإن قيل: سلمنا أن ابتغاء تأويله زيغ ولكن لغير الراسخين. قلت: الرسوخ في العلم أمر خفي، ليس هو كثرة العلم، فكم من رجل كثير العلم ليس براسخ. قال تعالى ﴿واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين * ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الارض واتبع هواه فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث﴾. وقال : ﴿أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم﴾ وفي الحديث: «إن أخوف ما أخاف على أمتي كل منافق عليم اللسان». وقال الحسن البصري: "العلم علمان: فعلم في القلب، فذلك

стр. 67

العلم النافع، وعلم في اللسان، فذلك حجة الله تعالى على ابن آدم". سنن الدارمي (ج١ ص١٠٧). والأحاديث والآثار في هذه كثيرة. وقد كان عبد الملك بن مروان وأبو جعفر المنصور العباسي من كبار العلماء وهما طاغيتان. وكذلك الواقدي والشاذكوني ومحمد بن حميد الرازي؛ وهؤلاء رماهم أئمة الحديث بأنهم كانوا يكذبون على رسول الله ﷺ ، وأمثالهم كثير. ومن العلماء من هو دون هؤلاء في العلم ولكنه معدود من الراسخين. فالرسوخ إذن حال قلبية، كما قال النبي ﷺ في الغنى: «ليس الغنى عن كثرة العرض، ولكن الغنى غنى النفس»؛ فكذلك تقول: ليس الرسوخ عن كثرة العلم، ولكن الرسوخ رسوخ الإيمان في القلب، ويوشك أن يكون هو اللب كما في قوله تعالى: ﴿وما يتذكر إلا أولو الألباب﴾

стр. 68

وإنه ليشم روائح الرسوخ من قوله: ﴿آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولو الألباب * ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب * ربنا إنك جامع الناس ليوم لا ريب فيه إن الله لا يخلف الميعاد﴾. فالراسخ دائم الخوف والخشية من ربه ، مسيء للظن بنفسه. فكم من راسخ لا يرى أنه راسخ، وكم من زائغ يرى أنه من أرسخ الراسخين؟ فالخائف الخاشع المسيء الظن بنفسه جدير بأن لا يستخفه ما عنده من العلم على الخوض فيما ليس له به علم، وعلى البحث فيما لم يكلف البحث فيه، وهو من موارد الخطر ومزالق النظر. هذا لو كان يمكن العلم به؛ فكيف إذا كان مما لا سبيل إلى العلم به؟ وإنما الزائغ الجريء على ربه، المتكل على عقله، الفرح بما عنده من العلم هو الجدير بأن يتعاطى الخوض في كل شيء، وتحمله ثقته بنفسه وأمنه مكر ربه ودعواه أنه لا يتعانى عن فهم شيء وحرصه على أن يطير ذكره في الناس وكبره عن أن يعترف بالجهل.

стр. 69

فأطلق الحديث ولم يقيده؛ لكنه قد علم إخراج الاتباع على معنى التلاوة والإيمان، وبقي الاتباع على ابتغاء التأويل زيغ، كما أن ابتغاء الفتنة زيغ، ولم يقيده ﷺ بعدم الرسوخ، فعلم أن كلا من ابتغى تأويله فهو زائغ وليس براسخ، وأكد هذا بما يفهم من الحديث: أن النبي ﷺ كان واثقا بأصحابه الذين خاطبهم أنهم لا يتبعون المتشابه، وإنما حذرهم ممن نشأ بعده، وهم ﵃ أولى بالرسوخ من غيرهم؛ فعلم أن الراسخ لا يتبع المتشابه أصلا إلا على معنى تلاوته والإيمان به. فإن قلت: المتشابه في اختيارك هو ما اشتبه معناه بأن يتساوى المعنيان أو الثلاثة في الاحتمال، وهذا هو المجمل؛ فهل يدخل فيه ما اشتبه معناه أو معانيه، ولكنه يمكن ترجيح أحدها بدليل آخر؟ قلت: كلا، ليس هذا بمتشابه، بل هذا مما يعلم تأويله الراسخ وغيره، ومما أمرنا بالتدبر فيه والنظر في تأويله. فإن قلت: فالمتشابه عندك ما اشتبه معناه، بحيث لا يوجد دليل يبينه؟ قلت: نعم!

стр. 70

فإن قلت: وما فائدة إنزال مثل هذا في القرآن، والقرآن إنما نزل هدًى للعالمين، وأمرنا بتدبره مطلقا؟ قلت: ينبغي أولا أن تعين المتشابه، ثم أجيب عن هذا السؤال إن شاء الله تعالى. فأقول: مشتبه المعنى على أنواع، كما فصّله في "المفردات": الأول: المتشابه من جهة اللفظ، وذكر له خمسة أضراب: الكلمة الغريبة، كالأبّ. المشتركة، كالقرء. ما اختصر فيه الكلام، نحو: ﴿وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتمى فانكحوا ما طاب لكم من النساء﴾. ما بُسط فيه، نحو ﴿ليس كمثله شيء﴾. ما يشتبه في نظم الكلام، مثل: ﴿أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا * قيما﴾، فيتوهم السامع أن ﴿قيما﴾

стр. 71

نعت لـ ﴿عوجا﴾، وإنما هو حال من ﴿الكتاب﴾. ومنه قوله: ﴿والراسخون في العلم﴾، إلا أن المتبادر في هذه الآية هو الصواب كما قدمنا، بخلاف قوله: ﴿عوجا * قيما﴾. الثاني: المتشابه من جهة اللفظ والمعنى جميعا، وذكر له خمسة أضرب أيضا: من جهة الكمية، كالعموم والخصوص، نحو: ﴿فاقتلوا المشركين﴾ من جهة الكيفية، كالوجوب والتحريم في قوله: ﴿اعملوا ما شئتم﴾. من جهة الزمان، كالناسخ والمنسوخ. من جهة المكان والأمور التي نزلت فيها الآيات، نحو: ﴿وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها﴾، وقوله ﴿إنما النسيء زيادة في الكفر﴾. قال: فإن من لا يعرف عادتهم في الجاهلية يتعذر عليه معرفة تفسير هذه الآية.

стр. 72

من جهة الشروط التي يصح بها الفعل أو يفسد، كشروط الصلاة والنكاح. الثالث: ما ذكره بقوله: "والمتشابه من جهة المعنى كأوصاف الله تعالى، وأوصاف يوم القيامة، فإن تلك الصفات لا تتصور لنا، إذ كان لا يحصل في نفوسنا صورة ما لم نحسه أو لم يكن من جنس ما تحسه". أقول: وأنت - إذا كنت قد تدبرت ما تقدم - تعلم أن النوعين الأولين لا يصح تفسير المتشابه في الآية بها، فإن الأب والقرء وسائر ما ذكر في النوعين الأوليين ليست مما يتبع ابتغاء الفتنة، ولا مما يتبعه الزائغون ابتغاء تأويله، ولا غير ذلك مما تقدم، بل في ذلك ما يخفى على الراسخ ولا يخفى على الزائغ، وفيه ما يخطئ فيه الراسخ ويصيب الزائغ، ولم يزل العامة يسألون عما يشبه ذلك ولم يتهمهم أحد بالزيغ. والحاصل: أن ذلك يصدق على المتشابه الذي وردت به الآية والأحاديث والآثار، بل ولا يصدق عليه أن معانيه مشتبهة؛ لأن الاشتباه فيه يزول بالتدبر، فالأب مثلا يعرف معناه بسؤال أهل اللغة، والنظر في القرائن، وهكذا؛ وليس في القرآن شيء من ذلك يتوقف

стр. 73

العلماء عن اتباعه والنظر في تأويله، مع أن الجمهور يقولون في الآية بما قلناه، وهو أن المتشابه لا يعلم تأويله إلا الله، وقد تقدم حديث الصحيحين، ونحن نعلم أن الصحابة عملوا بمقتضاه، ونعلم أنهم تكلموا في النوعين الأولين، واختلفوا في بعضها كثيرا، ثم رأوا من بعدهم يتبعون ذلك ويبتغون تأويله فلم ينكروا عليهم ذلك. فما بقي إلا النوع الثالث، فهو الذي لم يكن يؤوله النبي ﷺ لأصحابه، ولا كانوا يبتغون تأويله، ولا يختلفون فيه؛ ولما رأوا من يتبعه من بعدهم ويتكلم في تأويله حذّروهم، وحذِروهم، وحذروا الناس منهم. فإن قلت: فإنكم تتكلمون في معنى ذلك فتقولون لله حياة تليق به، ويد تليق به، وتقولون إن لوجوده وحياته وقدرته وعلمه وحكمته مناسبة ما لهذه الصفات في المخلوق، ولذلك أمكننا تصورها إجمالا! قلت: الآن حصحص الحق، وارجع إلى معنى كلمة "تأويل" فقد قدمنا أن تأويل اللفظ قد يطلق على المعنى، وقد يطلق على نفس ذلك المعنى، وقد يطلق على الحقيقة المعبر عنها باللفظ. وقلنا: إن قوله تعالى: ﴿ويل يومئذ للمكذبين﴾، فإذا قال قائل:

стр. 74

ويل واد في جهنم، فقد أوله، ويطلق على قوله تأويل، ويطلق على نفس ذلك المعنى أنه تأويل، يقال: ما تأويل ﴿ويل﴾؟ فيقال: تأويله واد في جهنم. ويطلق على تلك الحقيقة - وهي عين ذلك الوادي - أنها تأويل. ولم نجد في القرآن مثالا للإطلاقين الأولين، وفيه ثلاثة أمثلة جاءت على الإطلاق الثالث، كما ذكرنا هناك. إذن؛ فالتأويل في آية المتشابه من الإطلاق الثالث. فقولنا في حياة الله "صفة ثابتة له سبحانه لها مناسبة ما بحياة المخلوق"، قولنا ذلك تأويل للفظ على الإطلاق الأول، وهذا المعنى تأويل بالإطلاق الثاني، وتلك الصفة نفسها هي تأويله بالإطلاق الثالث، والتأويل بالإطلاق الثالث هو الذي لا يعلمه إلا الله، وابتغاؤه زيغ، ولم يكن الصحابة والراسخون في العلم يبتغونه، ولما رأوا من يبتغيه حذروه، وحذروا منه. وقد عرفت أقسام متبعيه مما سبق: فمن قال: يد كيدي، فقد حكم على الحقيقة المعبر عنها باليد بأنها كيده، وتصورها هذا التصور المحدود. ومن قال: إنما هي القدرة أو النعمة، فقد حكم عليها هذا

стр. 75

الحكم وزعم أنه قد أدرك حقيقتها. ومن قال لله يد تليق به لا يمكنني تصورها، ولا العلم بكنهها، ولكن لما أخبر الله عن نفسه أن له يدا آمنت بأن له يدا تليق به، فهذا هو القائل: ﴿آمنا به كلًّ من عند ربنا﴾. وهذا أوان الجواب عن سؤالك بقولك: وما فائدة إنزال مثل هذا في القرآن والقرآن إنما نزل هدى للعالمين وأمرنا بتدبره مطلقا؟ فأقول: أما الصفات التي ندركها إجمالا لمناسبة ما بينها وبين صفاتنا - مع العلم بأنها في حقه كاملة كما يليق به، وفي حقنا ناقصة كما يليق بنا، كالقدرة والعلم ونحوها - فلا إشكال في إنزالها في القرآن، إذ يقال: المقصود منه الإيمان بها مع العلم الإجمالي، وهو كاف في ذلك، وقد علمت أن من تلك الصفات ما يتوقف ثبوت الشريعة على العلم بها، ويتبعها صفات أخرى مثلها في إمكان العلم بها إجمالا، وفي العلم بها تثبيت للشريعة وتأكيد للإيمان، ودونها صفات أخرى تذكر في القرآن في صدد تقرير معنى من المعاني لا يتوقف فهمها على العلم بكنهها، ولكن ذكرها معه يفيدها قوة لا تحصل بدونها، كقوله تعالى: ﴿قال يإبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيديَّ﴾. فأصل المقصود إظهار زيادة الاعتناء بآدم
следующие страницы →