Полный текст (99 стр.). Показаны 71–99 · переход к 76.
стр. 71
نعت لـ ﴿عوجا﴾، وإنما هو حال من ﴿الكتاب﴾.
ومنه قوله: ﴿والراسخون في العلم﴾، إلا أن المتبادر في هذه الآية هو الصواب كما قدمنا، بخلاف قوله: ﴿عوجا * قيما﴾.
الثاني: المتشابه من جهة اللفظ والمعنى جميعا، وذكر له خمسة أضرب أيضا:
من جهة الكمية، كالعموم والخصوص، نحو: ﴿فاقتلوا المشركين﴾
من جهة الكيفية، كالوجوب والتحريم في قوله: ﴿اعملوا ما شئتم﴾.
من جهة الزمان، كالناسخ والمنسوخ.
من جهة المكان والأمور التي نزلت فيها الآيات، نحو: ﴿وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها﴾، وقوله ﴿إنما النسيء زيادة في الكفر﴾.
قال: فإن من لا يعرف عادتهم في الجاهلية يتعذر عليه معرفة تفسير هذه الآية.
стр. 72
من جهة الشروط التي يصح بها الفعل أو يفسد، كشروط الصلاة والنكاح.
الثالث: ما ذكره بقوله: "والمتشابه من جهة المعنى كأوصاف الله تعالى، وأوصاف يوم القيامة، فإن تلك الصفات لا تتصور لنا، إذ كان لا يحصل في نفوسنا صورة ما لم نحسه أو لم يكن من جنس ما تحسه".
أقول: وأنت - إذا كنت قد تدبرت ما تقدم - تعلم أن النوعين الأولين لا يصح تفسير المتشابه في الآية بها، فإن الأب والقرء وسائر ما ذكر في النوعين الأوليين ليست مما يتبع ابتغاء الفتنة، ولا مما يتبعه الزائغون ابتغاء تأويله، ولا غير ذلك مما تقدم، بل في ذلك ما يخفى على الراسخ ولا يخفى على الزائغ، وفيه ما يخطئ فيه الراسخ ويصيب الزائغ، ولم يزل العامة يسألون عما يشبه ذلك ولم يتهمهم أحد بالزيغ.
والحاصل: أن ذلك يصدق على المتشابه الذي وردت به الآية والأحاديث والآثار، بل ولا يصدق عليه أن معانيه مشتبهة؛ لأن الاشتباه فيه يزول بالتدبر، فالأب مثلا يعرف معناه بسؤال أهل اللغة، والنظر في القرائن، وهكذا؛ وليس في القرآن شيء من ذلك يتوقف
стр. 73
العلماء عن اتباعه والنظر في تأويله، مع أن الجمهور يقولون في الآية بما قلناه، وهو أن المتشابه لا يعلم تأويله إلا الله، وقد تقدم حديث الصحيحين، ونحن نعلم أن الصحابة عملوا بمقتضاه، ونعلم أنهم تكلموا في النوعين الأولين، واختلفوا في بعضها كثيرا، ثم رأوا من بعدهم يتبعون ذلك ويبتغون تأويله فلم ينكروا عليهم ذلك.
فما بقي إلا النوع الثالث، فهو الذي لم يكن يؤوله النبي ﷺ لأصحابه، ولا كانوا يبتغون تأويله، ولا يختلفون فيه؛ ولما رأوا من يتبعه من بعدهم ويتكلم في تأويله حذّروهم، وحذِروهم، وحذروا الناس منهم.
فإن قلت: فإنكم تتكلمون في معنى ذلك فتقولون لله حياة تليق به، ويد تليق به، وتقولون إن لوجوده وحياته وقدرته وعلمه وحكمته مناسبة ما لهذه الصفات في المخلوق، ولذلك أمكننا تصورها إجمالا!
قلت: الآن حصحص الحق، وارجع إلى معنى كلمة "تأويل" فقد قدمنا أن تأويل اللفظ قد يطلق على المعنى، وقد يطلق على نفس ذلك المعنى، وقد يطلق على الحقيقة المعبر عنها باللفظ.
وقلنا: إن قوله تعالى: ﴿ويل يومئذ للمكذبين﴾، فإذا قال قائل:
стр. 74
ويل واد في جهنم، فقد أوله، ويطلق على قوله تأويل، ويطلق على نفس ذلك المعنى أنه تأويل، يقال: ما تأويل ﴿ويل﴾؟ فيقال: تأويله واد في جهنم. ويطلق على تلك الحقيقة - وهي عين ذلك الوادي - أنها تأويل. ولم نجد في القرآن مثالا للإطلاقين الأولين، وفيه ثلاثة أمثلة جاءت على الإطلاق الثالث، كما ذكرنا هناك.
إذن؛ فالتأويل في آية المتشابه من الإطلاق الثالث. فقولنا في حياة الله "صفة ثابتة له سبحانه لها مناسبة ما بحياة المخلوق"، قولنا ذلك تأويل للفظ على الإطلاق الأول، وهذا المعنى تأويل بالإطلاق الثاني، وتلك الصفة نفسها هي تأويله بالإطلاق الثالث، والتأويل بالإطلاق الثالث هو الذي لا يعلمه إلا الله، وابتغاؤه زيغ، ولم يكن الصحابة والراسخون في العلم يبتغونه، ولما رأوا من يبتغيه حذروه، وحذروا منه.
وقد عرفت أقسام متبعيه مما سبق:
فمن قال: يد كيدي، فقد حكم على الحقيقة المعبر عنها باليد بأنها كيده، وتصورها هذا التصور المحدود.
ومن قال: إنما هي القدرة أو النعمة، فقد حكم عليها هذا
стр. 75
الحكم وزعم أنه قد أدرك حقيقتها.
ومن قال لله يد تليق به لا يمكنني تصورها، ولا العلم بكنهها، ولكن لما أخبر الله عن نفسه أن له يدا آمنت بأن له يدا تليق به، فهذا هو القائل: ﴿آمنا به كلًّ من عند ربنا﴾.
وهذا أوان الجواب عن سؤالك بقولك: وما فائدة إنزال مثل هذا في القرآن والقرآن إنما نزل هدى للعالمين وأمرنا بتدبره مطلقا؟
فأقول: أما الصفات التي ندركها إجمالا لمناسبة ما بينها وبين صفاتنا - مع العلم بأنها في حقه كاملة كما يليق به، وفي حقنا ناقصة كما يليق بنا، كالقدرة والعلم ونحوها - فلا إشكال في إنزالها في القرآن، إذ يقال: المقصود منه الإيمان بها مع العلم الإجمالي، وهو كاف في ذلك، وقد علمت أن من تلك الصفات ما يتوقف ثبوت الشريعة على العلم بها، ويتبعها صفات أخرى مثلها في إمكان العلم بها إجمالا، وفي العلم بها تثبيت للشريعة وتأكيد للإيمان، ودونها صفات أخرى تذكر في القرآن في صدد تقرير معنى من المعاني لا يتوقف فهمها على العلم بكنهها، ولكن ذكرها معه يفيدها قوة لا تحصل بدونها، كقوله تعالى: ﴿قال يإبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيديَّ﴾. فأصل المقصود إظهار زيادة الاعتناء بآدم
стр. 76
عليه السلام وتشريفه على ما سواه، وهذا المعنى معروف من الكلام، لا يتوقف على العلم بكنه اليدين، ولا نقول كما يقول بعضهم: هذا الكلام تمثيل لليد في إظهار العناية والتشريف! وليس هناك يدان، وإنما هو تخيل! كما قالوه في قول الشاعر: "إذا أصبحت خذ الشمال ما لها".
لا والله؛ لانقول ذلك، فإنه من الزيغ، بل نقول: إن لله يدين خلق بهما آدم ﵇، ولكننا لا نعلم كنههما، وجهلنا بكنههما لا يمنع من فهم معنى الكلام، ولا يلزم منه إن ذكرها أنه لا فائدة له! بل له أعظم الفائدة كما علمت.
ومع هذا فلا نقول إن فائدة ذكر الصفة مقصورة على ما ذكر، بل هناك فائدة أخرى، وهي الابتلاء؛ ﴿ليستيقن الذين أوتوا الكتاب ويزداد الذين آمنوا إيمانا ولا يرتاب الذين أوتوا الكتب والمؤمنون وليقول الذين في قلوبهم مرض والكافرون ماذا أراد الله بهذا مثلا﴾.
وأما التدبر فقد أمرنا به مطلقا. ولا يتوقف فائدة التدبر على العلم بكنه اليدين مثلا، إذ لا يتوقف العلم بمعنى الكلام على ذلك. ألا ترى أنك إذا أخبرت الأكمه بأنك ترى ولده مقبلا فإنه يعلم معنى هذا الكلام تحقيقا، وإن كان لا يدري كنه الإبصار.
стр. 77
الفصل الثاني: في تأويل الإخبار عن الوقائع
أما الوقائع المتعلقة بالرب من حيث تعلقها به من العقائد، فقد مر الكلام عليها.
وأما ما عدا ذلك؛ فإن كان يتعلق بما لا نحس به ولا هو من جنس ما نحس به، فحكمه حكم العقائد، وذلك كالملائكة والجن، والأرواح، والجنة والنار، ونحو ذلك، لا أن للملائكة مثلا صفات .. عليهم بالنظر إليها؛ لأنهم من جنس ما نحس به، ككونهم موجودين مخلوقين مربوبين، فمن هذه الجهة يكون حكمهم كحكم غيرهم مما نحس به، أو نحس بما هو من جنسه
والوقائع المتعلقة بما نحس به أو هو من جنس ما نحس به هي موضوع هذا الفصل، فنقول:
стр. 78
يزعم كثير من الناس أن في الكتاب والسنة أخبارا عن أشياء من هذا القبيل، والعقل أو الحس أو الخبر المتواتر يدل على خلاف ذلك الخبر، فغالبهم يذهبون إلى تأويل تلك الأخبار بحملها على معان خلاف ظاهرها، ولكنها موافقة للمعقول أو المحسوس أو المتواتر، وحجة هؤلاء أنهم إذا تركوا تلك الأخبار على ظاهرها يلزم من ذلك في حق الله ورسوله ﷺ الكذب أو الجهل! وإذا كان من المعلوم امتناع ذلك، يجعل الخصم هذا حجة على بطلان دين الإسلام!
وأقول: هذا القول قد أرعب غالب المسلمين وزلزل قلوبهم، فخضعوا لوجوب التأويل، ولكن هذا لا يغنهم شيئا، فإن أهل الكفر والإلحاد قالوا: إن هذه التأويلات التي تبدونها خلاف ظاهر الكلام!
فإن قلت: إن الدليل العقلي، أو الحسي، أو التواتري قرينة تجعل ظاهر الكلام هو المعنى الذي حملناه عليه.
قيل لكم: هذا الدليل لم يكن معلوما للمخاطبين، بل لم يكن معلوما لأحد من أهل الأرض حينئذ، ولا يكفي أن يقال: كان الله
стр. 79
يعلمه، أو كان رسوله يعلمه؛ فإن الاعتماد على قرينة يعلمها المتكلم، ويعلم أن المخاطبين لا يعلمونها لا يجوز ولا يخرج الكلام بذلك عن الكذب؛ فظهر أن ما تبدونه من التأويل لا ينفي لزوم الكذب أو الجهل في قرآنكم ونبيكم!
لعل أكثر الناس ينكر علي تقرير هذا المعنى؛ فأقول له:
اعلم أن الكفار والملحدين يقررون ذلك، ويسيطرون به على علماء المسلمين فضلا عن غيرهم، ولا سيما الشباب الذين سيقوا إلى أن يكونوا في مدارس معلموها من هؤلاء الملحدين أو الكفار.
والدين الحق إنما يقر تقرير الشبه لإزالتها، وإنما يحظر على العلم أن يثير شبهة لا يزال أهل الكفر والضلال غافلين عنها، فأما مثل هذه الشبهة - مما قد أثاروه وأضلوا به - فلا بد للعالم من ذكره وإقامة البرهان بما يزيله.
стр. 80
المبحث الأول: حل شبهة
اعلم أن عامة شبهات الكفار والملحدين في هذا العصر تدور على هذه الشبهة، فيجب الاعتناء بحلها وإيضاح الحق، وأسأل الله التوفيق والهداية، لعله يطلع على هذا ملحد فيقول: إن هذا الكاتب وأمثاله مقلدون متعصبون، ليس لهم من حرية الفكر نصيب، يرد عليهم البرهان الذي يدمغ دينهم فيفرون إلى المعاذير! وكان عليهم أن يتدبروا ذلك البرهان ويعترفوا بمقتضاه؛ هذا مقتضى الحرية والشجاعة الأدبية وطلب الحق من حيث هو حق، فهم يزعمون أنهم يتبعون الحق، ويدعون إلى الحق، وهم أبعد الناس منه!
فأقول له: أنت تعلم أن لثبوت الحقائق طرقا مختلفة، فلمعرفة أن فلانا حاضر مثلا قد تحصل بواسطة الإبصار، وبواسطة سمع كلامه، وبواسطة أخبار متواترة، وغير ذلك، والإدراك بواسطة البصر لا يحصل للأعمى، وبواسطة سماع كلامه لا يحصل للأصم، وقس على ذلك.
стр. 81
وقد يحصل الإدراك اليقيني لحقيقة بطريق صحيح، وإذا نظرت من طريق أخرى وجدت شبهات تنفي تلك الحقيقة، فأما من حصل له الإدراك بذلك الطريق الصحيح فإنه - إذا عرضت عليه تلك الشبهات - لا يلتفت إليها، ولا يبالي بها، إلا أنه إذا عجز عن إطلاع المعترض على ذاك الطريق الصحيح فقد يحاول حل تلك الشبهات، وربما يعجز عن حلها، وهو مع ذلك غير متزلزل فيما قد تيقنه، بل هو مؤمن أن لتلك الشبهات حلا لم يتيسر له، ومن شككته الشبهات فيما قد علمه يقينا يعد عند العقلاء أحمق!
فمن ذلك قول علماء الطبيعة: إن تقرير كيفية الإبصار يقتضي أن ترى الصور معكوسة، وهو خلاف المشاهد، فيا ترى من يشاهد الصور - ويعلم أنه يشاهدها مستقيمة - إذا عرضت عليه تلك الشبهة هل يتزلزل عما يشاهده من أنه يرى الصور مستقيمة؟
وفي الفلسفة الحسية العصرية أمثلة كثيرة من هذا.
فهكذا نحن قد قام عندنا البراهين ما تيقنا به أن القرآن كلام الله، وأن محمدا ﷺ رسول الله، فهذا اليقين هو الذي جعلنا نبادر إلى رد الشبهات، وبها حصل لنا ذلك اليقين، وهي تحتاج إلى ممارسة
стр. 82
وعناية، فلا يمكننا أن نحصلها لمن لم تحصل له في مقالة أو رسالة، فلذلك نحتاج إلى حل الشبهات.
والمقصود تقرير عذرنا، ودفع تهمة التقليد والتعصب عنا، على أننا لا ندعي أننا نستطيع حل جميع الشبهات حلا يقنع الخصم، ولكننا ندعي أننا نستطيع حل جميع الشبهات حلا يقنع الخصم، ولكننا ندعي أنه لو سلك الطرق التي سلكناها وتحرى إصابة الحق وتخلى عن التقليد والتعصب لوصل إلى ما وصلنا إليه، ولعلم أن تلك الشبهات التي أثارها أولا باطلة، سواء أعلم وجه حلها أم لا.
فمثلنا ومثل الخصم مثل رجل قال لآخر: إن الأرض تدور، فعارضه ذاك بأنها لو كانت تدور لتساقطت الأجرام التي عليها، وكان كذا وكذا! ولنفرض أن المخبر قد كان وقف على الدلائل التي تثبت دوران الأرض، ولم يقف على جواب الشبهة، فإنه يقول للخصم: تعال معي وانظر وتفكر لتقف على ما وقت عليه، فأبى هذا مصرا على الإنكار بحجة أنها لو كانت تدور لكان كذا وكذا! أفلا يكون من واجب المعترض إذا كان طالبا للحق أن يجيب الأول بما يدعوه إليه من النظر، وإن كان في ذلك مشقة وتعب؟
وبعد هذا التمهيد نشرع في حل الشبهة:
стр. 83
المبحث الثاني: أقوال العلماء
رأيت كتابا لبعض الفضلاء يكذّب صاحبه أهل الطبيعة والفلك والجغرافية وغيرها في كل ما يقولونه مما يراه المؤلف الكتاب مخالفا لظاهر القرآن أو السنة، وفي كلامه مؤاخذات:
منها دعواه في مواضع ظهور دلالة القرآن، وليس كذلك؛ ومنها في السنة كذلك؛ ومنها الاستناد إلى أحاديث غير ثابتة، وغير ذلك. وغالب العلماء يذهبون إلى هذا التأويل كما قدمنا، وفيه ما عرفت من الإشكال.
وسمعت بعض العلماء يقول: إن القرآن لم ينزل لتعلم الطبيعة والفلك والتاريخ والتشريح والطب ونحو ذلك من العلوم الكونية، وإنما نزل لبيان الدين عقائد وأحكاما، وإنما يذكر بعض ما يتعلق بالطبيعة والفلك والتاريخ ونحوها لمغزى ديني، كالتنبيه على آيات الله وآلائه، والتذكير بالعبر والمثلات، هكذا السنة، فالأنبياء إنما بعثوا لتعليم الدين.
стр. 84
ومقصود هذا العالم - على ما فهمته - أنه لا يصح الاستناد إلى ظاهر آية من القرآن أو حديث من السنة في تقرير أمر من تلك العلوم الكونية، كما هو بالنسبة إلى غالب الناس غيب.
فأما قوله: إن الشريعة إنما جاءت لتعليم الدين عقائد وأحكاما، ولم تجئ لتعلم العلوم الكونية، فحق. والحكمة في ذلك أن العلوم الكونية منها ما لا فائدة في علمه، [ومنها ما فيه] فائدة، ولكن علمه لا يتوقف على الوحي، بل يعلم بالبحث والنظر. وقد قضى الله أن يكون ظهور ذلك في أوقات متراخية، كما وقع من اكتشاف الكهرباء والهاتف والمذياع وغير ذلك.
على أن الناس محتاجون إلى كثرة الحكام، وليس كل حاكم
стр. 85
كاملا في العقل والفهم والنظر حتى يدرك جميع الأحكام بنظره، واجتماع جماعة من العقلاء لوضع القوانين لا يكفي، لقصر نظرهم واحتمال ميلهم وتعصبهم، ولأن غالب القوانين تختل الحكمة المقصودة منها في كثر من الجزئيات الداخلة فيها؛ فأما القوانين الشرعية فإنها تؤمن الغلط والميل والعصبية فيها، يمتثلها المتدينون تدينا ويقبلونها طيبة أنفسهم منشرحة صدورهم؛ لأنهم يرون القبول خيرا لهم في دينهم ودنياهم، ويلزمونها غالبا بدون إلزام حاكم؛ لا فرق في ذلك بين قويهم وضعيفهم، وافية منها على الغالب بحيث يمكن تخلف الحكمة في بعض الجزئيات، فإن الله يجبره بقدره.
والمقصود أن الخلق مفتقرون إلى تلقي الأحكام من طريق الرب وليسوا مفتقرين إلى تلقي العلوم الطبيعية ونحوها.
وقد قيل في تفسير قول الله : ﴿يسئلونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها ولكن البر من اتقى وأتوا البيوت من أبوابها﴾: "إن
стр. 86
القوم إنما سألوا عن الأهلة ما بالها تبدو صغارا ثم تكبر، ثم تعود فتصغر ثم تكبر، وهكذا؟ فنزل الجواب عن هذا المعنى الطبيعي، وأجيبوا بما يتعلق بالأهلة من الأحكام الدينية، ثم أمروا بأن يأتوا البيوت من أبوابها؛ فإذا سألوا النبي - المبعوث لتعليم الدين - فليسألوه عما يتعلق بالدين، ولا يأتوا البيوت من ظهورها بأن يسألوه عما لم يبعث من لأجله ولا تتعلق به ضرورة دينية.
ولما ورد النبي ﷺ المدينة ورآهم يؤبرون النخل، فظن أن لا حاجة لذلك؛ لأنه كان قد رأى كثيرا من الأشجار تؤتي ثمرها بدون تلقيح، فقال لهم: «ما أظن يغني ذلك شيئا»، فتركوه، قال فخرج شيصا ... فمر بهم فقال: "ما لنخلكم؟ "، قالوا: قلت كذا وكذا! قال: «أنتم أعلم بأمور دنياكم».
وفي رواية: «إنما ظننت ظنا، فلا تؤاخذوني بالظن، ولكن إذا حدثتكم عن الله شيئا فخذوا به، فإني لن أكذب على الله ».
وفي رواية: «إنما أنا بشر؛ إذا أمرتكم بشيء ن دينكم فخذوا به، وإذا أمرتكم بشيء من رأي فإنما أنا بشر».
стр. 87
والحديث في صحيح مسلم وغيره من حديث أم المؤمنين عائشة، وطلحة بن عبيد الله، وثابت بن قيس، ورافع بن خديج ﵃.
وصح عنه ﷺ أنه قال: «لقد هممت أن أنهى عن الغيلة، فنظرت في الروم وفارس فإذا هم يغيلون لأولادهم فلا يضر أولادهم ذلك شيئا».
стр. 88
وجاء عنه ﷺ أنه قال: «لا تقتلوا أولادكم سرا فإن الغيل يدرك الفارس فيدعثره عن ظهر فرسه».
قال الطحاوي: "إن الحديث الثاني يظهر أن النبي ﷺ قاله أولا لما كان يظن أن الغيل يضر، ثم لما تبين له أنه لا يضر قال: لقد هممت .. إلخ.
والظاهر خلاف هذا؛ لوجوه:
الأول: أن قوله ﷺ التي يبنيها على الظن بين أنه إنما قالها بناء على الظن، والحديث الثاني جزم.
стр. 89
الثاني: أن قوله: "إن الغيل يدرك الفارس فيدعثره" مما لا يظهر بناؤه على الظن.
الثالث: أن قوله - في الحديث الأول -: "لقد هممت .. " ظاهر في أنه لم يكن قد نهى، فالظاهر أنه أراد أن ينهى أولا بناء على ما كان مشهورا بين العرب من أن الغيل يضر ثم في حال فارس والروم فقال الحديث الأول، ثم أعلمه الله بأن الغيل يضره، ولو بعد حين، فقال الحديث الثاني.
وقد يجيء في الشريعة ما يشير إلى مسائل طبيعية إذا دعت ضرورة، ولكنها تعرض بمعرض ديني أو ينبه عليها إجمالا.
فمن الأول: النهي عن الشرب قائما، وقوله: إن الشيطان يشرب معه.
стр. 90
ومن الثاني: النهي عن النفخ في الطعام والشراب، وغير ذلك.
والمقصود: أن قول ذلك العالم: إن الشريعة إنما جاءت لتعليم الدين عقائد وأحكاما، وأما ما جاء فيها مما يتعلق بشيء من العلوم الطبيعية والتاريخ ونحوها فليس المقصود من ذكره التعريف بكنهه وحقيقته وكيفيته مفصلا، وإنا يذكر تنبيها على الآيات والمثلات. كل هذا صحيح، ولكن هل يقتضي هذا جواز أن يكون الواقع في تلك الأمور خلاف ظاهر الخبر الشرعي؟
قد كنت أنكر هذا أشد الإنكار، وأقول إن الظاهر حجة قطعية، وإنه إذا كان الواقع خلاف ظاهر الخبر كان الخبر كذبا، وإن لم يكن المقصود من الخبر بيان ذلك الأمر.
ثم رأيت في أصول الفقه مسألة تعضد ما قاله ذلك العالم، وهو قول بعضهم: إن النص إذا سيق لمعنى غير بيان الحكم وكان عاما لا يحتج بعمومه في الحكم.
стр. 91
ويمكن أن يطّرد ذلك في سائر الدلالات الظاهرة. ووجه ذلك أن المتكلم إنما يعتني بالمعنى المقصود بالذات، وأما ما ذكر عرضا فإنه لا يعتني به، كأنه يكل تحقيق حكمه إلى موضعه.
ويقرب من هذا ما يقوله الفقهاء وغيرهم: إن المسألة إذا ذكرت في غير بابها استطرادا، ثم ذكرت في بابها مع مخالفة، فالمعتمد فيها ما في بابها.
وههنا معنى آخر يعضد ذك أيضا، وهو أن المتكلم في علم قد يذكر في أثناء كلامه مسألة من علم آخر، فربما ذكر قاعدة يكون ظاهر كلامه أنها كلية، ومع ذلك فلا يعتد بهذا الظاهر ولا ننسب إلى المتكلم أنه ادعى كليتها ولا يعترض عليه بذكرها على ذلك الوجه.
كأن يقول المفسر في قوله تعالى: ﴿هدى للمتقين﴾ أصل ﴿هدى﴾ هدي، والقاعدة الصرفية أنه إذا تحركت الياء وانفتح ما قبلها قلبت ألفا، والقاعدة الأخرى أنه إذا التقى الساكنان حذف الأول. وهاتان القاعدتان ليستا على إطلاقهما، بل لكل منهما قيود وشروط معروفة في علم الصرف؛ ومع ذلك لا ينسب إلى ذلك المفسر قصور ولا تقصير، ولا دعوى خلاف ما تقرر في علم
стр. 92
الصرف؛ لأنه يقال: ليس هو في صدد الكلام في علم الصرف حتى ينسب إليه ذلك، وإنما هو في صدد التفسير، ولكن انجر الكلام إلى هاتين القاعدتين فذكرهما على قدر ما دعا إليه الحال؛ وهكذا في القواعد النحوية والبيانية وغيرها.
وأبلغ من هذا: أن أصحاب الكتب المختصرة في العلوم يذكر أحدهم كثيرا من قواعد ذلك العلم، بحيث يكون ظاهر الكلام أنها كلية، ومع ذلك لا ينسب إليهم قصور ولا تقصير ولا دعوى كليتها، بل يقال: هذا المختصر وضع للحفظ ولتعليم المبتدئين، وكل يستدعي الإجمال وترك التفصيل بذكر القيود والشروط، بل يوكل ذلك إلى الشروح والمطولات.
وأبلغ من هذا: أن الكتب الموضوعة للمبتدئين قد يذكر فيها ما ليس بصحيح في نفسه، ولكن سلكه المؤلف لأنه أقرب إلى فهم المبتدئ، فيقول النحوي مثلا: الكلام قد يركب من كلمتين، من اسم وفعل، مثل: قام الرجل، والرجل قام، أو اسمين، مثل: زيد قائم، أو القائم زيد؛ مع أن "قام الرجل" ثلاث كلمات، والرجل قام أربع كلمات: فعل وحرف واسمان، و"زيد قائم" ثلاث أسماء، و"القائم زيد" أربعة أسماء.
ومن كان له ممارسة للنحو والصرف وجد فيها كثيرا من هذا.
стр. 93
ومن عالج التعليم يعلم يقينا أنه لا غنى به عن سلوك هذه الطريق في كثير من المسائل.
وكما أن المعلم الناصح يتجنب أن يخرج بالطالب في الدرس عن ذلك العلم، فهكذا النبي ﷺ كان يتجنب أن يشغل الناس بما لم يبعث لأجله، بل كثيرا ما يقرهم على ما يعلم أنه خطأ وغلط، لأن ذلك لا يضرهم في دينهم؛ فإذا دعت المصلحة إلى ذكر ما يتعلق بشيء من الأمور الطبيعية ذكره على وجه لا يجر إلى إيقاع السامعين في الخوض في أحوالها الطبيعية، فيشتغلوا بذلك عن المقصود. ومن ضرورة هذا المعنى أن لا يذكر لهم في الأمور الطبيعية خلاف ما يعرفون، أو يذكر لهم مما لا يعرفون شيئا فيه دقة وغرابة، فلا يذكر لهم مثلا: الأرض كروية، أو أنها تدور.
فإن قلت: فهل يجوز أن يخبر عن شيء من الطبيعيات بكلام ظاهره مخالف للحقيقة؟
هذا هو موضوع السؤال!
قلت: أما إذا ثبت أن الظاهر في مثل ذلك لا يعتد به، بل يحتمل أنه مراد، ويحتمل أنه ليس بمراد، فلا مانع من ذلك إذا لم يبق ذلك الظاهر ظاهرا، فتدبر!
стр. 94
وقد أجاز جمهور العلماء تأخير البيان إلى وقت الحاجة، فأجازوا أن يرد نص في الحج مثلا يكون وروده في شهر محرم، ولذلك غير عام، أو مطلقا وهو في علمه مقيد، أو فيه كلمة مستعملة في علم الله في غير ما وضعت له، ولم تصحب النص قرينة، ثم حين حضور الحج يبين الله الخصوص والتقييد.
والوجه في ذلك: أن المخاطبين لما علموا من عادة الشريعة أنها قد يقع فيها صار ذلك الظاهر غير ظاهر عندهم، بل هو محتمل فقط، فإذا جاء وقت العمل، ولم يبين ما يخالف ذلك الظاهر علم حينئذ أنه مراد.
بل قد يقال: لا حاجة إلى علم المخاطبين بعادة الشريعة في ذلك، ويكفي أن ذلك جار في العادة مطلقا. فلو كان لرجل خمسة من الولد صغار، فقال لخادمه: اذهب بالأولاد يوم الخميس إلى المستشفى للتطعيم ضد الجدري وعندما تريد الذهاب أخبرني، فإن الخادم إذا تدبر هذا الكلام قال نفسه: كلمة "الأولاد" تشمل الخمسة كلهم، ويمكن أن يكون أراد الخمسة كلهم، ويمكن أن يكون
стр. 95
أراد ثلاثة أو أربعة منهم، على كل حال فحين أريد الذهاب أخبره فيظهر ما هو مراده.
وإنما أوردت في المثال: "وعندما تريد الذهاب أخبرني"؛ لأنه لو لم يقل ذلك لضعف احتمال الخصوص جدا؛ لأن الإنسان يعلم أنه ربما ينسى أو يغفل أو ينام أو يمرض أو يموت أو يغيب، وإذا عرض له شيء من ذلك عند حضور الوقت فإن الخادم يذهب بالأولاد الخمسة، فلو كان يريد الخصوص لاحتاط.
فأما الرب فإنه منزه عن تلك العوارض، فأمره على الاحتمال حتى يحضر وقت العمل بدون حاجة إلى ما يقوم مقام قول الإنسان: "وعندما تريد الذهاب أخبرني". وكذلك أمر نبيه ﵊؛ لأنه مبلغ عن الرب، والرب تعالى متكفل بحفظه أن يعرض له شيء من تلك العوارض يمنع من البيان قبل وقت الحاجة.
والحاصل: أن النص على الحكم - وقد بقيت مدة إلى حضور وقته - إذا كان لذلك النص ظاهر من جهة اللفظ، ولكنه غير ظاهر من جهة المعنى، بل هو محتمل فقط، فإذا جاء الوقت ولم يبين علم أن ما ظهر من اللفظ هو المراد من جهة المعنى أيضا.
стр. 96
فإذا أطلق الشارع نصا في حكم لم يحضر وقته، وللنص ظاهر لفظي، ثم بين عند الحاجة ما يرفع ذلك الظاهر، لم يلزم من إطلاق النص كذب ولا شبه كذب، فتدبر وأمعن النظر.
ثم نقول: معرفة صفات الأمور الطبيعية ليس لها حاجة في البيان عندما يطلع الإنسان على صفة فعل الشيء، فيتبين له حينئذ المعنى المراد من النص، ولا يلزم كذب ولا شبه كذب إذا تبين أن الواقع خلاف الظاهر اللفظي من النص.
فلو قال النبي ﷺ لرجل: اذهب إلى فلان فستجده يأكل لحم إنسان، فذهب إليه فلم يجده يأكل لحما، ولكن وجده يغتاب إنسانا، لقال: صدق الله ورسوله، إن اغتياب الإنسان كأكل لحمه.
ولو قال ﷺ لرجل: أتحب فلانا؟ فقال: نعم! فقال: أما إنك ستقتله، فلما كان بعد وفاة النبي ﷺ سقطت من الرجل كلمة كانت سببا لقتل صاحبه، لقال: صدق الله ورسوله، أنا قتلته بكلمتي.
وفي هذا نص واقع، وهو قول النبي ﷺ لأزواجه - لما سألنه أيتهن أسرع لحوقا به -: «أسرعكن أطولكن يدا».
قالت عائشة: "فكنا إذا اجتمعنا في بيت إحدانا بعد وفاة رسول
стр. 97
الله ﷺ نمد أيدينا في الجدار نتطاول، فلم نزل نفعل ذلك حتى توفيت زينب بنت جحش، وكانت امرأة قصيرة ولم تكن أطولنا، فعرفنا حينئذ أن النبي ﷺ إنما أراد بطول اليد الصدقة، وكانت زينب امرأة صانعة باليد، وكانت تدبغ وتخرز وتتصدق في سبيل الله".
هذا لفظ رواية الحاكم في المستدرك، كما حكاها الحافظ في الفتح. والحديث في الصحيحين، ولكن وقع في رواية البخاري اختصار ووهم نبه عليه الحافظ في الفتح.
قال الحافظ: "وفي الحديث علم من أعلام النبوة ظاهر، وفيه جواز إطلاق اللفظ المشترك بين الحقيقة والمجاز بغير قرينة، وهو لفظ "أطولكن" إذا لم يكن محذورا. قال الزين بن المنير: "لما كان السؤال
стр. 98
عن آجال مقدرة لا تعلم إلا بوحي أجابهن بلفظ غير صريح، وأحالهن على ما لا يتبين إلا بأخرة، وساغ ذلك لكونه ليس من الأحكام التكليفية".
وقد يقال إن في الحديث قرينة، بل قريتين:
الأولى: قوله: "أطولكن يدا"، ولم يقل: أطولكن، مع أنه أخصر، ففي العدول إلى ذكر طول اليد إشارة إلى المعنى المراد.
الثاني: أن سرعة اللحوق به فضيلة، والفضيلة إنما تدرك بعمل صالح؛ والطول الحسي ليس بعمل صالح.
ويمكن أن يجاب بأن الأولى مبنية على أن الطول الحسي في اليد ملازم لطول القامة، وليس كذلك ولكنه الغالب. وأما الثانية فليست بظاهرة، لأن الموت عند تمام الأجل، فليس بمرتبط بالفضيلة ارتباطا ظاهرا، إذ لا مانع من طول عمر الفاضلة ارتباطا ظاهرا، إذ لا مانع من طول عمر الفاضلة وقصر عمر المفضولة.
وعلى كل حال، استنبط هذا بعد العلم بحقيقة الحال؛ وأما قبل ذلك فقد كان الظاهر هو طول اليد الطول الحسي، كما فهمته أمهات المؤمنين ﵅، ولم يكن على ذلك حتى تبين
стр. 99
خلاف ذلك بموت زينب.
فإن قيل: كيف هذا وقد تقدم في كلمات خليل الله إبراهيم ﵇ تتعلق بوقائع عادية وقعت له، وليست متعلقة بما هو غيب عند عامة الناس أو غالبهم، والبحث المتقدم إنما هو فيما كان غيبا مطلقا، أو بالنظر إلى غالب الناس.