شرح زاد المستقنع في اختصار المقنع
(كتاب الطهارة)
شرح فضيلة الشيخ الدكتور
محمد بن محمد المختار بن محمد الجكني الشنقيطي
المدرس بالمسجد النبوي الشريف بالمدينة النبوية
طبع ونشر
الرئاسة العامة للبحوث العلمية والإفتاء
الإدارة العامة لمراجعة المطبوعات الدينية
الرياض - المملكة العربية السعودية
وقف لله تعالى
الطبعة الأولى
١٤٢٨ هـ - ٢٠٠٧ م
стр. 2
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الناشر
الرئاسة العامة للبحوث العلمية والإفتاء
الرياض - المملكة العربية السعودية
الطبعة الأولى: ١٤٢٨ هـ - ٢٠٠٧ م
ح الرئاسة العامة للبحوث العلمية والإفتاء، ١٤٢٧ هـ
فهرسة مكتبة/الملك فهد الوطنية أثناء النشر
الشنقيطي، محمد بن محمد المختار
شرح زاد المستقنع - كتاب الطهارة/محمد بن محمد المختار
الشنقيطي - الرياض، ١٤٢٧ هـ
٤٤٦ ص ١٧×٢٤ سم
ردمك:×-٣٩٩ - ١١ - ٩٩٦٠
١ - الفقه الحنبلي - أ- العنوان
ديوي ٢٥٨.٤ - ٦٦٨٦/ ١٤٢٧
رقم الإيداع:٦٦٨٦/ ١٤٢٧
ردمك:×-٣٩٩ - ١١ - ٩٩٦٠
стр. 3
تنبيه مهم
أولاً: هذا الشرح أصله شرح زاد المستقنع في اختصار المقنع، والذي تمَّ بتوفيق الله، ومعونته في مسجد التنعيم بمكة، وتمَّ تسجيله، ثم فرغت الأشرطة بعد ذلك في مذكرات لم تستوعب جميع الشرح.
ثانياً: وبعد قراءة المذكرات تبين وجود الحاجة إلى تصحيحها نظراً إلى أن الشرح كان إلقاءاً، ولم يكن كتابة.
ثالثاً: تمت إعادة صياغة الجمل، والعبارات بما يتناسب مع الشرح الكتابي، وعليه فإن هذا التصحيح يختلف كثيراً عن الأصل المسجَّل، وقد أضيفت فيه بعض المسائل، وحذفت مسائل أخرى كما أضيفت بعض الأدلة، والفوائد التي يقتضيها الحال.
رابعاً: تعتبر هذه النسخة هي الوحيدة التي ينبغي إعتمادها، وجميع المذكرات السابقة ملغاة، فيما تمَّ تصحيحه، وإخراجه من هذه النسخة، وسيتمّ ذلك تباعاً بإذن الله حتى يكمل الشرح.
خامساً: هذه هي المراجعة الأولى، وستتلوها المراجعة الثانية بعد الإنتهاء من تصحيح جميع الشرح بإذن الله تعالى.
سادساً: على الاخوة عدم توزيع المذكرات السابقة لهذه المذكرة، أو إعتماد ما فيها إذا خالف هذه النسخة، أو ما بعدها من النسخ المصححة.
стр. 4
سابعاً: لا يفوتني أن أشكر الإخوة الذين قاموا بجهود عظيمة في تفريغ النسخة السابقة، وتوزيعها على طلبة العلم، وكذلك الإخوة الذين ساهموا في إخراج هذه النسخة سائلاً المولى أن يُعظِم أجرهم، وأن يتقبل منا، ومنهم.
وأسأل الله العظيم أن يجعله علماً نافعاً، وعملاً صالحاً خالصاً لوجهه الكريم، موجباً لرضوانه العظيم، إنه ولي ذلك، والقادر عليه، وصلى الله، وسلم، وبارك على خير خلقه، وآله، وصحبه أجمعين.
الراجي عفو ربه ومغفرته
له ولوالديه وللمسلمين
محمد بن محمد المختار بن محمد بن حبيب الله
إبن أحمد مزيد الجكني الشنقيطي
стр. 5
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
شرح مقدمة الكتاب
قال المصنف ﵀: [الحَمْدُ لله حَمْداً لا يَنْفدُ أَفضَلَ ما ينْبغي أَنْ يُحْمَد، وصلّى الله، وسَلّمَ على أفضلِ المُصْطَفين مُحمَّدٍ]:
الشرح:
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وصلى الله، وسلم، وبارك على خير خلق الله أجمعين وعلى آله الطيبين الطاهرين، وأصحابه أجمعين، ومن سار على نهجهم إلى يوم الدين، أما بعد:
فهذه مقدمة المصنف ﵀ لهذا الكتاب المبارك (أعني زاد المستقنع) إبتدأها ﵀ بقوله: [الحمد لله].
وهذه البدآءة من عادة أهل العلم ﵏ فإذا أرادوا التصنيف، أو الخطابة، أو الكتابة، صدّروها بحمد الله -جلّ وعلا-.
ودليلهم في ذلك الكتاب، والسُّنة، والإجماع.
أما دليل الكتاب: فإن الله ﵎ إستفتح كتابه المبين بقوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (١) فاستفتح أفضل الكتب، وأشرفها، وأجلَّها على الاطلاق، وهو القرآن بقوله : ﴿الحَمْدُ للهِ﴾.
стр. 6
قال بعض العلماء: في هذا دليل على أنَّه يُشرع إِستفتاح كتب العلم بحمد الله -جل وعلا-.
وأما دليل السُّنة: فإن النبي ﷺ إستفتح خطبه بقوله: (الحمدُ لله) وثبت ذلك عنه ﵊ في مواعظه المشهورة: كما في حديث عائشة ﵂ في قصة بريرة ﵂ حيث قالت: " فحَمِد الله، وأثنى عليه، ثم قال ".
فقولها: " فحمد الله " أي: استفتح كلامه، وخطابه للناس بحمد الله.
وأجمع العلماء ﵏ على مشروعية إِستفتاح الكتب، ونحوها بحمد الله -جل وعلا-.
والمناسبة في ذلك: أن الله -جل وعلا- هو المستحق للثّناء، وما كان العبد ليعلَم، أو يتعلّم لولا أنّ الله علّمه، وما كان ليفهم لولا أن الله فهّمه.
فاستفتح بحمد الله الذي شرّفه، وكرّمه بالعلم كما قال : ﴿عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ (١).
وقالوا: كما أن النبي ﷺ إستفتح الخطبَ بالحمد، فإنه يشرع استفتاح الكتب به؛ لأن الخطبة، والكتاب كلّ منهما هدفه واحد؛ وهو الدعوة إلى الله، فكما أنّ الراد من خُطبِه ﵊ توجيه الناس، ودلالتهم على الخير، فكذلك المراد من كتابة الكتب، وتأليف المؤلفات توجيه الناس، ودلالتهم على الخير، فلهذا كلّه شُرع استفتاح كتب العلم،
стр. 7
ورسائله، والخطب، والندوات، ونحوها مما فيه تعليم، وتوجيه بحمد الله؛ لما فيه من تعظيم الله -جلّ وعلا-، ولما فيه من الاعتراف بالجميل، والثّناء على الله العظيم الجليل.
قال المصنف ﵀: [الحَمْدُ لله]: الحمد في اللغة: الثَّناء، وقد أطبق على ذلك الأئمة، والعلماء في تعريفه اللغوي، ولذلك يقولون: حمدَ الشَّيءَ؛ إذا أثنى عليه.
والمراد بالحمد في إصطلاح العلماء: (الوصفُ بالجميلِ الاختياريّ على المنعم، بسبب كونه منعماً على الحامد، أو غيره).
فقولهم: (الوصف بالجميل الاختياريّ): المراد به: أن تذكر الصِّفة الجميلة في الإنسان، فإذا قلت مثلاً: محمد كريم، أو شجاع، أو فاضل فإنك تكون قد وصفته بالجميل فأنت حامد له، ومُثْنٍ عليه، وقولهم: (على المنعم) أي الذي أعطى النعمة، وهو الله تعالى وحده، والمخلوق بإذن الله تعالى، وبفضله.
فالصفات الجميلة تكون لله تعالى، فكلُّ صفاته جميلة جليلة سبحانه، وتكون للمخلوق بفضله سبحانه فإذا وصَفَ الله تعالى، وأثنى عليه بما هو أهله فقد حمده، وإذا وصَفَ المخلوقَ بما فيه من الصفات الحميدة، وأثنى عليه بها فقد حمده.
وقولهم: (بسبب كونه منعماً على الحامد، أو غيره) أي: أن الحمد لا يتوقف على وجود إحسان، وإنعام من الشخص المحمود على الحامد، ومن هنا خالف الحمدُ الشكرَ لأن الشكر ينشأ بسبب الاحسان، والنعمة، وصار
стр. 8
الحمد أعمَّ، فأنت تحمد من إتّصف بالصفات الجميلة بغضِّ النظر عن كونه أحسن إليك، أو أحسن إلى غيرك.
فأصبح الفرق بين الحمد، والشكر:
أنّ الشُّكر أعمُّ بالوسيلة التي يُعبّر بها، وأخصُّ من جهة السبب الباعث عليه.
والحمد أعمُّ من جهة السبب الباعث عليه، وأخصّ من جهة الوسيلة التي يُعبّر بها عنه.
فالحمد إنما يكون باللسان فهو أخصّ بالوسيلة التي يعبر بها عنه، والشُّكر أعمُّ منه؛ لأن الشكر يقع باللسان، وبالجنان، وبالجوارح.
أما باللسان فمنه قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ (١) لأنّ الحديث عن النِّعمِ شكرٌ للمُنعِمِ.
كذلك أيضاً يقع بالجنان: ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ (٢) أي: إعتقدوا أنها من الله، فمِنْ شُكْرك لنعمة الله أن تعتقد في قرارة قلبك أنّ الله أنعم بها عليك؛ وحده لا شريك له.
ويكون الشكر بالجوارح، والأركان فتشكره سبحانه بالعمل في طاعته، ومرضاته، ومنه قوله تعالى: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا﴾ (٣)، وتشكر المخلوق بالجوارح أيضاً؛ حينما تردُّ جميله بخدمته، وعمل ما يُحِبُّ.
فهذه ثلاثة أنواع من الشُّكر: الشكر بالجنان، وباللِّسانِ، وبالجوارح.
стр. 9
فتشكر بلسانك؛ فتثنى على الإنسان الذي أسدى إليك النّعمة بعد الله، وتشكر بجنانك، فتعتقد فضله، وتشكر بجوارحك، وأركانك بردّ الجميل إليه، أو فعل ما يردّ إحسانه إليه، وقد جمعها الشاعر بقوله:
أفادَتْكُمُ النَّعْماءُ منّي ثَلاثةً ... يَدِي ولساني والضَّميرَ المُحَجَّبا
فقوله: (يدي) أي: أشكركم بيدي، فأعمل في خدمتكم.
وقوله: (ولساني) أي: أشكركم بلساني، فأتحدّث بفضلكم.
وقوله: (والضَّميرَ المُحَجّبا) أي: أشكركم بقلبي، فأعتقد فضلكم.
أما بالنسبة للحمد فلا يكون إلا باللسان، ولكن من جهة السبب الحمد أعمّ من الشكر، فتحمد الإنسان سواء أنعم عليك بعد الله، أو لم ينعم تقول: فلان كريم، ولم يعطك شيئاً، ولكن رأيت فيه هذه الخصلة الطّيبة فأثنيتَ عليه، وحمِدتَه، إذاً فالحمد لا يستلزم وجود فضلٍ للمحمود على الحامد؛ ولكن الشكر إنما يكون بعد جميل، ونعمةٍ من المشكور، فلا تشكر إلا من أحسن، وأسدى إليك المعروف.
إذاً فالفرق بينهما أنّ بينهما العُموم، والخُصوص.
قوله ﵀: [الحمدُ للهِ حمداً لا يَنْفدُ]: أي أحمد الله ﵎ حمداً لا ينتهي.
قوله ﵀: [الحمد لله]: العلماء يقولون استفتح الله كتابه بالحمد لله؛ فاختار اسم الله، ولم يقل الحمد للكريم، أو للعظيم، مع أنه سبحانه عظيم، وكريم بلا شكٍ، ولكن تخصيص الاسم الدّال على الذّات أبلغ في الحمد، والثناء من ذكر الوصف؛ لأنك لو قلت الحمد للكريم؛ لأشعر أنك حمدته
стр. 10
من أجل أنه كريم، ولكن لما قلت الحمد لله، أثبت له الحمد لذاته فكان أبلغ.
قوله ﵀: [حَمْداً لا يَنْفدُ]: أي أحمده حمداً لا ينتهي، ولا ينقطع فالله هو المستحق للحمد الذي لا ينفد؛ لأن نعمه لا تنقطع، ولا تنتهى على العبد، وهو لا يستطيع عدّها فضلاً عن شكرها، والثناء على الله بما هو أهله.
قال ﵀: [أفضلَ ما يَنْبغي أنْ يُحمد]: قوله [أَفضلَ]: على وزن أفعل، والعرب تأتي بهذه الصيغة، وهي صيغة أفعل التفضيل، لتدلّ على أن شيئين، فأكثر إشتركا في شىء، وأن أحدهما أفضل من غيره فيه، والفضل في اللغة أصله الزيادة أي: أن هذا الحمد مع كونه لا ينقطع، ولا ينتهي كذلك هو بأفضل، وأحسن ما ينبغي أن يكون عليه حمده سبحانه.
قال ﵀: [وصلّى الله، وسلّم على أفضلِ الُمصْطَفِينَ مُحمَّدْ]: قوله ﵀: [وصلّى الله]: الصلاة تطلق في اللغة بمعانٍ:
منها: الصلاة بمعنى الدعاء، ومنه قول الشاعر:
تَقُولُ بِنْتِي وَقَدْ قَربْتُ مُرتحلاً ... يَاربِّ جَنِّب أَبِي الأَوصابَ وَالوَجَعَا
عَلَيكِ مَثْلُ الذِي صَلِّيتِ فَاغْتمِضِي ... عَيْنَاً فإن لجِنْبِ المَرْءِ مُضْطَجَعَا
يقول الشاعر: إن إبنتي حينما هيأتُ رحلي للسفر قالت هذا الدعاء: (يا ربِّ جنِّب أبي الأوصابَ والوجعا) أي: أنها دعت له بالسلامة، فقال ذلك الأب يجيبها: (عليك مثلُ الذي صلّيتِ)، أي: عليك مثل الذي دعوت
стр. 11
به فقوله: " مثل الذي صليت " أي: دعوت، وهو موضع الشاهد من البيت؛ أنه استعمل الصلاة بمعنى الدعاء، ومنه قول الحق ﵎: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ (١) أي إذا أعطوا الزكاة لك يا رسولنا فصلِّ على من أعطاها لك، ولذلك قال العلماء: يسن للإمام، أو نائبه الذي يلي أخذ الزكاة من الناس إذا أخذها منهم أن يدعو لهم بالبركة، والخير في أموالهم فقوله: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ أي: اُدعُ لهم؛ فالصلاة استعملت هنا بمعنى الدعاء.
ومن معاني الصلاة الرحمة، وهي من الله لعبده، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ (٢).
وصلاة الله على العبد رحمته، فالصلاة تطلق بمعنى الرحمة، ومنه قول الشاعر:
صَلى المَليْكُ عَلَى اْمرِئٍ وَدَّعتُهُ ... وَأَتم نِعْمَتَهُ عَلِيهِ وَزَادَهَا
أي: رحم الله ذلك العبد، أو ذلك الأخ الذي ودَّعتُه.
ومن معاني الصلاة في لغة العرب: البركة، والزيادة، وفُسّر به قوله ﵊ في صحيح البخاري، وغيره: [اللهمَّ صَلِّ على آل أبي أوفى]، قيل معناه: بارك لهم.
فهذه ثلاثة معانٍ للصلاة الدعاء، والرحمة، والبركة.
стр. 12
وقوله [وصلّى الله]: المراد به الرحمة، أي: رحم الله.
قوله ﵀: [وسلم على أفضل المصطفين محمد]: قوله ﵀: [وسلم] السلام: إما مأخوذ من السلامة من الآفات.
وإما أن يراد به التحية، قال بعض العلماء قول الإنسان: السلام عليكم؛ أي سلّمكم الله من الآفات، والشرور، وهي التحية، والسلام من السلامة، وهو إسم من أسماء الله جل وعلا قال تعالى: ﴿الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ﴾.
وجمع المصنف بين الصلاة على النبي ﷺ ، والسلام عليه؛ لأنّ ذلك أكمل.
قال بعض العلماء: (أدب الصلاة على النبي ﷺ أن يُجْمَع فيها بين الصلاة، والسلام عليه، عليه أفضل الصلاة والسلام) اهـ.
والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ فجمع له بين الصلاة، والسلام عليه أفضل الصلاة، والتسليم.
قوله ﵀: [وعَلى آلهِ، وأصْحابِه] قوله: [وعلى آله]: (الآل) تطلق بمعنيين: آل الرجل بمعنى قرابته؛ قالوا: لأن أصل آل أهل، وهو قول سيبويه، وأن الهاء في أهل أبدلت همزة؛ فقيل آل.
وتطلق بمعنى الأنصار، والأعوان، والأتباع، وشيعة الإنسان تقول: آل فلان: بمعنى أتباعه.
وهذا هو المراد بقول العلماء: (وعلى آله) أي: الذين آمنوا به، واتبعوه عليه الصلاة، والسلام، وليس المراد به خصوص قرابته، وهذا هو الصحيح ونصَّ عليه الإمام أحمد ﵀، وإختاره جمع من العلماء أن المراد بآل
стр. 13
النبي ﷺ الذين يُصلّى، ويسلم عليهم تبعاً للنبي ﷺ أتباعه في كل زمان، ومكان.
قوله ﵀: [وأصحابه]: جمع صاحب، وهو من الصُحبة بمعنى الملازمة، والرفقة، وفي الإصطلاح: (كل من رأى النبي ﷺ قبل موته، وآمن به)، وخصّهم ﵀ بالذكر لشرفهم، وحقهم في الإسلام حيث آمنوا بالنبي ﷺ ، وصدّقوه، وإتبعوه، وناصروه، ﵃، وأرضاهم أجمعين.
وقوله: [ومَنْ تَعَبّدَ]: من باب عطف الخاص على العام أي: أنه خصّ المتعبّدين أي: الذين هم أكثر عبادة، وصلاحاً أي خصَّ أهل الالتزام، والطاعة الأكثر، وهذا من باب التشريف، والتكريم.
وقوله: [تعبَّد]: تفعّلٌ من العبادة، والتَّفعل زيادة في المبنى تدلّ على زيادة المعنى، والتعبّد: مأخوذ من العبادة، والعبادة مأخوذة من قولهم: طريق مُعَبّدٌ أي: مذلّل؛ لأن أصل العبودية: الذِّلة؛ فإن الإنسان إذا عبد ربه تذلّل له سبحانه.
أما حقيقة العبادة في الاصطلاح فمن أجمع التعاريف لها ما اختاره بعض الأئمة ﵏: [أنها اسم جامع لكلِّ ما يُحبه الله، ويرضاهُ من الأقوال، والأفعال الظاهرة، والباطنة] أي سواء: كانت متعلقة باعتقاد كالإيمان بالله، والخوف منه، والرجاء فيما عنده، فهذه كلها عبادات من أعمال القلوب الباطنة، وكذلك تطلق العبادة على الأقوال الظاهرة التي يحبها الله تعالى، مثل: التَّسبيح، والتَّهليلِ، والتَّكبيرِ، والتَّحميدِ.
стр. 14
وكذلك تُطلق على الأفعال الظاهرة التي يحبها الله تعالى مثل: الصلاة، والزكاة، والصوم، والحج.
فالعبادة تشمل الإعتقادات، والأقوال، والأفعال؛ لكن بشرط أن تكون مما يحبه الله، ويرضاه، وشرط ما يحبه الله، ويرضاه: أن يكون مشروعاً؛ فلا يُعبد الله إلا بما شرع، ودل على كونه مشروعاً منه سبحانه دليل الكتاب، أو السنة، أو الإجماع قولاً كان، أو فعلاً، أو إعتقاداً.
وقوله ﵀: [أما بعد]: كلمة يُؤْتى بها للفصل بين المقدمة، والمضمون، فالكلام إذا خاطب به الإنسان غيره سواء كان مكتوباً، أو مسموعاً جرت عادة العلماء أنهم يصدرونه بالثّناء على الله -جل وعلا-، والصلاة، والسلام على نبيِّه، وآله على السُّنة التي ذكرناها، هذه الكلمات التي يُصدَّر بها الكلام تُوصف بكونها مقدمة، ثم بعد هذه المقدمة يُشرع في المقصود أي الأمر الذي يُرادُ بيانه، وهو الهدف من إلقاء الكلمة، أو كتابة الكتاب، ولا بد أن تَفْصِل بينه، وبين المقدمة، ولذلك قال بعض العلماء: إن كلمة (أما بعد): هي فصل الخطاب، قيل: إن أول من تكلم بها داود ﵇، وحملوا عليه قوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾ (١) قالوا بدليل قرنها بالحكمة، فيكون قوله سبحانه: ﴿وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾: أي الفصل بين مقدمته، ومضمونه، وذلك أبلغ في نفع الناس، وتوجيههم حتى لا يختلط الكلام بعضه ببعض، وهذا قول الشعبي، وطائفة
стр. 15
من المفسرين، والذي يظهر, والعلم عند الله أن فصل الخطاب هو علم القضاء، والفصل بين الناس في الخصومات، والنزاعات.
فقوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾ ليس المراد بقوله: ﴿وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾ أما بعد التي معنا، وإنما المراد به كما قال طائفة من العلماء معرفة الطريقة التي يُفْصَلُ بها بين خطاب الخصوم إذا تخاصموا؛ لأن الخصوم إذا تخاصموا إختلفت أقوالهم، وتباينت حججهم فيكثر كلامهم، وخطابهم ولغطهم؛ فيحتاجون إلى فصلٍ بينهم، فقوله سبحانه: ﴿فَصْلَ الْخِطَابِ﴾ المراد به: علم الفصل في الخصومات، ومن ذلك قولهم (البينةُ على المُدَّعِي، واليمينُ على من أَنْكر)، ومن فصل الخطاب أيضاً: أنه يترك المدعي حتى يكمل دعواه، ثم يسأل المدعى عليه، ولذلك لما لم يفعله داود ﵇، وحكم على الخصم قبل سماع جواب خصمه عن دعواه، فقال: ﴿لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ﴾ (١) عاتبه الله، ولذلك كان هذا من تعليم فصل الخطاب، فدلّ سياق الآية على أن المراد بفصل الخطاب ليس أما بعد التي معنا؛ وإنما المراد بها فصل الخطاب بين الخصوم، وهو الذي إمتن الله به على داود، وعلّمه إياه، فالحاصل أن الصحيح في الآية أنها لا يراد بها كلمة: أما بعد، وهذا لا يعني عدم مشروعيتها، بل إنها مشروعة، حيث ثبتت هذه الكلمة في الأحاديث الصحيحة عن النبي ﷺ ومنها ما في الصحيح عنه ﵊ من قوله: [أمّا بَعدُ: فَما بالُ أقوامٍ
стр. 16
يشترطون شروطاً ليست في كتاب الله؟] فكان يقول هذه الجملة، ولذلك من السُّنة أن تُقالَ بعد المقدمة.
وقد يُكرِّرها البعضُ فيقول: أما بعد، ثم يأتي بكلمة، ثم يقول: " ثم أما بعد " والذي يظهر الاقتصار على السُّنة أن يثنى على الله، ويحمده فإذا انتهى من الثناءِ، والحمدِ قال: أمّا بَعدُ، ودخل في المقصود، فتكرارها لا يحفظ له أصل؛ خاصة في خطب الجمع، ونحوها يقتصر على قوله: أمَّا بَعدُ مرةً واحدةً؛ لأنه هديه عليه الصلاة، والسلام، وسنته.
قال المصنف ﵀: [فهذا مُخْتصرٌ]: قوله ﵀ (هذا) إسم إشارة، وهناك حالتان:
الحالة الأولى: أن يُشار إلى شيءٍ موجود، فحينئذ لا إشكال؛ لأنه الأصل فيها أنها اسم إشارة تدل على شيء موجود، فتقول: هذا البيت، فإذا كان المصنف ﵀ قد كتب هذه المقدمة بعد فراغه من الكتاب، فحينئذ لا إشكال في إشارته بقوله (هَذا مُخْتَصرٌ)؛ لأنه موجود مكتوب.
والحالة الثانية: أن يشار بها إلى شيءٍ غير موجود من باب تنزيل المعدوم منزلة الموجود، فإذا كان المصنف ﵀ كتب هذه المقدمة عند إبتدائه لتصنيف الكتاب، فإنه يكون قد نزّلَ المعدومَ منزلةَ الموجودِ، وقد درج كثير من العلماء ﵏ على ذلك أعني كتابة المقدمة عند إبتداء التصنيف والتأليف؛ لا بعد الفراغ منه، وقد يصرح بعضهم بذلك فيقول: (هذا أوان الشروع فيه) ومنهم من يفهم منه ذلك حينما يقول في مقدمته (وأسأل الله أن يعين
стр. 17
على إتمامه)، وهذه الطريقة هي الغالبة بدليل أن الكتب، والشروح التي لم يتمُّها مؤلفوها كلها وجدت بمقدماتها.
وعليه فإن إشارته لكتابه على هذا الوجه بقوله (فهذا مختصر) يكون من باب تنزيل المعدوم منزلة الموجود؛ لأن الإختصار لم يحصل بعد، ولكنه قصد حصوله، واحتاج للتنبيه عليه؛ فنزلة منزلة الموجود أي هذا الكتاب الذي سأكتبه مختصر في الفقه.
قوله ﵀: [مختصر]: الاختصار ضد الإسهاب، وإذا خاطبت النّاس في خطبة، أو كتبت لهم كتاباً، أو أردت أن تتحدث في موضوع، فلك ثلاث حالات:
الحالة الأولى: أن يكون كلامك أكثر من المعنى، فالمعنى قليل، ولكن الكلام كثير.
الحالة الثانية: أن يكون كلامك أقلّ من المعنى، فالمعنى كثير، ولكن تأتي بكلمات قليلة تحتها معان كثيرة، وهذه الحالة عكس الحالة الأولى.
الحالة الثالثة: أن تأتي بكلام على قدر معناه.
هذه ثلاث حالات: إما أن تخاطب بكلام، ويكون معناه مساوياً، أو أكثر، أو أقل.
فإن كان الكلام كثيراً، والمعنى قليلاً؛ فإنه يُوصف بكونه إطناباً، ولذلك يقولون أطنب في الأمر، وهذا مذموم؛ إلا في حالات خاصة، فلا يكون إلا في خطاب ضعاف الفهم من الجهلة، والعوام الذين يحتاجون إلى شرح،
стр. 18
فتكون المعاني قليلة، ولكنها تُشْرح بكلامٍ كثيرٍ، أما إذا خاطب علماء، أو طلاب علم فالمنبغي أن يكون على إحدى حالتين:
الحالة الأولى: أن يخاطبهم بكلام مساوٍ لمعناه، وهو ما يسمونه بالمساواة.
والحالة الثانية: أن يخاطبهم بكلام مختصر دالٍ على معانٍ كثيرة، وهو ما يسمى بالإيجاز، والإختصار وهذه الحالة هي الأفضل إن ناسبت المقام، وقد عُدَّت من دلائل الإعجاز في كتاب الله، وسنة رسوله ﷺ حيث إن الله خصَّ نبيَّه عليه الصلاة، والسلام بها كما في الصحيح من قوله ﵊: [أوتِيتُ خَمْساً لم يُعْطَهنَّ أحدٌ قبلي]، وذكر منها
جوامع الكلم، وأنه اختُصر له الكلام إختصاراً.
فكم من آيات قليلة الكلمات، وتحتها من المعاني، والدلالات الكثير، كما في آية الوضوء التي ذكر الإمام ابن العربي ﵀ في تفسيرها في كتابه أحكام القرآن أن من العلماء من إستنبط منها ثمانمائة مسألة، وهكذا في أحاديثه ﵊ التي جعلت أصولاً، فجمعت مسائل كثيرة في كلمات قليلة يسيرة؛ كقوله ﵊ في الصحيحين: [إِنّما الأعمالُ بالنّياتِ]، ونحوه.
فقوله ﵀: (إِخْتَصرتُه) محمولٌ على الإيجاز، وأن الكلام قليل، والمعنى كثير، ومن عادة الفقهاء ﵏ في تصنيفهم للمتون الفقهية أن يراعوا فيها الإختصار، والإيجاز، بخلاف الشروح، والحواشي، والمطولات.
стр. 19
قوله ﵀: [في الفقه] بيان للعلم الذي ينسب إليه هذا المختصر؛ لأن المختصرات منها ما هو في علم العقيدة، ومنها ما هو في علم الفقه، ومنها ما هو في علم الأصول، أو اللغة، أو غيرها، فلما قال في الفقه بيّن العلم المصنّف فيه، وهو العلم الذي يريد إختصاره.
وقوله ﵀: (الفقه) الفقه لغة: الفهم، ومنه قوله تعالى حكاية عن نبيه موسى ﵇: ﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي (٢٧) يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ أي: يفهموا ما أقوله، ثم هذا الإستعمال للفقه بمعنى الفهم لغة فيه قولان: فقيل: إنّه الفهم عموماً، وقيل: إنّه الفهم للأمور الدقيقة التي تحتاج إلى إعمال فكر، وعناء، فلا يطلق على فهم الأمور الواضحة، وعلى هذا القول، فلا يصح أن تقول: فقهت أن الواحد نصف الإثنين؛ لأنه أمر واضح لا يحتاج إلى كبير عناء.
وعلى هذا يكون القول الأول: عاماً شاملاً لكل فهم، وعلى الثاني: يكون الفقه خاصاً بالفهم الذي يحتاج إلى إعمال فكر، وبذل جهد.
أما الفقه في الاصطلاح: فهو (العلم بالأحكام الشرعية، العملية، المكتسبة من أدلتها التفصيلية).
فقولهم: (العلم بالأحكام الشرعية)، العلم ضد الجهل، وحقيقته: إدراك الشيءِ على ما هو عليه، فإذا أدركت الشىء على حقيقته التي هو عليها؛ فقد علمته، أما لو أدركته ناقصاً عن حقيقته فإنك لم تعلمه.
و (الأحكام) جمع حكم، وهو في اللغة: المنع، والقضاء، والحكم: إثبات أمر لأمر، أو نفيه عنه، وله عدة تعاريف تختلف بحسب إختلاف أنواعه.
стр. 20
وقولهم: " إثبات أمر لأمر " مثاله: أن تقول زيد قائم أثبتَّ القيام لزيد هذا حكم حكمت عليه بالقيام، وقولهم: " أو نفيه عنه " أي تنفيه عنه فتقول مثلاً: زيد ليس بقائم؛ هذا حكم حكمت عليه بأنه ليس بقائم.
والحكم الشرعي في اصطلاح علماء الأصول: هو (خطاب الله المتعلق بأفعال المكلفين على جهة الاقتضاء، أو التخيير، أو الوضع).
وقولهم (الشّرعية) قيد يخرج الأحكام غير الشرعية كاللغوية، والعادية، والنطقية، وغيرها فهو يدل على أنها مختصة بالأحكام إذا كانت من الشرع فقط.
وقولهم (العملية) قيد يخرج بقيّة الأحكام الشرعية كالعقائدية؛ لأن العملية مختصة بالعبادات والمعاملات، فلا يدخل فيها ما كان متعلقاً بالعقائد؛ لأنه يبحث في كتبه المتخصصة فيه ككتب التوحيد والعقيدة.
وقولهم: (المكتسبة) أي: المستفادة التي حُصِّلت، واستفيدت.
وقولهم: (من الأدلة الشرعية) بيان لأصل الحكم، والأدلة الشرعية هنا عامة شاملة للأدلة النقلية، وهي: دليل الكتاب، والسنة، والإجماع، والأدلة العقلية كالقياس، والنظر الصحيح.
قوله ﵀: [منْ مُقْنِع الإمامِ الموفّق أَبي مُحمّدٍ]: قوله: [من]: للتبعيض، أي: أنه جعل كتاب المقنع للإمام الموفق أبي محمد ﵀ أصلاً لكتابه هذا، فاختصره منه.
والمقنع: كتاب للإمام الموفق أبي محمد عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة المقدسي- رحمة الله عليه- المتوفى عام ٦٢٠ هـ في يوم عيد الفطر هذا الإمام
стр. 21
الجليل ألّف كتاباً إسمه: عمدة الفقه، وهذا الكتاب صاغ فيه الفقه بأخصر عبارة، واعتبره الدرجة الأولى لطالب الفقه، ثم ألّف بعده كتاباً إعتبره درجة ثانية فوقه، وهو المقنع، وتوسّع فيه قليلاً عن العمدة.
ثم وضع كتاباً ثالثاً وهو الكافي، وذكر فيه الخلاف مختصراً للخلاف في داخل مذهب الحنابلة، وهو فوق كتاب المقنع.
ثم وضع كتابه المغني ذكر فيه خلاف الروايات، واختلاف الفقهاء، فجمع بين الخلاف داخل المذهب، وخارجه، وهو كتابه لمن أراد أن يتأهل لدرجة الاجتهاد، فهذه درجات وضعها هذا الإمام الموفق -رحمة الله عليه- في دراسة الفقه، وهذه عادة المتقدمين أنهم يضعون الفقه على مراتب، ولا يمكن لطالب العلم أن يضبط علم الفقه، ويكون فقيهاً بمعنى الكلمة إلا إذا ضبطه بهذه الطريقة، وهي التدرج في دراسته.
فالكتاب الذي معنا هو الدرجة الثانية، وهو كتاب المقنع، ويعتبر درجة ثانية بعد العمدة فليس من الصواب أن الشخص يبدأ بالمغني أولاً، دون أن يتأهل بدراسة ما قبله حتى يتسنى له ضبطه، وفهمه.
فالإمام الحجاوي -رحمة الله عليه- إختصر المقنع؛ فألغى منه مسائل، وأضاف مسائل، فسماه زاد المستقنع، فالأصل في هذا الكتاب أنه كتاب المقنع، أُضيفت إليه مسائل، وحُذفت منه أخرى.
قوله ﵀: [على قولٍ واحدٍ، وهُو الرَّاجِحُ في مذهبِ أحمدَ] قوله: [على قول واحد]: الفقهاء رحمة الله عليهم كانوا يكتبون الفقه على طريقتين:
стр. 22
الأولى: طريقة المذهب.
والثانية: وطريقة الخلاف بين المذاهب.
أما طريقة المذهب: فهي طريقة يُعتنى فيها ببيان المذهب على إحدى صورتين:
الصورة الأولى: تكون ببيان خلاصة المذهب، دون تعرض لخلافه، وهذه طريقة المتون، وهذا هو منهج الكتاب الذي معنا.
والصورة الثانية: أن يذكر الخلاف في المذهب فيقول: في المذهب ثلاث روايات، أو أربع، وهكذا فإذا ذكر الخلاف في المذهب: فإما أن يذكره عن الإمام بالروايات، والأقوال، وإما أن يذكره عن أصحاب الإمام بالأوجه.
إذاً فكتب المذهب إما أن تعتني بحسم المذهب، بذكر الخلاصة؛ وإما أن تعتني ببيان الخلاف داخل المذهب، فالمصنف ﵀ بيّن خلاصة المذهب، واختياره في كتابيه العمدة، والمقنع، وذكر الخلاف في الكافي، وذكره بإسهاب مقارناً بين المذاهب في المغني.
فإذا عرفنا أن هناك خلافاً في المذهب، وخلافاً بين العلماء ﵏ خارج المذهب، فبيّن ﵀ أنه في هذا الكتاب المختصر لا يذكر الخلاف داخل المذهب، ولا خارجه، وأنه سيذكر الخلاصة للمذهب فقط.
قوله ﵀: [ورُبّما حَذفتُ منه مسائلَ نادرةَ الوقوع]: قوله: [ربَّ]: للتقليل، وقد تستعمل بمعنى التكثير، ولكن الأصل فيها التقليل،
стр. 23
والحذف: يكون بقصد الاختصار، وقد يحذف لعدم وجود الحاجة الماسة للمسائل المحذوفة، فلذلك قال ﵀:
[ورُبّما حَذفتُ منه مسائلَ نادرةَ الوقوعِ]: النادر ضد الغالب، والنادر هو الأمر قليل الحدوث، والغالب عكسه؛ كثير الحدوث.
قوله ﵀: [وزدتُ ما على مثله يُعْتَمد]: أي أنني سأزيد بدل هذه المسائل التي حذفتها مسائل تشتد الحاجة إليها لكثرة وقوعها، أو أهمية دراستها.
وهذا الحذف، والزيادة من الإمام الحجّاوي ﵀، إختصاراً منه لمقنع الإمام الموفق أبي محمد رحمهما الله برحمته الواسعة.
قوله ﵀: [إذ الهِمَمْ قَدْ قَصُرت، والأسباب المثبطة عن نيل المراد قد كَثُرتْ] قوله: [إذ الهِمَمْ]: جمع همة، وهي إحدى مراتب الأمر إذا وقع في نفس الإنسان، ولا يمكن أن يقع الاهتمام بالأمر إلا بعد أن يحدّث نفسه به، فأولاً يكون الشيء في قلب الإنسان حديثاً، ووسواساً يخطر بالإنسان، وتُحدِّثه به نفسه فإذا حَدّثتهُ نفسه إهتم به، فإذا الهمُّ يكون بعد الخاطر، والهاجس، ويكون بمعنى تهيئ النفس للعزم على الشيء، ثم بعد ذلك يكون عزمها عليه، فبيّن ﵀ أن الهمم في زمانه قد ضعفت حتى إحتيج إلى المختصرات، تخفيفاً في الطلب، وتيسيراً للعلم، بعد أن كانت الهمّة في طلب العلم قويّة متعدية، لا تقف عند حدٍ، فأصبحت قاصرة ضعيفة تحتاج إلى ما يناسبها.
стр. 24
قوله ﵀: [والأسباب المثبطة عن نيل المراد قد كثرت]: الأسباب: جمع سبب، وهو في الأصل ما يتوصل به إلى الشيء، كالحبل، ونحوه.
والتَّثْبِيطُ: هو التخذيل عن الشيء، والمراد: ما يقصده الإنسان ويطلبه.
والمعنى: أن المصنف ﵀ أراد أن يبين ضعف الحال في طلب العلم فبعد أن كانت الهمم في الطّلب عالية، والأسباب المعينة عليه متوفرة تغيّر الحال، وإختلف، فأصبح على عكس ذلك، مما إقتضى وضع ما يناسب حال الناس من مختصرات تقرّب العلم، وتسهل الوصول إليه؛ مراعاة لضعف حال الناس في طلب العلم، ثم إن الإنسان يضعف عن الخير بأمرين:
الأمر الأول: من نفسه.
والأمر الثاني: خارج عن نفسه.
فأشار إلى الأمر الأول بقوله: (إذِ الهِمَمْ قَدْ قَصُرتْ) وأشار إلى الثاني بقوله: (والأسبابُ المثبّطةُ عن نيلِ المرادِ قدْ كَثُرتْ).
قوله ﵀: [ومع صِغرِ حَجْمهِ حَوى ما يُغنيِ عَنِ التطويل]: قوله: [حوى ما يغني عن التطويل] والغناء المراد به الكفاية هذا يغنيني أي: يكفيني، وقد تستعمل مادته بمعنى حسن الصوت، ومنه التغني وحمل عليه قوله ﵊: (مَنْ لم يَتَغَنّ بالقرآنِ فَليسَ منّا)، وقد تستعمل بمعنى الإقامة: ومنه قوله تعالى: ﴿كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ﴾ (١) أي: لم تقم بمكانها.
стр. 25
والتطويل المراد به هنا كما ذكرنا الإسهاب، ومراده ﵀ أن يبيّن أن إختصاره لم يكن مُخِلاً بالكتاب، بل كان مناسباً.
ويرد هنا إشكال، وهو أن: العلماء ﵏ في بعض الأحيان يذكرون عبارات فيها ثناء على كتبهم، أو بيان لفضل هذه الكتب، والمؤلفات، وهذا يتضمن التزكية، والمدح للنفس، وقد ثبت في الشرع النهي عن تزكية النفس أليس ثناؤه على كتابه من باب التزكية، والمدح؟ هذا إشكال، ويحتاج إلى جواب؟
والجواب: أن التزكية، والثناء على النفس لها حالتان:
الحالة الأولى: أن تتضمن الإدلاء على الله، والعُجْبَ بالنفس، والإغترار بها، والعياذ بالله فهذا نسأل الله السلامة، والعافية هو المحرّم، ولا يجوز؛ كأن يُثني الإنسان على نفسه بكثرة علم، وعبادة مغتراً، ومتعالياً، وقد عاتب الله -جل وعلا- موسى ﵇ لما ذكر علمه، وهو عالم، ولم يكن ذلك منه تفاخراً كما ثبت في الصحيح، فكيف بمن فعل ذلك تفاخراً، وبيّن الله في كتابه أنّ الذين عذبهم، وأهلكهم من شأنهم أنهم فرحوا بما عندهم من العلم، حتى حاق بهم ما كانوا به يستهزؤن.
الحالة الثانية: التَّزكية على سبيل معرفة الحق، والترغيب فيه، فمثلاً يقول: تعلمت هذا العلم من العلماء، أو أفتيتك بهذه الفتوى من العلماء، أو هذا الأمر الذي ذكرته لك من الكتاب، والسُّنة، فتثني على علمك حينما ترى إستخفاف الناس به، أو تريد حملهم على العمل بالحقِّ، والسُّنة، فهذا فَعَلَهُ الصحابة ﵃، كما قال أنس ﵁ في الحديث الصحيح
стр. 26
[ما تعدُّوننا إلا صبياناً، لقد كنت تحت ناقة النبي ﷺ يمسُّني لعابها أسمعه يقول: لبيك عمرةً، وحجةً] وقال أبو العباس سهل بن سعد الساعدي ﵁ كما في صحيح البخاري: [ما بقي أحدٌ أعلمَ بمنْبرِ النبي ﷺ منّي] فهذا نوع من الثناء على نفسه بالعلم حتى يُقدَّر قدرُه.
فأجاز العلماء أن يثني الإنسان على نفسه لمعرفة قدره؛ كما قال سبحانه حكاية عن نبيِّه يوسف ﵇: ﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ (١) فإذاً إذا كان الإنسان عنده حقٌّ وعلم فبيّن نعمة الله عليه من باب معرفة قدره فإنه لا حرج عليه، فهذا من باب الترغيب في قبول الحق، والعمل به، ونرجو ألا يكون من باب التزكية، والثّناء المذموم شرعاً.
قوله ﵀: [ولا حول ولا قوة إلا بالله]: للعلماء فيها وجهان:
الوجه الأول: منهم من يقول لا حول: أي لا تَحوُّل من حالٍ إلى حالٍ، ولا قوة على ذلك التحول ولا بلاغ إلا بالله، فأصل الحول من التغير، والتبدل، ولذلك يطلق على السَّنة؛ لأن الغالب أن الإنسان إذا مرّتْ عليه سنة كاملة تحوّل حاله، وتغيّر فيمرض، ويصح، ويغنى، ويفتقر، ويهلك ماله، ويزيد إلى غير ذلك من العوارض، فالحول مدة ليست يسيرة.
وعلى هذا المعنى يكون قولهم لا حول أي: لا تحوّل من حال شر إلى حال خير إلا بالله العلي العظيم.
стр. 27
الوجه الثاني: لا حول في دفع ضُرٍّ، ولا قوة في بلوغ خير إلا بالله، فالله -جل وعلا- منه الحول، والطول، والقوة، ولذلك ثبت في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ أنه لما سمع المؤذنَ يقولُ: حيَّ على الصلاةِ، حيّ على الفلاح قال: [لا حَوْلَ، ولا قُوةَ إِلا بالله] قال بعض العلماء: مناسبته أنه بَرِأَ من الحول، والقوة في إجابة داعي الله؛ إلا بعد توفيق الله -جل وعلا- ومعونته، فقد يكون الإنسان راغباً في حضور الصلاة، وأدائها، ولكن يُحالُ بينه، وبينها بسقمٍ، أو مرضٍ، وقد يحال بينه، وبينها بتأخرٍ، أو تقاعسٍ فلا حول للإنسان، ولا قوة في بلوغ الخير إلا بالله -جل وعلا-، وهكذا في دفع الشَّر، وهذه الكلمة كنز من كنوز الجنة كما ثبت في الحديث الصحيح عنه ﵊.
قوله ﵀: [وهو حَسْبُنا]: وهو: أي الله، الحسب: الكفاية، حسبي: كفايتي، حسبنا: جاء بصيغة الجمع التي تشمله، وتشمل السامع، والقارئ، والمؤمنين المتوكلين عليه سبحانه، وهو حسبنا أي: كافينا.
قوله ﵀: [ونِعْمَ الوكيلُ]: ثناء على الله -جل وعلا-، والوكيل: هو القائم على الشيء، المتوكل عنه، والله خالق كل شىء، وهو على كل شيء وكيل، فهو القائم على كل نفس، وهو المتوكل بكل نفس ، وبكل شىء، فهو حسبنا في بلوغ هذا الأمر الذي رسمناه، والمنهج الذي ذكرناه.
قوله ﵀: [ونِعْمَ الوكيلُ]: أي نعم من يُتَوكّلُ عليه، أو يُوْكَل إليه الأمر.
стр. 28
وهذه المقدمة فيها فوائد: نجملها فيما يلي:
أولاً: الثناء على الله ، واستفتاح الكتب بذلك، وفي حكمها الخطب، والمواعظ ونحوها.
ثانياً: الفصل بين مقدماتها، ومضامينها.
ثالثاً: أن تكون هذه المقدمة مشتملة على التعريف بالكتاب، وبيان منهج المؤلف فيه، وفي تقسيم مادته، وترتيبها.
هذه فوائد يستفيد منها طالب العلم في البحث، وكتابة رسالة، أو موضوع، ثم خَتْمُ ذلك بالثناء على الله -جل وعلا- وسؤاله المدد، والعون.
فلذلك ينبغى لطالب العلم أن يستفتح مقدمته بالثناء على الله ، ويختمها أيضاً بسؤال الله المعونة، والتوفيق.
ونسأل الله العظيم، رب العرش الكريم، أن يجزي هؤلاء الأئمة، وإخوانهم من علمائنا خير ما جزى عالماً عن علمه، اللهم أسبغ عليهم واسع الرحمات، وإجعل لهم جزيل المغفرات، وعلو الدرجات، وألحقنا بهم على أحسن ما تكون عليه الخاتمة، والممات؛ إنك عل كل شيء قدير، وبالإجابة جدير، والله تعالى أعلم.
стр. 29
كتاب الطهارة
قال المصنف ﵀: [كتاب الطهارة]: الكلام عن هذه الجملة في موضعين:
الموضع الأول: في بيان معنى قوله: كتاب الطهارة.
والموضع الثاني: في بيان مناسبة تقديم كتاب الطهارة، وجعله في إبتداء هذا الكتاب.
قال المصنف ﵀: [كتاب الطهارة]: الكتاب مصدر مأخوذ من قولهم: كَتَبَ الشيءَ يَكْتُبه كتْباً، وكِتَابةً، وأصل الكَتْبِ في لغة العرب: الضَّمُ، والجمع، ومن ذلك قولهم: تَكتّبَ بنو فلان؛ إذا إجتمعوا.
قال العلماء: سمي الكتاب كتاباً لاجتماع حروفه، وإنضمام كلماته بعضها إلى بعض.
قوله: [الطَّهارة]: الطهارة في لغة العرب: النّظافة، والنّقاء من الدَّنس يقال: طَهُرَ الشيء بفتح الهاء، وضمِّها، يَطْهُر بالضم، طَهَارةً؛ إذا كان نقياً من الدنس نظيفاً.
وأما في اصطلاح العلماء ﵏: فهناك عدة تعاريف منها ما أشار إليه المصنف ﵀ بقوله: (ارتفاعُ الحدثِ، وما في معناهُ، وزوالُ الخَبثِ) وسيأتي بيان المراد بهذا التعريف في موضعه.
وعرّفها بعضهم بقوله: [صفة حكمية توجب لموصوفها جواز استباحة الصّلاةِ به، أو فيه، أو له].
стр. 30
فقولهم: [صفة حكمية]: يدل على أن الطهارة من الأوصاف المعنوية، وهي الأوصاف غير المحسوسة، فإنها ليست كالطول، والقصر أوصافاً محسوسة مشاهدة في الموصوف، فأنت إذا قلت فلان متطهر فإن وصفك له بالطهارة ليس بشيء محسوس نراه عليه، بل هو متعلق بالمعاني كالعلم، والشجاعة، ونحوها من الأوصاف الحكمية المعنوية.
وقولهم: [تُوجِبُ] بمعنى: تثبت.
وقولهم: [لموصوفها] أي: للشخص الذي يُوصف بها.
وقولهم: [جواز استباحة الصلاة] أي: الحكم بحلِّ الصلاة، وعليه فإنها تفيد الحلّ لا الوجوب، ولا غيره فمن تطهر حلّ له أن يصلي، ولم يلزمه ذلك، وثبوت هذا الوصف في حقه لا يستلزم منه فعل الصلاة، ومن هنا عبّر بالجواز المقتضي لمطلق الإباحة، والإذن بالشيء، دون لزومه على من إتصف به، ومثل الصلاة الطواف بالبيت، ونحوه مما تُشْترط له الطهارة؛ كلمس المصحف.
وقولهم: [به، أو فيه، أو له] إشارة إلى ثلاثة أمور لا بد من توفرها للحكم بصحة الصلاة، وهي طهارة: البدن، والثوب، والمكان.
فالمصلي لا بد له من تحصيل الطهارة في هذه الثلاثة الأمور في بدنه، وهو المُعبَّر عنه بقولهم: [له] وفي مكانه، وهو المُعبَّر عنه بقولهم: [فيه]، وفي ثوبه وهو المُعبَّر عنه بقولهم: [به] وهذا جمع التعريف بين نوعي الطهارة، وهما: طهارة الحدث، والخبث، وقد أشار إلى طهارة الحدث بقوله: [جواز استباحة الصلاة] لأن هذا الجواز لا يكون إلا بعد تحصيل الطهارة
стр. 31
من الحدث، وأما طهارة الخبث فقد أشار إليها بقوله: [به، أو فيه، أو له] فجمع أنواع طهارة الخبث في المواضع الثلاثة: وهي الثوب، والبدن، والمكان.
وهذا التعريف لا يعارض التعريف الذي ذكره المصنف ﵀ كما سيأتي، بل معناهما واحد، وإن كانت ألفاظهما مختلفة، كما سيتضح عند شرحه، وبيانه بإذن الله تعالى.
وبعد ذكر معنى الطهارة في اللغة، والاصطلاح فإنه يرد السؤال: لماذا بدأ المصنف ﵀ كتابه الفقهي بالطهارة؟
والجواب: أن الفقه منه ما هو متعلق بالعبادات: كالصلاة، والزكاة، والصوم، والحج؛ ومنه ما هو متعلق بمعاملة الناس بعضهم مع بعض: كالبيع، والنكاح، والجناية.
فأجمع العلماء على تقديم العبادة على المعاملة فيقدمون أبواب الصلاة، والزكاة، والصوم، والحج على سائر أبواب المعاملات؛ والسبب في ذلك: أن العبادة هي الأصل، ولذلك قال النبي ﷺ : [ليكُنْ أولَ ما تدعُوهمْ إِليه شَهادةُ أنّ لا إله إلا اللهُ، فإنْ همْ أَطاعُوك لذلك؛ فأَعلمْهم أن الله افترضَ عليهم خمسَ صلوات في كلِّ يومٍ، وليلةٍ] فقدَّم الصلاة، وجعلها بعد الشهادتين، ولذلك درج العلماء من المحدثين، والفقهاء على استفتاح كتب الحديث، والفقه بكتاب الصلاة من هذا الوجه، وقدّم الطهارة على الصلاة؛ لأنها مقدمة عليها، وتسبقها كما أشار الله تعالى إلى ذلك بقوله سبحانه:
стр. 32
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ (١) فأمر كل من قام إلى الصلاة أن يتطهر قبل فعل الصلاة، وبناءً على ذلك قُدّم الكلام على الطهارة على الكلام عن الصلاة، وبعبارة علمية كما يقول العلماء: الطهارة وسيلة، والصلاة مقصد، والقاعدة: أن " الكلامَ على الوسائلِ مقدّمٌ على الكلامِ على المقاصدِ ".
فتقرر بهذا أن يُبدأ ببيان أحكام الطهارة، ثم يثنَّى بعد ذلك ببيان أحكام الصلاة.
وبيان أحكام الطهارة يستلزم بيان ما يتطهر به، والصِّفة التي تحصل بها الطهارة.
وبيان ما يُتَطهر به مُقدّمٌ على بيان الصِّفة؛ لأنها (لا تحصل) إلا بعد وجوده.
وما يُتَطهر به في الشرع: إما أن يكون أصلاً، وهو الماء، وإما أن يكون بدلاً عنه، وهو التراب في طهارة الحدث، وكل طاهرٍ مُنق في الإستجمار في طهارة الخبث.
ولا شك أن البداءة ستكون بالأصل، ثم يُثنّى ببيان بدله بعده، وعليه فقد إعتنى الفقهاء ﵏ في كتاب الطهارة بالبداءة بأحكام المياه، وهذا هو الذي درج عليه المصنف ﵀ بعد بيانه لتعريف الطهارة فقال ﵀: [وهي: إِرتفاع الحدثِ، وما في معناهُ، وزوالُ الخَبثِ].
стр. 33
قوله ﵀: [وهي إِرتفاع الحدث] الضمير عائد إلى الطهارة.
وقوله: [إِرتفاع] مصدر إرتفع ليطابق المُفَسِّر للمُفَسَّر في اللزوم.
وقوله ﵀: [الحدث] مأخوذ من قولهم: حَدَثَ الشَّيءُ إذا جدَّ، وطرأ، ومنه الحديث، وهو الجديد.
وأما في اصطلاح العلماء ﵏: فإن الحدث: [صفةٌ حكمية تُوجبُ منعَ موصوفِها من استباحةِ الصلاةِ، ونحوها من العبادات التي تُشْترطُ لها الطّهارةُ]، ومن أهل العلم ﵏ من عرَّفه بقوله: [ما أوجب وضوءاً، أو غسلاً] فشمل كلا التعريفين الحدث بنوعيه: الأصغر، والأكبر.
وعلى هذا فالمراد بقول المصنف ﵀: (إرتفاع الحدث) زوال الوصف الحاصل بالحدث المقتضى للمنع مما تجب له الطهارة.
وقوله ﵀: [وما في معناه] معطوف على ما قبله فيكون التقدير: (وإِرتفاع ما في معناه) والضمير في (معناه) عائد إلى إرتفاع الحدث، وقيل: إلى الحدث، والذي في معنى الحدث غسل الميت، والنوم، والغسل المستحب، وتجديد الوضوء، فهذه كلها ليست بأحداث حقيقية، وشرعت من أجلها الطهارة فهي طهارة شرعية لا ترفع حدثاً حقيقياً وإنما ترفع ما هو في حكم الحدث من جهة التعبّد، فالغسل من تغسيل الميت عند من يقول به، فإنه يرى أن من غسّل ميتاً لزمه الغسل، وتغسيل الميت لم يوجب حدثاً، وإنما هو تعبّديٌ أمر الشرع به؛ فنزل منزلة الحدث، وكذلك النوم ليس بحدث حقيقي، ولكنه مظنّة الحدث؛ فنزل منزلته، وأخذ حكمه؛ وهكذا بقية المذكورات.
стр. 34
وقوله ﵀: [وزوال الخبث] زوال الشيء ذهابه، والخبث: هو النجاسة، وزوالها يكون عن البدن، والثوب، والمكان، وبهذه الطهارة يستبيح المصلي العبادة بطهارة بدنه من الحدث، وطهارته من الخبث في ثوبه، وبدنه، ومكانه الذي يصلي فيه.
قوله ﵀: [المياه ثلاثة] المياه جمع ماء، وجمعها ﵀ لتعدّدها، واختلاف أنواعها.
وقوله ﵀: [ثلاثة] وهي: الطهور، والطاهر، والنجس، وهذا هو مذهب جمهور العلماء ﵏ من المالكية، والشافعية، والحنابلة في المشهور.
وذهب الحنفية ﵏ إلى أن الماء قسمان: طاهر، ونجس، وأنه لا فرق بين الطهور، والطاهر.
وما ذهب إليه الجمهور هو الراجح في نظري والعلم عند الله، وذلك لما يلي:
أولاً: دليل الكتاب في قوله : ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾، ووجه الدلالة: أن الله وصف الماء الباقي على أصل خلقته بقوله: ﴿طَهُورًا﴾ أي: أنه طاهر في نفسه مُطهِّرٌ لغيره فأصبحت فيه صفة زائدة على صفة الطهارة الأصلية فيه، وهي كونه: مطهراً لغيره، وقد دلّ على ذلك قوله سبحانه: ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ فلما وصف ماء السماء في هذه الآية بوصف زائد على وصف الماء الأصلي فيه من كونه يُطَهِّر دلّ على صحة ما ذكره الجمهور من أن الطّهور فيه معنى زائد، وهو كونه مطهراً لغيره ففارق الطاهر، والقرآن يفسّر بَعضُه بعضاً، فيكون
стр. 35
معنى قوله في الآية الأولى ﴿طَهُورًا﴾ ما ورد في الآية الثانية من قوله سبحانه: ﴿ليُطَهِركُمْ بِهِ﴾، وهذا هو معنى قول بعض الفسرين إن قوله سبحانه: ﴿طَهُورًا﴾ فيه زيادة في المبنى إقتضت أن يكون طاهراً مطهراً كما يقوله الإمام القرطبي ﵀، ويكون تعريف الجمهور للطّهور بأنه: هو الطّاهر في نفسه المطهر لغيره مستنبطاً من هذا الدليل الشرعي.
ثانياً: حديث أبي هريرة ﵁ أنّ رجلاً سأل النبي ﷺ فقال: يا رسولَ اللهِ إنَّا نركبُ البَحْر ومعنا اليَسيرُ من الماءِ إِنْ تَوضّأنا بهِ عَطِشْنا؛ أفنَتوضّأ بماءِ البَحْرِ؟ فقال ﷺ : [هو الطهُورُ مَاؤُه، الحِلُّ مَيْتتُه].
ووجه الدلالة من وجهين:
الأول: أن الصحابة ﵃ سألوا عن ماء البحر، مع أنه ماء في ظاهره، فلم يكتفوا بذلك، فدلّ على أنهم كانوا يعرفون أنه لا يُتوضّأ بكلِّ ماءٍ، وأنه لا بد من ماء مخصوص، وهو الباقي على أصل خلقته الذي لم يتغير، والبحر ماؤه طاهر متغيّر، فظنّوا أن هذا التغيّر مؤثر في طهوريته، ولم ينكر عليهم ﵊ سؤالهم على هذا الوجه الدّالِ على التفريق بين نوعي الماء الطَّهورِ، والطَّاهرِ، وإنما بيّن لهم أن ماء البحر لا زال طهوراً وأَن تغيُّرَهُ بالقرار لا يؤثر في طُهُورِيّته، وهو ما يستفاد من قوله في جوابهم: [هو الطَّهور].
стр. 36
الوجه الثاني: في قوله: [هو الطَّهُورُ]، ولم يقل الطّاهر إشارة إلى الفرق بينهما حيث إختار صيغة فعول الدّال على زيادة المعنى فيه على غيره ليبيّن أنه ليس كالطاهر كما قدمنا في دليل الكتاب.
قوله ﵀: [طَهُورٌ: لا يرفعُ الحدثَ، ولا يُزيلُ النَّجِسَ الطارئَ غيَرُه]: بدأ ﵀ بالطَّهور؛ لأنه الأصل في الماء فهو الباقي على أصل خلقته، وكلّ من الطاهر، والنَّجِس يحصل بتغير الطهور، فإن تغير الطهور بشيء طاهر صار طاهراً، وعكسه النجس، فصار الطهور أصل المياه من جهة بقائه على أصل خلقته، دون تغيّرٍ، ودل على ذلك قوله : ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ ومن أمثلته: ماء السماء، والبئر، والنهر، والعين، والسّيل، والبحر.
فأما ماء السماء: فإنه هو أصل الماء كما قدمنا، وقد نصّ الله تعالى على طَهُوريتِه، ثم هو إما أن يستقر في الأرض، وإما أن يجري على وجهها.
فأما المستقر في الأرض فإنه باقٍ على الأصل من طهوريته كما قال : ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ﴾ فإن خرج بنفسه من جوف الأرض، كماء العيون؛ فهو طهور إعتباراً لأصله، وإن أخرجه الإنسان كماء البئر فهو طهور أيضاً، ولذلك قال ﷺ في ماء بئر بضاعة: [إِن الماء طَهورٌ، لا يُنَجِّسُهُ شَيءٌ] فدلّ على ما قدمنا من البقاء على الأصل من طهورية ماء السماء إذا إستقر في الأرض، سواء خرج بنفسه كماء العيون، أو أخرجه المكلف؛ كماء البئر.
стр. 37
وأما ما يجري على وجه الأرض بعد نزوله من السماء، فإنه ماء السماء، وهو باقٍ على الأصل أيضاً، ويشمل ماء السيل، والنهر، وماء البرد، والثلج إذا ذابا، وقد بيّن النبي ﷺ صلاحيتهما للغسل، وحصول الطهارة هما في قوله: [واغْسِلُه بماءٍ، وثلج، وبَرَدٍ] فألحق الثلج، والبرد بالماء الطهور في كونهما تحصل بهما الطهارة، وكل من ماء السيل، والنهر باقٍ على الأصل فيهما أنهما من ماء السماء الذي نصّ الله على طهوريته، وكونهما جاريان لا يسلبهما وصف الطهورية، وهكذا بالنسبة لتغيّرهما بلون الأرض؛ لأنه تغيّر بما يشقُّ صَونُ الماء عنه، وذلك لا يسلبه الطّهورية.
وأما ماء البحر فقد نصّ ﵊ في حديث أبي هريرة ﵁ الصحيح أنه طهور بقوله: [هو الطهُورُ مَاؤُه]، وفيه خلاف ضعيف عن بعض الصحابة ﵃ لا يؤثر، حيث نصّت السنة على طُهوريّته، ولعلّ من خالف لم يبلغه الحديث، وقد جمع المصنف ﵀ وصف الطهور في أمرين:
الأول: منهما تعبّدي؛ أي أنه متعلق بالعبادة، وهو قوله: [لا يرفعُ الحدث، ولا يزيل النجسَ الطاريء غيرُه].
والثاني: طبعي؛ حيث وصفه بكونه باقياً على أصل الخلقة في قوله: [وهو الباقي على خلقته].
فقوله ﵀: [لا يرفع الحدث] تقدم أن الحدث كل ما أوجب وضوءاً، أو غسلاً، فشمل نوعين: الأكبر: كالجنابة، والحيض، والنفاس، والأصغر
стр. 38
كالبول، والغائط، والريح فهذه كلها أحداث، وإزالتها تكون باستعمال الماء الطّهور على الوجه المعتبر شرعاً.
فلا تحصل طهارة الوضوء، ولا الغسل إلا بالماء الطهور، وهذا معنى كونه لا يرفع الحدث، وهكذا الحال في طهارة الخبث التي أشار إليها بقوله ﵀: [ولا يُزيلُ النَّجِسَ الطاريءَ غَيرُه] فإزالة النجاسة من البدن، والثوب، والمكان لا تحصل بغير الطهور من المياه، ولا بغيره من المائعات، لما قدّمنا من دلالة النصوص الشرعية.
وقوله ﵀: [النَّجِسَ الطّاريء] التفريق بين النجاسة العينية، وغيرها فالنجاسة العينية لا تقبل التّطهير بحال، وذلك مثل: نجاسة الميتة، والخنزير؛ فهي نجاسة ذاتٍ، وعينٍ، فلو غُسلت الدّهر كله لم تَطْهُر، فهذا النوع يوصف بكونه نجساً، وأما غيره مما تطرأ عليه النجاسة؛ فيكون أصله طاهراً كالثوب، والفراش، ونحوه، ويوصف بكونه متنجساً لأن الأصل طهارته، والنجاسة طارئة عليه، يمكن إزالتها، فهذا هو الأصل، أنه يفرّق بين النّجس، والمُتنجِّس، وقد يُتسامح فيعبّر بالنّجس عن المُتنجِّسِ، وبهذه العبارة بيّن المصنف ﵀ أن الذي يقبل التطهير هو المُتنجّسُ، وهو الذي طرأت عليه النّجاسة دون النّجس العيني الذي لا يمكن تطهيره بحالٍ، كما قدمنا.
قوله ﵀: [فإن تغيّر بغيرِ مُمازِجٍ] بعد أن بيّن ﵀ الأصل في الطهور شرع في بيان أحكام تغيّره، وإنتقاله عن ذلك الأصل، وهذا يستلزم بيان المسائل المتعلقة بما يُلقى في الماء، سواء غيّره، أو لم يغيِّره.
стр. 39
فبدأ ﵀ بالأخفِّ، وهو الذي لا يسلب الطهورية، ولكنه يوجب الحكم بكراهة إستعمال الماء، وهو الذي لا يمازج الماء كالدُّهن، ونحوه فقال ﵀:
[فإن تغيّر بغيرِ مُمازِجٍ]: أشار بهذه العبارة إلى أن التغير نوعان: إما أن يكون بممازج للماء، أو يكون بغير ممازج، وهذا يستلزم معرفة حقيقة الممازجة أولاً؛ ليمكن التفريق بين الحالتين.
فأما الممازجة فحقيقتها إختلاط الشيئين ببعضهما؛ حتى لا يمكن أن يفرق بينهما، بحيث يصيرا كالشيء الواحد، ومن أمثلته في الطاهرات: أن يُلقَى الحبرُ في الماء الطهور، فإنه بمجرد طرحه فيه يمتزج بالماء حتى يصيرا كالشيء الواحد لوناً، وطعماً، ومثاله في النجاسات: البول فإنه إذا ألقى في الطَّهور إمتزج معه، وخالطه فتجد رائحة البول، وطعمه، ولونه في الماء ظاهرةً.
فهذا النوع من الممازجهَ لا إشكال فيه، وهو ينقل الماء الطهور إما إلى طاهر، وإما إلى نجس؛ أي بحسب ما ألقي فيه، ومن هنا قيل: [الماءُ إِن تَغيّر أخذَ حكمَ ما غَيّره].
ومثل هذا لا يُبْحث في الطّهور لأنه موجب للحكم بتغيّره، إلا ما كان من المسائل مستثنى مثل الحالات التي توجب المشقة، والتي سينبه عليها ﵀ بعدُ، والذي يبحث هنا هو ما حُكِمَ ببقائه على أصل الطّهورية، وهو ما لم يتغيّر، ومن هنا إختار المصنف ﵀ صوراً من التغيّر لا يُحكمُ فيها بانتقال الماء من الطّهورية، إلا أنه محكوم بكراهية إستعمال الماء فيها، وهي وسط بين الباقي على أصل الطهورية، وبين المتغيّر حقيقة، ومثل هذه الحالة
стр. 40
مذهب بعض علماء الأصول أنها تأخذ حكم المكروه؛ فالحكم بكراهته من جهة توسّطه بين الطهور الباقي على الأصل، والمتغيّر الخارج عن الأصل؛ سواء كان تغيّره بطاهر، أو نجس، وهذا أصل عند طائفة من علماء الأصول؛ وبُني عليه الحكم الفقهي عند من يختار هذا القول، وله نظائر كثيرة، ومنها: مسألة مساواة الإزار للكعبين فهي وسط بين الحلال، والحرام فكرهت عند من يقول بكراهتها.
قال ﵀: [فإنْ تغَيّر بغيرِ مُمازج؛ كَقِطع كَافُورٍ] أي: إذا وضع في الماء الطهور قطع الكافور، فغيّرته فإن هذا التغيّر حصل بغير ممازج؛ لأن قطع الكافور الجامدة لا تتحلّل في الماء كالممازج، والكافور هو الطيب المعروف، وفي حكمه ما كان مثله: كعود القماري، والقطران، والزّفت، ونحوها.
قوله ﵀: [أو دُهْنٍ] الدُّهن بجميع أنواعه لا يتحلل في الماء كالسَّمْنِ، والزيوت فإذا وقعت في الماء صارت فوقه، ولم تمتزج به، ومن هنا أخذت حكم التغيّر بغير ممازجة؛ وضعف تأثيرها، فلم يوجب تغييرها سلب الماء وصف الطهورية، وهذا ما عبّر عنه بالتغيّر بالمجاورة.
[أو مِلحٍ مائيٍ]: الملح: إما أن يكون جبلياً، أو يكون مائياً؛ لأنه يُستخلص منهما فإذا كان الملح مائياً ووضع في ماء طهور لم يسلبه الطهورية؛ لأن أصله من الماء، وحينئذ لا يضره؛ لأنه يكون كالثلج، والبرد إذا أذيبا في الماء الطّهور، وأما إذا كان الملح أصله من غير الماء، وهو الملح المستخلص