← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 37545

شرح زاد المستقنع - الشنقيطي - الطهارة ط الإفتاء

محمد بن محمد المختار الشنقيطي

Полный текст (443 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

الوجه الثاني: في قوله: [هو الطَّهُورُ]، ولم يقل الطّاهر إشارة إلى الفرق بينهما حيث إختار صيغة فعول الدّال على زيادة المعنى فيه على غيره ليبيّن أنه ليس كالطاهر كما قدمنا في دليل الكتاب. قوله ﵀: [طَهُورٌ: لا يرفعُ الحدثَ، ولا يُزيلُ النَّجِسَ الطارئَ غيَرُه]: بدأ ﵀ بالطَّهور؛ لأنه الأصل في الماء فهو الباقي على أصل خلقته، وكلّ من الطاهر، والنَّجِس يحصل بتغير الطهور، فإن تغير الطهور بشيء طاهر صار طاهراً، وعكسه النجس، فصار الطهور أصل المياه من جهة بقائه على أصل خلقته، دون تغيّرٍ، ودل على ذلك قوله : ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ ومن أمثلته: ماء السماء، والبئر، والنهر، والعين، والسّيل، والبحر. فأما ماء السماء: فإنه هو أصل الماء كما قدمنا، وقد نصّ الله تعالى على طَهُوريتِه، ثم هو إما أن يستقر في الأرض، وإما أن يجري على وجهها. فأما المستقر في الأرض فإنه باقٍ على الأصل من طهوريته كما قال : ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ﴾ فإن خرج بنفسه من جوف الأرض، كماء العيون؛ فهو طهور إعتباراً لأصله، وإن أخرجه الإنسان كماء البئر فهو طهور أيضاً، ولذلك قال ﷺ في ماء بئر بضاعة: [إِن الماء طَهورٌ، لا يُنَجِّسُهُ شَيءٌ] فدلّ على ما قدمنا من البقاء على الأصل من طهورية ماء السماء إذا إستقر في الأرض، سواء خرج بنفسه كماء العيون، أو أخرجه المكلف؛ كماء البئر.

стр. 37

وأما ما يجري على وجه الأرض بعد نزوله من السماء، فإنه ماء السماء، وهو باقٍ على الأصل أيضاً، ويشمل ماء السيل، والنهر، وماء البرد، والثلج إذا ذابا، وقد بيّن النبي ﷺ صلاحيتهما للغسل، وحصول الطهارة هما في قوله: [واغْسِلُه بماءٍ، وثلج، وبَرَدٍ] فألحق الثلج، والبرد بالماء الطهور في كونهما تحصل بهما الطهارة، وكل من ماء السيل، والنهر باقٍ على الأصل فيهما أنهما من ماء السماء الذي نصّ الله على طهوريته، وكونهما جاريان لا يسلبهما وصف الطهورية، وهكذا بالنسبة لتغيّرهما بلون الأرض؛ لأنه تغيّر بما يشقُّ صَونُ الماء عنه، وذلك لا يسلبه الطّهورية. وأما ماء البحر فقد نصّ ﵊ في حديث أبي هريرة ﵁ الصحيح أنه طهور بقوله: [هو الطهُورُ مَاؤُه]، وفيه خلاف ضعيف عن بعض الصحابة ﵃ لا يؤثر، حيث نصّت السنة على طُهوريّته، ولعلّ من خالف لم يبلغه الحديث، وقد جمع المصنف ﵀ وصف الطهور في أمرين: الأول: منهما تعبّدي؛ أي أنه متعلق بالعبادة، وهو قوله: [لا يرفعُ الحدث، ولا يزيل النجسَ الطاريء غيرُه]. والثاني: طبعي؛ حيث وصفه بكونه باقياً على أصل الخلقة في قوله: [وهو الباقي على خلقته]. فقوله ﵀: [لا يرفع الحدث] تقدم أن الحدث كل ما أوجب وضوءاً، أو غسلاً، فشمل نوعين: الأكبر: كالجنابة، والحيض، والنفاس، والأصغر

стр. 38

كالبول، والغائط، والريح فهذه كلها أحداث، وإزالتها تكون باستعمال الماء الطّهور على الوجه المعتبر شرعاً. فلا تحصل طهارة الوضوء، ولا الغسل إلا بالماء الطهور، وهذا معنى كونه لا يرفع الحدث، وهكذا الحال في طهارة الخبث التي أشار إليها بقوله ﵀: [ولا يُزيلُ النَّجِسَ الطاريءَ غَيرُه] فإزالة النجاسة من البدن، والثوب، والمكان لا تحصل بغير الطهور من المياه، ولا بغيره من المائعات، لما قدّمنا من دلالة النصوص الشرعية. وقوله ﵀: [النَّجِسَ الطّاريء] التفريق بين النجاسة العينية، وغيرها فالنجاسة العينية لا تقبل التّطهير بحال، وذلك مثل: نجاسة الميتة، والخنزير؛ فهي نجاسة ذاتٍ، وعينٍ، فلو غُسلت الدّهر كله لم تَطْهُر، فهذا النوع يوصف بكونه نجساً، وأما غيره مما تطرأ عليه النجاسة؛ فيكون أصله طاهراً كالثوب، والفراش، ونحوه، ويوصف بكونه متنجساً لأن الأصل طهارته، والنجاسة طارئة عليه، يمكن إزالتها، فهذا هو الأصل، أنه يفرّق بين النّجس، والمُتنجِّس، وقد يُتسامح فيعبّر بالنّجس عن المُتنجِّسِ، وبهذه العبارة بيّن المصنف ﵀ أن الذي يقبل التطهير هو المُتنجّسُ، وهو الذي طرأت عليه النّجاسة دون النّجس العيني الذي لا يمكن تطهيره بحالٍ، كما قدمنا. قوله ﵀: [فإن تغيّر بغيرِ مُمازِجٍ] بعد أن بيّن ﵀ الأصل في الطهور شرع في بيان أحكام تغيّره، وإنتقاله عن ذلك الأصل، وهذا يستلزم بيان المسائل المتعلقة بما يُلقى في الماء، سواء غيّره، أو لم يغيِّره.

стр. 39

فبدأ ﵀ بالأخفِّ، وهو الذي لا يسلب الطهورية، ولكنه يوجب الحكم بكراهة إستعمال الماء، وهو الذي لا يمازج الماء كالدُّهن، ونحوه فقال ﵀: [فإن تغيّر بغيرِ مُمازِجٍ]: أشار بهذه العبارة إلى أن التغير نوعان: إما أن يكون بممازج للماء، أو يكون بغير ممازج، وهذا يستلزم معرفة حقيقة الممازجة أولاً؛ ليمكن التفريق بين الحالتين. فأما الممازجة فحقيقتها إختلاط الشيئين ببعضهما؛ حتى لا يمكن أن يفرق بينهما، بحيث يصيرا كالشيء الواحد، ومن أمثلته في الطاهرات: أن يُلقَى الحبرُ في الماء الطهور، فإنه بمجرد طرحه فيه يمتزج بالماء حتى يصيرا كالشيء الواحد لوناً، وطعماً، ومثاله في النجاسات: البول فإنه إذا ألقى في الطَّهور إمتزج معه، وخالطه فتجد رائحة البول، وطعمه، ولونه في الماء ظاهرةً. فهذا النوع من الممازجهَ لا إشكال فيه، وهو ينقل الماء الطهور إما إلى طاهر، وإما إلى نجس؛ أي بحسب ما ألقي فيه، ومن هنا قيل: [الماءُ إِن تَغيّر أخذَ حكمَ ما غَيّره]. ومثل هذا لا يُبْحث في الطّهور لأنه موجب للحكم بتغيّره، إلا ما كان من المسائل مستثنى مثل الحالات التي توجب المشقة، والتي سينبه عليها ﵀ بعدُ، والذي يبحث هنا هو ما حُكِمَ ببقائه على أصل الطّهورية، وهو ما لم يتغيّر، ومن هنا إختار المصنف ﵀ صوراً من التغيّر لا يُحكمُ فيها بانتقال الماء من الطّهورية، إلا أنه محكوم بكراهية إستعمال الماء فيها، وهي وسط بين الباقي على أصل الطهورية، وبين المتغيّر حقيقة، ومثل هذه الحالة

стр. 40

مذهب بعض علماء الأصول أنها تأخذ حكم المكروه؛ فالحكم بكراهته من جهة توسّطه بين الطهور الباقي على الأصل، والمتغيّر الخارج عن الأصل؛ سواء كان تغيّره بطاهر، أو نجس، وهذا أصل عند طائفة من علماء الأصول؛ وبُني عليه الحكم الفقهي عند من يختار هذا القول، وله نظائر كثيرة، ومنها: مسألة مساواة الإزار للكعبين فهي وسط بين الحلال، والحرام فكرهت عند من يقول بكراهتها. قال ﵀: [فإنْ تغَيّر بغيرِ مُمازج؛ كَقِطع كَافُورٍ] أي: إذا وضع في الماء الطهور قطع الكافور، فغيّرته فإن هذا التغيّر حصل بغير ممازج؛ لأن قطع الكافور الجامدة لا تتحلّل في الماء كالممازج، والكافور هو الطيب المعروف، وفي حكمه ما كان مثله: كعود القماري، والقطران، والزّفت، ونحوها. قوله ﵀: [أو دُهْنٍ] الدُّهن بجميع أنواعه لا يتحلل في الماء كالسَّمْنِ، والزيوت فإذا وقعت في الماء صارت فوقه، ولم تمتزج به، ومن هنا أخذت حكم التغيّر بغير ممازجة؛ وضعف تأثيرها، فلم يوجب تغييرها سلب الماء وصف الطهورية، وهذا ما عبّر عنه بالتغيّر بالمجاورة. [أو مِلحٍ مائيٍ]: الملح: إما أن يكون جبلياً، أو يكون مائياً؛ لأنه يُستخلص منهما فإذا كان الملح مائياً ووضع في ماء طهور لم يسلبه الطهورية؛ لأن أصله من الماء، وحينئذ لا يضره؛ لأنه يكون كالثلج، والبرد إذا أذيبا في الماء الطّهور، وأما إذا كان الملح أصله من غير الماء، وهو الملح المستخلص

стр. 41

من الأراضي السبخة، ونحوها فإنه يسلب الماء الطهورية إن وضع فيه، لأنه يغير الطعم بطاهر، وهو مفهوم عبارة المصنف ﵀. قوله ﵀: [أو سُخّنَ بنجسٍ] بيّن ﵀ أن الماء إذا سُخِّن بنجسٍ فهو طهور؛ لكنه يكره إستعماله، والسبب في ذلك: أنه لم يتغيّر بشيء ممازج، وإنما تغيّر بمجاورة، فنجاسته ليست بمؤثرة كالممازج. وهذا مبني على أنه إذا سخن بالنجس لم يسلم غالباً من صعود أجزاء لطيفة من النجاسة إليه كما يقولون، وعن الإمام أحمد ﵀ رواية: أنه لا يكره، ومن أصحاب الإمام أحمد ﵀ مَنْ قصر حكم الكراهة على حاله ساخناً، فإذا برد لم يُكْره، وقد ذكر الإمام المرداوي ﵀ الخلاف في هذه المسألة، وأن للأصحاب فيه أربع عشرة طريقاً، وقال: إن أصحها فيها روايتان مطلقاً، ومحل الكراهة إذا لم يوجد غيره، وهذا ما عبّر عنه بعض العلماء ﵏ بقوله: (إِنْ لمْ يَحْتَجْ إِليْهِ). وفي حكم المُسخّنِ بالنّجسِ المُسَخّنُ بالمغصوب. قوله: [كُرِهَ] أي: صار مكروهاً، والمكروه في اللغة ضدّ المحبوبِ، وأما في اصطلاح علماء الأصول فهو: (الذي يُثابُ تارِكُهُ، ولا يعاقبُ فاعِلُهُ). وعليه فالتعبير بكون الماء مكروهاً في هذه الصور السابقة يدل على أنه باقٍ على الأصل أعني: كون الماء طهوراً، وأن الأفضل أن يستعمل غيره في الطهارة، فلو استعمله صحت طهارته، ومن أهل العلم ﵏ من جعل الكراهة في حال وجود غيره، فإذا لم يجد غيره لم يكن مكروهاً عندهم كما قدمنا.

стр. 42

والصحيح أن هذه الكراهة مبنيّة على ما قدمنا من أنه متردد بين ما هو باقٍ على الأصل، وبين ما هو منتقل عن الأصل، أي أنه في مقام وسطٍ: بين الطهور الباقي على أصله، وبين ما انتقل عن الأصل فهو متغيّر بشيء يسير، لم يتمحض خلوصاً كالأصل، ولم يتمحض تغيّراً كالمنتقل عن الأصل ومن هنا أعطى حُكماً يناسبه، وهو الكراهة، وهذا الأصل مشى عليه طائفة من علماء الأصول ﵏ كما قدمنا وهو معتبر حتى عند فقهاء الحنابلة رحمة الله على الجميع. قوله ﵀: [وإِنْ تغيّر بِمُكْثِهِ] شرع ﵀ بهذه العبارة في بيان النوع الثاني من الطهور المتغيّر وهو الذي لا يكره إستعماله، مع كونه متغيّراً كما قدمنا. وذكر له صوراً منها: (أن يتغيّر بمكثه) وهو الماء الآسن، فتغيّره منه نفسه، وليس بشيء من خارج عنه، فلم يضرّ. ومن أمثلته: ما يقع في المستنقعات، والبرك إذا طال بقاء الماء فيها، واستدلوا بما ثبت في صحيح البخاري عنه ﵊: [أنه توضَّأَ مِنْ بِئرٍ كان ماؤُه نُقَاعةَ الحِنا] وليس هناك فرق بين أن يكون التغيّر بسبب طول المكث في الأرض كالمستنقعات، والبرك، أو يكون بسبب طول المكث في الآنية مثل القرب، وأواني النحاس، وفي زماننا إذا طال مكث الماء في خزانات المياه، أو المواصير فلا يؤثر، وجعله العلماء ﵏ تغيّراً يشق الاحتراز منه أشبه التغيّر بمنبعه.

стр. 43

قوله ﵀: [أو بما يَشُقُّ صَونُ الماء عَنْه] أي تغيّر بشيء يصعب صون الماء عنه فالتعبير بالمشقة الموجبة لصعوبة الشيء يستلزم ما هو أعلى منها من باب أولى، وأحرى، وهو التعذر، فهذه الصورة موجبة للرخصة وسقوط المؤاخذة، فلا يؤثر فيها التغيّر فالقاعدة: (أنّ الأمرَ إذا ضاقَ إِتسع) فإذا كان في الماء نابت فيه كالطُّحلب البحري الذي يوجد في المستنقعات، والبحيرات، والبرك، أو تغيّر بورق شجر يسقط فيه كما يقع في البساتين حيث تسقط أوراقها، ثم تحركها الرياح إلى أفواه الآبار، فتسقط فيها، فتغيّر طعم الماء، أو تحركها إلى البرك، والمستنقعات الموجودة داخل البساتين، أو الغابات فجميع ذلك يشقُّ صون الماء عنه، ولا يؤثر تغيّر الماء به. قوله ﵀: [مِنْ نَابِتٍ فيهِ، ووَرَقِ شَجَرٍ] هذا كثير في البادية يكون على البئر شجرة مثل شجرة اللوز، وهذه الشجرة تسقط أوراقها فتسقط في البئر، ثم تصبح رائحة ماء البئر كرائحة اللوز، فإذا تغيّر الماء على هذا الوجه الذي يشق صون البئر عنه لم يؤثر، وهو أيضاً كثير في المستنقعات، والبرك التي توجد داخل الغابات، والبساتين، فكثيراً ما تجدها مغطاة بأوراق الأشجار خاصة في فصل الخريف، وتجد طعم الماء متغيّراً بطعم ذلك الورق، ولكنه تغيّر يشقُّ صونُ الماء عنه؛ فلم يضر. وفي حكم هذه الحالة مياه السيول، والأمطار فإنها تجرف التراب، ويتغير لونها، وطعمها بما يشق صونها عنه. قوله ﵀: [أو بمجَاورةِ مَيْتَةٍ]: قوله [أو بمجاورة] المراد به الملاصقة، لأن مجاورة الميتة للماء الطهور لا تضر إذا لم تكن ملتصقة، وتضرُّ إذا

стр. 44

كانت ملتصقة به، ثم فصّل بعض العلماء ﵏ في حال إلتصاقها؛ فحكم بضَرَرِهِ إذا تغيّر اللّون، والطّعم. واختلف في الرائحة: فقال بعضهم: تؤثر. وبعضهم قال: لا تؤثر، وقد أشار بعض العلماء إلى هذه المسألة بقوله: ليسَ المجاورُ إذَاْ لمْ يلتصقْ ... يَضرُّ مطلقاً وضرَّ إن لَصقْ في اللّونِ والطعمِ بالاتفاقِ ... كالرِّيحِ في مُعْتَمدِ الشِّقاق فقوله: (ليس المجاور إذا لم يلتصق) يعني أن النجاسة لا تضرّ مطلقاً إذا لم تكن ملتصقة بالماء الطهور، سواء كانت بعيدة عن الماء، أو قريبة منه ما دام أنها لم تلاصقه لا تؤثر. وقوله (وضرَّ إنْ لصِقْ) أي: أنه إذا كان ملتصقاً بالطهور؛ فإنه يضر. وقوله (في اللَّون، والطعم) يعني: إذا تغير لون الماء الموجود في المستنقع، وطعمه فإنه يسلبه الطهورية بالإتفاق، وأما إذا تغيّر في الرائحة؛ فإنه يسلبه الطهورية على أرجح قولي العلماء في المسألة. قوله ﵀: [أو سُخِّنَ بِالشَّمْسِ] أي: وضع الإناء في الشمس؛ فصار ساخناً؛ فإنه لا يسلبه الطهورية، ويجوز استعماله في الطهارة، وفيه أثر ضعيف، وكرهه بعض العلماء ﵏ بناء على قول بعض الأطباء إنه يورث البرص، وإذا ثبت فيه ضرر لم يجز استعماله دفعاً لذلك الضرر، وأما

стр. 45

إذا لم يثبت فإن الأصل طهوريته، وسلامته، وقد نصّ الامام أحمد ﵀ على جواز الطهارة به. وقوله ﵀: [أَوْ بِطَاهرٍ] أي: سُخِّن بطاهر كالحطب، والفحم، والغاز في زماننا، فيجوز استعماله بلا كراهة، مثلما جاز إستعمال المياه الحارة في العيون الحارة. وعليه فالسخانات في زماننا يجوز استعمال مائها بلا كراهة، إلا أن هنا مسألة ينبغي التنبيه عليها، وهي أن الماء شديد الحرارة، أو شديد البرودة قد يتساهل البعض عند إستعماله في إدارته على الأعضاء وغسلها على الوجه المعتبر، فحينئذ ينبغي عند استعماله أن لا يتساهل مستعمله في القيام بالطهارة على وجهها المعتبر. قوله ﵀: [وإِنْ استُعملَ في طهارة مسْتَحبّةٍ] الطهارة إما واجبة، أو مستحبة، فالواجبة هي الأصلية، وهي التي تكون لرفع الحدث الأصغر، أو الأكبر، فإذا توضأ في الحدث الأصغر، أو اغتسل من الحدث الأكبر فإن الماء المستعمل في الطهارتين ماء مستعمل في طهارة واجبة، وأما إذا كان وضوؤه وغسله غير واجبين كتجديد الوضوء، والغسل للجمعة على القول بعدم وجوبه، أو الغسل للعيدين فإنه مستعمل في طهارة غير واجبة، ويلتحق به ماء مستعمل في الغسلة الثانية، والثالثة في الوضوء لأنها ليست بواجبة، والأولى هي الواجبة؛ لأن الأمر في آية الوضوء لا يقتضى التكرار، كما هو مقرر في الأصول.

стр. 46

فالمصنف ﵀ بيّن أن الماء المستعمل في الطهارة المستحبة مكروه، وهذا يستلزم الحكم بكون الماء لا زال طهوراً. والحكم بالكراهة مبني على ما قدمناه من الأصل عند العلماء ﵏ من تردد الأمر بين المأذون والمحظور، فأعطي حكم الكراهة ترغيباً في الترك عند وجود غيره، لا تحريماً للحلال. والأصل عندهم في هذا أنه مبني على طريق الورع كما نبّه عليه الإمام البهوتي ﵀، وغيره، فصار من جنس المشتبه، ودلّ حديث النعمان ﵁ على الترغيب في تركه، وهذا كله ليس من تحريم الحلال في شيء، كما لا يخفى. ومفهوم قوله ﵀: [في طَهارةٍ مُستحبّةٍ] أنه إذا استعمل في طهارة واجبة سلبه الطهورية كما سيأتي بيانه، وهذا على المذهب. قوله ﵀: [وإذا بلغَ الماءُ قلّتين، وهو الكثير] القلتان: مثنى قُلّة، والقُلّة ما يُقَلُّ بمعنى يُحْمَل، ومنه توله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا﴾، (١) أي إحتملته الريح، وسميت القُلّة قلّةً لأنها تحمل باليد، وهي الجرة مثلَ الأزيار، والشِرَابْ الموجودة الآن، ولا زال إلى الآن بعض أهل البادية يحملونها ويستقون بها يضعون فيها الماء من الآبار، ويجلبونه إلى منازلهم، فسئل النبي ﷺ عن الماء، وما ينوبه من السباع فقال: [إذا بلغَ الماءُ قلّتينِ لم يحملِ الخَبَث] بمعنى أنه لو وقعت فيه نجاسة لم تغيّر لونه، أو طعمه، أو

стр. 47

رائحته فإنه طهور هذه المسألة مسألة القلتين لأن النبي ﷺ جعل الضابط فيها بالقلتين، وهي من مشهورات مسائل الطهارة، والحديث المتقدم هو الأصل فيها، وحاصل كلام المصنف ﵀ أنه يقول بمفهوم هذا الحديث الدّال على إعتبار القلتين حداً بين القليل، والكثير من الماء، وهذا هو مذهب الشافعية، والحنابلة في المشهور ﵏. وذهب الحنفية، والمالكية، والظاهرية إلى عدم إعتبار القلتين؛ وإن كانوا قد اختلفوا في التفصيل، فهم متفقون على أن القلتين ليستا حداً يضبط به، ثم إنفرد الحنفية ﵏ بضابط حركة الماء، والباقون على أن العبرة بالتغيّر، وهو الرواية الثانية عن الإمام أحمد ﵀. وإختارها شيخ الإسلام، وتلميذه الإمام إبن القيم رحمة الله على الجميع، وقد بيّنت الأدلة، ووجه دلالتها ومناقشة العلماء لها، والترجيح في شرح البلوغ. وبيان محل الخلاف بينهم في هذه المسألة: أن الماء إذا وقعت فيه نجاسة إما أن يتغيّر، أو لا يتغيّر؛ فإن تغيّر بالنجاسة فبالإجماع أنه متنجس سواء بلغ القُلّتين، أو كان دونها. وأما إذا لم يتغيّر فإما أن يكون الماء بلغ قُلّتين فأكثر، وإما أن يكون دونهما، فإن كان بلغ القلتين فإنهم متفقون على عدم تأثره، وأنه طهور باقٍ على أصله؛ لأنه لم يتغيّر؛ إلا أن الحنفية إستثنوا حال حركته بالضابط المعروف في مذهبهم، وأما إذا كان دون القلتين فهو محل الخلاف، فمن قال باعتبار القلتين حكم بكونه نجساً بمجرد ملاقاته للنجاسة؛ سواء كانت قليلة، أو

стр. 48

كثيرة، وهذا هو الذي مشى عليه المصنف ﵀، وهو المذهب عند الحنابلة، والشافعية ﵏. والذي يترجح في نظري، والعلم عند الله: هو ما ذهب إليه القائلون بأن العبرة بالتغيّر، وذلك لقوله ﵊: [إِنَّ الماءَ طَهورٌ؛ لا يُنجِّسُه شيء] فدلّ على أن الأصل طهوريته، ولا يحكم بالإنتقال عنها إلا بدلالة صحيحة معتبرة، وهي التغيّر لأوصافه، وأما حديث القلتين ففيه منطوق، ومفهوم، فمنطوقه لا إشكال فيه، ومفهومه معارض بمنطوق حديث بضاعة المتقدم: [إِن الماءَ طَهورٌ؛ لا يُنجِّسُه شَيءٌ] لأنه دال على أن الماء محكوم ببقائه على أصل الطهورية ما دام أنه لم يتغير فيقدم هذا المنطوق؛ لأن القاعدة أنه (إذا تعارض المنطوق، والمفهوم؛ قُدّم المنطوقُ على المفهومِ). وبهذا كله يترجح أن العبرة بحصول التغيّر في الماء، فلا يلتفت عند وقوع النجاسة فيه إلى كثرة، ولا إلى قلة، ولا إلى حركة، ولا إلى غيرها وإنما يُلتفت إلى تأثير النجاسة فيه بتغييرها لأحد أوصافه على الوجه المعتبر والله أعلم. قوله ﵀: [فخالطته نجاسة غيرُ بولِ آدمي، أو عذرتِه المائعةِ فلم تغيره] فرّق ﵀ بين المائع من النجاسات الذي يمازج، ويتحلل، وبين الجامد الذي لا يتحلل، وهذا أخذه الحنابلة ﵏ من دليل السنة، فاستنبطه الإمام أحمد ﵀ من حديث النّهي عن البول في الماء الراكد، ووجهه: أن النبي ﷺ خصّ البولَ، دون الغائط، ونظرنا

стр. 49

فوجدنا الفرق بينهما أن الأول يمتزج بالماء؛ بخلاف الثاني، ثم إستثنى الحنابلة ﵏ العذرة المائعة، وألحقوها بالبول لوجود المعنى فيها، فهذا هو وجه التفريق، وهو مبني على سنة صحيحة. قوله ﵀: [ولا يَرفَعُ حَدثَ رجلٍ طهور يسير خَلَتْ بهِ إمرأة لطهارةٍ كاملةٍ عن حَدَثٍ] معناه أن الماء الطهور إذا إنفردت به المرأة بشرطه سلبه ذلك الطهورية، والدليل على هذه المسألة حديث أبي داود، وأحمد في مسنده عن الحكم بن عمرو ﵁ أن رسول الله ﷺ : [نهى أنْ يَتوضأَ الرجلُ بفضلِ طَهورِ المرأةِ]، وقد بيّن ﵀ أن هذا الحكم مُقيّد بحالةٍ خاصة، وهي: أن يكون يسيراً، وأن تخلو به المرأة، وأن ترفع به حدثاً كاملاً، فخرج بقوله اليسير الكثير، والفرق بينهما بالقلتين على المذهب، وخرج بوصف " الخلو " أن لا تخلو به، وبقوله: [إمرأة] الرجلَ ففضلة طُهُوره لا تأخذ الحكم بالمنع، وخرج بقوله: [لطهارة كاملة] غير الطهارة، مثل أن تخلو بالماء لغسل كفيها، وكذلك يخرج به لو خلت لبعض الطهارة، دون بعضها مثل: أن تخلو للوضوء فتغسل وجهها، ثم تنقطع خلوتها بدخول زوجها، ونحو ذلك من الصور، وخرج بوصف الحدثِ الخبث مثل: أن تغسل به نجاسة في بدن، أو ثوب، أو مكان ثم تفضل من الماء الذي إستعملته في ذلك فضلة فإنها باقية على الطهورية. وقوله ﵀: [ولا يَرفَعُ حَدَثَ] يدل على أنه إذا تحققت هذه الأوصاف حكم بسلب الماء الطهورية، فلا يوجب التطهر به إرتفاع الحدث.

стр. 50

وخالف الجمهور؛ فقالوا ببقائه على الطهورية لأنها الأصل، ولم يعتبروا النهي موجباً لفساد الماء، وسلب الطهورية عنه، وأكدوا ذلك بحديث إبن عباس ﵄ وأصله في الصحيح أن بعض أزواج النبي ﷺ إغتسل في جَفْنةٍ، فأراد ﵊ الإغتسال منها فقالت: إنِّي كنت جنباً!! فقال ﵊: [إن الماءَ لا يُجْنِبُ] فدلّ على أنه باقٍ على أصل الطهورية وأن إستعمال المرأة له لا يوجب زوالها، وللحديث علّة بيناها في شرح البلوغ. وأما اشتراط الخلوة فهو مبني على حديث أم المؤمنين عائشة ﵂ في الصحيحين أنها كانت تغتسل، ورسول الله ﷺ من إناءٍ واحد، فجُمع بينه، وبينَ حديث النهي باشتراطها، وهكذا بالنسبة للتفريق بين الرجل، والمرأة إضافة إلى كونه في المرأة أقوى ثبوتاً منه في الرجل. قوله ﵀: [وإِنْ تَغيّر لونه، أو طعمُه، أو ريحُه] بدأ ﵀ بهذه الجملة في بيان النوع الثاني من أنواع المياه، وهو الماء الطاهر، والماء الطاهر: طاهر في نفسه غير مطهِّر لغيره، فكل طهور طاهرٌ؛ لا العكس، ونظراً لأن الماء ينتقل من أصله الموصوف بالطهورية إلى النوعين الآخرين وهما: الطاهر، والنجس عن طريق التغيّر بيَّن ﵀ أن التغير يكون في أوصاف الماء الثلاثة، وهي: اللون، والطعم، والرائحة، وأنه لا يشترط أن تكون مجتمعة؛ بل لو حصل التَّغير في واحد منها فإنه يكون كافياً، وهذا ما أشار إليه بالعطف بين الأوصاف الثلاثة بـ[أو].

стр. 51

قوله ﵀: [بِطَبخ] الباء سببية، أي حصل تغيّر أحد أوصاف الماء الثلاثة، أو أكثرها، أو كلها بسبب الطبخ مثل: أن يُطبخ في الماء شيءٌ طاهر كاللّحم فيغيّر لونَ الماءِ الطهور، أو طعمَه، أو رائحَته، فيتغير لون الماء الطهور بلون المرق، أو يطبخ فيه الطماطم، فيصبح لونه أحمر، أو يظهر طعم اللحم، أو الطماطم فيه، أو رائحتهما حكم بإنتقال الماء إلى كونه ماء طاهراً في جميع ما تقدم. وقوله ﵀: [أو ساقطٍ فيه] أي: أن يقع فيه شيء طاهر فيغيّر لونَه، أو طعمَه، أو رائحته مثل أن يسقط فيه دقيق، أو حبر، ونحوه من الطاهر مما يمتزج في الماء، ويغيّر لونه، أو طعمه، أو رائحته. قوله ﵀: [أو رُفِعَ بِقليلِه حَدثٌ] أي أن استعمال الماء الطهور في رفع الحدث يوجب الحكم بسلبه الطهورية. وقوله: [بِقَليلِه] المراد به أن يكون دون القلتين، فلو كان قلتين فأكثر مثل مياه: البرك، والمستنقعات، وانغمس فيها لرفع حدث أصغر، أو أكبر فإنها لا تتأثر، إلا إذا تغير الماء. وقوله: [حدث] شامل للأصغر، والأكبر فلو أن رجلاً إغتسل في بركة صغيرة دون القلتين، وحفظ ذلك الماء المستعمل فيها، أو اغتسل في طشت، وحفظ الماء فيه، ثم أراد هو، أو غيره أن يرفع به حدثاً مرة ثانية لم يرتفع لأنه أصبح ماء طاهراً، لا طهوراً, بمعنى أن رفعَ الحدثِ به أوّلاً سَلَبه وصفَ الطّهورية وأصبح طاهراً، لا طهوراً؛ وقد اختلف العلماء ﵏ في هذه المسألة، وذلك على ثلاثة أقوال:

стр. 52

القول الأول: إن الماء طهور في جميع ما تقدم بشرط ألا يتغير بالإستعمال، وهذا هو مذهب المالكية في المشهور، وقول للشافعية، وروايةٌ عند الحنابلة إختارها شيخ الإسلام، وهو مذهب الظاهرية رحمة الله على الجميع. القول الثاني: إنه طاهر، وليس بطهور، وهو مذهب الجمهور ﵏. القول الثالث: إنه نجس، وهو قول القاضي أبي يوسف من الحنفية، وبعض الحنابلة رحمة الله على الجميع. وقد استدل أصحاب القول الأول على مذهبهم بما ثبت في الحديث الصحيح عنه ﵊ من قوله: [إِن الماءَ طَهور لا يُنجِّسُهُ شَيء]، فدل على أن الأصل في الماء أنه طهور، وإستعماله هنا في رفع الحدث لم يؤثر في لونه، ولا طعمه، ولا ريحه فوجب البقاء على الأصل الموجب للحكم بطهوريته، واستدلوا أيضاً بقوله ﵊: [إِن الماءَ لا يُجْنِب] فدل على أن إستعمال الماء في رفع الجنابة، أو الحدث عموماً لا يوجب سلبه الطهورية، بل هو باقٍ عليها ما لم يتغير. واستدل أصحاب القول الثاني القائلون بكونه طاهراً، لا طهوراً: بما ثبت في الصحيحين: [أنه نهى ﵊ عَنِ الإغْتِسالِ في الماءِ الدَّائمِ] قالوا: إنه لا معنى لذلك إلا أنه يسلبه الطهورية، فيصبح طاهراً لا طهوراً. واستدل أصحاب القول الثالث، وهم القائلون بالنجاسة بما ثبت في الصحيح: [أنه نهى ﵊ عن البول في الماء الدَّائِم، والإغتسالِ فيه] ووجه الدلالة: أن النبي ﷺ جمع بينهما لاتحاد حكمهما أي أن الاغتسال يسلب الماء الطهارة كالبول فيه، كما قاسوا رفع

стр. 53

الحدث بالماء الطهور على إزالة الخبث بجامع حصول الطهارة في كل، فيحكم بنجاسته كغسالة النجاسة المتغيرة بها. والذي يترجح في نظري، والعلم عند الله هو القول ببقاء الماء على الطهورية لما يلي: أولاً: لصحة دلالة السنة على ذلك. ثانياً: وأما الاستدلال بحديث النهي عن الإغتسال في الماء الدائم فيجاب عنه بأن علّته هو خشية إفساد الماء على الغير لأن الإستحمام في داخل الماء يؤذي من يريد شربه، والإنتفاع به، ولذلك جاء الإذن بالإغتراف منه، وهذه العلِّة أقوى مما ذكروه. ثالثاً: وأما الإستدلال بحديث النهي عن البول فهو مبني على دلالة الإقتران، وهي ضعيفة كما هو مقرر في الأصول، إضافة إلى أن الرواية في الصحيح: [ثم يَغْتَسل فيه] تبطل ما ذكروه. وأما القياس المذكور فهو قياس مع الفارق، ثم إنه من ردِّ المختلف فيه إلى المختلف فيه، لأن غسالة النجس إذا لم تتغير فهي باقية على الأصل. ومما يدل على عدم النجاسة حديث جابر ﵁ حينما صبَّ النبي ﷺ عليه وَضوءَه. وعليه فإنه يترجح القول بطهورية الماء المستعمل في رفع الحدث؛ إلا إذا كان متغيّراً. قوله ﵀: [أو غُمِسَ فيه يدُ قائمٍ من نومِ ليلٍ] قوله: [غُمِسَ فيه] أي أدخلها في ذلك الماء، وقوله: [يد] يدل على أنه لا يشترط غمس

стр. 54

اليدين، وأن الواحدة كافية، والمذهب على أنه يجب غسل اليدين للمستيقظ من نوم الليل كما سيأتي إن شاء الله بيانه، ودليل ذلك حديث أبي هريرة ﵁ في الصحيحين أن النبي ﷺ قال: [إذا إستيقظَ أحدُكمْ مِنْ نومهِ فلا يُدخل يدَه في الإناءِ حتى يغسلَها ثلاثاً] فإذا غمس يده سلب الماء الطهورية، وأصبح طاهراً. والصحيح أنه يأثم بمخالفة النهي الوارد في الحديث الصحيح، وأما الماء فإنْ تغيَّر حُكمَ بسلبهِ الطهورية، وإلا بقي على الأصل، ولا يحكم بانتقاله عنه بمجرد الغمس لقوله ﵊: [إن الماء طهورٌ لا يُنجِّسه شيءٌ]. وقوله: [مِنْ نومِ ليلٍ]، مفهومه أن نوم النهار لا يأخذ الحكم، وهذا مبني على مذهب الحنابلة أن الأمر بغسل اليدين قبل إدخالهما في الإناء مخصوص بنوم الليل، دون نوم النهار، واستدلوا بقوله ﵊: [فإنَّ أحدَكم لا يدري أَيْنَ باتَتْ يدُه] قالوا: والبيتوتة لا تكون إلا بالليل، ورُدَّ بأنه خرج مخرج الغالب لأن النوم يكون في الليل غالباً كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا﴾، وإذا خرج مخرج الغالب لم يعتبر مفهومه، للقاعدة الأصولية: [إنّ النصَّ إذا خَرجَ مخرَج الغالبِ لم يُعتبرْ مَفهومُه] وسيأتي بيان هذه المسألة في موضعها بإذن الله تعالى. وقوله ﵀: [أو كانَ آخرَ غَسْلةٍ زالتْ بها النَّجَاسةُ فَطاهرٌ] إزالة النجاسة على المذهب يجب فيها التثليث كما سيأتي بيانه بإذن الله تعالى، فإذا كانت الغسلة آخر غسلة زالت بها النجاسة فإن أثر النجاسة فيها يكون

стр. 55

ضعيفاً إن لم يكن مُنعدماً مع ملاحظة قوّة الواردِ خاصةً على مذهب من يفرق بين ورود النجاسة على الماء، وعكسه، وعليه فإن هذه الغسلة لا يحكم بكونها باقية على أصلها، وهو الطهورية فهي طاهرة في نفسها لكنها غير مطهرة لغيرها لزوال الخبث بها كارتفاع الحدث باليسير في المسألة المتقدمة معنا. قال ﵀: [والنَّجِسُ ما تَغيَّر بِنجاسةٍ] هذا هو النوع الثالث من أنواع المياه، وهو الماء المتنجس، أي الذي أصابته نجاسة، وغيّرته فسلبته الطهورية، وكما تقدم معنا في الطاهر أن العبرة في تغيّر الماء وانتقاله عن الطهورية هو تأثره في أحد أوصافه الثلاثة، أو في أكثرها، أو كلها، فإن كان هذا التغيّر بطاهر إنتقل الماء طاهراً كما قدمنا، وإن كان هذا التغير بنجس حكمنا بانتقاله إلى نوع النجس، فصار ماء متنجساً، وعبّر المصنف ﵀ (بالنّجِسِ)، وأصل النجس: القذر في لغة العرب، فالنجاسة ضد النظافة، والنقاء من الدّنسِ، إلا أن الشرع خصّها بنوع خاصٍّ من القاذورات، وهو الذي حكم الشرع بنجاسته كبول الآدمي. وقوله: [ما تَغيّر بنجاسة] مراده أننا نحكم بزوال الطّهورية، ولحوق وصف النجاسة متى ما حصل تغيّر الماء بمادة نجسة، مثل أن تُلقى فيه، أو تسخّن فيه فيُطبخ معها، ويحصل التّغير بصفته المؤثرة، وقد حكى الإمام ابن المنذر ﵀ الإجماع على نجاسة الماء إذا تغيّر بالنجاسة. وقوله ﵀: [أو لاقَاهَا، وهو يَسيِرٌ] الضمير عائد على النجاسة أي: أن الماء لاقى النجاسة، وهو يسير، أي قليل، وهو ما دون القلتين، فيحكم

стр. 56

بكونه صار نجساً، وهو رواية عن الإمام أحمد ﵀ نصَّ في الإنصاف على أنها المذهب، وعليها جماهير الأصحاب، وهي مبنيّة على حديث القلّتين، وقد قدمنا أن الراجح أن العبرة بالتّغير، وهي الرواية الثانية في المذهب، واختارها شيخ الإسلام ﵀، ومحلّ الخلافِ: إذا لم يحصل التغيّر؛ فإن حصل فالجميع على أن الماء ينجس. قوله ﵀: [أو إنفصلَ عن محلِّ نجاسةٍ قبلَ زوالِها] هذا على المذهب من أن ملاقاة الطهور اليسيرُ للنجاسة موجب للحكم بنجاسته، فإذا صبّ الماء الطهور على موضع نجس عمل فيه، وحكم بكونه باقياً على الأصل ما دام أنه في محل التطهير ما لم يتغير، أو ينفصل فإن إنفصل، وفارق محل النجاسة، وهي باقية لم تزل حُكِم بتأثره بها كمسألة الملاقاة للنجاسة، وقد قدمنا بيانها، وأن الصحيح أن العبرة بالتغيّر في جميع هذه المسائل. وقوله: [قبل زوالها] الضمير عائد إلى النجاسة، ومفهوم هذه العبارة أنه إذا انفصل بعد زوالها؛ لم يحكم بكونه متنجساً، بل هو طاهر كما تقدم في قوله ﵀: [أو كانت آخرَ غسلةٍ زالتْ بها النجاسةُ]. قوله ﵀: [فإِن أضيفَ إلى الماءِ النّجس طهورٌ كثيرٌ غيرَ ترابٍ] المراد به بيان مسائل تطهير الماء المتنجس، وهذه الطريقة تعرف بطريقة المكاثرة، وهي أن يصبَّ على الماء المتنجس ماءً طهوراً فوق القلتين إذا كان الماء قد تنجس بما تقدم، ومناسبتها: أنها عكس الصور المتقدمة، فاحتيج إلى بيان حكمها.

стр. 57

فقوله: [طهور كثيرٌ] أي: ماء طهور قلتان، فأكثر؛ لأن الكثير ما بلغ القلتين فأكثر، ومثال ذلك: لو كان هناك ماء يسير وقع فيه بول، وهو دون القلتين حكمنا بنجاسته بمجرد وقوع النجاسة فيه على المذهب، وكما تقدم في المسائل السابقة التي ذكرها ﵀، فإذا أردت تطهيره أضفت إلى هذا الماء طهوراً بلغ القلتين، فأكثر، فإذا أضفته، وزال التغيّر بعد الإضافة حكمنا بكونه صار طهوراً بالمكاثرة. وعليه فإن مفهوم قوله: [كثير] أننا لو أضفنا ما دون القلتين إلى النجس لم يطهر، بل بقي على أصله وحُكِمَ بتأثر المضاف بملاقاته للنجس، لأنه يسير ورد على متنجس، فتنجس بمجرد ملاقاته. وقوله ﵀: [غيرَ ترابٍ] أن التراب إذا وضع في ماء يسير وقعت فيه نجاسة، ولم تغيره، ثم استقر التراب في قاع الماء لم يحكم بطهورية الماء، وقوله: [ونحوه] أي المواد المؤثرة في النجاسة كالتراب، ويتفرع عليه ما يفعل في زماننا من إضافة المواد التي تقوم بمعالجة النجاسة الموجودة في المياه فإنها لا توجب الحكم بزوال النجاسة كالحال في التراب. وقوله ﵀: [أو نزِحَ منه فبَقي بعدَه كثيرٌ غيرَ متغيّرٍ طَهُر] أي أن الماء إذا وقعت النجاسة فيه وكان كثيراً فغيّرته مثل ماء بئر فوق القلتين، فإذا نزحنا النجاسَة، والماءَ المتغير بها، ثم بقى بعد ذلك ماء كثير حكمنا بكونه طهوراً، لأنه كالماء الجديد، فهناك شرطان: الشرط الأول: أن يكون الباقي فوق القلتين، وهو ما أشار إليه بقوله: [فبَقِيَ بعدَه كَثيرٌ].

стр. 58

والشرط الثاني: أن يكون غير متغير في أوصافه وهو ما أشار إليه بقوله: [غيرَ متغيّرٍ] فإذا تخلف الشرطان، أو أحدهما لم يحكم بالطُّهورية على المذهب، وعلى ما ترجح تكون العبرة بزوال النجاسة، وبقاء الماء على أصله، سواء كان ما بقي يبلغ القلتين، أو لا يبلغهما. قوله ﵀: [وإِنْ شكَّ في نجاسةِ ماءٍ، أو غَيرهِ، أو طَهارتِه بنى عَلى اليقينِ]: شرع المصنف ﵀ في بيان مسائل تعم بها البلوى، وهي مسألة الشكوك، وإلتباس حال الماء، وغيره طهارة، ونجاسة. والشك: هو إستواء الإحتمالين، دون أن يوجد مرجّح لأحدهما على الآخر، والشك في نجاسة الماء مثل: أن يشكَّ في وقوع النجاسة فيه، وهذا أكثر ما يقع على مذهب من يعتبر القلتين، وأما على الراجح أن العبرة بالتَّغير فإنه يمكنه التّمييز؛ لأن النّجِس له لون، ورائحة، وطعم يميّزه عن الطهور، وقد تكون أكثرها، أو كلها فبيّن ﵀ أن حكم المسألة أنه يجب عليه البقاء على اليقين، وهذه المسألة مبنية على القاعدة الشرعية [اليقينُ لا يُزال بالشَّكِ] وقد دلّت عليها أدلة الكتاب، والسنة، والعمل عليها عند أهل العلم ﵏ فإذا كان متيقناً طهارة شيءٍ، وشكّ في نجاسته فإنه يبقى على اليقين، ويُلغِي الشَّكَ، وهكذا لو كان على يمَينٍ بنجاسة شيءٍ، وشكّ في كونه صار طاهراً بَقِيَ على النجاسة، وألغي شكَّ الطهارةِ حتى يستيقنه. وفي مسألتنا: لو شكّ في وقوع قطرة البول في الماء الطهور اليسير على المذهب، فإنه لا يحكم بنجاسته حتى يتيقن وقوعها فيه، فيحكم ببقائه على

стр. 59

الطهورية، وهكذا لو كان العكس بأن كان الماء، أو الثوب متنجساً، وشكَّ في زوال نجاسته، وذهابها بالمكاثرة كأن يشك في قدر الماء أنه بلغ القلّتين على المذهب، بنى على اليقين الموجب لكونه متنجساً حتى يستيقن الطهارة. قوله ﵀: [وإن إشتَبه طَهور بنجسٍ حَرُم استعمالُهما] أي إشتبه الماءُ الطهورُ بالماءِ النَّجس فإن الواجب عليه تركهما، ويحرم عليه إستعمالهما مجتمعين، أو منفردين، ولا تصح طهارته، ولا صلاته إذا إستعملهما، أو إستعمل أحدهما على هذا الوجه. وذلك لأنه لو استعمل أحدهما إحتمل أن يكون النّجس، فيكون متنجساً بإستعماله مستبيحاً للصلاة بدون طهارة. وإذا إستعملهما معاً فإنه إما أن يقع منه تقديم الطّهور، أو تقديم النجس، فإن قدّم الطهور، ثم تطهّر بالنجس بعده صار متطهراً بالوضوء من الأول متنجساً بالوضوء من الثاني، فلم يطهر بدنه، ولا ثوبه، وإن عكس صار متنجساً بإستعمال النجس أولاً، ثم كان الطهور بعده غيرُ مُجْدٍ لأنه لا تزول النجاسة إلا بالتثليث على المذهب، فيكون وضوؤه إذا ثلثه مزيلاً للنجاسة؛ لا رافعاً للحدث، وعلى عدم إشتراط التثليثِ يكون وضوؤه مزيلاً للنجاسة، لا رافعاً للحدث. فيحرم عليه استعمالهما، ويجب عليه العدول للتيمم إذا لم يجد طهوراً. ولا يشترط لصحة تيمّمه أن يريقهما، ولا أن يخلطهما، وهذا ما عبّر عنه بقوله: [ولا يُشْترطُ للتيممِ إراقتهما، ولا خَلطُهما] أما عدم الإراقة فلأن

стр. 60

من قال بها قال إن شرط صحة التيمم أن لا يجد الماء لقوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ وهذا ماء، ويجاب بأن الماء موجود حقيقة مفقود حكماً، فكان وجوده، وعدمه على حدٍ سواء، وأما إشتراط الخلط، فلأن اليقين بوجود الطهور في أحدهما، فلا بد من خلطهما لزواله، وجوابه أن جهالة عين الطهور، وعدم القدرة على تمييزه تجعله، والنّجس كالشىء الواحد؛ فكان كخلطهما معنى، وإن لم يكونا مختلطين حقيقة، فاكتفي به، ولم يلزم خلطهما بالفعل. وقوله: [ولم يتحرَّ] أي أنه لا يلزمه التّحري، والإجتهاد في هذه المسألة؛ لأنه إشتباهُ مباح بحرامٍ لا تجيزه الضرورة، فلم يجز التّحري قياساً على إشتباه أخته بأجنبية، وعن الإمام أحمد ﵀ رواية أخرى بالتّحري بشرط أن يكون عدد الطهور زائداً بواحد، وكان النجس غير بول. والتّحري أن ينظر إلى الصِّفات الموجودة التي تُرجّح أحد الإحتمالين في الإناء، وتوجب تَرجيح كونه النجس، أو الطهور. قوله ﵀: [وإن إشتبه بطاهرٍ توضأ منهما وضوءاً واحداً]: الضمير عائد إلى الماء الطهور، والمراد أن يشتبه طهور بطاهر، وتعتبر هذه مسألة ثانية، ومثالها: لو كان عندك سطلان أحدهما: فيه ماء طهور، والثاني: فيه ماء طاهر، فإن الماء الطهور هو وحده الذي تصحّ به الطهارة، أما الطاهر فإنه لا يرفع حدثاً، ولا يزيل خبثاً، فهل إذا كان أحدهما طهوراً، والثاني طاهراً نحكم بنفس حكم المسألة المتقدمة؟

стр. 61

والجواب: لا، لأن الطاهر المشتبه بالطهور ليس كالنجس يستضرُّ البدن بصبّه عليه، والتّطهر منه، بل إن التطهر به يزيد البدن نقاءً، ونظافة، ومن هنا وجب عليه أن يتوضأ منهما، حتى يتحقق أنه توضأ بطهورٍ، وارتفع حدثه. قوله ﵀: [من هذا غُرفة، ومن هذا غُرفة] أي: أنه يتوضأ وضوءاً واحداً يأخذ من كل ماء غرفة حتى يتم أعضاء الوضوء، وعليه فإنه لا يتوضّأ وضوؤين، وعلّة هذا القول: أن هذا يفضي إلى تردُّدِه في النّية في رفع الحدث، وهذا هو المذهب فيما جزم به الإمام البهوتي ﵀، وهناك قول إنه يتوضأ وضوءين، وهو الأقوى حتى يجزم بارتفاع حدثه، والتردّدُ في النية لا يؤثر، لأن كل وضوءٍ انفرد بنيته المعتبرة، ثم إن الصور المستثناة من الأصل لموجبها لا تَرِدُ على الأصل، ولا تخالفه. وقوله ﵀: [وصَلّى صلاةً واحدةً] أي: أنه لا يصلى بكل وضوء صلاة بل يصلي مرة واحدة وهذا على كلا القولين سواء قلنا يتوضأ وضوءين، أو وضوءاً واحداً. وعدم وجوب تكرار الصلاة بلا خلاف في مذهب الحنابلة أي أن اللازم في حقه صلاة واحدة هذا من جهة الوجوب، واللزوم. قوله ﵀: [وإِنِ اشْتَبهتْ ثيابٌ طاهرةٌ بِنَجسةٍ، أو بِمحرَّمةٍ]: هذه مسألة ثانية وهي تتعلق بطهارة الثوب، فلو أن إنساناً أراد أن يصلى، ومن شرط صحة الصلاة ستر العورة، وعنده ثوبان: أحدهما نجس، والثاني طاهر، ولا يستطيع أن يعرف النجس منهما من الطاهر فما الحكم؟

стр. 62

في هذه الحالة قال العلماء: يصلي بعدد النجس، ويزيد صلاة، فلو كانت عنده ثلاثة أثواب واحد منها نجس يصلي في ثوبين، فيأخذ أحدهما، ويصلي، ثم يأخذ ثوباً ثانياً منها، ويصلي؛ فإنه إذا كان الأول نجساً؛ فإن الثاني طاهر يقيناً. قوله ﵀: [صَلّى في كلِّ ثوبٍ صلاةً بِعَددِ النّجسِ، أو المُحرّمِ، وزادَ صلاةً]: قوله: [أو المحرّم] كأن يكون ثوباً مغصوباً، ولا يستطيع أن يميزه، ففي هذه الحالة يصلي بعدد النجس، أو المحرم، ويزيد صلاة واحدة، لأنه إذا اقتصر على عدد النجس، أو ما دونه إحتمل أن يكون صلى في الثياب النجسة، وأما إذا زاد ثوباً، فإنه يستيقن حينئذ أنه صلى في ثوب طاهرٍ.

стр. 63

باب الآنية باب الآنية، الباب هو الفتحة في الحائل بين الشيئين يُتوصّل بها من خارج إلى داخل، وعكسه قالوا: سُمِّيت مباحث العلم أبواباً؛ لأن الإنسان يتوصل من خارج، وهو الجهل بها إلى داخل، وهو العلم بما فيها، فمن قرأ شيئاً من هذه الأبواب فقد أدرك العلم الذي فيها كمن دخل البيت أدرك الخير الذي فيه وإرتفق بمنافعه. [باب الآنية]: واحدها إناء، وَجَمَعَها -رحمة الله عليه-؛ لأن الأواني منها ما أباحه الشرع كآنية الخشب، والحديد، والصُّفرُ الطّاهرة، ونحوها، ومنها ما حرّمه الله كآنية الذهب، والفضة، والمتخذة من جلود السباع، ونحوها، فنظراً لتعددها جمعها بقوله ﵀: (الآنية)، أما مناسبة هذا الباب للطهارة فكما هو معلوم أن الطهارة تحتاج إلى ماء يتطهر به، وصفة تتم بها أما الماء الذي يتطهر به الإنسان فإنه يحتاج إلى وعاء يحمله، فإنه قد يكون الماء كما تقدم معنا في الباب الماضي ماء طهوراً، ولكن الإناء نجس، فهل يجوز أن يتوضأ الإنسان منه؟ وقد يكون الماء طهوراً، ولكنه في إناء محرم كالإناء من الذهب، أو الفضة، فهل يجوز أن يتطهر به؟ وما حكم طهارته؟ فإذاً لا بد من الكلام على أحكام الآنية لأنها أوعية الماء الذي يُتَطّهر به؛ فقال رحمة الله عليه: [باب الآنية].

стр. 64

قوله ﵀: [كل إناءٍ طاهرٍ، ولوْ ثميناً يباحُ إتّخاذُه، واستعمالُه]: هذه الجملة كالقاعدة، فلو سألك سائل: ما هو الأصل في الأواني؟ تقول: الأصل أنها جائزة، ومباحة إذا كانت طاهرة، ولو كانت ثمينة فلو كان الإناء من الألماس، أو الجواهر، أو غيرها من المعادن الثمينة، والنفيسة فإنه يباح إتخاذه، وإستعماله، فلو أنّ إنساناً شرب في كأس من معدن ثمين كالجواهر، أو غيرها فإنه يباح له ذلك، فالأصل حِلُّ جميع ذلك " لأن الله تعالى قال في كتابه: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْه﴾ (١) فدلت الآية الكريمة على أن الأصل حلُّ جميع ما سُخِّر لبني آدم حتى يدل الدَّليل على التحريم، ومن ذلك المعادن إذا اتخذت منها الأواني حلّ الإنتفاع بها ما لم ينصَّ الشرع على تحريم شيء منها كالذهب، والفضة، فإذاً الأصل في الإناء أنه يباح لك استعماله، واتخاذه، والاتخاذ يكون في البيت يجعله الإنسان لحفظ الأشياء فيه، أو يستعمله في مصالحه كأواني الأكل، والشرب، والطبخ، والنظافة، والصناعة، فالأصل فيها الحلُّ، ولو كانت ثمينة غالية القيمة، فلا حرج على المسلم في إستعمالها حتى ولو تطهر منها بالوضوء، والإغتسال، والإستنجاء. قال ﵀: [إلا آنية ذهب، وفضة، ومضببٍ بهما] آنية الذهب، والفضة لا يجوز للمسلم أن يستعملها، فالإستثناء بقوله (إلا آنية ذهب، وفضة) المقصود به الإستثناء من الحلِّ الذي نصَّ عليه في قوله قبل ذلك:

стр. 65

(يباحُ إِتّخاذُه، واستعمالُه) فيكون المعنى: إلا آنية ذهب، وفضة؛ فلا يباح إتخاذها، واستعمالها، ويستوي في التحريم أن يكون إستعمالها في الطهارة، أو غيرها، فلا يجوز التوضؤُ منها، وهكذا الاغتسال، والاستنجاء، وسواء كانت من الآنية القديمة، أو غيرها، فيحرم التّطهر من صنابير الذهب، والفضة، وكذلك الإغتسال منها، أو الإستحمام في المسابح، والأحواض المطليّة بهما، فجميع ذلك محرّم، والأصل في تحريمه ما ثبت في الصحيح عنه ﵊ من حديث حذيفة إبن اليمان ﵄ أن النبي ﷺ قال: [لا تَشْربُوا في آنيةِ الذّهبِ، والفضِّةِ ولا تأكُلوا في صِحَافِهما فِإنها لهم في الدُّنيا، ولكُمْ في الآخِرةِ] فنهى ﵊ عن الأكل والشرب، وهما في مقام الحاجة الضرورية؛ فنبّه بذلك على تحريم إتخاذها من باب أولى، وأحرى، لأن استعمالها في الطهارة ليس بضروري، فإذا حرم استعمالها في الضروري المحتاج إليه فمن باب أولى وأحرى أن يحرم إستعمالها فيما هو دون ذلك كالوضوء، والغسل، والإستنجاء، والشرع ينبّه بالأعلى على ما هو أدنى منه، وإذا حَرُم استعمالها في الضَّروريات، والحاجيات من الأكل، والشرب، والإغتسال، والطهارة فمن باب أولى أن يحرم في التحسينيات مثل: أن يتخذها للزينة. وتحريم الأكل، والشرب في آنية الذهب، والفضة بلغ أعلى درجات التحريم، لورود الوعيد الشديد فيه كما في الحديث الصحيح عنه ﵊ أنه قال: [الذي يشربُ في آنيةِ الفضّةِ إِنما يُجَرجِرُ في بطنِه نارَ

стр. 66

جهنّمَ]، ومن هنا نصّ بعض العلماء ﵏ على إعتباره من كبائر الذنوب. وقوله ﵀: [ومضبّبٍ بهما] أي: أن التحريم لا يختصُّ بالإناء الخالص من الذهب، والفضّة، بل يشمل جميع الأواني التي فيها ذهب، أو فضة، سواء كانت خالصة من أحدهما، أو كانت مطليَّة به، وسواء كانت نسبة الذهب، والفضة هي الأكثر، أو كانت الأقل، وسواء كانت مضبَّبة، أو مموّهة، أو طُلي بها خارجها، أو داخلها، أو أطرافها؛ فجميع ذلك محرّم؛ لعموم الحديث. وسيأتي أن الضبّةَ اليسيرة مستثناة بشروطها، لورود الدليل الشرعي باستثنائها، وعليه فإنه يحرم إستعمال الأواني على إختلافها إذا كانت فيها أي نسبة من الذهب، أو الفضة فلا يجوز للمسلم مثلاً أن يشرب في كأس ذهب، أو فضة، ولا يجوز له أن يأكل بملعقة ذهب، أو فضة، ولو كان أنثى، فإن الأنثى يباح لها الذهب، والفضة من الحلى، دون الإتخاذ، والإرتفاق بهما في مأكل، أو مشرب؛ لحديث حذيفة ﵁. قوله ﵀: [فإنه يحرم اتخاذها واستعمالها، ولو على أنثى]: قوله: [ولو على أنثى]: أي ولو كان الذي يشرب من الإناء ويستعمله من الإناث، فإن التحريم للأكل، والشرب عامٌّ لقوله ﵊: [فإِنها لهمْ في الدُّنيا -أي للكفار- ولكمْ في الآخرة -أي للمسلمين-] قال بعض العلماء: لا يُؤمنُ على من أكل، وشرب فيهما، وإنتفع بالذهب، والفضة بالأكل، والشرب في صحافهما، وآنيتهما في الدنيا أن يَحْرِمَهُ

стр. 67

الله -جل وعلا- منهما في الآخرة كما حُرم شارب الخمر -والعياذ بالله- خَمر الآخرة بإدمانه عليها في الدنيا -نسأل الله السلامة والعافية-. وقوله ﵀: [ولوْ على أنثى] " لو " فيها إشارة إلى خلاف مذهبي -أي في مذهب الحنابلة- فتعبيره بهذه الصيغة قصد أن يشير به إلى أن هناك من جوّز للمرأة دون الرجل إتخاذ الأواني، واستعمالها إذا كانت من الذهب، أو الفضة، وهو قول ضعيف، والصحيح مذهب الجماهير أن التحريم عام شامل للذكور، والإناث. وقد دل على ذلك قوله ﵊: [فإنَّها لهمْ في الدُّنيا، ولكمْ في الآخرةِ] فهذه الجملة تعليلية؛ كما نصّ عليه شراح الحديث، وهي تدل على أن تحريم هذه الأواني عام شامل للجنسين، دون تفريق بينهما. قوله ﵀: [وتصح الطّهارةُ مِنْه] أي تصح الطهارة من الإناء إذا كان من ذهب، أو فضة، ويحكم بارتفاع الحدث، وزوال الخبث إذا تطهر منه. وهذا هو مذهب جمهور العلماء ﵏ أن من توضأ، أو إغتسل من إناء ذهب، أو فضة حُكِمَ بصحة وضوئه، وأن التّحريم للإناء لا يستلزم بطلان عبادة الوضوء، والغسل؛ لأن الجهة منفكّة بين المشروع، والممنوع، فإذا تطهر منها حكمنا بكونه طاهراً؛ لأنه صبَّ الماء على الأعضاء، وأجراه عليها بالصورة الشرعية المعتبرة، فحكمنا بكونه متطهّراً لقوله ﵊ كما في الصحيح: [ثُمّ تُفيضينَ الماءَ على جَسدِك؛ فإذا أنتِ قَدْ طَهُرتِ] وهذا قد أفاض الماء على جسده؛ فنحكم بكونه طاهراً، وهكذا إذا توضأ حكمنا بكونه متوضئاً؛ لوجود الفعل بصورته الشرعية المعتبرة،

стр. 68

وكون الإناء محرماً لا تأثير له في الطهارة نفسها، ففي الصحيح من حديث أبي هُريرة ﵁ أن النبيَّ ﷺ قال: [لا يَقْبل الله صلاةَ أحدِكم إِذا أحدث حتى يتوضأ] فدل على أن من توضأ بصب الماء على أعضاء الوضوء بالصورة الشرعية أنه إرتفع حدثه، وهو هنا كذلك، فالجمهور ﵏ على أن طهارته صحيحة للنُّصوص الدّالة على صحتها، وهو آثم باستعمال آنية الذهب، والفضة؛ لمخالفته النهي المتضمن لتحريم استعمالها، وإتخاذها، فانفكّت الجهة بينهما، حيث لم يرجع النهي إلى ذات المنهي عنه، بل لشيء خارج عن ذاته، وهو الإناء، والوعاء، أما الماء المستعمل في الطهارة فهو باقٍ على الأصل الموجب لاعتبار التّطهر به صحيحاً. وذهب بعض العلماء ﵏ إلى عدم صحة الطهارة، وهو قولٌ في مذهب الحنابلة ورجّحه طائفة منهم، ورأوا أن النَّهي يقتضي فساد المنهيِّ عنه، فيُحكم بفساد الطهارة من آنية الذهب، والفضة. والذي يترجح في نظري، والعلم عند الله هو مذهب الجمهور لصحة ما ذكروه من دلالة الأدلة على اعتبار الطهارة، وصحتها، وإثمه بالمخالفة للنهي، وأن الجهة منفكة حيث لم يرجع النهي إلى ذات العبادة، وهي الغسل، والوضوء. والله أعلم. قوله ﵀: [إلا ضبّةً يسيرةً] إلا أداة استثناء، والإستثناء: إخراج بعض ما يتناوله اللفظ، فيكون المعنى أن الضَّبة اليسيرة من الفضة للحاجة جائزة.

стр. 69

وتضْبِيبُ الإناء يكون على طرفه كضبَّة الباب. وإستثناء هذه المسألة من التحريم مبني على ما ورد عن أنس ﵁ في إناء النبي ﷺ : [لما إنكسرَ إتّخذ مكانَ الشّعبِ سِلسلةً من فضّةٍ]. وقد ذكر المصنف ﵀: ثلاثة شروط للحكم بالرخصة وهي: الشرط الأول: أن توجد الحاجة. والشرط الثاني: أن تكون الضبّة من الفضّة. والشرط الثالث: أن تكون يسيرة. وهناك شرط رابع مختص بالإستعمال وهو: أن لا يباشر بالشرب من الضبّة، ونصّ المصنف على كراهته، والصحيح التحريم إعمالاً للأصل. فأما إشتراط وجود الحاجة فلأنها رخصة، والحاجة موجبة لها فتستثنى من التحريم، ومفهوم هذا الشرط أنه إذا إنكسر الإناء، وأمكن إصلاح كسره بمادة غير الفضة لم يرخص له باستعمال الفضة؛ لأنه غير محتاج، وهكذا إذا كان الإناء سليماً، وأراد أن يضع الفضّة على طرفه لم يجز لعدم وجود الحاجة، فبقى على الأصل الموجب للتحريم، وأما إشتراط كونها من فضة فلأن الدليل المرخّص ورد بها، فلا يجوز الذهب؛ لعدم ورود ما يستثنيه، فبقى على الأصل الموجب للتحريم، وأما إشتراط اليسير؛ فمفهومه أنه إذا كانت كثيرة لم تجز؛ إعمالاً للأصل، وقد تقدم أن الفرق بين اليسير والكثير هو أن لا يتفاحش في النفس، فما كان غير متفاحش فهو يسير، وما

стр. 70

تفاحش فهو كثير هذا على ما درج عليه المصنف ﵀، وغيره من فقهاء الحنابلة كما تقدم معنا في مسألة يسير الدم. قوله ﵀: [وتُكرَه مباشرتُها لغير حاجة]: وتكره مباشرتها: أي مباشرة الضبّة لغير حاجة، فإن وجدت الحاجة كما يقولون: مثل أن يكون الموضع الذي إنكسر هو موضع الشرب قالوا: فحينئذٍ لا يستطيع أن يشرب إلا من هذا الموضع الذي فيه الفضة فيجوز له أن يشرب، وهذا لا إشكال فيه أعني في حال وجود الحاجة، أما قوله [تُكْره] في حال غير وجود الحاجة فقد قدمنا أن الصحيح أنه محرّم؛ لأن الأصل هو التحريم، والرخصة لا يُتجَاوز بِها محالُّها، فمحلّ الرخصة هنا إصلاح الإناء، ومباشرة الشرب من الموضع الذي فيه الضَّبة من دون حاجة ترفّه غير داخل في الرخصة؛ فبقى على الأصل الموجب لتحريمه، لا للكراهة فقط. قوله ﵀: [وتباح آنية الكفار]: بعد أن بين لنا -رحمه الله تعالى- أحكام أواني المسلمين، وبيّن أن الأواني كلها جائزة إلا آنية الذهب، والفضة، وأن كل وعاء يجوز أن تنتفع به إلا إذا كان من الذهب، أو الفضة. فإنه يرد السؤال عن حكم أواني الكفار، والكفار على قسمين: القسم الأول: كفار من أهل الكتاب، وهم الذين لهم في الأصل دين سماوي، وهم اليهود والنصارى. والقسم الثاني: كفار على غير دين سماوي كالوثنيين، والمشركين، والملحدين، ونحوهم.

стр. 71

فَيرِدُ السؤال: لو أن إنساناً سألك يوماً من الأيام وقال لك وجدتُ إناءً ليهودي هل يجوز لي أن أتوضأ به، أو اغتسل منه، أو أكل، أو أشرب فيه؟ هذا سؤال وارد، ولذلك بينت الشريعة حكم آنية الكفار في أكثر من حديث، وقد إختلف العلماء ﵏ في هذه المسألة. وتوضيحها أن أواني الكفار لها حالتان: الحالة الأولى: أن تكون جديدة غير مستعملة كالأواني التي تأتي منهم جديدة مصنّعة من مواد طاهرة كالحديد، والنحاس، والصفر، والخشب، ونحوه فهذه طاهرة، ويجوز الانتفاع بها بلا إشكال، لأن اليقين طهارتها، وليس هناك دليل على النجاسة؛ فنبقي على الأصل الموجب لطهارتها، وإباحة إستعمالها. الحالة الثانية: أن تكون أواني الكفار مستعملة، فإن كانت مستعملة فإن رأيت استعمالهم للنجاسة فيها مثل: أن ترى الإناء، وفيه النجاسة فبالإجماع أنه نجس، ولا يجوز استعماله حتى يُغْسَل، فلو أن كأساً صُبَّ فيها خمر؛ فإنه لا يجوز استعمالها، إلا بعد غسلها، وتنظيفها، وهكذا الوعاء إذا طُبخَ فيه خنزير، أو وُضع فيه؛ فإنه نجس، ويغسل ليُطهّر. وأما إذا كانت هذه الأواني مغسّلة عندهم، ولم يجد الإنسان غيرها، وكانوا قد أكلوا فيها، أو شربوا فهذا للعلماء فيه وجهان: منهم من قال: لا تستعمل إلا أن يضطرّ إليها، لما ثبت في الصحيح من حديث أبي ثعلبة الخُشني ﵁، قال: -يا رسول الله- إني بأرض قومٍ أهلِ كتابٍ أفنأكلُ في آنيتهم؟ فقال ﷺ : [لا إِلا أنْ لا تَجدُوا غيرَها؛

стр. 72

فاغسِلُوها، ثم كُلوا فيها]، فدلّ هذا الحديث على أن آنية الكفار التي يستعملونها لا يؤكل فيها، وقد عارض هذا الحديث حديثٌ ثانٍ، وهو أكل النبي ﷺ من آنية الكفار، ففي حديث أحمد في مسنده أن النبي ﷺ إستضافه يهودي على خُبزٍ، وإهالةٍ سَنخةٍ فأكل النبي ﷺ منها. وكذلك -أيضاً- ثبت في الصحيح عنه ﵊: أن إمرأةً يهودية دعته إلى شاةٍ، ووضعت السمَّ فيها، فأكل منها ﵊، فدل هذا على أن آنية الكفار يؤكل فيها، قالوا: أما الشرب، والوضوء ففي الصحيحين عن النبي ﷺ أنه لما لقي المرأة المشركة التي معها المَزادةُ توضّأ هو، وأصحابه منها. قالوا: فهذا يدل على أن أواني الكفار يؤكل فيها، ويشرب منها ما لم تُعْلم نجاستها. ويمكن الجمع بين هذه الأحاديث بأن يقال: إن كانت آنيتهم على حالة يغلب على الظن طهارتها جاز إستعمالها، وإعمال الأصل، والظاهر الموجب للحكم بالسلامة، وهذا مثل حاله ﵊ في وضوئه من مزادة المشركة، لأن المزادة لا يمكن بحال أن يوضع فيها ماء الشرب إلا إذا كانت طاهرة سالمة من الدنس، والنجاسة. ومثله أكله من طعام اليهودي، واليهودية لأن الآنية لا يوضع فيها الطعام للضَّيف إلا بعد غسلها وتنظيفها، بل قد تجد الإنسان يحتاط للضَّيف أكثر مما يحتاط لنفسه، فظاهر حالها أنها طاهرة، ثم إن الشاة، والخبز، والطعام الذي جُعل فيها طاهر.

стр. 73

وأما حديث أبي ثعلبة ﵁ فالسؤال فيه جاء عن إستعمال آنيتهم التي يستعملونها، وأهل الكتاب يشربون الخمور، ويأكلون الخنزير، فاجتمع الحرام في المأكول، والمشروب، فمنعه النبي ﷺ أن يستعمل آنيتهم، واستثنى حالة وجود الحاجة فأجاز له إستعمالها على وجه يضمن معه سلامة الإناء من المحرّم النجس، والفرق بين الحالتين ظاهر، فجاز في الأول الأكل، والشرب لغلبة السلامة، والطهارة، وحُرّما في الثاني لغلبة النجاسة. والله أعلم. وبناء على ما تقدم فهناك ثلاث حالات لأواني أهل الكتاب: الأولى: أن تكون جديدة من مواد طاهرة، أو ظاهرها السلامة كما في حديث مزادة المشركة، فلا إشكال في طهارتها، وجواز إستعمالها إعمالاً للأصل الشرعي، وأما إذا كانت مصنوعة من مواد نجسة مثل: أن تصنع من جلود الحيوانات التي هي محرمة الأكل فمثلها لا تطهر بالدباغة، فلا إشكال في تحريمها جديدة كانت، أو قديمة. الثانية: أن تكون متنجسة مثل: أن يضعوا فيها نجاسة من مأكول كالخنزير، أو مشروب كالخمر، فلا إشكال في نجاستها، فيجب غسلها، وتطهيرها، ولا يجوز إستعمالها إلا أن لا يجد غيرها لحديث أبي ثعلبة ﵁. الثالثة: أن لا نعلم بنجاسة فيها، أو طهارة، وتكون من مواد مباحة طاهرة: فلا يجوز إستعمالها؛ إلا أن لا يجد غيرها، فيغسلها، ثم يأكل فيها لعموم حديث أبي ثعلبة ﵁.

стр. 74

قوله ﵀: [وتُباحُ آنيةُ الكفارِ، ولوْ لَم تَحلّ ذبائحُهم]: أي يباح لك إِستعمال أوانيهم، ولو لم تحل ذبائحهم؛ لأن بعض العلماء يقول يباح آنية أهل الكتاب الذين تحلُّ ذبائحهم، وأما غيرهم ممن لا تحل ذبائحهم فلا تباح آنيتهم، فبيّن ﵀ أن الإباحة لأواني الكفار عامة، سواء كانوا ممن تحلّ ذبائحهم، أو من غيرهم. قوله ﵀: [وثيابهم إِنْ جُهِلَ حَالُها]: ثياب الكفار لها ثلاث حالات: الحالة الأولى: أن تكون جديدة لم تُلبس كأن تأتي من بلاد الكفار جديدة لم تُستعمل؛ كالثياب المصنّعة في بلاد الكفار من مواد طاهرة، وبطريقة لا شبهة فيها؛ فحكمها الطهارة يقيناً؛ فأيُّ ثوب جديد، ولو جاء من ديار الشرك، والكفر تقول: اليقين أنه طاهر، والعبرة بطهارته حتى أرى النجاسة فيه، أو عليه، ودليل هذه الحالة حديث عائشة ﵂ في الصحيح: [أنّ النبي ﷺ كُفِّنَ في ثلاثةِ أثوابٍ بيضٍ سَحُوليةٍ] وسحول: موضع باليمن تصنع فيه هذه الثياب، وكانت اليمن أرض أهل الكتاب حتى آخر حياة النبي ﷺ كما يشهد لذلك حديث معاذ ﵁ لما بعثه ﵊ إليها في آخر سنةٍ من حياته فقال له: [إِنك تأتي قوماً أَهلَ كتاب]، فدل هذا على جواز لبس الثياب المصنّعة في بلاد الكفر من مواد طاهرة، ومثله لبسه ﵊ للبُرُد النَّجْرانِيّةِ.

стр. 75

الحالة الثانية: أن تُرى على ثوب الكافر النجاسة فحكمه: أنه نجس، وذلك مثل: ثوبه إذا أصابه بول، فإنه متنجس، فيلزم تطهيره إذا أراد لبسه، والصلاة فيه. الحالة الثالثة: وهي التي فيها الإشكال: إذا كان ثوباً يستعمله الكافر، ولم تُرَ نجاسة عليه، فهل هو نجس، أو طاهر؟ قال بعض العلماء: ثياب الكفار أُعمِلُ فيها اليقين، فاليقين أنها طاهرة حتى أرى النجاسة عليها، هذا مذهب من يتسامح فيها، بناء على الأصل من طهارتها. المذهب الثاني يقول: ثياب الكفار الظاهر نجاستها. والمذهب الثالث التفصيل: فإن كان ممن يتوقى النجاسات كأهل الكتاب حكم بطهارتها، وإن كان ممن لا يتوقون النجاسة كالمشركين حكم بالنجاسة، ثم يتأكّد هذا في الثياب التي تلي العورة؛ كالسروال، والإزار، ونحوهما، بخلاف ما إذا كان مما لا يلي العورة كالعمامة، والطاقية، ونحوها وهذا هو الأرجح في نظري لأنه مبني على مراعاة الأصل الموجب للحكم بالطهارة، واستثناء الغالب الذي يُقوِّي دليلُ الظّاهرِ الحُكمَ بالنجاسة فيه، وهي الثياب التي تلي موضع النجاسة. قوله ﵀: [ولا يَطْهُرُ جِلدُ ميْتَة بدِبَاغٍ] معناه: أن جلد الميتة لا يطهر إذا دبغ، فهو نجس في كلتا الحالتين دُبغَ، أو لم يُدبَغ، وهذه المسألة فيها قولان مشهوران:
следующие страницы →