ْ
على حسب ما هو المفروض الأول في الوضوء؟ هل هو الوجه، أو المضمضة، والاستنشاق، أو الإستنشاق، دون المضمضة على الخلاف المشهور.
وهذا كله على مذهب الحنابلة، وحسب الخلاف الموجود فيه.
قوله ﵀: [معَ الذِّكْر]: أي: أن وجوبها عند الذكر، ومفهومه: أنها ساقطة، وغير واجبة عند النسيان، وهذه هي إحدى الروايات عن الإمام أحمد ﵀، وعليها فإنه لا يطالب بإعادة وضوئه إذا تركها نسياناً، وعنه: أنها واجبة فيهما؛ أي: أنه إذا لم يذكر اسم الله -جل وعلا- وجب عليه الرجوع، وإعادة الوضوء حتى ولو كان ناسياً.
قوله ﵀: [ويَجِبُ الختانُ]: الختان: مصدر خَتَنَ، يَخْتِنُ، خِتَاناً، وهو خاتن، ومختون، والختان بالنسبة للرجال: إزالة الجلدة التي على حشفة الذكر.
وأما بالنسبة للنساء فهو إزالة أعلى الجلدة التي على الفرج، وشبّهَهَا بعض العلماء ﵏ بعُرْفِ الدّيك والختان مكرمة في النساء، وسنة في الرجال، وأوّل من اختتن إبراهيم الخليل -عليه، وعلى نبينا الصلاة والسلام- إِختتن، وهو ابنُ ثمانين سَنةً، إِمتثالاً لأمر الله ، ولذلك عُدَّ هذا من ابتلاء الله، وإِختباره له، فإن الختان مع تقدم السّن، وكِبَرها لا شك أن فيه مشقةً عظيمةً، ولكنه إِمتثل أمر الله، ولذلك بيّن حبر الأمة، وترجمان القرآن عبد الله بن عباس في تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ
стр. 142
بِكَلِمَاتٍ﴾ (١) أنّ مما ابتلاه الله به: الختانَ، كما صح عنه في رواية الحاكم في مستدركه، فإنه إِبتلاه، وهو في كِبَرِ سِنِّه كما تقدم في الحديث الصحيح عنه ﵊، والختان شرعه الله للرجال، لما فيه من الطهارة، والنّقاء، بإزالة هذا الموضع الذي قد تَعْلَقُ فيه النجاسة، وإذا أزاله كان ذلك أبلغ في الطهارة، والنّقاء، والبُعد عن الدّنس والدين دين طهارة حساً، ومعنى كما قال تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ (٢)، والختان من الطهارة، ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ (٣)، كما أن هذا الختان شُرِعَ تخفيفاً من الشهوة الموجودة في المرأة، فإن المرأة إذا تُركت على حالها إِشْتدّت شهوتها، ولذلك تعتدل الشهوة عند نساء المسلمين بالختان؛ بخلاف غيرهنّ من الكافرات، كما ذكر شيخ الإسلام رحمة الله عليه أنه: يوجد في النساء الكافرات من شدّة الشهوة، وطلب الفساد، والحرام ما لا يوجد في نساء المؤمنين، وذلك لمحل الختان، وجعل الله في الختان مصلحة الدين، والدنيا فلذلك تحصل به العفّة للمرأة، والطّهارة للرجل، والمرأة إذا استؤْصلت الجلدة التي هي موضع الختان بكاملها ذهبت شهوتها؛ كما يقول الأطباء من المتقدمين، والمتأخرين، وإذا تُركتْ اشْتدت غِلْمَتُها وإذا قُصّ منها، أو أخذَ بعضها إعتدلت، ولذلك ورد في حديث أم عطية ﵂ كما أشار إليه الإمام ابن القيم ﵀ في التحفة قوله ﵊: [أشمِّي، ولا تُنْهِكي]،
стр. 143
والإشمام: أن يكون من أعلى الشيء، والإنهاك يعني به: أخذ الجلدة كلها، وهو حديث متكلم في سنده، ولكنّ معناه صحيح عند العلماء أنه ينبغي عند ختن المرأة أن لا تستؤصل الجلدة، بل يُؤخذ من أعلاها، لأن استئصالها يؤدي إلى ذهاب الشهوة، كما تقدم.
ومن الحكم العظيمة أن الدراسات الطبية أثبتت الفوائد المترتبة على هذه العادة الإسلامية المحمودة، حتى تبين من خلالها أن نسبة سرطان القضيب عند الرجال المختتنين لا تجاوز واحداً في المائة بالنسبة لغير المختتنين.
والصحيح: وجوبه على الرجال، والنساء، وذكرنا في شرح البلوغ، وعمدة الأحكام، وفي كتاب أحكام الجراحة الطبية الأدلة على ذلك، والخلاف فيها، وظاهر النصوص مشروعيته في حق الرجال، والنساء معاً؛ كما يدل عليه ظاهر قوله ﵊ في الصحيحين: [خمس من الفطرة] وذكر منها الختان، دون أن يفرق بين الرجال، والنساء، وفي الصحيح من حديث أم المؤمنين عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: [إِذَا إلْتقى الختانانِ] فبيّن أنّ الختان يكون في الرجال، والنساء، ولأن المرأة تحتاج إليه طلباً للعفة، والعفة مطلوبة، وواجبة، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب فلما كان اعتدال شهوة المرأة يحصُل به مقصود الشرع كان الختان من هذا الوجه أقرب للوجوب منه للاستحباب والندب.
وأما ما ورد من حديث إِبن كُليْبٍ: [أنّ الختانَ واجبٌ على الرِّجالِ، ومَكْرَمة للنِّساءِ] فهو حديث ضعيف.
стр. 144
ومحل وجوب الختان على المكلف إذا قارب البلوغ، والأفضل أن يُختن الصبيُّ، وتُختن الصّبية أي في حال الصغر، وينبغي على كل من الخاتن، والخاتنة مراعاة حدود الله في الختان؛ كما نبّه على ذلك الإمام إِبن قدامة ﵀ في المغني في الجزء السادس عند كلامه على أحكام الإجارة حيث بيّن أنه يحرم على الخاتن أن يختن إلا إذا كان بصيراً بالختان عالماً به، وبكيفية فعله، وأن لا يتجاوز الموضع المعتاد في الختان، وأنه إذا ختن وهو غير عالم بالختان، أو تجاوز حدود الختان فإنّه يضمن، ويأثم شرعاً، أما ضمانه إذا لم يكن عالماً فلقوله ﵊ في حديث السُّنن: [مِنْ تَطَبَّبَ، ولمْ يُعْلَمْ مِنْهُ طِبٌّ، فَهُو ضَامنٌ] وهو حديث صحيح.
وأجمع العلماء على أنه يأثم، وأنه يُقتص منه، ولو كان طبيباً إذا قصد الإضرار، وقال: تَعمّدتُ، لقوله تعالى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ (١) فيختن كل من الرجال والنساء، وتُراعى حدود الله من عدم ختن الرجال للنساء إذا وجد النساء، وكذلك العكس، وعدم النظر إلى العورة أكثر من الوقت المحتاج إليه وعدم الزيادة على الحدِّ المعتبر في الكشف، واللَّمس للعورة.
قوله ﵀: [ما لمْ يَخف على نَفْسه]: مراده ﵀: أنه يُستثنى من وجوب الختان هذه الحالة، وهي أن يكون الشخص يخاف على نفسه إذا خُتن، ككبير السن، والشيخ الهرم، أو يكون في الموضع إلتهابات، أو
стр. 145
أمراض دائمة لا يرجى زوالها، ولو اختتن زادت عليه، واستفحل شرّها فيُرخص له في ترك الختان.
قوله ﵀: [ويُكْره القَزَعُ]: القزع هو: حلق بعض شعر الرأس، وترك بعضه، وقد نهى عنه النبي ﷺ واختلف العلماء في الذي يحلق، ويترك من الرأس:
فقال بعض العلماء: أن يحلق وسط الرأس، ويترك باقيه.
وقال بعضهم: أن يحلق أطرافه كأن يحلق الشق الأيمن، والأيسر، والقفا، ويُبْقي وسطه شأن أهل الفساد، وصنيع السِّفلة، والرّعاع -نسأل الله السلامة والعافية-.
وقيل: أن يحلق نصف الرأس، ويترك نصفه.
وقيل: أن يحلق مقدّمه، ويترك مؤخّره، أو العكس.
ولا مانع من اعتبار هذه الصور كلها؛ لأنه يحتملها النّص، والأصل أنه إذا إِحتمل النّص وجوهاً متعددة، ولم يرد الشرع بتقييد وجه منها أن تبقى دلالته على العموم، وللعلماء في تعليل تحريم القزع وجوه:
قال بعض العلماء: مشابهة اليهود، فقد كانوا يحلقون بعض الشعر، ويتركون بعضه.
وقال بعضهم: إن فيه ظلماً للإنسان في نفسه، والله أمر الإنسان بالعدل حتى مع نفسه.
وتوضيح ذلك: أنه إذا حلق شقه الأيمن، وترك الأيسر ظلم شقّه الأيمن إذا كان الزمان برداً، وظلم شقّه الأيسر إذا كان الزمان حراً، ولذلك نُهي أن
стр. 146
يَنْتعل بإحدى رجليه، ويترك الأخرى؛ لأنه ظلم للرِّجْل التي لم تنتعل، ونهى عن الجلوس بين الشمس، والظِّل؛ لأنه إذا كان صيفاً ظلم النصف الذي في الشمس، وإذا كان شتاءً ظلم النصف الذي في الظل، ولذلك قالوا إنه نُهي عن القزع لئلا يكون الإنسان ظالماً حتى مع نفسه.
والصحيح: أن كل هذه العلل صحيحة، ومحتملة ففيه ظلم، وفيه تشبه بأهل الفساد، ولذلك ما يفعله بعض من يحلق رأسه حتى، ولو بالتقصير كأن يقصر أطراف الشعر، ويجعل الشعر كثيفاً في منتصف الرأس فإنه يشمله هذا؛ لأن فيه تشبهاً بأهل الفساد، وقد أشار إلى ذلك بعض العلماء -رحمة الله عليهم- وكنا نعهد مشايخنا -رحمة الله عليهم- من الأوّلين أنهم كانوا يشددون في تخفيف الشعر، بعضه دون بعضه، وكانوا يعدّون ذلك من القزع، واختاره الوالد ﵀.
وقالوا: إما أن يُخفِّفَه كُله، أو يحلِقَه كله، وهذا هو الأصل الذي عليه العمل عند أهل العلم أن السُّنة في الرأس أن يحلق كلّه، أو يخفف كله لا أن يفعل ببعضه، ويترك بعضه لما فيه من مشابهة أهل الفساد، وإذا كان القزع حراماً حرم على الحلاق أن يفعله بالغير، فإن فعل أثم؛ لأنه معين على الإثم، والعدوان وحرمت الإجارة، والأجرة، يعني المال الذي يدفع في مقابل ذلك الشيء يعتبر حراماً على الأصل المقرر أن الإجارة على المحرم أجرتها محرمة.
قوله ﵀: [ومِنْ سُننِ الوُضُوءِ]: السُّنة: أصلها الطريقة، وسنّ الشيء إذا شرعه، والمراد بها سنن النبي ﷺ في الوضوء أي: في عبادة الوضوء، والمراد بالسّنة: (ما يُثابُ فاعلُه، ولا يعاقبُ تَاركُه) ويشمل
стр. 147
ذلك السنن القولية، والفعلية، والتقريرية أي: التي قالها النبي ﷺ أو فعلها، أو فُعِلت وأقرَّها، فكل ذلك يوصف بكونه سنّة، ولا يُطلب من المكلف طلب إلزام.
قوله ﵀: [ومِنْ سنَنِ الوُضُوءِ] شرع المصنف ﵀ في هذه الجملة في بيان بعض السنن الواردة عن رسول الله ﷺ في وضوئه.
وفي هذا دليل على حرص الأئمة، والعلماء ﵏ على الدِّلالة على هدي النبي ﷺ وسنته كيف، وقد جعله الله قدوة للمؤمنين، وأسوة لأمته في الدين صلوات الله وسلامه عليه إلى يوم الدين.
وينبغي أن ينبّه على أن ذكر العلماء ﵏ للسنن لا يدعو إلى تركها، والتساهل فيها، بل المنبغي عكس ذلك.
وقوله ﵀: [السِّواك] أي: فعل السّواك، وقدمنا الأحاديث الواردة عن رسول الله ﷺ في سنيته عند الصلاة، ومنها حديث أبي هريرة ﵁ في الصحيح أن النبي ﷺ قال: [لوْلا أَنْ أشُقَّ على أمّتي لأَمرتهمْ بالسِّواكِ عِنْدَ كُلِّ صلاةٍ].
قوله ﵀: [وغَسْلُ الكفينِ ثَلاثاً]: لأن النبي ﷺ ثبت عنه في الصحيحين من حديث حمران مولى عثمان، عن عثمان، وحديث علي بن أبي طالب، وعبد الله بن زيد رضي الله عن الجميع أنه استفتح وضوءه بغسل كفيه ثلاثاً، فدلّ ذلك على سنّيته قال بعض العلماء: إنما حافظ النبي ﷺ على غسل الكفين ثلاثاً؛ لأن الكفين آلة الوضوء، وهي التي تنقل الماء،
стр. 148
فينبغي أن تكون على نقاء، وطهارة، حتى يكون ذلك أدعى لحصول المقصود من الوضوء.
قوله ﵀: [ويجبُ مِنْ نومِ لَيْلٍ ناقضٍ لوضُوءٍ]: غسل الكفين على حالتين:
الحالة الأولى: أن يكون للمستيقظ من النوم.
الحالة الثانية: أن يكون لغير المستيقظ من النوم.
فإن كان مستيقظاً من نومه سواء كان نوم ليل، أو نهار، فإنه يجب عليه غسلهما ثلاثاً؛ لظاهر حديث أبي هريرة ﵁ في الصحيحين أن النبي ﷺ قال: [إِذَا استَيْقَظَ أحدُكمْ مِنْ نَومِه فَلْيغسِلْ يَديهِ ثَلاثاً قَبلَ أنْ يُدخِلهما في الإِناءِ فإن أحدَكم لا يدْري أَينَ بَاتَتْ يَدُهُ] فدل هذا الحديث الصحيح على أنه يجب على من استيقظ من النوم أن يغسل يديه ثلاثاً قبل أن يدخلهما في الإناء.
أما إذا كان مستيقظاً في سائر أوقات يومه، وحضرت صلاة الظهر مثلاً، وأراد أن يتوضأ فلا تخلوا كفّاه من ثلاث حالات:
الحالة الأولى: أن يتيقن نجاستهما، فيجب عليه أن يغسلهما قبل أن يتوضأ.
الحالة الثانية: أن يتيقن طهارتهما، فيسن له غسلهما؛ لمداومة النبي ﷺ على غسلهما في الوضوء.
الحالة الثالثة: أن يشك في الطهارة فيستحب له غسلهما، ولا يجب؛ لأن اليقين طهارتهما، والشك نجاستهما، فيُلغي الشك، ويَبقى على اليقين.
стр. 149
هذا بالنسبة لغسل الكفين، وقوله ﵀ [كفيهِ] الكفان: مثنى كفِّ، وحدُّ الكف من أطراف أصابع اليد إلى الزندين، وهما العظمان البارزان اللذان عند مفصل الكفِّ سُمِّي الكفُّ كفّاً لأنه تكفُّ به الأشياء؛ بمعنى: تُدْفَع.
قوله ﵀: [والبَداءَةُ بمضْمَضةٍ]: أي يسن البداءة بالمضمضة، لأن النبي ﷺ بعد أن غسل كفّيه، مضْمَضَ، واستنْشَقَ ثلاثاً، والمضمضة: مأخوذة من قولهم: مَضْمَضَت الحيّة؛ إذا تحركت في جحرها فأصل المضمضة التحريك، ولذلك قالوا: يتفرع على قولنا إن المضمضة هي التحريك مسألة، وهي:
لو أن إنساناً أدخل الماء في فمه، ثم ألقاه مباشرة، دون تحريك فإنه لا يعتبر متمضمضاً، ثم اختلفوا هل المضمضة مجرد تحريك الماء، ولا يلزمه طرحه، أو لا بد له من طرحه؟
وجهان: أصحهما أنه لا بد من الطرح لأنه هدي النبي ﷺ فصار معنى شرعياً زائداً، ومن أمثلة هذه المسألة أن يدخل الماء، ويحركه في فمه، ثم يبتلعه.
قوله ﵀: [ثمّ إِسْتنْشَاق]: الاستنشاق من النَّشق، والنَّشَق: جذب الشيء بالنفس إلى أعلى الخياشيم، ومنه النَّشوق لأنه يستعط عن طريق الأنف، وهو سنّة من سُنن النبي ﷺ التي حافظ عليها، ولم يتركها في وضوء -صلوات الله وسلامه عليه-، والسنة أن يجمع بينهما من كفٍّ واحدة، فيجعل بعض الماء الموجود في الكف للفم فيتمضمض به، ثم يستنشق الباقي
стр. 150
من الماء بأنفه، ثم ينثره لأن النبي ﷺ لما توضأ قسم كفه كما في حديث عبد الله بن زيد ﵁ فمضمض، واستنشق ثلاثاً من ثلاث غرفات أي: أن كل غرفة تكون مقسومة بين المضمضة، والاستنشاق، وهذه هي السُّنة.
قوله ﵀: [والُمبالَغةُ فِيهما لِغيرِ صَائمٍ]: المبالغة: مفاعلة من البلوغ، وهو الوصول تقول: بلغت الشيء إذا وصلت إليه.
فقوله: [المُبالغةُ]: أي أن الإنسان يصل إلى غاية الاستنشاق في إستنشاقه، وغاية المضمضة في مضمضته، وذلك عن طريق المبالغة في جذب الماء بالنَّفَسِ في الاستنشاق، والمبالغة في الإدارة والتحريك إلى اللهاة في المضمضة، قوله ﵀ [لِغيْر صَائمٍ] هذا الاستثناء لحديث لقيط بن صبرة ﵁ وأرضاه- أن النبي ﷺ قال له: [وبَالغْ في الاسْتِنْشَاقِ إلا أنْ تَكونَ صَائِماً] فقد دلّ هذا الحديث على أنه لا يُسن للإنسان أن يبالغ في استنشاقه حال صيامه، وهذا من باب التنبيه بالنظير على نظيره فنبه بالاستنشاق على المضمضة، فلا يبالغ فيها أيضاً، وذكر الاستنشاق؛ لأن الغالب في الاستنشاق ألا يتحكم الإنسان فيه عند المبالغة بخلاف المضمضة، فإن الغالب أنه يتحكم فيها.
وهذا الحديث -أعني قوله-: [وبَالِغْ في الاسْتِنْشاق] فيه تنبيه على أصل عند العلماء وهو: " أنه لا يُشْرعُ تَضييعُ الفَرائِضِ، أوْ إِرْتِكابُ المحرماتِ بفعلِ السننِ ".
توضيح ذلك: أنه إذا بالغ في الاستنشاق، ودخل الماء حلقه فإنه ضيع الواجب، وهو الصيام، وكذلك أيضاً لا يبالغ في إصابة سنة لوقوع في
стр. 151
محظور كما لو كان على الحجر طيب، فإنه إذا بالغ في إصابة الحجر وهو محرم بالنسك، وأصرّ على لمسه، أو تقبيله؛ فإنه سيصيب الطيب، وذلك تحصيل لسنة على وجه يفضي إلى الوقوع في محظور مس الطيب، ولذلك قالوا: يتركه حتى يقبله الغير، ثم يقبله من بعده، أو يلمسه الغير؛ فيلمسه من بعده إذا أذهب لمس، وتقبيل الغير ذلك الطيب، ولذلك لا ينبغي تفويت الواجب، وارتكاب المحظور طلباً للسُّنة؛ لأن النبي ﷺ هنا نهى الصحابي أن يبالغ في الاستنشاق حتى لا يقع في محظور الفطر.
قوله ﵀: [وتَخْلِيلُ اللّحْيةِ الكَثيفةِ]: التخليل: تفعيل من الخُلَل، وخُلَل الشيء أجزاءه، والمناسم التي فيه تقول: رأيته من خُلل الباب يعني من المناسم الموجود فيه، وهي الفتحات الصغيرة، وقالوا سُمِّي التخليل تخليلاً؛ لأن الإنسان يوصل الماء إلى الشعر من خلاله يعني يخُلل الماء بين الشعر، فيدخل في خُلَل اللحية، وكذلك شعر الرأس، والأصابع؛ لأنه يدخل خنصره بين الأصابع فقالوا: خَلّل لدخول الخنصر بينها.
وقوله: [وتَخْلِيلُ اللّحيةِ] يدل على أنه مسنون، وهذا كما قلنا أنها إذا كانت كثيفة وجب غسل ظاهرها، لا باطنها لأن الله تعالى أمر بغسل الوجه، والمواجهة في اللحية الكثيفة تحصل بظاهرها؛ لا بباطنها، فكان تخليل باطنها غير واجب، والحكم بكونه سنة في اللحية مبني على حديث التخليل، وهو متكلم في إسناده، حتى قال بعض أهل العلم ﵏: [لا يَصِحُّ في التّخلِيلِ شَيءٌ] ومن أهل العلم من إِعتبره وحكم بثبوته كالإمام الترمذي، والحاكم، وغيرهما رحم الله الجميع.
стр. 152
وقوله ﵀: [الكَثِيفَةِ] هي: الكثيرة الشعر، ومفهوم ذلك أنها إذا لم تكن كثيفة بأن كانت قليلة الشعر، وهي التي تُرى البشرة من تحتها وجب غسلها، وغسل ما تحتها من البشرة؛ لأن الله تعالى أمر بغسل الوجه، والمراد بالوجه ما تحصل به المواجهة، فإن كانت يسيرة حصلت المواجهة بهما بالشعر اليسير، وبالبشرة من الوجه فوجب غسلهما، واعتبر وصف الكثافة لأنه صفة لحيته ﵊.
وقوله ﵀: [والأَصابِعِ] أي: وتخليل الأصابع، والمراد بها أصابع اليدين، والرجلين، لأن ما بين الأصبعين قد لا يصل إليه الماء فيحتاج إلى تفقد، وعناية، وهو ما يحصل عن طريق التخليل، بإدخال الخنصر بين الأصابع للتأكد من وصول الماء إلى تلك المواضع، واعتباره سنة مبني على حديث المستورد بن شداد ﵁، وقد بيّنا كلام العلماء ﵏ في ثبوته، وفي مسائله في شرح البلوغ.
قوله ﵀: [والتَّيامُن]: تفاعل من اليمين، وهي الجهة التي شرّفها الشرع كما هو محفوظ من هدي النبي ﷺ وذلك يكون في الأعضاء المثناه، ويشمل ذلك: اليدين، والرجلين فإنه يتيامن فيهما، فيبدأ بغسل يده اليمنى قبل يده اليسرى، ورجله اليمنى قبل رجله اليسرى، ولكن لا يشرع التيامن في الأعضاء المنفردة، فلا يغسل شق وجهه الأيمن، ثم الأيسر، لأن هذا تنطّع، وتكلّف في العبادة، وقد كان هدي النبي ﷺ أنه غسل وجهه غسلاً واحداً، ومسح رأسه مسحة واحدة.
стр. 153
وقوله: [التَّيامُن]: أي أن التيامن سنة، وبناءً على ذلك لو أن إنساناً غسل يده اليسرى قبل يده اليمنى ما حكم وضوءه؟ نقول: إنه صحيح؛ لأنه فوت الأكمل، والأفضل، ولا إثم عليه، لأن التيامن ليس من فرائض الوضوء.
والدليل على صحته: أن الله قال في كتابه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ﴾ (١) فأمر بغسل اليد مطلقاً، ومن غسل اليسرى قبل اليمنى فقد إِمتثل ما أمر الله، غير أنه فوّت الفضيلة بتقديم اليمين على اليسار.
قوله ﵀: [وأَخْذُ ماءٍ جديدٍ للأذنين]: أي ويسن له أن يأخذ ماءً جديداً بعد مسح الرأس ليمسح أذنيه، واعتبار ذلك سنة يدل على أنه لو مسح الأذنين بعد مسحه لجميع الرأس دون أن يأخذ ماءً جديداً أنه لا حرج عليه في ذلك، ودل على سنية أخذ الماء الجديد للأذنين بعد مسح الرأس حديث عبد الله بن زيد ﵁ عند الترمذي، وفيه عبد الله ابن لهيعة، ومن المعروف أن الترمذي يحسّن روايته.
قوله ﵀: [والغسلةُ الثانِيةُ، والثّالثةُ سُنّةٌ]: أي ليستا بواجبتين.
والدليل على عدم وجوبها: أن الله قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ والغسل يتحقق بالمرة الواحدة، فمن غسل مرة واحدة، فقد إمتثل، هذا دليل الكتاب.
стр. 154
أما دليل السُّنة فقد جاء عن النبي ﷺ في حديث عثمان ﵁ أنه توضأ مرة مرة، ومرتين مرتين، وثلاثاً ثلاثاً فدل على أنه لا تجب التّثنية، ولا التثليث، وأن الغسلة الثانية، والثالثة سنتان وليستا بواجبتين.
стр. 155
باب فروض الوضوء وصفته
قال المصنف ﵀: [باب فروض الوضوء، وصفته]: الفروض: جمع فرض، والفرض يطلق بمعنى: الحزِّ، والقطع، ومنه الفريضة، وهي: النصيب الذي جعله الله من تركة الميت للحيّ من بعده، سميت بذلك؛ لأن مال الميت يقتطع منه لكل وارث نصيبه، فقيل لها فريضة.
وأما في اصطلاح الشرع فهو: [ما يُثابُ فاعلُهُ، ويُعاقبُ تاركُهُ] فهو بمعنى الواجب، وهذا هو مذهب جهور العلماء؛ خلافاً للحنفية -رحمة الله عليهم-، فإنهم يرون أن الفرض آكد من الواجب، وأقوى من حيث الدليل ثبوتاً، ودلالة.
وقوله ﵀: [فروض] جمع: فريضة، وجمعها ﵀ لأن الواجبات التي ألزم الشرع المكلفين بها في الوضوء متعددة، ففرض الله غسل الوجه، واليدين إلى المرفقين، ومسح الرأس، وغسل الرجلين إلى الكعبين، فلما تعدّدَت جمعها ﵀ بقوله: فرائض الوضوء.
وقوله: [الوضوء]: مأخوذ من الوضاءة، وهي: الحسن، والبهاء، والجمال، وصف بذلك؛ لأنه يُبَيِّضُ وجه صاحبه، وأعضاءه في الآخرة كما ثبت في الحديث الصحيح أن أُمّته ﵊ يدعون يوم القيامة غُراً محجّلين من أثر الوضوء، وهو طهارة حسِّية، ومعنوية، كما ثبت في الحديث الصحيح أنه عليه الصلاة، والسلام قال: [ما منْ مُسلمٍ يُقرّب وَضُوءَهَ فيُمضمِضَ، ويَسْتنشِق، ويغسلُ وجْهه إلا خَرجتْ خَطَايا وجْهِهِ
стр. 156
مع الماءِ، أو مع آخِرِ قَطْرِ الماءِ حتّى تَخْرجَ مِنْ تَحتِ أَشْفارِ عَيْنَيهِ، فإِذا غَسَل يَديْه خَرَجتْ كلُّ خَطِيئةٍ بَطَشتْها يَدَاهُ مَعَ الماءِ، أوْ معَ آخرِ قَطْرِ المَاءِ حتى تَخْرج من تحتِ أَظفارِ أَصابِعهِ]، ثم ذكر النبي ﷺ تمام ذلك في أعضاء الوضوء؛ فإذاً تحصّل من هذا أن الوضوء يُفضي إلى جمال الحس، والمعنى، فوصف بكونه وضوءاً من هذا الوجه، فحقيقة الوضوء في اللغة راجعة إلى الحُسْن، والبهاء من الوضَاءَةِ.
وأما في اصطلاح العلماء ﵏: فهو (الغسلُ، والمسحُ لأعضاءَ مخصوصةٍ، بنيّة مخصوصةٍ)، والمراد بالأعضاء المخصوصة المغسولة الوجه، واليدان إلى المرفقين، والرجلان إلى الكعبين، وأما العضو الممسوح فهو الرأس، والرجلان إن مسح على الخفين، أو الجوربين.
والمراد بالنِّيةِ المخصوصة: أن يقصد رفع الحدث، أو إستباحة المحظور كما سيأتي بيانه في مسائل النِّية وأحكامها بإذن الله تعالى.
قال ﵀: [باب فُروض الوُضوءِ]: أي في هذا الوضع سأذكر لك جملة من الأحكام، والمسائل التي يُعرف بها ما أوجب الله على عباده في طهارة الوضوء.
مناسبة هذا الباب: أن من عادة العلماء -رحمة الله عليهم- أنهم يبتدئون بآداب قضاء الحاجة، ثم يُثَنّونَ بفرائض الوضوء، لأنّ المكلف إذا فرغ من قضاء حاجته تهيأ لعبادة الصلاة، وذلك بالوضوء، ثم بعد ذلك يصلي كما قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ
стр. 157
وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ (١) ولذلك يقولون تقديم باب آداب قضاء الحاجة الذي كنا نتكلم عنه على باب الوضوء؛ إنما هو من باب الترتيب المناسب للحال، فالغالب في حال المكلف أن يقضي حاجته أولاً، ثم يَتهيّأ لعبادة الصلاة، وقد أدخل المصنف باب السواك؛ لأن السواك يكون قبل الوضوء كما سبق بيانه عند ذكر باب السواك، ثم أتبع جميع ذلك بباب الوضوء.
قوله ﵀: [فُروضُهُ سِتةٌ]: الضمير في قوله: [فروضه] عائد إلى الوضوء أي: الفروض التي أوجب الله على المكلف في الوضوء ستة.
هذا يسميه العلماء الإجمال قبل البيان، والتفصيل، وهو أسلوب محمود، وقد تقدم معنا أنه منهج الكتاب والسنة أن تورد الشيء إجمالاً، ثم تفصّله، وفي ذلك فائدة:
وهي تهيئة السامع، وكذلك المخاطب لفهم المراد، فإنه لو قال مباشرة: وفروض الوضوء غسل الوجه وغسل اليدين لما كان في ذلك مناسبة ألطف من قوله: [فُروضُهُ سِتّةٌ] لأنه لما قال إنها ستة نشأ السؤال: ما هي هذه الستة؟ فحدث التشويق للسامع، والمخاطَب أن يعرف تفصيل هذا الإجمال، وهو أسلوب القرآن قال الله تعالى: ﴿الْحَاقَّةُ * مَا الْحَاقَّةُ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ﴾ (٢) وكان بالإمكان أن يقول الحاقة: كذبت ثمود، وكذلك قوله
стр. 158
تعالى: ﴿الْقَارِعَةُ * مَا الْقَارِعَةُ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ﴾ (١) فأحدث بالإجمال الشوق إلى معرفة البيان، والتفصيل هكذا هنا، وقوله ﵀: [فروضُهُ ستّة] أي الفروض التي أمر الله، ورسوله ﷺ بها في الوضوء ستة.
قوله ﵀: [غسل الوجه]: الغسل هو: صبُّ الماء على الشيء؛ تقول: غسلت الإناء إذا صببت الماء عليه؛ فأصاب أجزاء الإناء، وغسلت الوجه إذا صببت الماء عليه؛ فأصاب الماء أجزاءه، وبناء على ذلك قالوا الغسل لا يتحقق إلا بوصول الماء إلى البشرة.
فلو أنّ إنساناً أخذ يداً مبلولة، ثم دلكها على وجهه، دون صب للماء، وجريان له على الوجه لم يكن غاسلاً، وإنما هو ماسح، وفرق بين الغسل، والمسح.
وقوله: [الوجه]: مأخوذ من المواجهة، والوجه سيأتي إن شاء الله بيانه، وتحديده.
والدليل على فرض غسل الوجه: قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ فقوله: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ أمر، والقاعدة في الأصول: " أنّ الأمرَ يدلُّ على الوجوبِ إلا إذا صرَفه الصارف " فلما قال: ﴿فَاغْسِلُوا﴾ أي فرض عليكم أن تغسلوا وجوهكم.
стр. 159
كذلك -أيضاً- دلّت السُّنة على ذلك فإنّ النبي ﷺ توضّأ، ولم يثبت عنه في حديث صحيح أنه توضأ، وترك غسل وجهه، ففي الصحيحين من حديث حمران مولى عثمان عن أمير المؤمنين عثمان ﵁ وأرضاه- أنه دعا بوَضُوءٍ، فأكْفأَ على كفيهِ، فغسلهما ثلاثاً، ثمّ تَمضْمَضَ، واسْتَنْشَقَ ثلاثاً، ثمّ غَسَل وجْهَهَ ... إلخ، ومثله في حديث عبد الله بن زيد ﵁ في الصحيح، وحديث علي بن أبي طالب ﵁ في السنن كلها وصفت وضوءَ النبي ﷺ وأنه غسل وجهه فيه، ولذلك أجمع العلماء -رحمة الله عليهم- على أن غسل الوجه فرض من فرائض الوضوء، فلو توضأ إنسان، ولم يغسل الوجه لم يصحّ وضوءه بإجماع العلماء -رحمة الله عليهم-.
قوله ﵀: [والفَمُ، والأنفُ منه]: بعد أن بين أن الوجه يجب غسله شرع ﵀ في بيان ما يُعتبر من الوجه، وما لا يُعتبر منه، فبيّن أن داخل الفم، والأنف يعتبر من الوجه، وهذا هو أحد أقوال العلماء الثلاثة في هذه المسألة، وبيانها فيما يلى:
القول الأول: أنه ليس من الوجه، فغسله سُنّة، وليس بواجب، وهذا هو مذهب الحنفية، والمالكية، والشافعية، ورواية عن الإمام أحمد رحم الله الجميع.
القول الثاني: أن داخلهما من الوجه، فيُعتبر غسله فرضاً من فرائض الوضوء، وهذا هو مذهب الظاهرية ورواية عن الإمام أحمد رحمة الله على الجميع.
стр. 160
القول الثالث: أن داخل الأنف من الوجه، دون داخل الفم بمعنى أن الفرض هو: الإستنشاق، دون المضمضة، وهو رواية عن الإمام أحمد، وقول بعض أهل الحديث رحمة الله على الجميع.
وقد بينتُ أدلتهم، ومناقشاتهم في شرح بلوغ المرام، وأن الذي يترجح في نظري، والعلم عند الله هو القول بعدم وجوبهما في الوضوء، وأن داخلهما ليس من الوجه المأمور بغسله، وذلك لما يلي:
أولاً: لصحة دلالة الكتاب، والسنة على ذلك، أما دليل الكتاب فقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ ووجه الدلالة: أن الله تعالى أمر بغسل الوجه، والوجه في حقيقته اللغوية: ما تحصل به المواجهة، وهي إنما تكون بظاهر الوجه، لا بباطنه، وهو داخل الفم، والأنف، فاللسان العربي في حقيقة الوجه لا يشمل باطن الفم، والأنف، وإنما يختص بظاهر الوجه، وحْدَهُ، والقرآن نزل بلسان العرب، ويُفسَّر به كما هو معلوم.
وقد أكّدت السُّنة هذا المعنى كما في حديث الترمذي أن النبي ﷺ جاءه أعرابي؛ فقال: -يا رسول الله- كيف أتوضأ؟ " أي صف لي الوضوء الذي أصلي به " فقال ﵊: [تَوضأ كَما أَمَركَ اللهُ] أي اقرأ كتاب الله، وما وجدت في آية المائدة، فافعله قالوا: فردّ النبيُّ ﷺ الأعرابيَ إلى ظاهر القرآن، وهذا أعرابي لا يعرف الوضوء إذ لو كان عالماً بالوضوء لما سأل، فكونه يردّه إلى ظاهر القرآن، فإن هذا واضح في دلالته
стр. 161
على أن المراد ظاهر الآية، وظاهر الآية يدل على الإكتفاء بغسل ظاهر الوجه.
وأما ما استنبطوه من كون الفم، والأنف من خارج فهذه مسائل لا يدركها إلا الفقيه، ويعسر على أعرابي في بداية الإسلام يسأل كيف الوضوء أن يدرك هذه المسائل الفقهية.
ثانياً: أن ما إِستدل به من الأمر بالمضمضة محمول على الندب، والاستحباب، والصارف له عن ظاهره دليل الكتاب، والسنة المتقدم.
وعليه فإنه يترجح القول بعدم وجوب المضمضة، والإستنشاق، وأنهما من سنن الوضوء لا من فرائضه والله أعلم.
ولو قال قائل: إنّ النبي ﵊ داوم على المضمضة، والاستنشاق فجوابه: أن النبي ﵊ داوم على السنن من باب التعليم لا من باب الإلزام، ألا تراه ﵊ بإجماع الروايات عنه ما توضأ إلا غسل كفيه قبل أن يتوضأ، والذين قالوا بوجوب المضمضة والاستنشاق يُسلّمون بأن غسل الكفين قبل الوضوء لغير المستيقظ من النوم أنه مستحب، وليس بواجب فدل على أن المداومة تكون على ما هو واجب، وعلى ما هو غير واجب، فلا يقوى الإستدلال بها إستقلالاً على الوجوب عموماً.
قوله ﵀: [وغَسْلُ اليَديْنِ]: الفرض الثاني: غسل اليدين، واليدان: مثنى يد -وسيأتي إن شاء الله حدُّهما عند الكلام على حدِّ الوجه-.
стр. 162
واليدان أمر الله بغسلهما في قوله تعالى: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ فأمر بغسل اليدين، والأمر دال على الوجوب إلا أن يصرفه صارف، ولا صارف هنا، ولأن النبي ﷺ غسل كلتا يديه إلى المرفقين.
والواجب الغسل من أطراف الأصابع إلى المرفقين، والمرفقان داخلان في الغسل، فلو غسل يديه، ولم يغسل المرفقين لم يصح وضوءه في قول الجماهير، وذهب داود بن علي الظاهري -رحمة الله على الجميع- إلى القول بأن المرفقين ليسا بداخلين في الغسل، قال إن قوله تعالى: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ إِنّ: ﴿إِلَى﴾ غاية، وما بعد الغاية يخالف ما قبلها كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ (١) فإن الليل لا يجب صيامه، والقاعدة في الأصول: " أن ما بعدَ الغايةِ مُخالفٌ لما قَبْلَها فِي الحُكْمِ " ولذلك قالوا: لا يجب غسل المرفقين، والمرفقان: مثنى مرفق، وهو عند مفصل الساعد، مع العضد وسُمّي بذلك من الارتفاق، لأن الإنسان إذا جلس إِرتفق عليه.
والصحيح أن المرفقين داخلان في الغسل وذلك لما يلي:
أولاً: لظاهر القرآن في قوله تعالى: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ فقوله: ﴿إِلَى﴾ بمعنى مع، وهي تأتي في لغة العرب بهذا المعنى،
стр. 163
ومنه قوله تعالى: ﴿قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ (١) أي: مع الله فإلى بمعنى: مع، فيكون قوله تعالى: ﴿إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ أي: مع المرافق.
ثانياً: أن قولهم: " إِن ما بعدَ الغايةِ مُخالف لما قَبْلَها في الحكم " محل نظر فإنّ الغايَة لها حالتان:
الحالة الأولى: أنْ تكون من جنس المُغيّا.
الحالة الثانية: أنْ تكون من غير جنس المُغيّا.
فإن كانت الغاية من جنس المُغيّا دخلت، وإن كانت من غير جنسه لم تدخل.
وتوضيح ذلك: أن المرفقين من جنس اليد؟ لأنّ اليد في الأصل من أطراف الأصابع إلى المنكب، فلما قال: ﴿إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ دخلت لأنها من جنس اليدين.
وأما قوله سبحانه: ﴿أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ الغاية فيه الليل، وهي ليست من جنس المُغيّا، وهو النهار المأمور بصومه، فلم يدخل الليل الذي هو الغاية في المُغيّا لأنها ليست من جنسه.
ثالثاً: حديث أبي هريرة ﵁ في الصحيح أن النبي ﷺ : [تَوضَّأَ فغسلَ يديْهِ حتى شَرَعَ في العَضُدِ] يعني كاد أن يغسل عضده وهذا يدل على أن المرفقين قد غسلتا من النبي ﷺ .
وبهذا يترجح قول الجمهور ﵏ بوجوب غسل المرفقين مع اليدين.
стр. 164
واليد عامة تشمل اليد الصحيحة، والمشلولة، والمقطوعة، فلو أن إنساناً كانت يده شلاء وجب عليه غسلها فيصبُّ الماء عليها، ولو قُطِعَت، وبقي من الفرض شيء فإنه يجب عليه غسل ما بقي بعد القطع، ويجب غسل اليد بكامل ما فيها سواء كانت على أصل الخلقة فيها خمسة أصابع، أو زادت إلى ستة، أو سبعة، أو أكثر فإنه يجب غسل الجميع وذلك لأن الله أمر بغسلها في قوله: ﴿وَأَيْدِيكُمْ﴾ ولا شك أن المكلف إن زادت خلقته في اليد، أو نقصت فإنها داخلة في هذا الوصف أعني كونها يداً له مأموراً بغسلها.
قوله ﵀: [ومَسْحُ الرّأسِ]: الفرض الثالث: مسح الرأس، والمسح هو إمرار اليد على الشيء؛ تقول: مسحت برأس اليتيم؛ إذا أمررت يدك عليه، والمراد بالمسح هنا سكب الماء على يده، ثم إمرارها على رأسه مبلولة بالماء.
وحدُّ الرأس المأمور بمسحه يبدأ من الناصية إلى القفا، وهذا بالنسبة للطول، ثم من عظم الصّدغ إلى عظم الصّدغ عرضاً، والدليل على كون مسح الرأس فرضاً قوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ فإن قوله: ﴿امْسَحُوا﴾ أمر، والقاعدة في الأصول: " أنّ الأمرَ للوجُوبِ؛ ما لمْ يَصْرِفْه الصَّارفُ " ولا صارف هنا، ولأن النبي ﷺ مسح برأسه، ولم يترك المسح في وضوئه البتّة، والإجماع من العلماء منعقد على أنه يجب مسح الرأس، وأنّ من توضأ، ولم يمسح برأسه لم يصحّ وضُوءه.
стр. 165
المسألة الثانية: ما هو القدر الواجب مسحه من الرأس؟ والجواب: أنه إِختلفت أقوال العلماء ﵏ في هذه المسألة:
القول الأول: إنه يجب مسح الرأس كله وهو مذهب المالكية في المشهور، وإحدى الروايات عن الإمام أحمد -رحمة الله عليه- واختارها غير واحد من أصحابه، ومنهم الإمام ابن قدامة ﵀.
القول الثاني: أن الواجب مسح ربع الرأس، وبه قال الإمام أبو حنيفة، وأصحابه -رحمة الله على الجميع-.
القول الثالث: أن الواجب مسح ثلاث شعرات، وأن ما زاد عليها ليس بواجب، وبه قالت الشافعية -رحمة الله على الجميع-.
وهناك رواية عند المالكية أن الواجب ثلث الرأس هذه محصل أقوال العلماء في مسألة مسح الرأس.
فيرد السؤال: ما هي أدلة العلماء على هذه الأقوال:
والجواب: أن من قال بوجوب مسح الرأس كله: إحتج بظاهر القرآن في قوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ قالوا: إن قوله: ﴿بِرُءُوسِكُمْ﴾ الباء للإلصاق، والمراد: إمسحوا رؤوسكم، وليس المراد بها التبعيض، وقال بعضهم في وجه دلالة الآية: إن الباء زائدة، وهو اختيار بعض المفسرين ممن يرجح هذا القول، فيقولون: إن قوله: ﴿امْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ أي: إمسحوا رؤوسكم، وهذا مثل قوله تعالى في قراءة: ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ التقدير: تُنْبِتُ الدهن، والباء زائدة.
стр. 166
وهنا ننبه على مسألة، وهي أن قول العلماء: " الباء " زائدة، أو " مِنْ " زائدة ليس مراد العلماء أنه حرف زائد لا معنى له في كتاب الله، فإن بعض المتأخرين يُسيءُ الأدب مع أهل العلم المتقدمين، دون إلتفات إلى مصطلحاتهم، ومقصودهم، وهنا أنبه على أن مراد العلماء -رحمة الله عليهم- بكونها زائدة ليس إلغاء كونها من القرآن؛ وإنما المراد أن المعنى إرادة الكل لا إرادة البعض مثل قولنا هنا: ﴿امْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ أي: أنها لم تأت للتبعيض، فيقولون هي زائدة، وحملها على الزيادة الحقيقية بمعنى أنها ملغاة من القرءان يقتضي الكفر، فإن من أنكر حرفاً من كتاب الله ثابتاً بالتواتر يكفر -والعياذ بالله- وهذا لا يقوله جاهل من عوامّ المسلمين، فضلاً عن علماء الأمة الذين هم أهل العلم، والدراية، والرواية، فلا ينبغي للإنسان أن يكون بسيط الفهم ساذجاً ينكر على العلماء -رحمة الله عليهم-، دون تروٍ، وفهمٍ لمقصودهم فإذا قالوا قراءة شاذّة، أو حرفاً زائداً؛ فليس مرادهم الشّذوذ بمعنى الانتقاص، والتحقير، ولا الزيادة بمعنى الإلغاء؛ إنما هو معنى موجود في هذه الحروف بأصل اللغة، والقرآن جاء بهذه اللغة التي من معانيها ما ذكروه، ولذلك تأتي الباء لأكثر من عشرة معان جمعها بعض الفضلاء بقوله:
تَعَد لُصُوقاً واسْتَعنْ بِتَسَبُّبٍ ... وبَدل صِحَاباً قَابَلُوكَ بِالاسْتِعْلا
وزِدْ بَعْضَهُمْ ظَرْفَاً يَميناً ... تَحُزْ معَانِيَها كُلاَّ
стр. 167
الدليل الثاني لهم السُّنة: وهو: [أن النبي ﷺ توضّأ، فمسح جميع رأسه]، كما ثبت ذلك في صفة وضوئه في الأحاديث الواردة في الصحيحين وغيرهما، ولم يحفظ عنه في حديث صحيح أنه اقتصر على بعض الرأس، أو جزء من الرأس، أو على ثلاث شعرات منه، فلو كان الاقتصار على البعض جائزاً لفعله، ولو مرة واحدة -صلوات الله وسلامه عليه-.
هذا بالنسبة لأدلة من قال بوجوب مسح الرأس كله.
وأما دليل من قال: إنه يجب مسح ربع الرأس، وهم الحنفية -رحمة الله عليهم- فقد إحتجوا أولاً بالآية فقالوا: إن قوله ﴿امْسَحُوا بِرُءُوسِكُم﴾ الباء للتبعيض، وهذا معروف في لغة العرب كما قال تعالى: ﴿وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ﴾ (١) فليس المراد أنه أخذ الرأس كلِّه، ولكن أخذ البعض فَنُزِّل منزلة الكل، وتقول: أخذت برأس اليتيم، وليس المراد أنك أخذت بالرأس كلِّه؛ وإنما أخذت بعضه فكأنك أخذت الكل؛ لأنه بمجرد شدِّك لجزء من الرأس ينشدُّ جميع الرأس فيقال: أخذ برأسه فقوله: ﴿امْسَحُوا بِرُءُوسِكُم﴾ للتبعيض.
وأما الدليل الثاني فقد إحتجوا: بحديث المغيرة بن شعبة ﵁ أن النبي ﷺ لما توضأ في غزوة تبوك: [مسحَ بِنَاصِيَته، وعلى العِمَامَةِ] قالوا: والناصية تقدّر بربع الرأس، ولذلك يقدّرونها بأكثر أصابع الكفّ فلا يجزئ المسح بما دونها، وهذا أصل عندهم، وتوضيحه من باب الفائدة: أن عندهم
стр. 168
أن أكثر الشيء منزل منزلة الكلِّ، وهذا أصل طردوه في مسائل لا تحصى كثرة في العبادة، والمعاملة، ولذلك تجدهم يصحّحون طواف من طاف أربعة أشواط بالبيت؛ لأنّ أكثر الطواف أربعة أشواط، فلو ترك الثلاثة قالوا: يصح، ويلزمه الجبران لما بقي، ولم يحكموا ببطلان جميع الطواف، وهكذا السعي، هذا أصل عندهم أن أكثر الشيء منزل منزلة الكلِّ فقالوا: إن ربع الرأس إذا مُسح بأكثر الأصابع يجزئ، ويكفى في هذا الفرض الذي أمر الله بمسحه.
وأما الذين قالوا: إنه يمسح ثلاث شعرات؛ فقد احتجوا بقوله تعالى: ﴿امْسَحُوا بِرُءُوسِكُم﴾ قالوا: الباء للتبعيض، وبناءً على ذلك يكون قوله: ﴿امْسَحُوا بِرُءُوسِكُم﴾ أي: بعض رؤوسكم، ولا يجب مسح كلِّ الرأس، وهذا البعض الذي يصدق عليه الجمع إنما هو الثلاث، فأكثر؛ لأنها أقلُّ الجمع، وبناءً على ذلك قالوا: أقلّ الرأس ثلاث شعرات، فإذا مسح الثلاث صدق عليه أنه مسح برأسه، وهكذا لو حلق في الحج، أو العمرة ثلاث شعرات، أو قصّر ثلاث شعرات أجزأه هذا أصل عندهم -رحمة الله عليهم-.
هذه حاصل أدلة من قال بالتبعيض يبقى فقط القول الأخير الذي حكيناه رواية عن الإمام مالك أن الثلث من الرأس يجزئ هذا أصل عند المالكية -أيضاً- أن الثلث فرق عندهم بين القليل والكثير في العبادات، والمعاملات، ومنها ثلث الخفّ إذا كان مخرقاً في المسح على الخفين، وهكذا في المعاملات كما في مسألة المساقاة، والمزارعة إذا كان في الأرض المساقى عليها بياض دون ثلثها الذي سُقِىَ عليه لحق المساقاة، وجاز أن يتعامل مع العامل على
стр. 169
إحيائه، وزراعته قالوا: إِن إِعتبار الثلث فرقاً في المذهب بين القليل، والكثير مبني على السنة الصحيحة وذلك في حديث سعد ﵁ في الصحيح أنّ النبي ﷺ قال: [الثُّلثُ، والثُّلُثُ كَثير] قالوا: إنّ النبي ﷺ قال: [الثُّلُثُ كَثيرٌ] فوصفه بكونه كثيراً فصار حكماً شرعياً في الفرق بين القليل، والكثير عندنا، فمن مسح ثلث رأسه فإنه يُجزيه هذا قول طائفة من أصحاب الإمام مالك -رحمة الله عليه- لكن المذهب على وجوب مسح الكلِّ.
هذه محصّل حجج العلماء في مسألة المسح على الرأس.
والذي يترجح في نظري والعلم عند الله هو القول بوجوب مسح الرأس كلّه، وذلك لما يأتي:
أولاً: لظاهر القرآن فإنّ حمل الباء على التبعيض تجوّزٌ، والأصل حملها على ما ذكر من الإلصاق لأنه أقرب إلى معنى المسح، فإنّ قولك: مسحت برأسه على أنه للإلصاق أقرب من قولك: إنه للتبعيض؛ لأن التبعيض خلاف الأصل، ولذلك يأتي غالباً في المعاني المجازية.
الأمر الثاني: أن السنة التي اُحتج بها على التبعيض، في دليل القول الثاني الذين قالوا بوجوب مسح ربع الرأس يجاب عنها: بأن الحديث فيه مسح بناصيته، وعلى العمامة، فَيصِحُّ الاستدلال بهذا الحديث أنْ لو اقتصر النبي ﷺ على مسح الناصية، بل نقلب دلالة هذا الحديث، ونقول هو حجة لنا لا علينا؛ لأن النبي ﷺ أتبع الناصية بالعمامة فدل على وجوب مسح جميع الرأس لكن هنا إشكال أورده الحنفية -رحمة الله عليهم - قالوا: لو قلتم إن
стр. 170
مسحه للعمامة المراد به مسح فرض لبطلت أصولكم؛ لأنه لا يصح في الأصل أن يجُمع بين البدل، وبين المبدل؛ فإن الرأس إما أن يمسح عليه، أو يمسح على العمامة، فإما أن تقولوا مسح على الفرض، وهو الناصية ويكون مسحه على العمامة لاغٍ؛ فيستقيم دليلنا، أو تقولوا: مسح على العمامة، والناصية ملغاة، وهذا خلاف الظاهر فكيف الجواب عن هذا الإشكال؟
والجواب: أن يقال: إن المسح على العمامة في هذا الحديث هو الأصل؛ ولكن يجوز في العمامة أن يُكشف ما جرت العادة بكشفه بدليل أن من تعمّم العمامة المعروفة فإن السوالف تخرج، والخارج المعتاد مغتفر في المسح على العمامة، ولكنه يمُسح إبقاء على الأصل، والناصية كشفها صنيع أهل الفضل، لأن أهل الفضل لا يبالغون في إِرخاء ستر الوجه إلى حواجبهم؛ لأن ذلك غالباً من صنيع أهل الكبر، والخيلاء، ولذلك قالوا: إنه يُكشف عن الناصية، ويكون كشف النبي ﷺ عنها في هذا الحديث؛ إنما هو من باب ما جرت به العادة بكشفه، فلا يرد ما ذكروه، ويكون مسحه على العمامة أصلاً، ومسحه على الناصية تبعاً، وبناءً على ذلك لا يرد هذا الإشكال، ويستقيم مذهب من قال بوجوب مسح جميع الرأس.
أما استدلال بعض المالكية بأن النبي ﷺ قال: [الثُّلثُ، والثلُثُ كَثِيرٌ] نقول يصح الاستدلال بهذا الحديث في ما طلب التقدير في جزءه، أي أننا نسلم الإستدلال به في الأمور التي إكتفى الشرع فيها بجزئها، لكن في الأمور التي أمر الشرع بها كُلاً لا يورد فيها مثل هذا النص الدال على تسامح الشرع في البعض، لأنّ مسح الرأس ظهر أن الشرع يريده كاملاً، وما ظهر أن
стр. 171
الشرع يريده كاملاً لا يورد فيه ما دل على إجزاء البعض فيه كما في بقية الفروض التي قصد الشرع غسلها كاملة كاليد مثلاً، فليس لقائل أن يقول: يغسل الإنسان ثلث يده لأنّ النبي ﵊ قال: [الثُّلُثُ، والثُّلُثُ كَثِير] لأننا نقول إن اليد أمر الشرع بغسلها كلها، وكذلك هنا في الرأس أمر بمسحه كله، فلا يستقيم الإحتجاج بهذا الحديث، وبهذا يترجح القول بمسح الرأس كله والله تعالى أعلى وأعلم.
والسنة عنه ﵊ في مسحه لشعره: أنه بدأ من مقدمه حتى بلغ قفاه، ثم رجع إلى مُقَدَّمِهِ هكذا ثبت عن النبي ﷺ في حديث عبد الله بن زيد ﵁ وأرضاه- قال: [بدأ بمقدم رأسه حتى بلغ قفاه ثم ردهما إلى الموضع الذي، بدأ منه].
وقال بعض العلماء: بل يبدأ من القفا حتى يصل بهما إلى المقدم، ثم يعود إلى القفا، واحتجوا بحديث عبد الله بن زيد ﵁ المتقدم وفيه: " أَقبلَ بِهما، وأَدبر " قالوا: " أقبل بهما " أي: من القفا إلى المُقَدَّمِ، وأدبر أي: ردهما إلى القَفَا.
والذي يظهر: أن قوله: [أقْبَلَ بِهما، وأَدبر] من باب تقديم المؤخر، وتأخير المُقَدَّمِ وهو معنى معروف في لغة العرب أنهم يقولون: أقْبلَ، وأَدبر، ومرادهم: أنه أدبَر، ثم أقْبل، ومنه قول إمرؤ القيس يصف جوادَه:
مِكَرٍ مِفَرٍ مقْبِلٍ مُدْبرٍ مَعاً ... كجُلْمُود ِصَخْرٍ حَطهُ السيلُ مِنْ عَلِ
стр. 172
فإن قوله: (مكرٍ، مفرٍ) مراده به: أنه فرَّ أولاً، ثم كرَّ بعد ذلك؛ لأن الكَرَّ لا يكون إلا بعد الفرار، فالفارس يفرُّ أولاً، ثم بعد ذلك يَكِرُّ، فيكون قوله: مِكَرٍ، مِفَرٍ من باب تقديم المؤخر، وتأخير المُقَدَّمِ، وكذلك قوله: (مُقْبلٍ، مُدبرٍ معاً) فإن الأصل أنه: أدبر أولاً، ثم أقبل على العدو، فهذا معروف في اللغة فيكون قول الصحابي ﵁ في صفة مسحه ﵊: [فأقْبل بهما، وأَدبر] محمولاً على هذا المعنى: أنه أدبر، ثم أقبل.
وهناك وجه ثالث قال أصحابه فيه: نجمع بين الحديثين، وهو أن قوله: [أقبل بهما، وأدبر] المراد به بكلتا اليدين، فإحداهما مقبلة، والأخرى مدبرة، فيضع يديه في منتصف الرأس، ويقبل باليمنى إلى مقدّم الرأس، ويدبر باليسرى إلى مؤخره، والصحيح: ما ذكرناه أنه أقبل بهما، وأدبر المراد به: أدبر بهما، ثم أقبل للرواية المبيّنة وهي قوله ﵁: [بدأَ بِمُقدّم رَأسِه حتّى إنتَهى إِلى قَفاهُ، ثمّ رَدّهما إلى المكان الذي بدأ منه].
قوله ﵀: [وغَسْلُ الرِّجْلَيْنِ]: هذا الفرض الرابع الذي أمر الله بغسله، وهو الرجلان، وقد أجمع أهل العلم ﵏ على أن غسل الرجلين من فرائض الوضوء.
وخالف بعض من لا يعتد بخلافه، وقالوا: إن الرجلين يجب مسحهما، ولا يجب غسلهما.
قالوا إن قوله: ﴿وأرجلِكم﴾ بالجر في قراءة معطوف على قوله: ﴿امْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾، وبناءً على ذلك يكون التقدير: ﴿وامْسَحُوا أرجلَكم﴾ وهذه
стр. 173
القراءة يجاب عنها: بأن قوله تعالى: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ الجر فيها للمجاورة، ومنه قول الشاعر:
لَعِبَ الزَّمانُ بِها بَعْدي ... وغيَّرها سوافي المَورِ والقَطْرِ
فإن الأصل: والقطرُ أي: غيّرها القطرُ فقوله: والقطرِ راعى فيه الجرَّ بالمجاورة لقوله: المورِ، وإلا فالأصل في التقدير أن يقول: والقطرُ، ولا يقول: والقطرِ، وأما قراءة النّصبِ فهي قوية واضحة في الدلالة على الوجوب، وأن الرجلينِ فَرضُهما الغسلُ، لا المسح، ثم يجب غسل الرجلين من أطراف الأصابع إلى الكعبين والكعبان داخلان في الغاية، والخلاف فيهما كالخلاف في المرفقين، فالمقصود أنه يجب غسل الكعبين والكعبان هما العظمان الناتئان في آخر الساق، ويجب غسلهما، فلو غسل رجليه، ولم يغسل الكعبين لم يصح وضوءه؛ لأن الله أمر بغسلهما، وقال: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ أي مع الكعبين؛ لأن الغاية داخلة في المغيا فهي من جنسها فإن الكعبين ليسا من الساق، وإنما هما من القدم، والقدم في الظاهر عليهما، لأن حركته ووضعَه في رفعه قائم على الكعبين، فهما من القدم، وليسا من الساق، وبناءً على ذلك يجب غسل الرجلين، ولا يجزئ مسحهما.
وببيان ما سبق نكون قد إِنتهينا من أربعة فرائض، والفرض الأخير هذا ثبت وجوبه بدليل الكتاب كما قلنا في الآية وبدليل السُّنة من مواظبته ﵊ على غسل رجليه إذا لم يكن عليهما خفٌّ، أو جورب، والإجماع، فليس هناك أحد من أهل العلم ﵏ يقول: إنّ الرجلين لا
стр. 174
يجب غسلهما إلا الخلاف الشاذّ الذي أشرنا إليه سابقاً، يُستثنى من ذلك المسح على الخفين، والجوربين فإنه إذا غطى قدميه بالخفين نُزِّل المسحُ منزلةَ الغسلِ؛ لثبوت ذلك عن النبي ﷺ بالأحاديث المتواترة، ولذلك ورد عن أكثر من ستين من أصحاب النبي ﷺ أن النبي ﷺ مسح على خفّيه، حتى إن أهل السنة، والجماعة إذا ذكروا عقيدة أهل السُّنة، والجماعة أدخلوا فيها سُنِّية المسح على الخفين؛ مبالغة في ردّ قول أهل البدع، والأهواء الذين لا يرون المسح على الخفين؛ لأنه ورد عن النبي ﷺ بالأحاديث المتواترة كما قال صاحب طلعة الأنوار ﵀:
ثمّ مِنَ المشْهُورِ ما تَواتَرا ... وهْوَ ما يرْويهِ جَمعٌ حُظِرا
كَذِبُهم عُرْفاً كَمسْحِ الخفِّ ... رفعُ اليَديْنِ عَادِمٌ للخُلفِ
وقَدْ روى حَديثَهُ مَنْ كَتَبا ... أكثرُ مِنْ سِتّينَ مِمّن صَحِبا
أي أن المسح على الخفين ورفع اليدين في تكبيرة الإحرام ورد عن النبي ﷺ عن أكثر من ستين من أصحابه -صلوات الله وسلامه عليه- و ﵃ أجمعين- فيُنزَّل المسح على الخفين منزلة غسل الرجلين لإذن الشريعة به، ولذلك قال بعض المفسرين في قوله: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ في قراءة الجر قال: إنها محمولة على حالة المسح على الخفين، وينزّل الجوربان منزلةَ الخفين على أصح قولي العلماء ﵏ كما سيأتي.
قوله ﵀: [والتّرتِيبُ]: يقال رتّب الأشياءَ: إذا جعل كل شيء منها في موضعه، وجعلها تلو بعض، فقدّم ما حقّه التقديم، وأخّر ما حقّه التأخير
стр. 175
والمراد بقوله هنا: الترتيب؛ أن يُوقع الغَسلَ، والمسح على التّرتيب الذي جاءت به آية المائدة، فيبدأ بغسل وجهه، ثم غسل يديه، ثم مسح رأسه، ثم غسل رجليه، فلو قدم مسح الرأس على غسل الوجه لم يُجْزِه، ولو قدّم غسل الرجلين على مسح الرأس لم يُجْزِه، وهكذا.
إذاً الترتيب أن يوقع الأعضاء المأمور بغسلها، ومسحها على وفق آية المائدة.
وهذا الترتيب دلّ عليه دليل الكتاب: فإن الله أمر بغسل الوجه، ثم أتبع الوجه اليدين، ثم أتبعهما بمسح الرأس، ثم أتبع الجميع بغسل الرجلين، والواو لا تقتضي الترتيب في لغة العرب إلا عند وجود القرائن الدالة على الترتيب، فهو ليس بأصل فيها فأنت إذا قلت مثلاً: جاء محمد، وعلي لا يستلزم ذلك أن يكون محمد جاء أولاً، ثم من بعده علي إذ يجوز أن تقول: جاء محمد، وعلي، وقد كان علي قد جاء أولاً، ويجوز أن تقول: جاء محمد، وعلي وقد جاءا مع بعضهما، لا يسبق أحدهما الآخر إذاً فالواو في قوله: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ﴾ وقوله بعد ذلك: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُم﴾ الواو في هذه الأربع لا تفيد التّرتيب نصّاً لكن فُهِم الترتيبُ من سياقها، وذلك أنه لا معنى لإدخال الممسوح بين المغسولين إلا إرادة التّرتيب الوارد فإن الله أدخل المسح على الرأس، وهو ممسوح، وجعله بين مغسولين، وهما اليدان، والرجلان، فلو كان الترتيب ليس بلازم لذكر المغسولات أولاً، ثم أتبع بالممسوح، أو ذكر الممسوح أولاً، ثم أتبع بالمغسول، فلا وجه لإدخال المسح بين الغسل على هذه الصورة إلا إرادة الترتيب بين تلك الأعضاء بحسب ورودها في الآية الكريمة.
стр. 176
ثانياً: أن النبي ﷺ قال للأعرابي: [تَوضّأ كَمَا أَمَركَ الله ] أي على الصفة التي وردت في كتاب الله وقد وردت فيه مرتبة.
ثالثاً: أنه لم يحفظ عن النبي ﷺ أنه توضاً فقدم عضواً على عضو على خلاف ترتيب الآية الكريمة.
لكن هنا إشكال في الحديث الذي ورد من كونه ﵊ تمضمض بعد أن غسل وجهه، فكيف نجيب عن هذا الإشكال؟
والجواب: أن الترتيب في أعضاء الوضوء يقع على الصور التالية:
أولاً: الترتيب بين مفروض، ومفروض.
ثانياً: الترتيب بين مسنون، ومسنون.
ثالثاً: الترتيب بين مفروض، ومسنون.
فأما الترتيب بين مفروض، ومفروض فكغسل اليدين بعد غسل الوجه، وهو مفروض، ولازم.
وأما الترتيب بين مسنون، ومسنون فكالترتيب بين المضمضة، والإستنشاق بأن يوقع المضمضة أولاً، ثم يستنشق بعدها، وهو مسنون.
وأما الترتيب بين مفروض، ومسنون؛ فكالمضمضة، والإستنشاق، مع غسل الوجه يبدأ بالمضمضة أولاً، ثم الإستنشاق وكلاهما سنة، ثم يغسل وجهه، وهو الفرض، وهذا الترتيب مسنون أيضاً، والذي ورد في الحديث من كونه غسل وجهه، ثم تمضمض؛ إنما هو بين مسنون، ومفروض، ومحل الكلام فيما بين المفروضات، وبناءً على ذلك يكون هذا الحديث لا علاقة له بالترتيب الواجب، ولا يصحّ الإستدلال به على إسقاطه، وهذا أمر يُغْفِله
стр. 177
بعض طلاب العلم أنه يحتج بهذا الحديث على إلغاء الترتيب، وليس في الحديث دلالة؛ إنما يستقيم الإستدلال بالحديث أن لو غسل النبي ﷺ يديه قبل وجهه، أو قدّم مسح رأسه على غسل اليدين؛ أما عدم الترتيب بين المسنونات، أو بينها، وبين الفرائض؛ فالأمر فيه واسع ليس كالفرائض.
هذا الترتيب إنما هو في الفرائض إذا كان بين عضو، وعضو، كما قدمنا في ترتيب اليدين بعد الوجه، وأما إذا كان العضو واحداً متعدداً، كالأعضاء المثناة، فلا يجب الترتيب، ففي اليدين والرجلين يجوز لك أن تغسل اليمنى قبل اليسرى، وأن تغسل اليسرى قبل اليمنى، ولا يشترط الترتيب بين اليمنى، واليسرى؛ لأنّ الله أمر بغسل اليدين مطلقاً، وهذا قد غسل يديه، وفِعْلُ النبي ﷺ بتقديم اليمنى على اليسرى كمالٌ؛ لقول عائشة ﵂: [كان رسول الله ﷺ يُعْجِبُه التَّيمنُ في تَنَعُّلِهِ، وتَرجُّلِه، وطُهُورِهِ، وفي شَأنِه كُلِّه]، وبناءً على ذلك لا يجب الترتيب بين المسنونات، ولا بين الأعضاء المثناة كاليدين والرجلين.
قوله ﵀: [والموالاة]: المراد به أن تقع هذه الفروض على الولاء بعضها يلي بعضاً، دون وجود فاصل مؤثر، وتوضيح ذلك: أن يغسل وجهه، ثم يقوم بغسل يديه قبل أن ينشف وجهه، ثم يمسح رأسه قبل أن تنشف يداه، ثم يغسل رجله قبل أن ينشف الماء الذي مُسح به رأسه، هذا هو مراد العلماء بالموالاة، ولذلك قال العلماء ضابطها: أن لا ينشف العضو المفروض قبل أن يبدأ بالفرض الذي يليه، مثال ذلك: لو أن إنساناً توضأ في بيته، ثم انقطع الماء أثناء الوضوء، وكان قد غسل وجهه، فقام من موضعه
стр. 178
إلى موضع آخر فيه الماء، ومشى حتى بلغه فحينئذ ننظر فإن كان الفاصل الذي بين انقطاع الماء، وغسله للعضو فاصلاً مؤثراً؛ بمعنى أنه ينشف فيه العضو في الزمان المعتدل الذي هو ليس بشديد البرد، والحر، (لأن الحر فيه نوع من الرطوبة خاصة إذا كان الإنسان في الظل فيبقى العضو طرياً إلى أمد أكثر والبرد مع الهواء، والريح يحصل به النشاف بسرعة) فلو قُدِّر مثلاً إلى خمس دقائق أن العضو في الزمان المعتدل ينشف نقول: إذا مضت خمس دقائق ما بين غسله لوجهه، وغسله ليديه بعد عثوره على الماء بطل وضوءه، وإن كان دون ذلك صحَّ، ولم يؤثر وجود هذا الفاصل.
والأصل في فرضية الموالاة دليل السنة، وذلك: أن النبي ﷺ : [لمّا رأى على قَدَمِ الرَّجُلِ قَدْرَ لُمْعَةٍ لَمْ يُصِبْها الماءُ أَمَره أَنْ يُعيدَ وضُوءَه، وصَلاَته]-صلوات الله وسلامه عليه- فدلّ هذا على أن الولاء من فرائض الوضوء لأن أمره بإعادة الوضوء يدل دلالة واضحة على بطلان الوضوء بغير موالاة.
قال ﵀: [والنِّيةُ شَرْطٌ لِطَهارةِ الأَحْداثِ كُلِّها]: النِّية: مأخوذة من قولهم نوى الشيء، ينويه نيّة، ونيَة بالتخفيف، والتّشديد.
والنِّية في لغة العرب معناها: القصد، تقول: نويت الشيء إذا قصدته، سواء كان ذلك في القول، أو الفعل وقولهم أعني العلماء ﵏: (النّية شرطٌ في طهارة الأَحداثِ) مرادهم بذلك أن يقصد المكلف العبادة، ويكون قصده مشتملاً على أمرين: الأول: التقرب لله -جل وعلا-، والثاني: رفع الحدث، واستباحة ما تشترط الطهارة لفعله: كالصلاة، والطواف، ولمس المصحف.
стр. 179
والأصل في وجوب النية، ولزومها في العبادات قول الله -تعالى- مخاطباً نبيه: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ (١) فقوله تعالى: ﴿فَاعْبُدِ﴾ أمر وقوله سبحانه: ﴿مُخْلِصًا﴾ أي حال كونك مُخْلِصًا له الدين، ومن المعلوم أنه لا يتحقق الإخلاص إلا بتجريد النية لله، وبناء على ذلك توقف اعتبار العبادة على نية القربة، فلو أن إنساناً أراد أن يصلي، ولم يقصد العبادة لله -جل وعلا- أو فعل أفعال الصلاة وقصد بها رياضة البدن فإنها لا تعتبر عبادة مجزئة، إذاً لا بد في العبادة من قصد القربة لله ، والوضوء عبادة من العبادات، فهو داخل تحت هذا الأمر، فتجب فيه النية.
وأما قصد رفع الحدث؛ فهو أعم المقاصد في النية في الطهارة، وبه يرتفع الحدث الأصغر والأكبر، فيستبيح فعل جميع ما تشترط له الطهارة، دون استثناء، وأما إذا قصد استباحة معين لزمه تعيينه في قول الجمهور لحديث عمر ﵁ أنَّ النبيَ ﷺ قال: [إنما الأعمالُ بالنيات، وإنما لكُلِّ امرئٍ ما نوى] فقد دل الحديث بمنطوقه على أن من نوى شيئاً كان له، وبمفهومه أن من لم ينو شيئاً لم يكن له، فأخذوا منه دليلاً على التفريق بين نية رفع الحدث العامة، ونية الإستباحة الخاصة، وهذا النوع الثاني في النية وهو قصد رفع الحدث، أو الإستباحة الخاصة هو الذي يقصده العلماء ﵏ في مسألة نية الوضوء، وأما النوع الأول: وهو الإخلاص، وقصد القربة لله ، فإنه معلوم من الشرع بداهة لأن
стр. 180
العلماء أجمعوا على أن العبادات لا تصح إلا بنية، وقد قرر الإمام الشاطبي ﵀ مبحثاً نفيساً ينبغي على طالب العلم أن يرجع إليه في كتابه الموافقات في الجزء الأول منه حيث عقد فصلاً كاملاً لتقرير وجوب النية، ولزومها في العبادات، وبيّن وجه اعتبار الشرع لها، وإلزامه للمكلف بها، الشاهد من هذا أنه لا يصح إيقاع الوضوء، والغسل من الجنابة، وغيرها على الوجه المعتبر شرعاً إلا إذا نوى الإنسان به رفع الحدث، أو الإستباحة على التفصيل المتقدم، فلو أن إنساناً غسل، ومسح أعضاء الوضوء قاصداً التبرد، أو نظافة البدن لم يُجْزِهِ ذلك الوضوء؛ إلا إذا نوى به الوضوء الشرعي، وكذلك الحال لو أنه كانت على الرجل جنابة، أو إمرأة طهرت من حيضها ثم انغمس كل منهما في بركة، وكان عند انغماسه قاصداً التبرد في زمان صيف، فإن هذه النية لا تجزيهما، ويلزمهما الغسل مرة ثانية بنيّة رفع حدث الجنابة، والحيض وهذا هو الذي عبّر المصنف ﵀ عنه بقوله: [لِطَهارةِ الأحداث] والأحداث هنا عامة أي سواء كانت صغرى، أو كبرى، ومفهوم قوله: [الأحداث] أن طهارة الخبث لا تشترط لها النية، لأنها من الوسائل، وليست من المقاصد، والإجماع على أن الوسائل لا تشترط لها النية.
قوله ﵀: [والنّيةُ شَرْطٌ]: الشرط في اللغة: العلامة.
وأما في اصطلاح العلماء: (فما يلزم من عَدمِه العدمُ، ولا يلزم من وجُوده الوجود).