← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 37545

شرح زاد المستقنع - الشنقيطي - الطهارة ط الإفتاء

محمد بن محمد المختار الشنقيطي

Полный текст (443 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

ثانياً: أن النبي ﷺ قال للأعرابي: [تَوضّأ كَمَا أَمَركَ الله ] أي على الصفة التي وردت في كتاب الله وقد وردت فيه مرتبة. ثالثاً: أنه لم يحفظ عن النبي ﷺ أنه توضاً فقدم عضواً على عضو على خلاف ترتيب الآية الكريمة. لكن هنا إشكال في الحديث الذي ورد من كونه ﵊ تمضمض بعد أن غسل وجهه، فكيف نجيب عن هذا الإشكال؟ والجواب: أن الترتيب في أعضاء الوضوء يقع على الصور التالية: أولاً: الترتيب بين مفروض، ومفروض. ثانياً: الترتيب بين مسنون، ومسنون. ثالثاً: الترتيب بين مفروض، ومسنون. فأما الترتيب بين مفروض، ومفروض فكغسل اليدين بعد غسل الوجه، وهو مفروض، ولازم. وأما الترتيب بين مسنون، ومسنون فكالترتيب بين المضمضة، والإستنشاق بأن يوقع المضمضة أولاً، ثم يستنشق بعدها، وهو مسنون. وأما الترتيب بين مفروض، ومسنون؛ فكالمضمضة، والإستنشاق، مع غسل الوجه يبدأ بالمضمضة أولاً، ثم الإستنشاق وكلاهما سنة، ثم يغسل وجهه، وهو الفرض، وهذا الترتيب مسنون أيضاً، والذي ورد في الحديث من كونه غسل وجهه، ثم تمضمض؛ إنما هو بين مسنون، ومفروض، ومحل الكلام فيما بين المفروضات، وبناءً على ذلك يكون هذا الحديث لا علاقة له بالترتيب الواجب، ولا يصحّ الإستدلال به على إسقاطه، وهذا أمر يُغْفِله

стр. 177

بعض طلاب العلم أنه يحتج بهذا الحديث على إلغاء الترتيب، وليس في الحديث دلالة؛ إنما يستقيم الإستدلال بالحديث أن لو غسل النبي ﷺ يديه قبل وجهه، أو قدّم مسح رأسه على غسل اليدين؛ أما عدم الترتيب بين المسنونات، أو بينها، وبين الفرائض؛ فالأمر فيه واسع ليس كالفرائض. هذا الترتيب إنما هو في الفرائض إذا كان بين عضو، وعضو، كما قدمنا في ترتيب اليدين بعد الوجه، وأما إذا كان العضو واحداً متعدداً، كالأعضاء المثناة، فلا يجب الترتيب، ففي اليدين والرجلين يجوز لك أن تغسل اليمنى قبل اليسرى، وأن تغسل اليسرى قبل اليمنى، ولا يشترط الترتيب بين اليمنى، واليسرى؛ لأنّ الله أمر بغسل اليدين مطلقاً، وهذا قد غسل يديه، وفِعْلُ النبي ﷺ بتقديم اليمنى على اليسرى كمالٌ؛ لقول عائشة ﵂: [كان رسول الله ﷺ يُعْجِبُه التَّيمنُ في تَنَعُّلِهِ، وتَرجُّلِه، وطُهُورِهِ، وفي شَأنِه كُلِّه]، وبناءً على ذلك لا يجب الترتيب بين المسنونات، ولا بين الأعضاء المثناة كاليدين والرجلين. قوله ﵀: [والموالاة]: المراد به أن تقع هذه الفروض على الولاء بعضها يلي بعضاً، دون وجود فاصل مؤثر، وتوضيح ذلك: أن يغسل وجهه، ثم يقوم بغسل يديه قبل أن ينشف وجهه، ثم يمسح رأسه قبل أن تنشف يداه، ثم يغسل رجله قبل أن ينشف الماء الذي مُسح به رأسه، هذا هو مراد العلماء بالموالاة، ولذلك قال العلماء ضابطها: أن لا ينشف العضو المفروض قبل أن يبدأ بالفرض الذي يليه، مثال ذلك: لو أن إنساناً توضأ في بيته، ثم انقطع الماء أثناء الوضوء، وكان قد غسل وجهه، فقام من موضعه

стр. 178

إلى موضع آخر فيه الماء، ومشى حتى بلغه فحينئذ ننظر فإن كان الفاصل الذي بين انقطاع الماء، وغسله للعضو فاصلاً مؤثراً؛ بمعنى أنه ينشف فيه العضو في الزمان المعتدل الذي هو ليس بشديد البرد، والحر، (لأن الحر فيه نوع من الرطوبة خاصة إذا كان الإنسان في الظل فيبقى العضو طرياً إلى أمد أكثر والبرد مع الهواء، والريح يحصل به النشاف بسرعة) فلو قُدِّر مثلاً إلى خمس دقائق أن العضو في الزمان المعتدل ينشف نقول: إذا مضت خمس دقائق ما بين غسله لوجهه، وغسله ليديه بعد عثوره على الماء بطل وضوءه، وإن كان دون ذلك صحَّ، ولم يؤثر وجود هذا الفاصل. والأصل في فرضية الموالاة دليل السنة، وذلك: أن النبي ﷺ : [لمّا رأى على قَدَمِ الرَّجُلِ قَدْرَ لُمْعَةٍ لَمْ يُصِبْها الماءُ أَمَره أَنْ يُعيدَ وضُوءَه، وصَلاَته]-صلوات الله وسلامه عليه- فدلّ هذا على أن الولاء من فرائض الوضوء لأن أمره بإعادة الوضوء يدل دلالة واضحة على بطلان الوضوء بغير موالاة. قال ﵀: [والنِّيةُ شَرْطٌ لِطَهارةِ الأَحْداثِ كُلِّها]: النِّية: مأخوذة من قولهم نوى الشيء، ينويه نيّة، ونيَة بالتخفيف، والتّشديد. والنِّية في لغة العرب معناها: القصد، تقول: نويت الشيء إذا قصدته، سواء كان ذلك في القول، أو الفعل وقولهم أعني العلماء ﵏: (النّية شرطٌ في طهارة الأَحداثِ) مرادهم بذلك أن يقصد المكلف العبادة، ويكون قصده مشتملاً على أمرين: الأول: التقرب لله -جل وعلا-، والثاني: رفع الحدث، واستباحة ما تشترط الطهارة لفعله: كالصلاة، والطواف، ولمس المصحف.

стр. 179

والأصل في وجوب النية، ولزومها في العبادات قول الله -تعالى- مخاطباً نبيه: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ (١) فقوله تعالى: ﴿فَاعْبُدِ﴾ أمر وقوله سبحانه: ﴿مُخْلِصًا﴾ أي حال كونك مُخْلِصًا له الدين، ومن المعلوم أنه لا يتحقق الإخلاص إلا بتجريد النية لله، وبناء على ذلك توقف اعتبار العبادة على نية القربة، فلو أن إنساناً أراد أن يصلي، ولم يقصد العبادة لله -جل وعلا- أو فعل أفعال الصلاة وقصد بها رياضة البدن فإنها لا تعتبر عبادة مجزئة، إذاً لا بد في العبادة من قصد القربة لله ، والوضوء عبادة من العبادات، فهو داخل تحت هذا الأمر، فتجب فيه النية. وأما قصد رفع الحدث؛ فهو أعم المقاصد في النية في الطهارة، وبه يرتفع الحدث الأصغر والأكبر، فيستبيح فعل جميع ما تشترط له الطهارة، دون استثناء، وأما إذا قصد استباحة معين لزمه تعيينه في قول الجمهور لحديث عمر ﵁ أنَّ النبيَ ﷺ قال: [إنما الأعمالُ بالنيات، وإنما لكُلِّ امرئٍ ما نوى] فقد دل الحديث بمنطوقه على أن من نوى شيئاً كان له، وبمفهومه أن من لم ينو شيئاً لم يكن له، فأخذوا منه دليلاً على التفريق بين نية رفع الحدث العامة، ونية الإستباحة الخاصة، وهذا النوع الثاني في النية وهو قصد رفع الحدث، أو الإستباحة الخاصة هو الذي يقصده العلماء ﵏ في مسألة نية الوضوء، وأما النوع الأول: وهو الإخلاص، وقصد القربة لله ، فإنه معلوم من الشرع بداهة لأن

стр. 180

العلماء أجمعوا على أن العبادات لا تصح إلا بنية، وقد قرر الإمام الشاطبي ﵀ مبحثاً نفيساً ينبغي على طالب العلم أن يرجع إليه في كتابه الموافقات في الجزء الأول منه حيث عقد فصلاً كاملاً لتقرير وجوب النية، ولزومها في العبادات، وبيّن وجه اعتبار الشرع لها، وإلزامه للمكلف بها، الشاهد من هذا أنه لا يصح إيقاع الوضوء، والغسل من الجنابة، وغيرها على الوجه المعتبر شرعاً إلا إذا نوى الإنسان به رفع الحدث، أو الإستباحة على التفصيل المتقدم، فلو أن إنساناً غسل، ومسح أعضاء الوضوء قاصداً التبرد، أو نظافة البدن لم يُجْزِهِ ذلك الوضوء؛ إلا إذا نوى به الوضوء الشرعي، وكذلك الحال لو أنه كانت على الرجل جنابة، أو إمرأة طهرت من حيضها ثم انغمس كل منهما في بركة، وكان عند انغماسه قاصداً التبرد في زمان صيف، فإن هذه النية لا تجزيهما، ويلزمهما الغسل مرة ثانية بنيّة رفع حدث الجنابة، والحيض وهذا هو الذي عبّر المصنف ﵀ عنه بقوله: [لِطَهارةِ الأحداث] والأحداث هنا عامة أي سواء كانت صغرى، أو كبرى، ومفهوم قوله: [الأحداث] أن طهارة الخبث لا تشترط لها النية، لأنها من الوسائل، وليست من المقاصد، والإجماع على أن الوسائل لا تشترط لها النية. قوله ﵀: [والنّيةُ شَرْطٌ]: الشرط في اللغة: العلامة. وأما في اصطلاح العلماء: (فما يلزم من عَدمِه العدمُ، ولا يلزم من وجُوده الوجود).

стр. 181

مثال ذلك: الوضوء شرط لصحة الصلاة يلزم من عدم الوضوء عدم صحة الصلاة، لأننا نقول إنه شرط لصحة الصلاة، ولا يلزم من وجود الوضوء وجود الصلاة؛ فإن الإنسان قد يتوضأ، ولا يصلي هذا معنى قولهم: [ما يلزمُ من عدمِه العدمُ، ولا يلزم من وجودِه الوجود]. وقوله: [شَرْطٌ لطهارةِ الأحْداثِ كُلِّها]: فيه عموم، وذلك في قوله: [كلّها]، فشمل الأحداث الصغرى والكبرى، فكلّها تشترط النية فيها، وهذه مسألة خلافية إختلف فيها جمهور العلماء مع الإمام أبي حنيفة، وأصحابه رحمة الله على الجميع؛ فالجمهور من المالكية، والشافعية، والحنابلة، والظاهرية يرون: أن الوضوء، والغسل لا يصحّ إلا بالنية، فمن توضأ بنية التَّبرد، وكان عليه حدث أصغر؛ فإنه لا يجزيه، وهكذا لو إِغتسل تبرداً، أو نظافة، وعليه جنابة. وذهب الإمام أبو حنيفة، وأصحابه إلى: أن الوضوء، والغسل يصحّ كلٌ منهما بدون نية، فإذا توضأ، أو اغتسل بدون نية رفع الحدث، أو كان قاصداً النظافة؛ فإنه يجزيه، ويصحُّ منه. واحتج الجمهور بدليل الكتاب، والسُّنة، والعقل. أما دليل الكتاب فقوله تعالى: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ وجه الدلالة: أن الوضوء عبادة، فلا يصح إلا بنية، وكذلك قوله سبحانه: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ (١)، والدليل على كونه عبادة أنه غَسْل

стр. 182

للأعضاء على صفة مخصوصة، ولذلك أمر بغسل بعض الأعضاء ومسح بعضها، ولو كان عبادة معقولة المعنى لما جاء على هذا الوجه. وأما دليل السُّنة: فحديث عمر ﵁ في الصحيحين أن النبي ﷺ قال: [إنما الأعْمالُ بالنِّيات، وإنما لِكُلِّ إمْرئٍ مَا نَوى] ووجه الدلالة: أن النبي ﷺ بيّن في هذا الحديث أن صحة الأعمال موقوفة على النية، والوضوء عمل، فلا يصح إلا بنية. كذلك إستدلوا بما ثبت في الصحيح من قوله ﵊: [الطُّهُورُ شَطْرُ الإِيمانِ] فوصف الطهور، (وهو الطهارة من الحدث بنوعيها الوضوء، والغسل) بكونه شطر الإيمان، والمراد به الصلاة، لأن الله سمى الصلاة إيماناً كما في قوله سبحانه: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ أي: صلاتكم التي توجهتم فيها إلى بيت المقدس. فإذا ثبت بدليل السنة أنّ كُلاًّ من الوضوء، والغسل شطرَ الصّلاة؛ فإن الصّلاة بالإجماع تُشترط لها النِّية فلزمت النية في شطرها، وهو الطُّهورُ أعني: الوضوء، والغسل. وأما دليلهم من العقل؛ فالقياس حيث قالوا: تجب النِّية في الوضوء، والغسل كما تجب في التيمُّم؛ بجامع كون كل منهما طهارة تُسْتَباح بها الصلاة. هذا حاصل ما استدل به الجمهور من دليل النّقل، والعقل. أما الإمام أبو حنيفة -رحمة الله عليه-، وأصحابه فدليلهم العقل حيث قالوا: إن الوضوء، والغسل كلٌّ منهما عبادة معقولة المعنى، وهو وسيلة، وليس بمقصد، والوسائل لا تشترط لها النية إجماعاً، ولذلك قالوا يصح الوضوء

стр. 183

بدون نية، وقولهم وسيلة أي: أنه يتوصل به إلى فعل العبادة لا أنه عبادة بذاته فيكون حينئذ مثل ما لو ركب دابة ليصل إلى المسجد لم تجب عليه النية، ولم تلزمه كذا هنا. والذي يترجح في نظري والعلم عند الله: هو القول باشتراط النية لصحة الوضوء، والغسل لِصِحَّة دلالة النقل، والعقل على ذلك، وما ذكروه غير مسلم، وقد بيّنا دلالة النقل على اعتبار الوضوء، والغسل عبادةً لا وسيلة معقولة المعنى والله أعلم. ثم هذه النية لها ضوابط: أولاً: أنه ينبغي أن تقع قبل البداءة بالعبادة، دون فاصل مؤثر، أو عند البداءة بها مصاحبة دون سبق من أول الفعل المفروض في أول الطهارة، وذلك لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ (١) أي إذا أردتم القيام إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم والأمر بغسل الوجه لا يتأتى إلا بعد نيته، وتكون مُصاحبةً لأول مفروضٍ، أو واجب فإذا قام الإنسان من النوم تكون نيته عند غسله لكفيه فتكون النية عند إرادته لغسل الكفين، وإن كان في نهاره تلزمه النية عند غسله لوجهه فلو عزبت عنه قبل ذلك صحَّ وضوءه؛ لأنها تجب عند أول مفروض، ولكن بالنسبة لما قبل المفروض الأول لا يتحقق فيه الثواب كما قرره العلماء -رحمة الله عليهم- إلا بالنّية.

стр. 184

ثانيًا: النّية في الوضوء إما أن ينوي النية العامة، أو الخاصة؛ فالأول: نيّته لرفع الحدث، والثاني: نيّته لاستباحة محظور على المحدث مثل: الصلاة، والطواف، ونحوهما، فإذا نوى رفع الحدث؛ فلا إشكال في جواز فعله لجميع ما تشترط لها الطهارة، دون تفصيل؛ لأن حدثه إرتفع فزال الحاظر عن الجميع. وأما إذا نوى إستباحة المحظور؛ فإنه يختلف بحسب اختلافه، فإما أن يكون أعلى؛ كالصلاة المفروضة. وإما أن يكون أدنى؛ كلمس المصحف، وعليه فإمّا أن ينوي الأعلى، ويندرج تحته الأدنى، أو ينوي الأدنى ولا يندرج تحته الأعلى، وإما أن ينوي المساوي، وفيه تفصيل. فأما إذا نوى الأعلى فمثاله: الصلاة المفروضة فإنها أعلى من غيرها، وهو النافلة، وصلاة الجنائز، والطواف، ومس المصحف، وسجود التلاوة. فإذا نواها (أي الفريضة) صح له أن يصلي جميع ما دونها، كراتبتها القبلية، والبعدية، وغيرها من النوافل، وهكذا الطواف، ولمس المصحف، وبقية ما تشترط له الطهارة. وأما إذا نوى الأدنى: فإنه لا يجوز له أن يستبيح به ما هو أعلى مثل: أن ينويه لنافلة لم يصحّ أن يصلي به فرضاً. وأما إذا نوى المساوي: فيصح في حال يكون فيها مساوياً في مطلق الوصف مثل الفريضة المقضِيّة فلو دخل وقت فريضة الظهر، وكان عند وضوئه قد

стр. 185

نواها، ثم تذكّر أنه لم يصلّ الفجر صحَّ له أن يصلي بذلك الوضوء الفجر، والظهر، وهكذا الحال في النوافل. واستدل من قال بهذا التفصيل بحديث عمر ﵁ في الصحيحين، والذي تقدمت الإشارة إليه وإلى دلالته على المسألة. وقد أشار بعضهم إلى هذه الأحوال في النِّية بقوله: ولْيَنْوِ رَفْعَ حَدَثٍ أَوْ مُفْتَرَضْ ... أَوْ إِسْتِبَاحةً لِممْنُوعٍ عَرَضْ وذهب آخرون إلى أنه إذا توضأ للمسنون، والمستحب، والمفروض فإنه لا فرق وتجزيه هذه النيّة عن الكلّ، لأن الحدث عندهم يرتفع بالطهارة، بِغضِّ النظر عن نوعية النية، ويشهد لذلك حديث أبي هريرة ﵁ في الصحيح أنّ النبي ﷺ قال: [لا يَقْبلُ الله صَلاةَ أَحدِكُم إِذَا أَحْدَثَ حَتّى يَتَوضأ] فإذا توضأ للمسنون، أو المستحب، ناسياً رفع الحدث؛ فإنه يُحكم بإرتفاع حدثه، وهذا ما مشى عليه المصنف ﵀ وذلك بقوله: [فَإِنْ نَوى ما تُسَنُّ لَهُ الطهارةُ، أو تَجْدِيداً مَسْنُوناً؛ نَاسِياً رَفعَ حَدثِه؛ إِرْتَفَعَ، وإِنْ نَوى غُسْلاً مَسْنُوناً أَجْزَأَ عَنْ وَاجِبٍ]، والقول الأول مذهب المالكية، والشافعية، وهو الأقوى من حيث الدليل؛ الذي دلّ على إعتبار النيّة، والقول الثاني الذي مشى عليه المصنف هو مذهب الحنابلة ﵏، وأما الحنفية فلا إشكال عندهم، لأن النية ليست واجبة في الوضوء، والغسل، فلا فرق عندهم.

стр. 186

ومذهب القائلين بالتفصيل ألزم للأصل، وأقوى من حيث الدليل، لأن حديث أبي هريرة ﵁: [لا يَقْبلُ الله صلاةَ أَحدِكُم إِذَا أَحْدَثَ حتّى يتوضّأ] إذا أخذ بظاهره قد يستدل به على إسقاط النية أيضاً، فإذاً لا وجه للأخذ بعمومه في نية الطهارة، وحديث النية وهو حديث عمر بن الخطاب ﵁ مقدّم عليه، في اعتبار النية في الطهارة، وكذلك مقدّم عليه في تعيين النية، وهي مسألتنا، وقوله ﵊: [وإِنما لِكلّ امرئٍ مَا نوى] دالّ على أن من نوى الأدنى لم يجز له أن يستبيح الأعلى على التفصيل الذي قدمناه، والله أعلم. قوله ﵀: [وإن نوى غُسْلاً مسْنوناً أجزأ عن واجب]: وإن نوى غسلاً مسنوناً كغسل العيدين أجزأ عن واجب كالحدث وتقدم وجهه أن الحدث يرتفع بالمسنون، وهكذا المستحب بناء على وجود النية التي تصلح لرفع الحدث بغضِّ النّظر عن وصفها. قوله ﵀: [وكَذا عَكْسُه]: يعني لو نوى الأعلى لاندرج الأدنى، وهذا صحيح قولاً واحداً عند العلماء -رحمة الله عليهم-، والخلاف إذا نوى الأدنى هل يرفع الحدث فيستبيح الأعلى، أو لا؟ قلنا الصحيح: أنه لا يستبيح. وإن نوى الأعلى إِندرج تحته الأدنى، وصح له أن يصلي ما دونه كأن ينوي صلاة الظهر جاز له أن يوقع النوافل قبلها، وبعدها. قوله ﵀: [وإِنْ إِجْتَمعتْ أحداث تُوجِبُ وضوءاً، أو غُسْلاً؛ فَنَوى بطهارته أحدهما إرتفع سائرها]: معناه أن من أحدث أكثر من حدث أصغر

стр. 187

أو أكبر إندرج بعضها تحت بعض، وأجزأت عنها طهارة واحدة، سواءً نوى رفعها كلها، أو نوى رفع بعضها، فمثاله في الحدث الأصغر: إذا بال، وتغوّط، وخرج منه الريح، فتوضأ ناوياً رفع حدث البول إرتفع الحدث عن الجميع، لأنه بنيته لرفع الحدث إرتفع حدثه في الكلّ. وهكذا الحال في الطّهارة الكُبرى مثل: أن يحتلم، ثم يجامع أهله، أو العكس، فإنه إذا اغتسل ناوياً رفع حدث الجنابة إرتفع الحدث الأكبر كلّه، ولم يتبعض، وفي هذه المسألة وجد الأصل الموجب لارتفاع الحدث، فأجزأ عن الكل، واعتبرت للجميع النية الواحدة، من باب الحكم الوضعي. قوله ﵀: [ويَجِبُ الإِتْيانُ بها عِنْد أَوّلِ وَاجباتِ الطهارةِ]: بعد أن بيّن لنا مضمون النية في الطهارة شرع ﵀ في بيان موضع النية، ومكانها. فقال ﵀: [ويجب الإتيان بها عند أوّل واجباتِ الطهارة]: يجب الإتيان بالنّية عند أوّلِ واجبات الطهارة، فأوّل واجبات الوضوء إن كان مستيقظاً من النوم: أن يغسل كفّيه ثلاثاً؛ فيجب عليه أن يأتي بالنية عند أول هذا الواجب. وإن قلنا بوجوب المضمضة، والإستنشاق: فإنه في حالة ما إذا كان في غير الإستيقاظ من النوم تكون نيّته عند إرادته المضمضة، والإستنشاق، وإن قلنا بعدم وجوب المضمضة، والإستنشاق، فإن أول مفروض بالإجماع هو الوجه، فتكون نيته عند غسله للوجه، فإن سبقت النية هذا الواجب، فلا يخلو سبقها: إما أن يكون بالزمن اليسير، أو الكثير، فإن كان سبقها بفاصل

стр. 188

يسير، فإنه لا يؤثر قياساً على الصلاة، وسائر العبادات مثل: أن ينوي رفع الحدث، ثم يحرك الإناء، أو يفتح الصنبور، ثم يشرع في طهارته، فهذا الفاصل بالزمن اليسير مغتفر. وأما إن كان الفاصل بالزمن الكثير؛ فإنه يعتبر مؤثراً، مثل: أن ينوي الطهارة، ثم يتحدّث مع غيره ساعة، ثم يتوضأ، دون تجديدٍ للنِّية فإن هذا الفاصل موجب لعدم الإعتداد بنيته الأولى؛ لأن مُضِي هذا القدر من الزمان المؤثر يوجب إلغاء النّية؛ كالحال في الصلاة، والعبادات. قوله ﵀: [وهو التَّسْمِيةُ]: المصنف إختار وجوبها، وبناء على القول بوجوب التسمية تكون النية عند التسمية وهناك قول في وجوب التسمية يفصّل بين نسيانها، وعدم نسيانها فإنْ نسيها، ونوى عند غسله لكفّيه صحَّ وضوءه على القول بأن النسيان يسقط المطالبة، والمؤاخذة كما سبق بيانه عند ذكر مسألة التسمية. قوله ﵀: [وتُسَنُّ عنْدَ أوّلِ مَسْنوناتها]: إذاً للنية حالتان: الحالة الأولى: أنها تجب عند أول واجب، ويختلف ذلك بحسب إختلاف العلماء، فإن قلت التسمية واجبة فعند التسمية، وإن قلنا إن أول الواجبات هو المضمضة، والإستنشاق تكون نيّته عند إرادة المضمضة والإستنشاق، وإن قلنا إن أول واجب هو غسل الوجه كانت نيته واجبة عند ابتداءه بغسل وجهه وهو الصحيح إلا في حال الإستيقاظ من النوم، فتكون نيته عند إرادة غسله لكفيه.

стр. 189

وأما الحالة الثانية فقد أشار إليها بهذه العبارة وهي: قوله ﵀: [وتُسنّ عِنْد أوّلِ مَسْنُوناتها إِنْ وُجِدَ قَبل واجبٍ]: أي أنّ النّية تُسنُّ عنْد أوّل مسنونات الطهارة إن وجد قبل واجب، ويتأتى هذا في غسل الكفين لغير المستيقظ من نومه؛ حيث يكون غسله لكفيه سنة، فتسن النية عند إبتدائه الغسل لهما، وهما في هذه الحالة قبل أول واجب، وهو غسل الوجه إن قلنا بعدم وجوب التسمية، وأما إذا قلنا بوجوب التسمية عند الذكر، وسقوطها عند النسيان، فنسيها عند إبتداء وضوئه في هذه الحالة يكون المسنون قبل الواجب وهو غسل الكفين، لأنه في غير حالة الإستيقاظ من النوم فتسن النية حينئذ عند أول مسنون وهو غسل الكفين لأنه وُجِدَ قبل الواجب. قوله ﵀: [واستصحاب ذكرها في جميعها]: الإستصحاب إستفعال من صحب الشيء إذا لازمه، وكان معه، ومنه: الصاحب، والمراد باستصحاب ذكرها أي: أن يستصحب ذكر النية فالضمير عائد إلى النية، وقوله: [في جميعها] أي: جميع الطهارة صغرى كانت، أو كبرى، وعليه فإنه يلزمه إستصحاب قصد رفع الحدث من بداية الوضوء إلى نهايته، وهكذا الحال في الغسل، وهذا هو أحد الوجهين عند العلماء ﵏. وهناك وجه ثان أن العبادة التي لا يقع فاصل بينها بأجنبي يجزيء أن تكون النية في أولها، ولا يلزمه الإستصحاب، ولكن ينبغي أن لا يقع منه إلغاء لها حتى ينتهي من فعلها.

стр. 190

وهذا الوجه هو الأقوى، وعليه فالمهم أن يستحضر النية في أول الوضوء، ولا ينقضها بشيء حتى ينتهى منه، وهكذا الحال في غُسله. قوله ﵀: [وصِفَةُ الوضُوءِ]: بعد أن بين لنا ﵀ فرائض الوضوء وشرط صحته من النية شرع في بيان صفة الوضوء، وللفقهاء في طريقة بيانها مسلكان: بعضهم يبدأ بصفة الوضوء الكاملة، ثم يذكر بعدها صفة الإجزاء المعبَّر عنها بفرائض الوضوء، وشرائط صحته، وممن مشى على هذا المسلك الإمام ابن قدامة -رحمة الله عليه- في كتابه العمدة حيث قدّم الصفة الكاملة، ثم أتبعها ببيان صفة الإجزاء، وهذا المسلك أنسب من وجهين: الأول: مراعاة الأدب، وذلك بالإبتداء بذكر هدي النبي ﷺ الكامل في عبادة الوضوء. والثاني: أن التكرار فيه محمود بخلاف المسلك الأول. قوله ﵀: [وصِفَةُ الوُضُوءِ]: صفة الشيء: حِلْيته، وما يتميز به، ولما كان الوضوء قد أمر الشرع فيه بغسل، ومسح أعضاء مخصوصة؛ فإن له صفتين: الأولى: صفة الكمال. والثانية: صفة الإجزاء. أما صفة الكمال: فهي الصفة التي توضّأ بها النبي ﷺ في حال الإسباغ كما في الصحيحين من حديثي عثمان، وعبد الله بن زيد ﵄، وهي أكمل ما يكون عليه إيقاع هذه العبادة؛ لأن المكلف يحصل بها أعلى

стр. 191

درجاتها، وأما صفة الإجزاء: فهي الصفة التي إذا فعلها أجزأه وضوءه؛ كأن يكون الماء عنده قليل، ويخشى أنه لو فعل المسنونات لا يستطيع غسل المفروضات؛ فيقتصر على صفة الإجزاء. هذا وجه تقسيم الوضوء إلى صفة إجزاء، وكمال، والسبب في هذا التقسيم أنه يستفاد منه في الحكم بصحة الوضوء، وعدم صحته في حال ترك شيءٍ منه، فإن كان المتروك فرضاً حكمنا بعدم صحته، وإن كان مسنوناً حكمنا بالصحة، وعدم تأثير تركه؛ إلا في نقصان الأجر. قوله ﵀: [أَنْ يَنْوِي، ثُمَّ يُسَمِّيَ، ويَغْسِلَ كفيهِ ثَلاثاً]: تقدم الكلام على النّية، وعلى التَّسْمِية، وقوله: [ويغسلَ كفّيهِ ثَلاثاً] الأصل فيه ما ثبت في الصحيحين عن النبي ﷺ من حديث عثمان، وعبد الله بن زيد ﵄، وكذلك في حديث علي ﵁ في السنن أنه ﵊ إفتتح وضوءه بغسل كفِّيه، ولذلك يعتبر غسل الكفّين في الوضوء أول المسنونات إذا لم يكن الإنسان مستيقظاً من النوم لأنه يكون حينئذ يكون واجباً على أصحِّ قولي العلماء ﵏ في حكمه وقد تقدم معنا بيان حقيقة الكفين، وأحوالهما، وحكمهما في أول الوضوء. قوله ﵀: [ثمّ يتمضْمَضَ، ويَسْتنشِقَ]: تقدم معنا بيان حقيقة المضمضة، والإستنشاق، وخلاف العلماء ﵏ في حكمهما. قوله ﵀: [ويستنشق]: الإستنشاق: استفعال من النَّشق، وأصل النَّشق جَذْبُ الشيءِ إلى الخياشيم بالنَّفَسِ، ومنه سمي النَّشوق نشوقاً؛ لأنه يُستعط، ويُجذب بالنَّفَسِ، والإستنشاق ظاهره مبني على ما قدمنا، وأما

стр. 192

إخراج الماء المستنشق فيسمى إستنثاراً، وثبت في الصحيح أن النبي ﷺ قال: [إِذَا توضّأَ أَحدُكُمْ فَليسْتَنْشِقْ بمِنْخَريْهِ] وظاهره ليس فيه تعرّض للإستنثار، ولذلك قال بعض العلماء: إذا استنشق يعني جذب الماء تحقق الإستنشاق، ولا يلزمه الاستنثار يعني الطرّح. والصحيح أن تعبير الشرع بالإستنشاق متضمن لطلب الإستنثار؛ لأن الإنسان إذا استنشق لا يصبر على بقاء الماء حتى ينثره، وفائدة إِشتراط النّثر أن الإنسان إذا عصر أنفه دون أن ينثر لم يكن محققاً للاستنشاق على أكمل صوره، ولذلك لا بد من النَّثْرِ كما في الصحيح عنه ﵊ أنه قال: [إِذَا تَوضّأ أحدُكُمْ فَلْيَجْعلْ على أَنفِهِ ماءً]، هذا الإستنشاق، ثم قال: [ثُمَّ لِيَنْتَثِرْ] أي ليطرح لأن النَّثْرَ في اللغة: هو الطرح، فقوله: [لِيَنْتَثرْ] أي: لينثر الماءَ الذي جَذبَه بِنَفَسِه إلى خياشيمه، ولذلك لا بد من النَّثر لأن المقصود من إدخال الماء تطهير هذا الموضع، فإذا كان يعصره دون أن يكون منه نثر لم يتحقق به كمال التطهير لهذا الموضع. قال ﵀: [ويَغسلَ وجْهَه منْ مَنابِتِ شَعرِ الرَّأسِ إلى ما انحدَرَ مِنَ اللّحْيَينِ، والذِّقْنِ طُوُلاً]: قوله [ويَغْسلَ وجْهَهَ] الوجه: تقدم أنه من المواجهة، وبيّنا كلام العلماء في الوجه، ودليل وجوب غسله والآن نبيّنُ حدَّ الوجْهِ. أما طولاً فقالوا: إنه من منابت الشعر الذي يكون في ناصية الإنسان إلى ما انحدر من اللّحييْنِ، وهما الفكّان السُّفليان الأيمن منهما، والأيسر إلى ما انحدر منهما، والسبب في تعبير المصنف بقوله: [إلى ما إنحدر]؛ لأنه لا

стр. 193

يمكن إستيعاب الوجه كاملاً إلا بأخذ جزء يسير مما جاوره حتى يستوعب المحل المفروض غسله، فما انحدر من اللّحْيين هو الغاية في الغسل، والتي بها يتمكن من إستيعاب جميع الوجه، وقوله: [مِنْ مَنابتِ شَعَرِ الرَّأسِ] المراد به المكان بغضِّ النَّظر عن كون الشعر موجوداً، أو غير موجود كما في الأصلع، فالعبرة بمكان نبات الشّعر من الناصية، هذا كلّه في حدِّ الوجه طولاً، أما حدُّه عرضاً فقد بيّنه بقوله ﵀: [ومِنَ الأُذنِ إلى الأُذنِ عَرْضاً] من الأُذنِ إلى الأُذنِ، وهذا الحدّ يُدْخل البياض الذي بين الأذن، وشعر اللحية في العارضتين بالنسبة لمن كانت له لحية. قوله ﵀: [وما فِيه مِنْ شَعَرٍ خَفيفٍ]: أي في الوجه فالضمير عائد إليه، والمراد أنه يجب عليه غسل الشعر الخفيف الموجود في الوجه؛ لأنّ البشرة تُرى من تحته، وإذا كانت البشرة تُرى من تحته فإنه يجب عليه غسل الشعر، وغسل ما تحته؛ لأن المواجهة تتحقق بالشعر، وبما تحت الشعر من البشرة، فيجب غسل الجميع. قال بعض الفضلاء في هذه المسألة: خَلّلْ أَصابعَ اليدينِ وشَعَرْ ... وَجْهٍ إِذا مِنْ تَحْتِه الجِلْدُ ظَهرْ فقال ﵀: (إذا من تحته الجلد ظهر)، والمصنف ﵀ قال: [إِذَا كانَ الشعرُ خَفِيفاً] بمعنى أنك ترى البشرة من تحته؛ لأنك إذا رأيت البشرة من تحت الشعر، فإنه حينئذ تكون المواجهة قد حصلت بالشّعر، وبالبشرة فهذا هو وجه المطالبة بغسل كل منهما.

стр. 194

وقوله ﵀: [والظَّاهِر الكَثيف مَعَ مَا اسْتَرْسَل مِنْه] أي: ويجب عليه غسل ظاهر الشعر الكثيف وما استرسل منه، فأصبحت اللّحية على حالتين: الأولى: أن تكون خفيفة ترى البشرة من تحتها فالحكم أنه يجب غسل الإثنين؛ لأن المواجهة حصلت بهما، والله أمر بغسل الوجه فصدق على الإثنين؛ فلزم غسلهما معاً، لتحصيل المأمور به شرعاً. والثانية: أن تكون كثيفة بمعنى أنها تحجب البشرة، فلا تُّرى مِنْ تحتها، فحينئذ يجب غسل الظاهر من اللحية فقط، لأنه هو الذي تحصل به المواجهة، وأما باطنها، وظاهر البشرة فلا مكان لهما في المواجهة لستر الشعر الكثيف لهما، فنزّل منزلَتهما، وأغنى غسل ظاهر اللحية الكثيفة عن غسل باطنها، وهذا هو فقه المسألة، وما استرسل من اللحية تابع لها؛ لأن المواجهة حصلت بالكلّ أعنى ظاهر اللحية، وما استرسل فوجب عليه غسلهما. قوله ﵀: [ثمّ يديه إِلى المِرْفَقين]: ثم يغسل يديه مع المرفقين، وقد تقدم بيان حدِّ اليدين، ومعنى المرفقين، ودخولهما في غسل اليدين، وهنا ننبه على خطأ شائع عند كثير من الناس من العامة، فإنهم إذا توضؤوا يغسل الواحد منهم الكفين، ثم يتمضمض، ويستنشق، ويغسل وجهه، فإذا غسل يديه بدأ من آخر الكف فيغسل ساعده، ويغفل عن الكفّين، من فعل ذلك لا يصح وضوءه، وتلزمه إعادة الوضوء، والصلاة لأن غسلهما أول الوضوء لا يجزئ عن غسلهما المفروض من وجهين: الأول: أن المسنون لا يجزئ عن الفرض، فغسلهما في غير حال الإستيقاظ الأصل إستحبابه، فلا يجزئ عن الفرض.

стр. 195

الثاني: ولو وقع واجباً كما في حال غسلهما عند الإستيقاظ من النوم؛ فإنه لا يجزئ؛ لأنه سابق للوجه فيفوت فرض الترتيب، حيث لا يصح غسل اليدين، ولا بعضهما قبل غسل الوجه كما بيّناه في شرط الترتيب، وعليه فلا يجزيه بكل حال. وكثير يقع في هذا، وينبغي تنبيههم. قوله ﵀: [ثُم يمسَحُ كل رأسه مَعَ الأذنيْنِ مرةً واحدةً]: شرع ﵀ في بيانه للفرض الذي يلي غسل اليدين، وهو مسح الرأس، فقال: [ثم يمسحُ رأسَه كُلّه] وهذا على الصحيح، وقد تقدم بيان دليل وجوب مسح الرأس كله، وأنه هو الراجح من أقوال العلماء ﵏، وقوله: [مَع الأذنين] أي: أن الأذنين تأخذان حكم الرأس، فيجب مسحهما؛ لقوله ﵊: [الأذنَان مِنَ الرأسِ] وقد تقدم معنا بيان ذلك، وبيان صفة مسحهما مع الرأس، وقوله ﵀: [مرةً واحدةً] أي: أنه لا يثلث مسح الرأس حتى، ولو أسبغ الوضوء، فإذا غسل جميع الأعضاء ثلاثاً؛ فإن الرأس لا يمسحه إلا مرة واحدة، وهذا هو مذهب جمهور العلماء ﵏، وذهب الشافعية ﵏ إلى القول بسنية التثليث في مسح الرأس، وإستدل الجمهور على مذهبهم بدليل النقل، والعقل، أما دليلهم من النقل: فهو السنة وذلك في أحاديث منها: حديث عثمان، وعبد الله بن زيد ﵄ في صفة وضوء النبيِّ صلّى الله عليه، وسلم حيث بيَّنا أنه غسلَ جميع أعضاء الوضوء ثلاثاً، ولم يذكرا ذلك في مسح الرأس، فلم

стр. 196

يفعله عثمان ﵁ في وصفه لوضوء النبي ﷺ ، وقال عبد الله ﵁: [فأقبلَ بهما، وأدبَر] ولم يذكر أنه ثلث المسح. وقد جاء التصريح بإقتصاره عليه الصلاة، والسلام على المرة الواحدة حتى في حال إسباغه، كما في حديث علي ﵁ حيث إنه وصف وضوء النبيِّ ﷺ : [وأنه توضَّأَ فغسلَ كفّيه ثم مضمضَ ثلاثاً، واسْتَنْشَق ثلاثاً، وغسل وجهه ثلاثاً، وذراعيه ثلاثاً، ومسح برأسه مرةً ثم غسل قدميه إلى الكعبين، ثمّ قال: أحببتُ أنْ أُريَكُمْ كيفَ كان طُهُور رَسولِ الله ﷺ ]. رواه الترمذي وصححه، وعن أنس ﵁ مثله. وفي حديث الربيع ﵂ أنها رأتْ رسولَ الله ﷺ يتوضّأ فقالت: [مَسَحَ برأسِه ما أَقْبل منه، وما أَدْبر، وصَدْغَيه، وأُذُنيه مرةً واحدةً] رواه الترمذي، وصحّحه. وأما دليلهم من العقل فقالوا: إِن تكرار المسح يجعل الممسوح مغسولاً، ومقصود الشرع في هذا العضو هو المسح، وليس الغسل. وإستدل الشافعية ﵏ بحديث علي ﵁ عند الدارقطني: [أنه مَسحَ برَأسِه، وأُذنَيْهِ ثلاثاً] وسنده ضعيف. وعليه فإنه يترجح القول بأن المسح لا يكون إلا مرةً واحدةً حتى ولو كان الوضوء ثلاثاً؛ لصحّة دلالة النقل، والعقل على ذلك، ولأنّ دليل القول بالتّثليث لم يثبت.

стр. 197

فائدة: إستدل بعضهم بحديث: [توضأَ ثلاثاً، ثلاثاً] على أنه عام فيشمل مسح الرأس، وجوابه: أنه محمول على الأغلب، لأن أحاديث الجمهور مفصّلة بيّنت أن التثليث كان في أغلب أعضاء الوضوء لا في كلّها فتُقدم على هذا الحديث الذي وصف وصفاً غالبياً. قوله ﵀: [ثمّ يغسلُ رجْلَيْه مع الكَعْبينِ]: ثم يغسل رجليه، وهذا هو الفرض الأخير غسل الرجلين، أو مسحهما إذا كان لابساً للخفين، أو الجوربين، والكعبان يجب غسلهما مع القدم لقوله تعالى: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ وقد تقدم بيان دليل وجوب غسل الرجلين إلى الكعبين، وهل الكعبان يجب غسلهما، أو لا؟ وذكرنا الأقوال، والأدلة، والراجح في هذه المسألة تبعاً للخلاف في المرفقين مع اليدين بما يغني عن الإعادة. قوله ﵀: [ويَغسِلُ الأَقْطعُ بَقيَّةَ المفروضِ]: لأنّ الله أمره بغسل الجميع، فإذا سقط عنه البعض لمكان العذر فإن سقوط البعض لا يقتضي سقوط الكل؛ فالخطاب متوجه عليه أن يغسل يده كاملة فإذا قُطع بعضُها، وبَقي ساعِده مثلاً فإن السَّاعد داخل في المأمور، فيجب عليه غسل ما بقي من الساعد بعد القطع. قوله ﵀: [فإِن قُطِعَ منَ المِفْصَلِ غَسلَ رَأسَ العَضُدِ مِنْه]: هذا مبني على ما ذكرناه من كون الكعبين، والمرفقين داخلين في الغسل ولا يمكن إستيعابهما إلا بالشروع في العضد كما جاء في حديث أبي هريرة ﵁ في صحيح مسلم، فصار طرف العضد داخلاً من هذا الوجه، فإذا بقي بعد قطع اليد شيء منه وجب غسله، وفيه نظر، حاصله أن غسل العضد إن

стр. 198

كان للإستيعاب لم يلزمه غسله عند قطع ما قبله، وإن كان غسله مفروضاً أصلاً صحّ غسله، فعلى الأول يكون تابعاً، وعلى الثاني يكون أصلاً، فيسقط في الأول لسقوط أصله دون الثاني حيث إنه أصل مأمور بغسله. قوله ﵀: [ثمّ يرفع نظره إلى السماء ويقول ما ورد]: رفع النظر إلى السماء بعد الفراغ من الوضوء لم يصح فيه شيء عن رسول الله ﷺ ، والصحيح أنه يقتصر على القول من ذكر الشهادة، فيقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده، ورسوله، وقد صح عنه ﵊ أن من قالها عند تمام وضوءه، فُتِحَت له أبوابُ الجنّة الثمانيةِ يدخل من أيها شاء -نسأل الله العظيم أن يجعلنا، وإياكم ذلك الرجل-. قوله ﵀: [وتُباحُ مَعُونته، وتَنْشِيفُ أَعْضَائِه]: الإباحة: إستواء طرفي الحكم أي: لا يؤمر به ولا ينهى عنه، وقوله: [تُباحُ مَعونتُه] أي: معونة المتوضئ، كما ثبت في الأحاديث الصّحيحة من صبِّ الصّحابة ﵃ لوضوء النبي ﷺ كما في حديث أنس، وحذيفة، والمغيرة بن شعبة ﵃ في الصحيح، فإنها كلّها دلّت على مشروعية خدمة الأحرار بعضهم لبعض، وخاصة إذا كان من أهل الفضل، وكبار السن، والوالدين، فإنّ هؤلاء خدمتهم عبادة، وقربة لله -جل وعلا-، وتجب عند وجود الحاجة، كالمشلول، ونحوه. وإذا كان صغير السن، وأردت أن تخدمه فلا حرج إذا قُصد بذلك وجه الله لا رياءً، ولا سمعةً لكن الأفضل لطالب العلم ألا يمكّنَ الناس من خدمته في

стр. 199

بداية طلبه للعلم، أو في صغر سنه لما في ذلك من الفتنة، والإنسان في مقتبل عمره لا يأمن الفتنة بخلاف كبار السن، فإن الخشوع فيهم أكثر، وقربهم من الموت يُبْعدهم من قصد إهانة الناس غالباً، مع ما لهم من حق كبر السن، ولذلك يستحب بعض العلماء أن الإنسان إذا كان صغير السن ولو كان من العلماء أنه يتورع عن خدمة الناس له حتى يكون ذلك أبلغ في إخلاصه، وفي طاعته لله -جل وعلا-، أُثر عن عبد الله بن عمر ﵄ أنه قال: (إن صحبت رفقة في سفر؛ فلا يعلموا بصيامك؛ إنهم إن علموا بصيامك قالوا: أنزلوا الصائم، أكرموا الصائم احملوا الصائم حتى يذهب أجرك) أي: لا يزالوا يكرمونك حتى يذهب أجرك بما يكون منهم من إكرام، ولذلك ينبغي للإنسان أن يتورع، وقد عهدنا علماء أجلاء -رحمة الله عليهم- بلغوا من العلم شأواً عظيماً كانوا يتورعون عن خدمة الناس لهم خاصةً في هذه الأزمنة التي قل أن يُوجد فيها المُخلِص وكذلك إن وجد المُخلص قد يوجد المُغالي، وكثير من البدع، والأهواء، والغلو في الصالحين نشأ بسبب الخدمة، ولذلك لا ينبغي أن يُتخذَ الدين طريقاً لإهانة عباد الله -جل وعلا- فإن الله أخرج الناس بالإسلام من العبودية لغيره إلى العبودية له ، وقد تكلم الإمام ابن القيم -رحمة الله عليه- كلاما نفيسا في الفوائد، وقال: إن كثيراً من الفساق يغترون بصحبة الصالحين حتى يكونوا جريئين على المعاصي بسبب فضلهم على الصالح بخدمته، ولذلك تجده يخدمه فيغتر بصحبته، فيجرأ على حدود الله، ولا يصلح من حاله، وتصبح صحبته

стр. 200

للعالم صحبة شكلية للخدمة، لكن أن ينتفع بعلمه، ويستفيد من ورعه وتقواه لا تجد لذلك أثراً حتى -والعياذ بالله- يفسد عليه دينه. والمنبغي أن يحمل الإنسان نفسه على أتم الوجوه، وأقربها إخلاصاً لله -جل وعلا-، خرج عبد الله بن مسعود ﵁ من المسجد فخرج معه أصحابه يشيّعوه قال: مالكم؟ قالوا: رأيناك تسير وحدك فأردنا أن نشيّعك، قال: (إليكم عنّي إنها فتنة للتابع، والمتبوع) هذا عبد الله بن مسعود في عصر الخيرية، وفي القرون المفضلة يقول: إنها فتنة للتابع أي: أن الإنسان إذا سار مع العالم، دون أن يسأله، ودون أن يستفيد من علمه ذلك فتنة للتابع بالإغترار بالصحبة، ورؤية الناس له مع أهل الفضل، وأيضاً فتنة للمتبوع أي: أن العالم ربما دخله الغرور برؤية من حوله ممن يشيّعه، ويسير معه. ولذلك الأسلم والأكمل أن الإنسان يتورع وإذا نظر الله إليك قد حباك العلم والفضل لا تهين عباده ولا تأخذ منهم أجراً ولا جزاءً ولا شكوراً كَمُلَ أجرك عنده -جل وعلا-، ولذلك قال تعالى: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ وقال تعالى: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ (١) لكن لا يعني هذا التحريم، والمنع ولكن نقول: أن الإنسان إذا خشي الفتنة على نفسه، أو على من معه، فإنه ينبغي عليه أن يتورّع، وهذه المسألة أحبُّ أن أُنبه عليها؛ لأنه حصل فيها كثير من الدَخَل، فلقد رأينا كثيراً من طلاب العلم

стр. 201

يصحبون العلماء، ويكون في بداية صحبته للعالم كأحسن ما أنت رآءٍ أدباً، وخلقاً، واستفادة من العالم، وكثرة سؤال، ومدارسة له، ولكن ما إن يدخل إلى مقام خدمته، والقيام على شأنه، ويداخله في أموره الخاصة إلا وتغير حاله فيخرج عن حدِّ الأدب، ولربما يأتي وقت، وقد رأينا ذلك بأعيننا في بعض ضعاف النّفوس في حال صحبتهم لمشائخنا يأتي وقت يجرؤ فيه على أن يُفتي فيه بحضرة العالم، وهذا -نسأل الله السلامة والعافية- من المزالق الخطيرة إذا صحبت أهل العلم لا حرج أن تخدمهم، وأنت تريد وجه الله؛ ولكن اعلم أن صحبة العلماء للعلم، والفائدة، وليست للمظاهر، والأمور التي قد تكون فتنة على الإنسان في دينه، ودنياه، وآخرته. قال ﵀: [تُباحُ مَعُونتُه]: أي: يجوز أن يعاونه الغير. قوله ﵀: [وتَنْشيفُ أَعضائه]: التنشيف: هو التجفيف أي: يباح التنشيف، ويجوز، ولكن الأفضل أن لا ينشف أعضاء الوضوء لما ثبت في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: [مَا مِنْ مُسْلم يُقرِّبُ وضُوءَه فيُمضمِضَ، ويَسْتَنْشق، ويَغسِل وجْهَه إلا خَرجتْ كُلُّ خَطيئةٍ نَظرتْ إِليها عَيْناهُ مَعَ المَاءِ أَوْ مَعَ آخرِ قَطْرِ الماءِ] فقوله: [مَع الماءِ، أوْ مع آخِرِ قَطْرِ المَاءِ]، وكذلك قال في اليدين: [حتى تَخْرجَ مِنْ تَحتِ أَظْفارِ أَصابِعه مَعَ الماءِ، أوْ مَعَ آخِرِ قَطْرِ الماء] فقد دلّ على فضيلة عدم تنشيف الأعضاء، وترك الماء يتقاطر حتى يكون أكثر طهارة من الذنوب، والخطايا.

стр. 202

وكذلك ثبتت السُّنة بتأكيد هذا المعنى المستنبط في الوضوء، فإن النبي ﷺ لما اغتسل، وجاءته أمّ المؤمنين بمنديل قالت ﵂: [فلم يُرِده، وجعل يَنْفضُ الماءَ بيديْه]. ولهذا استحَبّ طائفةٌ من العلماء أنه يُبقي الأعضاء مبلولة، حتى يكون ذلك أدعى لخروج خطاياه، مع الماء أو مع آخر قطر الماء على ظاهر الحديث.

стр. 203

باب المسح على الخفين قال ﵀: [باب المسح على الخفين]: تقدم معنا في مباحث الوضوء أن المسح هو: إمرار اليد على الشيء تقول: مسحت الرأس إذا أمررت يدك عليه، والمراد به هنا: (إمرارُ اليدِ مبلولةً على الخُفّين، وما في حكمهما)، والخفان: مثنّى خُف، وهو النّعل من الجلد، أو الأدم الذي يكون للقدم، والأصل فيه أن يكون ساتراً لموضع الفرض، وذلك من أصابع الرجلين إلى الكعبين، وهما داخلان، كأنه يقول ﵀ في هذا الموضع سأذكر لك جملة من الأحكام المتعلقة برُخْصةِ المسح على الخفين. أما مناسبة هذا الباب للباب الذي قبله فقد تكلم المصنف ﵀ على صفة الوضوء الشرعية فلما فرغ من بيانها وَذِكْرِ المواضع التي أمر الله بغسلها، ومسحها في الوضوء ناسب أن يذكر ما يتعلق بآخر عضو من أعضاء الوضوء، وهما الرجلان حيث رخّص الله -جل وعلا- بسنة رسوله ﷺ أن يمسح المكلف على ساتر مخصوص لهما، فناسب بعد الفراغ من باب الوضوء أن يذكر باب المسح على الخفين لأنه متعلق بآخر فرض من فرائض الوضوء وهو غسل الرجلين، والمسح على الخفين رخصة من رخص الشرع، وهذه الرُّخصة ثبتت مشروعيتها بالأحاديث الصحيحة عن النبي ﷺ حتى بلغت مبلغ التواتر، قال الإمام أحمد ﵀: [فيه " أي: في المسح على الخُفين " أربعون حديثاً عن أصحاب النبي ﷺ مرفوعة]، ومثله عن

стр. 204

الحافظ إبن عبد البر ﵀، وقال الحسن ﵀: [حدّثني سبعونَ من أصحاب رسول الله ﷺ إنّه مسحَ على الخُفّينِ]. ولذلك قال بعض العلماء عن أحاديث المسح على الخفين: إنها بلغت سبعين حديثاً، وقد أشار إلى ذلك صاحب الطلعة ﵀ بقوله: ثُمّ مِنَ المشْهُورِ ما تَواتَرا ... وهْوَ ما يرْويهِ جَمعٌ حُظِرا كَذِبُهم عُرْفاً كَمسْح الخفِّ ... رفعُ اليَديْنِ عَادِمٌ للخُلْفِ وقَدْ روى حَديثَهُ مَنْ كَتبا ... أَكثُر مِنْ سِتّينَ مِمّنْ صَحِبا أي أكثر من سِتّين من أصحاب النبي ﷺ رووا هاتين السنُتين عن المصطفى ﷺ الأولى: رفع اليدين عند تكبيرة الإحرام. والثانية: المسح على الخفين، والأحاديث التي وردت في المسح على الخفين منها: ما هو قولي، ومنها: ما هو فعلي، ولذلك لا إشكال في مشروعيته، وكان السلف الصالح -رحمة الله عليهم- عندهم خلاف في الصدر الأول وقع من بعض الصحابة ﵃، ثم إنتهى بعد بلوغ السنة لهم. قال الإمام عبد الله بن المبارك ﵀: [ليس في المسح على الخُفّين عن الصحابة إختلاف لأن كل من رُوي عنه منهم إنكاره، فقد روي عنه إثباته]، ولذلك اتفقت الكلمة على مشروعية هذه الرخصة وأثر عن بعض السلف من العلماء أنه خصّها بالسفر لكنّه قال بأصلها، وهو إحدى الروايات الثلاث عن الإمام مالك -رحمة الله عليه- وسُنبين أنّ الصحيح أنها رخصة لا تختص بالسفر لحديث حذيفة ﵁ في إثباتها، وفعلها في الحضر،

стр. 205

وهو ثابت في صحيح مسلم أن النبي ﷺ بالَ عند سُباطةِ قومٍ قال: [فَصَببْتُ عليه الوضوء، فتوضّأ، ومسح على خُفّيه] وذلك في الحضر فالمسح على الخفين ثابت، وثبوته معتبر عند السلف، ومن بعدهم حتى كان بعض العلماء يدخل في عقيدة أهل السنة، والجماعة القول بمشروعية المسح على الخفين مبالغة في الرد على أهل البدع، والأهواء الذين لا يقولون بمشروعيته، والسبب في ذلك أن ثبوته ثبت بالتواتر، فأصبح من الأمور التي ثبتت مشروعيتها بدليل القطع، وما ثبت مشروعية بدليل القطع، وأنكره من اعتقد ثبوته بالقطع الذي لا شك فيه فقد كفر -والعياذ بالله-؛ لأنه يكذب الشريعة، وكل قطعي ثابت في الشريعة في الكتاب، أو السُّنة فإن إنكاره لمن اعتبر قطعيته، وثبوته يعتبر إنكاراً، وتكذيباً للشرع فيكفر بذلك كما هو مقرّر في العقيدة. وهذا المسح رخصة على سبيل التخيير، لا إلزام فيها. قال ﵀: [باب المسح على الخفين]: أي في هذا الموضع سأذكر لك جملة من الأحكام المتعلقة بالمسح على الخفين، ومنها: أولاً: مشروعيته ببيان الدليل الشرعي على ثبوته. ثانياً: هل مشروعيته على سبيل اللزوم، أو لا؟ ثالثاً: ما هي الشروط المعتبرة في الخفين الممسوح عليهما. رابعاً: ما هي صفة المسح هل هي لأعلى الخفّ، وأسفله، أو للأعلى، دون الأسفل، أو للأسفل، دون الأعلى؟

стр. 206

خامساً: هل المسح على الخفين مؤقت؟ وإذا كان كذلك فما هي المدة المؤقتة فيه؟ إلى غير ذلك من المسائل المتعلقة بالمسح على الخفين، ثم من عادة الفقهاء -رحمة الله عليهم- أنهم يعتنون بذكر حكم النظير مع نظيره فيدخلون المسح على العمامة إذا قالوا بمشروعيتها في باب المسح على الخفين، فيذكرون أحكام المسح، ويُتْبعونها بأحكام المسح على الجبائر، والعصائب، وقد يُتْبعونها كذلك بالمسح على الخمر بالنسبة للنساء على القول بمشروعيته، وكلّ ذلك سيبينه المصنف رحمة الله عليه في هذا الباب. قال ﵀: [يَجُوزُ يوماً، ولَيْلَة لُمقيمٍ]: يجوز أي: المسح على الخفين، ولما قال: يجوز فهمنا منه أنه مشروع على سبيل الإباحة، والتخيير، فلا إلزام فيه للمكلف أي: أنه لا يجب على الإنسان أن يمسح على الخفين، وإنما ذلك مباح له، وجائز، فإن ترتبت مصالح من قصد إحياء السُّنة، ودلالة الناس عليها؛ فإنه يثاب ويعتبر مندوباً في حقه، وقد يصل إلى الوجوب إذا توقف بيان هذه السنة على تطبيقها، وفعلها. قال ﵀: [يَجوزُ يوماً، وليلةً لمُقيم]: قوله: [لمقيم] الإقامة: ضد السفر، وتتحقق الإقامة حقيقة إذا كان الإنسان في موضعه الذي هو نازل فيه سواء كان في بادية، أو حاضرة، وتتحقق الإقامة -أيضاً- بالحكم وهي: الإقامة الحكمية كأن يكون الإنسان مسافراً، ثم نوى أن يمكث في بلد أربعة أيام، فأكثر غير يومي الدخول، والخروج.

стр. 207

وفي هذه الجملة دليل على مشروعية المسح على الخفين للمقيم، فيصبح القول بجوازه عاماً أي: شاملاً للسفر، والحضر. وللعلماء قولان في هذه المسألة: منهم من يقول: المسح مختص بالسفر، وهو إحدى الروايات عن الإمام مالك -رحمة الله عليه-؛ لأن النبي ﷺ مسح في السفر، والسفر يناسبه التخفيف، وذلك أن حديث المغيرة ﵁ في إثبات المسح كان في سفره ﵊ لغزوة تبوك فقال: أصحاب هذا القول إنه يختص بالسفر. وقال الجماهير: إن المسح لا يختص بالسفر، بل يشمل السفر، والحضر؛ لأن النبي ﷺ قال كما في صحيح مسلم من حديث علي: [يَمسحُ المُسافرُ ثَلاَثة أيامٍ، والمقيمُ يَوماً، وليلةً] فدلّ على أنه مشروع للمسافر، وللمقيم، وهي دلالة من السُّنة القولية، كذلك دلت السُّنة الفعلية على مشروعية المسح في الحضر كما في حديث حذيفة بن اليمان ﵄: إن النبي ﷺ أتى سُبَاطَة قَومٍ فَبالَ قَائِماً، ثم قال لي: [اُدْنُ]، فدنوتُ حتى كنت عند عقبيه، قال: فلما فرغ صببت عليه وضوءه حتى قال: [ثُمّ مَسحَ علَى خُفّيهِ] وهذا في الحضر، فدلّ على مشروعية المسح في الحضر كما هو مشروع في السفر. وفي حديث صفوان بن عسال المرادي ﵁ في السنن قال: [أَمَرَنا رسولُ اللهِ ﷺ أَنْ لا ننزِعَ خِفَافنا ثلاثةَ أيام بِلَيالِيهنَّ للمُسَافِر، ويوماً وليلةً للمُقِيم] فأثبت مشروعية المسح حضراً، وسفراً.

стр. 208

وبناءً على ذلك فإنه يترجح قول الجماهير بأن المسح يشرع حضراً، وسفراً، وعلى هذا فلا تتقيد رخصته بالسفر كما ذكر من يقول إنه متقيّد بالسفر؛ لأن ورود المسح عن النبي ﷺ في حديث المغيرة ﵁ في السفر لا يقتضي تخصيص الحكم بالسفر لوجود الحكم نفسه في الحضر بدليل السنة القولية والفعلية كما تقدم. قوله ﵀: [ولِمسَافرٍ ثَلاثةَ بِلَيالِيهَا]: أي: أنّ المسح على الخفين مؤقت للمسافر، كما هو مؤقت للمقيم، وتعرف هذه المسألة بمسألة توقيت المسح على الخفين، وذلك على قولين: فذهب الجمهور ﵏ من الحنفية، والشافعية، والحنابلة، والظاهرية إلى أن المسح على الخفين مؤقت ثلاثة أيام للمسافر، ويوماً، وليلة للمقيم، وحجتهم ما سبق من حديث علي ﵁ في صحيح مسلم، وحديث صفوان بن عسّال المُرادي ﵁ في السنن، وقد تقدم ذكرهما في المسألة السابقة قالوا: إنهما نصّا على أنّ المسح مؤقت بيوم، وليلة للمقيم، وثلاثة أيام للمسافر. وأما بالنسبة للقول الثاني فقال: المسح على الخفين غير مؤقت، وهذا هو مذهب المالكية -رحمة الله عليهم-، والليث، وهو مروي عن بعض الصحابة ﵃. وقد احتج المالكية على عدم التأقيت بحديث أُبيِّ بن عمارة أنه سألَ النبيَّ ﷺ عن المسح على الخفين فقال: يا رسول الله أمسح على الخفين يوماً؟ قال: " نَعمْ " قال: " ويَوْمينِ "؟ قال: " نَعمْ " قال: " وثَلاثةً "؟ قال

стр. 209

نَعمْ، وفي رواية: " وما شِئْتَ " قالوا: إن هذا الحديث أصل في عدم تأقيت المسح على الخفين، ومعناه: أنك إذا لبست الخفين فامسح ما بدا لك، وينتهى الوقت عند نزعك للخفين، وعند أصحاب هذا القول لا يتأقت، لا في السفر، ولا في الحضر، فالإنسان يمسح مدة لبسه للخفين. وأصح القولين فى نظري والله اعلم أن المسح يتأقت، وذلك لما يلي: أولاً: لصحة دلالة السُّنة على ذلك. ثانياً: أن حديث أُبيِّ بن عمارة ضعيف. ضعفه الإمام أحمد، والبخاري، والدارقطي، وغيرهم من أئمة الحديث ﵏ قال إبن معين ﵀: (إِسْنادُه مُظْلِمٌ)، ولذلك لا يعارض السُّنة الصحيحة التي أثبتت المسح مؤقتاً. قوله ﵀: [مِنْ حَدَثٍ بَعْدَ لُبْسٍ عَلى طَاهرٍ]: قوله [مِنْ حَدثٍ] مِنْ: للابتداء أي: يبدأ تأقيت المسح من الحدث الأول بعد اللبس على طهارة، فيبدأ التأقيت بالثلاثة الأيام إذا كان الإنسان مسافراً، واليوم، والليلة إذا كان مقيماً مِنَ الحَدثِ بعد لُبسه، فمن المعلوم أن لُبس الخفين يكون بعد طهارة كاملة تامة، فإذا كان متطهراً، ولبس خُفّيه فإنه ينتظر أول حدث بعد لُبْسه للخُفّين، فإذا أحدث بدأ التوقيت بذلك الحدثِ إلى مثله يوماً، وليلةً، أو ثلاَثة أيامٍ على حسب حاله مسافراً كان، أو مقيماً. فعلى سبيل المثال: لو لبس الخفَّ الساعة العاشرة صباحاً، وهو على طهارة، ثم أحدث الساعة الحادية عشرة فإنه يَعْتدّ بوقت حدثه، وهو الساعة الحادية عشرة فإن كان مقيماً كان له المسح منها إلى مثلها في اليوم التالي، فينتهي

стр. 210

توقيت المسح له في الحادية عشرة من اليوم التالي إذا كان مقيماً، وهكذا الحال في السفر ينتهي في مثل وقت الحدث بعد ثلاثة أيام. ونصّه ﵀ على إِعتبار الحدث معناه: أنه لا عبرة بوقت اللُّبس، ولا بوقت المسْح الأول الذي يقع بعد اللبس، وإنما العبرةُ بالحدثِ لأنه بحصوله شُرِع له أن يمسح فاعتدّ بوقته بِغضِّ النّظر عن كونه مسح بعده، أو انتظر مدة. ولذلك قال العلماء ﵏: أن العبرة بوجود السبب، وهو الحدث، فأحاديث التوقيت جعل الشرع فيها المدة محدودة للرخصة، وإستباحة الرخصة إنما يكون بوقوع الحدث نفسه، لا بلُبس المكلّف، ولا بمسحه. قوله ﵀: [عَلى طَاهرٍ مباحٍ]: يشترط في الخف أن يكون طاهراً، وأن يكون مباحاً، ومفهوم الشرط أنه لا يصح المسح على خفٍ نجس لأن الخف النجس أولاً: لا تصح الصّلاة به لما ثبت في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ أنه نزع نعليه لما أخبره جبريل أنهما ليستا بطاهرتين، فدلّ على أن حذاء المصلي لا بد، وأن يكون طاهراً، فلا يتأتى فيه أن يمسح على هذا النوع، وهو النجس. الأمر الثاني: أنه بالمسح باليد المبلولة على خفّ نجس العين، أو متنجس في موضع المسح، فإنه يتنجس بمرور يده على موضع النجاسة، أو على الخف نفسه إذا كان نجس العين، وبذلك لا تتحقق الطهارة المقصودة من المسح، بل يحصل ضدها، وهو النجاسة، فلم يصحّ المسح.

стр. 211

وقوله ﵀: [مباحٍ] أي: أن يكون الخف مباحاً، ويخرج بقوله: [مباحٍ] ما كان حراماً كالمغصوب فبيّن ﵀ أنه لا يصح المسح إذا وقع على خفّين مغصوبين؛ لأن من شرط صحة المسح على الخفين أن يكونا مباحين، والمغصوب غير مباح، وهذا على مذهب الحنابلة ﵏. قوله ﵀: [ساترٍ للمفروضِ]: ساتر هذا الشرط الثالث، وهو: أن يكون الخفّ ساتراً لمحل الفرض، وهو الرِّجْلُ لأن البدل يأخذ حكم المُبْدل، والمسح بدل عن ما أمر الله بغسله، وهو الرجلان فوجب أن يستر جميع الرّجْلين اللّتين أمر الله بغسلهما، فلا بد من أن يكون ساتراً من أطراف الأصابع إلى الكعبين، والكعبان داخلان كما قررناه في آية الوضوء، فلو كان على نصف القدم، فإنه لا يجوز أن يمسح عليه لأنه غير سائر لمحل الفرض، ولو كان دون الكعبين، بحيث ستر جميع الرجل، إلا الكعبين فإنه لا يصح أن يمسح عليه لأنه غير ساتر لمحل الفرض. قوله ﵀: [يَثْبُتُ بِنَفْسِهِ]: يثبت بنفسه هذا الشرط مبني على أنه إذا وردت الرخصة في الشّرع ينبغي تقييدها بالوصف الذي ثبت عن النبي ﷺ فالخفاف التي كانت موجودة، ومعروفة في زمانه ﵊ تثبت بنفسها، فيخرج ما لا يثبت؛ لأن الذي لا يثبت بنفسه عُرضة إلى أن يكشف منه محل الفرض، وبناء عليه فإنه لا يمُسح عليه، ولا يعتبر على صفة الخف الذي ورد دليل الشرع باستباحة المسح عليه، فإن النبي ﷺ لم يكن خُفّه مَشْدوداً، ولو كان مما يشدُّ، أو كان غير ثابت

стр. 212

وينزل عن الكعبين لبُين ذلك، ولكان ظاهراً من الأحاديث التي جاءت بذكر مسحه -صلوات الله وسلامه عليه- على خفيه. قوله ﵀: [مِنْ خُفٍ، وجَوْرَبٍ صَفِيقٍ، ونحوهما]: قوله: [مِنْ خُفٍّ] من: بيانية، وقوله: [وجورب] الواو للعطف الموجب للتشريك في الحكم أي سواء مسح على خف، أو جورب، والفرق بينهما أن الخفاف تكون من الجلد، أما الجوارب فإنها تكون من القماش ولها صورتان: الصورة الأولى: أن تكون كلُّها من القماش؛ كجورب الصّوفِ، والقُطن الخالصين. والصورة الثانية: أن تكون من القماش المنعّل، وصورته: أن يكون أعلاه من الصوف، ويكون أسفله الجلد فهذا يسمونه الجوربَ المنعَّلَ فهو من القماش لكن أسفله مما يلي الأرض، أو موطئ القدم منه من الجلد، وهو موجود في زماننا، ويعتبر جورباً منعلاً، وكلا النوعين داخل معنا هنا، وفيهما مسألتان: المسألة الأولى: هل يجوز أن يمُسح على الجوارب كما يمُسح على الخفاف؟ المسألة الثانية: هل ذلك شامل لكلِّ جورب؟ أما المسألة الأولى: وهي هل يمسح على الجورب كما يمسح على الخف؛ ففيها قولان مشهوران:

стр. 213

القول الأول: يُمسح على الجوارب كما يُمسح على الخفّ، وبه قال الإمام أحمد، وطائفة من أهل الحديث ﵏. القول الثانى: أنه لا يمسح على الجوارب، وهو مذهب الجمهور ﵏. فالذين قالوا بمشروعية المسح على الجورب إحتجوا بحديث الترمذي، وأحمد: [أن النبي ﷺ مسحَ على الجَوْربَيْنِ]. والذين لا يرون جواز المسح على الجوربين قالوا أولاً: إنه لم يثبت في الجوربين ما ثبت في الخفين، فلا وجه للإستثناء، والرُّخصة. وثانياً: أنه يُحمل قوله على الجوربين على الرواية بالمعنى، فيكون المراد بهما: الخفان من الجلد، لا الجوربان من القماش. والذي يظهر والله أعلم جواز المسح على الجوربين لصحّةِ حديثه، فقد صحّحه غير واحد من أئمة الحديث منهم الإمام أحمد، والترمذي رحمة الله عليهما، وقد جاءت هذه السُّنة عن تسعة من الصحابة ﵃ منهم: عليٌ، وعمار، وإِبن مسعود، وأنس، وإِبن عمر، والبراء، وبلال، وإبن أبي أوفى، وسهل بن سعد الساعدي ﵃. ًثانياً: أنّ حمل الحديث على الخفين خلاف الظاهر، والمعروف أن إطلاق الجورب له معنى، وإطلاق الخف له معنى، وليس الصحابي يجهل دلالة اللفظين فإنّه عبر بلغة صحيحةٍ، ولذلك قالوا إن رواية مُنَعَّلَين تدل على الجلد، ويمكن أن يجاب عنها بأنّ المنعلين المراد بها بعض أفراد الجوارب، وهي الجوارب التي لها بطانة من الجلد.

стр. 214

ومن أهل العلم من أجاب: بأن المراد أن النبي ﷺ مسح على الجورب مع النعل، والنعل لا تغطي كل الظاهر فلم يحتج إلى نزعها عند المسح، لأن النعل لا يلزم مسحه لأنه من باطن كالخف فاقتصر على مسح الجورب، فقال الصحابي على الجورب المنعل يعني أنه مسح مع وجود النعل، والمقصود الجورب، وعلى هذا يصح القول بالمسح على الجوربين. أما المسألة الثانية: فإن الجورب الذي يجوز المسح عليه يشترط فيه أن يكون صفيقاً، وعلى ذلك كلمة أكثر من يرى المسح على الجوربين، أنه لا بد، وأن يكون صفيقاً، وهي عبارات العلماء، لأن الجوارب الخفيفة الشّفافة هذه لم تكن موجودة على عهد النبي ﷺ ؛ إنما كانوا يلبسون الجوارب الثخينة، وكانوا يمشون بها، ولذلك كانوا يلفون الخرق على أقدامهم، وهو المعبّر عنه بالتساخين في بعض الروايات، وهذا يدل على ما اعتبره العلماء من اشتراط الصّفاقة أي: كونه صفيقاً، وأيضاً النظر يقتضيه، فإن الجورب منزّل منزلة الخفِّ، والخفُّ أصله من الجلد، ولا يمكن للجورب أن ينزّل منزلَته إلا بالثّخانة، والصّفاقة، وعلى هذا فإنه يصح المسح عليه إذا كان صفيقاً ثخيناً فالذي يشف البشرة، أو يكون غير ثخين فإنه لا يمُسح عليه؛ لأنه غير معروف على عهد النبي ﷺ ، ومن قال بجوازه يقوله بالقياس فيقول: أقيس هذا الشّفاف على الجورب الموجود على عهد النبي ﷺ ويجاب عنه: بأنه قياس مع الفارق، والفارق هنا مؤثر، ومن شرط صحة القياس، واعتباره أن لا يكون قياساً مع الفارق،

стр. 215

ثم إن المسح على الخفين رخصةٌ جاءت على صفة مخصوصة فيقتصر الحكم على الوارد، والقياس في مثل هذا ضيق. وعليه فإنه لا يصح المسح على الجوربين إلا إذا كانا صفيقين، كما نبه عليه الأئمة منهم الإمام ابن قدامة -رحمة الله عليه- في المغني، وغيره من أصحاب المتون المشهورة في المذهب الحنبلي الذي يقول بجواز المسح على الجوربين كالإمام الحجّاوي في الإقناع، وابن النجّار في المُنتهى، وغيرهم ﵏ كلهم نصّوا على كونه صفيقاً إخراجاً للخفيف الذي يصف البشرة، أو يكون غير ثخين. قوله ﵀: [ونَحْوِهِما] أي نحو الجورب الثخين بمعنى: أنه لا يختص الحكم بالجلد، ولا بالقماش فإذا وجد الساتر للقدمين من غيرهما، ولكنه على صفة الخفّ، والجورب في الثّخانة صَحّ المسح عليه، وهذا ما يدل عليه قوله: [نحوهما] المتضمن لمعنى الشَّبَهِيةِ. قوله ﵀: [وعلى عِمَامةٍ لرجُل]: بعد أن فرغ ﵀ من بيان أحكام المسح على الخفين شرع في بيان أحكام المسح على العمامة، والعمامة مأخوذة من قولهم: عمَّ الشيء إذا شمله، وصفت العمامة بكونها عمامة؛ لأنها تشمل الرأس بالغطاء فهي تستره، والعمامة تأتي على صور فمنها: العمامة التي لها ذؤابة، ومحنّكة، ومنها: العمامة التي لها ذؤابة غير محنكة، والعمامة: التي لا ذؤابة لها، وليست بمحنكة هذه ثلاث صور للعمائم.
следующие страницы →