← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 37545

شرح زاد المستقنع - الشنقيطي - الطهارة ط الإفتاء

محمد بن محمد المختار الشنقيطي

Полный текст (443 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

وقوله ﵀: [مباحٍ] أي: أن يكون الخف مباحاً، ويخرج بقوله: [مباحٍ] ما كان حراماً كالمغصوب فبيّن ﵀ أنه لا يصح المسح إذا وقع على خفّين مغصوبين؛ لأن من شرط صحة المسح على الخفين أن يكونا مباحين، والمغصوب غير مباح، وهذا على مذهب الحنابلة ﵏. قوله ﵀: [ساترٍ للمفروضِ]: ساتر هذا الشرط الثالث، وهو: أن يكون الخفّ ساتراً لمحل الفرض، وهو الرِّجْلُ لأن البدل يأخذ حكم المُبْدل، والمسح بدل عن ما أمر الله بغسله، وهو الرجلان فوجب أن يستر جميع الرّجْلين اللّتين أمر الله بغسلهما، فلا بد من أن يكون ساتراً من أطراف الأصابع إلى الكعبين، والكعبان داخلان كما قررناه في آية الوضوء، فلو كان على نصف القدم، فإنه لا يجوز أن يمسح عليه لأنه غير سائر لمحل الفرض، ولو كان دون الكعبين، بحيث ستر جميع الرجل، إلا الكعبين فإنه لا يصح أن يمسح عليه لأنه غير ساتر لمحل الفرض. قوله ﵀: [يَثْبُتُ بِنَفْسِهِ]: يثبت بنفسه هذا الشرط مبني على أنه إذا وردت الرخصة في الشّرع ينبغي تقييدها بالوصف الذي ثبت عن النبي ﷺ فالخفاف التي كانت موجودة، ومعروفة في زمانه ﵊ تثبت بنفسها، فيخرج ما لا يثبت؛ لأن الذي لا يثبت بنفسه عُرضة إلى أن يكشف منه محل الفرض، وبناء عليه فإنه لا يمُسح عليه، ولا يعتبر على صفة الخف الذي ورد دليل الشرع باستباحة المسح عليه، فإن النبي ﷺ لم يكن خُفّه مَشْدوداً، ولو كان مما يشدُّ، أو كان غير ثابت

стр. 212

وينزل عن الكعبين لبُين ذلك، ولكان ظاهراً من الأحاديث التي جاءت بذكر مسحه -صلوات الله وسلامه عليه- على خفيه. قوله ﵀: [مِنْ خُفٍ، وجَوْرَبٍ صَفِيقٍ، ونحوهما]: قوله: [مِنْ خُفٍّ] من: بيانية، وقوله: [وجورب] الواو للعطف الموجب للتشريك في الحكم أي سواء مسح على خف، أو جورب، والفرق بينهما أن الخفاف تكون من الجلد، أما الجوارب فإنها تكون من القماش ولها صورتان: الصورة الأولى: أن تكون كلُّها من القماش؛ كجورب الصّوفِ، والقُطن الخالصين. والصورة الثانية: أن تكون من القماش المنعّل، وصورته: أن يكون أعلاه من الصوف، ويكون أسفله الجلد فهذا يسمونه الجوربَ المنعَّلَ فهو من القماش لكن أسفله مما يلي الأرض، أو موطئ القدم منه من الجلد، وهو موجود في زماننا، ويعتبر جورباً منعلاً، وكلا النوعين داخل معنا هنا، وفيهما مسألتان: المسألة الأولى: هل يجوز أن يمُسح على الجوارب كما يمُسح على الخفاف؟ المسألة الثانية: هل ذلك شامل لكلِّ جورب؟ أما المسألة الأولى: وهي هل يمسح على الجورب كما يمسح على الخف؛ ففيها قولان مشهوران:

стр. 213

القول الأول: يُمسح على الجوارب كما يُمسح على الخفّ، وبه قال الإمام أحمد، وطائفة من أهل الحديث ﵏. القول الثانى: أنه لا يمسح على الجوارب، وهو مذهب الجمهور ﵏. فالذين قالوا بمشروعية المسح على الجورب إحتجوا بحديث الترمذي، وأحمد: [أن النبي ﷺ مسحَ على الجَوْربَيْنِ]. والذين لا يرون جواز المسح على الجوربين قالوا أولاً: إنه لم يثبت في الجوربين ما ثبت في الخفين، فلا وجه للإستثناء، والرُّخصة. وثانياً: أنه يُحمل قوله على الجوربين على الرواية بالمعنى، فيكون المراد بهما: الخفان من الجلد، لا الجوربان من القماش. والذي يظهر والله أعلم جواز المسح على الجوربين لصحّةِ حديثه، فقد صحّحه غير واحد من أئمة الحديث منهم الإمام أحمد، والترمذي رحمة الله عليهما، وقد جاءت هذه السُّنة عن تسعة من الصحابة ﵃ منهم: عليٌ، وعمار، وإِبن مسعود، وأنس، وإِبن عمر، والبراء، وبلال، وإبن أبي أوفى، وسهل بن سعد الساعدي ﵃. ًثانياً: أنّ حمل الحديث على الخفين خلاف الظاهر، والمعروف أن إطلاق الجورب له معنى، وإطلاق الخف له معنى، وليس الصحابي يجهل دلالة اللفظين فإنّه عبر بلغة صحيحةٍ، ولذلك قالوا إن رواية مُنَعَّلَين تدل على الجلد، ويمكن أن يجاب عنها بأنّ المنعلين المراد بها بعض أفراد الجوارب، وهي الجوارب التي لها بطانة من الجلد.

стр. 214

ومن أهل العلم من أجاب: بأن المراد أن النبي ﷺ مسح على الجورب مع النعل، والنعل لا تغطي كل الظاهر فلم يحتج إلى نزعها عند المسح، لأن النعل لا يلزم مسحه لأنه من باطن كالخف فاقتصر على مسح الجورب، فقال الصحابي على الجورب المنعل يعني أنه مسح مع وجود النعل، والمقصود الجورب، وعلى هذا يصح القول بالمسح على الجوربين. أما المسألة الثانية: فإن الجورب الذي يجوز المسح عليه يشترط فيه أن يكون صفيقاً، وعلى ذلك كلمة أكثر من يرى المسح على الجوربين، أنه لا بد، وأن يكون صفيقاً، وهي عبارات العلماء، لأن الجوارب الخفيفة الشّفافة هذه لم تكن موجودة على عهد النبي ﷺ ؛ إنما كانوا يلبسون الجوارب الثخينة، وكانوا يمشون بها، ولذلك كانوا يلفون الخرق على أقدامهم، وهو المعبّر عنه بالتساخين في بعض الروايات، وهذا يدل على ما اعتبره العلماء من اشتراط الصّفاقة أي: كونه صفيقاً، وأيضاً النظر يقتضيه، فإن الجورب منزّل منزلة الخفِّ، والخفُّ أصله من الجلد، ولا يمكن للجورب أن ينزّل منزلَته إلا بالثّخانة، والصّفاقة، وعلى هذا فإنه يصح المسح عليه إذا كان صفيقاً ثخيناً فالذي يشف البشرة، أو يكون غير ثخين فإنه لا يمُسح عليه؛ لأنه غير معروف على عهد النبي ﷺ ، ومن قال بجوازه يقوله بالقياس فيقول: أقيس هذا الشّفاف على الجورب الموجود على عهد النبي ﷺ ويجاب عنه: بأنه قياس مع الفارق، والفارق هنا مؤثر، ومن شرط صحة القياس، واعتباره أن لا يكون قياساً مع الفارق،

стр. 215

ثم إن المسح على الخفين رخصةٌ جاءت على صفة مخصوصة فيقتصر الحكم على الوارد، والقياس في مثل هذا ضيق. وعليه فإنه لا يصح المسح على الجوربين إلا إذا كانا صفيقين، كما نبه عليه الأئمة منهم الإمام ابن قدامة -رحمة الله عليه- في المغني، وغيره من أصحاب المتون المشهورة في المذهب الحنبلي الذي يقول بجواز المسح على الجوربين كالإمام الحجّاوي في الإقناع، وابن النجّار في المُنتهى، وغيرهم ﵏ كلهم نصّوا على كونه صفيقاً إخراجاً للخفيف الذي يصف البشرة، أو يكون غير ثخين. قوله ﵀: [ونَحْوِهِما] أي نحو الجورب الثخين بمعنى: أنه لا يختص الحكم بالجلد، ولا بالقماش فإذا وجد الساتر للقدمين من غيرهما، ولكنه على صفة الخفّ، والجورب في الثّخانة صَحّ المسح عليه، وهذا ما يدل عليه قوله: [نحوهما] المتضمن لمعنى الشَّبَهِيةِ. قوله ﵀: [وعلى عِمَامةٍ لرجُل]: بعد أن فرغ ﵀ من بيان أحكام المسح على الخفين شرع في بيان أحكام المسح على العمامة، والعمامة مأخوذة من قولهم: عمَّ الشيء إذا شمله، وصفت العمامة بكونها عمامة؛ لأنها تشمل الرأس بالغطاء فهي تستره، والعمامة تأتي على صور فمنها: العمامة التي لها ذؤابة، ومحنّكة، ومنها: العمامة التي لها ذؤابة غير محنكة، والعمامة: التي لا ذؤابة لها، وليست بمحنكة هذه ثلاث صور للعمائم.

стр. 216

فأما ما كان من العمائم له ذؤابة سواء كان محنّكاً، أو غير محنّك فإنه يشرع المسح عليه لأنها على صفة عمائم المسلمين كما يشهد لذلك الحديث عنه ﵊ أنه عمّم عبدَ الرحمن بنَ عوفٍ ﵁ وأرسل العذبة بين كتفيه، وقال: [هَكذا فَاعتمَّ يا ابنَ عَوْفٍ] فالعمامة تكون لها عذبة سواء كانت مُحنّكة، أو غير مُحنّكة، وسواء أرسل عذبتها بين الكتفين من خلفه، أو أرسلها من جهة المقدمة على صدره من الجهة اليمنى تفضيلاً للأيمن على الأيسر، هذا بالنسبة لعمائم المسلمين. وهناك نوع ثالث من العمائم وهي العمامة المقطوعة التي لا عذبة لها، ولا ذؤابة كانت شعاراً لأهل الذِمّة لأن أهل الذِمِّة إذا كانوا مع المسلمين فإنهم يكون لهم شعار يعرفون به، ويتميزون به عن المسلمين حتى لا يلتبسوا بهم، فلا بد من وجود علامة فارقة لهم، في ملبسهم بحيث يتميزون عنهم في المجامع وغيرها، وأول من سنَّ ذلك عُمر ﵁، فكانت لهم العمائم مقطوعة، والزنّار مَشْدوداً في أوساطهم، ولها أصل في السُّنة أن الكفار إذا دخلوا بلاد المسلمين لا يشابهونهم في اللباس، فلذلك كان ﵁ يلزمهم بعمائم مخصوصة، ولباس مخصوص حتى يكون علامة لهم، فهذا النوع من العمائم يختص بأهل الذمّة، فالأصل منع المسلمين من لُبسه، وشدد العلماء ﵏ فيه لأن فيه مشابهة بأهل الذمة، فمِثلُ هذه العمائم لا يمسح عليه.

стр. 217

قوله ﵀: [وعلى عمامة لرجُلٍ محنّكةٍ، أو ذاتِ ذُؤابة]: وعلى عمامة لرجل، فالمرأة لو إعتمت فإن اعتمامها، وعصب رأسها يكون على حالتين: الحالة الأولى: أن يكون بدون حاجة فتكون -والعياذ بالله- ملعونة، لأنها تتشبّه بالرجال، وقد يفعل هذا بعض المسترجلات من النساء -نسأل الله السلامة والعافية-، وفي الحديث الصحيح أنّ النبيَ ﷺ : [لَعَنَ المُسْتَرجِلاتِ مِنَ النساءِ]. الحالة الثانية: أن تحتاج إلى عصب رأسها لشدِّ رأسٍ من وجع، أو ألم، أو نحو ذلك، فهذا أمر مستثنى من التحريم لوجود الحاجة فهذه العصائب التي قد تشبه العمامة في بعض أحوالها لا يُمسحُ عليها، والأصل أن العمائم تختص بالرجال، والنساء لا عمائم لهن. الأصل في مشروعية المسح على العمامة حديث المغيرة ﵁ أنّ النبي ﷺ مَسَحَ على نَاصِيته، وعلى العمامة، وورد -أيضاً- أَمرُه ﵊ بالمسح عليها، وحسّنه بعض أهل الحديث، فهذه السنة الثابتة بالفعل، والقول أصل في جواز المسح على العمامة، ويُشترط فيها كما قال: [ذاتِ ذؤابةٍ، أو مُحنّكة] أي موضوعة تحت الحنك وتعبيره بـ[أو] في قوله [أو محنكة] فيه دليل على عدم إختصاص الرخصة بالعمامة المحنكة، بل المهم أن تكون من عمائم المسلمين لها ذؤابة، سواء كانت محنَّكة، أو غير محنَّكة.

стр. 218

وإذا كانت العمامة محنَّكة كانت المشقة بنزعها أكبر، ولذلك لم يشرع المسح على كل ساتر للرأس فالطاقية، والعمامة المقطوعة لا يشقُّ نزعهما، فلم يرخص بالمسح عليهما، وعليه فالمنع من المسح على العمامة المقطوعة في أحد الوجهين راجع إلى عدم المشقة بالنزع كالقلنسوة. قوله ﵀: [وعلى خُمُرِ نِساءٍ مُدَارةٍ تَحتَ حُلوقِهنّ]: أي ويجوز المسح من المرأة على خمارها، والخمار: فعال من الخَمْر، والخَمْر أصله التّغطية، ومنه قوله ﵊: [خَمّروا الآنيةَ] أي: غطوها، وسُمّيت الخمرُ خمراً -والعياذ بالله-؛ لأنها تغطي العقل، فكأن الإنسان إذا شربها صار كمن لا عقل معه، ووصف الخمار بكونه خماراً؛ لأنه يستر رأس المرأة، ويغطيه، والأصل في مشروعية المسح عليه حديث بلال في صحيح مسلم عنه ﵁ أنه قال: [مَسحَ رسولُ اللهِ ﷺ على الخُفينِ، والخمَارِ، أي أذن بالمسح على الخمار للنساء، وفي مسند أحمد بلفظ: [إمسحوا على الخفين والخمار]، وفيه أيضاً أثر أم سلمة ﵂، وقياساً على العمامة في كونها ساترين يشقُّ نزعهما. قوله ﵀: [مدارة تحت حلوقهن]: أي تكون تحت الحلق قالوا: إنه ينبغي أن يكون ذلك الخمار مداراً مثل: المِسْفَع، ونحوه يكون تحت الحلق، كالحال في المحنّك من عمائم الرجال حتى تحصل المشقة بنزعه، فيرخص بالمسح عليه، وهذا مبني على أن الرخصة فيهما مبنية على مشقّة النزع.

стр. 219

قوله ﵀: [في حدثٍ أصغَر]: بعد أن بيّن ﵀ ما الذي يمسح عليه، ووقت المسح شرع في بيان محل المسح هل هو في جميع الأحداث، أو في بعضها؟ فبيّن ﵀ إختصاص المسح على الخفين، والعمامة، والخمار بالحدث الأصغر، دون الأكبر، فلا يجوز للإنسان أن يمسح عليها في الحدث الأكبر إجماعاً، بل يجب عليه غسل القدمين، والرأس في الطهارة من الحدث الأكبر، والأصل في هذا ما ثبت في الحديث الصحيح، وهو حديث صفوان بن عسّالٍ المُراديِ ﵁ وأرضاه قال: [أَمَرنا رسولُ الله ﷺ ألا نَنْزِعَ خِفَافَنا من بولٍ، أو نومٍ، أو غائطٍ؛ لكن من جنابةٍ]، فدل على أن الخف يمسح عليه في الحدث الأصغر المعبر عنه بقوله: [من بولٍ، أو غائطٍ، أو نومٍ] دون الأكبر الذي يجب فيه نزع الخفين، وهو معنى قوله: [لكِنْ منْ جَنابةٍ] أي لكن نزعهما من جنابة، فدلّ على أن الحدث الأكبر لا رخصة فيه بالمسح على الخفين، بل يجب فيه الرجوع إلى الأصل، وهو غسل العضو. قوله ﵀: [وعلى جَبِيرةٍ لم تَتَجاوز قَدرَ الحَاجةِ]: شرع ﵀ في بيان أحكام المسح على الجبيرة بعد أن بيّن ﵀ المسح على الخفّين، والعمائمِ، والخُمُرِ. ويرد السؤال: أليست الجبيرة يمسح عليها كما يمسح على العمامة هذا من قماش، وهذا من قماش، وكلاهما ساتر لمحل الفرض، فلماذا أفردها؟ الجواب: أن الجبيرة تخالف ما تقدم في كونها في الحدث الأصغر، والأكبر، فإن الإنسان إذا جَبرّ كسراً ووضعها فإنه يحتاج إلى بقائها مدة معينة،

стр. 220

فسبب الرخصة قائم بخلاف المسح على الخفين، والعمامة، والخمر، فإنه ليس مرتباً على سبب، ولا علة، وإنما هي رخصة مطلقة على أحد الوجهين عند أهل العلم ﵏. والأصل في المسح على الجبائر: حديث ذي الشّجَةِ الذي رواه الدارقطني، وغيره أنّ رجلاً من أصحابِ النبي ﷺ سافَر مع أصحابهِ فأصابتهُ شِجَاج، أو كانت به جراح قال: فأجنب، فسألَ أصحابَه هلْ من رُخصة؟ قالوا: لا رخصة، وإغتسل أي: يلزمك الغسل، فاغتسل فمات، فقال النبي ﷺ : [قَتَلُوه قَتَلهُمُ الله هلا سَأَلوا إِذْ جَهِلُوا إنما شِفَاءُ العِيِّ السُّؤالُ]، وفي بعض الروايات: [قَدْ كَانَ يَكْفِيهِ أَنْ يَعصُبَ جُرحَه] فأخذوا منه مشروعية المسح على العصائب، والجبائر وهذا الحديث متكلم في سنده، والقول بضعفه في رواية الجبائر أقوى، ولكن أصول الشريعة، وقواعدها العامة تدل على مشروعية المسح على الجبائر، ولذلك اتفقت كلمة العلماء، وأجمعوا على أنه يجوز المسح على الجبيرة لماذا؟ لأن التكليف شرطه الإمكان قال تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (١) فإذا كان بإمكان المكلف أن يفعل كُلّف، وإن لم يكن بإمكانه لم يكلف، فهذا الذي أصابه الكسر في يده، أو ساعده، أو زنده، أو كفه ليس بإمكانه أن ينزع الجبيرة حتى يغسل، ويترتب على نزعه ضرر عظيم ولأن الشريعة لما أذنت له أن يتداوى؛ فقد أذنت بلازم التداوي من

стр. 221

بقاء الجبيرة، فتبقى الجبيرة على ما هي عليه، ويمسح عليها، ويحلّ هذا الساترُ محل الأصل بشروطه، وهي: أولاً: وجود الحاجة، وهو أن يتحقق من وجود الكسر الذي يحتاج إلى الجبر. ثانياً: أن يشدّ بقدر الحاجة، فلو فُرضَ أن موضع الكسر الذي يحتاج بسببه إلى الجبر محدّد بخمسة أصابع ويحتاج الطبيب إلى إصبع قبل، وبعد يعني من البداية، والنهاية، فهذا الزائد الذي هو الإصبع السابق واللاحق في حكم الأصل فيشرع تغطيته بالجبيرة، ولا حرج عليه. قوله ﵀: [وعلى جَبِيرةٍ لم تَتجَاوز قدرَ الحاجةِ، ولو في أَكْبر]: للقاعدة الشرعية: " أن ما أبيح للضرورة يقدر بقدرها " وهي إحدى القواعد المشهورة عند العلماء بالقواعد الخمس وهي: " الأمُورُ بمقاصِدِها " و " اليَقينُ لا يُزالُ بالشكِ " و " الضررُ يُزالُ " و " المشقّةُ تَجلِبُ التيْسِير و " العادةُ مُحكّمةٌ " هذه الخمس القواعد انبنى عليها الفقه الإسلامي بمعنى: أن كثيراً من مسائل الفقه تفرع عليها، والقاعدة الرابعة منها تقول: [المشقةُ تجلبُ التَّيسير]، وتفرعت منها قواعد، منها قولهم: [الضَّروراتُ تُبيحُ المحظُوراتِ] ثم ضبطت بقولهم: [ما أبيح للحَاجَةِ، والضَّرورةِ يُقدّرُ بِقَدْرها] أي: أن ما حكمنا بإباحته، وجوازه بناء على وجود ضرورة، أو حاجة فإن الواجب أن نتقيّد فيه بقدر الضرورة، والحاجة، وأن لا نزيد على ذلك، وهذا ما بنى عليه المصنف ﵀ قوله في هذه المسألة: [لم تَتَجاوزْ قَدْرَ الحَاجةِ].

стр. 222

وقوله ﵀: [ولو في أكبر] أي ولو كان المسح على الجبيرة في حدث أكبر، ومن هنا خالفت الجبيرة المسح على الخفين والعمامة والخمار في كونها لا تختص بالحدث الأصغر بل إنها تكون في الحدث الأصغر، والأكبر، ومن هنا قال العلماء ﵏ لا يمسح في طهارة كبرى على غير الجبيرة. قوله ﵀: [إلى حَلِّها]: أي إلى أن يحلّ الجبيرة، ويُرجع في ذلك إلى قول أهل الخبرة، فإن قال الأطباء: تبقى شهراً فإنها تؤقت بالشهر، وإن قالوا شهرين فكذلك، فلا يُتجاوز القدر الذي حكم الأطباء بالحاجة إليه، فإذا زاد عليه، فإنه لا يصح له أن يمسح في ذلك الزائد من الزمان. قوله ﵀: [إِذَا لَبِسَ ذَلكَ بَعدَ كمالِ الطهارةِ]: المراد به بيان شرط جواز المسح على الخفين، والعمامة، والخمار، والجبيرة، وهو: أن يلبسها على طهارة كاملة، ودليل ذلك ما ثبت في الصحيح عنه ﵊ في حديث المغيرة بن شعبة ﵁ أنه قال: [فأَهْويتُ لأَنزعَ خُفّيه؛ فقال: دَعْهُما فإني أَدخَلْتُهما طَاهِرتَيْنِ]، وهذا يدل على إشتراط لبس الخفين على طهارة تامة، ولا بد من أن تكون الطهارة تامة بحصولها بغسل الرجلين، فلو غسل إحدى الرجلين، ثم أدخلها في الخف بعد غسلها وقبل غسل الثانية لم يصحّ. واستثنى بعض العلماء ﵏ الطهارة في شدِّ الجبيرة في الحالات التي يتعذر أن يتطهّر فيها فتشد الجبيرة قبل حصول الطهارة، فخفّف فيها لوجود الحرج الموجب للرّخصةِ.

стр. 223

قوله ﵀: [ومنْ مَسحَ في سفرٍ، ثمّ أقامَ، أو عكس، أو شكّ في ابتدائهِ فمسحُ مقيمٍ]: هذه المسألة مفرعة على الأصل حيث عرفنا أن المقيم يمسح يوماً، وليلة على الخف، والمسافر ثلاثة أيام بلياليهن فلو فرضنا: أنك كنت مسافراً فمسحت اليوم الأول، ثم رجعت إلى البلد في اليوم الثاني، فأصبحت مقيماً في اليوم الثاني فهل نقول العبرة بالابتداء، فتتم مسحك مسح مسافر، أو نقول العبرة بالانتهاء فتقطع مسحك؛ لأنك أتممت مسح المقيم؟ هذا إذا كان في سفر، ثم أقام، وكذلك إذا كان مقيماً، ثم سافر، فلو أنه لبس الخف على طهارة وهو مقيم ثم مسح عليه نصف يوم ثم سافر بعد ذلك فهل يُتمّ مسح يوم وهو مسح المقيم، أو يتمّ ثلاثة أيامٍ وهي مسح المسافر، لأنه أصبح مسافراً وهكذا لو شكّ وهو في سفرٍ هل أحدث بعد لبس الخفّ حال إقامته فيتم مسح مقيم، أو أحدث حال سفره، فيتم مسح مسافر؟ ثلاثة أحوال ذكرها المصنف ﵀ وهي مسألة خلافية، وللعلماء فيها قولان: القول الأول: أنه يُردّ إلى الأصل، واليقين، وهو مسح اليوم، والليلة، وهو مذهب الشافعية، والحنابلة ﵏. والقول الثاني: أنه يمسح بحاله الطارئ، فلو طرأ عليه السفر أتم ثلاثاً، ولو طرأت عليه الإقامة اعتبر اليوم والليلة فإن كان قد أمضاها في السفر، وزاد عليها إنتهى مسحه بمجرد إقامته، وهذا هو مذهب الحنفية. وأما المالكية فإنه لمّا كان مذهبهم عدم التأقيت في المسح فإن هذه المسألة على مذهبهم غير واردة؛ لأنه لا فرق عندهم بين مسح المقيم، والمسافر.

стр. 224

وأقوى القولين: هو القول بالرجوع إلى اليقين، لأن المسح على الخفين رخصة، ونشكُّ في بقائها فوجب علينا الرجوع إلى اليقين، وهو مسح اليوم، والليلة لأنه مقطوع به على كلا الوجهين، وما زاد على اليوم، والليلة فإنه مشكوك في ثبوت الرخصة فيه، فوجب الأخذ باليقين، وإلغاء ما زاد عليه، وهذا معنى قولهم في القاعدة: [الشّكُ في الرُّخَصِ يُوجِبُ الرُّجوعَ إِلى الأَصل. قوله ﵀: [وإنْ أَحْدثَ ثُمّ سَافَر قَبلَ مَسْحِه فَمسْحُ مُسافِرٍ]: بناه على ظاهر الحديث في قوله ﵊: [يمسح المسافر]، وإن كان الأصل يقتضي أن العبرة بالحدث، فكان يلزم إعمالاً للأصل أن يقال إن العبرة بالحدث فإن وقع حدثه في السفر أو في الحضر فالعبرة بالحدث وهذا هو الصحيح إتباعاً للأصل الذي تقرر أن الحدث سبب الرخصة الشرعية بالمسح فوجب الإعتداد به، ولا عبرة بالمسح فننظر متى كان حدثه، فإن كان في حال إقامته، ثم سافر مسَح مسْح مقيم، والعكس بالعكس، وهذا هو المذهب في الأصل، وأجيب عن الظاهر، باعتبار الشرع لسبب الرخصة، وهو أولى بالإعتبار. قال المصنف ﵀: [ولا يَمسَحُ قلانسَ، ولُفافةً]: شرع ﵀ في بيان ما لا يمسح عليه فبين عدم جواز المسح على القلانس، وهي كالطواقي الموجودة في زماننا فلا تأخذ حكم العمامة، وهي إحدى الروايتين عن الإمام أحمد ﵀، وهي المذهب كما أشار إلى ذلك في الإنصاف بقوله: [إحداهما: لا يباحُ، وهو المذهبُ] لأن الأصل وجوب مسح الرأس

стр. 225

والعمامة ثبت الدليل باستثنائها، فبَقيَ ما عداها على الأصل من وجوب نزعه، ومسح الرأس عملاً بالآية الكريمة. وأما اللفافة: فهي ما يدار على العضو مثل: لفائف الأطباء في زماننا، وهي المسمّاة بالشاش فهذه لا يمسح عليها، وكذلك لفائف الرجلين: وهي التساخين، وذلك لأن الأصل يوجب غسل الرجلين، واليدين، والوجه، وجاءت الرخصة بالجبيرة فبقي ما عداها على الأصل، لكن يستثنى منها ما كان الضرر فيه، والمشقة كالجبيرة. قوله ﵀: [ولا ما يَسْقُط من القَدَمِ، أو يُرى منه بَعضُه]: ذكرنا أن من شرط المسح على الخفين أن يثبت بنفسه، فلا ينكشف من محل الفرض شيء، فإذا كان الخف لا يثبت، وينكشف من محل الفرض شيء؛ لم يصحّ المسح عليه لأنه مخالف لما ثبت في السنة بالرخصة في المسح عليه. قوله ﵀: [فإنْ لَبِسَ خُفاً على خفٍ قبلَ الحدثِ، فالحكمُ للفَوْقَاني]: إختلف العلماء ﵏ في مسألة المسح على خفٍ، فوق خف: فقال بعض العلماء: الرخصة تختصّ بالخفّ إذا باشر القدم. وقال بعضهم: يجوز المسحُ على خفٍ فوق خف أي لا يشترط أن يكون الخُفُّ على القدم مباشرة فدرج المصنف ﵀ على هذا القول. والأول أقوى، وذلك أن الذي ورد في السُّنة عن النبي ﷺ مسحه على خفٍ يلي محل الفرض، وعلى هذا لا يقوى القول بالمسح على خف فوق خف؛ لأنه يلي ما حُكْمه المسح.

стр. 226

لكن على القول بالجواز ينبني عليه أن الحكم للخف الفوقاني، أي: الأعلى منهما، وهكذا لو لبس أكثر من خف، وقيل بالجواز كان المسح للأعلى، وألحق به بعضهم العمامة على العمامة. قوله ﵀: [ويَمْسحُ أَكثَر العِمامة]: لأن النبي ﷺ مسح على عمامته كما في حديث المغيرة ﵁ ولم يحكِ المغيرة ﵁ تكلّف النبي ﷺ في تتبعه للمسح لكورِ العمامةِ، بل قال: [ومَسحَ على ناصيته، وعلى العِمَامةِ]، فدلّ هذا على أنه إذا مُسح على العمامة فإنه يمسح أكثرها، ولا يُشترط في صحة المسح الاستيعاب، لما فيه من المشقة المخالفة للمقصود من الرخصة. قوله ﵀: [وظَاهرِ قَدمِ الخفِّ] المراد به بيان محل المسح في الخفين، وهو ظاهر الخفين، وعليه فإنه لا يجب مسح أسفلهما، ودليل ذلك حديث علي ﵁ الصحيح عند أبي داود أنه قال: [لَوْ كَانَ الدِّين بالرّأي لكَان أَسْفَل الخفّ أولى بالمسح منْ أعلاه، وقد رأيتُ رسولَ اللهِ ﷺ يمسحُ على ظاهرِ خُفّيهِ]، وفي حديث المغيرة بن شعبة ﵁ عند أبي داود، والترمذي بسند حسن قال: [رأيتُ رسولَ الله ﷺ يمسحُ على ظهورِ الخفّين] فدلّ هذانِ الحديثانِ على أن الواجب مسحُ ظاهر الخفّ، وأعلاه، وأنه لا يجب مسح أسفله. قوله ﵀: [مِنْ أَصابِعه إلى سَاقِه، دونَ أَسْفَلِه، وعَقِبِه]: قوله: [من]: للابتداء، وقوله: [أصابعه] أي أصابع القدمين، وقوله: [إلى ساقه] أي: ينتهي المسح إلى السّاق، ومراده إدخال الكعبين؛ لأن

стр. 227

إدخالهما كاملين لا يكون إلا بالشروع في أول الساق، وليس المراد مسح السّاق، لأن السّاق غير داخل في محل الفرض، وصورة المسح على الخفين: أن يُمرّ أصابع كفّيه مفرّقة على ظاهر الخفين، من أطراف أصابع القدمين إلى الساق، ولا يمسح العقبين، ولا أسفل الخفين لأن النبي ﷺ لم يثبت عنه أنه مسح أسفل الخفين. قوله ﵀: [وعلى جَميع الجَبِيرَةِ]: هذا من الفوارق بين المسح على الخفين، والمسح على الجبيرة أن في المسح على الجبيرة يجب عليه أن يستوعبها بالمسح إذا كانت محاذية لمحل الفرض مثل: الجبيرة على الساعد بخلاف المسح على الخفين، فإنه لا يجب إستيعاب الخفين، بل يقتصر على مسح أعلاه، مع أن كلاً منهما محاذياً لمحل الفرض. قال ﵀: [ومتى ظهر بعض محل الفرض]: أي انكشف، سواء في المسح على الخفين، أو في المسح على الجبيرة فإنه يوجب انتقاض المسح، وذلك لعلّة ذكرها أهل العلم -رحمة الله عليهم-، وهي أنه إذا ظهر جزء من المستور الذي مُسح عليه بدل غسله، فقد توجه الخطاب في الشرع بغسله، ولا يستطيع أن يغسل؛ لأن شرط الموالاة قد فُقِدَ فإنّ مُضي المدة بين وضوئه الذي مسح فيه، وبين انكشاف العضو يقتضي بطلان شرط الموالاة، وإذا بطل شرط الموالاة تعذر أن يغسل، فيُرجع إلى الأصل من وجوب الوضوء عليه. توضيح ذلك: لو فرضنا أن إنساناً توضأ، ثم نزع من خفه ما بان به محل الفرض فحينئذ نقول: إنه في الأصل مطالب بغسل رجليه، وهو محل الفرض

стр. 228

ورُخّص له بالمسح على خفيه بشرط أن يبقى على الصورة التي أذن الشرع بها من استتمام المدة، والخفّ ساتر، فإذا نزع، وانكشف جزء من محل الفرض، فقد توجه خطاب الشرع بالأصل، وهو غسل الموضع؛ لأنه فقد شرط المسح فلما توجه الخطاب بالأصل وهو غسل الموضع، وقد مضت فترة لا يمكن معها أن يتحقق شرط الموالاة حُكم بإنتقاض طهارته، وبطلانها، وكلُّ ذلك مبني على سبب فوات شرط الموالاة، ولذلك لو انكشف جزء من محل الفرض في الخفين، وكان قريب العهد بمسح الرأس كأن يكون مسح برأسه، ثم مسح على خفيه، وبعد دقيقة مثلاً إنكشف جزء من محل الفرض، أو خلع خفه؛ فإنه يمكنه أن يغسل رجليه، وتصح طهارته لأن شرط الموالاة لم يفقد فالعلة في المسألة هي فقد شرط الموالاة كما نبّه على ذلك الإمام الموفق -رحمة الله عليه- في المغني.

стр. 229

باب نواقض الوضوء النواقض جمع ناقض، يقال: نقضتُ الشيءَ؛ إذا فكّكتُ طاقاتِه، فالنّقض ضدُّ الإِبرام، ويكون النَّقض في المحسوسات، وفي المعنويات. يكون في المحسوسات: فتقول نقضتُ البِناءَ، ومنه قوله : ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا﴾ (١) فنقض الغزل نقض حسي. ويكون النقض معنوياً، ومنه قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ﴾ فهذا راجع إلى المعنويات، ومنه نقض الدّليل، والحجة. وقوله: [نواقض الوضوء]: أي مفسدات الوضوء، ومبطلاته، ولما كانت هذه المفسدات، والمبطلات متعددة، قال ﵀: [نواقض]: فجمعها إشارة إلى تعدّدها، وإختلافها، وذكر المصنف ﵀ هذا الباب بعد الوضوء، والمناسبة فيه واضحة؛ لأن نقض الوضوء يكون بعد وقوعه، ووجوده. ولذلك يقولون النّقض يكون لما وُجد، لا لما لم يُوجَد فالشّخص لما يقول: نقضتُ البيتَ إنّما يكون بعد وجود البيت، لا قبل وجوده فالشيء غير الموجود لا ينقض، ولذلك بيّن لنا حقيقة الوضوء أولاً، ثم بعد بيانه ورد السؤال: متى يُحكم بانتقاضِ هذه الطهارةِ؟

стр. 230

فقال ﵀: [باب نواقض الوضوء]: تعبيره -رحمة الله عليه- بقوله: [نَواقضِ الوضوءِ] أدقّ من تعبير بعض العلماء بقوله: (باب نواقضِ الطهارةِ)، وذلك لأنّ الطهارة أعمّ من الوضوء لأنها تشمل الطهارتين، والمقصود هنا الطهارة الصغرى، وهي الوضوء فلم يكن التعبير بها متناسباً مع المضمون. قوله ﵀: [يَنقضُ ما خَرجَ مِنْ سَبيلٍ]: مراده ﵀ أنه يُفْسِدُ الوضوء الذي وصفناه، وهو الوضوء الشرعي ما خرج من سبيل [ما] بمعنى: الذي أي: [الذي خَرجَ منْ سَبيلٍ] فنقف عند قوله: [ما خرج من سبيل] ما هو الشيء الذي عبر عنه بقوله [ما] والجواب: أنه لا يخلو إما أن يكون طاهراً، أو يكون نجساً، وفي كلتا الحالتين: إما أن يكون معتاداً، أو غير معتاد، وأيضاً لا يخلو إما أن يكون سائلاً، أو جامداً، أو ريحاً. وبناءً على ذلك النواقض تجمع ما يلي: أولاً: البول، وهو ناقض بالإجماع، ويخرج من القبل. ثانياً: الغائط، وهو ناقض بالإجماع، ويخرج من الدبر، فهذان ناقضان: أحدهما: من القبل. والثاني: من الدبر. متفق على أن خروج أي واحد منهما يوجب إنتقاض الطهارة.

стр. 231

والدليل على ذلك: قوله تعالى: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ (١) فإنه كنّى به عما يخرج من الإنسان إذا ذهب إلى هذا الموضع، ثم الخارج من القبل يكون بولاً، ومذياً، وودياً، ودم استحاضة وريحاً، وهي مسألة ذكرها بعض العلماء -رحمة الله عليهم- ويكون غير معتادٍ كأن يخرج الحصى، والدود فسنذكر تفصيل هذه الأمور المتعلقة بالقبل. ثم -أيضاً- الخارج من الدبر: إما أن يكون معتاداً كالغائط، والرِّيح، أو يكون غير معتادٍ على سبيل المرض كدم البواسير، والحصى، والدود. فهذه كلها من الخوارج التي تخرج من السبيل. ثم المصنف ﵀ قال: [مِنْ سَبيلٍ]: والسبيل الطريق، والمراد بقوله: من سبيل إما القبل، أو الدبر يستوي أن يكون من ذكر، أو من أنثى. أما بالنسبة للبول فقلنا بالإجماع إنه ناقض. والدليل على كونه ناقضاً: مع ما قدمنا من الآية الكريمة حديث صفوان بن عسّالٍ ﵁ قال: [أَمَرنا رسولُ الله ﷺ ألا نَنْزعَ خِفَافنا ثلاثةَ أيام بلياليهنّ للمسافِر، ويوماً، وليلةً للمقيمِ من بولٍ، أو نومٍ، أو غائطٍ، لكن مِنْ جنابةٍ]، فقال: من بول (من) بمعنى السببية أي بسبب بول فدلّ على أن البول ناقض للوضوء وأما المذي فعلى قول الجماهير، وحكى البعض الإجماع عليه أنه ينقض الوضوء وهو الصحيح؛ لحديث علي ﵁ في الصحيحين قال: [كُنْتُ رَجلاً مذّاءً فأستحييْتُ أن أسألَ النبي ﷺ

стр. 232

لمكان إبنتِه منّي، فأمرتُ المقدادَ أنْ يَسألهُ، فقال: فيه الوضوء]، وفي رواية: [تَوضأ، واغْسِلْ ذَكَركَ]، فدل على أن المذي يعتبر ناقضاً للوضوء، والمذي: (سائل لزج يخرج عند بداية الشهوة كالملاعبة)، وإذا خرج لا يُوجب الغسل، وإنما يُوجب الوضوء، وغسل العضو هذا الناقض الثاني، وهو المذي. الناقض الثالث: وهو الودي، وهو: (ماء لزِج يخرج قطرات عَقَبَ البول)، وحكمه: أنه نجس، ويوجب الوضوء، وهو من البول في الأصل، لكنّه يتخلف في الخروج غالباً، فيخرج بعد الإنتهاء من التبول قطرات متفرقة، أو متتابعة، وفي بعض الأحيان يكون لونُه كالصّديد. والفرق بينه، وبين المذْي: أنه أخفُّ من المذي في الثخانة، واللزوجة، ثم المذي يكون عند الشهوة، وهو يكون بعد الفراغ من البول، ويعقبه بوقت قد يطول، وقد يقصر. فهذه الثلاث كلها نواقض، وتعتبر نجسة، وهي: البول، والمذي، والودي، ويشمل ذلك الرجال، والنساء، كلّ منهما إذا خرج منه ذلك؛ فإنه يحكم بكونه قد انتقض وضوؤه، ويلزم من خروجه غسل الفرج، وما أصابه ذلك الخارج؛ لأنه نجس. الناقض الرابع: الإستحاضة: وهي إِستفعال من الحيض، والمرأة المستحاضة هي: (المرأة التي ينتهي أمدُ حيضها، ويستمر معها الدم، أو يأتيها في غير وقت عادتها)، وحكم دم الإستحاضة كالبول، فهو نجس، وناقض للوضوء؛ لكن رخّصَ الشرعُ للمرأة في أحكامه، وخفّف عليها فيها نظراً

стр. 233

لوجود الضيق والحرج فإذا خرج هذا الدم واستمر، بحيث لم ينقطع رخص لها الشرع أن تُصلي، ولو جرى معها الدم، ويلزمها الوضوء عند دخول وقت كل صلاة في بعض الأحوال، فتصلي في وقت كل صلاة الفريضة، ونوافلها القبلية، والبعدية، والنوافل المطلقة حتى ينتهي الوقت، فإذا انتهى الوقت غسلت الموضع؛ لأن حكمه حكم الخارج النجس، وتوضأت للصلاة المستقبلة هذا بالنسبة للمستحاضة، وسيأتي بإذن الله مزيد بيان لحكم طهارتها في كتاب الحيض. وهذا الخارج خاصٌّ بالنساء. يبقى النظر في الحصى، والدود: لو أن رجلاً خرج من قبله الحصى، أو الدود، فهل يوجب ذلك انتقاض وضوءه؟ إختلف العلماء ﵏ خلاف في هذه المسألة، وقد ذكرنا الخلاف في هذه المسألة في شرح البلوغ، والذي يترجح في نظري في مسألته والعلم عند الله: أنه ليس بناقض بذاته، لأن الحصى، والدود ليس بحدث لكن إن خرج معهما بلل، حكم بإنتقاض الوضوء، لأن البلل وإن كان يسيراً ناقض للطهارة الصغرى، فلا فرق فيه بين القليل، والكثير فهو كخروج النجس؛ كما لو خرجت منه قطرة بول فإنها توجب إنتقاض الوضوء إجماعاً ولو كانت قليلة، هذا بالنسبة للحصى، والدود: أنه ليس بناقض لذاته؛ بل بشرط أن تخرج معه البلّة، والناقض هو البلّة النجسة. أما الخارج من الدبر: فمنه الغائط قلنا بالإجماع ناقض وذكرنا دليله من الكتاب، وقد دلت السنة أيضاً على كونه ناقضاً، كما تقدم في حديث

стр. 234

صفوان بن عسّال المرادي ﵁ في قوله: [من بولٍ، أو غائطٍ، أو نومٍ] فدلّ على أن الغائط ناقض. ومن النواقض التي تخرج من الدبر الريح، وقد دلّ على إعتباره ناقضاً دليل السنة، وهو ما ثبت في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: [لا يَقْبلُ الله صَلاةَ أحدِكمْ إذَا أحدثَ حَتّى يَتوضّأَ] فلما سئل أبو هريرة ﵁ وأرضاه- عن قول النبي ﷺ في هذا الحديث: [إِذَا أحدثَ] قال: (فساءٌ، أو ضُراطٌ) ففسره ﵁ بخروج الريح. فقال العلماء: إن هذا يدلّ على أنّ الريح ناقض، وهذا بالإجماع على أنه إذا خرج الريح نقض لكن يُنتبه إلى مسألة، وهي أن المصنف ﵀ قال: ما خرج من سبيل؛ فالريح إنما يُعتبر ناقضاً إذا خرج حقيقة لا توهماً، وظناً، وفي ذلك مسائل منها: أنه لو أحسّ بحركةٍ في دبرِه، دون أن يسمع الصوت، أو يشمَّ الرائحة، فإنه يبقى على طهارته، ولو أحسّ بتحرك الدبرِ لما جاء عنه ﵊ أنّ الشيطان ينفخُ في مقعدةِ الرجل فيظنّ أن وضوءه إنتقض، وليس الأمر كذلك إنما يريد به أن يُلبس عليه في طهارته. المسألة الثانية: أنه لو سمع الصوت، ولم يشم الرائحة حكم بإنتقاض الوضوء، ولو شمّ الرائحة، ولم يسمع الصوت حكم بإنتقاض الوضوء حتى، ولم يشعر بحركة الدبر في الصورتين؛ لأن النبي ﷺ جعل العبرة بأحدهما سماع الصوت، أو وجدان الرائحة. المسألة الثالثة: أن العبرة في إِنتقاض الوضوء بالريح إنما هو إذا خرج فعلاً خلافاً لمن يقول إنه لو سمع الصوت من بطنه الذي هو صوت البطن يقولون

стр. 235

يحكم بالانتقاض به، وهذا ضعيف؛ لأن العبرة بالخروج لا بوجود الصوت قبل المخرج، وبناءً على ذلك فلو سمع الأصوات في بطنه كأن يكون معه ما يسمى الآن في عرف الناس (الغازات) لو كان مبتلى بها، وسمع أصواتها في بطنه، فذلك لا يؤثر في الوضوء شيئاً ما لم يكن صوتاً من خارج، أو مصحوباً بدليل من شمِّ الرائحة، وأما ما عدا ذلك فليس بناقض، ثم قول العلماء -رحمة الله عليهم- لا بد من سماع الصوت، أو شمِّ الرائحة يستوي فيه أن يكون وقع قبل الصلاة، أو أثناءها، وهذا مذهب الجمهور، خلافاً للمالكية -رحمة الله عليهم- الذين يقولون: إنما تُعْمَل قاعدة " اليَقينُ لا يُزالُ بالشكِّ " في الريح إذا كان في الصلاة لورود الرواية مقيدة بالصلاة، وترجح مذهب الجمهور؛ لأنّ عبد الله بن زيد ﵁ كما في الصحيحين قال: شُكي للنبي ﷺ الرجل يخيل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة فقال: [لا يَنْصرفْ حتّى يسمعَ صوتاً، أو يجدَ رِيحاً] فهذا حكم مبني على الرجوع لليقين لقوله: [حتى يَسْمَع صَوْتاً، أو يَجد رِيحاً] فجعل الأمر راجعاً إلى أن يستيقن خروج الريح، فاستوى فيه أن يكون في الصلاة، أو خارجها، وكون السؤال ورد مقيداً بالصلاة لأن البلوى فيها بالوسوسة أكثر؛ لأن الشيطان تشتدّ وسوسته فيها، وهذا لا يقتضي تخصيص الحكم بها لقوله: [حتّى يسمعَ صَوتاً، أو يَجِدَ رِيحاً] فلما قال ﵊: [حتّى يسمعَ صَوْتاً، أو يَجِدَ رِيحاً] فهمنا أن الأمر راجع إلى تيقن الخارج، فألغينا كونه في الصلاة، أو خارجها ما دام أنّ المهم أن يتيقن.

стр. 236

وقد أجمع العلماء على أن الريح ناقض كما تقدم، والريح ليس بنجس، فلا يوجب غسل الثوب، والفرج وبهذا يفارق البول، والغائط، ونحوهما. الخارج الثالث من الدبر: دم البواسير. ودم البواسير يأتي على صور إن كانت جروحها على الحلقة نفسها، فهذا ليس بخارج لأنه ليس من الموضع، ويقع الخلاف فيه في مسألة، وهي إذا خرج الدم من غير القبل، والدبر هل ينقض الوضوء؟ -وسنبينها إن شاء الله- وأن الصحيح: أنها إذا كانت البواسير قروحها، أو دماميلها على الحلقة على أطرافها الخارجة أنه لا يوجب انتقاض الوضوء؛ لكن محل الإشكال إذا كانت من داخل، وينبعث دمها إلى خارج، وبناءً عليه إذا كانت على هذه الصورة فإنها تأخذ حكم دم الإستحاضة، فهي نجسة، وموجبة لإنتقاض الوضوء، فإن غلبت الإنسان حتى استرسلت معه في وقت الصلاة، فإنه يضع القطنة، ويغسل الموضع، ويتوضأ عند دخول وقت كل صلاة، حكمها حكم دم الإستحاضة، ويخفّف عنه في طهارتها كالإستحاضة. وأما إذا كانت يسيرة، ويمكن التحرز عنها فإنه يجب غسلها كالبول، والغائط سواء بسواء. إذاً دم البواسير له حالتان: الحالة الأولى: أن يشقّ بأن يسترسل، ويصبح نزفه آخذاً الوقت، أو أكثر الوقت، أو لا يتوقف بقدر ما يتمكن من الصلاة فحكمها: أنه إذا دخل

стр. 237

عليه الوقت غسل الموضع، ثمّ شدّهُ بقطنة إذا أمكن كالمستحاضة، ثم صلى، ولو جرى معه الدم: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (١). وأما الحالة الثانية: وهي أن يكون دم البواسير يخرج نزراً قليلاً بحيث لو أنقى موضعه إِستقام له أن يصلى دون أن يخرج شيء، فهذا يجب عليه إنقاء الموضع، واللباس الذي يليه، ثم يتوضأ، ويصلي. هذا بالنسبة لدم البواسير: يبقى النظر في الخارج من غير البول، والغائط، والريح، وهو الخارج غير المعتاد من دود، أو حصى فلو خرج من الدبر دود، أو حصى؛ فالقول فيه كالقول في القبل: أنه إذا صحبه بَلل حُكم بالانتقاض وإلا فلا. قوله: [خَرَج]: الخروج ضد الدخول، ويرد السؤال تقييده بوصف الخروج ما ضابطه؟ الخروج يتحقق بمجاوزة حلقة الدبر بالنسبة لما يخرج من الدبر، أو يكون على الإحليل رأس مجرى الإحليل في الحشفة بالنسبة للقبل. يتفرع على هذا مسائل منها: لو أن إنساناً أحسّ أنه يريد البول، وهو في آخر الصلاة كأن يكون في التشهد فأمسك العضو، وقد احتقن مجرى البول حتى سلَّم، ثم خرج بعد سلامه صحّت صلاته، ولا عبرة بكونه في المجرى المقارب للمخرج.

стр. 238

إذاً لا بد في الحكم بكون الوضوء منتقضاً أن يكون قد خرج من رأس العضو سواءً كان في الرجال، أو النساء. قوله ﵀: [مِنْ سَبيلٍ]: السبيل هو الطريق، وقال بعض العلماء: إن هناك فرقاً بين السبيل، والطريق، فالسبيل بالنسبة للمعنويات كما في قوله تعالى: ﴿وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾ (١) أي: ضلالهم وبُعدُهم عن طاعة الله ، وقوله سبحانه: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي﴾ (٢) أي: سبيل الخير قالوا: السبيل يختصّ بالمعنويات الذي هو الهداية، والضلال: تقول سبيلي طاعة الله وسبيلي: اتباع الكتاب، والسُّنة هذا في المعنويات، وأما الطريق ففي المحسوسات، فلا يقال طريق للمعنويات، ولا يقال سبيل للمحسوسات إلا على سبيل التّجوز هذا قول بعض المفسرين يختاره في الفرق بين تعبير القرآن بالسبيل، وتعبيره بالطريق وأورد عليه قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ فاستعمل السبيل بمعنى الطريق، وعكسه في قوله سبحانه: ﴿كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا﴾ وأجابوا بحملهما على المجاز. قوله ﵀: ﴿مِنْ سَبِيلٍ﴾: للإنسان سبيلان: القبل، والدبر، وهذان السبيلان هما الأصل الذي عبّر العلماء بأن الخروج منه يوجب نقض الوضوء

стр. 239

قال ﵀: [وخَارجٌ من بقيةِ البَدنِ إِنْ كَانَ بَوْلاً، أو غَائِطاً] أي: وينقض الوضوء الخارج من غير السبيلين إن كان بولاً، أو غائطاً، وهذا يدل على أن البول، والغائط إذا خرجا من غير المخرج المعتاد نقضا الوضوء، فإذا فتحت فتحة عوضاً عن مخرج البول المعتاد، وخرج منها البول نقض، وهكذا الغائط، ولم يفصّل ﵀ في مكان المخرج؛ لأن العبرة عنده بالخارج، فيستوي أن تكون الفتحة فوق السرة أو تحتها لكن بشرط إنسداد الفتحة الأصلية، وقوله: [إن كان بولاً، أو غائطاً] تحقيق لنوعية الخارج، فإذا فتحت الفتحة، وخرج منها الخارج إن كان متغيراً كالبول، والغائط نقض، ومفهومه: أنه إذا خرج الشراب، أو الطعام من بقية البدن، ولم تكن فيه صفات البول، والغائط لم ينقض، فلو فُتِحت له الفتحة وخرج الشراب منها على حاله كاللبن ليس فيه صفات البول لم ينقض، وهكذا لو خرج الطعام غير متغير لم ينقض الطهارة، وهذا كله راجع إلى أن أصحاب هذا المذهب مذهب الحنابلة أنهم يرون خروج النجس من أيِّ موضع من البدن ناقضاً. دليلهم على ذلك قالوا: إنه ينزّل مَنْزِلة المستحاضةِ فإن المستحاضة خرج منها الدّم، وهو نجس من غير المجرى الذي هو مجرى البول فأوجب إنتقاض الوضوء، مع أنه من غير مجرى البول، وليس ذلك إلا لعلّة، وهي كونه نجساً ففرّعوا عليه: أن كل خارج نجس من سائر البدن ينقض، وهذا فيه نظر: فإن دم الإستحاضة إجتمع فيه المخرج، والخارج المخرج الذى هو القبل، والخارج أي: كونه نجساً، ولذلك نقول إنه إذا خرج من سائر

стр. 240

البدن لم ينقض؛ لأنه لم يجتمع فيه الوصفان الموجبان لانتقاض الطهارة، وهما خروجه من المخرج، وكونه خارجاً نجساً بل وُجد فيه وصف واحد وهو كونه خارجاً نجساً، ولكنه ليس من الموضع هذا بالنسبة لمسألة أن كل خارج نجس من سائر البدن يوجب إنتقاض الوضوء. من الأدلة على أنه لا ينقض الوضوء، وهو من أقواها حديث عباد بن بشر ﵁ لما قام على الشعب يحرسه، وجاءه السّهم العائِر فنزفَ، وهو يصلي، فلولا أنه خشي على صاحبه لما قطع صلاته، فأقرَّ على ذلك من النبي ﷺ ، ولم ينكر عليه إستمراره في الصلاة، مع كون الخارج نجساً، لأنه لم يخرج من المخرج المعتبر فلم يوجد فيه الوصفان الموجبان لانتقاض الطهارة، فدلّ على أن خروج الدّم من غير السبيلين لا يوجب إِنتقاض الوضوءِ. قوله ﵀: [أو كَثيراً نجساً غَيْرهما]: غيرهما أي: غير البول، والغائط، وهو الدم مثلاً، والنّجس غير البول، والغائط يشمل أمثلة منها: الدم، والقيح، والقيء، كلّ ذلك يعتبر نجساً، ويعتبر من النّجس الخارج من غير السبيلين، وهو من غير البول، والغائط، وجميعها ناقضة للوضوء. فأصحاب هذا القول ينظرون إلى صفة الخارج، لا إلى المخرج، ومن هنا قال ﵀: [منْ بَقِيةِ البَدنِ]، فمن قاء فقد إِنتقض وضوءه على هذا الأصل لأنه نجس خارج من البدن، ومن رعف انتقض وضوءه لأن الدم نجس فيوجب إِنتقاض الوضوء، وكذلك من خرج منه القيح؛ لأن القيح متولد من الدم، وما تولد من نجس فهو نجس والفَرْعُ يأخذُ حكمَ أصْلِه.

стр. 241

هذه الأمور كلها إذا خرجت أوجبت انتقاض الوضوء على الأصل الذي قررناه من كون الخارج النجس يوجب انتقاض الوضوء، وقلنا إن الصحيح أن الخارج النجس لا يُعتبر ناقضاً للوضوء؛ إلا القيء ففيه تفصيل واستثناء ثبت به الدليل. لكن هنا شرط ذكره المصنف عبّر عنه بقوله: [كثيراً] فمفهوم قوله: [كثيراً] أنه لو كان قليلاً، لا ينقض الوضوء. وتفصيل ذلك: قالوا إذا خرج من الإنسان دم يسير؛ كالبثرة التي تسمى في عرف الناس اليوم بـ (الحبة) تكون على ظاهر الجسد فينزف الدم منها قليلاً، أو يعصرها فيُخرج دمها اليسير فإنه لا ينقض الوضوء، وأيضاً لو استاك فأدْمى لُثّته، فخرج دم قليل من طرف اللثة، أو جرح جرحاً صغيراً وخرج دم يسير هذا كله لا ينقض الطهارة لكونه يسيراً؛ لكن لو كان كثيراً انتقض وضوءه، إذاً يفرقون بين القليل، والكثير من النجاسات الخارجة من غير السبيلين. فيرد السؤال: ما هو الضابط الذي يفرق فيه بين القليل، والكثير عندهم؟ والجواب: أن لهم أقوالاً متعددة منها: ما اختاره غير واحد، ومنهم الإمام الموفق ابن قدامة ﵀ ونصّ عليه في المغني، والعمدة، وكذلك اختاره الزركشي من أئمة الحنابلة، وفقهائهم -رحمة الله عليهم-: أن الكثير ما لا يتفاحش في النفس أي الشيء الذي إذا رأيته لم تره كثيراً هذا اليسير، وضدّه الكثير، وحينئذ يرد إشكال، وهو أن الناس يختلفون فلو قلنا بهذا الضابط، فكيف نقدَره بنظر الناس؟

стр. 242

والجواب: أن أصحاب هذا القول رجعوا إلى إعتبار أوساط الناس من عقلائهم قالوا: فيخرج الموسوس والقصّاب. أما الموسوس: فلأن أقل شيء عنده كثير -نسأل الله السلامة والعافية- يستعظم كل شيء، فهذا لا يُعتبر تفاحش مثله مؤثراً، وعليه أن يسأل من يثق به. أما النوع الثاني: فالقصّاب، وهو الجزّار؛ لأنه يستهين بالدماء فالذي يتفاحش عنده شيء كثير، فهو معتاد على الدماء، فيخرج هذان النوعان القصاب، والموسوس، قالوا: فلا نلتفت لمن يُعظِّم الأمر، ولا لمن يُحقره؛ وإنما يُنظر إلى غالب الناس في أوساطهم. ومنهم من يحدُّه بالقطرة، والقطرتين، ومنهم من اعتبر في القيء ما يملأ الفم فنقض به، دون ما لم يملؤه. أما استثناء اليسير، وعدم نقض الطهارة به، فدليلهم عليه: أنه ثبت عن بعض الصحابة ﵃: أنهم عصروا البُثر، واغتفروا اليسير كما جاء عن عبد الله بن عباس ﵄، وعبد الله بن عمر ﵄ فقد عصر إِبن عمر بثرةً، ثم صلّى، ولم ير بذلك بأساً قالوا: فهذا يدل على أن القليل لا ينقض الطهارة. قوله ﵀: [وزوالُ العَقْلِ] المراد به: ذهاب العقل، وبذهابه يزول الإدراك من الإنسان، فلا يعي الأمور، ولا يعلمها كما قال تعالى: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ فبيّن سبحانه أن السكران لا يعلم ما يقول، وأن السكر موجب لزوال الإدراك بالأشياء،

стр. 243

وإذا كان الإنسان متطهراً، ومعه عقله إستطاع أن يعلم بخروج الخارج خاصة إذا كان من الريح، بعكس ما إذا زال فإنه قد يخرج منه الخارج ولا يعلم به، ومن هنا إعتبر الفقهاء ﵏ زوال العقل مظنةً للحدث بناء على اعتبار الشرع للنوم ناقضاً للوضوء كما سيأتي. وزوال العقل يرجع إلى أربعة أسباب: النوم، الجنون، والإغماء، والسكر، وبيانها فيما يلي: السبب الأول: النوم، وهو ناقض للوضوء في أصحّ أقوال العلماء ﵏، وقد بينتها في شرح البلوغ وأن الذي يترجح هو القول باعتباره ناقضاً إذا زال معه الشعور؛ لما ثبت في حديث صفوان بن عسّالٍ المُرادِي ﵁ قال: [أَمَرنا رسولُ الله ﷺ إِذَا كُنّا في سفرٍ ألا نَنْزعَ خِفَافَنا ثلاثةَ أيامٍ بِليَالِيهن من بولٍ، أو غائطٍ، أو نومٍ] فدلّ هذا الحديث الصحيح على أن النوم ناقض في الأصل حيث جعله كالبول، والغائط مساوياً لهما في نقض الطهارة لا من جهة دلالة الإقتران المجرّدة، بل بدلالتها المشاركة في الوصف، والحكم لأنه في سياق النص المبيّن للحدث، فدلّ على أن الأصل إعتباره ناقضاً، وكذلك حديث علي ﵁ أن النبي ﷺ قال: [العينان وِكَاءُ السَّهِ فإذا نامتِ العينانِ إستطلقَ الوِكَاءُ] ودلّ دلالة واضحة على أن العبرة في النوم بالشعور الذي يدرك معه الإنسان خروج الريح، فإذا غلبه النوم على ذلك نقض على ظاهر هذه السنة، ومن هنا فرّق بين النوم الذي يزول معه الشعور، وعكسه، وصارت هذه السنة أصلاً في نقض طهارة الوضوء بزوال الادراك والشعور بالخارج، وأكّد

стр. 244

ذلك حديث إِبن عباس ﵄ في الصحيحين لما بات مع النبي ﷺ عند خالته ميمونة ﵂ قال: [ثمَّ نامَ النّبي ﷺ حتّى نَفَخَ] ثم ذكر إستيقاظه ووضوءه ثم صلاته بالليل، فدلّ على أن النوم ناقض لأنّ النبي ﷺ توضأ بعد إستيقاظه، ولم يذكر ابن عباس ﵄ أنه دخل الخلاء، ثمّ قوله ﵁: [حتى نَفَخَ] يؤكد أنّ النوم ناقض عند زوال الشعور بالخارج كما قدمنا، وإن كان النبي ﷺ تنام عيناه، ولا ينام قلبه، ولكن هذا على سبيل التشريع لسائر الأمة. السبب الثاني: الجُنون، وبه يزول العقل كلّية، وهو ناقض للوضوء بالإجماع كما حكاه الإمام ابن المنذر ﵀، وغيره، وإذا كانت الأدلة قد دلّت على إنتقاض الوضوء بالنوم فإنّ إنتقاضه بالجنون أولى وأحرى، فتكون قد نبّهت بالأدنى على ما هو أعلى، وأولى بالحكم منه. السبب الثالث: الإغماء: وبه يزول الإدراك أيضاً، وكثيراً ما يقع في حالات الصَّرع، وهو في حكم الجنون في كثير من مسائله، ولذلك حُكي الإجماع على إعتباره ناقضاً من نواقض الوضوء، ومستند هذا الإجماع دليل السنة في حديث أم المؤمنين عائشة ﵂ في الصحيحين أن النبي ﷺ [لما مَرِضَ مَرَضَ الموتِ أراد الصلاة فأغْمي عليه، فاغتسل ليصلي، ثم أغمي عليه، فأفاق، فاغتسل] فدلّ على أن الإغماء ناقض للطهارة الصغرى، والكبرى.

стр. 245

السبب الرابع من زوال العقل: السُّكر سواءً كان بسبب مباح، وهو أن يسكر على وجه يعذر به شرعاً مثل: أن يشرب شراباً يظنه ماءً فيسكر، فإنه معذور في سكره للجهل، أو يسكر على وجه محرم شرعاً كأن يشرب المسكر، والمخدر، على وجه لا يعذر به شرعاً والعياذ بالله عالماً به ففي كلتا الحالتين لو شرب ما يزيل عقله من المسكرات، والمخدرات -أعاذنا الله وإياكم منها- فإنه يحكم بانتقاض وضوئه على تفصيل حاصله أن السكر له ثلاث مراتب: المرتبة الأولى: يسميها العلماء الهزة، والنشاط، والطرب، وهي أول ما يكون لمن شرب الخمر -والعياذ بالله-. والمرتبة الثانية: أقصى درجات السكر، وهي أن يسقط كالمغشي عليه لا يعرف الأرض من السماء ولا يعي ما يقول، ولا ما يقال له كالمجنون. والمرتبة الثالثة: وسط بين المرتبتين. فاعلم -رحمك الله- أنه إذا كان السكران في بداية السكر، وهي الهزّة، والنشاط فإنّه مكلف إجماعاً؛ لأنه في حكم المستيقظ، فإذا فعل أيَّ فعل في بداية سكره عند هزته، ونشاطه فإنه يحكم بمؤاخذته؛ لأن الأصل فيه أنه مكلف حتي يؤثر فيه المؤثر، وهو هنا لم يبلغ الدرجة التي يؤثر فيه السكر فيها وكذلك الحال بالنسبة للطهارة فإنه باق على الأصل فيها في هذه المرتبة، ما دام أنه يشعر بالخارج.

стр. 246

أما المرتبة الثانية: وهي أن يبلغ منه السكر غايته كأن يسقط كالمجنون فهذا لا يؤاخذ إجماعاً، وحكمها في الطهارة أنها موجبة لانتقاض الطهارتين الصغرى، والكبرى؛ لأنه كالمجنون. وأما الحالة الثالثة: وهي المترددة بين الحالتين فهي التي فيها الخلاف بين العلماء في السكران هل هو مكلف، أو غير مكلف؟ وهي هنا توجب إنتقاض الطهارة، فإذا سكر -والعياذ بالله- المتوضيء فإنه يحكم بانتقاض وضوئه، ويلزمه أن يعيده على هذا التفصيل. قوله ﵀: [إلا بيسيرَ نومٍ مِنْ قَاعدٍ]: استثنى المصنف ﵀ النائم إذا كان قاعداً، فلم يحكم بانتقاض وضوئه لحديث أنس ﵁ في الصحيح قال: " كان الصّحابةُ ينتظرونَ العِشَاء حتى تَخْفِقَ رؤُوسُهم ثم يُصلون، ولا يَتوضّؤُون ". وقوله ﵀: [أو قائم]: لأن اليسير من القائم في حكم اليسير من القاعد، لا فرق بينهما، وهذا مبني على الفرق في النوم بين اليسير، والكثير. والذي يترجح في هذه المسألة أن العبرة بالشعور، سواء طال النوم، أو قصر لأن السنة في حديث علي ﵁ المتقدم دلت على أن سبب اعتبار النوم ناقضاً هو زوال الشعور، وهو ما يدل عليه النظر أيضاً لأن النوم ليس بحدث بذاته وإنما هو مظنة الحدث فاعتبر فيه الوصف المؤثر، وهو زوال الشعور بالخارج. ثم إن هذا القول تجتمع به الأحاديث المتعارضة كما بيناه

стр. 247

في شرح البلوغ، وعليه فيستوي أن يكون قائماً، أو قاعداً المهم هو زوال الشعور. قوله ﵀: [ومس ذكر متصل]: أي أن من نواقض الوضوء مسّ الذكرِ سواءً قصد الشهوة عند مسّه، أو لم يقصدها، وسواء وجد اللّذة، أو لم يجدها، فمن مسّ الذكر وجب عليه أن يعيد وضوءه لما ثبت في حديث بسرة بنت صفوان ﵂ عن النبي ﷺ أنه قال: [من مس ذكَرَه فَلا يُصلّي حتّى يتوضّأَ] وجه الدلالة من الحديث: أن النبي ﷺ أمر بالوضوء من مس الذكر مطلقاً. وقال بعض العلماء: من مس ذكره فلا ينتقض وضوؤه لحديث قيس بن طلق، عن أبيه طلق بن علي الحنفي ﵁ أنه أتى النبي ﷺ ، وهو يبني المسجد، فسأله عن مسِّ الذكرِ؟ فقال ﵊: [وهَلْ هُو إِلا بضعةٌ مِنْك]. قالوا: إن هذا الحديث دلّ على أن مسّ الذكر لا يوجب إنتقاض الوضوء. والذي يترجح في نظري، والعلم عند الله هو القول بنقض الوضوء بمسِّ الذّكر لقوة دلالة السُّنة على ذلك، وأما حديث طلقٍ ﵁ فيجاب عنه من وجهين: الوجه الأول: أنه منسوخ؛ لأن طلق بن علي الحنفي ﵁ قدم على النبي ﷺ عند بناء مسجده ﷺ في أول قدومه للمدينة، وسأله هذه المسألة؛ كما جاء في نفس الحديث، وحديث: [من مس ذَكرَه] رواه المتأخرون إسلاماً من الصحابة؛ كبُسرةَ بنت

стр. 248

صفوان، وأبي هريرة رضي الله عن الجميع، وإذا تعارض حديثان: أحدهما: من رواية متأخر الإسلام، والآخر من رواية متقدمٍ في إسلامه، قدّمت رواية المتأخر في إسلامه، خاصّة، وأن حديث طلق ﵁ كان عند أول قدومه ﵊ للمدينة، فيكون بعد الهجرة مباشرة، وأبو هريرة ﵁ أسلم عام خيبر، وهذا يقوي القول بالنسخ كما إختاره بعض الأئمة، كابن حبان، والطبراني، وابن العربي، والحازمي في كتابه الإعتبار، وغيرهم، وإذا لم يكن هذا المسلك صريحاً في إثبات النسخ إلا أنه يُقَوِّي مسلك الترجيح لحديث بسرة على حديث طلق ﵄. ثم إن حديث بسرة ﵂ ناقل عن الأصل، لأنه أوجب الوضوء؛ بخلاف حديث طلق ﵁ حيث بقي على الأصل الموجب لعدم الإنتقاض، واختار جمع من علماء الأصول، والفقهاء أنه: إذا تعارض نصّان أحدهما: ناقل عن الأصل، والآخر: عكسه، فإنه يقدّم النّص النّاقل؛ لأن فيه زيادة علم، وحكم؛ فصار راجحاً على غيره. الوجه الثاني: أن يجُمع بين حديث طلق بن علي ﵁، وبين حديث بسرة ﵂ فيكون سؤال طلق بن علي ﵁ عن مسّ الذكر من فوق الثوب، فقال له ﵊: [وهَلْ هُو إِلا بَضْعة مِنْك] أي: إذا مسسته بحائل فكأنك لمست يداً، أو نحو ذلك من الأعضاء. وأما إذا لمسه مباشرة فإنه يحُمل عليه حديث: [مَنْ مَسّ ذكرهُ فَلْيَتَوضّأ] وقد صحّح غير واحد من أهل العلم منهم الإمام أحمد، وأبو زرعة، حديث

стр. 249

الأمر بالوضوء من مس الذكر، وصوّبه الإمام البخاري ﵀، فلذلك يقوى الحكم بأن مسَّ الذكر يوجب انتقاض الوضوء. إذا ثبت أن مس الذكر يوجب انتقاض الوضوء فيستوي في ذلك ما يلي: أولاً: أن يكون بشهوة، أو بدون شهوة، ودليل ذلك عموم قوله: [مَنْ مَسّ] حيث لم يفرق بين قصد الشهوة، ووجودها، وعدم ذلك. ثانياً: أن من مسّ حلقة الدبر إنتقض وضوئه؛ وذلك لعموم قوله: [من مس فَرْجَه] في حديث أم حبيبة ﵂، والفرج يشمل القبل، والدبر. ثالثاً: أنّ هذا الحكم يشمل المرأة، وذلك لقوله ﵊: [من مس فرجه]، فإن قوله: [مَنْ] من صيغ العموم عند الأصوليين تشمل الرجال، والنساء وقوله: [فرجه] يشمل عضو الرجل والمرأة قبلاً كان، أو دبراً. رابعاً: أن هذا الحكم يستوي فيه أن يمسّ فرجه، أو يمسّ فرج غيره، وكونه ﵊ يخصه بقوله: [فرجه] يكون مخرجاً على كونه خرج مخرج الغالب، فلا يعتبر مفهومه. خامساً: أنه عام يشمل الصغير، والكبير، فلو مسّت المرأة فرج صبيها، أو صبيتها انتقض وضوءها، وذلك لعموم الخبر من جهة المعنى. سادساً: أنه يَخْرج من هذا مسّ المنفصل فقال بعض العلماء: لو قُطِعَ العضو، فَمس؛ لم يأخذ الحكم.

стр. 250

قوله ﵀: [بظهر كفِّه، أو بَطْنِه]: وهذا اختيار بعض العلماء، وخالفهم غيرهم فقال: إن العبرة بباطن الكف لقوله ﵊: [منْ أَفْضَى بِيده إلى ذَكرِه]؛ والإفضاء يكون بباطن الكف، لا بظاهرها، وفي قوله: [من أفضى] فيه إشعار بالقصد بخلاف ظاهر الكف الذي يقع فيه المكان من غير قصدٍ غالباً. قوله ﵀: [ولمْسُهُما منْ خُنثى مُشكِلٍ]: [ولمسهما]: أي لمس العضوين، وقوله: [من خُنثى مشكلِ] أي: يوجب انتقاض وضوء الخنثى مشكل إذا حصل منه مس العضوين وهكذا غيره إذا لمسهما من الخنثى المشكل لأن لمس أحدهما موجب للشك هل هو عضو زائد، أو حقيقي، فإذا لمس عضوي الذكورة، والأنوثة تحققنا من لمسه للفرج الأصلى فانتقض الوضوء. قوله ﵀: [ولمس ذكرٍ ذكره، أو أنثى قبله] هذا راجع إلى الشخص الممسوس والأول راجع إلى الشخص اللامس. [لشهوة فيهما]: سواءً مَسّ أو مُسّ؛ لكن هنا في الحالة الأخيرة قال: [لشهوة] فجعل الحكم مرتبطاً بالشهوة كما ذكرناه، فإن لم توجد الشهوة فإنه لا يحكم بالانتقاض بالنسبة للممسوس، وهذا بالنسبة للخنثى مبني على الشك فيه، فإن لمسه ذكر بشهوة انتقض الوضوء للمس في أصل مسألته، لأنه لمس لأنثى بشهوة، لأن الأصل في الخنثى أنه أنثى، وهكذا الحكم في لمس الأنثى لفرج الخنثى، لأنه مس لفرج الغير، واعتبرت الشهوة
следующие страницы →