أي أن القرآن يحرم على الجنب تلاوتُه بخلاف الحديث القدسيّ، وكذلك في كل حرف من القرآن عشر حسنات بخلاف الحديث القدسيّ.
قوله ﵀: [ويَعْبُر المسجدَ لحاجةٍ، ولا يَلْبَثُ فِيه بغيرِ وُضُوءٍ] أي: أن من موانع الحدث الأكبر اللبث في المسجد إلا إذا توضأ، أو كان ماراً به عابراً غير جالس فيه، ولا واقف بداخله، وقد اُستدل على هذا الحكم بدليل الكتاب في قوله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ على أن التقدير: لا تقربوا مواضع الصلاة (وهي المساجد) جنباً إلا عابري سبيل، وهذا هو أحد الأوجه في الآية الكريمة، وهذا القول يشكل عليه النهي الوارد عن إتخاذ المساجد طرقات، إلا إذا كانت الآية محمولة على أول الأمر، ثم نُسخ ذلك بعد أمره ﵊ بسدِّ خَوْخَاتِ المساجدِ، فتكون الإباحة على ظاهر الآية في أول الأمر، مع أن دلالة الآية على ما ذكر فيها خلاف، ومن هنا قَوِيَ منعُ الجنب من دخول المسجد، والمرور من خلاله، وقد دلّتِ السنةُ في حديث عائشة ﵂ في الصحيح حينما قال لها النبي ﷺ : [نَاولِيني الخُمْرَةَ] قالت: إني حائض، فاعتذرت عن إدخال يدها لكونها حائضاً، فدلّ على أن المحدث حدثاً أكبر ممنوع من دخول المسجد؛ لأن النبي ﷺ لم ينكر عليها إعتقادها لذلك، وإنما بين لها أن دخول اليد؛ ليس كدخول الجسم كله.
قوله ﵀: [ومَنْ غسّل مَيّتاً، أَوْ أَفاقَ مِنْ جُنونٍ، أَوْ إِغْمَاءٍ بِلا حُلُمٍ سُنَّ له الغُسْلُ]: شرع المصنف ﵀ بهذه الجملة في بيان الإغتسالات
стр. 282
المستحبة بعد بيانه لموجبات الغسل، وأسباب وجوبه فبيّن ﵀ أن من غسل ميتاً أي: قام بِتَغسيله، ويكون ذلك على صورتين:
الصورة الأولى: أن ينفرد بتغسيله.
والصورة الثانية: أن يكون مع غيره.
فأما إذا إنفرد بتغسيله فقول واحد عند من يقول بوجوب الغسل عليه، أو باستحبابه له أنه يغتسل، وأمّا اٍ ذا كان مع غيره، فإنه يأخذ حكم الأصيل؛ لأنه يصدق عليه أنه غسله بشرط: أن يكون له عمل في غسل جسد الميّت، وبناءَ على ذلك، فإنه إذا غسل منفرداً، أو مشاركاً مع غيره، فالحكم أنه يجب عليه أن يغتسل على قول من يقول بالوجوب، لكن المصنف يميل هنا إلى القول بالسُّنية، والاستحباب، وهو أصح القولين في هذه المسألة وهو مذهب الجمهور من الحنفية، والمالكية، والشافعية، ورواية عن أحمد رحمة الله على الجميع، ولأن من قال بالوجوب إستدل بحديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: [مَنْ غسّل ميّتاً فليغتَسِلْ، ومَنْ حَملَه فَلْيَتوَضأ] رواه الخمسة إلا أن ابن ماجة لم يذكر الوضوء قال الإمام أحمد، وعلي بن المديني رحمهما الله: (لا يصحُّ في البابِ شَيء)، ومثله عن الذّهلي، والحاكم، وغيرهما والحديث ضعيف، وقد تكلم عليه الإمام الدارقطني ﵀ في العِلَل، وتكلم عليه الحفاظ والصحيح عدم ثبوته، لكن على القول بثبوته، أو أنه حسن فيحمل على الاستحباب، والأفضل أي: من غسل ميتاً فإنه يغتسل استحباباً، لا على سبيل الحتم، والإيجاب.
стр. 283
قوله ﵀: [أَوْ أَفاقَ مِنْ جُنونٍ، أو إِغْماءٍ] مراده أن المجنون، والمغمى عليه يجب عليهما الغسل إذا أفاقا، دون أن يحصل منهما إنزال، وهذا هو أحد قولي العلماء في هذه المسألة، ومنهم من رأى وجوب الإغتسال مطلقاً، وهو الرّاجح لما ثبت في الصحيح من حديث أم المؤمنين عائشة ﵂ أنّ النبي ﷺ : [لما قام إلى الصلاة في مَرضِ المَوْتِ، ثم غُشِيَ عليه، ثم أَفاقَ، فاغتسل صلوات الله وسلامه عليه، ثم غُشِيَ عليه، ثمَّ أَفاق، ثم إِغتسل] فهذا أصل في وجوب الغسل من الإغماء؛ والجنون أشد منه، فيكون الشّرع قد نبّه بالأدنى، وهو الإغماء على ما هو أعلى منه، وهو الجنون، فيجب الغسل بالجنون من باب أولى وأحرى هذا من جهة الأثر، أما من جهة النظر فهو أن الجُنون، والإغماءَ مظنّة الحدث الأكبر، وهو نزول المني، دون أن يعلم به حال جنونه، وإغمائه فأوجب الطهارة الكبرى، كما أن النوم مظنّة الحدث، وأوجب الشرع به الطهارة الصغرى.
فيجب الغسل بسبب الجنون، والإغماء وفي حكم المجنون، والمغمى عليه السكرانُ، والمخدَّر بالبَنْجِ، وغيره كالأفيون، والحشيش إذا غاب عنه عقله وإدراكه.
فعلى القول الذي مشى عليه المصنف ﵀ إذا أفاقا دون أن يحصل منهما إنزال، فالغسل مستحب، لا واجب، وقد أشار إلى هذا بقوله ﵀: [بِلا حُلُمٍ]: أي بلا احتلام، وقوله ﵀: [سُنَّ له الغُسْل]: أي لا يجب عليه، وهذا كما ذكرنا، وظاهر حديث عائشة ﵂ يردّه
стр. 284
لأنه تأخر ﵊ عن الصلاة، وكرّر الغسل أكثر من مرّةٍ والنّاس تَنْتظِرُه، ولا معنى لذلك إلا وجوبه، ثمّ إنه لم يحصل منه إنزال صلوات الله وسلامه عليه، فدلّ على رجحان القول بالوجوب، دون تفريقٍ بين حصول الإنزال، وعدمه.
قوله ﵀: [والغُسْلُ الكاملُ] شرع المصنف ﵀ بهذه الجملة في بيان صفة الغسل بعد بيانه لموجباته، وأسبابه وقد راعى في ذلك الترتيب المنطقي، لأن الأسباب، والموجبات مقدَّمةٌ على الصِّفة، ومن هنا يرد السؤال أولاً: ما هي موجبات الغسل، ومستحباته؟ ثم بعد ذلك يرد السؤال: كيف يكون الغسل وما هي صفته؟
فقال ﵀: [والغُسلُ الكامِلُ]: والغسل له صفتان عند العلماء كالوضوء:
الصفة الأولى: الإجزاء.
الصفة الثانية: الكمال.
والفرق بين الإجزاء والكمال: أن الإجزاء: يتحقق به المأمور شرعاً بمعنى أنك إذا أوقعت الغسل عليه فقد أديت ما أوجب الله عليك، والإخلال به موجب للحكم بعدم صحة الغسل.
وأما صفة الكمال: فإن الإخلال بها فيه تفصيل فإن حصل قدر الإجزاء حُكِمَ بصحّة الغسلِ، وإجزائِه، ويحكم بكونه فاته الأفضل، والأجرُ الكامل، وإن كان الإخلال بما هو من صفة الإجزاء فحكمه حكم الإخلال بصفة الإجزاء.
стр. 285
قال ﵀: [والغسل الكامل]: المصنف إبتدأ بصفة الكمال، وغيره إبتدأ بصفة الإجزاء فطريقة المصنف ﵀ حينما ابتدأ بغسل الكمال تدرّج فيها من الأعلى إلى الأدنى، وطريقة غيره ممن إِبتدأ بالاجزاء، ثم أتبعه بالكمال تدرّج من الأدنى إلى الأعلى، وكلتا الطريقتين لها وجهها.
أما طريقة المصنف أن يَبْتدئ بالكمال، ثم يبين لك غسل الإجزاء فهي أنسب؛ لأنه إذا فعل ذلك ترك التّكرار فإنك إذا ذكرت الغسل الواجب، ثم أتبعته بصفة الكمال، وذكرت ضِمْنها الواجبات حصل التّكرار فتلافاه المصنفُ ﵀ بهذه الطريقة التي سار عليها.
وصفة الكمال: ثبتت بها أحاديث صحيحة عن النبي ﷺ منها حديث أم المؤمنين عائشة ﵂ وأرضاها- وحديث ميمونة ﵂ وأرضاها- وكلا الحديثين ثابت في الصحيحين، فقد وصفت كل واحدة منهما غُسْلَ النبي ﷺ فمنهما من فصّلت في شيءٍ، وأَجْمَلت في شيءٍ آخر، وقد راعى العلماء -رحمهم الله تعالى- في صفة الكمال ما تضمنه حديثا عائشة، وميمونة -رضي الله عن الجميع-.
قال ﵀: [أَنْ يَنويَ]: أي ينوي الغسل، والنيّة بالتشديد، والتخفيف لغة: القصد، والمراد بها في الإصطلاح: (العزم على فعل الشيء تقرباً إلى الله -تعالى-) كما ذكر هذا التعريف البعلي في المطلع، ومعنى ذلك أن تعزم على عبادة، أو معاملة، وقصدك وجه الله عبادة: مثل أن تصلي، فتفعل القيام، والركوع، والسجود، وغيرهما من أفعال الصلاة، وتريد وجه الله -جل وعلا- والتقرب إليه بذلك الفعل.
стр. 286
وأما المعاملة: فمثل: أن تعطي إبنك المال، فإنها عادة، ولكنّها تنقلب عبادة إذا قصدت بها وجه الله تعالى، وبعض العلماء يقول: العزم على فعل الشيء، وبعضهم يقول: قصد فعلِ الشيء قربة لله -جل وعلا- والتعبير بالقصد أنسب من التّعبير بالعزم؛ لأنّ من العلماء من فرق بين العزم، والقصد بأنّ القصد يكون عند توجه النية، والعزم يكون متراخياً عن ذلك التوجه، ولذلك قالوا التعبير بالقصد أدقّ.
والمراد بنية الغسل هنا: أن تجمع أمرين: قصد التقرب إلى الله، وقصد رفع الحدث الأكبر كما قدمنا في نية الوضوء.
[أن ينوي]: يعني أن ينوي بغسله رفع الحدث، وقد تقدم معنا في الوضوء بيان الدليل على إشتراطها في الطهارة، وأن مذهب الجمهور: أنها شرط لصحة الطهارة من الحدث بنوعيه الأصغر والأكبر، والمراد بالنية في الغسل أن يقصد رفع حدثه الأكبر من الجنابة، أو الحيض، أو النفاس، أو غيره فإذا حصل ذلك أجزأه الغسل، وتَمّتْ طهارته، وأما إذا لم يقصد رفع الحدث مثل: أن يقصد النظافة، أو التبرد، والإستجمام؛ فإنه لا يرتفع حدثه، وينبغي أن تكون هذه النِّية مقاربة للغسل، فإذا طال الفاصل بينها، وبين شروعه في الغسل فإنها لا تُجْزِيه.
قوله ﵀: [أَنْ يَنْويَ الغُسْلَ]: هذا هو الأصل أن الإنسان إذا أراد أن يغتسل يبتدئ بنية القلب، ثم بعد ذلك يكون منه الفعل المأمور به شرعاً.
стр. 287
قوله ﵀: [ثُم يُسَمّي]: ثم للعطف، مع التراخي، وقوله: [ثم يُسمي] أي: يقول: بسم الله وهذه التَّسمية إستحبها العلماء، ومن العلماء من قال: بوجوبها في الغسل -وسيأتي الكلام عليها إن شاء الله- وأن الصحيح هو القول بعدم وجوبها.
[يسمّي]: يسمي إذا كان المكان مهيأً لذكر الله كأن يكون في بِركَةٍ، أو في حمام مُعَدٍ للاغتسال لا لقضاء الحاجة، أما لو كان المكان مهيأ لقضاء الحاجة، فإنه لا يذكر اسم الله فيه ففي الحديث الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: [إِني كُنْت عَلى حَالةٍ كَرهْتُ أنْ أَذْكُرَ اسمَ اللهِ عَليهَا] والإمتناع من التلفظ بذكر اسم الله تعالى في موضع قضاء الحاجة، فيه تعظيم لشعائر الله، وهو ما ندب إليه المولى سبحانه بقوله: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ (١) واسم الله لا شك أنه من شعائر الله التي أشعر الله بتعظيمها كما قال تعالى: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ (٢) فالإجلال لاسم الله بعدم ذكره في مواطن قضاء الحاجة من تعظيم شعائر الله، فلا يذكر اسم الله نطقاً، ولكن يسمي في نفسه على قول بعض العلماء أي: أنه يُجْري في نفسه ذكر التسمية، دون أن يتلفظ باللسان.
стр. 288
قوله ﵀: [ويَغْسلُ يَديْه ثَلاثاً، وما لوّثَه]: المراد به أن يغسل كفّيه ثلاث مرات.
والمصنف هنا قال: [يغسل يديه ثلاثاً] ثم أجمل، والحقيقة غسل اليدين، أو الكفين في الغسل من الجنابة له حالتان:
الحالة الأولى: أن يغسل الكفّين قبل أن يعمّم البدنَ بالماء.
الحالة الثانية: أن يغسل الكفّين بعد غَسْل الفرج تَهيُأً للوضُوءِ.
فأما الحالة الأولى: وهي أن يغسل كفيه عند إبتداء الغسل فقد ثبت في الصحيحين كما في حديث أم المؤمنين عائشة ﵂ في قولها: [بدأ فغسل يديه]، وفي رواية مسلم [يَغْسِل كَفّيه] لكن ليس فيها التصريح بالتثليث، وقد جاء في حديث ميمونة ﵂ في قولها: [فأفرغ على يديه فغسلهما مرّتين، أو ثلاثاً] والغسل للكفين في ابتداء الغسل من الجنابة مناسبته: أن اليدين ناقلتان للماء، والماء ينبغي أن يكون طهوراً، فينبغي أن تكون آلته محافظة على الطهورية، فإذا كانت اليد نظيفة، بقي الماء على أصل الطهورية، وإذا كانت اليدان ليستا بنظيفتين؛ فإن ذلك أدعى لخروج الماء عن وصفه بالطُّهورية خاصةً، وأن الكف تنقلُ ماءً يسيراً، ولذلك أُمِرَ بغسلهما قبل الوضوء لمن استيقظ من نومه.
أما الحالة الثانية لغسل الكفين: فإنها تكون بعد غسل الفرج، والمناسبة فيها ظاهرة؛ لأنها تلوثت بالأذى وقد أشارت إليها أم المؤمنين ميمونة ﵂ بقولها: [ثمّ أَفْرغَ بِيمينِه عَلى شِمَالِه فَغَسل مَذَاكيِرَه ثم دلك يَدَه بِالأَرْضِ].
стр. 289
قال ﵀: [يغسل يديه ثلاثاً، وما لوّثه]: اللّوث يطلق بمعنى التلطيخ، فالتلويث التلطيخ، يقال لوّث الماء إذا لطخه، وقد يطلق بمعنى: المرض، والعاهة في العقل ومنه قولهم: (اللّوثة) نسأل الله السلامة والعافية، وقد يطلق بمعنى: الحاجة؛ وهي حاجة الإنسان، والمقصود بالتلويث في قوله: [ما لوثه]: يعني ما أصاب يده من القذر، وهذا يدل على أن المراد بغسل الكفين ما يكون بعد إزالة الأذى عن الفرج فكان من هدي النبي ﷺ أنه يبتدئ فيصب الماء على كفّيه -صلوات الله وسلامه عليه-، ويغسلهما ثم يُفْرِغ بيمينه على يساره، فيغسل فرجَه -صلوات الله وسلامه عليه-، ومواضع الأذى كما تقدّم ذكره في حديث ميمونة ﵂ وأرضاها-، فيغسل الأذى الذي على الفرج، وما جاوره كالفخذين، والرُّفْغَين، ونحوهما، ولما انتهى ﵊ كما في الصحيحين من حديث ميمونة ﵂ من غسل فرجه، وإزالة الأذى دَلَكَ يديه بالأرض، ولذلك قال العلماء: يَبْتدئُ بغسل الكفّين ثمّ يُثنّي بالفرج، ثم يدلك يديه للغسلة الثانية، وهذه الغسلة الثانية آكد من الأولى، فإن الأولى قد تكون اليدان طاهرتين، ولا يحتاج فيها إلى تجديد غَسل؛ ولكن في الثانية لمكان الأذى، وتلطّخ اليدين ناسب أن يدلكهما ﵊.
قال بعض العلماء ﵏: السُّنة لمن اغتسل في أَرضٍ تُرابيِّة أن يدْلكَ يديه بالأرض التُّرابِيِّة والتّراب ينظف، ويُنْقِي كالصابون، والمطهّرات، فناسب أن يدلك ﵊ يده بالأرض وورد في الحديث أنه
стр. 290
عليه الصلاة والسلام ضرب بها الحائط، ولذلك قال بعض العلماء: إذا كانت الأرض صلبة، وكان الحائط طيناً فإنه يضرب بيديه الحائط وللعلماء في ضربه ﵊ بيده على الأرض وعلى الحائط في غسله من الجنابة وجهان:
الوجه الأول: منهم من قال: عبادةٌ معلّلة تكون إذا وجدت عِلّتها، والعلّة عندهم: التنظيف، بمعنى أن الإنسان يضرب الحائط، ويدلك الأرض بقصْد التنظيف، فإذا كانت الأرض صلبة، أو كان الحائط من غير الطين، كالإسمنت، ونحوه فإنه تكون السُّنة بالغسل بالصابون، وما يحلُّ محل الطِّين لأن العِلة عندهم التنظيف، فكما أنه يحصل بالطين فعند فَقْدِه يحصل بما يناسبه، كالأُشنانَ، والصَّابون.
والوجه الثاني: قال: عبادة غير معلّلهٍ، ويُقتصر فيها على الصورة الواردة، فلا تشمل غيرها، ويكون وجود التّطهير في الطين تبعاً، لا أصلاً.
وعلى هذا القول: فإنه يُسنّ للإنسان، ولو كان الجدار، والأرض صلبةً أن يضرب بهما يده إتباعاً للسنة.
والصحيح أنه عبادة معلّلة يضرب بيديه الجدار إذا كان من طين، ويدلك بهما الأرض إذا كانت ترابيّة وإذا زال الأذى بالصابون، والمُطهّرات المعروفة في زماننا أجزأه، وحلّ ذلك محل التراب، لأن التراب هنا ليس مقصوداً على وجه التعبّد فيجزئ عنه الصابون، والمطهرات لأنها تقوم مقامه، فيحصل بها المقصود شرعاً، وهو النظافة، والنقاء، بخلاف ما إذا كان
стр. 291
التراب فيه معنى التعبّد، كما في غسل الإناء من ولوغ الكلب، فإنّ غيره لا يقُوم مقامه.
قوله ﵀: [يتوضّأ]: إتفقت الروايات في صفة غسله ﵊ على أنه توضّأ فيه ولذلك لا خلاف بين العلماء ﵏ في أن الغسل الكامل مشتمل على الوضوء تأسياً به ﵊.
وظاهر حديث أم المؤمنين عائشة ﵂ في قولها: [ثم يتوضأ وضوءَه للصّلاةِ] أنّ النبي ﷺ توضّأ وضُوءاً كاملاً أوّلاً، ثم أفاض الماء بعد ذلك على رأسه، وجسده كما دلّ عليه قولها: [ثم يأخُذ الماءَ، ويدخل أصابِعَه في أصُولِ الشّعر حتى إذا رأى أنْ قَدْ إِسْتبرأ حَفَنَ على رأسِه ثلاثَ حَثَياتٍ ثُمّ أفاضَ على سائِر جَسَدهِ، ثم غسَلَ رِجْلَيْه] وعلى هذا تكون السنة البداءة بالوضوء قبل تعميم الجسد، وأما حديث ميمونة ﵂؛ فقد دلّ على أنّ الوضوء لم يكن كاملاً حيث نصّت على أنه توضّأ، وأخّر غسل رجليه، ثمّ عمّم بدنه، ثمَّ أتمَّ الوضوء بعد ذلك بغسل رجليه كما يدلّ عليه قولها ﵂: [ثمّ مَضْمَضَ، واسْتَنْشَقَ، ثم غسَلَ وجْهَه، ويَديهِ، ثم غسَلَ رَأسَه ثَلاثاً، ثم أفرغَ عَلى جَسَدِه، ثمّ تَنَحّى مِنْ مَقَامِه فغَسَل قَدَميْه] فدلّ على أنه لم يُتمّ وضوءَه أوّلاً وأنه أخّر غسل رجليه، وفي حديث عائشة ﵂ غَسَلَ الرجلين آخرَ الغُسْل لكنه زائد على الغسل الأصلي كما يفهم من ظاهره، ومن هنا إنقسم العلماء ﵏ في بيان سبب ذلك على وجهين:
стр. 292
الوجه الأول: أنّ النبي ﷺ راعى إختلاف المكان، ففي حال وجود الطين أخّر غسل رجليه إلى آخر الغسل، حتى لا يتكرر غسله لها مرة ثانية، كما حدث في حديث عائشة ﵂.
الوجه الثاني: أنه فعل ذلك تعبداً، فمنْ توضأ في غسله أخّر غسلَ رجليه حتى ولو كان المكان نظيفاً ولا يَخْشَى من تَلوّثِهما بالطِّين عند تعميم البدن بالماء.
والوجه الأول: هو الأقوى، والعلم عند الله، لأنه معلوم من حاله في زمانه ﵊، فإنه لا يمكن أن يُعَمّم بدنه بالماء إلا، وتطاير عليه رذاذ الطين، واحتاج إلى الغسل ثانية، وعليه فيؤخر إذا كان الموضع كذلك، وأما إذا كان نظيفاً كما في زماننا فإنه يتمُّ الوضوء، ولا يؤخر غسل رجليه، لأن الأصل يقتضي تقديم أعضاء الوضوء، كما دلّ عليه قوله ﵊: [إبدأن بميامِنها وبأعضاء الوضوء منها] فهذا يقتضي عدم تأخير أعضاء الوضوء، إلا إذا وجد الموجب، ويدل على أن الأصل تقديمها في الغسل.
والمسألة الثانية: هل هذا الوضوء مقصود للغسل، أو مقصود لذاته، للعلماء وجهان:
الوجه الأول: وضوؤه في الغسل إنما هو لشرف أعضاء الوضوء، أي: أنّ النبي ﷺ بدأ بالوضوء لفضل أعضاء الوضوء.
الوجه الثاني: هو عبادة مقصودة أي: أنه طهارة مقصودة.
стр. 293
وأقوى الوجهين الوجه الأول: أنه قصد تقديم أعضاء الوضوء على سائر البدن لشرفها، ويدل على ذلك أمره ﵊ بالبداءة بغسل أعضاء الوضوء في غسل الميت؛ كما ثبت في الصحيح حيث إنه قال لأم عطية ﵂ حينما غسّلت إِبنته زينبَ ﵂: [إِبْدَأنَ بِمَيامنها وبأَعْضَاءِ الوُضُوءِ منهَا] فلمّا أمرَ بتوضئتها في الغسل دلّ على أنه راعى البداءة بالأفضل، فراعى ذلك في غسل الحي، والميت فدل على أنه لشرف أعضاء الوضوء.
قوله ﵀: [ويحثي عَلى رَأسِه ثَلاثاً تُرَوِّيه] هذه هي السنة بعد أن يغسل وجهه، ويديه يحثي على رأسه الماء، كما ثبت في حديثي أم المؤمنين عائشة، وميمونة ﵄ قالت ميمونة ﵂: [ثم غَسَلَ وَجْهَه، ويَديْه، ثمّ غَسَلَ رَأسَه ثَلاثاً]، وقول المصنف ﵀: [ترَوِّيهِ] مأخوذ من رِيِّ الماء، والمراد: أن تكون كل واحدة من الثلاث قد روّت أصول شعر الإنسان، وهذه هي السنة كما في حديث أم المؤمنين عائشة ﵂ قالت: [ثمَّ يأخذُ الماءَ، ويُدْخِل أصابعَهُ في أصُولِ الشَّعر حتّى إِذَا رَأَى أَنْ قَدْ إِسْتَبْرأ حَفَنَ على رأسِه ثَلاثَ حَثَياتٍ]، وهذا يدل على عنايته ﷺ بوصول الماء إلى أصول الشعر؛ لأنها محل الفرض المأمور بغسله، وأما التثليث: فهو السنة من قوله وفعله ﵊ كما في حديث أم سلمة ﵂ حيث قال لها ﵊: [إِنما يَكْفِيكِ أَنْ تَحْثي عَلى رَأسكِ ثَلاثَ حَثَياتٍ] وقالت عائشة ﵂ كما في الصحيحين: [ثم يُخلّل بِيديْه شَعَره حَتّى إِذا
стр. 294
ظنّ أنه قد أَرْوى بَشَرَته أَفاضَ عَليْه الماءَ ثلاثَ مرّاتٍ] فالسّنة أن يحثي على رأسه الماء ثلاثاً، ثم جاءت هذه السنة مفصِّلة في حديث عائشة ﵂ حيث بيّنت أنّ النبي ﷺ أخذ الماء بكفّه؛ فَبدأَ بِشقِّ رأسِه الأيمنِ، ثم شِقِّهِ الأيسرِ، ثمّ عَمّمَ الرَّأسَ كله بعد ذلك كما في قولها ﵂ في الصحيحين: [كان رسول الله ﷺ إذا إِغْتسَلَ مِنَ الجنابةِ دَعا بشيء نحوَ الحِلابِ فَأَخذ بِكَفّه، فبَدَأ بِشِقِّ رأسه الأيمنِ، ثمّ الأيسرِ، ثم أخذَ بِكفّيه، فَقَالَ بِهما على رَأسِه] ففصّلت ﵂ ما جاء في الروايات الأخر فذكرت أنه كان يأخذ كفاً واحدة لشق رأسه الأيمن، ثمّ مثْلها للأيسر، ولذلك عطفته بقولها: ثم الأيسر أي: أخذ كفاً أخرى للأيسر، ثم يأخذ بكفّيه في الثالثة لكل الرأس.
قوله ﵀: [ويعمُّ بَدَنه غُسْلاً ثَلاثاً، ويَدْلِكُه، ويَتَيامنُ]: قوله: [يعمُّ بدنه]: بمعنى أن يصبّ على جسده الماء صبَّةً يعمِّمُه بها، والأصل في تعميم البدن قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾، وكذلك حديث أم سلمة ﵂ وفيه قول النبي ﷺ لها: [ثُمّ تُفِيضينَ الماءَ على جَسَدِكِ] فقوله: [تُفِيضِينَ] من الإفاضة، والمراد بها تعميم سائر البدن، وكذلك قول عائشة ﵂: [ثم أَفاضَ على سَائِر جَسَده].
لكن قال المصنف: [ثلاثاً]: أي ثلاث مرات أي: أنه يغسل جميع البدن بتعميمه ثلاث مرات، وهذا فيه خلاف بين العلماء؛ فمن أهل العلم من قال: السُّنة أن يعمَّ البدنَ بغسلةٍ واحده، ولا يزيد إلى الثلاث وهو الذي يترجح في نظري والعلم عند الله، وهو قول طائفة من السلف -رحمة الله
стр. 295
عليهم- وممن رُوي عنه هذا القول الإمامُ مالك، وكذلك عن الإمام أحمدَ رواية فأصحاب هذا القول شددوا في الغسلة الثانية، والثالثة لأنه يفعلها معتقداً الفضل، ولم يفعلها رسول الله ﷺ مع أنه ثلّث في الأعضاء، ومن ثمّ قالوا التثليث في الغسل بدعة، وشددوا فيه بقصد العبادة؛ لكن لو أنه غسل الغسلة الأولى قاصداً رفع الجنابة، ثم غسل المرة الثانية، والثالثة لمبالغة التنظيف كما هو الحال الآن يغسل بالصابون، ثم يحتاج إلى صبّةٍ ثانية، وصبّةٍ ثالثة، فلا حرج لأنها خرجت إلى قصد النظافة، لا إلى قصد العبادة، وفَرْقٌ بين قَصْدِ العبادةِ، وقصد النظافة.
أما لو ثلّث غسل بدنه قاصداً العبادة فهو بدعة في قول من ذكرنا، وهذا القول هو الصحيح فإنّ النّاظر في أحاديث النبي ﷺ في غُسْله كلّها نصّت على أنه أفاضَ إفاضَةً واحدةً ﵊، ولم يُثنِّ، ولم يُثلّثْ -وبأبي، وأمي ﵊ لو كان الفضل في التثنية، والتثليث لما تركه ﵊، ولفعله في غسله، ولو مرة واحدة، أو لتكرر منه كما تكرر منه التثليث في الوضوء.
والمصنف ﵀ مشى على الرواية الثانية عن الإمام أحمد، ويقول بها بعض الشافعية -رحمة الله عليهم- أنه يستحب التثليث في الغسل.
قوله ﵀: [ويَدْلِكُه، ويتيامن]: ويدلِكه أي: يدلك البدن مبالغة في الإنقاء، والتطهير، وإيصال الماء إلى البدن.
стр. 296
والدلك للعلماء فيه قولان:
القول الأول: أن الدّلك مستحب، وليس بواجب، وهو مذهب الجمهور ﵏.
القول الثاني: أنّ الدَّلكَ واجب، ومن اغتسل، ولم يدلك بدنه لم يصحّ غسلُه، وهو مذهب المالكية ﵏.
والذي يترجح في نظري والعلم عند الله هو القول بأن: الدّلك مستحب، وليس بواجب.
أما الدليل على عدم الوجوب فما ثبت في الصحيحين من حديث أمِّ سلمة ﵂ أنّ النبي ﷺ قال لها: [إِنما يَكْفِيكِ أَنْ تَحْثي عَلى رَأسِكِ ثَلاثَ حَثَياتٍ] فقوله: [إنما يَكْفِيكِ] أي: يجزيك، وهذا الإجزاء لا يكون إلا في الواجبات قال ﵊: [إِنما يَكْفِيكِ أَنْ تَحْثي عَلى رَأسكِ ثَلاثَ حَثَياتٍ، ثُمَّ تُفِيضينَ الماءَ على جَسَدِكِ فإِذا أَنتِ قَدْ طَهُرتِ -وفي رواية- فإذا أَنتِ تَطْهُرينَ] وجه الدلالة: أنّ النبي ﷺ أمرها بالتَّعميم، ولم يُبيّن لها وجوبَ الدّلك، وقال: [تُفِيضِينَ] والإفاضة: الصبّ فدلّ على أن الواجب: هو وصول الماء إلى ظاهر الجسد لقوله: [تُفِيضِينَ الماءَ عَلى جَسَدِكِ]، فإذا حصلت هذه الإفاضة حكمنا بالإجزاء، دون إشتراط أمرٍ زائدٍ عليها، وهو الدَّلْكُ.
لكنّ الإمام مالك -رحمة الله عليه- انتزعَ وجوبَ الدلكِ من حديث أم المؤمنين عائشة ﵂: [أَنّ النّبي ﷺ إِغتسلَ بِالصَّاعِ] ومعلوم أنّ النبي ﷺ كان رَبْعَة من الرّجال ليس بالطويل البَائِن، ولا بالقصير
стр. 297
فكان ﵊ وسطاً من الرجال فلا يُعْقَلُ أنّ الصّاع يغسلُ النبي ﷺ ويجزيه إلا إذا كان يدلك ﵊، وبناءً على ذلك فإنه من ناحية الاستنباط صحيح.
والذي يترجح في نظري والعلم عند الله: أن الدّلك ليس بواجب في الأصل لصحة دلالة الكتاب والسنة على ذلك، ويحمل دليل وجوبه على حالة: ما إذا كان الماء قليلاً، وتوقّف وصول الماء لجميع البدن على الدّلك، فإنّه واجب من جهة ما لا يتمُّ الواجبُ إِلا بِه فهُو واجب، والاستثناء بالصُّور المخصوصة لا يقتضي التّعميم في جميع الأفراد، وبناءً على ذلك يُنْظر في الماء الذي يُغتسل به إن كان يستطيع إيصاله لجميع البدن، دون أن يكون دلك فإن هذا هو القدر الذي أوجبه الله على المكلف وإن كان الماء قليلاً بحيث لا يستطيع إيصاله إلى جميع البدن إلا إذا دلك فحينئذٍ يلزمه الدلك من باب ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، لا أنه واجب أصالة.
وعلى مذهب المالكية أنه لا بد من الدّلك؛ فإنه إذا كان الموضع لا يستطيع أن يوصل إليه يده كأن يكون مثلاً وراء الظهر؛ فإنه يستخدم الواسطة كما هو معروف في زماننا باسم (اللِّيفة) يحكُّ بها ظهره، وأشار إلى هذه المسألة بعضهم بقوله:
وصِلْ لما عَسُر بالمنْدِيلِ ... ونحوِهِ كَالحَبْلْ والتّوكِيلِ
ومحلُّ الخلاف بين القولين: إنما هو في حالة ما إذا أمكن إيصال الماء إلى ظاهر الجسد بدون دلْكٍ، أما إذا توقف الإيصال على الدلك كما في حال
стр. 298
قلة الماء فالجميع متفقون على وجوبه لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
كذلك كلهم متفقون على إِستحباب الدلك لما فيه من بالغ النقاء المقصود شرعاً في تطييب البدن وتنظيفه، ويختلفون في الإلزام به.
قوله ﵀: [ويَتَيامنُ]: ويتيامن: أي يبدأ باليمين قبل اليسار لقوله ﵊: [إبدأنَ بِميامِينهَا] في غسل إبنته زينبَ ﵂.
قوله ﵀: [ويَغسِلُ قَدَميْه مَكَاناً آخرَ]: هذا الذي سبقت الإشارة إليه، وأنه إنْ كان الموضع نظيفاً، فلا حاجة إلى تأخير غسل الرجلين، وإن كان غير نظيف، فإنّهُ يؤّخر غسلَ رجليه إلى آخر الغسل تأسياً بالنبي ﷺ وينتقل إلى مكان آخر حتى لا تتلوث الرجلان، ويمكنه تنظيفها.
قوله ﵀: [والمجزئُ أنْ يَنويَ، ويُسَمّيَ، ويَعُمّ بدَنه بالغُسْلِ]:
هذه فائدة تقديم صفة الكمال على صفة الإجزاء أنه يأمن من التكرار لكن لو قدّم صفة الإجزاء، وأتبعها بصفة الكمال لكرّر.
وقوله ﵀: [والمجزئ أن ينوي، ويسمِّيَ]: شرع بهذه الجملة في بيان صفة الإجزاء، وصفة الإجزاء تقوم على الأركان، والواجبات، والشروط، فلا تشتمل على المستحبات، والمندوبات، وهي الصفة الثانية من صفات الغسل التي لا يصح إلا بها كما قدمنا.
[أنْ ينْويَ]: يعني النّية، وقد تقدم بيانها.
стр. 299
[ويسمّيَ]: ويسمّي هذا على القول بوجوب التسمية، والصحيح أنها ليست بواجبة فليس هناك حديث صحيح أنّ النبي ﷺ أوجب التسمية في الغُسْلِ، وإنما أوجبها مَنْ أوجبها فيه قياساً على الوضوء، وهذا القياس ضعيف لما يلي:
أولاً: أنه يعترض عليه بفساد الاعتبار، وهو أحد القوادح الأربعة عشر في القياس، وفساد الاعتبار: أن يكون القياس في مقابل نصِّ من الكتاب، أو السُّنة، أو في مقابل إجماع، وقد ثبت عن النبي ﷺ النص، وهو قوله ﵊: [إِنما يَكْفِيكِ أَنْ تَحْثِي عَلى رَأسِكِ ثَلاثَ حَثَياتٍ]، ولم يذكر التسمية، وقال الله في كتابه: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ ولم يأمر بالتسمية، وقد أمر بالتسمية في المطعوم فقال : ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾.
ثانياً: أن هذا القياس من باب ردِّ المُختلف فيه إلى المُخْتلف فيه، فلك أن تقول لمن يستدل بهذا القياس أنازعك في الأصل الذي تحتج به، وهو وجوب التسمية في الوضوء، فكيف تقيسُ فرعاً على أصل إختلفنا فيه يعني: أنا لا أسلّم لك أن الوضوء تجب فيه التسمية، فكيف تلزمني بالغسل قياساً على الوضوء ومن شرط صحة القياس بالنسبة للإلزام أن يكون الخصم، أو المحتج عليه بالقياس مُسَلِّماً بحكم الأصل فإذا كان غير مسلم بحكم الأصل، فإنه لا يُلْزم به، لكن يكون القياس من باب الالتزام، لا الإلزام يعني لمن يحتج به أن يحتجّ به لنفسه؛ لأنه يرى وجوب التسمية في الوضوء
стр. 300
فيقول: أنا أوجب التسمية في الغسل كما أوجبها في الوضوء من باب إلحاق النَّظير بنظيره.
قوله ﵀: [ويَعمَّ بدَنه بالغُسْلِ مَرةً]: لأن الله تعالى أمر بتطهير البدن في قوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ وهذا يحصل بتعميم البدن بالماء مرة واحدة، لأن الأمر لا يقتضي التكرار، وفي حديث أمِّ سلمة ﵂ صرّح ﵊ بأن العبرة بتعميم البدن، دون أن يُوجب التّكرار فقال ﵊: [إِنما يَكْفِيكِ أَنْ تَحْثِي عَلى رَأسِكِ ثَلاثَ حَثَياتٍ، ثُم تُفِيضِينَ الماءَ عَلى جَسَدِكِ فَإذَا أَنتِ قَدْ طَهُرتِ] ولم يأمرها بتكرار ذلك للبدن كلِّه فدلّ على أن التعميم لمرةٍ واحدةٍ يعتبر كافياً، فمن دخل في بركة مثلاً، وانغمس فيها غمسةً واحدةً قاصداً الطهارة من الجنابة، أو فَعلتْ ذلك المرأةُ ناويةً طهارتها من حيض، أو نفاس أجزأهما.
قوله ﵀: [ويَتَوضّأ بِمُدِّ]: بعد أن بيّن ﵀ صفة الغسل الكاملة، والمجزئة يسأل السائل: ما هو هدي رسول الله ﷺ في الماء الذي يُغتسل به؟
فقال ﵀: [ويتوضأ بمُدٍّ، ويَغْتَسِلُ بِصَاعٍ]: قوله: [يَتَوضَّأ بِمُدٍّ]، المدُّ: هو ضربٌ من المكاييل التي كانت في زمان النبي ﷺ كان هناك المدّ، وهو أصغرها، وضابطه عند العلماء (مِلءُ اليَدينِ المتَوسِطَتَين، لا مَقْبُوضَتَيْن، ولا مَبْسُوطَتَين) يعني أوسط الرجال لو حفن حَفْنةً ملأت هذا المدَّ وهذا المدُّ مازال موجوداً إلى الآن في المدينة، ويتوارثه الناس من زمانه ﵊ إلى يومنا هذا، ويُعْتبر حجة؛ لأنه من نقل الكافّة عن
стр. 301
الكافّة كما أشار إلى ذلك شيخ الإسلام ﵀، وبيّن أنه مما توافرت الدواعي لحفظه، وهو: ربع صاع بالنسبة لمدِّ المدينة، وعرف المدينة باقٍ على الأصل وقد حرّرت ذلك بنفسي بالنّقل عن كبار السن، وعندهم طريقة: أنه إذا صنع الصّانع المدَّ لا بد من أن يُحرّر، والتَّحْرير أنهم يأخذون صاعاً قديماً حُرّر على أقدم منه، وهكذا حتى يضبطوه؛ ولم تكن عندهم المعايير المنضبطة مثل التي في المصانع الآن، فالصاع رُبَّما وسَّعه الصَّانع، وربما ضيَّقه ففي بعض الأحيان عند تَحْريره للمدِّ الجديد يقول لك: هذا المد مَسْح أي: إذا امتلأ الطعام إمسحه، ولا تزد، وفي بعض الأحيان يقول لك: إملأه حتى يتساقط يعني أن تحريره، وضبطه: أن تملأه حتى يتناثر، والمدُّ يعدل ربعَ الصَّاع والصاع النبوي هو: صاع النبي ﷺ وهو أربعة امداد يعني من كل مدّ الذي هو ملءُ اليدين المتوسطتين لو ملأت بها أربع مرات، أو حثوت بها أربع مرات طعاماً، أو تراباً ملأت الصّاع، وهذا الصّاع كما قلنا وِحْدَة من الكيل فوق المدّ تارة يقولون للمد الصغير: هذا صاع نبوي، ولكن المشهور الصاع الكبير، ويسمونه ربع صاع.
وكذلك -أيضاً- هناك وحدة ثالثة مشهورة في زماننا وهي المدّ الكبير، والمدُّ الكبر ثلاثةُ أضعاف الصّاع يعني: ثلاثة آصع تملأ المد الكبير، وهو الذي يُسَمى في زمان النبي ﷺ بـ[الفَرَقْ] وهو الوارد في حديث كعب بن عجرة ﵁ أنّ النبي ﷺ قال له في فدية الأذى في النُّسك: [أَطْعِمْ فرَقاً بَيْنَ سِتّةِ مسَاكينَ] فالفرق: المدُّ الكبيرُ، وعليه إذا كان يسع الثلاثة آصع فمعناه: أنه إِثنا عَشَر مداً صغيراً،
стр. 302
والمراد بالمدِّ الوارد في حديث أم المؤمنين عائشة ﵂ المتقدم المدُّ الصغيرُ، وليس المدّ الكبير المشهور في زماننا، وكذلك ورد عنه ﵊: [أنه إِغْتَسلَ بإناءٍ قَدْرَ الحِلاب] والمراد بقدر الحلاّب أي: الإناء الذي يسع حليب الناقة لو حُلِبت ملأته، وهذه ضوابط العرب في القديم؛ أحياناً يقدّرون بمثل هذا، وأحياناً يقدّرون بشيء تقريبي وورد عنه ﵊ أنه اغتسل إلى خمسة أمدادٍ من المدِّ النبوي الصغير الذي ذكرناه، وكلُّ هذا على التخيير، وهدي النبي ﷺ ليس ملزماً؛ لأنه دلالة فعل، بمعنى لا يلزمك، ولا يجب عليك أن تلتزم بالصاع، أو بالحلاب، أو بخمسة أمداد، بل في بعض الأحيان لو اغتسل الإنسان بالصاع ربما أخلّ فلا تُطْلَبُ السُّنة بضياع الفرض؛ وإنما يغتسل بالصاع من يَضْبِطُ الماءَ، ويُحْسِن صَبّه على البدن فالمقصود إذا تيسر للإنسان أن يصيب هذه السُّنة فليصبها، وهو أفضل تأسّياً به ﵊، وإذا لم يتيسر له، فإنه لا حرج عليه في الزيادة، دون إسراف.
قال ﵀: [فإِنْ أَسْبغَ بِأَقَلَّ] أسبغ بمعنى عمّم أو استوعب أعضاء الفرض ومراده: أن هذا القدر ليس بواجب أن يلتزمه، فلا حرج إذا إغتسل بأقل منه، مثل الصبي الذي هو في الخامسة عشر من عمره، أو الإنسان صغير الحجم قد يستطيع بأقل من الصاع أن يعمّم بدنه، فليس مراده أن يغتسل بالصَّاع للإلزام فجاء بهذه العبارة حتى يفيد أنه للندب، والاستحباب لا للحتم، والإيجاب.
стр. 303
وقوله ﵀: [أو نَوى بِغُسْلِه الحَدَثيْنِ أَجْزَأَهُ]: مراده: أن ينوي بغسله رفع الحدثِ الأصغرِ، والأكبرِ فإنه يُجزيه لظاهر السُّنة في قوله ﵊: [وإِنما لِكُلّ إِمْرِئٍ ماَ نَوى] فلا يلزمه وضوء بعد غسله، وله أن يصلي مباشرة كما فعل ﵊، في إغتسالاته.
وقال بعض العلماء: إنه يجزيه مطلقاً نوى، أو لم ينو، والأقوى: أنه إذا نوى يجزيه، وهذا بالإجماع أي: أنّ من اغتسل ناوياً رفع الحدثين أنه يجزيه، ويرتفع حدثاه الأصغر، والأكبر، وإذا وقع الوضوء في الغسل أجزأه قولاً واحداً؛ لكن عند أبي ثور ﵀: أنه يجب عليه أن يتوضأ أثناء الغسل، وهذا القول يعتبر من مفردات أبي ثور، وهو الإمام الفقيه إبراهيم بن خالد بن يزيد الكلبي -رحمة الله عليه- كان من أصحاب الشافعي ثم اجتهد، قال عنه الإمام أحمد: (أعرفه بالسُّنة منذ ثلاثين عاماً) -رحمة الله عليه- فهذا الإمام الجليل يرى أن الوضوء في الغسل واجب، ولكنه قول مرجوح، بل قال بعض العلماء ﵏ إنه شاذّ، فلا يؤثر في الإجماع المنعقد أنه لا يجب الوضوء في الغسل وذلك لظاهر القرآن في قوله سبحانه: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ ولم يوجب الله الوضوء، ولما ثبت في الصحيحين من حديث أم سلمة ﵂ الذي ذكرناه أنّ النبي ﷺ قال لها: [إِنما يَكْفِيكِ أَنْ تَحْثِي عَلى رَأسِكِ ثَلاثَ حَثَياتٍ] هذا الحديث من أهمّ أحاديث الغسل، ولذلك أقول -رضي الله عن أم سلمة وأرضاها-، -ونسأل الله العظيم أن يُعْظِم أجرها بهذا الحديث- وانظروا كيف يظهر فضل سؤال العلماء، فإن هذا الحديث دفع إشكالات كثيرة في الغسل من
стр. 304
الجنابة وأزال اللبس في كثير من الأمور التي قيل بوجوبها، وهي ليست بواجبة، وما كان هناك مخرج إلا بهذا الحديث، وهذه فائدة سؤال العلماء فقد سألت أم سلمة ﵂ رسولَ الله ﷺ وقالت -يا رسول الله- إِنّي إمرأة أَشُدُّ ضَفَرَ شَعْر رَأسِي، أَفَأَنْقُضُهُ إذا اغْتَسَلْتُ مِنَ الجَنَابَةِ؟ قال: [لا، إِنما يَكْفِيكِ أَنْ تَحْثِي عَلَى رَأسِكِ ثَلاثَ حَثَياتٍ، ثُمّ تُفِيضِينَ الماءَ عَلى جَسَدِكِ فإِذَا أَنتِ قَدْ طَهُرتِ] يستفاد منه ما لا يقل عن عشرين مسألة من مسائل الغسل من الجنابة ﵂ وأرضاها-.
قوله ﵀: [ويُسَنّ لِجُنبٍ غَسلُ فَرْجِه]: إذا وقعت الجنابة من جماع، أو استيقظ الإنسان وهو جنب يسنُّ له أن يغسل فرجه إذا أراد أن يؤخر غسل الجنابة؛ لظاهر حديث أم المؤمنين عائشة ﵂ وحديث عمر ﵁ في الصحيحين.
أما حديث عائشة ﵂ عند مسلم في صحيحه قالت: [كَانَ رسولُ الله ﷺ إِذَا كَانَ جُنُباً، وأَرادَ أَنْ يَنَام، أَوْ يَأكُلَ غسَلَ فَرْجَه، وتوضأَ].
وأما حديث عمر ﵁ في الصحيحين ففيه أنه قال: -يا رسولَ اللهِ - أينامُ أحدُنَا، وهُو جُنُبٌ؟ قال ﵊: [تَوضّأ، واغْسِلْ ذَكَرك ثمّ نَمْ] فقال: [واغْسِلْ ذَكَرَكَ] فدل على مشروعية الغسل حتى إن بعض الأطبّاء يعتبره محموداً من الناحية الطبية لأنه لا يُؤْمن أنه إذا تأخر المني في الموضع أن تتولّد منه بعض الجراثيم، وقد ينشأ منها بعض
стр. 305
الأمراض، ولأنه إذا يبس على العضو ربما حصل منه بعض الضرر، ولذلك كان من هديه ﵊ أنه يغسل فرجه.
وقوله ﵀: [ويُسَنّ] يدل على أنه ليس بواجب، وإنما هو سنة مستحبة عن رسول الله ﷺ وليست واجبة، وأمّا أمره ﵊ به لعُمَر ﵁ لما سأله كما في الصحيحين: [أَينامُ أَحدُنا وهو جُنُبٌ؟ فقال ﵊: تَوضّأ، واغْسِلْ ذَكَرَكَ، ثُمّ نَمْ] فإنه مصروف عن ظاهره الدّال على الوجوب، إلى النّدب، والصّارف له ما ثبت في حديث عبد الله بن عباس ﵄ عند أصحاب السنن أنّ النبي ﷺ قال: [إنما أمرتُ بالوضُوء إِذَا قُمْتُ إِلى الصَّلاةِ]، وفي حديث ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ لَما سُئلَ أَينامُ أحدُنا، وهو جُنُب؟ قال: نعم، ويتوضَّأ إِنْ شاء] فدلّ هذان الحديثان على أن الأمر للإستحباب، لا للوجوب.
وقوله: [ويُسَنّ لجُنُبٍ غَسْلُ فَرْجِهِ] يشمل الذكر، والأنثى لقولِه ﵊: [توضّأ واغسل ذكرك]، وهو بلفظه خاص بالرجال؛ لأنه ورد جواباً للسؤال فلا يُعتبر مفهومه، وبمعناه عام في الرجال، والنّساء؛ لأن العلّة واحدة فيهما.
قوله ﵀: [والوُضُوءُ لأكلٍ، ونومٍ]: أي: ويسن الوضوء لمن عليه الغسل، إذا أراد أن يأكل أو ينام، والأصل في ذلك ما ثبت في الحديث الصحيح الذي ذكرناه حديث أم المؤمنين عائشة ﵂ عند أحمد،
стр. 306
ومسلم في صحيحه -رحمة الله عليهما- أنّ النبي ﷺ [كانَ إِذَا كَان جُنُباً، وأَرادَ أنْ يَنَام، أو يأكُل توضأ وضُوءَهُ للصّلاةِ] فدلّ على أنّ السُّنة للجنب أن يتوضأ عند إرادة الأكل، والنّوم، وظاهر قوله ﵊: [توضّأ] أن يكون الوضوء تاماً على صفة الوضوء الشرعي وهذا مذهب الجمهور ﵏.
ومن العلماء من قال: إن المراد به غسل اليد، وحمله على الوضوء اللغوي.
والصحيح مذهب الجمهور؛ لأنه إذا تعارضت الحقيقة الشّرعية، واللّغوية؛ فإننا نُقدّم الحقيقةَ الشرعيةَ على اللّغويةِ، لأنها الأصل المعهود في خطاب الشرع؛ كما هو مقرر في الأصول.
قال بعض العلماء: وضوء الجنب لا ينتقض بالحدث الأصغر فلو توضأ، ثم خرج منه ريح لا ينتقض وضوؤه، وهو الوضوء الذي يلُغز به بعض الفقهاء فيقول: متوضئ لا ينتقض وضوؤه ببولٍ، ولا غائطٍ ولا ريح؟ فقد تقول المستحاضة يقول: هذه معذورة، والمرادُ غيرُ معذورٍ، فتقول: هو الجنب إذا توضأ وعليه الجنابة كما أشار إلى ذلك الإمام السيوطي ﵀ بقوله:
قُلْ لِلْفَقِيهِ ولِلْمُفِيدِ ... وَلِكُلّ ذِي بَاعٍ مَدِيدِ
مَا قُلتُ فِي مُتَوضِّئ ... قَدْ جَاءَ بِالأَمْرِ السَّدِيدِ
لا يَنْقُضُونَ وضُوءَهُ ... مَهْمَا تَغَوّطَ أَوْ يَزِيدِ
وهذا الوضوء للجنب قيل: إنه شطر الجنابة كما ورد في حديث شدّادٍ ﵁ عند إبن أبي شيبة بسند رجاله ثقات، كما قال الحافظ ﵀ أنَّ
стр. 307
النبي ﷺ قال: [إِذَا أَجْنَبَ أَحدُكُمْ مِنَ اللّيل، ثمّ أَرادَ أَنْ يَنامَ فَلْيتوضّأ فإنه نِصْفُ غُسْلِ الجَنابَةِ] وهو أقوى الأقوال بالنسبة لتعليله.
وأما غسل الذكر فقد قيل: إنه إذا أجنب تمددت العروق بخروج المني، فناسب أن يغسل العضو حتى تنقبض، ومن هنا ردّه بعض العلماء إلى هذه الفائدة الطبية فنحمد الله ﵎ على هذه النعم الظاهرة، والباطنة، وعلى هذا الخير الكثير، والرحمة المهداة، والنعمة المسداة التي أكرمنا الله بها في هذه الشريعة -نسأل الله العظيم أن يحيينا، ويميتنا عليها-.
قوله ﵀: [ومُعَاوَدَةِ وَطْءٍ]: الوطء: الجماع، ومُراده ﵀ أَنّ الرجل إذا جامع أهله، ثم أراد أن يعود فإنه يتوضأ لقوله ﵊: [إِذَا جامَع أَحدُكُمْ أَهْله، ثُمَّ أرادَ أَنْ يَعُودَ فَلْيَتوضّأ] والأمر في الحديث مصروف عن ظاهره كما تقدم بقوله ﵊: [إنما أمِرْتُ بِالوضُوءِ عِنْدَ القِيام إلى الصّلاةِ] وقد بيّن ﷺ العلّة في الأمر بالوضوء للجنب إذا أراد العود؛ فقال ﵊ في رواية الحاكم في المستدرك: [إِنه أَنشَطُ لِلْعَوْدِ]، وهي تقوّي أنّ الأمر للإستحباب.
стр. 308
باب التيمم
التيمُّمُ مأخوذ من قولهم: أمَّ الشيءَ؛ إذا قصده، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ أي لا تقصدوا رديء التمر، والخارج من الأرض لتنفقوا منه زكاة أموالكم، ومن ذلك قول الشاعر:
تَيمَّمتُها مِنْ أَذرِعاتٍ وأهلُها ... بِيَثْرِبَ أدْنى دَارَها نظَرٌ عَالِي
أي: قَصَدتها. فالتيمم: القصد.
أما في الإصطلاح فإنه: (القصدُ إلى الصّعيدِ الطّيبِ بضَربِ اليدين بصِفةٍ مخصوصةٍ، ونيّة مخصوصة) فالمراد بالصّعيد: كل ما صعد على وجه الأرض، وأصل الصعود: علوّ الشّيءِ، وارتفاعه، فلما كان محل التيمم بما على ظاهر الأرض وُصِفَ ذلك الظاهر بكونه صعيداً.
وقولهم: [الطَيّب]: المراد به الطاهر، فلا يجوز التيمم بالأرض المتنجسة، وقولهم: [الصَّعيد] عامٌّ شاملٌ لكل ما على وجه الأرض من الحجارة، والتراب، والغبار لعموم النصِّ كما سيأتي إن شاء الله بيانه.
وقولهم: [بصِفةٍ مَخْصُوصةٍ]: هي التي ورد النصّ بها في قوله سبحانه: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ فتكون بمسح الوجه، والكفّين، وقد بيّنها ﵊ بفعله حينما قال لعمار ﵁ كما في الصحيحين: [إنما كانَ يَكْفِيكَ هكذا قال: وضَرَبَ النبيُ ﷺ بكَفّيه الأرضَ، ونَفَخَ فيها، ثُمّ مَسَح بِهما وجْهَهُ، وكَفيْهِ]،
стр. 309
وقولهم: [بنِيّةٍ مَخْصُوصَةٍ] وهي: استباحة الصّلاة والطّواف، ومسّ المصحف، ونحوه مما تُشترط له الطّهارة، والنّية واجبة في التيمم بلا خلاف.
والتعبير بالإستباحة لأن التيمم مبيح، وليس برافع للحدث لقوله ﵊: [الصعيدُ الطّيبُ طُهورُ المسْلمِ، ولو لَمْ يَجِدَ الماءَ عَشرَ سِنينَ، فإذا وجَد الماءَ فليتّقِ الله، وليُمِسَّه بَشَرَته] فلو كان رافعاً للحدث لا وجبت عليه طهارة الغسل بعد وجود الماء.
شرع الله التيمم في كتابه: بقوله : ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ في آيتي النساء والمائدة.
وشرعه سبحانه، وتعالى بهدي رسوله ﷺ ، وذلك في قوله ﵊ لعمار ﵁: [إِنما كَانَ يَكْفِيكَ أَنْ تَقولَ بِيديْكَ هَكَذا، ثُمّ ضَربَ بِكَفيه الأَرْضَ، ثم مَسَح بِهما وَجْهَه، وكَفّيهِ]، وكذلك -أيضاً- ثبت في الصحيحين من حديث عمران ابن حصين ﵁ أنّ النبي ﷺ مرّ على رجل لم يصلِّ في القوم فقال: [يا فُلانُ مَا مَنعكَ أَنْ تُصَلّي فِي القَوْم؟] قال: أَصابتْني جَنابةٌ، ولا ماء، فقال ﵊: [عَليكَ بالصّعيدِ الطيبِ فإنه يَكْفِيكَ] وفي حديث أبي ذر ﵁ الصحيح عند أحمد، والترمذي أنه ﵊ قال: [الصعيدُ الطّيبُ طُهُورُ المسْلمِ ولَوْ لَمْ يَجِدَ الماءَ عَشرَ سِنينَ]، وفي الصحيحين من حديث جابر ﵁ قوله ﵊: [أُعْطِيتُ خَمْساً لمْ
стр. 310
يُعْطَهُنَّ أحدٌ قَبْلِي]، ومنها قوله: [وجُعِلَتْ لِيَ الأَرضُ مَسْجِداً وطَهُورَاً] فدلّت هذه الأحاديث الصحيحة عن النبي ﷺ على أنّ التيمم مشروع.
وأجمع العلماء ﵏ على مشروعية التيمم على تفصيل سيأتي بيانه -إن شاء الله تعالى-.
أما بالنسبة لمناسبة هذا الباب لما قبله فهي: أنه لما فرغ من بيان الطهارة المائية بالغسل شرع في بيان الطهارة البدلية عنها وهي التيمم؛ فكان حديثه عن الطهارة بالماء التي هي أصل، ثم هنا شرع في طهارة التراب التي هي بدل عن الأصل، والكلام عن البدل يكون بعد الكلام عن المُبْدَل منه، فبعد أن بيّن ﵀ حكم الطهارة بالأصل، وهو الماء شرع في بيان حكم الطهارة بالبدل، وهو التراب.
قوله ﵀: [وهو بَدلُ طهارةِ الماءِ إذا دَخَلَ وقْتُ فَريضةٍ]: قوله: [وهو] أي: التيمُّمُ [بَدلُ طهارةِ الماءِ إذَا دَخلَ وقْتُ فريضةٍ] بدل طهارة الماء: أي أنه ليس بأصل، وإنما شُرِعَ على صورة مخصوصة، وفي أحوال مخصوصة، ولذلك يمكن للفقيه أن يقول للمكلف: تيمّم إذا وجد مُوجبات الرخصة، ويمكن أن يقول له: لا تتيمّمْ إذا لم تتوفر تلك المُوجبات، ولذلك قال: وهو بدل، والبدل يحتاج أن تعرف شروطه، والقيود التي نصّبها الشرع لقيامه مقام المُبْدل منه، ثم هذه البدلية تشمل الطهارة الصغرى، وهي: الوضوء، والكبرى، وهي: الغسل، فيقع التيمم بدلاً عن الوضوء. والغسل، وللمكلف إذا تيمم أن يستبيح الصلاة
стр. 311
مباشرة، ومذهب بعض العلماء ﵏ أن هذه الطهارة تقع بدلاً عن طهارة الخبث، فقالوا فيمن وقعت عليه نجاسة، وليس عنده ماء يغسل به تلك النجاسة: إنه يتيمَّمُ، فجعلوا التّيممَ بدلاً عن الطهارة بنوعيها: طهارة الحدث، والخبث.
فإذاً بدليته عن ثلاثة: عن الوضوء، والغسل بالإجماع، وعن طهارة الخبث على أحد قولي العلماء ﵏.
قوله ﵀: [إذا دَخلَ] هذا شرط، والشروط في المتون الفقهية تعتبر مفاهيمها، ويقيّد ذلك بالتزام صاحب المتن، أو باستقراء منهجه.
وقوله ﵀: [إذا دخلَ وقتُ فريضةٍ] مفهومه: أنه إذا لم يدخل وقت الفريضة أنه لا يتيمَّمُ للفريضة، لكن لو تيممَ لغير الفريضة؛ كأن تكون عليه جنابة، وتيمم للمسِ مصحفٍ، أو للطواف بالبيت، فلا حرج عليه، سواء كان ذلك في وقت الفريضة، أو في غيره؛ لأن النافلة، ومسّ المصحف ليس لهما ميقات كالفريضة، أما الفريضة فلا يصح التيمم لها إلا بعد دخول وقتها، فلو أن إنساناً سألك وقال: لم أجد الماء فتيممت قبل أذان الظهر، ثم دخل وقت الظهر، فصليتها؟ تقول: إن شرط صحة التيمم للفريضة أن يكون بعد دخول وقتها، فإذا تيمم قبل دخول الوقت بطل تيممه بدخول الوقت بعد ذلك لأنه يُحْتَسبُ للفريضة السابقة، ويبطل بدخول وقت الفريضة اللاحقة، فلا يصح تيمُّمُك قبل الظهر للظهر، وهكذا بقية الفرائض.
стр. 312
أما الدليل على اشتراط التيمم لدخول الوقت؛ فقالوا: إنه الأصل في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ (١) إلى أن قال: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ وجه دلالتها على اشتراط دخول الوقت: أنه كان في أول الإسلام يجب على المكلف إذا دخل وقت الفريضة أن يتوضَّأ، حتى ولو كان متوضِّئاً، وكانوا يتوضَّؤون عند دخول وقت كل صلاة، ولو كانوا متوضئين؛ كما في حديث عبد الله بن حَنْظلةٍ ﵁ أن النبي ﷺ : [أَمَر بالوضُوءِ لكلّ صلاةٍ طَاهراً كانَ، أوْ غَيرَ طَاهرٍ]، ثم نُسِخَ ذلك بفعل النبي ﷺ في غزوة الخندق؛ كما ثبت في الصحيحين من حديث جابر ﵄ أنّ عُمَرَ جاء إلى النبي ﷺ وقال: " -يا رسول الله -، والله ما كِدْتُ أصلي العصرَ حتّى كادتِ الشّمسُ تغربُ " فقال ﵊: " واللهِ، مَا صَليْتُها " قال: " فتوضّأ، ثمّ صلى العصر بعد ما غربت الشمس، ثم صلى المغرب، وفي حديث أبي سعيد الخدري ﵁ عند أحمد، والنسائي بسند صححه غير واحد أنه قال: [حُبِسْنَا يومَ الخندقِ عنِ الصّلاةِ حتى كَان بعدَ المغربِ بهويٍ من اللّيلِ كُفِينا، وذلك قول الله : ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾ قال: فَدَعا رسولُ الله ﷺ بلالاً فأقامَ الظُّهرَ، فصلاها؛ فأحسَنَ صَلاتها كما كان يصليها في وَقْتِها، ثُمّ أمرَه
стр. 313
فأقامَ العصرَ فصلاّها فأحسَنَ صلاَتها كما كَان يُصلِّيها في وقْتِها، ثم أمره فأقَامَ المغربَ فَصلاّها كذلك] قالوا: هذا نسخٌ لوجوب الوضوء عند دخول الوقت، ودلّ على أنه يُشْرع للمكلف أن يجمع بوضوء واحد بين صلوات، ولا حرج عليه في ذلك، فأصبح الوضوء رافعاً للحدث، وبناءً على ذلك قالوا: نُسخ الحكم في الوضوء، وبقي التّيَمُّمُ على الأصل من كونه مطلوباً عند دخول الوقت؛ لأنه ورد النصّ على العموم في الطهارة، وأنها مقيّدة بدخول الوقت، وذلك في قوله سبحانه: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ ولا يقام لفعل الصلاة المفروضة إلا بعد دخول وقتها، فلما جاء الناسخ في الوضوء بَقِيَ غيرُه على الأصل، قالوا: فبقي التيمم على الأصل، ومن هنا لا يُتَيَمَّمُ إلا عند دخول وقت الفريضة.
قوله ﵀: [أَوْ أبِيحَتْ نَافلةٌ]: عندنا صلاتان: المفروضة، والنافلة، فإن قلت: إن التيمم لا يكون إلا عند دخول وقت الصلاة، وقيّدته بالصلاة تقيده في الفريضة بوقتها، فتقول: يَتيمم لصلاة الظهر بعد زوال الشمس، ويَتيمم لصلاة المغرب بعد غروب الشمس، وهكذا.
وإذا كانت الصلاة نافلة: إِعْتبرتَ فيها الأوقات المنهيّ عنها، فتقول: يَتيمَّمُ في وقتٍ تُباح فيه النافلة، فلو أنه تيمّم بعد صلاة الصبح، أو بعد صلاة الفجر، وقبل طلوع الشمس لِفِعْلِ نافلة مطلقة؛ فإنه لا يصحُّ تيمُّمُه؛ لوقوعه في غير الوقت المعتبر لإجزاء التيمم للصلاة، فيجوز له أن يتيمم لفعل النافلة المطلقة في جميع الأوقات، إلا الأوقات التي نُهي عن صلاة النافلة فيها، وأما ذوات الأسباب فعلى القول بجواز فعلها في أوقات النهي
стр. 314
يصحّ التيممُ لها فيها، وعلى القول بالمنع يُمنع من التيمم للنوافل جميعها في الأوقات المنهي عنها، وأما لمس المصحف، وحمله، أو قراءته للجنب؛ فيتيمم له في كل وقت؛ لأن الشرع لم يحظره في وقت من الأوقات.
قوله ﵀: [وعَدِمَ الماء]: وعدم الماء: هذا شرط؛ دلّ عليه قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ فنصّ سبحانه على إشتراط عدم وجود الماء، فدلّ ذلك على أَن التيمم رخصة عند فَقْدِ الماء، وعَدمِه وفي الصحيح عنه ﵊ أنه رخّص لمن فقد الماء أن يتيمم كما في حديث عمران ﵁ أنّ الرجل حينما قال للنبي ﷺ : [أصابَتْني جنابةٌ، ولا مَاء] قال ﵊: [عَليْكَ بالصّعيدِ الطَّيبِ فإنه يَكْفِيكَ] فأمره بالتيمم لما أخبره أنه لا يجد الماء، كذلك جاءت السُّنة في حديث أبي ذر ﵁ أن النبي ﷺ قال: [إِنّ الصَّعيدَ الطيّبَ طَهُور المسلم ولو لم يَجِدَ الماءَ عَشْرَ سِنينَ، فإذَا وجدَ الماءَ فليُمِسّهُ بشَرته] صححه الإمام الترمذي، والحاكم وابن حبان، وأبو حاتم، والذهبي، والنووي، وغيرهم ﵏، فنصّ ﵊ على رخصة التيمم بشرط عدم وجود الماء، ولو طالت المدة فدلّ على أن فقد الماء موجب للإذن برخصة التيمم، والأحاديث في هذا المعنى كثيرة، ولذلك أجمع العلماء ﵏ على أن فقد الماء موجب لرخصة التيمم من حيث الجملة، أما من حيث التفصيل فمنهم من يقول: عدم الماء سواء كان في سفر، أو في حضر، فكلّ من لم يجد الماء في سفر، أو حضر أبيح له أن يتيمم.
стр. 315
ومنهم من قيّده بالسفر.
والصحيح أن الحكم عام يشمل السفر، والحضر لعموم النصِّ.
ثم إنّ عَدَمَ الماء يتحقق بأمرين:
الأمر الأول: بيقينٍ يُقْطَع به بعدم وجودِ الماء، وهذا بلا إشكال أنه يُعتبر مبيحاً للتيمم، مثالَّ ذَلك: أن يكون الإنسان في مكان يعلم أنه لا يوجد فيه ماء أصلاً، ويكون على يقينٍ بذلك؛ فحكمه: أنه يجوز له التيمم لظاهر النصوص في الكتاب، والسُّنة.
الأمر الثاني: أن يغلبَ على ظنّه الفقد، بمعنى: أن يكون إحتمال وجود الماء ضئيلاً، فإذا كان احتمال وجود الماء ضئيلاً؛ فإن العبرة بغالبِ ظنِّهِ لا بِنادرهِ " لأنّ الشريعة مبينة أحكامها على الغالب، لا على النادر، ومن قواعدها: " النادِرُ لا حُكْمَ له ". ومن قواعدها أيضاً: " الغَالبُ كَالْمُحقَّقِ " فلما كان غالب ظنِّك أنّ الماء غير موجود في هذا الموضع، أو في هذا المكان؛ فإنه يُعتبر كأنك قطعت بعدم وجوده، فيُنزَّل غالبُ ظنِّك منزلةَ اليقين بعدمِ الوجود.
وبناءً على ذلك تستبِيح التيمم باليقين، وبغلبة الظن، وتبقى عندنا حالتان:
الحاله الأولى: أن تَشكّ في وجوده، يعني: يستوي عندك هل هو موجود، أو غير موجود، مثال ذلك: من نزل في موضع، وهو مسافر، ولا يدري هل فيه ماء، أو لا ماء فيه.
стр. 316
ففي هذه الحالة يطالب بالبحث، والتّحري حتى يصل إلى غالب الظنِّ بأحد الإحتمالين؛ فإذا غلب على ظنه وجود الماء عَمِل به فلم يحلّ له أن يتيمم، وإن ترجّح ظنه بالفقد، أو قطع به، فحينئذٍ يترخّصُ بالتيمُّمِ.
الحالة الثانية: أن تتوهم عدم وجوده، ويغلب على ظنّك وجوده، فهذه الحالة لا إشكال في أنه لا يجوز فيها التيمم، إلا إذا تغيّر هذا الظن، وصار لعكسه.
وهذه الحالة هي الغالب في المدن، والقرى، فلا يجوز لصاحبها أن يتيمّم مباشرة ما دام أنّ الماء يغلب على الظّنِ وجوده.
وإذا لم يجد الماء؛ فقولٌ واحد عند العلماء أنه: يتيمم؛ إلا ما قدمنا من خلاف بعضهم في الحضر وهو ضعيف، والجماهير على أنّ التيمم رخصة في الحضر، والسفر، دون فرق بينهما، ما دام أنه لم يجد الماء.
قوله ﵀: [أو زادَ على ثمنِه كَثيراً، أو ثمنٍ يُعْجِزهُ]: المراد به أن لا يجد الماء إلا بثمن زائد عن قيمته زيادة ذات بال، وهو ما أشار إليه بوصفه لها بقوله: [كثيراً] ومفهوم ذلك أنه إذا وجد الماء زائداً على قيمته زيادة قليلة لزمه أن يشتريه، وأما إذا كانت كثيرة كان غبناً عليه.
وهذه الحالة وهي زيادة ثمن الماء كثيراً، وما بعدها وهي قوله: [أو ثَمنٍ يُعْجِزُه] رُخِّصَ فيها بالتيمم عند من يعتبر الرخصة فيها بناءً على أن الماء، وإن كان موجوداً حقيقة لكنّه بالزيادة عن ثمنه، والعجز عنه صار مفقوداً حكماً، فأصبحت هذه الحالة بمثابة حالة الفَقْدِ الحقيقةِ للماء، وفي الحقيقة بالنسبة لمن لم يجد الماء إلا بثمن ليس عنده؛ فلا إشكال أنه في حكم فاقد
стр. 317
الماء، لأنه ليس بإمكانه أن يشتريه، لأنه بعجزه عن ثمنه صار كالعاجز عن العين نفسها، فَرُخّص له، وصار الماء غير موجود في حقِّه حُكْماً.
وأما إذا كان يجد الماء زائداً على ثمنه كثيراً فقد رخص فيها بعض الفقهاء ﵏ بناء على ما قدمنا أن الزيادة الكثيرة ضررٌ عليه في ماله، ومن ثم قالوا: لا يلزمه أن يتحمل الضّرر في ماله على هذا الوجه كما لا يلزمه تحمل الضّرر في نفسه، فقاسوا ضرر المال هنا على ضرر النفس، فكما يُرخَّص للمكلف أن يتيمّم عند خوفه الضّرر عن نفسه بالإغتسال كذلك يُرخَّص له أن يتيمم ويترك الماء الزائد على ثمن مثله كثيراً دفعاً للضرر الذي سيلحقه في ماله، وعلى هذا القول الذي مشى عليه المصنف ﵀ فإن هذه الزيادة تتقيد بالمكان الذي فيه الماء، فتكون زيادة كثيرة على ثمن مثله في ذلك المكان الذي هو فيه.
قوله ﵀: [أوْ خَافَ باسْتعمالِه، أَوْ طَلبِه ضَررُ بَدنِه]: صورة ذلك أن يكون الإنسان مريضاً، وإذا اغتسل هلك، أو زاد عليه مرضه، وكذلك إذا كان في زمانٍ شديد البردِ؛ فلو اغتسل خاف على نفسه المرض أو الموت، ففي هذه الحالة يُرخّص له أن يعدل من الغسل إلى التيمم، وهكذا لو كان الوضوء يُضِرُّ به، وينتهي به إلى تلف نفسه، أو حصول ضرر بجسمه؛ جاز له أن يعدل إلى التيمم، وهذا اختيار بعض العلماء من المالكية، والشافعية، والحنابلة، ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية، فقد اختار ﵀ أنه لو خاف باستعمال الماء زيادة مرضه، كالزُكام، ونحوه أنّ من حقِّه أن يعدل إلى التيمم؛ لما فيه من وجود الضرر، والله كلف
стр. 318
العباد بما لا ضرر فيه على أنفسهم، وأجسادهم، ولذلك قالوا: إذا كان استعماله للماء يُفضي إلى تلف النفس، أو حصول ضرر بها، أو زيادة سُقْمٍ، ومرض؛ جاز له أن يعدل إلى الرُّخصة، ويتيمّم.
أما الدليل على أن من خاف باستعمال الماء الضرر من مرض، وغيره أن يتيمم فقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ فبيّن سبحانه عذر المرض بقوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى﴾ فدلّ على أن من كان مريضاً، وخاف باستعمال الماء أن يهلك، أو يستضر جاز له أن يتيمم، وأما خوف الإستعمال المفضي إلى الهلاك، والموت فقد جاء اعتباره موجباً للرخصة في حديث عمروِ بنِ العَاصِ ﵁ أنه لمّا بَعَثه النبيُ ﷺ في غزوة ذاتِ السّلاسِلِ، واحتلم في ليلة باردةٍ شديدةِ البرد قال: [فأَشْفَقْتُ إِنِ اغْتَسَلْتُ أَنْ أَهْلَكَ فَتيمّمْتُ ثُمّ صَلّيْتُ بِأَصْحَابِي فَلمّا بَلَغَ النبي ﷺ قال له: [يا عَمْرُو صلّيتَ بِأَصْحَابِكَ، وأَنتَ جُنُب!؟] فقلت: ذكَرتُ قولَ الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ فتيمّمتُ، ثم صلّيتُ، قال: فَضحِكَ النبي ﷺ ، ولمْ يَقُلْ شَيئاً] فترخّص عمرو ﵁ بسبب خوفه الهلاك، وهذا يُقوي ما تقدم، ويدل أيضاً على أن من خاف أن يُصاب بالضّرر بسبب الغسل، أو الوضوء، وغلب على ظنّه ذلك فإنّ له أن يترخّص بالتيمم.
стр. 319
وقد ذكر المصنف ﵀ في هذه العبارة أن سبب الخوف بحصول الضرر من إحدى حالتين:
الأولى: الإستعمال بمعنى أنه لو اغتسل، أو توضأ حصل له الضّرر.
والثانية: الطلب بمعنى أن حصول الضّرر، أو خوف حصوله ناشئ من طلبه للماء، مثل: أن يخاف لو ذهب يبحث عن الماء يقتل كما يحصل ذلك في الأرض المُسْبِعَةِ، وهي: التي فيها السباع، أو يكون هناك عدو يتربّص به، فإذا خرج لطلب الماء قتله، أو يوجد ضرر في نفس المكان الذي يأخذ منه الماء، كالحيّة، ونحوها، فإذا خاف الضرر بسبب الإستعمال، أو الطلب فالحكم واحد.
قوله ﵀: [أَوْ عَلَى رَفِيقِهِ]: أي: خاف على رفيقه من إستعماله، أو طلبه، مثال ذلك: أن يكون الإنسان عنده ماء، وهو محدث، وهذا الماء لو توضّأ به إحتاج إليه رفيقه لشرب؛ فحينئذٍ قالوا: لو قلنا له: توضأ بهذا الماء، أو اغْتَسِلْ به هَلك رفيقُه، فقالوا: حَلّ له التيمّم، وهذا يسمى بالفَقْد الحُكمي، فإن الماء موجود حقيقة، ولكنه في حكم المفقود؛ نظراً لما يترتب على استعماله من وجود الضّرر بالنفس المحرّمة.
كذلك -أيضاً- لو خاف على رفقته، كأن يكون معه جماعة من باب أولى وأحرى.
قوله ﵀: [أو حرمته] والحرمة مثل زوجته ونسائه ومحارمه، والمراد: أن يخاف باستعماله، أو طلبه الضّرر على هؤلاء كما قدمنا في الخوف على رفيقه، فيكون معه أهله ونساؤه محتاجين إلى الماء فإذا استعمله تضرروا
стр. 320
أو يكونوا معه ولا ماء عندهم فإذا طلب الماء لهم خاف عليهم الهلاك، أو الإعتداء على عرضهم، فجميع هذه الحالات موجبة للرخصة إذا تحقق فيها الضّرر، أو غلب على ظنّ المكلف حصوله.
وقوله ﵀: [أو مَالِهِ] أي خاف إن استعمل الماء، أو طلبه أن يحصل الضّرر في ماله، مثل راعي الغنم في البادية، إن ترك غنمه، وذهب يطلب الماء غلب على ظنّه أنها تُسرق، أو يُعتدى عليها، أو يكون معه مال لا يستطيع حمله عند الطلب، ولا تركه خشية سرقته، فهذه الحالات، وأمثالها كلها مُوجبة للرخصة، ثم بيّن صور الضرر، وذلك بقوله ﵀: [بعَطَشٍ] أي: أنه إذا استعمل الماء في الغسل، أو الوضوء عطش هو، أو رفيقه، أو حُرمته، أو دابته فهلكوا، أو تضرّروا.
وقوله ﵀: [أو مَرَضٍ] أي: أنه إذا استعمل الماء في جسده حصل له الضّرر بالمرض، أو زيادته كما قدمنا.
وقوله ﵀: [أو هَلاكٍ] أي: أنه إذا استعمل الماء، أو طلبه هلك هو، أو رفيقه، أو حُرمته، أو تلف ماله.
فكلها أضرار مؤثرة إذا غلب على الظنّ حصولها أوجبت الرخصة؛ لأنها إما أن يصل المكلف فيها إلى مقام الإضطرار، كما في حال الخوف على نفسه، وغيره، وإما أن يصل فيها إلى مقام الحاجة المنزلة منزلَة الضرورة، وهي تُوجب الحرجَ الذي دلّ دليل الشرع على أنه لا يُكَلّف به كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ وقال سبحانه: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ