← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 37545

شرح زاد المستقنع - الشنقيطي - الطهارة ط الإفتاء

محمد بن محمد المختار الشنقيطي

Полный текст (443 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

ففي هذه الحالة يطالب بالبحث، والتّحري حتى يصل إلى غالب الظنِّ بأحد الإحتمالين؛ فإذا غلب على ظنه وجود الماء عَمِل به فلم يحلّ له أن يتيمم، وإن ترجّح ظنه بالفقد، أو قطع به، فحينئذٍ يترخّصُ بالتيمُّمِ. الحالة الثانية: أن تتوهم عدم وجوده، ويغلب على ظنّك وجوده، فهذه الحالة لا إشكال في أنه لا يجوز فيها التيمم، إلا إذا تغيّر هذا الظن، وصار لعكسه. وهذه الحالة هي الغالب في المدن، والقرى، فلا يجوز لصاحبها أن يتيمّم مباشرة ما دام أنّ الماء يغلب على الظّنِ وجوده. وإذا لم يجد الماء؛ فقولٌ واحد عند العلماء أنه: يتيمم؛ إلا ما قدمنا من خلاف بعضهم في الحضر وهو ضعيف، والجماهير على أنّ التيمم رخصة في الحضر، والسفر، دون فرق بينهما، ما دام أنه لم يجد الماء. قوله ﵀: [أو زادَ على ثمنِه كَثيراً، أو ثمنٍ يُعْجِزهُ]: المراد به أن لا يجد الماء إلا بثمن زائد عن قيمته زيادة ذات بال، وهو ما أشار إليه بوصفه لها بقوله: [كثيراً] ومفهوم ذلك أنه إذا وجد الماء زائداً على قيمته زيادة قليلة لزمه أن يشتريه، وأما إذا كانت كثيرة كان غبناً عليه. وهذه الحالة وهي زيادة ثمن الماء كثيراً، وما بعدها وهي قوله: [أو ثَمنٍ يُعْجِزُه] رُخِّصَ فيها بالتيمم عند من يعتبر الرخصة فيها بناءً على أن الماء، وإن كان موجوداً حقيقة لكنّه بالزيادة عن ثمنه، والعجز عنه صار مفقوداً حكماً، فأصبحت هذه الحالة بمثابة حالة الفَقْدِ الحقيقةِ للماء، وفي الحقيقة بالنسبة لمن لم يجد الماء إلا بثمن ليس عنده؛ فلا إشكال أنه في حكم فاقد

стр. 317

الماء، لأنه ليس بإمكانه أن يشتريه، لأنه بعجزه عن ثمنه صار كالعاجز عن العين نفسها، فَرُخّص له، وصار الماء غير موجود في حقِّه حُكْماً. وأما إذا كان يجد الماء زائداً على ثمنه كثيراً فقد رخص فيها بعض الفقهاء ﵏ بناء على ما قدمنا أن الزيادة الكثيرة ضررٌ عليه في ماله، ومن ثم قالوا: لا يلزمه أن يتحمل الضّرر في ماله على هذا الوجه كما لا يلزمه تحمل الضّرر في نفسه، فقاسوا ضرر المال هنا على ضرر النفس، فكما يُرخَّص للمكلف أن يتيمّم عند خوفه الضّرر عن نفسه بالإغتسال كذلك يُرخَّص له أن يتيمم ويترك الماء الزائد على ثمن مثله كثيراً دفعاً للضرر الذي سيلحقه في ماله، وعلى هذا القول الذي مشى عليه المصنف ﵀ فإن هذه الزيادة تتقيد بالمكان الذي فيه الماء، فتكون زيادة كثيرة على ثمن مثله في ذلك المكان الذي هو فيه. قوله ﵀: [أوْ خَافَ باسْتعمالِه، أَوْ طَلبِه ضَررُ بَدنِه]: صورة ذلك أن يكون الإنسان مريضاً، وإذا اغتسل هلك، أو زاد عليه مرضه، وكذلك إذا كان في زمانٍ شديد البردِ؛ فلو اغتسل خاف على نفسه المرض أو الموت، ففي هذه الحالة يُرخّص له أن يعدل من الغسل إلى التيمم، وهكذا لو كان الوضوء يُضِرُّ به، وينتهي به إلى تلف نفسه، أو حصول ضرر بجسمه؛ جاز له أن يعدل إلى التيمم، وهذا اختيار بعض العلماء من المالكية، والشافعية، والحنابلة، ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية، فقد اختار ﵀ أنه لو خاف باستعمال الماء زيادة مرضه، كالزُكام، ونحوه أنّ من حقِّه أن يعدل إلى التيمم؛ لما فيه من وجود الضرر، والله كلف

стр. 318

العباد بما لا ضرر فيه على أنفسهم، وأجسادهم، ولذلك قالوا: إذا كان استعماله للماء يُفضي إلى تلف النفس، أو حصول ضرر بها، أو زيادة سُقْمٍ، ومرض؛ جاز له أن يعدل إلى الرُّخصة، ويتيمّم. أما الدليل على أن من خاف باستعمال الماء الضرر من مرض، وغيره أن يتيمم فقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ فبيّن سبحانه عذر المرض بقوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى﴾ فدلّ على أن من كان مريضاً، وخاف باستعمال الماء أن يهلك، أو يستضر جاز له أن يتيمم، وأما خوف الإستعمال المفضي إلى الهلاك، والموت فقد جاء اعتباره موجباً للرخصة في حديث عمروِ بنِ العَاصِ ﵁ أنه لمّا بَعَثه النبيُ ﷺ في غزوة ذاتِ السّلاسِلِ، واحتلم في ليلة باردةٍ شديدةِ البرد قال: [فأَشْفَقْتُ إِنِ اغْتَسَلْتُ أَنْ أَهْلَكَ فَتيمّمْتُ ثُمّ صَلّيْتُ بِأَصْحَابِي فَلمّا بَلَغَ النبي ﷺ قال له: [يا عَمْرُو صلّيتَ بِأَصْحَابِكَ، وأَنتَ جُنُب!؟] فقلت: ذكَرتُ قولَ الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ فتيمّمتُ، ثم صلّيتُ، قال: فَضحِكَ النبي ﷺ ، ولمْ يَقُلْ شَيئاً] فترخّص عمرو ﵁ بسبب خوفه الهلاك، وهذا يُقوي ما تقدم، ويدل أيضاً على أن من خاف أن يُصاب بالضّرر بسبب الغسل، أو الوضوء، وغلب على ظنّه ذلك فإنّ له أن يترخّص بالتيمم.

стр. 319

وقد ذكر المصنف ﵀ في هذه العبارة أن سبب الخوف بحصول الضرر من إحدى حالتين: الأولى: الإستعمال بمعنى أنه لو اغتسل، أو توضأ حصل له الضّرر. والثانية: الطلب بمعنى أن حصول الضّرر، أو خوف حصوله ناشئ من طلبه للماء، مثل: أن يخاف لو ذهب يبحث عن الماء يقتل كما يحصل ذلك في الأرض المُسْبِعَةِ، وهي: التي فيها السباع، أو يكون هناك عدو يتربّص به، فإذا خرج لطلب الماء قتله، أو يوجد ضرر في نفس المكان الذي يأخذ منه الماء، كالحيّة، ونحوها، فإذا خاف الضرر بسبب الإستعمال، أو الطلب فالحكم واحد. قوله ﵀: [أَوْ عَلَى رَفِيقِهِ]: أي: خاف على رفيقه من إستعماله، أو طلبه، مثال ذلك: أن يكون الإنسان عنده ماء، وهو محدث، وهذا الماء لو توضّأ به إحتاج إليه رفيقه لشرب؛ فحينئذٍ قالوا: لو قلنا له: توضأ بهذا الماء، أو اغْتَسِلْ به هَلك رفيقُه، فقالوا: حَلّ له التيمّم، وهذا يسمى بالفَقْد الحُكمي، فإن الماء موجود حقيقة، ولكنه في حكم المفقود؛ نظراً لما يترتب على استعماله من وجود الضّرر بالنفس المحرّمة. كذلك -أيضاً- لو خاف على رفقته، كأن يكون معه جماعة من باب أولى وأحرى. قوله ﵀: [أو حرمته] والحرمة مثل زوجته ونسائه ومحارمه، والمراد: أن يخاف باستعماله، أو طلبه الضّرر على هؤلاء كما قدمنا في الخوف على رفيقه، فيكون معه أهله ونساؤه محتاجين إلى الماء فإذا استعمله تضرروا

стр. 320

أو يكونوا معه ولا ماء عندهم فإذا طلب الماء لهم خاف عليهم الهلاك، أو الإعتداء على عرضهم، فجميع هذه الحالات موجبة للرخصة إذا تحقق فيها الضّرر، أو غلب على ظنّ المكلف حصوله. وقوله ﵀: [أو مَالِهِ] أي خاف إن استعمل الماء، أو طلبه أن يحصل الضّرر في ماله، مثل راعي الغنم في البادية، إن ترك غنمه، وذهب يطلب الماء غلب على ظنّه أنها تُسرق، أو يُعتدى عليها، أو يكون معه مال لا يستطيع حمله عند الطلب، ولا تركه خشية سرقته، فهذه الحالات، وأمثالها كلها مُوجبة للرخصة، ثم بيّن صور الضرر، وذلك بقوله ﵀: [بعَطَشٍ] أي: أنه إذا استعمل الماء في الغسل، أو الوضوء عطش هو، أو رفيقه، أو حُرمته، أو دابته فهلكوا، أو تضرّروا. وقوله ﵀: [أو مَرَضٍ] أي: أنه إذا استعمل الماء في جسده حصل له الضّرر بالمرض، أو زيادته كما قدمنا. وقوله ﵀: [أو هَلاكٍ] أي: أنه إذا استعمل الماء، أو طلبه هلك هو، أو رفيقه، أو حُرمته، أو تلف ماله. فكلها أضرار مؤثرة إذا غلب على الظنّ حصولها أوجبت الرخصة؛ لأنها إما أن يصل المكلف فيها إلى مقام الإضطرار، كما في حال الخوف على نفسه، وغيره، وإما أن يصل فيها إلى مقام الحاجة المنزلة منزلَة الضرورة، وهي تُوجب الحرجَ الذي دلّ دليل الشرع على أنه لا يُكَلّف به كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ وقال سبحانه: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ

стр. 321

بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾، وذلك في حالة هلاك المال، وزيادة المرض ونحوها. قوله ﵀: [ونَحْوِه شُرِعَ التَّيَمُّمُ]: أي نحو هذه الصور، والأمثلة، فالفقهاء -رحمة الله عليهم- بيّنوا لك الأصل الذي هو خوف الضرر على النفس، أو الرفقة، أو المال، وبناءً على ذلك يجوز للإنسان أن يعدل إلى رخصة التيمم بوجود هذه الأعذار؛ سواءً كانت بالصّور الموجودة في زمانهم، أو بصور جديدة في زماننا يصل فيها المكلف إلى مقام الإضطرار، أو الحاجة. قوله ﵀: [ومَنْ وَجد َماءً يَكْفِي بعضَ طُهْرِه تَيممَ بَعْدَ اسْتِعْمَالِهِ]: هذه المسألة من المسائل التي اختلف العلماء ﵏ فيها، وصورتها: أن يكون عندك ماء لا يكفي لغسل جميع البدن في طهارة الغسل، أو لا يكفي لغسل جميع أعضاء الوضوء في طهارة الوضوء، فالماء موجود، ولكنه غير كافٍ لاستيعاب الفروض، فقال بعض العلماء: يَعْدل إلى التيمم مباشرة. وقال بعض العلماء: من كان عنده ماء يكفي لبعض الأعضاء دون بعضها؛ غسل البعض، ثم تيمم بنية ما بقي، وهذان قولان مشهوران عند أهل العلم، فالمصنف ﵀ مشى على مذهب الجمع، فبين أن عليه أن يستعمل الماء، فيغسل به الأعضاء، ثم يتيمّم لما بقي، والذين قالوا بهذا القول إستدلوا بدليل الكتاب، والسنة.

стр. 322

أما الكتاب فآية الوضوء، والغسل، وآية التيمم، فأما آية الوضوء، والغسل فقالوا: إنّ الله أمر فيها المكلف باستعمال الماء، فيستعمله، ولو لبعض أعضائه؛ لأنه قادر على ذلك، وأمكن تحقيق أمر الله تعالى فوجب عليه إعمال الأصل على هذا الوجه، فإذا استهلك الماء، وبَقِيَ ما بقي من الأعضاء تحقّق فيه الشرط الشرعي المنصوص عليه في آية التيمم في قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ وحينئذ يُرخص له بالتيمم للباقي لأن هذا الشرط لا يتحقق إلا باستهلاك الماء على الوجه الشرعي بغسل ما يستطيع غسله من أعضاء الوضوء والغسل. وأما دليلهم من السنة فحديث جابر ﵁ قال: [خَرجْنَا في سفَر فأصابَ رجلاً منّا حجرٌ في رَأسِه، ثمّ احْتَلَم، فسأَلَ أصحابَه: هل تجدون لي رخصةً في التيمم؟ فقالوا: ما نجد لك رخصة، وأنت تقدر على الماء؛ فاغتسل، فمات، فلما قدمنا على رسول الله ﷺ أُخْبِر بذلك فقال: قَتلُوه قَتلَهم الله أَلا سَألُوا إذا لم يَعْلموا فإنما شِفَاءُ العِيِّ السؤالُ إِنما كانَ يَكْفيه أنْ يتَيمّمَ، ويَعْصرَ، أو يَعْصُبَ على جُرحِه، ثم يمسحُ عليهِ، ويغسلُ سائرَ جَسدِهِ] ووجه الدلالة: ظاهر حيث أمره بالجمع بين التيمم، والغسل. ومذهب القائلين بعدم الجمع أقوى حيث إن الماء الموجود لما كان غير كاف لجميع الطهارة صار في حكم المفقود، فتحقّق الشرط الموجب لرخصة التيمم، وقد عَمِلَ بهذا الأصل الجميع فنزلوا الموجود منزلة المفقود في مسائل التيمم، فكذلك هنا لأنه ماء غير كاف لجميع الأعضاء، والشَّرع لم يُجَزّئ

стр. 323

أعضاءَ الوضوءِ، والغسل بل أمر بغسلها جميعها، فكما أن من عجز عن الماء لمرض نقول: الماء في حقّه مفقود حكماً؛ كذلك من وجد ماءً لا يكفي لجميع الأعضاء، فإن هذا الماء مفقود بحكم الشرع، لأن الشرع لم يعتبر في طهارة الغسل بعض أعضاء البدن، دون البعض، بل أمر بغسلها جميعاً، وبهذا لا يقوى الإحتجاج بآية الوضوء، والغسل على وجوب غسل الأعضاء. وأما الإستدلال بالسُّنة فإن الحديث لم يصحَّ، وهو ضعيف، كما نصّ عليه الأئمة ﵏، والعمل على عدم ثبوته. قوله ﵀: [ومَنْ جُرِحَ تَيمّم له، وغَسَلَ الباقِي]: الضمير في قوله: [له] عائد إلى الجرح، وقوله: [وغَسَلَ الباقِي] أي: باقي جسده، ووجه ذلك: أنه يستطيع غسل باقي جسده؛ فبقي على الأصل، والجرح لا يمكنه أن يغسله فرُخّصَ له بالتيمم من أجله. وهذه المسألة يعبر عنها العلماء بالجمع بين البَدلِ، والمُبْدل، ويقول بها فقهاء الحنابلة، والشافعية، وغيرهم في مسائل. والأصل في البدل، والمبدل أن لا يجتمعا؛ لأنهما ضِدّان والضِّدان لا يجتمعان، فأنت لا تستطيع أن تقول: هذا حلو، مرّ؛ وتقصد في آنٍ واحدٍ، ولكن إما أن تقول: هذا حلو، وإما أن تقول: هذا مر، وإذا ثبت أنه لا يجمع بين البدل، والمُبدل فإن هذه المسألة مستثناة على هذا القول المرجوح.

стр. 324

وقال بعض العلماء: إنه إذا أمكنه أن يبلّ يده، ويُمرّها على الجرح مبلولة؛ فإنه يجزيه ذلك، ولا يطلب منه أن يتيمم للجرح. قوله ﵀: [ويَجِبُ طَلَبُ الماءِ فِي رَحْلِه، وقُربِه]: أي يَلزم المكلّفَ عند دخول الوقت طلبُ الماءِ، وهذا بناءً على الأصل، لأن " ما لا يتمُّ الواجبُ إلا به فهو واجبٌ ". قوله ﵀: [في رَحْلِه، وقُرْبِهِ] الرّحل: المتاع، والمراد: أن يبحث عن الماء في متاعه، فإذا كان في منزله، وحضرته الصلاة بحث في المنزل، وإن كان في فلاة، أو خارج المدينة بسيارته بحث أولاً في سيارته، وأمتعته هل يوجد فيها ماء هذا هو الأصل، وقوله [قُرْبِهِ] أي: قريباً من متاعه، أو من موضع نزوله، فإذا لم يجد عنده بحث عند رفاقه، وزملائه، والمسافرين معه، وسألهم، ويشمل قوله: [قُرْبِهِ] المواضع القريبة من مكان نزوله، وإذا كان مقيماً ولم يجد الماء بحث عند الجيران القريبين منه بسؤالهم: هل عندهم ماء، فلما كان مطالباً أن يبحث في رحله، وفي جماعته، والمكان الذي هو نازل فيه فإنّ ما قرب منه كذلك داخل في حكم الأصل من وجوب الطّلب، فيلزمه أن يبحث فيه، لكن لو كان بعيداً عنه؛ فإن البعيد فيه تفصيل: فإن كان الوقت يسع بحيث يستطيع الحصول على الماء، والتطهر به قبل خروج وقت الفريضة، فحينئذ يجب عليه الطلب إذا ظن وجوده، وإلا فلا. قوله ﵀: [وبِدِلالةٍ]: يعني: أن يسأل الناس عن مكان وجود الماء فإذا كان في قرية سأل أهلها، ولذلك يقولون من آداب السفر أن الإنسان

стр. 325

إذا نزل في موضع أن يسأل عن مكان الماء حتى يتوضّأ ويغتسل، وأن يسأل عن القبلة، وأن يسأل عن موضع قضاء حاجته، قالوا هذه من الأمور التي يراعيها المسافر، وكانوا يستحبون للضيف إذا نزل أن يَدُلّه مضيفُه على هذه الأمور قبل أن يبتدئه بالسؤال عنها، فكانوا يَعدُّونه من إكرام الضيف فيقول له: القبلة كذا، وقضاء الحاجة هنا، والماء إذا أردته هنا. و" الدِلالةُ " مأخوذة من الدليل، والمراد بها هنا الأمارة، والعلامة التي يُستدل بها، فيطلبها بالسؤال والبحث، والدلالة: أن يسأل الناس أن يَدَلُّوه: أين مكان الماء، وإذا ثبت أنه يجب عليه أن يطلب الماء، ويجب عليه أن يبحث فإنه إذا سألك سائل وقال: نزلت بقرية، ثم لم يكن عندي ماء، ثم جلست أنتظر لعل الماء يأتيني حتى خرج الوقت، أو تيممت قبل خروج الوقت، وصليت؛ فما الحكم؟ تقول له: هل طلبت الماء؟ قال: لا لم أطلبه، تقول: إذاً أنت آثم، قد كان ينبغي عليك أن تطلب الماء، لأن الله أوجب عليك أن تتطهر بالماء أصلاً، وتطهرك بالماء يفتقر إلى وجوده، ووجوده يفتقر إلى طلبه؛ إذاً فأنت مأمور بطلبه، وبناءً على ذلك أنت آثم بتفريطك في السؤال، فقد كان المنبغي عليك أن تسأل، ولذلك قالوا: لو أنه صلّى في قرية، وكان بإمكانه أن يسأل عن جهة القبلة، ولم يسأل، واجتهد من عند نفسه، وصلّى، ثمّ تبين أنه على غير القبلة لزمه أن يُعيدَ؛ لماذا؟ لأنه بإمكانه أن يعرف القبلة بالسؤال ولما لم يسأل فرّط فألزم بالإعادة كذلك هنا في مسألة طلب الماء، ولا يقال إنه جاهل لهذا الحكم؛ لأنه معلوم بأصل الفطرة، والشّرع أن الجاهل يسأل فإذا جهل مكان الماء، أو

стр. 326

جهة القبلة، ولم يسأل، وعنده من يدلُّه عليها لم يكن جهله على هذا الوجه عذراً. قوله ﵀: [فإِنْ نَسِيَ قُدْرَتَه عَليْهِ، وتَيممَ أَعَادَ] مراده: أن الشخص إذا كان قادراً على أن يحصل على الماء مثل: أن يكون قريباً منه، ثم نَسي، واعتقد أنه لا يستطيع أن يحصل عليه قبل خروج الوقت فإنه إذا تيمّم، ثم تذكر بعد ذلك، وتبيّن له خطَؤُه لزمته الإعادة للصلاة، وهذه المسألة نصَّ عليها الإمام أحمد ﵀، ودليلها: أنها طهارة تجب مع الذكر، فلم تسقط بالنسيان كما لو صلّى ناسياً حدثَه، ثم تذكّر لزمته الإعادة. فالطهارة بالماء في حقه لازمة لأن الماء قريب منه وبإمكانه أن يتحصل عليه ويتطهر كما أمره الله، فإذا نسي قدرته على ذلك، وتبين أنه مخطئ سقط هذا الظن، ولم يُعْتبر، ومن قواعد الفقه: [لا عِبْرَةَ بالظّنِ البيّنِ خَطؤُه] أي: لا عبرة بالظنّ الذي بان خطؤُه. قوله ﵀: [وإِنْ نوى بِتيمّمه أحْداثاً]: هذا كما تقدم معنا جوازه في طهارة الماء، فيجمع بين حدثين في طهارة واحدة كالبول، والغائط، والجنابة، والحيض، فإنه يُجزيه، وقد قال ﵊: [إِنما الأَعْمَالُ بالنّياتِ، وإنما لِكُلِّ امْرِئ مَا نوَى] فبَيّن ﷺ أنّ من نوى شيئاً كان له، فإذا نوى أكثر من حدثٍ أجزأته نيته عما نواه. قوله ﵀: [أو نَجاسةً عَلى بَدَنِه تَضرُّهُ إِزَالتُها] ِ: أي: أن إزالته للنجاسة بغسلها يترتب عليه ضرر في بدنه، فإنه لا تلزمه إزالتها، ولكن يتيمم عنها، ومن أمثلتها عند العلماء: الدّم إذا تجلّط، وتخثّر على موضع

стр. 327

الجرح فإنك لو قلت أزلْهُ فإنه سوف يتضرّر بإزالته، كما في بعض الجراحات التي يصعب فيها إزالة هذا الدم المتجلط قبل إستواء الجرح، فعلى قول الجماهير بنجاسة الدم فإن هذا الدم لا يمكن أن يغسله، فطهارة الماء شبه متعذرة فيه، وبناءً على ذلك قالوا: يَنْتقل إلى التيمم، وتُنزّلُ طهارةُ الخبثِ منزلةَ طهارةِ الحدثِ، فيتيمم من أجل هذه النجاسة، وذهب الجمهور إلى أنه لا تلزمه إزالتها أصلاً فلا يلزمه تيمم، وهو الصحيح؛ لأنه سقط التكليف بما فيه حرج فلم يلزمه البدل، وهو التيمم، لأنّ أصله وهو الماء لم يكلف به. قوله ﵀: [أو عَدِمَ ما يُزِيلهَا]: الضمير عائد إلى النجاسة والمراد أن لا يجد الماء الذي يزيل النجاسة. قوله ﵀: [أو خَافَ بَرْداً]: أو خاف برداً، أي: خاف إذا إغتسل أن يهلك بسبب البرد، أو يحصل له ضررٌ. قوله ﵀: [أو حُبِسَ في مِصْرٍ]: أي حبس في موضع داخل مدينة، ومنع من إيصال الماء إليه، مثل: أن يوضع في غرفة، أو نحوها، وليس فيها ماء فتيمّم؛ فإنه يصح منه ذلك، لقوله سبحانه: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ وهو لم يجد الماء فتحقق فيه الشرط المعتبر، ولقوله ﵊: [الصَّعيدُ الطَّيبُ طَهُورُ المسلم، ولو لَمْ يجِدِ الماءَ عَشْرَ سِنينَ] وهذا لم يجد الماء فصار تيممه صحيحاً، فتصح صلاته ولا تلزمه الإعادة؛ خلافاً لمن قال: إن هذه الأعذار نادرة، فلا تتعلق بها الرخص. قوله ﵀: [أوْ عَدِمَ الماءَ، والتُّراب صَلّى، وَلمْ يُعِدْ] مراده: أن من

стр. 328

لم يجد ماءً، ولا تراباً؛ فإنه يُصلّي على حالته، ولا تلزمه الإعادة بعد ذلك، وتُعْرف هذه المسألة بمسألة [فَاقِدِ الطَّهُورَيْنِ] وقد إختلف العلماء ﵏ فيها على أربعة أقوال: القول الأول: يصلي، ولا يعيد. القول الثاني: لا يصلي، ويعيد. القول الثالث: يصلي، ويعيد. القول الرابع: لا يصلي، ولا يعيد. وقد مشى المصنف ﵀ على القول الأول، وهو أرجحها في نظري والعلم عند الله، وقد بينت ذلك في شرح البلوغ وعمدة الأحكام، ودلّ على رجحانه ما ثبت في الحديث الصحيح في قصة نزول آية التيمم حينما ضاعَ عِقْدُ عائشة ﵂ وإلتمسَه الصَّحابةُ ﵃، وحضرتِ الصّلاةُ بعضَهم، وليس عنده ماء، فصلّى، ثمّ لما رجعوا إلى رسول الله ﷺ أخبروه؛ فصوّب فعلهم، ولم يأمرهم بالإعادة، وقد صلّوا بدون وضوء، ولا تيمم؛ لأن التيمّم لم يُشرع بعدُ، فدل على أن من فقد الطهورين صلى، ولا تلزمه إعادةٌ. قال ﵀: [ويَجبُ التيمّم بترابٍ طَهُورٍ لَهُ غُبَارٌ] هذه العبارة قصد المصنف ﵀ أن يبيّن بها الشيء الذي يَتَيمَّمُ به المكلف، وهذا مناسب لما قبله؛ لأنك إذا بيّنت الحالات التي يجوز فيها التيمّم والحالات التي لا يجوز فيها؛ سيسألك السائل إن كان من أهل التيمم بأيّ شيءٍ يكون التيمّم؟

стр. 329

قال ﵀: [ويَجِبُ التَّيَمُّمُ بِتُرابٍ لهُ غُبارٌ]: خصّ المصنف ﵀ التيمم بالتُّراب على ظاهر ما ثبت عن النبي ﷺ بقوله: [جُعِلتْ لي الأرضُ مَسْجداً، وتُربَتُها طَهُوراً] أي: جعلت التربة لأمة محمد ﷺ طَهوراً. قالوا: فدلّ هذا الحديث على أنّ التراب يُتيمم به، وهذا مستفاد من ظاهر آيتي النساء، والمائدة في قوله سبحانه: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾. إذا ثبت أنّ التراب يُتيمم به بدلالة نصّ الكتاب، والسُّنة؛ فإنّ العمل عند أهل العلم على ذلك، وليس هناك خلاف بين أهل العلم ﵏ أنّ التراب يُجزئ في التيمم. ولكن الخلاف بينهم: هل يشترط أن يكون له غبار؟ هذه المسألة الأولى. والمسألة الثانية: هل ينحصر التيمم في التراب، أو يشمله، وغيره مما صَعَدَ على وجه الأرض؟ فأما بالنسبة للتراب الذي له غبار، فإنه لا خلاف فيه بين أهل العلم -رحمة الله عليهم- أنه لو حصل به التيمم يُجزيه، وذلك لظاهر نصّ الكتاب، والسُّنة، وأجمع عليه العلماء رحمة الله عليهم كما ذكرنا. وأما اشتراط أن يكون له غبار؛ فهي مسألة خلافية بين أهل العلم ﵏: أصحها: أنه لا يشترط أن يكون له غبار، وذلك لظاهر الكتاب، والسنة، فأما الكتاب فقوله : ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ ووجه الدلالة: أن ظاهر قوله: ﴿صَعِيدًا﴾ العموم، فيشمل جميع ما صَعَدَ على وجه الأرض من التراب، ولم يخصّه سبحانه بكونه له غبار.

стр. 330

وأما السُّنة: فما ثبت في الصحيح من حديث عمران بن حصين ﵄ أن النبي ﷺ قال للرجل الذي لم يجد الماء: [عَليْكَ بالصَّعيدِ فإِنه يَكْفِيكَ]، وهو عامُّ أيضاً كالآية الكريمة، ومن هنا اجتمعت دلالة الكتاب، والسُّنة على أنّ التيمم يَصِحُ بكل ما على وجه الأرض من تُراب له غُبار، أو لا غُبار له. وقد مشى المصنف ﵀ على قول من يقول باشتراط أن يكون للتراب غبار، واستدل أصحاب هذا القول بقوله سبحانه: ﴿صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ فقالوا: إن الوصف بالطِّيب يَقْتضي أَنْ يكون له غبار، وهذا مردود، فإن الوصف بالطّيب المراد به: طهارته من النجاسة، والمراد به: أن لا يتيمم بتراب نَجِسٍ. ثم إننا نقول: إنه لو خُص التراب بما له غبار لخالف ذلك مقتضى الرُّخصة، فإننا نعلم أن كثيراً من الأرض في بعض الأماكن رمال لا غبار لها، فلو قلنا: إن التيمم لا يحصل إلا بتراب له غبار لأجحف بالناس ففي بعض الصحاري ربما تسير يوماً كاملاً، ولا ترى أرضاً لها غبار، وكذلك المناطق الجبلية والحِرَارِ. وأما المسألة الثانية وهي حصر التيمم في التراب، فأصحّ الأقوال كما سبقت الإشارة إليه أنه يجوز التيمم بكل ما على وجه الأرض سواء كان تراباً، أو غيره؛ وذلك لظاهر قوله تعالى: ﴿صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ والصّعيدُ كلُّ ما صعدَ على وجْهِ الأرض، والنبي ﷺ وصف المدينة بكونها طيبة مع أنّ أَكْثرها حِرَار، وهذا الدليل إنتزعه الٍإمام ابن خزيمة ﵀ كما أشار إليه في صحيحه

стр. 331

من ظاهر السُّنة أن الله وصف المُتَيمم به بكونه صعيداً طيباً، والنبي ﷺ وصف المدينة بكونها طيبة مع أن أكثر أرضها حرار؛ فدل على أن وصف الطّيب ليس منحصراً بالتراب الذي له غبار، وأن المراد به: الطهارة وتكون في كل شيءٍ بحسبه. إذا ثبت هذا فيجوز لك أن تتيمم بالتراب، وبغير التراب مما صعد على وجه الأرض، لكن يشترط أن يكون طاهرا، فلا يُتيمم بنجس. والمصنف ﵀ مشى على مذهب الذين قالوا: بتخصيص التيمم بالتراب؛ وقد استدلوا على مذهبهم بتخصيص التيمم بالتراب بقوله ﵊: [جُعِلتْ لِيَ الأرضُ مَسْجِدَاً، وتُرْبَتُها لَنا طَهُوراً] ووجه الدلالة: أن النبي ﷺ نصّ على أن التراب يُتيمم به، ومفهوم ذلك أن غيره لا يتيمم به. وهذا الإستدلال يجاب عنه من وجهين: الوجه الأول: أنه إستدلال بمفهوم اللقب، ومفهوم اللقب ضعيف على القول الراجح عند الأصوليين. الوجه الثاني: أنّ النصّ الوارد في إباحة التيمم في دليل الكتاب عامُّ، وهو قوله : ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ والحديث الذي استدلوا به ذكر فرداً من أفراد هذا العامِّ، وهو التراب، فلم يقتض هذا الذكر لهذا الفرد أن يكون العامُّ مخصصاً به، بل نقول إنه لا تعارض بينهما، فالآية تبقى على عمومها، وكون السنة وردت بفرد من أفراد ذلك العام يكون بمثابة التمثيل

стр. 332

لا من باب إلغاء غيره، والقاعدة: " أن ذِكرَ الفَرْد مِنْ أَفْراد العَامّ لا يَقْتضي تَخصيصَ الحُكمِ بهِ ". كذلك من أدلتهم على تخصيص التيمم بالتراب [أنّ النبي ﷺ ضَربَ بيديْه الأرضَ ومسحَ بِهما وجْهَه، وكفّيهِ]، ولا معنى للضرب إلا طلبُ الغبار، وهذا كما قلنا أن النبي ﷺ فعل ذلك في بعض ما يجزئ التطهر به، وهو التراب، ومن طبيعته إذا تيمم به الإنسان أن يضرب بكفّيه عليه كما أن من طبيعته إذا تيمّم بالحجر أن يمسح عليه، فكلُّ فرد من أفراد العام يُراعي المتيممُ طبيعَتَه عند التيمم به، ثمّ إننا نقول: لا نسلم ما ذكرتم من أن المقصود بالضرب طلب الغبار على وجه يصير مخصصاً للرخصة، لأنه ثبت عنه ﵊: أنه نَفخَ في يَديْه بعد ضَرْبهما على الأرض، والنّفخ يزيل الغبار، فبطل ما ذكروه. قوله ﵀: [وفُروضُه مَسْحُ وجْهِهِ، ويَديْه إِلى كُوعَيهِ]: بعد أن بيّن ﵀: متى يجوز التيمم وما الذي يتيمم به شرع في بيان صفة التيمم، والمناسبة على هذا الترتيب واضحة، وقوله ﵀: [وفُروضُه] الضمير عائد إلى التيمم، وتقدم معنا بيان معنى الفرض لغة، واصطلاحاً، والتعبير بقوله: [وفُروضُه] دالّ على أن المراد: بيان صفة الإجزاء التي لا يصحّ التيمم بدونها. قوله ﵀: [مَسْحُ وجْهِهِ]: الوجه: ما تحصل به المواجهة، وقد تقدم ضابط الوجه في صفة الوضوء، وأنه من منابت الشعر عند ناصيته إلى ما انحدر من الذقن، واللّحيين طولاً، وأما عرضاً، فمن الأذن إلى الأذن.

стр. 333

وقوله ﵀: [مَسْحُ وَجْهِهِ]: المراد به: أنه بعد أن يضرب بيديه الأرض يمسح بهما وجهه؛ لظاهر التنزيل في قوله تعالى: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ﴾، وظاهر السُّنة في حديث عمّار ﵁ قال: [فَمَسحَ بِهِمَا وَجْهَه] والمسح بالوجه يقع بالكفّين تأسياً بالنبي ﷺ ، ويُستثنى من ذلك أن يكون أقطع يد، أو مشلولها فحينئذ يمسح بيدهِ السّليمة الأخرى. قوله ﵀: [ويَديهِ إلى كُوعَيْهِ]: أي: ويمسح يديه إلى كوعيه؛ وذلك لقوله تعالى: ﴿وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ واليد: الأصل فيها أنها تطلق من أطراف الأصابع إلى المنكب، فكلّه يدٌ إلاّ ما خُص، فتُخصُّ بالكفين بالدليل كما في قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ (١) فجاءت السُّنة وبينت محلّ القطع، فخصّصتْ اليدَ بالكفِّ، ولذلك قالوا إنما خصّصنا الكفين بالمسح؛ لظاهر حديث عمّارٍ ﵁ قال: [فَمَسحَ بِهِمَا وَجْهَهُ، وكفّيْهِ]. فدل على أن المراد باليدين في آية التيمم: الكفّان، فتكون السُّنة مبيّنةً للقرآن، ويكون الكفّان: هما قدر الإجزاء، وما زاد على الكفين ليس بواجب، وما ورد من الأحاديث بالزيادة إن صحّ حُمِلَ على الكمال، لا على الفرض.

стр. 334

قوله ﵀: [وكَذَا التّرتِيبُ]: مراده: أن ترتيب أعضاء التيمم واجب، ولازم على سبيل الشرطية، وليس بتخييري، فلزومه في التيمّم، كلزومه في الوضوء، وعليه فيبدأ بمسح وجهه أولاً، ثم يمسح كفيه، فالواو في قوله: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ تحمل على الترتيب كما في آية الوضوء: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ﴾ وقالوا -أيضاً-: إن البدل يأخذ حكم مُبْدله، فلما وقعت عبادة التيمم بدلاً عن الوضوء، والترتيب شرط في الوضوء، كذلك هو شرط في التيمم. قوله ﵀: [والمُوالاةُ في حدثٍ أَصغَر]: والموالاة أي: تجب الموالاة، فبمجرد أن ينتهي من مسح وجهه يمسح كفّيه فلا يقع الفاصل بين مسح العضوين، فإذا وقع الفاصل أثّر كما يُؤثر في الوضوء، ودليل الموالاة في التيمّم قياسه على الوضوء لأنه بدله، والبدلُ يأخذ حكم مُبْدله. قوله ﵀: [في حدثٍ أصغَر]: في: للظرفيّة أي أن التيمم يكون في حدث أصغر، وهو الوضوء فلو: أن إنساناً إنتقض وضوءه ببول، أو غائط، أو ريح؛ فإنه يُجزيه أن يتيمم إذا استوفى شروط الرّخصة. فالتيمم يشمل الحدث الأصغر والأكبر فلك أن تتيمم لحدث أصغر، وأكبر؛ وذلك لأن الله -جل وعلا- جعل التيمم بدلاً عن الطهارتين فقال بعد ذكره طهارة الحدث الأصغر في قوله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ (١) قال سبحانه: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾

стр. 335

فبين طهارة الحدث الأكبر ثم قال: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ فدلّ على أن التيمم بدل عن الطهارتين الصغرى، والكبرى؛ لأن قوله: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ راجع إلى الطهارتين المائيتين اللتين تقدمتا. قوله ﵀: [وتُشْترطُ النّيةُ لِما يَتَيممُ لهُ مِنْ حَدثٍ، أوْ غَيْرِه]: تشترط النية لصحة التيمم، وهذا يكاد يكون بالاتفاق حتى إن الحنفية سبق معنا في الوضوء، والغسل لا يرون النية فيهما، ويقولون: يصحّ الوضوء، والغسل بدون نية، لكن في التيمم قالوا: لا بد فيه من النية. والدليل على اشتراط النية: أن التيمم عبادة، والأصل في العبادة النّية تمييزاً لها عن العادة، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾. والدليل من السُّنة: قوله ﵊ كما في الصحيحين من حديث عُمَرَ ﵁: [إِنما الأَعمالُ بالنياتِ] والوضوء، والتيمم عمل فدخل في هذا العموم، والنية شرط لصحته. قوله ﵀: [مِنْ حدثٍ]: عامّ أي: سواء كان ذلك في حدث أياً كان أصغر، أو أكبر، فإذا وجدت هذه النية فيه صح تيممه، وأجزأه، أما لو عزبت عنه وضرب يديه بالأرض، ويتيمم دون أن يستحضرها؛ فإنه لا يجزيه ذلك. وقوله ﵀: [أوْ غَيْره] يشمل طهارة الخبث بإزالة النجاسة كما تقدم معنا عند من يقول بالتيمم لها إذا لم يجد ماءً يُزِيلُها به، والأصل في طهارة

стр. 336

الخبث أنها لا تُشترط لها النيّة، ولكن مشى المصنف ﵀ على القول المرجوح. قوله ﵀: [فإِنْ نَوى أَحدَها لم يُجْزِئْه عَنِ الآخرِ]: فإن نوى أحدها أي: إذا كان عليه أكثر من حدث، أو مع الحدث خبث، فإنه لا يُجزيه تيمّم واحد فلا تداخل فلو نوى الجنابة، لم يجزه تيممه عن الوضوء، قالوا: فيلزمه أن يتيمم له. والذي يترجح في نظري أن المنبغي على المكلف إذا أراد أن يتيمم أن يقصد استباحة الصلاة المفروضة، أو النافلة، إن كانت مفروضة تقيّد بالفرض حتى يخرج وقته، وصلّى بذلك التيمم الذي قصد به الإستباحة، وإن كانت نافلة نوى إستباحة النّفل مطلقاً، ثمّ صلى به جميع النوافل، وإن كان ما نواه إستباحة غير فرض، ونافلة مثل الطواف بالبيت، أو لمس المصحف؛ فإنه يتقيد به في نيّته، ويجزيه تيمم واحد على ظاهر حديث عمّار، وعمرو بن العاص ﵄، خاصّة على القول الذي رجحناه، وهو اعتبار التيمم مبيحاً، لا رافعاً. قوله ﵀: [وإِنْ نوى نَفْلاً، أو أَطْلَقَ لَمْ يصلّ بهِ فَرْضَاً]: مراده ﵀ بهذه العبارة ما تقدم معنا في نية الوضوء أن نية الأدنى لا تُجزئ لاستباحة الأعلى، كما هو الحال في الفرض، والنفل، وعليه فإنه إذا نوى نفلاً لم يصل به فرضاً؛ لأن نيّة الأدنى، لا تُبيح الأعلى، فكما أنه إذا توضأ لنفل لا يُصلي فريضة كذلك في التيمم؛ الدليل على هذا: ما ثبت في الصحيح عنه ﵊ من قوله: [إنما لِكُلّ امرئ مَا نوى]

стр. 337

فإنه يقتضي بمنطوقه: أن من نوى شيئاً كان له، وبمفهومه: أن من لم ينو شيئاً لم يكن له فما دام أنه نوى النفل، لا يستبيح الفرض. ودلّ العقل على ذلك أيضاً، وذلك في دليل القياس على الصلاة، ولذلك: لو أن إنساناً أحرم بالصلاة ناوياً النافلة، وأراد أن يقلبها إلى الفرض لم يصحّ إجماعاً، كذلك لو تيمم ناوياً النافلة لم يصحّ منه أن يستبيح الفريضة. قوله ﵀: [وإِنْ نَواهُ صَلّى كُل وَقْتِه فُرُوضاً، ونوافِلَ]: وإن نوى الفرض صلى كل وقته أي: وقت الفرض، فروضاً، ونوافل: يشمل ذلك الفروض إذا كان الوقت يسع فرضين، كما في الجمع بين الصلاتين جمع تأخير، ويشمل أيضاً الفرض إذا كان مقضياً ففي الجمع لو كنت مسافراً فأخّرت صلاة الظهر حتى دخل وقت العصر، ولم تجد ماءً، وأردت أن تجمع بين الظهر، والعصر صليتهما بتيمّم واحد، وهكذا لو أخّرت المغرب إلى صلاة العشاء، هذا بالنسبة للفروض المتعددة، إذا كانت في حال الجمع بين الصلاتين، وأما إذا كانت الفروض في الأداء، والقضاء فمثاله: أن يتيمم في وقت صلاة الظهر، وقد فاتته صلاة الفجر، أو أكثر من صلاة فله أن يصليها بتيمم واحد، فيجمع بين فرضين، وأكثر على هذا الوجه. قوله ﵀: [ويَبْطُلُ التيمُّمُ بِخروج الوَقْتِ]: بيّنا هذا فيما تقدم، وذكرنا أنه مبنيُّ على ظاهر آية المائدة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ فإن الله فرض على المكلفين الوضوء لكل صلاة، ثم نُسخ ذلك في الوضوء، فبقي التيمم على الأصل؛ لعدم ورود الدليل عن النبي ﷺ أنه تيمم، وصلى أكثر من صلاة، ثم وجدنا هذا الحكم، وهو أن

стр. 338

التيمم يبطل بخروج الوقت قد أفتى به أصحاب النبي ﷺ ، منهم عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وعبد الله بن عباس في إحدى الروايتين عنه، رضي الله عن الجميع أفتوا بأنه إذا خرج وقت الفريضة يتيمم لما بعدها من فريضة، فلو تيمم لصلاة الظهر وخرج وقتها وأراد أن يصلي العصر؛ استأنف تيممه، ويكون التيمم الأول باطلاً بمجرد انتهاء وقت صلاة الظهر. قوله ﵀: [وبِمُبْطِلاتِ الوُضُوءِ]: يعني يبطل التيمم بمبطلات الوضوء كأن يخرج منه ريح، أو بول، أو غائط؛ لأن النبي ﷺ قال: [لا يَقْبلُ الله صلاةَ أَحدِكمْ إِذَا أَحْدثَ حتّى يتوضأَ] فجعل الحدث في الوضوء ناقضاً، كذلك التيمم يعتبر الحدث ناقضاً فيه؛ لأنّ البدل يأخذ حكم مُبْدله. قوله ﵀: [وبوُجودِ الماءِ] قوله [وبوجود] الباء سببية أي: ويبطل التيمم بسبب وجود الماء وعليه فإن التيمم ينتقض بما ينتقض به الوضوء، والغسل ويزيد عليهما بأمرين: أحدهما: خروج الوقت. والثاني: وجود الماء. أما وجود الماء فلأنّ ما شُرع معلّلاً بعلّة يزول بزوالها، فقد شَرع الله التيممَ مُعلّلاً بعلة فَقْدِ الماء كما هو ظاهر القرآن، والسنة، أو عدم القدرة عليه كما هو ظاهر السُّنة في حديث عمّارٍ، وعمرو بن العاص ﵄، فلما أمكن المكلف أن يستعمل الماء، أو وجَدَه؛ زال الحكم بزوال علّته،

стр. 339

ولذلك يقولون: إنه إذا وجد الماءُ بطل تَيمّمه، ولزمه أن يغتسل، ويتوضأ؛ دلّ على هذا الحكم دليل الكتاب والسُّنة: أما دليل الكتاب؛ فقوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ فجعل التيمم معلقاً على عدم وجود الماء فدلّ على عدم جواز التيمم عند وجوده، وأنه يلزمه الرجوع إلى الماء، وهو الأصل عند وجوده. أكد هذا دليل السُّنة في حديث عمران ﵁ في الصحيح عنه ﵊ أنه صلى بالنّاس الفجرَ، فلما صلّى ﵊ رأى رجلاً لم يُصَلِّ في الناس قال: عليَّ به، فلما أُتي به قال: [مَا مَنَعكَ أَنْ تُصلّي في القومِ] قال: -يا رسول الله- أصابتني جنابة، ولا ماء، فقال ﵊: [عليكَ بالصّعيدِ؛ فإنَّه يَكْفِيكَ] ففي رواية: فلما مضى ﵊ وجد الماء بعث به إليه. وجه الدلالة: أنه جعل الحكم بتيممه موقوفاً على عدم وجود الماء، فدلّ على أنه إذا وجد الماء تُفقد الرخصة باستباحة الصلاة، ولذلك ألزمه بالماء عند وجوده. الدليل الثاني من السُّنة ما ثبت في الحديث الصحيح عنه ﵊ من حديث أبي ذر ﵁ أنه قال: [الصّعيدُ الطّيبُ طَهُورُ المسلمِ، ولو لمْ يجدِ الماءَ عشرَ سنينَ، فإذا وجَدَ الماءَ فليتّقِ الله، وليُمِسّه بشرَته]. ووجه دلالته في قوله: [فإذَا وجَد الماءَ فَليتّقِ الله، وليُمِسَّه بَشَرتَه] فدل على أن التيمم أولاً لا يرفع الحدث، وإنما يُبيح فعل الصلاة، وأنه إذا وجد الماء لزم على المكلف أن يُمسَّه بشرتَه، فيزول موجب الرخصة؛ وحينئذ

стр. 340

نحكم ببطلان تيممه، ووجوب الوضوء، والغسل عليه، فالحدث باقٍ على الأصل والتيمم غير رافع له، فإذا وجد الماء تعيّن عليه، ولزمه فبطل موجب التيمم من حصول الإستباحة، ولذلك قوله ﵊: [فإذا وجدَ الماءَ فليُمِسّه بشرَتَه] دال على أن الحدث لا زال باقياً، وأن التيمم يبطل بسبب وجود الماء. قوله ﵀: [والتّيمُّمُ آخرَ الوقتِ لراجِي الماءِ أوْلى]: إذا دخل وقت الفريضة على المكلف، فإن غلب على ظَنّه أنه سيجد الماءَ فحينئذٍ ينتظر وجوده، وهكذا أيضاً إن كان لا يدري: هل يمكنه أن يجده، أو لا يمكنه؟ بحيث لم يكن هناك غالب ظنِّ، وهي حالة الشكِّ؛ فحينئذٍ قالوا: إنه ينتظر من باب الاستحباب، وهو ما أشار إليه بقوله [أولى]، ولكن لو إستعجل، وتيمم، وصلى أجزأه ذلك ولا تلزمه الإعادة على ما ذكرنا فيمن وجد الماء قبل خروج الوقت، لكن هنا الأقوى إذا رجى أنه ينتظر لا على سبيل الأولوية بل إلزاماً. قوله ﵀: [ولَوْ في الصّلاةِ، لا بَعْدَها] أي: أن وجود الماء يوجب بطلان التيمم، ولو كان المتيمم وحده، أو علم بوجوده أثناء صلاته، فيحكم ببطلان الصلاة، ويجب عليه أن يتطهر بالماء، ودليل ذلك قوله ﵊: [الصّعيدُ الطّيبُ طَهُورُ المسلمِ، ولو لمْ يجدِ الماءَ عشرَ سنينَ فإذا وجدَ الماءَ فليُمسّهُ بَشَرته] فقوله: [فإذا وجدَ الماءَ فليُمسّه بشَرتَه] عام شامل لجميع الأحوال أي: سواء وجده أثناء الصلاة أو قبلها، فدل على أنه إذا وجد الماء بطلت طهارة التيمم ولذلك أمره بطهارة الماء في

стр. 341

قوله: [فليُمِسّهُ] أي: الماء، وإذا بطل التيمم بطلت الصلاة، وإذا حكمنا ببطلان التيمم إذا وجد الماء أثناء الصلاة فمن باب أولى أن نحكم ببطلان التيمم إذا وجده قبل الصلاة، وصلى بتيممه لخالفته النصوص السابقة ومنها قوله ﵊: [فإذا وجدَ الماءَ فليتّق الله، وليُمسّه بَشَرتَهُ]. وقوله ﵀: [لا بَعْدَها] أي: أنه لا تبطل صلاته إذا صلى متيمماً، ثم وجد الماء بعد فراغه منها لأنه قد فعلها على الوجه المعتبر شرعاً فبرئت ذمته منها بفعلها، فلم يُطالب بالإعادة، وقال بعض العلماء لكن يستحب له أن يعيدها ما دام في وقتها على سبيل الإستحباب، لا على سبيل الحتم والإيجاب، لكن تستثنى المسألة السابقة إذا غلب على ظنّه وجود الماء قبل نهاية الوقت كما قدمنا فإن الإعادة لازمة؛ للتفريط. قوله ﵀: [وصِفَتُه]: صفة الشيء: حليته، والأمور التي يتميز بها عن غيره، فإذا وصفت شيئاً فقد ميّزته عن غيره. وقوله ﵀: [وصِفَتُه]: الضمير عائد إلى التيمم، أي صفة التَّيمُّمِ الشرعية، وهي صفة الكمال لأن صفة الإجزاء تقدم بيانها في قوله: [وفُروضُه]. قوله ﵀: [أنْ يَنوي]: كما ذكرنا، النية شرط في صحة التيمم، والنية: تكون بقصد إستباحة الصلاة، وغيرها مما تشترط له الطهارة بحسبه. قوله ﵀: [ثمّ يُسمّي]: أي يقول: بسم الله، ولا تجب عليه. قوله ﵀: [ويَضْربُ الترابَ بيَديْهِ] لأنّ عماراً ﵁ وصفَ تيمّم النبي ﷺ فقال: [ثم ضربَ بِهما]-أي ضرب بيديه الأرض- وهذه

стр. 342

هي السُّنة: أنه يضرب على الأرض، فإن كانت الأرض صلبة كالحجر، ونحوه فإنه يمسح عليه، ولا يضرب. قوله ﵀: [مُفرّجَتيْ الأصَابِع]: قالوا: لأن النبي ﷺ وصف عمار ﵁ تيمّمه بقوله: [ضرب] والضرب لا يكون إلا في الأرض التي لها غبار، فدلّ على أنه قاصدْ للغبار، وإذا قصد الغبار فإنه يفرج بين أصابعه حتى يتخلل ما بينها، وقد تقدم الجواب عن هذا. قوله ﵀: [يَمْسَحُ وجْهَهَ بِباطِنها]: أي: باطن الكفين. قوله ﵀: [وكفيه بِراحَتَيْهِ] أي: ويمسح كفّيه براحتيه، والراحتان: مثنى راحة، وراحة الكفِّ بطنه من مجمع الأصابع عند باطن الكفِّ إلى الزندين، فيكون المسح بباطنِ الكفّين لظاهرهما. قوله ﵀: [ويُخلّلُ أصَابِعَه]: تقدم معنا معنى التخليل في الوضوء، والمراد هنا: أنه يستوعب كفيه بالمسح ... والله تعالى أعلى، وأعلم.

стр. 343

باب إزالة النجاسة قوله ﵀: [باب إزالة] الإزالة: المحو، وزوال الشيء: ذهابه. والنجاسة مأخوذة من النجس، وهو الشيء المستقذر، والمراد بها النجاسة الشرعية أي: التي حكم الشرع بقذارتها، ووجوب إزالتها لعبادة صلاة، ونحوها كالطواف بالبيت. [باب إزالة النجاسة]: أولاً: ما مناسبة هذا الباب للباب الذي قبله؟ والجواب: أن المصنف ﵀ شرع في هذا الباب في بيان النوع الثاني من أنواع الطهارة، وهو طهارة الخبث بعد بيانه للنوع الأول منهما، وهو طهارة الحدث، وطهارة الحدث السابقة بيّن فيها الوضوء، ونواقضه، والغسل، وموجباته، والبدل عنهما، وهو التّيمم، وبعد الفراغ من بيان جميع ذلك ناسب أن يعتني ببيان النوع الثاني من الطهارة، وهو طهارة الخبث، وهذا النوع يتحقق بإزالة النجاسة عن الثوب، والبدن، والمكان، وهو ما سيبينه ﵀. ثم إنّ الشرع قد أمر بإزالة النجاسة عن بدن المصلي، وثوبه، والمكان الذي يصلي فيه. أما أمره بإزالة النجاسة عن البدن فيدل عليه قوله ﵊ كما في الصحيح: [إِغْسِلي عَنْكِ الدمَ، وصلّ] فأمرها بطهارة بدنها من نجاسة الدم، وكذلك قوله كما في الصحيح: [إِذَا إسْتَيقظَ أحدُكمْ منْ نومِه

стр. 344

فليغسلْ يدَيه ثَلاثاً قبلَ أنْ يُدخلَهما في الإِناءِ] وغير ذلك من النصوص الواردة. وأما طهارة الثوب فقد أشار الله تعالى إليها بقوله: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ فأمر بطهارة الثوب للصلاة، وأما طهارة المكان فقد أمر بها النبي ﷺ كما في الصحيح في قصّة بول الأعرابي لما بال على أرض المسجد حيث قال ﷺ : [أَرِيقُوا عليه سَجْلاً مِنْ مَاءٍ] وكذلك أمر المصلي في نعليه إذا وجد فيهما الأذى أن يدلكهما. فهذه النصوص تدل على وجوب إزالة النجاسة في الثلاثة المواضع في: البدن، والثوب، والمكان، ثم إزالة النجاسة إما أن تكون بالماء، وإما أن تكون بما في حكم الماء في صور مخصوصة، فإزالة النجاسة بالماء هي الأصل؛ لأن الله -تعالى- بيّن في كتابه، وعلى لسان رسوله ﷺ أن الماء أصل المطهرات؛ فقال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ (١) أي: طاهراً في نفسه مُطهراً لغيره، وقال ﵊ في ماء البحر: [هُو الطَهُور مَاؤُه] فدلّ هذا على أن الماء هو الأصل في التطهير، وقد يكون التطهير بشيء في حكم الماء في صور مخصوصة، مثال ذلك: طهارة الخارج من السبيلين تكون بكل طاهر كالتراب، والحصى، والمنديل. قوله ﵀: [يُجْزِئُ في غَسْل النّجاساتِ كلّها إِذا كانتْ عَلى الأرضِ غسلةٌ واحدةٌ]: يجزئ: أي يكفي، وقوله: [في غَسْلِ النّجاساتِ] أي:

стр. 345

في تطهير النجاسة إذا كانت على الأرض، مثال ذلك: لو وقع بول على أرض مسجد، وكانت من تراب، يجزئ في طهارتها أن يَصبّ المكلفُ صبّةً من ماء تكون أكثر من البول، أما إذا كانت مثله، أو أقل، فإنها لا تُجزئ، إنما تكون مجزئة إذا كانت أكثر من النجاسة، ولذلك قال ﷺ : [أَريقُوا عليه سجلاً منْ ماءٍ] وذلك في تطهير موضع بول الأعرابي، وفي رواية: " دلواً مِنْ مَاءٍ " ووجه الدلالة من الحديث: أن النبي ﷺ لم يقل: أريقوا عليه ماءً، ولكن قال: " سجلاً " فدل على أن المكاثرة مطلوبة، وأنه لا يكفي أن تَصُبّ أيُّ ماء، بل لا بد من أن يكون أكثر من النجاسة المصبوب عليها، وجه ذلك في قوله: " سجلاً " فإن السجل كما هو معلوم الدّلو، بل قال بعض شراح الحديث: هو الدلو الكبير، وإن كان ظاهر الحديث السجل العرفي، وهو الدلو المعتاد، فإن الدلو إذا نظرت إليه قرابة السطل، وقرابة السطل إذا صببته على بول فإنه أضعاف البول، وهذا يدل على أن النجاسة تطهر بالمكاثرة، وعليه فيكون قول المصنف: [غَسْلةٌ واحدة] ليس هو على إطلاقه بحيث يشمل أيّ صبة، بل لا بد من أن تكون أكثر من النجاسة بحيث يغلب على ظنك أنها تزيلها، وهذا ما أكده بقوله بعد ذلك: [تذهب بعين النجاسة]، وهذا الحكم من سماحة الشريعة، ويسرها، ورحمة الله بالعباد، فإنك إذا نظرت إلى النجاسة إذا أصابت الأرض الترابية في مسجد، أو غرفة فإنه لا يمكن للمكلف أن يقلع التراب ويغسله مثل ما يفعل بثوبه، ولو أمر بذلك لكان فيه حرج، ومشقّة، فقال عليه

стр. 346

الصلاة والسلام: [أَرِيقُوا عليْه سَجْلاً منْ ماءٍ] فدلّ على سماحة الشريعة، ويسرها، فإنّ صَبَّ الماء على هذا الوجه أرفق بالناس. وقوله ﵀: [غسلة واحدة]؛ لقوله ﵊: [أَرِيقُوا عليْه سَجْلاً منْ ماءٍ] فلم يشترط سجلين، أو ثلاثة، فدلّ على أنّ الواجب، والمجزئ صبّةٌ واحدةٌ بشرط ما قدمنا، وهو أن تكون أكثر من النجاسة بحيث يحصل بها التطهير، وهذا الشرط أشار إليه المصنف ﵀ بقوله: [تَذْهَبُ بِعَيْنِ النّجاسةِ]: فلا بد من كونها تذهب بالنجاسة فلا يجزئ ما كان أقل من النجاسة، أو مثلها بحيث لا يغلب على الظن زوالها به، فيلزمه أن يزيد عليها فتكون أكثر من صبة إذا لم تزل؛ لأن الشرع قصد إزالة النجاسة، فإذا بقي أثرها كان صب الماء وجوده، وعدمه على حدٍّ سواء في إزالتها، ولذلك لا بد من أن يكون الماء المصبوب أكثر من النجاسة حتى تحصل غلبة الظن بزوالها، هذا كله إذا كانت الأرض ترابية، أما إذا كان ما على الأرض من القماش، ونحوه مما يُمكن رفعُه، وغسله، وتطهيره فإنه حينئذ يُرفع، ويُغسل؛ كالثوب؛ ولذلك يرفع القدر الذي أصابته النجاسة، ويصب عليه الماء هذه طريقة، أو يعصره إذا أمكن عصره، وأما إذا لم يمكن عصره مثل ما هو موجود الآن من السجاد البساط الموكيت، ونحوه مما يشقُّ فيه العصر فإنه يكفيه صب الماء، ثم يسحبُ، ويُشْفَط، أو يُنْصَبُ، ويجفّفُ حتى يغلب على ظنك أن النجاسة قد زالت، لأن مكاثرة الصبّ تُذهب عينَ النجاسة، وأثرها، ولا يشترط أمر زائد على ذلك.

стр. 347

قوله ﵀: [وعَلى غَيْرِها سَبعٌ، إحداها بترابٍ في: نجاسَةِ كلبٍ، وخنزيرٍ]: عندنا النجاسات إما مخصوصة، وإما عامة، فالنجاسة التي تقع على أرض المسجد صورة مخصوصة قلنا يكفى فيها غسلة واحدة تذهب بعين النجاسة، ولا يشترط العصر في ذلك كما ذكرناه. ثم يليها من المخصوصات نجاسة الكلب، والخنزير: أما نجاسة الكلب؛ فورد فيها حديث أبي هريرة، وعبد الله بن مُغفلٍ ﵄ الثابتان في الصحيح أنّ النبي ﷺ قال: [طُهُورُ إِناءِ أحدِكُمْ إِذا ولغَ فِيه الكلبُ أنْ يَغسِلَه سبعَ مَرّاتٍ] في رواية " إِحدَاهُنّ "، وفي رواية " أولاهُنّ بالتّرابِ " وفي رواية " وعَفّروهُ الثامِنَة بِالتُّرابِ " هذا الحديث دل على مسائل: المسألة الأولى: أنه إذا ولغ الكلب في الإناء، والولوغ أن يُدخل رأسه فيشرب من الإناء، أو يلحسه بلسانه، فإنه يجب غسله سبع مرات إحداهن بالتراب، وفي التراب ثلاث روايات رواية: " أولاهُنَّ " وصورتها أن تأخذ كفاً من تراب، وترميه في السطل، أو الماعون الذي ولغ الكلب فيه، ثم إذا رميت هذا الكفّ من التراب صببت الصبة الأولى من الماء، ثم الثانية، والثالثة، والرابعة، والخامسة، والسادسة، والسابعة، ويطهر الإناء بذلك، هذا إذا كانت غسلة التراب الأولى. وأما رواية: " إحداهُن " فهي مطلقة، إن شئت في الأولى كما ذكرنا، وإن شئت صببت الماء وغسلت الإناء الغسلة الأولى، ثم ترمي التراب بعد الغسلة الأولى، ثم تصب الماء للغسلة الثانية، فيكون التراب في الثانية،

стр. 348

وهكذا بقية الغسلات بشرط أن لا تتأخر عن الغسلة السابعة من الماء لأنها إذا تأخرت بعد السابعة إحتاج إلى غسلة ماء ثامنة، وهي زائدة على النصِّ. أما رواية: " عَفّروه الثامنة " فهي محل إشكال؛ لأنّ الظّاهر أنّ معناه أنْ يكون بعد غسله سبع مرات يصبّ التراب، ثم يحتاج إلى ماء بعد التراب، وهو قول شاذٌ قال به بعض السلف، والصحيح أن قول: " عَفّروهُ الثامنة بالترابِ " أنها ليست غسلة ثامنة في الترتيب، وإنما هي ثامنة من حيث العدد، فتشمل جميع الصور السابقة في رواية " أولاهُنَّ "، و " إِحْدَاهُنَّ "، ولا تشمل الصورة الشاذّة التي تفهم من ظاهرها، وبهذا يكون معناها أن يكون التراب في إِحدى الغسلات فيما قبل الغسلة الأخيرة، فهو غسلة ثامنة من حيث العدد، والحساب لا أنه يكون غسلة ثامنة ترتيباً، وبهذا يزول الإشكال، وتتفق الروايات، ولا تتعارض. وتلخص مما سبق: أن الحديث دلّ على وجوب غسل الإناء سبعاً، وتعفيره الثامنة بالتراب على الصّفة التي ذكرناها، متى؟ إذا حصل الولوغ، وينبني عليه: أنه لو أدخل رأسه، ولم يصب لسانه الماء، أو الإناء، فإنه لا يجب الغسل، ويبقى الإناءُ على أصله من كونه طاهراً، بمعنى أنه لا يكفى أن يدخل رأسه فقط، بل لا بد أن يلغ وهذا هو مفهوم الشرط في قوله ﵊: " إِذا وَلَغَ " فقيّد الحكم بوجود الولوغ. إذا ثبت أن الكلب يجب غسل ما ولغ فيه سبعاً، والثامنة بالتراب؛ فإنه يرد السؤال: هل الحكم مخصوص بالكلب؟ أو يُقاسُ عليه غيرُه؟

стр. 349

قال بعض العلماء: يُقاس على الكلب غيره، فلو أن خنزيراً أدخل رأسه، وولغ في الإناء يغسل سبعاً والثامنة بالتراب، وهذا مذهب الحنابلة كما نصّ عليه المصنف ﵀، وهو قول مرجوح، والصحيح أن الحكم يختص بالكلب، وأما الخنزير فإنه لا يأخذ هذا الحكم. والدليل على ذلك: أن النبي ﷺ نصّ على الكلب وحده، وكان الخنزير موجوداً في زمانه، فلو كان يأخذ حكم الكلب لنصّ على ذلك ﵊ ولقال: (والخنزير)، فاقتصاره على الكلب يدل على أن الحكم مختص به، وأنه لا يقاس عليه غيره. قال ﵀: [ويُجْزِئُ عَنِ التُّرابِ أشْنانٌ، ونَحوُهُ]: لا زال المصنف ﵀ يتكلم عن طهارة الإناء إذا ولغ فيه الكلب، وقد ذكرنا في المجلس الماضي أنّ النبي ﷺ أمر بغسل الإناء إذا ولغ فيه الكلب سبعاً، وأن يكون ضمن غسلات الماء غسلةٌ بالتراب، فقال ﷺ : [طُهُور إِناءِ أحدِكمْ إذا وَلغ فيهِ الكلبُ أنْ يَغْسلَه سبعَ مراتٍ أُولاهُنَّ -وفي رواية- إِحداهُنَّ بالتُّرابِ] وإذا ثبت أن الكلب إذا ولغ في الإناء وجب غسله سبعاً، والثامنة بالتراب. فإنه يرد السؤال: هل التراب مُتعينٌ، فلا يُجزئ عنه غيره، أم أنه غير متعين؟ في مذهب الشافعية، والحنابلة ﵏، وهم الذين يقولون بالتسبيع، والتتريب ثلاثة أوجه:

стр. 350

الأول: أنه متعيّن؛ إلا إذا لم يجد غيره، فيحل محله الأشْنانُ، ونحوه. والثاني: أنه غير متعيّن فيحل محله الأشنان، فالمكلف مخيّر إن شاء وضع التراب، وإن شاء وضع غيرَه. والثالث: أنه متعيّن، ولا يحل غيرُه محله، سواء وجد التراب، أو لم يجده. وأقوى هذه الأوجه الأول، فإذا لم يجد تراباً نظر إلى ما هو أقرب إليه، وهو الأُشنان، والصابون، ونحوه، ومشى المصنف ﵀ على القول بعدم التّعيين، وينبني عليه أنّ المكلف إِنْ شاء غسله بالتّراب، وإن شاء غسله بالأشنان، فهو مخيّر، ولا يتعيّن عليه التراب. قوله ﵀: [وفِي نجاسَةِ غَيْرِهِمَا سَبْعٌ بِلا تُرابٍ]: قوله: [وفي نجاسَةِ غيرهما]: أي غير الكلب والخنزير تغسل النجاسة سبع مرات بلا تراب، وللعلماء ﵏ في هذه المسألة ثلاثة أقوال: القول الأول: لا يجزي أقل من ثلاث غسلات، وهذا القول وجه عند الحنابلة، واختاره الإمام الموفق ابن قدامة كما هو ظاهرُ العمدة. القول الثاني: جميع النجاسات من غير الكلب، والخنزير يجزيء أن تَصبَّ عليها صبةً واحدةً تُذْهِبُ عينَ النجاسة، وأثرَها، وهذا القول مذهب جمهورِ العلماء، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمة الله على الجميع-. القول الثالث: لا بد في التطهير بسبع غسلات، فلو غسلت بأقل لا زال المحل نجساً، وهو إحدى الروايات عن الإمام أحمد ﵀، وهي التي مشى عليها المصنف ﵀ هنا في اختصاره. وعند النظر في أدلة هذه الأقوال الثلاثة يتخلص ما يلي:

стр. 351

أن أصحاب القول الأول إستدلوا بما ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ أنّ النبي ﷺ قال: [إِذَا استيقظَ أحدُكمْ مِنْ نَومِه؛ فَليغسِلْ يَديْهِ ثلاثاً قبلَ أَنْ يُدْخِلَهُما في الإِنَاءِ]، قالوا: إن النبي ﷺ أمر بغسل اليدين ثلاثاً قبل إدخالهما الإناء؛ فدلّ على أن النجاسة لا تزول إلا بثلاث غسلات تزول بها النجاسة. والحق أنك إذا غسلت ثلاثاً فإنك ترى أن النجاسة قد زالت في غالب الأحوال، والحكم في الشرع إنما يُنَاط بالغَالبِ. واستدل أصحاب القول الثاني: بأن الصبّةَ الواحدةَ التي تذهبُ بعين النجاسة مجزئة بدليل السنة في حديث أنس بن مالك ﵁ في الصحيحين في قصة بول الأعرابي، ووجه الدلالة: أن النبي ﷺ قال: [صُبوا عليْهِ ذَنوباً منْ مَاءٍ] ووجه الدلالة: أن النبي ﷺ اعتبر الصبة الواحدة مجزئة فدل على أن غسل النجاسة مرة واحدة يعتبر كافياً إذا أذهب عينها. واستدل الذين قالوا: بالسبع بحديث أيوب بن جابر، وهو حديث ضعيف: [أنّ النبي ﷺ أمرَ بغسْلِ النجاسةِ سَبْعاً]. والذي يترجح في نظري، والعلم عند الله هو القول الأول، وذلك لما يلي: أولاً: لظاهر حديث أبي هريرة ﵁، فإنك إذا نظرت في حديث أبي هريرة ﵁ مع أن النجاسة مشكوك فيها، يقول ﵊: [فَلْيغسِلْ يديْهِ ثلاثاً قبلَ أَنْ يُدخِلهُما فِي الإِناءِ].

стр. 352

ثانياً: أما حديث الأعرابي الذي فيه صبّة واحدة، فمحمول على الخصوص لأن الأرض لا يمكن عصر النجاسة التي عليها كما تقدم معنا في شرح الحديث، فنقول: الأصل التثليث إلا إذا كانت النجاسة على الأرض فصبّة واحدة تذهب بعينها، فنستثني هذا الخاصَّ من العامِّ. ومما يقوي دليل التثليث: أنّ النبي ﷺ أمر من ذهب إلى الغائط أن يأخذ ثلاثة أحجار، وهذا يقوي الأصل الذي ذكرناه من التثليث. ثم إن شاهد الحس أن الغالب في الثلاث أنها تزيل النجاسة فصار الإعتداد بها لأن الحكم للغالب. تنبيه: محلُّ الخلافِ: إذا زالت النجاسة في كل قول بحسبه، أما إذا لم تزل النجاسة بثلاث، فإنه بالإجماع يطالب بالزيادة عليها حتى تزول، فهو مطالب بإزالة النجاسة حتى ولو وصل إلى عشر غسلات عند الجميع. قوله ﵀: [ولا يَطْهُر متنَجّسٌ بِشمسٍ، ولا بِريحٍ، ولا دَلْكٍ] مراده ﵀: أن إزالة النجاسة تكون بالماء على الأصل، ولا يحصل إزالتها بالتبخر بالشمس أو بالريِح، أو بالدّلك، ومن أمثلة ذلك: لو أنك رأيت النجاسة قد أصابت طرفاً من الأرض تصلي عليه، ثم هذا الموضع أصابته الشمس أياماً، ثم إنك وقفت عليه بعد ذلك فلم ترَ أثراً للنجاسة فقد زال أثر النجاسة عنه بالشمس فهل نحكم بطهارته، إختلف العلماء ﵏ في هذه المسألة على قولين: القول الأول: أن النجاسة لا تطهر بالشمس، بل لا بد من الغسل، وبه قال جمهور العلماء ﵏.

стр. 353

القول الثاني: أن النجاسة تطهر بالشمس، وبه قال الإمام أبو حنيفة، واختاره شيخ الإسلام ﵀. إستدل أصحاب القول الأول بما ثبت في الصحيح في قصة الأعرابي أنه لما بال في المسجد قال ﵊: [أَرِيقُوا عَلى بَوْلِهِ سَجْلاً منْ ماءٍ] قالوا: لو كانت الأرض تَطْهُر بالشمس لما أمر النبي ﷺ الصحابة بأن يتكلفوا بصبّ الماء على الموضع، ولترك الموضع حتى يطهر بالشمس خاصة، وأن أكثر مسجده ﵊ لم يكن مسقوفاً، والغالب أن البول يكون في غير المسقوف، لأن الغالب في الأعرابي في مثل هذه الحالة أن يقصد الموضع المكشوف من المسجد، دون المسقوف. واستدل أصحاب القول الثاني بأن الشّمس تُطهّر كالماء بدليل العقل، وقالوا: " إِنّ الحُكْمَ يدورُ مع علتهِ وجُوداً، وعَدما " فلما كان حكمنا بنجاسة الثوب مبنياً على وجود النجاسة في الثوب؛ فإنه ينبغي أن يزول هذا الحكم بزوال النجاسة، وقد زالت بالشمس، فنرجع إلى الأصل الموجب لطهارة الموضع. والذي يترجح في نظري , والعلم عند الله هو القول بعدم التّطهير بالشمس، وذلك لما يلي: أولاً: أنّ الأصل في الطهارة أن تكون بالماء، وهو الذي دلت عليه نصوص الشريعة: ففي الكتاب قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ أي: مطهراً، وفهم منه بعض العلماء ﵏: أن التطهير لا يكون بغيره؛ إلا ما استثناه الشرع، ولم يرد في الشمس إستثناء فبقيت على الأصل.

стр. 354

ثانياً: قوة ما ذكره أصحاب هذا القول من دليل السنة. قوله ﵀: [ولا رِيحٍ] أي لا يطهر الموضع المتنجس بالرّيح إذا أذهبت الريح النجاسة، مثال ذلك: لو أن إنساناً أصابت ثوبه نجاسةٌ، فنشره، فجاءت الريح وعبثت بالثوب حتى لم يبق للنجاسة أثر في الثوب؛ فحينئذٍ نقول: إن جريان الريح لا يوجب زوال الوصف المستيقن من كونه نجساً، بل لا بد من الغسل. قوله ﵀: [ولا دَلكٍ] مراده أن الدّلك لا يُزيل النجاسة، وهذا هو الأصل فيه: أنه لا يزيل النجاسة إلا أن الشرع استثنى بعض الأحوال، فاعتبره مزيلاً فيها، ومن هنا فإن للدّلك حالتين: الحالة الأولى: ثبت الشرع باعتبارها مُطَهِّرةً. والحالة الثانية: بقيت على الأصل من كون الموضع لا يطهر إلا بالغسل. أما الحالة التي ثبت الشرع باعتبار الدّلك فيها مطهراً فهي في نجاسة الحذاء، وثوب المرأة؛ ففي الحديث الصحيح عن النبي ﷺ أنه أمر بالصلاة بالنعال، ومخالفة اليهود فقال: [صَلُّوا في نِعَالِكُمْ] ثم قال: [فإِنْ وجَدَ أحَدكُم فِيهما أذَىً فليدْلكهما بالأرض، ثم ليُصلِّ فِيهِما]، فدل هذا على أن النجاسة تطهر بالدّلك، لعموم الأذى. ولما سُئل ﵊ عن ثوب المرأة يصيب النجاسة عند جرّها له؛ لأن السُّنة في المرأة إذا لبست العباءة أن تكون سابغة بحيث تزيد إلى شبر، أو ذراع، وهذا أبلغ في السّتر، وهذه سنّة أضاعها كثير من نساء المؤمنين خاصةً في هذا الزمان، فلما سُئلَ عما يُصيبهُ ذلك الثوب من النجاسة فقال:

стр. 355

[يُطَهّرهُ ما بَعْده] يعني: لو مرّت المرأة بعباءتها على نجاسة، ثم مرّت على موضع يابس أو على تراب يابس؛ فإن احتكاك هذا الثوب بالتراب يعتبر منظفاً له، كما لو صبّ الماء عليه، ولما كان الصحابة ﵃ يعلمون أنه سيمر على تراب، واستنكروا بقاء هذه النجاسة مع كونه يمرُّ على تراب دلّ هذا على أن الأصل في النجاسات أنها تغسل، إِذْ لو كانت بكل طاهر تزول لما استشكل الصحابة ﵃ كون المرأة تمرُّ بعباءتها، وتجرها على الأرض اليابسة. إذا ثبت هذا؛ فإن الدّلك في الأصل غير مزيل للنجاسة إلا ما ورد الشرع باعتباره فيه مزيلاً كما في مسألة الحذاء، وثوب المرأة. قوله ﵀: [ولا استحالة غير الخمرة]: الإستحالة: إستفعال من التحوّل، وهو الانتقال، والتبدل، والإستحالة تكون بنفس الشيء فتتحول المادة النجسة مع مرور الزمن إلى طاهرة، وقد تتحول بفعل فاعل. فأما ما كان من الإستحالة ناشئاً من نفس الشيء فالأصل أنه متنجس لا يحكم بطهارته إلا بالغسل إعمالاً للأدلة الشرعية التي أمرت بغسل النّجس، إلا أن الشرع استثنى الخمر إذا تخلّلت بنفسها كما سيأتي بإذن الله. وأما ما كان من الإستحالة ناشئاً من فعل المكلف؛ فإنْ كان بصبّ الماء الطهور، أو الطاهر على الماء المتنجس بأكثر منه حتى يغلب على الظن تغيّره به، فإن كان طهوراً صار الماء المتنجس طهوراً بالمكاثرة، وإن كان طاهراً صار طاهراً كذلك، وهذا النوع راجع إلى تطهير النجاسة بالماء، ولا إشكال فيه، وقد ثبتت السنة باعتبار أصله، كما في حديث أنس رضي الله
следующие страницы →