فَيرِدُ السؤال: لو أن إنساناً سألك يوماً من الأيام وقال لك وجدتُ إناءً ليهودي هل يجوز لي أن أتوضأ به، أو اغتسل منه، أو أكل، أو أشرب فيه؟ هذا سؤال وارد، ولذلك بينت الشريعة حكم آنية الكفار في أكثر من حديث، وقد إختلف العلماء ﵏ في هذه المسألة.
وتوضيحها أن أواني الكفار لها حالتان:
الحالة الأولى: أن تكون جديدة غير مستعملة كالأواني التي تأتي منهم جديدة مصنّعة من مواد طاهرة كالحديد، والنحاس، والصفر، والخشب، ونحوه فهذه طاهرة، ويجوز الانتفاع بها بلا إشكال، لأن اليقين طهارتها، وليس هناك دليل على النجاسة؛ فنبقي على الأصل الموجب لطهارتها، وإباحة إستعمالها.
الحالة الثانية: أن تكون أواني الكفار مستعملة، فإن كانت مستعملة فإن رأيت استعمالهم للنجاسة فيها مثل: أن ترى الإناء، وفيه النجاسة فبالإجماع أنه نجس، ولا يجوز استعماله حتى يُغْسَل، فلو أن كأساً صُبَّ فيها خمر؛ فإنه لا يجوز استعمالها، إلا بعد غسلها، وتنظيفها، وهكذا الوعاء إذا طُبخَ فيه خنزير، أو وُضع فيه؛ فإنه نجس، ويغسل ليُطهّر.
وأما إذا كانت هذه الأواني مغسّلة عندهم، ولم يجد الإنسان غيرها، وكانوا قد أكلوا فيها، أو شربوا فهذا للعلماء فيه وجهان: منهم من قال: لا تستعمل إلا أن يضطرّ إليها، لما ثبت في الصحيح من حديث أبي ثعلبة الخُشني ﵁، قال: -يا رسول الله- إني بأرض قومٍ أهلِ كتابٍ أفنأكلُ في آنيتهم؟ فقال ﷺ : [لا إِلا أنْ لا تَجدُوا غيرَها؛
стр. 72
فاغسِلُوها، ثم كُلوا فيها]، فدلّ هذا الحديث على أن آنية الكفار التي يستعملونها لا يؤكل فيها، وقد عارض هذا الحديث حديثٌ ثانٍ، وهو أكل النبي ﷺ من آنية الكفار، ففي حديث أحمد في مسنده أن النبي ﷺ إستضافه يهودي على خُبزٍ، وإهالةٍ سَنخةٍ فأكل النبي ﷺ منها.
وكذلك -أيضاً- ثبت في الصحيح عنه ﵊: أن إمرأةً يهودية دعته إلى شاةٍ، ووضعت السمَّ فيها، فأكل منها ﵊، فدل هذا على أن آنية الكفار يؤكل فيها، قالوا: أما الشرب، والوضوء ففي الصحيحين عن النبي ﷺ أنه لما لقي المرأة المشركة التي معها المَزادةُ توضّأ هو، وأصحابه منها. قالوا: فهذا يدل على أن أواني الكفار يؤكل فيها، ويشرب منها ما لم تُعْلم نجاستها.
ويمكن الجمع بين هذه الأحاديث بأن يقال: إن كانت آنيتهم على حالة يغلب على الظن طهارتها جاز إستعمالها، وإعمال الأصل، والظاهر الموجب للحكم بالسلامة، وهذا مثل حاله ﵊ في وضوئه من مزادة المشركة، لأن المزادة لا يمكن بحال أن يوضع فيها ماء الشرب إلا إذا كانت طاهرة سالمة من الدنس، والنجاسة.
ومثله أكله من طعام اليهودي، واليهودية لأن الآنية لا يوضع فيها الطعام للضَّيف إلا بعد غسلها وتنظيفها، بل قد تجد الإنسان يحتاط للضَّيف أكثر مما يحتاط لنفسه، فظاهر حالها أنها طاهرة، ثم إن الشاة، والخبز، والطعام الذي جُعل فيها طاهر.
стр. 73
وأما حديث أبي ثعلبة ﵁ فالسؤال فيه جاء عن إستعمال آنيتهم التي يستعملونها، وأهل الكتاب يشربون الخمور، ويأكلون الخنزير، فاجتمع الحرام في المأكول، والمشروب، فمنعه النبي ﷺ أن يستعمل آنيتهم، واستثنى حالة وجود الحاجة فأجاز له إستعمالها على وجه يضمن معه سلامة الإناء من المحرّم النجس، والفرق بين الحالتين ظاهر، فجاز في الأول الأكل، والشرب لغلبة السلامة، والطهارة، وحُرّما في الثاني لغلبة النجاسة. والله أعلم.
وبناء على ما تقدم فهناك ثلاث حالات لأواني أهل الكتاب:
الأولى: أن تكون جديدة من مواد طاهرة، أو ظاهرها السلامة كما في حديث مزادة المشركة، فلا إشكال في طهارتها، وجواز إستعمالها إعمالاً للأصل الشرعي، وأما إذا كانت مصنوعة من مواد نجسة مثل: أن تصنع من جلود الحيوانات التي هي محرمة الأكل فمثلها لا تطهر بالدباغة، فلا إشكال في تحريمها جديدة كانت، أو قديمة.
الثانية: أن تكون متنجسة مثل: أن يضعوا فيها نجاسة من مأكول كالخنزير، أو مشروب كالخمر، فلا إشكال في نجاستها، فيجب غسلها، وتطهيرها، ولا يجوز إستعمالها إلا أن لا يجد غيرها لحديث أبي ثعلبة ﵁.
الثالثة: أن لا نعلم بنجاسة فيها، أو طهارة، وتكون من مواد مباحة طاهرة: فلا يجوز إستعمالها؛ إلا أن لا يجد غيرها، فيغسلها، ثم يأكل فيها لعموم حديث أبي ثعلبة ﵁.
стр. 74
قوله ﵀: [وتُباحُ آنيةُ الكفارِ، ولوْ لَم تَحلّ ذبائحُهم]: أي يباح لك إِستعمال أوانيهم، ولو لم تحل ذبائحهم؛ لأن بعض العلماء يقول يباح آنية أهل الكتاب الذين تحلُّ ذبائحهم، وأما غيرهم ممن لا تحل ذبائحهم فلا تباح آنيتهم، فبيّن ﵀ أن الإباحة لأواني الكفار عامة، سواء كانوا ممن تحلّ ذبائحهم، أو من غيرهم.
قوله ﵀: [وثيابهم إِنْ جُهِلَ حَالُها]: ثياب الكفار لها ثلاث حالات:
الحالة الأولى: أن تكون جديدة لم تُلبس كأن تأتي من بلاد الكفار جديدة لم تُستعمل؛ كالثياب المصنّعة في بلاد الكفار من مواد طاهرة، وبطريقة لا شبهة فيها؛ فحكمها الطهارة يقيناً؛ فأيُّ ثوب جديد، ولو جاء من ديار الشرك، والكفر تقول: اليقين أنه طاهر، والعبرة بطهارته حتى أرى النجاسة فيه، أو عليه، ودليل هذه الحالة حديث عائشة ﵂ في الصحيح: [أنّ النبي ﷺ كُفِّنَ في ثلاثةِ أثوابٍ بيضٍ سَحُوليةٍ] وسحول: موضع باليمن تصنع فيه هذه الثياب، وكانت اليمن أرض أهل الكتاب حتى آخر حياة النبي ﷺ كما يشهد لذلك حديث معاذ ﵁ لما بعثه ﵊ إليها في آخر سنةٍ من حياته فقال له: [إِنك تأتي قوماً أَهلَ كتاب]، فدل هذا على جواز لبس الثياب المصنّعة في بلاد الكفر من مواد طاهرة، ومثله لبسه ﵊ للبُرُد النَّجْرانِيّةِ.
стр. 75
الحالة الثانية: أن تُرى على ثوب الكافر النجاسة فحكمه: أنه نجس، وذلك مثل: ثوبه إذا أصابه بول، فإنه متنجس، فيلزم تطهيره إذا أراد لبسه، والصلاة فيه.
الحالة الثالثة: وهي التي فيها الإشكال: إذا كان ثوباً يستعمله الكافر، ولم تُرَ نجاسة عليه، فهل هو نجس، أو طاهر؟
قال بعض العلماء: ثياب الكفار أُعمِلُ فيها اليقين، فاليقين أنها طاهرة حتى أرى النجاسة عليها، هذا مذهب من يتسامح فيها، بناء على الأصل من طهارتها.
المذهب الثاني يقول: ثياب الكفار الظاهر نجاستها.
والمذهب الثالث التفصيل: فإن كان ممن يتوقى النجاسات كأهل الكتاب حكم بطهارتها، وإن كان ممن لا يتوقون النجاسة كالمشركين حكم بالنجاسة، ثم يتأكّد هذا في الثياب التي تلي العورة؛ كالسروال، والإزار، ونحوهما، بخلاف ما إذا كان مما لا يلي العورة كالعمامة، والطاقية، ونحوها وهذا هو الأرجح في نظري لأنه مبني على مراعاة الأصل الموجب للحكم بالطهارة، واستثناء الغالب الذي يُقوِّي دليلُ الظّاهرِ الحُكمَ بالنجاسة فيه، وهي الثياب التي تلي موضع النجاسة.
قوله ﵀: [ولا يَطْهُرُ جِلدُ ميْتَة بدِبَاغٍ] معناه: أن جلد الميتة لا يطهر إذا دبغ، فهو نجس في كلتا الحالتين دُبغَ، أو لم يُدبَغ، وهذه المسألة فيها قولان مشهوران:
стр. 76
القول الأول: أنه إذا دُبِغَ حُكِمَ بطهارته، وهو مذهب الجمهور من حيث الجملة، واستدلوا بما ثبت في الصحيح عنه ﵊ أنه مرّ على شاة ميتة فقال: [هلا إنتَفَعتُمْ بِإهَابِها؟] فقالوا: يا رسول الله إنّها ميتة، فقال ﵊: [إذا دُبِغ الإهابُ فَقدْ طَهُر] فقد نصَّ ﵊ على أن جلد الميتة يطهر بالدبغ، وهو ما أكّده بقوله في الحديث الحسن: [دِباغُ الأَدِيمِ ذَكاتُه] فكما أن الذكاة تعمل في طهارة لحم الحيوان المباح الأكل، كذلك الدِّباغ يعمل في طهارة الجلد في الميتة المحرمة الأكل.
القول الثاني: لا يطهر جلد الميتة بالدبغ، وهو مذهب الحنابلة، واستدلوا بحديث عبد الله بن عُكَيْمٍ عن أشياخ من جُهينَة أنهم أتاهم كتابُ النبي ﷺ قبل أن يموت بشهرٍ، أو شهرين: [أَلا تَنْتَفعوا من الميتةِ بإهابٍ، ولا عَصَبٍ]، فقالوا: إن هذا الحديث ناسخٌ، لكونه متأخراً في آخر حياته عليه الصلاة، والسلام.
والذي يترجح في نظري والعلم عند الله هو القول بطهارة جلد الميتة بالدبغ، وذلك لما يلي:
أولاً: لصحة دلالة السنة الصحيحة على ذلك كما تقدم بيانه.
ثانياً: وأما الاستدلال بحديث عبد الله بن عُكيمٍ فيجاب عنه من وجهين:
الوجه الأول: ضعف إسناده، فقد ضعّفه غير واحد من الأئمة ﵏، وعن الإمام أحمد ﵀ أنه رجع عن هذا الحديث في آخر حياته، كما نقل الترمذي ذلك عنه، وبيّنا في شرح البلوغ الكلام على سنده.
стр. 77
الوجه الثاني: لو سُلّم تحسينه، فإنه لا يقوى على معارضة ما هو أصح منه؛ لأن الحديث الحسن لا يعارض الصحيح.
ثم إن دعوى النسخ للتحريم محتملة، لأننا لا ندري أيهما سبق، وخلال الشهر، والشهرين قد يطرأ التشريع، خاصة وأن حديث الجمهور يفهم منه أن الصحابة ﵃ كانوا يرون تحريم الانتفاع، ثم نصّ ﵊ على حلِّه، وحينئذ يكون دعوى نسخ التحريم أقوى من دعواهم لنسخ الحلِّ.
وعل كلٍ فليس هناك ما يدل على النسخ صراحة، وكونه قبل الوفاة بشهر، أو شهرين لا يستلزم النسخ مع ما في الحديث من ضعف الإسناد.
فالمصنف ﵀ مشى على المذهب المرجوح، وهو: أنه لا يطهر جلد الميتة بالدبغ.
قال ﵀: [ويباحُ استعمالُه بعدَ الدَّبغ في يابسٍ من حيوانٍ طاهرٍ في الحياة]: هذا على القول بنجاسته، فإننا إذا حكمنا بنجاسته على القول المرجوح؛ فإنه يجوز الإنتفاع به في اليابسات، دون المائعات عندهم؛ لأن المائعات لو وضعت في جلد الميتة ما الذي يحدث لها؟
الجواب: تتنجس، وأما على القول الراجح فإنه يجوز الإنتفاع بجلد الميتة المدبوغ في اليابس، والمائع؛ لأنه طاهر.
قوله ﵀: [ولبنها، وكلُّ أجزاءِها نجسة]: ولبنها نجس؛ لأن الله حرم الميتة، ولم يفرق بين لبنها، ولا غيره، وهناك قول ببقائه على أصل الطهارة ما لم يحدث فيه تغيير في صفاته.
стр. 78
وقوله: [وكلُّ أجزائها] أي التي تحلها الحياة، كاليد، والرجل، والرأس، فكلّها نجسة، ولا يجوز الإنتفاع بها لعموم التحريم.
قوله ﵀: [غَير شَعرٍ، ونحوه]: شعر الميتة للعلماء فيه وجهان مشهوران: فجماهير العلماء على أن شعر الميتة يعتبر مما لا تحله الحياة بمعنى أنه يجوز لك أن تنتفع بشعر الميتة؛ لأنه في حياتها يُجزُّ منها، ولا يحكم بنجاسته بالإجماع كما قال تعالى: ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا﴾ (١) فدل دليل القرآن على طهارة الصوف، والوبر، وما يُستخلص من شعور بهيمة الأنعام، وأنتم تعلمون أن شعور بهيمة الأنعام تؤخذ منها بالحلاقة في حال حياتها، وقد قال ﷺ : [ما أُبِينَ مِنْ حي؛ فهو كَميْتَتِه] فلو كانت الشعور تحلُّها الحياة لحكم بنجاسة الشعر، وعدم جواز الانتفاع به، فلما إمتنّ سبحانه بالصوف، والوبر، وأحلّه لعباده دل ذلك على أن شعر الميتة إذا جُزَّ منها؛ فإنه طاهر يجوز الانتفاع به.
قوله ﵀: [وما أُبِينَ مِنْ حي فهو كَميْتَتِهِ]: معناه: أن ما قُطع من الحيوان في حال حياته أخذ حكم ميتته، فإذا كانت ميتته نجسة محرّمة، كان ذلك الجزء المقطوع نجساً محرّماً، والعكس بالعكس، فلو كانت ميتته محكوماً بطهارتها، وحلّها، فإنه إذا قُطع منه جزء، وهو حيٌّ كان ذلك الجزء طاهراً مباحاً، كالسمك، فلو أن إنساناً قطع ذنب سمكة، وهي حية وفرّت فهل يجوز له أن يأكل هذا الذنب؟
стр. 79
الجواب: نعم؛ لأن ميتة السمك نفسها يجوز أكلها لقوله ﵊: [هو الطَهُورُ ماؤُه الحلُّ مَيْتَتُهُ] فيجوز له أن ينتفع بجزء السمك؛ لكن لو أن إنساناً قطع رجل شاة، وهي حيّة فما حكم هذه الرِجْل؟ الجواب: أنها تأخذ حكم ميتتها، فهي تكون كميتة الشاة، وميتة الشاة نجسة، ومحرّمة الأكل، كذلك رجْلُها إذا قطعت في حال حياتها فإنها يحكم بنجاستها، إلا أنه في المسألة الأولى لا نحكم بجواز قطع ذيل السمكة، وجزئها لأنه تعذيبٌ، ومُثْلةٌ، وقد نهى النبي ﷺ عن تعذيب الحيوان، وعن المُثْلَةِ كما في الصحيح عنه ﵊، فلا يجوز له فعل ذلك إختياراً لكن لو حصل إضطراراً جاز، والله تعالى أعلى وأعلم.
стр. 80
باب الإستنجاء
قال ﵀: [باب الإستنجاء]: الإستنجاء استفعال من النّجْو، وأصله: القطعُ للشيء، يقال: نجوت الشجرة أي: قطعتها، والسين، والتاء للطلب.
قال العلماء: سُمي قطع البول، والغائط بالماء، والحجارة إستنجاءً؛ لأن المكلف إذا فعله فقد حصلت له الطّهارهَ، والنقاء، وبالطهارة، والنقاء ينقطع أثر النجاسة فلذلك وصف بكونه استنجاء، أي طلباً لقطع النجاسة الخارجة.
وباب الاستنجاء باب مهم؛ لأنه يتعلق بالنوع الثاني من أنواع الطهارة، وهو طهارة الخبث فإن الله أمر كل من أراد أن يصلي أن يكون قد حصَّل الطهارتين:
الأولى: من الحدث.
والثانية: من الخبث.
فأما طهارة الخبث: فيراد بها نقاء الثوب، والبدن، والمكان، وهي التي يتعلق بها باب الاستنجاء حيث بيّن العلماء ﵏ فيه طهارة البدن من الخارج، وحكم إزالة النجاسة عن الثوب، والمكان.
وأما طهارة الحدث: فهي الغسل، أو الوضوء، والبدل عنهما، وهو التَّيَمُّمُ.
стр. 81
هذا الباب يسميه بعضهم: بباب الاستنجاء، ويسميه بعضهم: بباب آداب قضاء الحاجة، ويسميه بعضهم بباب الخلاء، وآداب الخلاء، ومراد العلماء ﵏ أن يذكروا فيه الآداب الشرعية المتعلقة بالإنسان إذا أراد أن يقضي حاجته سواء كانت بولاً، أو غائطاً، وهذا الباب وردت فيه النصوص الصحيحة عن النبي ﷺ القولية، والفعلية، وبينت هدي رسول الله ﷺ في قضائه لحاجته، ولذلك وصفه العلماء بباب آداب قضاء الحاجة.
فمن يقول: باب آداب قضاء الحاجة إستنبط ذلك من قول النبي ﷺ : [إذا قَعَدَ أحدُكمْ لحاجَتِه].
ومن سماه بباب الاستنجاء فقد إستنبط ذلك من حديث سلمان ﵁، وفيه: " نَهانا أنْ نَستنْجِي بروثٍ، أو عظمٍ " فقالوا: باب الاستنجاء.
ومن سماه بباب آداب الخلاء فانتزعه من حديث أنس ﵁: أنّ النبي ﷺ كان إذا دخل الخلاء قال: [اللهم إني أعوذُ بكِ من الخبثِ، والخبائِثِ].
وآداب الخلاء تنقسم إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: آداب قبل دخول موضع قضاء الحاجة.
والقسم الثاني: آداب أثناء قضاء الحاجة.
والقسم الثالث: آداب بعد الفراغ من الحاجة.
وكلها وردت فيها أحاديث عن النبي ﷺ أو أُخذت من أصول الشريعة العامة، وهي جميعها منها: ما هو قولي، ومنها: ما هو فعلي.
فأما الآداب التي هي قبل قضاء الحاجة فمنها:
стр. 82
أنه إذا أراد أن يدخل الخلاء يقول: [اللهمّ إِني أَعوذُ بكَ من الخبْثِ، والخبائثِ] فهذا أدب يسبق قضاء الحاجة، وهو أدب قولي.
وأما الفعلي: فمنه الإبعاد، والإستتار فيطلب مكاناً بعيداً عن أعين الناس ساتراً.
وأما الآداب التي تكون أثناء قضاء الحاجة فمنها: أن لا يستقبل القبلة، ولا يستدبرها ببول، ولا غائط لما ثبت في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال:
[إذا أتيتمُ الغائطَ؛ فلا تَسْتقبلوا القبلةَ، ولا تسْتدبروها ببولٍ، ولا غائطٍ، ولكنْ شرّقوا، أو غرّبوا] وهو أدب فعلي.
والقولي: أن لا يتكلم أثناء قضاء الحاجة ولذلك ورد في الحديث قوله ﵊: [لا يَذهبُ الرجلانِ يضْربانِ الغائطَ يكلّم أحدُهما الآخَر فإنّ الله يَمقتُ ذلك].
وأما الآداب التي تكون بعد الفراغ من قضاء الحاجة فمنها قوله: [غُفْرانَك] وهو أدب قولي، والفعلي: أن يقدم رجله اليمنى، ويؤخر اليسرى عند الخروج، فأصبح هدي النبي ﷺ في قضاء الحاجة مشتملاً على ثلاثة أنواع من الآداب على حسب الأحوال:
النوع الأول: آداب قبل دخول الخلاء.
والنوع الثاني: آداب أثناء قضاء الحاجة.
والنوع الثالث: آداب بعد الانتهاء، والفراغ من الحاجة، فالعلماء ﵏ يذكرون في هذا الباب ما يسن للمسلم أن يفعله قبل دخول الخلاء،
стр. 83
وما يسن له فعله، وهو أثناء قضائه لحاجته، وما يسن له فعله بعد فراغه، وانتهائه منها.
قال المصنف ﵀: [باب الاستنجاء]: أي في هذا الباب سأذكر لك جملة من الأحكام، والمسائل الشرعية المتعلقة بالاستنجاء.
قال ﵀: [يُستحبُ عندَ دخولِ الخلاءِ قولُ: بِسمِ الله، أعوذُ بالله من الخبْثِ، والخَبائثِ]: قال المصنف ﵀: [يُستحبُّ عنْد دخولِ الخلاء]: أي قبل أن يدخل الإنسان الخلاء يستحب له أن يقول: [بسم الله أعوذ بالله من الخبث والخبائث] لما ثبت في الصحيحين من حديث أنس ﵁ وأرضاه أنه قال: كان النبي ﷺ إذا دخل الخلاء قال: [اللهمّ إِني أعوذُ بكَ من الخُبْثِ والخبائثِ] هذا هو الثابت في الصحيحين، وأما لفظة: بسم الله، فقد ورد فيها حديث عن النبي ﷺ في السنن، وأنه إذا قالها الإنسان عند رفع ثوبه، أو نزع الثياب؛ فقد ستر عن أعين الجن، وهو حديث متكلم في سنده.
وقوله ﵀: [يُستحبُّ لمنْ دخلَ الخلاءَ] أي: موضع قضاء الحاجة، ولا يخلو الموضع الذي يريد الإنسان أن يقضي حاجته فيه من حالتين:
الحالة الأولى: أن يكون مهيأ لقضاء الحاجة مثل: دورات المياه الموجودة في زماننا.
والحالة الثانية: أن يكون غير مهيىءٍ في أصله لقضاء الحاجة، مثل: البراري، والفلوات فهذه المواضع يقضي الإنسان حاجته فيها دون أن يكون فيها بناء مخصوص مُعدٌ لقضاء الحاجة.
стр. 84
وحينئذ يرد السؤال: متى يكون هذا الإستحباب لقول الذكر في الحالتين؟ والجواب: أنه في الحالة الأولى: يقوله قبل أن يدخل في الدورة، والمكان المعدِّ لقضاء الحاجة، فيكون عند إرادة الدخول، لأن الذكر لا يجوز في موضع قضاء الحاجة، فيقوله قبل الدخول لذلك، ومن هنا يكون قوله ﵀: [يستحبُّ لمنْ دخلَ الخلاءَ] المراد به أنه يستحب لمن أراد الدخول، أي قبل دخوله مباشرة.
وأما في الحالة الثانية: فإنه ليس هناك موضع مُحرَّمٌ عليه الذكر فيه، فقال بعض العلماء ﵏ يقوله: عند رفع ثوبه، وتهيوئِه لقضاء الحاجة، وقال بعضهم: إذا جلس قبل أن يخرج منه شيء، وكلا القولين له وجهه إلا أن الأول أقوى، لأنه يكون قبل حصول الكشف للعورة.
وقوله: [أعوذ بالله] أي ألتجئ، وأعتصم، وأحتمي بالله، وأصل العوذ: اللوذ، واللجوء، وقوله: [من الخبْث] بالإسكان، وهي رواية الأكثرين كما ذكر القاضي عياض ﵀، وفسّره بالشر، وأما بالضم: فهو جمع خبيث، فيحمل على ذكور الشياطين، ويكون قوله بعد ذلك: [والخبائثِ] المراد به على رواية الأكثرين الشياطين عموماً، ذكرانهم، وإناثهم، وأما على رواية الضمِّ فيكون معنى الخبائث: إناث الشياطين كما ذكره الإمام الخطابي ﵀، فعلى الوجه الأول: يكون مستعيذاً بالله من الشر عموماً، ومن الشياطين خصوصاً، وعلى الوجه الثاني: بالضمِّ يكون مستعيذاً من ذكور الشياطين، وإناثهم.
стр. 85
والأول: أقوى الوجهين روايةً، ومعنى، فهو أقوى رواية لأنه رواية أكثر الشيوخ كما قدمنا عن القاضي عياض ﵀، وهو أقوى معنى لأن فيه معنى زائداً على الوجه الثاني، لأن الوجه الثاني إختص بالشياطين، وأما الوجه الأول: فإنه لم يختص بهم بل شمل الشر كله بالإضافة إلى الشياطين كلهم ذكوراً، وإناثاً، فهو أعم.
وهذا الدعاء النبوي حرز من الله تعالى للمسلم يعصمه به سبحانه من أذية الشياطين، وشرورهم في هذا الموضع الذي أخبر النبي ﷺ أنه تحضره الشياطين، كما في حديث السنن من قوله ﵊: [إن هذه الحُشوشَ محتَضَرة] أي تحضرها الشياطين، والحُشُوشُ: جمع حِشٍ، وهو البستان في لغة العرب، وعبّر به عن موضع قضاء الحاجة لأنهم كانوا في الغالب يقضون الحاجة في الحيطان، والبساتين، ولم يكن عندهم مراحيض، وأماكن مخصصة لقضاء الحاجة كما جاء في الأثر عن عائشة ﵂.
فشرع للمسلم أن يقول هذا الدعاء معتصماً بربه ملتجئاً إليه سبحانه؛ فإنه نعم المولى ونعم النصير.
قوله ﵀: [وعنْدَ الخروج منه: غُفْرانَكَ]: وعند الخروج منه أي: بعد أن يخرج؛ لأنه إذا أراد الخروج لا يُشرع له أن يتكلم حتى يجاوز موضع قضاء الحاجة، فإذا جاوز موضع قضاء الحاجة قال: [غُفْرانَكَ] وأصله: إِغفرْ غُفْرانَك، أو أسألك اللهم غفرَانَك، والغفر: أصله الستر، ومنه المِغْفَر؛ لأنه يستر رأس الإنسان من ضربات السلاح في الحرب قالوا: سميت المغفرة
стр. 86
مغفرة؛ لأن الله إذا غفر ذنب العبد كأن لم يكن منه ذنب، فأصبح كأنه خالياً من ذلك الذنب سُتِر عنه ذنبه، وكُفي مؤنته كما أن الإنسان إذا لبس المغفر كُفي شَرّ السلاح، وأذيته، وقوله: [غُفْرانَكَ] دعاء ثبت عن النبي ﷺ كما في حديث عائشة ﵂ عند الترمذي، وأبي داود، والنسائي أنه كان يقول ﵊ عند خروجه من الخلاء: [غُفْرانك].
وللعلماء -رحمة الله عليهم- في استغفار النبي ﷺ بعد قضائه لحاجته، وخروجه أقوال:
قال بعض العلماء: إستغفر النبي ﷺ ؛ لأن الإنسان لا يأمن من حصول بعض النظر إلى عورته، فلما كان الناس في غالب حالهم لا يسلمون من الوقوع في هذه الإخلالات أثناء قضاء حاجتهم سنّ لهم ذلك لتحصل به المغفرة لهم، فيكون قد عنى بذلك غالب أمته لا نفسه ﵊؛ لكونه معصوماً، وهذا القول يَقْوى على مذهب من يُحرّم نظر الإنسان لعورته إلا من حاجة.
وقيل: لأن النبي ﷺ شُغل عن ذكر الله -جل وعلا- بقضاء الحاجة فقال: [غفرانك] لضياع هذا الوقت دون ذكر لله -جل وعلا-، وكما قالوا: حسناتُ الأبرارِ سيئاتُ المقربين، فهذا من كمال عبوديته لله، وكمال حبه، وتعلقه بذكر الله أن هذا الوقت مع حاجة الجسم إليه، وأنه في حالة عذر عن ذكر الله يستغفر من ذهابه، دون أن يذكر الله -جل وعلا- فيه، وهذا فيه تنبيه للمسلم أنه ينبغي عليه أن يكثر من ذكر الله، وأن يحرص على
стр. 87
إغتنام الحياة في طاعة ربه، وعبوديته له سبحانه؛ لأنه هو المقصود من خلقه كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (١).
وقال بعض العلماء قال النبي ﷺ غفرانك لأنه لما خرج الطعام من الجوف أَمِنَ الإنسان من كثير من الأضرار، والبلايا، فلم يستطع أن يوفي شكر نعمة الله عليه بهذا الفضل فقال: [غفْرانَك] أي: غفرانك من التقصير في حمد نعمك، وشكر مننك التي أنعمت، وامتننت بها علينا.
وكل هذه الأوجه صحيحة مناسبة، وتحتملها السنة.
قوله ﵀: [الحمدُ للهِ الذي أذهبَ عنّي الأذى، وعَافَاني]: الأذى أذى القذر الخارج؛ لأنه لو بقي في الجسم لأضر بالإنسان، ولذلك لو أن إنساناً مُنِعَ من البول ساعة واحدة لما استقر له قرار، ولو حيل بينه، وبين قضاء حاجته، وقيل له: إفتدِ بالدنيا لافتدى بها حتى تخرج حاجته، وقد يبلغ ببعض المرضى كالمشلولين شفاهم الله أن يمكث الساعات لإخراج فضلته من جسده، فهي نعمة من الله عظيمة لا يعلم مقدار فضله سبحانه، ورحمته، ولطفه بالعبد فيها إلا هو فناسب أن يقول ﵊: [الحمْدُ لله] لأنه المحمود على جلب النِّعم، وحصولها، ودفع النِّقم، وزوالها ﷻ .
قوله ﵀: [الحمدُ لله الذي أذهبَ عنّي الأذى، وعَافَاني]: قيل المعافاة من شرور الشياطين، ونحوهم.
стр. 88
وقيل: المعافاة من الضرر الموجود في الجسم بحبس ذلك الطعام، والشراب، فالله دفعه؛ فاستوجب أن يُشكر، ويُحمد على هذا الفضل، وكلاهما صحيح.
قوله ﵀: [وتقديمُ رجْلهِ اليسرى دُخولاً، واليمنى خُروجاً]: تقدم آداب الخلاء على قسمين:
القسم الأول: آداب قولية، وقد سبق بيان أدب قولي يقال قبل الدخول، وأدب قولي يقال بعد الخروج.
القسم الثاني: آداب فعلية، فشرع المصنف ﵀ في هذه الجملة في بيان الآداب الفعلية، والتي منها: أن الإنسان إذا أراد دخول الخلاء قدّم رجله اليسرى، وأخّر رجله اليمنى، وإذا أراد الخروج قدّم رجله اليمنى، وأخّر اليسرى؛ لأن الشريعة قصدت تكريم اليمين على اليسار، فجهة اليمين مفضّلة مشرفة على اليسار، وقد دلت نصوص الكتاب، والسنة على ذلك، فجعل الله أصحاب الجنة أصحاب اليمين -جعلنا الله وإياكم منهم-، وجعل السعيد من نال كتابه بيمينه، وفضّل اليمين على الشمال حينما ذكرها بصيغة الافراد في مقابل الجمع كما قال تعالى: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ﴾ (١) فقال: ﴿عَنِ الْيَمِينِ﴾ فأفرد، وقال: ﴿وَالشَّمَائِلِ ِ﴾ فجمع، والعرب تجمع في مقابل الإفراد تعظيماً للمفرد إذا كان يقبل التثنية، والجمع
стр. 89
كما قال الله تعالى: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ (١) فجمع الظلمات، وأفرد النور، وهو أسلوب عربي يدلّ على تشريف المفرد على الجمع، فجهة اليمين مشرّفة على جهة الشمال، وكان ﷺ يُحِبُّ التَّيمن في تنعّله وترجّله وطُهُوره، وفي شأنه كلِّه كما في الصحيحين من حديث أم المؤمنين عائشة ﵂.
وفي الحديث -أيضاً- في السنن: أنّ النبي ﷺ قال: [إذا لَبِسْتُمْ فَتيامنوا] أي: إذا لبس الإنسان ثوباً، أو عباءة، أو حذاء؛ فإنه يقدّم الجهة اليمنى من يد، وشِق، ورجلٍ على الجهة اليسرى.
فإذا أراد الخروج من الخلاء قدّم رجله اليمنى، وأخّر اليسرى تشريفاً لليمين؛ لأن الخروج أفضل من الدخول في هذه الحالة، وفي الدخول للخلاء يقدم المفضول على الفاضل، وفي الخروج منه يُقدِّم الفاضل على المفضول، فيقدِّم رجلَه اليمنى، ويؤخِّر اليسرى.
قوله ﵀: [عكسَ مسجدٍ، ونَعْلٍ]: عكس مسجد فمن دخل المسجد قدَّم رجله اليمنى للدخول، وأخَّر اليسرى، وإذا أراد الخروج قدم اليسرى، وأخّر اليُمنى، وقد ورد فيه حديث عند الحاكم أنه من السُّنة تقديم اليمنى على اليسرى عند دخول المسجد، وقوله [ونَعْلٍ]: المراد به عند لبس النعل، وهو ما يلبسه في رجله، فإذا أراد أن يلبس الحذاء يفعل ما يفعله عند دخول المسجد، فيُقدم رجله اليمنى، ويؤخّر اليسرى، والعكس إذا
стр. 90
أراد أن يخلعه لحديث أم الؤمنين عائشة ﵂ في الصحيح: [أنّ النبي ﷺ كان يُعْجِبه التّيمنُ في طُهُورِه، وتَنعّله، وتَرجُّله، وفي شأنِه كُله]، فقولها ﵂ [تَنعّله]: يدل على أن من السنة التَّيمن عند لُبس النّعل، وتقديم اليسار عند خلعه، ونزعه، وقد جاء ذلك صريحاً في حديث أبي هريرة ﵁ في الصحيح أن النبي ﷺ قال: [إذا إنتعلَ أحدكُم فليبدأ باليمنى، وإذا خَلَعَ فليبدأ باليُسرى] واختلف العلماء ﵏ في مسألة: وهي لو أن إنساناً أراد أن يخرج من بيته إلى المسجد، فهل الأفضل أن يقدم رجله اليمنى لشرف المقصود، والغاية، أو يؤخر اليمنى؛ لأنه الأفضل عند الخروج عموماً؛ لأن الخروج من البيت أدنى منزلة من البقاء فيه، فيكون الشّرف فيه في التأخير بخلاف الدخول فيه فإنه يكون الشرّف فيه في التقديم، ولذلك إذا أراد أن يخرج يقدِّم اليسرى؟ وبعبارة أخرى: هل نبقى على الأصل من مراعاة الحال، أم نستثني هذه الحالات لشرف الخارج من أجله؟ كلاهما قول لبعض العلماء ﵏.
فمن قال نبقى على الأصل فإنه يقول بتقديم اليسرى عند الخروج سواء كان لمسجد، أو لغيره أي: لا يستثني، وهو أقوى لأن التّشريف راجع إلى الحال، ومن قال بالإستثناء قال: يقدم اليسرى في الخروج إلا إذا كان خارجاً للمسجد، وما فيه فضل فإنه يقدِّم اليمنى إلتفاتاً منه إلى الغاية، وكأنهم نظروا إلى أنه بمجرد خروجه للمسجد فهو في صلاة، وقربة، وطاعة كما ثبت في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ : [إذا عَمِدَ أحدُكم إلى المسجدِ فهُو في صلاةٍ].
стр. 91
والأول أرجح في نظري والعلم عند الله لما يلى:
أولاً: إنه إعمال للأصل.
ثانياً: أنه مبني على مراعاة الحال نفسه عند الخروج بغَضِّ النظر عن صفة الخروج، فهو أقوى في التكريم.
ثالثاً: أن لازم القول الثاني أن من خلع حذاءه للدخول للمسجد أن يقدم اليمنى عند الخلع، ويؤخِّر اليسرى، وهذا مخالف للسُّنة كما قدمنا في حديث عائشة، وأبي هريرة ﵄ في الانتعال.
فلما لم تفرق السنة في خلع النعال بين كونه لقربة، أو لغيرها دلَّ على أن العبرة في مراعاة التكريم بالحال نفسه، لا بما يؤول إليه والله تعالى أعلم.
وعليه فإنه يقدم يسراه للخروج من المنزل، ولو خرج لصلاة، أو تعليم، أو جهاد، أو غيرها من الطاعات.
قوله ﵀: [واعتماده على رِجْلِه اليُسرى]: هذا من الآداب التي تُشرع عند فعل الحاجة وقضائها أن يعتمد على رجله اليسرى، وينصب رجله اليمنى، وفي ذلك حديث ضعيف عن سراقة ﵁ أخرجه البيهقي، والطبراني، وفيه: [أَمَرَنا رسولُ اللهِ ﷺ أن نتكئَ على اليسرى، وأن نَنصُبَ اليُمْنى].
وعللَ بعض العلماء ذلك بأن الأطباء يقولون: إنه أرفق بالبدن، وأيسر لخروج الخارج، فإن صحّ ما ذكروه كان مشروعاً من جهة الرفق بالبدن، ولا يحُكى سُنَّةً، لأن الحديث فيه ضعف، فإذا فعله الإنسان من باب الرفق بالبدن فلا بأس، لأن الرفق بالبدن من مقاصد الشريعة، ولا حرج في فعله.
стр. 92
قوله ﵀: [وبُعدُه في فضاءٍ، واستِتَارُه]: أي يُشرع للإنسان إذا أراد أن يقضي حاجته، وكان في فضاء كالأرض الخلاء التي ليس فيها أحد أن يختار مكاناً بعيداً عن أعين الناس؛ لأن الفضاء منكشف، والإنسان إذا جلس في الفضاء يمكن أن تُرى عورته فشُرع له أن يُبعد، وأن يستتر فيشرع له أمران: البُعد في المذهب، وهو سنة النبي ﷺ كما في حديث المغيرة ﵁ عند أبي داود، والنسائي، والترمذي، وفيه أنه ذكر ذهابه ﵊ لقضاء حاجته، ووصفه بقوله: [أَبْعَدَ عنّي] وهو حديث حسن.
وكذلك -أيضاً- يستتر فإذا كانت الأرض منبسطة بحث عن حفرة، أو شاخص، فإن وجد المطمئن من الأرض كالحفرة نزل فيها، وقضى حاجته؛ لأنه أبلغ في الاستتار ما لم يكن فيها ضرر عليه، أو يأتي إلى شاخص كأن يأتي إلى هضبة، أو تلٍّ؛ فيستقبله، ويقضي حاجته مستقبلاً له؛ لأنه أبلغ في الاستتار، وقالوا في الفضاء يُبْعد لأنه إذا بَعُدَ شخصه تعذر على العين الإطلاع على عورته، ويستتر لئلا يدهمه إنسان فجأة فيكون ذلك أبلغ في تحفظِه، وصيانة عورته، وقد عُظِّم أمر الاستتار في قضاء الحاجة، ومن تساهل في قضاء حاجته، فقضاها بجوار الطرقات على مرأى من الناس فإنه لا يخلو من الإثم، والتبعة، وقد ورد في حديث إِبن عباس ﵄ في الصحيحين في قصة الرجلين اللّذين يعذبان قال فيهما النبي ﷺ : [إِنهما يُعذّبان، وما يُعذبان في كبيرٍ، أمَّا أحدُهما فكانَ لا يَسْتَنْزِهُ من بَوْلِه] وفي رواية: [لا يَسْتَتِرْ مِنْ بَوْلِه] قال بعض العلماء: [لا يستتر] أي
стр. 93
يتساهل في كشف عورته، وعدم سترها عن أعين الناس -والعياذ بالله- فقالوا: إنها من الأمور التي تكون سبباً في عذاب القبر، وفتنته -نسأل الله السلامة والعافية-.
فالمقصود أنه ينبغي للإنسان أن يستتر، وأنبه على مسألة يخطئ فيها كثير -أصلحهم الله- خاصة من الجهلة، والعوام؛ فإنهم يأتون إلى أماكن الوضوء، ويكشفون عوراتهم، ويستنجون فيها دون حياء من الناس، ولا خوف من الله -جل وعلا- فأماكن الوضوء المخصّصة للوضوء لا يصلح فيها للإنسان أن يكشف عورته، وكذلك أيضاً يتسبب في أذية الناس بنتن البول، وريحه، فهذه من الأمور الممقوتة التي لا ينبغي للمسلم أن يفعلها، ومن رُوئِي منه فعل ذلك يُنصح، ويُذكّر، ويخوّف بالله -جل وعلا-، ويقال له: إتق الله، ولا تؤذ المسلمين، فإن أماكن الوضوء ليست لقضاء الحاجة لما فيها من أذية الناس بالرائحة، والنَّتن، وقد ثبت في الصحيح عنه ﵊ أنه قال: [إتقوا اللّعانين، قالوا: وما اللّعانَانِ يا رسول الله؟ قال: الذي يبول في طريق الناسِ، وفي ظِلِّهمْ] فبيّن ﵊ تحريم البول في هذين الموضعين لما فيهما من عظيم الضرر على المسلمين، فكذلك الحال فيمن يبول في أماكن الوضوء، حيث جمع بين كشف العورة، وأذية الناس بنتن البول، والنجاسة نسأل الله السلامة والعافية.
قوله ﵀: [وإرتيَادُه لِبَولِهِ مَوْضِعاً رَخْواً]: قوله: [وارتياده]: مأخوذ من قولهم: إرتاد الشيء: إذا طلبه، ومنه سُمّي الرائدُ رائداً، والرائد
стр. 94
في لغة العرب: هو الرجل الذي يُرسله الناس إذا كانوا في سفر لكي يطلب الماء لهم، فالرّيادة الطلب، فقوله: [إرتياده] أي: طلبه.
قوله: [وإرتيادُه لبوله موضعاً رخواً]: أي إذا أراد المسلم أن يبول فإنه يطلب الأرض الرخوة؛ لأن الأرض الرخوة أمكن في استيعاب البول، وأبعد من أن يتطاير طشاش البول، والنجاسة على البدن، والثوب فينجسه، فشُرع له أن يطلب المكان الرخو، وفيه حديث ضعيف عن أبي موسى الأشعري ﵁ أن النبي ﷺ قال: [إِذَا بالَ أحدُكم فَلْيَرتَدْ لِبَولِهِ] أخرجه أحمد وأبو داود، وفيه راوٍ لم يسمّ، وهو الراوي عن أبي موسى ﵁، وقد فُسِّر الإرتياد بمعنى الاختبار، والطلب كما مال إليه الإمام ابن القيم ﵀، ولكن معناه صحيح أن الإنسان يشرع له أن يطلب مكاناً رخواً؛ لأنه يحقق مقصود الشرع من الاستنزاه من البول وقد دل على ذلك حديث الصحيحين عن إبن عباس ﵄ في قصة الرجلين المعذبين في قبريهما، فمعنى الحديث، ومتنه صحيح، وإن كان سنده فيه ضعف، فإذا طلب المكان الرِّخو حقّق مقصودَ الشَّرع من الاستنزاه من البول؛ لأنه لا يأمن غالباً من طشاش البول، والأماكن تنقسم إلى قسمين:
القسم الأول: أن تكون صلبة.
القسم الثاني: أن تكون رخوة.
وفي كلا القسمين إما أن تكون الأرض طاهرة، وإما أن تكون نجسة.
فأصبح القسمان منقسمين إلى أربعة.
стр. 95
فإن كان المكان طاهراً صلباً بال جالساً، وإن كان نجساً رخواً بال قائماً، وإن كان نجساً صلباً إمتنع من البول فيه، وإن كان طاهراً صلباً خُيِّر بين الجلوس، والقيام، وقد جمع بعض الفضلاء هذه الصور الأربعة في قوله:
للطاهِر ِالصلب اجْلسِ ... وامْنَعْ بِرَخوٍ نَجِسِ
والنجِس الصُّلْبَ اجْتنبِ ... واْجلسْ وقُمْ إِن تَعْكِسِ
هذه أربع صور:
فقوله: (للطّاهِر الصُّلْبِ اجلِسِ): يعني إذا كان المكان طاهراً صلباً فإجلس. وقوله: (وامنَع برخوٍ نجس): يعني إذا كان مكاناً رخواً نجساً كما يحدث الآن إذا امتلأ موضع قضاء الحاجة لا يجلس الإنسان؛ لأنه إذا جلس ربما سقط ثوبه في النجاسة، أو تطاير طشاش البول على بدنه، أو ثوبه، خاصة عند قضائه لحاجته.
وقوله: (والنَّجِسَ الصُّلبَ اجتنب): أي إذا كان مكاناً صلباً نجساً، فلا تقضي الحاجة فيه أعني البول لأنه لا يأمن التَّنجس غالباً.
وقوله: (واجْلِسْ وقُمْ إِنْ تَعْكِسِ): يعني الطاهر الرَّخو إن شئت فاجلس فيه، وإن شئت فقم، فأنت مخيرٌ وقد صحّ عن النبي ﷺ أنه بال قائماً، فالسُّنة دالة على جواز البول قائماً.
ومنع بعض العلماء منه، وهو مذهب أم المؤمنين عائشة ﵂ وكانت تقول: " من حدَّثكمْ أن رسول الله ﷺ بالَ قائماً؛ فلا تُصَدّقُوه " والظاهر أنه لم يبلغها ذلك فحدثت بما رأته من غالب حاله عليه الصلاة
стр. 96
والسلام وهو البول جالساً، وقد صحَّ في صحيح مسلم من حديث حذيفة ﵁: [أن النبي ﷺ أتى سُباطةَ قومٍ فبَالَ قَائِماً] فدلّ على جواز البول قائماً قال بعض العلماء: إن النبي ﷺ بال قائماً لعلّة؛ قيل: كان فيه مرض تحت ركبته في المَأبِضْ فلا يستطيع أن يثني رجليه فيجلس لقضاء حاجته فبال قائماً للضرورة.
وقيل: بال قائماً إستشفاءً من مرض الصُّلبِ، وكانت العرب تستشفي من أمراض الظهر بالبول قائماً فقالوا: إنه بال قائماً إستشفاءً من مرض الصُّلب.
وهذان الوجهان عُلِّلَ بهما لكي يقال: إن الأصل المنع، ولكن هناك وجه ثالث، وهو أن النبي ﷺ فعل ذلك لبيان الجواز، فلا حرج في فعله؛ لأنه لم يرد نهي عن البول قائماً حتى يقال إن الأصل يقتضى التحريم، والمنع؛ ولأنه لو كان بوله قائماً لعلّة المرض لنبّه على ذلك الصحابي، ولكنه لم يذكر شيئاً من ذلك، فدلّ على عدمه، وعليه فإنه يترجح القول بأنّ هذا جائز، ولا حرج فيه ولكن الهدي الأكمل، والأمثل أن يبول جالساً، وذلك لأنه هو هديه ﵊ في أغلب أحوله، ولأن الجلوس أبلغ في الإستتار، والتحفظ من البول والله أعلم.
وقال بعض العلماء: بال عند سُباطة القوم قائماً؛ لأن السُّباطة مكان القذر، والنّجاسة؛ فلم يجلس -صلوات الله وسلامه عليه- من أجل ذلك، وهذه العلة هي الوحيدة القوية من بين العلل التي ذكروها لوجود دلالة في الظاهر تدل عليها.
стр. 97
قوله ﵀: [وارتيادُه لِبوْلِه مَوْضِعاً رَخْواً]: الارتياد قلنا: الطلب [لبوله] خرج الغائط فإن الغائط يرتاد له موضعاً أيَّاً كان لكن في الغائط، استثنى بعض العلماء أن يكون هناك مائع نجس كالحال إذا امتلأ الموضع المخصّص لقضاء الحاجة بالنجاسة كما يحصل في زماننا في بعض دورات المياه فإنه إذا تغوط لم يأمن من طُشاش النجاسة على ظهره، وثيابه إذا خرجت الفضلة من الغائط، ووقعت في النجاسة التي إمتلأ بها ذلك الموضع فيمنع من قضاء الغائط في مثل هذه المواضع إذا كانت مملوءة، وإذا كان المكان الذي جلس فيه الإنسان صلباً، وعنده آلة يستطيع أن يحكَّ بها الأرض فالأفضل له أن يحكّها، وحملوا على ذلك حديث أنس بن مالك ﵁ قال: [كنتُ أَسيرُ مع النبي ﷺ فأحملُ أَنا، وغلامٌ نَحْوي إداوةً من ماءٍ، وعَنَزة]، والعنزة: هي الحربة الصغيرة، وفي رأسها الزُّج، وهو الحديد قالوا: كانت تحُمل معه ﵊ عند قضائه للحاجة، لأن من فوائدها إذا مرّ على صلبٍ حَكّه بها، ثم قضى حاجته، وقد صارت الأرض رخوةً، فكان ذلك أدعى لصيانة البدن، والثياب من النجاسة أثناء قضاء الحاجة.
قوله ﵀: [ومسْحُهُ بيدهِ اليُسرى إِذا فَرَغَ مِنْ بولِه مِنْ أَصلِ ذَكرهِ إلى رَأسِهِ]: هذا يسمى عند العلماء ﵏ بالسَّلْت، والسَّلت: أن يضع رأس اُصبعه عند أصل الذّكر، ثم يمرّه على مجرى البول حتى يُنقّي المجرى من الباقي إذا وُجِدَ، وهذا السّلتُ لا أصل له، وليس له دليل صحيح بل إنه
стр. 98
يجلب الوسوسة، ويشكك الإنسان، ولذلك قالوا: ينبغى للإنسان أن يقضي حاجته، فإذا غلب على ظنه أن البول إِنقطع قام.
أما أن يوسوس، ويبالغ في إزالة الخارج فإنه لا يأمن من حصول الوسوسة، والشّكِ، ويسترسل إلى ما لا تحمد معه العاقبة، وهذا صحيح، ولشيخ الإسلام -رحمة الله عليه- كلام جيد في هذه المسألة بيّن فيه أن هذا لم يثبت فيه نصّ صحيح عن النبي ﷺ ، وقرر العلماء أن الذَّكَرَ كالضرع كلما حُلبَ دَرَّ أي: أن المكلف كلما ضغط عليه، وأكثر من تعاهده آذاه، وأتعبه بخروج البول، والمنبغي على المكلف أن يتقي الله على قدر إستطاعته يجلس فيقضي حاجته، فإن غلب على ظنِّه أن البول إنتهى صبَّ الماء، أو استجمر بالحجارة، ثم قام والله لا يكلفه إلا ما في وسعه، فإن أحسّ بخروج شيء، أو أن شيئاً يتحرك في العضو فذلك من وسوسة الشيطان حتى يستيقن فيجد البلل على ثوبه، أو على فخذه، أو رأس عضوه ولا يلزمه أن يذهب، ويبحث، ويفتّش فإن الإنسان إذا غلب على ظنِّه أنه إنقطع بوله كفاه ذلك، وأجزأ عنه، وقد فعل ما أوجب الله عليه، ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها، وإذا إستمر على العمل بغالب الظنِ، وعدم البحث، والتّفتيش عن وجود شيء فإنه سرعان ما تذهب عنه الوساوس، وتضعف تدريجياً، كما يذكر الأطباء، والمجربون، هذا السّلت لا يشرع إلا في حالة واحدة، وهي: أن يكون الإنسان مبتلى بضعف في خروج البول، وهي حالة يُبتلى بها البعض - حمانا الله وإياكم منه- فبعد خروج بوله تبقى قطرات تضعف الآلة عن دفعها، ولا يمكن خروجها إلا بالسّلت فيُمرُ رأسَ إصبعه من أصل العضو إلى رأسه
стр. 99
حتى يُنْقِي الموضع هذا استثناه بعض العلماء، وهي الحالة الوحيدة المستثناة، وأما عدا ذلك فلا.
قوله ﵀: [ونتْرهُ ثلاثاً]: النتر بضرب رأس الذكر، كالسلت غير مشروع ولم يثبت به شيء، وفيه حديث ضعيف، ولا يعتبر من السُّنة، وكل من السّلت، والنتر مدعاة للوسوسة، والتباس الأمور على صاحبها، ولكن المكلف يتقي الله على قدر استطاعته، وشريعتنا شريعة رحمة، وتيسير وليست بشريعة عذاب، ولا عنت، ولا تعسير كما قال سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ (١) يقوم الإنسان فإن أحسّ بخروج خارج، أو حركة في العضو، ولم يتأكد من خروجه فإنه يحكم باليقين، وهو عدم الخروج، حتى يستيقن، أو يغلب على ظنه الخروج، ولو حكم باليقين، وبقي عليه، وكان الواقع أنه خرج شيء، ولم يعلم به فإن صلاته صحيحة، وطهارته مجزئة، لأنه عمل بالأصل إمتثالاً للشرع، والتزاماً لسنة النبي ﷺ حيث أمر من إستيقن الطهارة ألا يحكم بضدها إلا بيقين، أو غالب ظن، كما دلّ على ذلك حديث عبد الله بن زيد ﵁ في الصحيحين حينما شُكِي إلى النبي ﷺ الرجلُ يجدُ الشيءَ في الصلاة؟ فقال ﵊: [لا ينصرف حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً]، وإذا إستمر على ذلك إنقطعت عنه الوساوس والشكوك بإذن الله تعالى.
стр. 100
قوله ﵀: [وتحوّله عن مَوْضِعِه ليسْتَنْجِي في غَيْرِه]: هذه حالة خاصة تحصل لبعض الناس حيث يبقى الخارج في عضوه، ويحتاج إلى الإنتقال، والحركة ليقوى العضو على إخراج الفضله، وهذا القيام مبني على أحد أمرين:
الأمر الأول: ما ذكره بعض أهل العلم من أن الإنسان إذا ضعف عن إخراج الفضله فإنه لا يخلو من ثلاث حالات:
الحالة الأولى: أن تخرج منه بالسَّلت.
والحالة الثانية: أن تخرج بالصوت، وهو النّحْنَحةُ.
الحالة الثالثة: أن تخرج بعد التّحول، والحركة كالإنتقال من موضع قضاء الحاجة.
فبعض الناس إذا بقي الباقي في عضوه لا يستطيع إخراجه إلا بالسَّلت فيشرع له السَّلت؛ " لأن ما لا يتمُّ الواجبُ إلا به فهو واجبٌ " فشرع بأصل الشريعة.
النوع الثاني: يكون الدافع عنده ضعيفاً فيحتاج إلى إحداث صوت، وذلك بالنحنحة، وكانوا يعرفونها من الأمور التي يُبلى به الإنسان عند قضائه لحاجته، فيتنحنح حتى تقوى آلته على الدفع قالوا: فيشرع له ذلك فيتنحنح.
ومنهم من يخرج منه الخارج بعد حركته، فإذا إنتقل من موضع قضاء حاجته، ومشى الخطوة والخطوتين قويت الآلة على الدفع، فدفعت ما هو ثمَّ، قالوا: فمثل هذا بعد أن ينتهى من قضاء الحاجة يقوم إلى أقرب موضع يستنجي فيه حتى يقوى العضو على إخراج ما بقي.
стр. 101
الأمر الثاني: الذي من أجله ذكر العلماء القيام من الموضع إلى موضع ثانٍ ليستنجي فيه: إنه إذا قضى الحاجة على التراب كما هو الحال في القديم فإنه لا يأمن أثناء صب الماء على العضو أن يتطاير شيء من البول على البدن، أو الثوب، أو المكان، ولذلك قالوا: إنه يتحوّل عن موضع قضاء حاجته إلى موضع قريب حتى إذا صبّ الماء نزل على أرض طاهرة، فإذا تطاير شيء من ذلك الماء لم يدخله الوسواس هذا هو وجه الانتقال عندهم، وهو أقوى الوجهين لكنه قد يحكم باختصاصه بحال الإستنجاء بالماء كما يفهم من قول المصنف ﵀ بقوله: [ليسْتَنجِي في غيره إنْ خَافَ تلوثاً] ويختص بحال خوفه من التلوث، والنجاسة.
قوله ﵀: [ويُكْرهُ دُخولُه بشيءٍ فيه ذِكرُ اللهِ تعالى]: ويكره للمسلم أن يدخل الحمام، وموضع قضاء الحاجة بشيء فيه ذكر الله مثل: كتب التفسير، والحديث، وكتب العلم، والرسائل، وأما القرآن نفسه؛ فقد نصّوا على حرمة دخول مكان قضاء الحاجة به، واستثنوا من منع دخول مكان قضاء الحاجة بشيء فيه ذكر الله تعالى حالة الحاجة، كما نصّ عليه المصنف ﵀ بقوله: [إِلا لحاجةٍ] ومن أمثلة ذلك: الدّراهم، والنقود إذا كان مكتوباً عليها إسم الله، وكان يخاف إن وضعها في الخارج أن تُسْرقَ، وكذلك إذا كانت معه كتب علم لم يجد مكاناً تصان فيه بحيث لو وضعها خارج موضع الحاجة تعرّضت لامتهان أكبر، أو يخاف أن تتلف، أو تُسرق فحينئذ لا بأس أن يدخلها معه، ثم إذا دخل نظر إلى موضع غير مكان قضاء حاجته يمكن وضعها فيه على وجه لا تُمْتهنُ فيه، مثل: أن
стр. 102
يضعها على إبريق الماء، ويُبعده عنه، ويُنحّيه عن موضع قضاء حاجته، أو على مقبض الباب إن أمِنَ سقوطها، وقد دلّت الأصول الشرعية على أنه ينبغي للمسلم أن يعظِّم شعائرَ الله، (وهي كل ما أشعر الله بتعظيمه) كما في قوله : ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ ولا شك في أن القرآن، وكتب التفسير، والحديث، ونحوها كلّها من شعائر الله لما فيها من آيات القرآن، وأحاديث رسول الله ﷺ ، وهما الوحي، والأصل فيه أن يكرَّم كما قال منبهاً عباده على هذا الأصل الشرعي: ﴿كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ * فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ * فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ * مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ﴾ فقوله: ﴿فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ﴾ خبر بمعنى الإنشاء ففيه تنبيه على ما ينبغي على المسلم من إكرام الوحي.
قوله ﵀: [ورَفْعُ ثَوبِه قَبلَ دُنوهِ مِنَ الأَرْضِ]: مراده أنه ينبغي على المكلف إذا أراد أن يقضي حاجته أن يرفع ثوبه إذا دنى من الأرض، وهذا مبني على الأصل الشرعي الموجب لمنع كشف العورة ووجوب حفظها كما في الحديث الصحيح من قوله ﵊: [إِحْفَظْ عَورَتَكَ] وقد جاز له كشفها لقضاء الحاجة، فلا يكشفها إلا مقارباً لذلك، وذلك عند دنوه من الأرض، ولأن ذلك أبلغ في الاستتار، فإذا رفع ثوبه قبل الدّنو من الأرض كان ذلك مكروهاً له، لا محرماً.
قوله ﵀: [وكلامُه فِيهِ]: أي ولا يتكلم فيه، والضمير في قوله: [فيه] عائد إلى الموضع الذي يقضي فيه حاجته، والنهي عن ذلك ورد فيه حديث عن النبي ﷺ أنه قال: [لا يذهبُ الرّجلانِ يَضْربانِ
стр. 103
الغائطَ يُكلّم أحدُهمَا صَاحِبَه، فإن الله يَمقُتُ ذَلِكَ] ولو صحّ هذا الحديث لكان موجباً للتحريم، لأن مقْتَ الفعل دالّ على مَقْتَ الفاعل، والفعل الموجب للمقت محرم شرعاً.
والكلام أثناء قضاء الحاجة إعتبره المصنف ﵀ مكروهاً لا محرماً، وهو عند بعض أهل العلم ﵏ من خوارم المروءة، فمن فعله سقطت مرؤته، ورُدّتْ شَهادُته، ولا شك في أن الحياء مانع من فعل ذلك، وقد قال ﷺ كما في الصحيح: [إِن مما أَدْركَ النّاسُ مِنْ كَلامِ النُّبوةِ الأُولى إِذَا لَمْ تَسْتَحِ فَاصْنَع ما شِئْتَ]، وتستثنى الحالات التي توجد فيها ضرورة، أو حاجة للكلام فمثال الضرورة: أن يخشى على إنسان الهلاك، ويكون في حال قضاء حاجته، فيصيح لإنقاذه، وإعلام الغير بحاله، ومثال الحاجة: أن يترك صبياً فيخشى ذهابه، وضياعه، فيكلمه حتى يكون ذلك سبباً في بقائه، وعدم ذهابه، ونحو ذلك مما تدعو الحاجة إليه.
وقوله ﵀: [وكلامه فيه] فيه فائدة حيث إن الحكم بكراهية الكلام متعلق بحال وجود الإنسان في موضع قضاء الحاجة بغضِّ النّظر عن كونه يقضي حاجته، أو لا، وعليه فبمجرد دخوله للموضع يمتنع من الكلام.
قوله ﵀: [وبَولُهُ في شَقٍ، ونحوه] أي ويكره أن يبول في شَقٍّ، والشَّقُ: واحد الشُّقوق، وهو الصَّدْع في الأرض، وقوله [ونحوه] أي نحو الشق من الفتحات مثل: الثُّقْبِ، وقد علّل بعض الشّراح ذلك بكونها مساكن للجنِّ، فإذا بال فيها آذاهم فيؤذونه، وذكروا في ذلك قصة موت سعد إبن عبادة ﵁ وفي سندها كلام.
стр. 104
ومن أهل العلم من علّل ذلك بأن الهوامَّ، والحشرات تكون غالباً في هذه المواضع، فإذا بال فيها خرجت عليه، فما كان منها مؤذياً كالحيّات، والثّعابين يؤذيه، وربما يتسبب في موته، وعلى الأقل ربما خرج عليه أثناء البول فيقطع بوله فيُزْرِمَه فيضره ذلك في جسده كما هو معروف عند الأطباء، ولو خرجت الحشرات الصغيرة تنجست بالبول، فربما سعت إلى قدميه، وجسده، أو ثوبه فتَلوَّثَ بالنجاسة، ومن هنا نبّه المصنف ﵀ على عدم البول في هذه المواضع، والتَّنبيه على ذلك موافق لأصول الشريعة.
قوله ﵀: [ومسُّ فَرْجِهِ بِيَمينِه] أي: ويكره أن يمسَّ الفرج باليمين، والصحيح: أن ذلك محرم لما ثبت في الصحيحين من حديث أبي قتادة ﵁ أن النبي ﷺ قال: [لا يُمْسِكَنَّ أحدُكمْ ذَكَرَهُ بيمينِه وهُو يَبُولُ، ولا يَتَمسحُ من الخلاءِ بِيَمينِه]، والنهي يقتضي التحريم، ومثله حديث سلمان الفارسي ﵁، وهو صحيح.
عبّر المصنف ﵀ بالفرج ليدل على شموله للقبل، والدبر سواء كان من المرأة، أو الرجل، فلا يجوز لمسه بيمينه.
والتعبير باللّمس يدلُّ على أنّ محل ذلك أن يباشر الفرج بيده دون وجود حائل، ومفهومه: أنه إذا وجد الحائل فلا بأس، وهو أحد الوجهين عند أهل العلم ﵏.
والنهي عن مسِّ الفرج باليمين، وتحريمه محلّه إذا لم توجد حاجة، أو ضرورة، فإن وجدت فلا حرج مثل: أن يكون ذلك لتعذر اللّمس بالشمال كمن كانت يده اليسرى مشلولة، أو مقطوعة، أو بها علّة تمنع مباشرتها، والحكم
стр. 105
بالمنع لا يختص بالإنسان نفسه بل يشمل غيره، فلا يجوز للمرأة أن تلمس ذكر صبيّها باليمين، وهكذا الطبيب، بل يقع اللّمس عند وجود الموجب للترخيص لهم به بغير اليد اليمنى منهم، ويكون تعبير النصِّ في الأحاديث الناهية عن إمساك الإنسان لذكره في قوله: [أحدُكُمْ ذَكَرَهُ] قد خرج مخرج الغالب؛ لأن الغالب أن يمسك الإنسان ذكر نفسه، والقاعدة في الأصول: [أن النصَّ إذا خَرَج مخرَجَ الغَالبِ لم يُعْتَبرْ مَفهُومُه].
قوله ﵀: [واسْتِنْجَاؤه، واسْتِجْمارُه بها]: أي ويكره إستنجاؤه، واستجماره بها أي بيده اليمنى، وقد قدمنا أن الصحيح أن هذا محرم لورود النهي الدّال على ذلك.
والمراد باستنجائه باليمين أن يصبَّ الماء على فرجه قُبلاً كان، أو دبراً رجلاً كان، أو إمرأة ثمّ يلمسه بها أثناء الإستنجاء لطلب حصول النقاء.
والحكم فيه كما تقدم في لمس الفرج أنه لا يجوز عموماً سواء إستنجى لنفسه، أو إستنجى لغيره كغسل فرج الصبيِّ، والصَّبية، والعاجز، والمشلول، ونحوهم، فلا يجوز أن يكون ذلك باليمين.
وأما الإستجمار باليمين فهو أن يأخذ الأحجار، والمناديل التي يريد أن يستجمر بها بيده اليمنى، وينظف بها المكان، صحيح أن المباشرة للفرج كانت بالحجر، والمنديل لكن الشّرع نهاه أن يفعل ذلك بيمينه؛ كما في الصحيح عنه ﵊ أنه قال: [ولا يَسْتَطِبْ بِيَمينهِ]، وظاهر النهي التحريم.
стр. 106
وقد أورد بعض العلماء ﵏ إشكالاً في الاستطابة، خاصّة إذا كانت من البول من الرجل، فمن المعلوم أنه لا يجوز له أن يمسك ذكره بيمينه كما قدمنا، وهنا لا يجوز له أن يمسك الحجر، أو ما يستجمر به بيمينه، وهو لا بد له أن يمسك ذكره أثناء الإستجمار، فإن أمسكه باليمين خالف النهي الوارد عن إمساكه بها، وإن أمسكه بشماله فسيمسك الحجر بيمينه ويكون مستطيباً بها؛ فخالف النهي الوارد عن الاستطابة بها، فكيف يفعل؟
وأجيب بأنه لا يمسك ذكره بيمينه لأن النهي صريح في ذلك، ويمسك الحجر باليمين، ويثبِّتها، ولا يحرِّكها، ويكون التحريك للعضو باليسار، وحينئذ لا يكون مستطيباً بيمينه، ويرتفع الإشكال، لأن الإستطابة باليمين تكون بتحريكه للحجر، والمنديل، فيمتنع من فعل التحريك، ويُبْقيها ثابتة، ويحرِّك يسراه لتحصل الإستطابة بها وحدها.
قوله ﵀: [وإِسْتِقْبالُ النَّيرَيْنِ] أي ويكره له أن يستقبل النيّرين، والنيّران هما: الشمس، والقمر، وصفا بذلك لوجود النور فيهما كما قال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا﴾، والحكم بكراهة استقبال النَّيرين ورد فيه حديث ضعيف، وقيل: لما فيهما من نور الله تعالى كما مشى عليه صاحب الروض وقيل: لأنهما من آيات الله، وقيل: لأنّ عليهما ملكين وكلها أقوال ضعيفة، والصحيح: أنه لا يكره إستقبالهما، واستدبارهما لأنّ السُّنة ثبتت بجواز ذلك كما في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: [لا تَسْتقبلوا القِبلةَ، ولا تَسْتدبِروها ببولٍ، ولا غَائطٍ ولكنْ شَرِّقُوا، أو غَربوا] ومن المعلوم أن
стр. 107
هذا الحديث خاطب ﵊ به أهل المدينة، والقبلة بالنسبة لهم جنوباً، فقوله: [شَرِّقوا، أو غَرِّبوا] إذن باستقبال المشرق، والمغرب، وهذا يستلزم لا محالة أن يستقبل النيّرين قطعاً خاصة عند الطلوع، والغروب، فدل على عدم صحة القول بتحريم إستقبال النيرين، وأن الصحيح جوازه، خاصة، وأنه لم يثبت في النهي عن ذلك، ولا فيما ذكروه من العلل دليل شرعى يعتمد عليه في ذلك.
قوله ﵀: [ويَحرُمُ إِسْتقبالُ القِبلةِ، واسْتِدبارُها في غير بُنيانٍ]: أي: ويحرم على المكلف أن يستقبل القبلة، أو يستدبرها في غير بنيان، وهذه المسألة إختلف فيها العلماء ﵏ على ستة أقوال، وهي:
القول الأول: يحرم الاستقبال، والاستدبار مطلقاً، وهو مذهب الحنفية، واختاره الإمام ابن حزم، وشيخ الإسلام رحمة الله على الجميع.
القول الثاني: يجوز الاستقبال، والاستدبار مطلقاً؛ وهو مذهب الظاهرية، وبعض السلف ﵏.
القول الثالث: يجوز الاستدبار، دون الاستقبال؛ وهو رواية عن الإمام أبي حنيفة، وأحمد، وقول بعض السلف ﵏.
القول الرابع: يجوز الاستدبار، دون الاستقبال في البنيان، دون الصحراء؛ وهو رواية عن الإمام أبي حنيفة ﵀.
القول الخامس: يجوز الاستقبال، والاستدبار في البنيان، دون الصحراء؛ وهو مذهب الجمهور، وهم المالكية، والشافعية، والحنابلة ﵏.
стр. 108
القول السادس: يحرم استقبال القبلة ببول، أو غائط، وكذلك بيت المقدس؛ وهو قول الحسن البصري ﵏.
وهذه هي أقوال العلماء -رحمة الله عليهم- في هذه المسألة وقد بيّنتها، وذكرت أدلتها، ووجه دلالتها في شرح بلوغ المرام، والذي يترجح في نظري، والعلم عند الله هو القول بالتحريم مطلقاً لما يلى:
أولاً: لصحة دلالة السنة في حديث أبي أيوب الأنصاري ﵁ أن النبي ﷺ قال: [لا تَسْتَقبلُوا القِبْلةَ، ولا تَسْتَدبروها ببولٍ، ولا غائطٍ، ولكنْ شَرِّقوا، أو غَرِّبوا] متفق عليه، ومثله حديث سلمان الفارسي ﵁ فهذا نهي عام شامل للإستقبال، والإستدبار في الصحراء، والبنيان، والأصل في النهي أنه محمول على التحريم حتى يدلّ الدليل على صرفه إلى الكراهة.
ثانياً: أنه دليل حظر، وما إستدل به من خالفه فدليله للإباحة، والقاعدة: (أنه إذا تعارضَ الحاظِرُ، والمُبيحُ قَدّمنا الحاظرَ عَلى المُبِيح).
ثالثاً: أنّ حديث إبن عمر ﵄ في رؤيته للنبي ﷺ [يَقْضِي حَاجَتَهُ على لَبِنَتيْنِ مُسْتَقْبِلَ الشَّامِ مُسْتَدْبِرَ الكَعْبَةِ] لا يقوى على معارضة حديثنا من الوجوه التالية:
الوجه الأول: أنّ حديثنا قول إشتمل على خطاب، وتشريع للأمة، وحديث ابن عمر ﵄ فعل من النبي ﷺ ، والقاعدة: (أنه إِذا تعَارضَ القَوْلُ، والفِعْلُ، قَدّمْنا القَوْلَ على الفِعْلِ) لأن
стр. 109
الفعل يدخله إِحتمال الخصوصية بخلاف القول الذي خُوطِبتْ به الأمّة، فيكون دليل القول أرجح.
الوجه الثاني: أنه لو كان فعل النبي ﷺ تشريعاً للأمة لما وقع على هذا الوجه الخفي الذي لا يمكن أن تطلع عليه الأمّة في الأصل، لأن وسيلته محرمة، وهي قصد النظر إليه ﵊ على هذه الحالة، ولذلك لم تقع من إِبن عمر ﵄ قصداً، فلا شك أن هذا يَبْعُد معه القول بأنه تشريع للأمة، وهو يقوي دعوى الخصوصية له عليه الصلاة، والسلام.
الوجه الثالث: أنه على القول بأن العلّة في النهي هي تعظيم القبله؛ فإن النبي ﷺ لا ينخرم فيه هذا المعنى لمكان العصمة، بخلاف عموم الأمة، فقوّى هذا المعنى القول بحمل حديث إِبن عمر ﵄ على الخصوصية.
الوجه الرابع: أنّ حديث إِبن عمر ﵄ لم يعارض حديث أبي أيوب ﵁ من جميع الوجوه لأنه إِشتمل على إِستدبار الكعبة، وحديث النّهي جمع كلا الأمرين الاستقبال، والاستدبار، فلا يقوى على العارضة فيهما، بل تقع المعارضة فيه من وجه واحد، وهو الاستدبار دون الاستقبال، وحينئذ يضعف متنه عن معارضة متن حديث أب أيوب ﵁ عند من يحمله على المعارضة العامة، ويقول بجواز الأمرين في البنيان، دون الصحراء، وهم الجمهور ﵏.
стр. 110
رابعاً: أنّ أحاديث الجواز الأخرى لم تخل أسانيدها من كلام كما بيّناه في شرح البلوغ، وحديث النهي، والتحريم أصحُّ ثبوتاً، وأقوى دلالة على الحظر، والتحريم فكان مُقدّماً على غيره، والله تعالى أعلم.
قوله ﵀: [ولبْثُهُ فَوقَ حَاجتِه] أي: ويحرم أن يلبث بمعنى: أن يقعد في مكان قضاء الحاجة أكثر مما يحتاجه، بل عليه أن يبادر بالخروج منه بمجرد إنتهائه من حاجته، وطهارته منها، والأصل في ذلك: أن السنة دلّت على أنها أماكن فيها الضرر كما يشهد لذلك قوله ﵊: [إنّ هذه الحُشوش محتَضَرة] أي تحضرها الشياطين، وفي دعائه ﵊ عند دخوله بقوله: [اللهم إني أعوذُ بِكَ من الخبثِ، والخبائِثِ] ما يشير إلى هذا المعنى، وعلّل في الروض التحريم بكشف العورة، أي أنه سيبقى مكشوف العورة فوق قدر الحاجة، وهي علة واردة، ولكن يشكل عليها أنها تقتضي تخصيص التحريم بحال كشف العورة، فلو سترها، وأطال المكث لخرج من المنع، وظاهر كلام المصنف ﵀ لا يدل عليه لأنه غير مُقيَّدٍ بهذه الحالة، بل العبرة بالمكان نفسه، ولذلك جعل التحريم مرتباً على إطالة اللبث، والمقام في المكان لغير حاجة، وظاهره أن العبرة بالمكان كما شهدت به دلالة السنة المتقدمة.
قوله ﵀: [وبَولُه في طريقٍ، وظلٍّ نَافِع]: أي ويحرم عليه أن يبول في طريق؛ وسُمِّي الطريق طريقاً من الطَّرق؛ لأن الناس يطرقونه بنعالهم، وقيل: لأنه يُسمع فيه طرق النعال.