← Фикх общий

Фикх общий · id 37547

الجامع لأحكام الصلاة - عادل بن سعد

عادل بن سعد

Полный текст (320 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

الجَامعُ لأحكامِ الصَّلاة وصِفة صَلاة النَّبيِّ ﷺ للأئمة الأعلام شيخ الإسلام ابن قيم الجوزية ـ سماحه الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز الإمام محمد بن عبد الوهاب ـ فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين فضيلة الشيخ صالح بن فوزان الفوزان ـ الإمام المحدث الألباني جمع وإعداد وتخريج أبي عبد الرحمن عادل بن سعد الكتاب العالمي للنشر بيروت - لبنان

стр. 2

الكتاب: الجَامعُ لأحكامِ الصَّلاة وصِفة صَلاة النَّبيِّ ﷺ جمعه: عادل بن سعد عدد الصفحات: ٣٢٨ سنة الطباعة: ٢٠٠٦ م بلد الطباعة: لبنان الطبعة: الأولى جميع الحقوق محفوظة ١٤٢٧ هـ - ٢٠٠٦ م

стр. 3

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونؤمن به، ونتوكل عليه، ونشكره ولا نكفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو حي لا يموت بيده الخير وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم اجزه عنا خير ما جازيت نبيًا عن أمته، ورسولًا عن دعوته ورسالته، اللهم صلِّ عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وارض اللهم عن خلفائه الراشدين وعن صحابته أجمعين، وعمن سار على نهجه وهديه واقتفى أثره وسنته إلى يوم الدين. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (١)﴾ [النساء: ١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧٠، ٧١]. أما بعد: فهذا كتاب جامع لأحكام الصلاة، نسأل الله أن يكون سببًا لإقبال المسلمين على الصلاة والتمسك بها، فإن الصلاة هي الركن الثاني من أركان الإسلام، فقد أمر الله بإقامة الصلاة، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣] ولقد حذر رسول الله ﷺ من إضاعتها، فهي آخر عرى الإسلام انتقاضًا حيث قال ﷺ : "تنقض عرى الإسلام عروة عروة، فكلما انتقضت عروة تشبث الناس بالتي تليها، وأولهن نقضا الحكم، وآخرهن الصلاة" أخرجه أحمد. والناظر إلى حال المسلمين اليوم وما أصابهم من ضعف وهوان يعلم يقينًا سبب ذلك وهو بعدهم عن الله وضعف إيمانهم به سبحانه، ولن يصلح آخر هذه الأمة إلا ما صلح به أولها، وذلك بالعودة إلى الله والتمسك بشرعه والالتجاء إليه فقد قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: ١١] وفي الحديث: "يوشك أن تداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها، قيل: أمن قلة نحن يا رسول الله؟ قال: لا، ولكن غثاء كغثاء السيل ينزع الله المهابة من صدور أعدائكم ويلقي في قلوبكم الوهن، قيل: ما الوهن يا رسول الله؟ قال: حب الدنيا وكراهية الموت". نسأل الله أن يرد المسلمين إلى دينهم مردًا جميلًا. أبو عبد الرحمن عادل بن سعد

стр. 4

باب: أسرار الصلاة (١) اعلم أنه لا ريب أن الصلاة قرة عُيون المحبين، ولذة أرواح الموحدين، وبستان العابدين ولذة نفوس الخاشعين، ومحك أحوال الصادقين، وميزان أحوال السالكين، وهي رحمةُ الله المهداة إلى عباده المؤمنين. هداهم إليها، وعرَّفهم بها، وأهداها إليهم على يد رسوله الصادق الأمين، رحمة بهم، وإكراما لهم، لينالوا بها شرف كرامته، والفوز بقربه لا لحاجة منه اليهم، بل منَّة منه، وتفضَّلا عليهم، وتعبد بها قلوبهم وجوارحهم جميعا، وجل حظ القلب العارف منها أكمل الحظين وأعظمهما؛ وهو إقباله على ربه سبحانه، وفرحه وتلذذه بقربه، وتنعمه بحبه، وابتهاجه بالقيام بين يديه، وانصرافه حال القيام له بالعبودية عن الالتفات إلى غير معبوده، وتكميله عبوديته ظاهرًا وباطنًا حتى تقع على الوجه الذي يرضاه ربه سبحانه. ولما امتحن الله سبحانه عبده بالشهوة وأشباهها من داخل فيه وخارج عنه، اقتضت تمام رحمته به وإحسانه إليه أن هيأ له مأدبة قد جمعت من جميع الألوان والتحف والخلع والعطايا، ودعاه إليها كل يوم خمس مرات، وجعل في كل لون من ألوان تلك المأدبة، لذة ومنفعة ومصلحة ووقار لهذا العبد، الذي قد دعاه إلى تلك المأدبة ليست في اللون الآخر، لتكمل لذة عبده في كل من ألوان العبودية ويُكرمه بكل صنفٍ من أصناف الكرامة، ويكون كل فعل من أفعال تلك العبودية مُكفرا لمذموم كان يكرهه بإزائه، ويثيبه عليه نورًا خاصًا، فإن الصلاة نور وقوة في قلبه وجوارحه وسعة في رزقه، ومحبة في العباد له، وإن الملائكة لتفرح وكذلك بقاع الأرض، وجبالها وأشجارها، وأنهارها تكون له نورًا وثوابًا خاصًا يوم لقائه. فيصدر المدعو من هذه المأدبة وقد أشبعه وأرواه، وخلع عليه بخلع القبول، وأغناه، وذلك أن قلبه كان قبل أن يأتي هذه المأدبة، قد ناله من الجوع والقحط والجدب والظمأ والعري والسقم ما ناله، فصدر من عنده وقد أغناه وأعطاه من الطعام والشراب واللباس والتحف ما يغنيه. ولما كانت الجدُوب متتابعة على القلوب، وقحطُ النفوس متواليًا عليها، جدْد له الدعوة آلة هذه المأدبة وقتًا بعد وقت رحمة منه به، فلا يزال مُستسقيًا، طالبًا إلى من بيده غيثُ القلوب، وسَقيُها مستمطرًا سحائب رحمته لئلا يَيبس ما أنبتته له تلك الرحمة من نبات الإيمان، وكلأ الإحسان وعشبه وثماره، ولئلا تنقطع مادة النبات من الروح والقلب، فلا يزال القلب في استسقاء واستمطار هكذا دائمًا، يشكو إلى ربه جدبه، وقحطه، وضرورته إلى سُقيا رحمته، وغيث بره، فهذا دأب العبد أيام حياته. فالقحط الذي ينزل بالقلب هو الغفلة، فالغفلة هي قحط القلوب وجلبها، وما دام العبد في ذكر الله والإقبال عليه فغيث الرحمة ينزل عليه كالمطر المتدارك، فإذا غفل ناله من القحط بحسب غفلته قلة وكثرة، فإذا تمكنت الغفلة منه، واستحكمت صارت أرضه خرابًا ميتة، وسنته جرداء يابسة، وحريق الشهوات يعمل فيها من كل جانب كالسَّمائم. فتصير أرضه بورًا بعد أن كانت مخصبة بأنواع النبات، والثمار وغيرها، وإذا تدارك عليه غيث الرحمة اهتزت أرض إيمانه وأعماله وربت، وأنبتت من كل زوج بهيج، فإذا ناله القحط والجدب كان بمنزلة شجرة رطوبتها وخضرتها ولينها وثمارها من الماء، فإذا منعت من الماء يبسَت عروقها وذبلت أغصانها، وحُبست ثمارها، وربما يبست الأغصان والشجرة، فإذا مددت منها غصنًا إلى نفسك لم يمتد، ولم ينْقَد لك، وانكسر، فحينئذ تقتضي حِكمة قيم البستان قَطع تلك الشجرة وجعلَها وقودًا للنار.

стр. 5

فكذلك القلب، إنما ييبس إذا خلا من توحيد الله وحبه ومعرفته وذكره ودعائه، فتصيبه حرارة النفس، ونار الشهوات، فتمتنع أغصان الجوارح من الامتداد إذا مددتها، والانقياد إذا قُدتها، فلا تصلح بعدُ هي والشجرة إلا للنار، ﴿فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [الزمر: ٢٢]، فإذا كان القلب ممطورًا بمطر الرحمة، كانت الأغصان لينة مُنقادة رطبة، فإذا مددتها إلى أمر الله انقادت معك، وأقبلت سريعة لينة وادعة، فجنيت منها من ثمار العبودية ما يحمله كل غصن من تلك الأغصان ومادتها من رطوبة القلب وريه، فالمادة تعمل عملها في القلب والجوارح، وإذا يبس القلب تعطلت الأغصان من أعمال البر؛ لأن مادة القلب وحياته قد انقطعت منه فلم تنتشر في الجوارح، فتحمل كل جارحة ثمرها من العبودية، ولله في كل جارحة من جوارح العبد عبودية تخصه، وطاعة مطلوبة منها، خلقت لأجلها وهيئت لها. والناس بعد ذلك ثلاثة أقسام: أحدهما: من استعمل تلك الجوارح فيما خلقت له، وأريد منها، فهذا هو الذي تاجر الله بأربح التجارة، وباع نفسه لله بأربح البيع. والصلاة وُضعت لاستعمال الجوارح جميعها في العبودية تبعًا لقيام القلب بها وهذا رجلٌ عرَف نعمة الله فيما خُلق له من الجوارح وما أنعم عليه من الآلاء، والنعم، فقام بعبوديته ظاهرًا وباطنًا واستعمل جوارحه في طاعة ربه، وحفظ نفسه وجوارحه عما يُغضب ربه ويشينه عنده. والثاني: من استعمل جوارحه فيما لم تُخلق له، بل حبسها على المخالفات والمعاصي، ولم يطلقها، فهذا هو الذي خابَ سعيه، وخسرت تجارته، وفاته رضا ربه عنه، وجَزيل ثوابه، وحصل على سخطه وأليم عقابه. والثالث: مَن عطل جوارحه، وأماتها بالبطالة والجهالة، فهذا أيضًا خاسر بائر أعظم خسارة من الذي قبله، فإن العبد إنما خُلق للعبادة والطاعة لا للبطالة. وأبغض الخلق إلى الله العبد البطال الذي لا في شغل الدنيا ولا في سعي الآخرة. بل هو كل على الدنيا والدين، بل لو سعى للدنيا ولم يسع للآخرة كان مذمومًا مخذولًا، وكيف إذا عطل الأمرين، وإن امرءًا يسعى لدنياه دائما، ويذهل عن أُخراه، لا شك خاسر. فالرجل الأول، كرجل أُقطع أرضًا واسعة، وأعين على عمارتها بآلات الحرث، والبذر وأعطي ما يكفيها لسقيها وحرثها، فحرثها وهيَّأها للزراعة، وبذر فيها من أنواع الغلات، وغرس فيها من أنواع الأشجار والفواكه المختلفة الألوان ثم أحاطها بحائط، ولم يهملها بل أقام عليها الحرس، وحصنها من الفساد والمفسدين، وجعل يتعاهدها كل يوم فيُصلح ما فسد منها، ويغرس فيها عوض ما يبس، وينقي دغلها ويقطع شوكها، ويستعين بغلتها على عمارتها. والثاني: بمنزلة رجل أخذ تلك الأرض، وجعلها مأوى السباع والهوام، وموضعًا للجيف والأنتان، وجعلها معقلًا يأوى إليه فيها كل مفسد ومؤذ ولصٍّ، وأخذ ما أعين به من حرثتها وبذارها وصلاحها، فصرفه وجعله معونة ومعيشة لمن فيها، من أهل الشر والفساد. والثالث: بمنزلة رجل عطلها وأهملها وأرسل الماء ضائعًا في القفار والصحاري فقعد مذمومًا محسورًا. فهذا مثال أهل اليقظة، وأهل الغفلة، وأهل الخيانة. فالأول: مثال أهل اليقظة، والاستعداد لما خلقوا له.

стр. 6

والثاني: مثال أهل الخيانة. والثالث: مثال لأهل الغفلة. فالأول: إذا تحرْك أو سَكَن، أو قام أو قعد، أو أكل أو شرب، أو نام، أو لبس، أو نطق، أو سكت كان كله له لا عليه، وكان في ذكر وطاعة وقربة ومزيد. والثاني: إذا فعل ذلك كان عليه لا له، وكان في طرد وإبعاد وخُسران. والثالث: إذا فعل ذلك كان في غفلة وبطالة وتفريط. فالأول: يتقلب فيما يتقلب فيه بحكم الطاعة والقربة. والثاني: يتقلب في ذلك بحكم الخيانة والتعدي، فإن الله لم يملكه ما ملّكه ليستعين به على مخالفته، فهو جان متعد خائن لله تعالى في نعمه عليه معاقبٌ على التنعم بها في غير طاعته. والثالث: يتقلب في ذلك ويتناوله بحكم الغفلة والهوى ونهمة النفس وطبعها، لم يتمتع بذلك ابتغاء رضوان الله تعالى والتقرب إليه، فهذا خسرانه بين واضح، إذ عطل أوقات عمره التي لا قيمة لها عن أفضل الأرباح والتجارات. فدعا الله عباده المؤمنين الموحدين إلى هذه الصلوات الخمس، رحمة منه بهم، وهيأ لهم فيها أنواع العبادة؛ لينال العبد من كل قول وفعل وحركة وسكون حظه من عطاياه. وكان سرُّ الصلاة ولُبها إقبال القلب فيها على الله، وحضوره بكليته بين يديه، فإذا لم يقبل عليه واشتغل بغيره ولهى بحديث نفسه، كان بمنزلة وافد وفد إلى باب الملك معتذرًا من خطاياه وزله مستمطرًا سحائب جوده وكرمه ورحمته، مستطعمًا له ما يقيت قلبه، ليقوى به على القيام في خدمته، فلما وصل إلى باب الملك، ولم يبق إلا مناجته له، التفت عن الملك وزاغ عنه يمينًا وشمالًا، أو ولاه ظهره، واشتغل عنه بأمقت شيء إلى الملك، وأقلّه عنده قدرًا عليه، فآثره عليه، وصيره قلبة قلبه، ومحل توجهه، وموضع سره، وبعث إيمانه وخدمه ليقفوا في خدم طاعة الملك عوضًا عنه ويعتذروا عنه، وينوبوا عنه في الخدمة، والملك يشاهد ذلك ويرى حاله مع هذا، فكرم الملك وجوده وسعة بره وإحسانه تأبى أن يصرف عنه تلك الخدم والأتباع، فيصيبه من رحمته وإحسانه؛ لكن فرق بين قسمة الغنائم على أهل السُّهمان من الغانمين، وبين الرضخ لمن لا سهم له: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [الأحقاف: ١٩]، والله خلق هنا النوع الإنساني لنفسه واختصه له، وخلق كل شيء له، ومن أجله كما في الأثر الإلهي: "ابن آدم خلقتك لنفسي، وخلقت كل شيء لك، فبحقي عيك لا تشتغل بما خلقته لك عما خلقتك له". وفي أثر آخر: "ابن آدم خلقتك لنفسي فلا تلعب وتكفلت برزقك فلا تتعب، ابن آدم اطلبني تجدني، فإن وجدتني وجدت كل شيء، وإن فتك فاتك كلّ شيء، وأنا أحب إليك من كلّ شيء". وجعل الصلاة سببًا موصلًا إلى قُربه، ومناجاته، ومحبته والأنس به. وما بين الصلاتين تحدث للعبد الغفلة والجفوة والقسوة، والإعراض والزَّلات، والخطايا، فيبعده ذلك عن ربه، وينحيه عن قربه، فيصير بذلك كأنه أجنبيًا من عبوديته، ليس من جملة العبيد، وربما ألقى بيده إلى أسر العدو له فأسره، وغله، وقيَّده، وحبسه في سجن نفسه وهواه. فحظه ضيق الصدر، ومعالجة الهموم، والغموم، والأحزان، والحسرات، ولا يدري السبب في ذلك. فاقتضت رحمة ربه الرحيم الودود أن جعل له من عبوديته عبودية جامعة، مختلفة الأجزاء، والحالات بحسب اختلاف الأحداث التي كانت من العبد، وبحسب شدة حاجته إلى نصيبه من كل خير من أجزاء تلك العبودية.

стр. 7

فبالوضوء يتطهر من الأوساخ، ويُقدم على ربه متطهرًا، والوضوء له ظاهر وباطن: فظاهره: طهارة البدن، وأعضاء العبادة. وباطنه وسره: طهارة القلب من أوساخ الذنوب والمعاصي وأدرانه بالتوبة؛ ولهذا يقرن تعالى بين التوبة والطهارة في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢] وشرع النبي ﷺ للمتطهر بعد فراغه من الوضوء أن يتشهد ثم يقول: "اللهم اجعلني من التوابين، واجعلني من المتطهرين". فكمَّل له مراتب العبدية والطهارة، باطنًا وظاهرًا، فإنه بالشهادة يتطهر من الشرك، وبالتوبة يتطهر من الذنوب، وبالماء يتطهر من الأوساخ الظاهرة. فشرع له أكمل مراتب الطهارة قبل الدخول على الله ، والوقوف بين يديه، فلما طهر ظاهرًا وباطنًا، أذن له بالدخول عليه بالقيام بين يديه وبذلك يخلص من الإباق. وبمجيئه إلى داره، ومحل عبوديته يصير من جملة خدمه، ولهذا كان المجيء إلى المسجد من تمام عبودية الصلاة الواجبة عند قوم والمستحبة عند آخرين. والعبد في حال غفلته كالآبق من ربه، قد عطّل جوارحه وقلبه عن الخدمة التي خُلق لها فإذا جاء إليه فقد رجع من إباقه، فإذا وقف بين يديه موقف التذلل والانكسار، فقد استدعى عطف سيده عليه، وإقباله عليه بعد الإعراض عنه. وأُمر بأن يستقبل القبلة -بيته الحرام- بوجهه، ويستقبل الله بقلبه، لينسلخ مما كان فيه من التولي والإعراض، ثم قام بين يديه مقام المتذلل الخاضع المسكين المستعطف لسيده عليه، وألقى بيديه مسلمًا مستسلمًا ناكس الرأس، خاشع القلب مُطرق الطرف لا يلتفت قلبه عنه، طرفة عين، لا يمنة ولا يسرة، خاشع قد توجه بقلبه كله إليه. وأقبل بكليته عليه، ثم كبره بالتعظيم والإجلال وواطأ قلبه لسانه في التكبير فكان الله أكبر في قلبه من كل شيء، وصدق هذا التكبير بأنه لم يكن في قلبه شيء أكبر من الله تعالى يشغله عنه، فإنه إذا كان في قلبه شيء يشتغل به عن الله دل على أن ذلك الشيء أكبر عنده من الله فإنه إذا اشتغل عن الله بغيره، كان ما اشتغل به هو أهم عنده من الله، وكان قوله "الله أكبر" بلسانه دون قلبه؛ لأن قلبه مقبل على غير الله، معظمًا له، مجلًا، فإذا ما أطاع اللسان القلب في التكبير، أخرجه من لبس رداء التكبر المنافي للعبودية، ومنعه من التفات قلبه إلى غير الله، إذا كان الله عنده وفي قلبه أكبر من كل شيء فمنعه حق قوله: الله أكبر والقيام بعبودية التكبير من هاتين الآفتين، اللتين هُما من أعظم الحُجب بينه وبين الله تعالى. فإذا قال: "سبحانك اللهم وبحمدك" وأثنى على الله تعالى بما هو أهله، فقد خرج بذلك عن الغفلة وأهلها، فإن الغفلة حجاب بينه وبين الله. وأتى بالتحية والثناء الذي يُخاطب به الملك عند الدخول عليه تعظيمًا له وتمهيدًا، وكان ذلك تمجيدًا ومقدمة بين يدي حاجته. فكان في الثناء من آداب العبودية، وتعظيم المعبود ما يستجلب به إقباله عليه، ورضاه عنه، وإسعافه بفضله حوائجه. فإذا شرع في القراءه قدَّم أمامها الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم فإنه أحرص ما يكون على خُذلان العبد في مثل هذا المقام الذي هو أشرف مقامات العبد وأنفعها له في دنياه وآخرته، فهو أحرص شيء على صرفه عنه، وانتفاعه دونه بالبدن والقلب، فإن عجز عن اقتطاعه وتعطيله عنه بالبدن اقتطع قلبه وعطله، وألقى

стр. 8

فيه الوساوس ليشغله بذلك عن القيام بحق العبودية بين يدي الرب ﵎، فأمر العبد بالاستعاذة بالله منه ليسلم له مقامه بين يدي ربه وليحي قلبه، ويستنير ما يتدبره ويتفهمه من كلام الله سيِّده الذي هو سبب حياة قلبه، ونعيمه وفلاحه، فالشيطان أحرص شيء على اقتطاع قلبه عن مقصود التلاوة. ولما علم الله حَسَد العدو للعبد، وتفرْغه له، وعلم عجز العبد عنه، أمره بأن يستعيذ به سبحانه، ويلتجئ إليه في صرفه عنه، فيكتفي بالاستعاذة من مؤونة محاربته ومقاومته، وكأنه قيل له: لا طاقة لك بهذا العدو، فاستعذ بي أعيذك منه، واستجر بي أجيرك منه، وأكفيكه وأمنعك منه. وقال لي شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه ونور ضريحه يومًا: إذا هاش عليك كلب الغنم فلا تشتغل بمحاربته، ومدافعته، وعليك بالراعي فأستغث به فهو يصرف عنك الكلب، ويكفيكه. فإذا استعاذ الإنسان بالله من الشيطان الرجيم أبعده عنه. فأفضى القلب إلى معاني القرآن، ووقع في رياضه المونقة وشاهد عجائبه التي تبهر العقول، واستخرج من كنوزه وذخائره ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، وكان الحائل بينه وبين ذلك، النفس والشيطان، فإن النفس منفعلة للشيطان، سامعة منه، مطيعة فإذا بَعُدَ عنها، وطُرد ألم بها الملَك، وثبتها وذكرها بما فيه سعادتها ونجاتها. فإذا أخذ العبد في قراءة القرآن، فقد قام في مقام مخاطبة ربِّه ومناجاته، فليحذر كل الحذر من التعرض لمقته وسخطه، بأن يناجيه ويخاطبه، وقلبه معرِض عنه، ملتفت، إلى غيره، فإنه يستدعي بذلك مقته، ويكون بمنزلة رجل قربه ملك من ملوك الدنيا، وأقامه بين يديه فجعل يخاطب الملك، وقد ولاه قفاه، أو التفت عنه بوجهه يَمنَة ويسرة، فهو لا يفهم ما يقول الملك، فما الظن بمقت الملك لهذا. فما الظن بمقت الملك الحق المبين رب العالمين وقيوم السماوات والأرضين. فينبغي بالمصلي أن يقف عند كل آية من الفاتحه وقفة يسيرة، ينتظر جواب ربه له، وكأنه يسمعه وهو يقول: "حمدني عبدي" إذا قال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. فإذا قال: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ وقفَ لحظة ينتظر قوله: "أثنى عليَّ عبدي". فإذا قال: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّين﴾ انتظر قوله: "مجدني عبدي". فإذا قال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ انتظر قوله تعالى: "هذا بيني وبين عبدي". فإذا قال: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ إلى آخرها انتظر قوله: "هذا لعبدي ولعبدي ما قال". ومَن ذاق طعم الصلاة عَلمَ أنه لا يقوم مقام التكبير والفاتحة غيرهما مقامها، كما لا يقوم غير القيام والركوع والسجود مقامها، فلَكل عبوديته من عبودية الصلاة سر وتأثير وعبودية لا تحصل في غيرها، ثم لكل آية من آيات الفاتحة عبودية وذوق ووجد يخُصها لا يوجد في غيرها. فعند قوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ تجد تحت هذه الكلمة إثبات كلّ كمال للرب وصفًا واسمًا، وتنزيهه سُبحَانه وبحمده عن كلِّ سوء، فعلًا ووصفًا واسمًا، وإنما هو محمود في أفعاله وأوصافه وأسمائه، مُنزه عن العيوب والنقائص في أفعاله وأوصافه وأسمائه. فأفعاله كلّها حكمة ورحمة ومصلحة وعدل ولا تخرج عن ذلك، وأوصافه كلها أوصاف كمال، ونعوت جلال، وأسماؤه كلّها حُسنى. وحمده تعالى قد ملأ الدنيا والآخرة، والسموات والأرض، وما بينهما وما فيهما، فالكون كله ناطق

стр. 9

بحمده، والخلق والأمر كله صادر عن حمده، وقائم بحمده، ووجوده وعدمه بحمده، فحمدُه هو سبب وجود كل شيء موجود، وهو غاية كل موجود، وكل موجود شاهد بحمده، فإرساله رسله بحمده، وإنزاله كتبه بحمده، والجنة عُمرت بأهلها بحمده، والنَار عُمرت بأهلها بحمده، كما أنها إنما وجدتا بحمده. وما أُطيع إلا بحمده، وما عُصي إلا بحمده، ولا تسقط ورقة إلا بحمده، ولا يتحرك في الكون ذرة إلا بحمده، فهو المحمود لذاته، وإن لم يحمده العباد. كما أنه هو الواحد الأحد، وإن لم يوحِّده العباد، وهو الإله الحقُّ وإن لم يؤلهه، سبحانه هو الذي حمِد نفسه على لسان الحامد كما قال النبي ﷺ : "إن الله تعالى قال على لسان نبيه: سَمعَ اللهُ لمن حَمدَه". فهو الحامدُ لنفسه في الحقيقة على لسان عبده، فإنه هو الذي أجرى الحمدَ على لسانه وقلبه، وأجزأه بحمده فله الحمد كله، وله الملك كله، وبيده الخير كله، وإليه يرجع الأمر كله، علانيته وسره. فهذه المعرفة نبذة يسيرة من معرفة عبودية الحمد، وهي نقطة من بحر لُجي من عبوديته. ومن عبوديته أيضًا: أن يعلم أن حمده لربه نعمة مِنه عليه، يستحق عليها الحمد، فإذا حمده عليها استحق على حمده حمدًا آخر، وهلم جرا. فالعبد ولو استنفد أنفاسه كلّها في حمد ربه على نعمة من نعمه، كان ما يجب عليه من الحمد عليها فور ذلك، وأضعاف أضعافه، ولا يُحصي أحد البتة ثناء عليه بمحمدته، ولو حمده بجميع المحامد فالعبد سائر إلى الله بكل نعمة من ربه، يحمده عليها، فإذا حَمده على صرفها عنه، حمده على إلهامه الحمدُ. قال الأوزاعي: "سمعت بعض قوال ينشد في حمام لك الحمدُ إمّا على نعمة وإما على نقمة تُدفع". ومن عبودية الحمد: شهود العبد لعجزه عن الحمد، وأن ما قام به منه، فالرب سبحانه هو الذي ألهمه ذلك، فهو محمود عليه، إذ هو الذي أجراه على لسانه وقلبه، ولولا الله ما اهتدى أحد. ومن عبودية الحمد: تسليط الحمد على تفاصيل أحوال العبد كلها ظاهرها وباطنها على ما يحب العبد منها وما يكره، بل على تفاصيل أحوال الخلق كلّهم، برهم وفاجرهم، علويهم وسفليهم، فهو سبحانه المحمود على ذلك كلّه في الحقيقة، وإن غاب عن شهود العبد حكمة ذلك، وما يستحق الرب ﵎ من الحمد على ذلك والحمد لله: هو إلهام من الله للعباد، فمستقل ومستكثر على قدر معرفة العبد بربه. وقد قال النبي ﷺ في حديث الشفاعة: "فأقع ساجدًا فيلهمني الله محامد أحمده بها لم تخطر على بالي قط". ثم لقول العبد: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ من العبودية شهود تفرده سبحانه بالربوبية وحده، وأنه كما أنه رب العالمين، وخالقهم، ورازقهم، ومدبر أمورهم، وموجدهم، ومغنيهم، فهو أيضًا وحده إلههم، ومعبودهم، وملجأهم ومفزعهم عند النوائب، فلا ربَّ غيره، ولا إله سواه. عنوان: عبودية ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. ولقوله: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ عبودية تخصه سبحانه، وهي شهود العبد عموم رحمته. وشمولها لكلّ شيء، وسعتها لكل مخلوق وأخذ كل موجود بنصيبه منها، ولا سيما الرحمة الخاصَّة بالعبد وهي التي أقامته بين يدي ربه: أقم فلانًا - ففي بعض الآثار أن جبرائيل يقول كل ليلة أقم فلانًا، وأنم فلانًا فبرحمته للعبد أقامه في خدمته يناجيه بكلامه، ويتملقه ويسترحمه ويدعوه ويستعطفه ويسأله هدايته ورحمته، وتمام نعمته عليه دنياه وأخراه فهذا من رحمته بعبده، فرحمته وسعت كل شيء، كما أن

стр. 10

حمده وسع كل شيء، وعلمه وسع كل شيء، ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا﴾ [غافر: ٧]، وغيره مطرود محروم قد فاتته هذه الرحمة الخاصة فهو منفي عنها. عنوان: عبودية ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾. ويعطي قوله ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ عبوديته من الذل والانقياد، وقصد العدل والقيام بالقسط، وكف العبد نفسه عن الظلم والمعاصي، وليتأمل ما تضمنته من إثبات المعاد وتفرد الربِّ في ذلك بالحكم بين خلقه، وأنه يوم يدين الله فيه الخلق بأعمالهم من الخير والشر، وذلك من تفاصيل حمده، وموجبه كما قال تعالى: ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الزمر: ٧٥]. ويروى أن جميع الخلائق يحمدونه يومئذ أهل الجنة وأهل النار، عدلًا وفضلًا، ولما كان قوله ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ إخبارًا عن حمد عبده له قال: حمدني عبدي. ولما كان قوله ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ إعادة وتكريرًا لأوصاف كماله قال: "أثنى علي عبدي"، فإن الثناء إنما يكون بتكرار المحامد، وتعداد أوصاف المحمود، فالحمد ثنْاء عليه، و ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ وصفه بالرحمة. ولما وصف العبد ربه بتفرُّده بملك يوم الدين وهو الملك الحق، مالك الدنيا والآخرة؛ وذلك متضمن لظهور عدله، وكبريائه وعظمته، ووحدانيته، وصدق رُسله، سمَّى هذا الثناء مجدًا فقال: "مجدني عبدي" فإن التمجيد هو: الثناء بصفات العظمة، والجلال، والعدل، والإحسان. فإذا قال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ انتظر جواب ربه له: "هذا بيني وبين عبدي، ولعبدي ما سأل". وتأمل عبودية هاتين الكلمتين وحقوقهما، وميز الكلمة التي لله ، والكلمة التي للعبد، وفِقهِ سر كون إحداهما لله، والأخرى للعبد، وميز بين التوحيد الذي تقتضيه كلمة ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ والتوحيد الذي تقتضيه كلمة ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِين﴾، وفِقهَ سر كون هاتين الكلمتين في وسط السورة بين نوعي الثناء قبلهما، والدعاء بعدهما، وفِقه تقديم ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ على ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِين﴾، وتقديم المعمول على العامل مع الإتيان به مؤخرًا أوجز وأخصر، وسر إعادة الضمير مرة بعد مرة. قلت: أراد تقديم العبادة -وهي العمل- على الاستعانة، فالعبادة لله والاستعانة للعبد، فالله هو المعبود، وهو المستعان على عبادته، فإياك نعبد؛ أي إياك أريد بعبادتي، وهو يتضمن العمل الصالح الخالص، والعلم النافع الدال على الله، معرفة ومحبة، وصدقًا وإخلاصًا، فالعبادة حق الرب تعالى على خلقه، والاستعانة تتضمن استعانة العبد بربه على جميع أموره، وهي القول المتضمن قسم العبد. (فكل عبادة لا تكون لله وبالله) فهي باطلة مضمحلة، (وكل استعانة تكون بغير الله) وحده فهي خذلان وذل. وتأمل علم ما ينفع العباد وما تدفع عنهم كل واحدة من هاتين الكلمتين من الآفة المنافية للعبودية نفعًا ودفعًا وكيف تدخل العبد هاتان الكلمتان في صريح العبودية. وتأمل علم كيف يدور القرآن كله من أوْله إلى آخره عليهما، وكذلك الخلق، والأمر والثواب والعقاب والدنيا والآخرة، وكيف تضمْنتا لأجل الغايات، وأكمل الوسائل، وكيف أتى بهما بضمير

стр. 11

المخاطب الحاضر، دون ضمير الغائب، وهذا موضوع يستدعي كتابًا كبيرًا، ولولا الخروج عما نحن بصدده لأوضحناه وبسطناه، فمن أراد الوقوف عليه فقد ذكرناه في كتاب: "مراحل السائرين بين منازل إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ" وفي كتاب "الرسالة المصرية". ثم ليتأمل العبد ضرورته وفاقته إلى قوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ الذي مضمونه معرفة الحق، وقصده وإرادته والعمل به، والثبات عليه، والدعوة إليه، والصبر على أذى المدعو إليه فباستكمال هذه المراتب الخمس يستكمل العبد الهداية وما نقص منها نقص من هدايته. ولما كان العبد مفتقرًا إلى هذه الهداية في ظاهره وباطنه، بل وفي جميع ما يأتيه، ويذره من: * أمور فعلها على غير الهداية علمًا وعملًا وإرادة، فهو محتاج إلى التوبة منها والتوبة منها هي من الهداية. * وأمور قد هُدي إلى أصلها دون تفصيلها فهو محتاج إلى هداية تفاصيلها. * وأمور قد هُدى إليها من وجه دون وجه، فهو محتاج إلى تمام الهداية في كمالها على الهدى المستقيم، وأن يزداد هدى إلى هداه. * وأمور هو محتاج فيها إلى أن يحصل له من الهداية في مستقبلها مثل ما حصل له في ماضيها. * وأمور هو خال عن اعتقاد فيها فهو محتاج إلى الهداية فيها اعتقادًا صحيحًا. * وأمور يعتقد فيها خلاف ما هي عليه، فهو محتاج إلى هداية تنسخ من قلبه ذلك الاعتقاد الباطل، وتُثبت فيه ضده. * وأمور من الهداية: هو قادر عليها، ولكن لم يخلق له إرادة فعلها، فهو محتاج في تمام الهداية إلى خلق إرادة. * وأمور منها: هو غير قادر على فعلها مع كونه مريد لها، فهو محتاج في هدايته إلى إقدار عليها. * وأمور منها: هو غير قادر عليها ولا مريد لها، فهو محتاج إلى خلق القدرة عليها والإرادة لها لتتم له الهداية. * وأمور: هو قائم بها على وجه الهداية اعتقادًا وإرادة، وعلمًا وعملًا، فهو محتاج إلى الثبات عليها واستدامتها، فكانت حاجته إلى سؤال الهداية أعظم الحاجات، وفاقته إليها أشد الفاقات، ولهذا فرض عليه الرب الرحيم هذا السؤال على العبيد كلّ يوم وليلة في أفضل أحواله، وهي الصلوات الخمس، مرات متعددة، لشدة ضرورته وفاقته إلى هذا المطلوب. * ثم بين أن سبيل أهل هذه الهداية مغاير لسبيل أهل الغضب وأهل الضلال، وهو اليهود، والنصارى وغيرهم. فانقسم الخلق إذًا إلى ثلاثة أقسام بالنسبة إلى هذه الهداية: مُنعم عليه: بحصولها له واستمرارها وحظه من المنعم عليهم، بحسب حظه من تفاصيلها وأقسامها. وضالٌ: لم يُعطَ هذه الهداية ولم يُوفق لها. ومغضوب عليه: عَرفها ولم يوفق للعمل بموجبها. فالضال: حائد عنها، حائر لا يهتدى إليها سبيلا. والمغضوب عليه: متحير منحرف عنها؛ لانحرافه عن الحق بعد معرفته به مع علمه بها. فالأول المنعم عليه قائم بالهدى، ودين الحق علمًا وعملًا واعتقادًا والضال عكسه، منسلخ منه

стр. 12

علمًا وعملًا. والمغضوب عليه لا يرفع بها رأسًا، عارف به علمًا منسلخ عملًا، والله الموفق للصواب. ولولا أن المقصود التنبيه على المضادة والمنافرة التي بين ذوق الصلاة، وذوق السماع، لبسطنا هذا الموضوع بسطًا شافيًا، ولكن لكل مقام مقال، فلنرجع إلى المقصود. وشرع له التأمين في آخر هذا الدعاء تفاؤلًا بإجابته، وحصوله، وطابعًا عليه، وتحقيقًا له، ولهذا اشتد حسدُ اليهود للمسلمين عليه حين سمعُوهم يجهرون به في صلاتهم. ثم شرع له رفع اليدين عند الركوع تعظيمًا لأمر الله، وزينةً للصلاة، وعبودية خاصةً لليدين كعبودية باقي الجوارح، واتباعًا لسنَّة رسول الله ﷺ فهو حليةُ الصلاة، وزينتها وتعظيم لشعائرها. ثم شرع له التكبير الذي هو في انتقالات الصلاة من رُكن إلى ركن، كالتلبية في إنتقالات الحاجِّ، من مشعر إلى مشعر، فهو شعار الصلاة، كما أن التلبية شعار الحج، (مميز ليعلم أن سر الصلاة هو تعظيم الرب تعالى وتكبيره بعبادته وحده). ثم شرع له بأن يخضع للمعبود سبحانه بالركوع خضوعًا لعظمة ربه، واستكانة لهيبته وتذللًا لعزته. فثناء العبد على ربه في هذا الركن؛ هو أن يحني له صلبه، ويضع له قامته، وينكس له رأسه، ويحني له ظهره، ويكبره مُعظمًا له، ناطقًا بتسبيحه، المقترن بتعظيمه. فاجتمع له خضوع القلب، وخضوع الجوارح، وخضوع القول على أتم الأحوال، ويجتمع له في هذا الركن من الخضوع والتواضع والتعظيم والذكر ما يفرق به بين الخضوع لربه، والخضوع للعبيد بعضهم لبعض، فإن الخضوع وصف العبد، والعظمة وصف الرب. وتمام عبودية الركوع أن يتصاغر الراكع، ويتضاءل لربه، بحيث يمحو تصاغره لربه من قلبه كل تعظيم فيه لنفسه، ولخلقه ويثبت مكانه تعظيمه ربه وحده لا شريك له. وكلما استولى على قلبه تعظيم الرب، وقوى خرج منه تعظيم الخلق، وازداد تصاغره هو عند نفسه فالركوع للقلب بالذات، والقصد والجوارح بالتبع والتكملة. ثم شرع له أن يحمد ربه، ويثني عليه بآلائه عند اعتداله وانتصابه ورجوعه إلى أحسن هيئاته، منتصب القامة معتدلها فيحمد ربه ويثني عليه بآلائه عند اعتداله وانتصابه ورجوعه إلى أحسن تقويم، بأن وفقه وهداه لهذا الخضوع الذي قد حرمه غيره. ثم نقله منه إلى مقام الاعتدال والاستواء، واقفًا في خدمته، بين يديه كما كان في حالة القراءة في ذلك، ولهذا شرع له من الحمد والمجد نظير ما شرع له من حال القراءة في ذلك. ولهذا الاعتدال ذوق خاص وحال يحصل للقلب، ويخصه سوى ذوق الركوع وحاله، وهو ركن مقصود لذاته كركن الركوع والسجود سواء. ولهنا كان رسول الله ﷺ يُطيلُه كما يطيل الركوع والسجود، ويُكثر فيه من الثناء والحمد والتمجيد، كما ذكرناه في هديه ﷺ في صلاته وكان في قيام الليل يُكثر فيه من قول: "لربي الحَمد، لربي الحمد" ويكررها. ثم شرع له أن يكبر ويدنو ويخر ساجدًا، ويُعطي في سجوده كل عضو من أعضائه حظه من العبودية، فيضع ناصيته بالأرض بين يدي ربه، مسندة راغمًا له أنفه، خاضعًا له قلبه، ويضع أشرف ما فيه -وهو وجهه- بالأرض ولا سيما وجه قلبه مع وجهه الظاهر ساجدًا على الأرض معفرًا له وجهه وأشرف ما فيه بين يدي سيده، راغمًا أنفه، خاضعًا له قلبه وجوارحه، متذللًا لعظمة ربه، خاضعًا لعزته،

стр. 13

منيبًا إليه، مستكينًا ذلًا وخضوعًا وانكسارًا، قد صارت أعاليه ملويةً لأسافله. وقد طابق قلبُه في ذلك حال جسده، فسجد القلب للرب كما سجد الجسد بين يدي الله، وقد سجد معه أنفه ووجهه، ويداه وركبتاه، ورجلاه فهذا العبد هو القريب المقرَّب فهو أقرب ما يكون من ربه وهو ساجد. وشرع له أن يُقل فخذيه عن ساقيه، وبطنه عن فخذيه وعَضُديه عن جنبيه، ليأخذ كل جزءٍ منه حظه من الخضوع لا يحمل بعضه بعضًا. فأحرى به في هذه الحال أن يكون أقرب إلى ربه منه في غيرها من الأحوال كلها، كما قال النبي ﷺ : "أقربُ ما يكونُ العبدُ من ربه وهو ساجد". [رواه مسلم (٤٨٢) عن أبي هريرة ﵁]. ولما كان سجود القلب خضوعه التام لربه أمكنه استدامة هذا السجود إلى يوم القيامة، كما قيل لبعض السلف: هل يسجد القلب؟ قال: "أي والله سجدة لا يرفع رأسه منها حتى يلقى الله ". [هذا القول عزاه ابن تيمية لسهل بن عبد الله التستري كما في مجموع الفتاوى (٢١/ ٢٨٧) (٢٣/ ١٣٨)]. إشارة إلى إخبات القلب، وذلّه، وخضوعه، وتواضعه وإنابته وحضوره مع الله أينما كان، ومراقبته له في الخلاء والملأ، ولما بنيت الصلاة على خمس: القراءة والقيام والركوع والسجود والذكر. سميت باسم كل واحد من هذه الخمس: فسمّيت "قيامًا" لقوله: ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [المزمل: ٢]، وقوله: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨]. و"قراءة" لقوله: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨]، ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ [المزمل: ٢٠]. وسمّيت "ركوعًا" لقوله: ﴿وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٣]، ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ﴾ [المرسلات: ٤٨]. و"سجودًا" لقوله: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ﴾ [الحجر: ٩٨]، ﴿وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ [العلق: ١٩]. و"ذكرًا" لقوله: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩]، ﴿لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [المنافقون: ٩]. وأشرف أفعالها السجود، وأشرف أذكارها القراءة، وأول سورة أنزلت على النبي ﷺ سورة ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ افتتحت بالقراءة، وخُتمت بالسجود، فوضعت الركعة على ذلك، أولها قراءة وآخرها سجود. ثم شرع له أن يرفع رأسه، ويعتدل جالسًا، ولما كان هذا الاعتدال محفوفًا بسجودين؛ سجود قبله، وسجود بعده، فينتقل من السجود إليه، ثم منه إلى السجود الآخر، كان له شأن، فكان رسول الله ﷺ يطيل الجلوس بين السجدتين بقدر السجود يتضرع إلى ربه فيه، ويدعوه ويستغفره، ويسأله رحمته، وهدايته ورزقه وعافيته، وله ذوق خاص، وحال للقلب غير ذوق السجود وحالهن؛ فالعبد في هذا القعود يتمثل جاثيًا بين يدي ربه، مُلقيًا نفسه بين يديه، مُعتَذرًا إليه مما جَناَه، راغبًا إليه أن يغفر له ويرحمه، مستَعديًا له

стр. 14

على نفسه الأمَّارة بالسوء. وقد كان النبي ﷺ يكرر الاستغفار في هذه الجلسة فيقول: "رب اغفر لي، رب اغفر لي، رب اغفر لي"، ويكثر من الرغبة فيها إلى ربه. فمثل أيها المصلي نفسك فيها بمنزلة غريم عليه حق، وأنت كفيل به، والغريم مماطل مخادع، وأنت مطلوب بالكفالة، والغريم مطلوب بالحق، فأنت تستعدي عليه حتى تستخرج ما عليه من الحق، لتتخلص من المطالبة، والقلب شريك النفس في الخير والشر، والثواب والعقاب، والحمد والذم. والنفس من شأنها الإباق والخروج من رقِّ العبودية، وتضييع حقوق الله وحقوق العباد التي قبلها، والقلب شريكها إن قوي سلطانها وأسيرها، وهي شريكته وأسيرته إن قوى سلطانه. فشرع للعبد إذا رفع رأسه من السجود أن يجثو بين يدي الله تعالى مستعديًا على نفسه، معتذرًا من ذنبه إلى ربه ومما كان منها، راغبًا إليه أن يرحمه ويغفر له ويرحمه ويهديه ويرزقه ويعافيه، وهذه الخمس كلمات، قد جمعت جماع خير الدنيا والآخرة فإن العبد محتاج بل مضطر إلى تحصيل مصالحه في الدنيا وفي الآخرة، ودفع المضار عنه في الدنيا والآخرة، وقد تضمّن هذا الدعاء ذلك كله. فإن الرزق يجلب له مصالح دنياه وأخراه ويجمع رزق بدنه ورزق قلبه وروحه، وهو أفضل الرازقين. والعافية تدفع مضارها. والهداية تجلب له مصالح أخراه. والمغفرة تدفع عنه مضارّ الدنيا والآخرة. والرحمة تجمع ذلك كلّه. والهداية تعمُّ تفاصيل أموره كلّها. وشرع له أن يعودَ ساجدًا كما كان، ولا يكتفي منه بسجدة واحدة في الركعة كما اكتفى منه بركوع واحد؛ وذلك لفضل السجود وشرفه وقرب العبد من ربِّه وموقعه من الله ، حتى إنَّه أقرب ما يكون إلى ربه وهو ساجد، وهو أشهر في العبودية وأعرق فيها من غيره من أركان الصلاة؛ ولهذا جُعل خاتمة الركعة، وما قبله كالمقدمة بين يديه، فمحلّه من الصلاة محل طواف الزيارة، وكما أنه أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، فكذلك أقرب ما يكون منه في المناسك وهو طائف كما قال ابن عمر لمن خطب ابنته وهو في الطواف فلم يرد عليه فلما فرغ من الطواف قال: أتذكر أمرًا من أمور الدنيا ونحن نتراءى لله في طوافنا. ولهذا والله أعلم، جُعل الركوع قبل السجود تدريجًا وانتقالًا من الشيء إلى ما هو أعلى منه. وشُرع له تكرير هذه الأفعال والأقوال؛ إذ هي غذاء القلب والروح التي لا قوام لهما إلا بها، فكان تكريرها بمنزلة تكرير الأكل لقمة بعد لقمة حتى يشبع، والشرب نفسًا بعد نفس حتى يَروى، فلو تناول الجائع لقمة واحدة ثم دفع الطعام من بين يديه فإذا كانت يغني عنه تلك اللقمة؟ وربما فتحت عليه باب الجوع أكثر مما به؛ ولهذا قال بعض السلف: "مثل الذي يصلي ولا يطمئن في صلاته كمثل الجائع إذا قدم إليه طعام فتناول منه لقمة أو لقمتين ماذا تغني عنه ذلك". وفى إعادة كل قول أو فعل من العبودية والقرب، وتنزيل الثانية منزلة الشكر على الأولى، وحصول مزيد خير وإيمان من فعلها، ومعرفة وإقبال وقوة قلب، وانشراح صدر وزوال درنٍ ووسخٍ عن القلب بمنزلة كسل الثوب مرَّة بعد مرَّة. فهذه حكمة الله التي بَهَرت العقول حكمته في خلقه وأمره، ودلت على كمال رحمته ولطفه، وما لم

стр. 15

تحط به علمًا منها أعلى وأعظم وأكبر وإنما هذا يسير من كثير منها. فلما قضى صلاته وأكملها ولم يبق إلا الانصراف منها، فشرع الجلوس في آخرها بين يدي ربه مُثنيًا عليه بما هو أهله، فأفضل ما يقول العبد في جلوسه هذه التحيات التي لا تصلح إلا لله، ولا تليق بغيره. ولما كان من عادة الملوك أن يحيوا بأنواع التحيات من الأفعال والأقوال المتضمنة للخضوع لهم، والذل، والثناء عليهم وطلب البقاء، والدوام لهم، وأن يدوم ملكهم. فمنهم: من يحيي بالسجود ومنهم من يحيي بالثناء عليه. ومنهم: من يحيي بطلب البقاء، والدوام له. ومنهم: من يجمع له ذلك كله فيسجد له، ثم يثني عليه، ثم يدعي له بالبقاء والدوام. وكان الملك الحق المبين، الذي كل شيء هالك إلا وجهه سبحانه أولى بالتحيات كلها من جميع خلقه، وهي له بالحقيقة وهو أهلها؛ ولهذا فُسرت التحيات بالملك، وفسرت بالبقاء والدوام، وحقيقتها ما ذكرته، وهي تحيات المُلك والمَلك والمليك. فالله سبحانه هو المتصف بجميع ذلك، فهو أولى به فهو سبحانه المَلك، وله المُلك، فكل تحية تحيي بها ملك من سجود أو ثناء، أو بقاء، أو دوام فهي لله على الحقيقة؛ ولهذا أتى بها مجموعة معرفة بالألف واللام إرادة للعموم، وهي جمع تحية، تحيا بها الملوك، وهي "تُفعُلة" من الحياة، وأصلها "تحييه" على وزن "تكرمه"، ثم أدغم إحدى اليائين في الآخر فصارت "تحيَّة" فإذا كان أصلها من الحياة، والمطلوب منها لمن تحي بها دوام الحياة، كما كانوا يقولون لملوكهم: لك الحياة الباقية، ولك الحياة الدائمة. وبعضهم يقول: عش عشرة آلاف سنة. واشتق منها: أدام الله أيامك أو أيامه، وأطال الله بقاءك. ونحو ذلك مما يراد به دوام الحياة والملك، فذلك جميعه لا ينبغي إلا لله الحي القيوم الذي لا يموت. الذي كل مَلكٍ سواه يموت، وكل مُلك سوى ملكه زائل. ثم عطف عليها الصلوات بلفظ الجمع والتعريف؛ ليشمل ذلك كلما أُطلق عليه لفظ الصلاة خصوصًا وعمومًا، فكلّها لله ولا تنبغي إلا له، فالتحيات له ملكًا، والصلوات له عبودية واستحقاقًا، فالتحيات لا تكون إلا لله، والصلوات لا تنبغي إلا له. ثم عطف عليها بالطيبات، وهذا يتناول أمرين: الوصف والملك. فأما الوصفُ: فإنه سبحانه طيب، وكلامه طيب، وفعله كله طيب، ولا يصدر منه إلا طيب، ولا يضاف إليه إلا الطيب، ولا يصعد إليه إلا الطيب. فالطيبات له وصفًا وفعلًا وقولًا ونسبةً، وكلّ طيب مضاف إليه طيب، فله الكلمات الطيبات والأفعال، وكل مضاف إليه كبيته وعبده، وروحه وناقته، وجنته دار الطيبين، فهي طيبات كلّها، وأيضًا فمعاني الكلمات الطيبات لله وحده، فإنها تتضمن تسبيحه، وتحميده، وتكبيره، وتمجيده، والثناء عليه بآلائه وأوصافه؛ فهذه الكلمات الطيبات التي يثنى عليه بها، ومعانيها له وحده لا شريك له: كسبحانك اللهمَّ وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك. وكسبحان الله والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر. وسبحان الله وبحمده، وسبحان الله العظيم، ونحو ذلك. وكلّ طيّب له وعنده ومنه وإليه، وهو طيب

стр. 16

لا يقبل إلا طيّبًا، وهو إله الطيبين وربهم، وجيرانه في دار كرامته، هم الطيبون. فتأمل أطيب الكلمات بعد القرآن، كيف لا تنبغي إلا لله؟ وهي: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله، فإن "سبحان الله" تتضمن تنزيهه عن كل نقص وعيب وسوء عن خصائص المخلوقين وشبههم. و"الحمد لله" تتضمن إثبات كلّ كمال له قولًا، وفعلًا، ووصفًا على أتمِّ الوجوه، وأكملها أزلًا وأبدًا. و"لا إله إلا الله" تتضمن انفراده بالإلهية، وأن كل معبود سواه باطل، وأنه وحده الإله الحق، وأن من تأله غيره فهو بمنزلة من اتخذ بيتًا من بيوت العنكبوت، يأوي إليه، ويسكنه من الحرِّ والبرد، فهل يغني عنه ذلك شيئًا. و"الله أكبر" تتضمن أنه أكبر من كلِّ شيء، وأجل، وأعظم، وأعز وأقوى وأمنع، وأقدر، وأعلم، وأحكم، فهذه الكلمات لا تصح هي ومعانيها إلا لله وحده. ثم شرع له أن يسلِّم على سائر عباد الله الصالحين، وهم عباده الذين اصطفى بعد الثناء، وتقديم الحمد لله فطابق ذلك قوله: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾ [النمل: ٥٩]، وكأنه امتثال له، وأيضًا فإن هنا تحية المخلوق فشرعت بعد تحية الخالق وقدم في هذه التحية أولى الخلق بها وهو النبي ﷺ ، الذي نالت أمته على يده كل خير، وعلى نفسه، وبعده يأتي الثناء على سائر عباد الله الصالحين، وأخصهم بهذه التحية الأنبياء والملائكة، ثم أصحاب محمد ﷺ ، وأتباع الأنبياء مع عمومها كل عبد صالح في السماء والأرض. ثم شرع له بعد هذه التحية السلام على من يستحق السلام عليه خصوصًا وعمومًا. ثم شرع له أن يشهد شهادة الحق التي بنيت عليها الصلاة، والصلاة حق من حقوقها، ولا تنفعه إلا بقرينتها وهي الشهادة للرسول ﷺ بالرسالة، وختمت بها الصلاة كما قال عبد الله بن مسعود: "فإذا قلت ذلك فقد قضيت صلاتك، فإن شئت فقم وإن شئت فاجلس". وهذا إما أن يحمل على انقضائها إذا فرغ منه حقيقة، كما يقوله الكوفيون، أو على مقاربة انقضائها ومشارفته، كما يقول أهل الحجاز وغيرهم، وعلى التقديرين فجعلت شهادة الحق خاتمة الصلاة. كما شرع أن تكون هي خاتمة الحياة. "فمن كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة". وكذلك شرع للمتوضئ أن يختتم وضوءه بالشهادتين، ثم لما قضى صلاته أذن له أن يسأل حاجته. وشرع له أن يتوسل قبلها بالصلاة على النبي ﷺ ، فإنها من أعظم الوسائل بين يدي الدعاء، كما في السنن عن فضالة بن عبيد أن رسول الله ﷺ قال: "إذا دعا أحدكم فليبدأ بحمد الله، والثناء عليه، وليصل على رسوله ثم ليسل حاجته". ثم جعل الدعاء لآخر الصلاة كالختم عليها. فجاءت التحيات على ذلك، أولها حمد لله، والثناء عليه ثم الصلاة على رسوله ثم الدعاء آخر الصلاة، وأَذِنَ النبي ﷺ للمصلي بعد الصلاة عليه أن يتخير من المسألة ما يشاء. ونظير هذا ما شرع لمن سمعٍ الأذان: أن يقول كما يقول المؤذن. وأن يقول رضيت بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد ﷺ رسولًا. وأن يسأل الله لرسوله الوسيلة والفضيلة، وأن يبعثه المقام المحمود. ثم ليصل عليه. ثم يسأل حاجته.

стр. 17

فهذه خمس سنن في إجابة المؤذن لا ينبغي الغفلة عنها. وسرُّ الصلاة وروحها ولبُّها، هو إقبال العبد على الله بكليّته فيها، فكما أنه لا ينبغي أن يصرف وجهه عن القبلة إلى غيرها فيها، فكذلك لا ينبغي له أن يصرف قلبه عن ربِّه إلى غيره فيها. بل يجعل الكعبة -التي هي بيت الله- قبلة وجهه وبدنه، ورب البيت ﵎ قبلة قلبه وروحه، وعلى حسب إقبال العبد على الله في صلاته، يكون إقبال الله عليه، وإذا أعرضَ أعرض الله عنه، كما تدين تُدان. والإقبال في الصلاة على ثلاثة منازل: * إقبال العبد على قلبه فيحفظه ويصلحه من أمراض الشهوات والوساوس، والخطرات المُبطلة لثواب صلاته أو المنقصة لها. * والثاني: إقباله على الله بمراقبته فيها حتى يعبده كأنه يراه. * والثالث: إقباله على معاني كلام الله، وتفاصيله وعبودية الصلاة ليعطها حقها من الخشوع والطمأنينة وغير ذلك. فباستكمال هذه المراتب الثلاث يكون قد أقام الصلاة حقًا، ويكون إقبال الله على المصلي بحسب ذلك. فإذا انتصب العبد قائمًا بين يديه، بإقباله على قيُّومية الله وعظمته فلا يتفلت يمنة ولا يسرة. وإذا كبَّر الله تعالى كان إقباله على كبريائه وإجلاله وعظمته. وكان إقباله على الله في استفتاحه على تسبيحه والثناء عليه وعلى سُبحات وجهه، وتنزيهه عمَّا لا يليق به، ويثني عليه بأوصافه وكماله. فإذا استعاذ بالله من الشيطان الرجيم، كان إقباله على ركنه الشديد، وسلطانه وانتصاره لعبده، ومنعه له منه وحفظه من عدوه. وإذا تلى كلامه كان إقباله على معرفته في كلامه كأنه يراه ويشاهده في كلامه كما قال بعض السلف: لقد تجلّى الله لعباده في كلامه. والناس في ذلك على أقسام ولهم في ذلك مشارب، وأذواق فمنهم البصير، والأعور، والأعمى، والأصم، والأعمش، وغير ذلك، في حال التلاوة والصلاة، فهو في هذه الحال ينبغي له أن يكون مقبلًا على ذاته وصفاته وأفعاله وأمره ونهيه وأحكامه وأسمائه. وإذا ركع كان إقباله على عظمة ربه، وإجلاله وعزه وكبريائه، ولهذا شرع له في ركوعه أن يقول: "سبحان ربي العظيم". فإذا رفع رأسه من الركوع كان إقباله على حمد ربه والثناء عليه وتمجيده وعبوديته له وتفرده بالعطاء والمنع. فإذا سجد، كان إقباله على قربه، والدنو منه، والخضوع له والتذلل له، والافتقار إليه والانكسار بين يديه، والتملق له. فإذا رفع رأسه من السجود جثى على ركبتيه، وكان إقباله على غنائه وجوده، وكرمه وشدّة حاجته إليهنّ، وتضرعه بين يديه والانكسار؛ أن يغفر له ويرحمه، ويعافيه ويهديه ويرزقه. فإذا جلس في التشهد فله حال آخر، وإقبال آخر يشبه حال الحاج في طواف الوداع، واستشعر قلبه

стр. 18

الانصراف من بين يدي ربه إلى أشغال الدنيا والعلائق والشواغل التي قطعه عنها الوقوف بين يدي ربه وقد ذاق قلبه التألم والعذاب بها قبل دخوله في الصلاة، فباشر قلبه روح القرب، ونعيم الإقبال على الله تعالى، وعافيته منها وانقطاعها عنه مدّة الصلاة، ثم استشعر قلبه عوده إليها بخروجه من حمى الصلاة، فهو يحمل همَّ انقضاء الصلاة وفراغه منها ويقول: ليتها اتصلت بيوم اللقاء. ويعلم أنه ينصرف من مناجاته مَن كلّ السعادة في مناجته، إلى مناجاة من كان الأذى والهم والغم والنكد في مناجاته، ولا يشعر بهذا وهذا إلا من قلبه حي معمور بذكر الله ومحبته، والأنس به، ومن هو عالم بما في مناجاة الخلق ورؤيتهم، ومخالطهم من الأذى والنكد، وضيق الصدر وظلمة القلب، وفوات الحسنات، واكتساب السيئات، وتشتيت الذهن عن مناجاة الله تعالى . ولما كان العبد بين أمرين من ربه : أحدهما: حكم الرب عليه في أحواله كلها ظاهرًا وباطنًا، واقتضاؤه من القيام بعبودية حكمه، فإن لكلّ حكم عبودية تخصه، أعني الحكم الكوني القدري. والثاني: فعل، يفعله العبد عبودية لربه، وهو موجب حكمه الديني الأمري. وكلا الأمرين يوجبان بتسليم النفس إلى الله سبحانه، ولهذا اشتق له اسم الإسلام من التسليم، فإنه لما سلّم لحكم ربه الديني الأمري، ولحكمه الكوني القدري، بقيامه بعبودية ربه فيه لا باسترساله معه في الهوى، والشهوات، والمعاصي، ويقول: قدَّر عليّ استحق اسم الإسلام فقيل له: مسلم. ولما اطمأن قلبه بذكر الله، وكلامه، ومحبته وعبوديته سكن إلىٍ ربه، وقرب منه، وقرَّت به عينه فنال الأمان بإيمانه ونال السعادة بإحسانه، وكان قيامه بهذين الأمرين أمرًا ضروريًا أي لا حياة له، ولا فلاح ولا سعادة إلا به. ولما كان ما بُلي به من النفس الأمارة، والهوى المقتضي لمرادها والطباع المطالبة، والشيطان المغوي، يقتضون منه إضاعة حظه من ذلك، أو نقصانه، اقتضت رحمة ربه العزيز الرحيم أن شَرَعَ له الصلاة مُخلِفة عليه ما ضاع عليه من ذلك، رادَّة عليه ما ذهب منه، مجددة له ما ذهب من عزمه وما فقده، وما أخلِقَ من إيمانه، وجعل بين كل صلاتين برزخًا من الزمان حكمة ورحمة، ليُجمّ نفسه، ويمحو بها ما يكتسبه من الدرن، وجعل صورتها على صورة أفعاله، خشوعًا وخضوعًا وانقيادًا وتسليمًا وأعطى كل جارحة من جوارحه حظَّها من العبودية، وجعل ثمرتها وروحها إقباله على ربه فيها بكليته، وجعل ثوابها ومحلها الدخول عليه ﵎، والتزين للعرض عليه تذكيرًا بالعرض الأكبر عليه يوم القيامة. وكما أن الصوم ثمرته تطهير النفس، وثمرة الزكاة تطهير المال، وثمرة الحج وجوب المغفرة، وثمرة الجهاد تسليم النفس إليه، التي اشتراها سبحانه من العباد، وجعل الجنة ثمنها؛ فالصلاة ثمرتها الإقبال على الله، وإقبال الله سبحانه على العبد، وفي الإقبال على الله في الصلاة جميع ما ذكر من ثمرات الأعمال وجميع ثمرات الأعمال في الإقبال على الله فيها. ولهذا لم يقل النبي ﷺ : جعلت قرة عيني في الصوم، ولا في الحج والعمرة، ولا في شيء من هذه الأعمال وإنما قال: "وجعلت قرة عيني في الصلاة". وتأمل قوله: "وجلت قرة عيني في الصلاة" ولم يقل: "بالصلاة"، إعلامًا منه بأن عينه لا تقر إلا بدخوله كما تقر عين المحب بملابسته لمحبوبه وتقر عين الخائف بدخول في محل أنسه وأمنه، فقرة العين بالدخول في الشيء أتم وأكمل متى قرت العين به قبل الدخول فيه، ولما جاء إلى راحة القلب من تعبه

стр. 19

ونصبه قال: "يا بلال أرحنا بالصلاة". أي أقمها لنستريح بها من مقاساة الشواغل كما يستريح التعبان إذا وصل إلى مأمنه ومنزله وقرَّ فيه، وسكن وفارق ما كان فيه من التعب والنصب. وتأمل كيف قال: "أرحنا بالصّلاة" ولم يقل: "أرحنا منها"، كما يقوله المتكلف الكاره لها، الذي لا يصليها إلا على إغماض وتكلف، فهو في عذاب ما دام فيها، فإذا خرج منها وجد راحة قلبه ونفسه؛ وذلك أنَّ قلبه ممتلئ بغيره، والصلاة قاطعة له عن أشغاله ومحبوباته الدنيوية، فهو معذَّب بها حتى يخرج منها، وذلك ظاهر في أحواله فيها، من نقرها، والتفات قلبه إلى غير ربه، وترك الطمأنينة والخشوع فيها، ولكن قد عَلِمَ أنَّه لا بدّ له من أدائها، فهو يؤديها على أنقص الوجوه، قائل بلسانه ما ليس في قلبه ويقول بلسان قلبه حتى نصلي فنستريح من الصلاة، لا بها. فهذا لونٌ وذاك لونٌ آخر. ففرق بين مَن كانت الصلاة لجوارحه قيدًا ثقيلًا، ولقلبه سجنًا ضيقًا حرجًا، ولنفسه عائقا، وبين مَن كانت الصلاة لقلبه نعيمًا، ولعينه قرة ولجوارحه راحة، ولنفسه بستانًا ولذة. فالأول: الصلاة سجن لنفسه، وتقييد لجوارحه عن التورط في مساقط الهلكات، وقد ينال بها التكفير والثواب، أو ينال من الرحمة بحسب عبوديته لله تعالى فيها، وقد يعاقب على ما نقص منها. والقسم الآخر: الصلاة بستان له، يجد فيها راحة قلبه، وقرة عينه، ولذَّة نفسه، وراحة جوارحه، ورياض روحه، فهو فيها في نعيم يتفكَّه، وفي نعيم يتقلَّب يوجب له القرب الخاص والدنو، والمنزلة العالية من الله ، ويشارك الأولين في ثوابهم، بل يختص بأعلاه، وينفرد دونهم بعلو المنزلة والقربة، التي هي قدر زائد على مجرد الثواب. ولهذا تَعِدُ الملوك من أرضاهم بالأجر والتقريب، كما قال السحرة لفرعون: ﴿أَئِنَّ لَنَا لَأجرًا إِن كُنا نَحنُ الغالبينَ﴾ [الشعراء: ٤١]، ﴿قَالَ نَعَمْ وَإنكم لَمِنَ المقربِينَ﴾ [الأعراف: ١١٤]. فوعدهم بالأجر والقرب، وهو علو المنزلة عنده. فالأول: مَثَله مثل عبد دخل الدار، دار الملك، ولكن حيل بينه وبين رب الدار بسترٍ وحجاب، فهو محجوب من وراء الستر فلذلك لم تقر عينه بالنظر إلى صاحب الدار والنظر إليه؛ لأنه محجوب بالشهوات، وغيوم الهوى ودخان النَفس، وبخار الأماني، فالقلب منه بذلك وبغيره عليل، والنفس مُكبَّة على ما تهواه، طالبة لحظها العاجل. فلهذا لا يريد أحد من هؤلاء الصلاة إلا على إغماض، وليس له فيها راحة، ولا رغبة ولا رهبة فهو في عذاب حتى يخرج منها إلى ما فيه قرة عينه من هواه ودنياه. والقسم الآخر: مَثَلُهُ كمثل رَجُلٍ دخَل دار الملك، ورفع الستر بينه وبينه، فقرَّت عينه بالنظر إلى الملك، بقيامه في خدمته وطاعته، وقد أتحفه الملك بأنواع التحف، وأدناه وقربه، فهو لا يحب الانصراف من بين يديه، لما يجده من لذَّة القرب وقرة العين، وإقبال الملك عليه، ولذة مناجاة الملك، وطيب كلامه، وتذلُّله بين يديه، فهو في مزيد مناجاة، والتحف وافدة عليه مِن كلِّ جهة، ومكان وقد اطمأنت نفسه، وخشع قلبه لربه وجوارحه، فهو في سرورٍ وراحةٍ يعبد الله، كأنه يراه، وتجلى له في كلامه، فأشد شيء عليه انصرافه من بين يديه، والله الموفق المُرشد المعين، فهذه إشارة ونبذة يسيرة في ذوق الصلاة، وسرّ من أسرارها وتجل من تجلياتها.

стр. 20

وقال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵀ (١). شروط الصلاة تسعة: الإسلام، والعقل، والتمييز، ورفع الحدث، وإزالة النجاسة، وستر العورة، ودخول الوقت، واستقبال القبلة، والنية. الشرط الأول: الإسلام، وضده الكفر والكافر عمله مردود ولو عمل أي عمل، والدليل قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ﴾ [التوبة: ١٧]. قال تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣]. الشرط الثاني: العقل وضده الجنون؛ والمجنون مرفوع عنه القلم حتى يُفيق. والدليل حديث: "رُفِع القلم عن ثلاثة: النائم حتى يستيقظ، والمجنون حتى يفيق، والصغير حتى يبلغ". الشرط الثالث: التمييز، وضده الصغر: وحده سبع سنين، ثم يؤمر بالصلاة لقوله ﷺ : "مروا أبناءكم بالصلاة لسبع، واضربوهم عليها لعشر، وفرقوا بينهم في المضاجع". الشرط الرابع: رفع الحدث، وهو الوضوء المعروف وموجبه الحدث. وشروطه عشرة: الإسلام، والعقل، والتمييز، والنية، واستصحاب حكمها، بأن لا ينوي قطعها حتى تتم الطهارة، وانقطاع موجب، واستنجاء أو استجمار قبله، وطهورية ماء، وإباحته، وإزالة ما يمنع وصوله إلى البشرة، ودخول وقت على من حدثه دائم لفرضه. وأما فروضه فستة: غسل الوجه، ومنه المضمضة والإستنشاق، وحدُّه طولا من منابت شعر الرأس إلى الذقن، وعرضًا إلى فروع الأذنين، وغسل اليدين إلى المرفقين، ومسح جميع الرأس، ومنه الأذنين، وغسل الرجلين إلى الكعبين، والترتيب، والموالاة. والدليل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ٦]. ودليل الترتيب الحديث: "ابدؤوا بما بدأ الله به". ودليل الموالاة حديث صاحب اللُمعة عن النبي ﷺ : أنه لما رأى رجلًا في قدمه لُمعة قدر الدرهم لم يصبها الماء فأمره بالإعادة. (وواجبه التسمية مع الذكر). ونواقضه ثمانية: الخارج من السبيلين، والخارج الفاحش النجس من الجسد، وزوال العقل، ومس المرأة بشهوة، ومس الفرج باليد، قبلًا كان أو دبرًا، وأكل لحم الجزور، وتغسيل الميت، والردة عن الإسلام. أعاذنا الله من ذلك.

стр. 21

الشرط الخامس. إزالة النجاسة من ثلاث: من البدن، والثوب، والبقعة، والدليل قوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ٤]. الشرط السادس. ستر العورة. أجمع أهل العلم على فساد صلاة من صلى عريانًا وهو يقدر. وحد عورة الرجل من السرة إلى الركبة، والأمة كذلك، والحرة كلها عورة إلا وجهها. والدليل قوله تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١]. أي عند كل صلاة. الشرط السابع: دخول الوقت. والدليل من السنة حديث جبريل ﵇: "أنه أم النبي ﷺ في أول الوقت، وفي آخره فقال: يا محمد: الصلاة بين هذين الوقتين". وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣]. أي مفروضًا في الأوقات. ودليل الأوقات قوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا (٧٨)﴾ [الإسراء: ٧٨]. الشرط الثامن: استقبال القبلة. والدليل قوله تعالى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٤٤]. الشرط التاسع: النية، ومحلها القلب، والتلفظ بها بدعة. والدليل: الحديث: "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى". وأركان الصلاة أربعة عشر: القيام مع القدرة، وتكبيرة الإحرام، وقراءة الفاتحة، والركوع، والرفع منه، والسجود على الأعضاء السبعة والاعتدال منه، والجلسة بين السجدتين، والطمأنينة في جميع الأركان، والترتيب والتشهد الأخير، والجلوس له، والصلاة على النبي ﷺ ، والتسليمتان. الركن الأول: القيام مع القدرة. والدليل قوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨]. الثاني: تكبيرة الإحرام. والدليل: الحديث: "تحريمها التكبير، وتحليلها التسليم". وبعدها الاستفتاح -وهو سنة- قول: "سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك، وتعالى جدك ولا إله غيرك". ومعنى "سبحانك اللهم": أي أنزهك التنزيه اللائق بجلالك. "وبحمدك" أي ثناء عليك. "وتبارك اسمك" أي البركة تنال بذكرك. "وتعالى جدك": أي جلت عظمتك. "ولا إله غيرك": أي لا معبود في الأرض ولا في السماء بحق سواك يا الله "أعوذ بالله من الشيطان الرجيم". معنى: "أعوذ" ألوذ وألتجئ وأعتصم بك يا الله. "من الشيطان الرجيم" المطرود المبعد عن رحمة الله"، لا يضرني في ديني ولا في دنياي. وقراءة الفاتحة ركن في كل ركعة، كما في الحديث: "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب" وهي أم القرآن.

стр. 22

(بسم الله الرحمن الرحيم): بركة واستعانة. (الحمد لله) "الحمد" ثناء، والألف واللام لاستغراق جميع المحامد، وأما الجميل الذي لا صنع له فيه، مثل الجمال ونحوه، فالثناء به يسمى مدحًا لا حمدًا. (رب العالمين) "الرب" هو المعبود الخالق الرازق المالك المتصرف مربي جميع الخلق بالنعم. "العالمين" كل ما سوى الله عالم، وهو رب الجميع. (الرحمن) رحمة عامة جميع المخلوقات. (الرحيم) رحمة خاصة بالمؤمنين. والدليل قوله تعالى: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾. (مالك يوم الدين) يوم الجزاء والحساب، يوم كل يجازى بعمله، إن خيرًا فخير وإن شرًا فشر. والدليل قوله تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ﴾ [الإنفطار: ١٧]، والحديث عنه ﷺ : "الكيس من دانَ نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني". (إياك نعبد) أي لا نعبد غيرك، عهد بين العبد وبين ربه أن لا يعبد إلا إياه. (وإياك نستعين) عهد بين العبد وبين ربه أن لا يستعين بأحد غير الله. (اهدنا الصراط المستقيم) معنى "اهدنا" دلنا وأرشدنا وثبتنا، و"الصراط" الإسلام، وقيل: الرسول، وقيل: القرآن، والكل حق. و"المستقيم" الذي لا عوج فيه. (صراط الذين أنعمت عليهم) طريق المنعم عليهم. والدليل قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: ٦٩]. (غير المغضوب عليهم) وهم اليهود، معهم علم ولم يعملوا به. تسأل الله أن يجنبك طريقهم. (ولا الضالين) وهم النصارى، يعبدون الله على جهل وضلال، نسأل الله أن يجنبك طريقهم. ودليل الضالين قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (١٠٣) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف: ١٠٣، ١٠٤]، والحديث عنه ﷺ : "لتتَّبِعُنَّ سَنَنَ من [كان] قبلكم حذو القُذَّة بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه، قالوا: يا رسول الله اليهود والنصارى؟ قال: فمن" أخرجاه. والحديث الثاني: "افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة، قلنا: من هي يا رسول الله؟ قال: من كان على مثل ما أنا عليه وأصحابي". والركوع، والرفع منه، والسجود على الأعضاء السبعة، والاعتدال منه، والجلسة بين السجدتين.

стр. 23

والدليل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ [الحج: ٧٧]، والحديث عنه ﷺ : "أُمِرْتُ أن أسجد على سبعة أعظم"، والطمأنينة في جميع الأفعال، والترتيب بين الأركان. والدليل حديث المسيء صلاته عن أبي هريرة قال: "بينما نحن جلوس عند النبي ﷺ إذ دخل رجل فصلى [فقام] فسلم على النبي ﷺ قال: ارجع فصل فإنك لم تصل، فعلها ثلاثًا، ثم قال: والذي بعثك بالحق نبيًا لا أحسن غير هذا فعلمني، فقال له النبي ﷺ : إذا قمت إلى الصلاة فكبِّرْ، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعًا، ثم ارفع حتى تعتدل قائمًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم ارفع حتى تطمئن جالسًا، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها"، والتشهد الأخير ركن مفروض، كما في الحديث عن ابن مسعود ﵁ قال: "كنا نقول قبل أن يفرض علينا التشهد: السلام على الله من عباده، السلام على جبريل وميكائيل" وقال النبي ﷺ : "لا تقولوا: السلام على الله عن عباده، فإن الله هو السلام ولكن قولوا: التحيات لله والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله". ومعنى "التحيات" جميع التعظيمات لله ملكًا واستحقاقًا، مثل الانحناء والركوع والسجود والبقاء والدوام، وجميع ما يعظم به رب العالمين فهو لله، فمن صرف منه شيئا لغير الله فهو مشرك كافر، و"الصلوات" معناها جميع الدعوات، وقيل: الصلوات الخمس. "والطيبات لله" الله طيب ولا يقبل من الأقوال والأعمال إلا طيبها، "السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته": تدعو للنبي ﷺ بالسلامة والرحمة والبركة والذي يدعى له ما يدعى مع الله. و"السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين": تسلم على نفسك وعلى كل عبد صالح في السماء والأرض، و"السلام" دعاء، و"الصالحون" يدعى لهم ولا يُدعَون مع الله، "أشهد أن لا إلا الله وحده لا شريك له" وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله: "تشهد شهادة اليقين ألا يُعبد في الأرض ولا في السماء بحق إلا الله، وشهادة أن محمدًا رسول الله بأنه عبد لا يُعبد، ورسول لا يُكذَّب بل يطاع ويُتبع، شرفه الله بالعبودية. والدليل قوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ١]. "اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد": الصلاة من الله ثناؤه على عبده في الملأ الأعلى، كما حكى البخاري في صحيحه عن أبي العالية قال: صلاة الله ثناؤه على عبده في الملأ الأعلى، وقيل: الرحمة. والصواب الأول، ومن الملائكة الاستغفار، ومن الآدميين الدعاء، و"بارك" وما بعدها سنن أقوال [وأفعال]. والواجبات ثمانية: جميع التكبيرات غير تكبيرة الإحرام. وقول "سبحان ربي العظيم في الركوع"، و"قول سمع الله لمن حمده" للإمام والمنفرد، وقول "ربنا ولك الحمد" للكل، وقول: "سبحان ربي الأعلى" في السجود، وقول: "رب اغفر لي" بين السجدتين، والتشهد الأول والجلوس له. فالأركان ما سقط منها سهوًا أو عمدًا بطلت الصلاة بتركه. والواجبات ما سقط منها عمدًا بطلت الصلاة بتركه، وسهوًا جبره السجود للسهو. والله أعلم.

стр. 24

باب: أحكام الصلاة (١) (شروط الصلاة تسعة): الإسلام، والعقل، والتمييز، والطهارة وستر العورة، واجتناب النجاسة، والعلم بدخول الوقت، واستقبال القبلة، والنية والقصد. (أركان الصلاة أربعة عشر ركنًا): القيام مع القدرة، وتكبيرة الإحرام وقراءة الفاتحة، والركوع، والرفع منه، والاعتدال، والسجود، والرفع منه، والجلوس بين السجدتين، والطمأنينة في الجميع، والترتيب، والتشهد الأخير، والجلوس له، والتسليمة الأولى. (مبطلات الصلاة ثمانية): الكلام العمد، والضحك، والأكل، والشرب، وكشف العورة، والانحراف عن جهة القبلة، والعبث الكثير، وحدوث النجاسة. (واجبات الصلاة ثمانية): التكبيرات غير تكبيرة الإحرام، الثاني: قول سمع الله لمن حمده لإمام ومنفرد، الثالث: قول ربنا ولك الحمد، الرابع: تسبيح الركوع، الخامس: تسبيح السجود، السادس قول رب اغفر لي بين السجدتين والواجب مرة، السابع: التشهد الأول لأنه ﵇ فعله وداوم على فعله وأمر به وسجد للسهو حين نسيه، الثامن: الجلوس له. (فرائض الوضوء ستة أشياء): غسل الوجه، وغسل اليدين إلى المرفقين، ومسح جميع الرأس، وغسل الرجلين إلى الكعبين، والترتيب، والموالاة. (شروط الوضوء خمسة): ماء طهور، وكون الرجل مسلما مميزًا، وعدم المانع، ووصول الماء إلى البشرة ودخول الوقت في دائم الحدث. (نواقض الوضوء ثمانية): الخارج من السبيلين، والخارج الفاحش من البدن، وزوال العقل بنوم أو غيره، ولمس المرأة بشهوة، ومس الفرجين من الآدمي، وغسل الميت، وأكل لحم الجزور، والردة عن الإسلام أعاذنا الله منها. والله أعلم.

стр. 25

أحكام وآداب الحضور إلى المساجد (١) إن الصلاة جماعة في بيوت الله تعالى من واجبات الدين، وسنن الهدي. يجتمع للمصلي فيها شرف المناجاة لله تعالى، وشرف العبادة، وشرف البقعة. ولقد رتب الإسلام على حضور المساجد أجرًا عظيمًا تحدثت عنه نصوص كثيرة. وإذا كان حضور الجماعة بهذه المنزلة، فإنه يجب على قاصد المسجد لأداء هذه العبادة العظيمة أن يتحلى بأشرف الصفات، وأحسن الخصال، مما ورد في أحكام حضور المساجد مما دل عليه كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ ؛ تأدبًا مع الله تعالى، واحترامًا للبقعة، ومراعاة لإخوانه المصلين، وتطبيقًا للسنة. وإن من الملاحظ أن كثيرًا ممن يقصدون المساجد لأداء الصلاة يخلون بأشياء كثيرة تتعلق بالمساجد، سواء قبل دخولها أو بعد دخولها. فهناك أخطاء، وهناك مخالفات، وهذا يرجع -في نظري- إلى سببين: الأول: ضعف الإيمان عند جمع من الناس مما أدى إلى الجهل بأحكام كثيرة تتعلق بالمساجد، أو العلم بها مع الزهد فيها والرغبة عن العمل بها. وإن الإعراض عن دين الله لا يتعلمه ولا يعمل به أمر جدّ خطر، وقد ورد عن النبي ﷺ أنه قال: "إن الله يبغض كلّ عالم بأمر الدنيا جاهل بأمر الآخرة" (٢). وإني أخشى أن يكون التساهل بأحكام المساجد تساهلًا بالصلاة ذاتها. السبب الثاني: تحول هذه العبادة العظيمة -وهي الصلاة- إلى عادة عند كثير من الناس؛ تجد أن الذاهب إلى المسجد كالذاهب إلى مكان آخر، لا يجد فرقًا بين الاتجاهين، إن لم يهتم للثاني أكثر من الأول. إن الصلاة التي كانت قرة عيون المؤمنين، ومعراج المتقين، أصبحت عند كثير من المصلين عبارة عن حركات منظمة تفتقد الخشوع والطمأنينة والإقبال الحقيقي على مالك يوم الدين. وأنَّى لصلاة كهذه أن تنهي عن الفحشاء والمنكر، فتؤدي وظيفتها في حياة الناس وسلوكهم .. ! إن مرتكب الكبائر يجلس في المسجد ويتلو آيات الله، فتمر عليه آيات الربا، وآيات الأمر باتباع الرسول ﷺ وغيرها، دون أن تهزّ من نفسه أو تنبه شعوره!! (٣). أقول: لهذين السببين وغيرهما رغبت في جمع ما حضرني من أحكام حضور المساجد وآدابه في بحث مستقل؛ حرصًا على إحياء السنة، وتذكير الناس بما غفلوا عنه، وحثًا على العمل بها، كما هو شأن السلف الصالح من هذه الأمة. المسجد، وفضل بنائه، وما ينبغي فيه المسجد لغة: على وزن (مَفْعِل) -بكسر العين-: اسم لمكان السجود، وبالفتح: اسم للمصدر. قال في "الصحاح": (المسجد بالفتح: جبهة الرجل حيث يصيبه ندب السجود. والمسْجِد

стр. 26

والمسْجَد: واحد المساجد) (١). وقال في "تثقيف اللسان": (ويقال للمسجد: مسيد، بفتح الميم، حكاه غير واحد) (٢). فتحصل في ذلك ثلاث لغات: كسر الجيم، وفتحها، ومسيد بالياء موضع الجيم. أما المسجد شرعًا: فكل موضع من الأرض، لقوله ﷺ : "جعلت لي الأرض مسجدًا" (٣). أي: موضع سجود، لا يختص السجود منها موضع دون غيره. وهذا يدل على أن الأصل في الأرض الطهارة حتى تعلم نجاستها، وأن كل أرض طاهرة طيبة للصلاة، إلا ما دل الدليل على استثنائه كالمقبرة والحمام ومعاطن الإبل ونحو ذلك. وتعريف المسجد شرعًا بأنه كل موضع من الأرض ذكره الزركشي الشافعي وتبعه على ذلك الجرّاعي الحنبلي (٤). لكن هذا تعريف المسجد لغة -كما مضى- لا شرعًا كما سيأتي إن شاء الله. أما المسجد شرعًا: فهو بقعة من الأرض تحررت عن التملك الشخصي، وعادت إلى ما كانت عليه لله تعالى، وخصصت للصلاة والعبادة (٥). وهذا ما جعله الزركشي مسجدًا في العرف حيث قال: (ثم إن العرف خصص المسجد بالمكان المهيأ للصلوات الخمس، حتى يخرج المصلّى المجتمع فيه للأعياد ونحوها، فلا يعطي حكمه، وكذلك الربط والمدارس فإنها هيئت لغير ذلك) (٦). ولعل مراده بذلك العرف الشرعي، فإن العلماء أجمعوا على أن البقعة لا تكون مسجدًا حتى يقفها مالكها وقفًا صحيحًا مؤبدًا، لا اشتراط فيه ولا خيار. سواء وقفها باللفظ، أو وجد من القرائن الفعلية ما يدل على ذلك؛ كأن يبني مسجدًا ويأذن للناس في الصلاة فيه (٧). فإن لم يوقف فليس بمسجد ولو اتخذ للصلاة، وذلك كما لو اتخذ رجل معذور شرعًا في التخلف عن الجماعة مصلى في بيته، أو اتخذت المرأة مصلى في قعر دارها، وكذا ما يوجد في الدوائر الحكومية، أو المدارس من أماكن يصلى فيها فليست بمساجد، فلا تعطى حكمه. قال البغوي بعد إيراد حديث (أمر رسول الله ﷺ ببناء المساجد في الدور .. ) (٨): (وفي الحديث دليل على أن المكان لا يصير مسجدًا بالتسمية حتى يسبّله صاحبه، ولو صار مسجدًا لزال عنه ملك المالك) (٩). وقد اختلف العلماء في مصلى العيد -وهو المكان المخصص لصلاة العيد سواء أحيط بسور

стр. 27

أم لا- هل يعدّ مسجدًا فيعطى أحكام المساجد؟ قولان: الأول: أن مصلى العيد ليس بمسجد، فلا يأخذ أحكامه، إلا ما يتعلق بطهارة البقعة، وتواصل الصفوف، والاقتداء بالإمام، وهذا قول جمهور العلماء؛ لأن مصلى العيد ليس له جماعة راتبة يقيمون الصلاة المفروضة، وما لا تقام فيه الصلاة المفروضة لا يعتبر مسجدًا، فلا تكون له أحكام المسجد (١). القول الثاني: أن مصلى العيد مسجد، إذا جعله صاحبه وقفًا، فيأخذ أحكام المسجد من تحريم البيع والشراء فيه ودخول الحائض، ونحو ذلك، وهو الصحيح من المذهب عند الحنابلة. وهو قول عياض الدارمي (٢). قال في الفروع: (والصحيح أن مصلى العيد مسجد) (٣). واستدلوا بقول أم عطية ﵁: (أمرنا أن نخرج العواتق وذوات الخدور، ويعتزلن الحيّض المصلى) (٤). ووجه الدلالة: أن فيه أمر النبي ﷺ الحيض باعتزال المصلى، فدل على أنه مسجد، له حكم المساجد، ولو لم يكن كذلك لما منعت منه الحائض ... وأجاب الجمهور عن ذلك بأن أمر الحيّض باعتزال المصلى ليتميزن، ولئلا يلوثن المصلى، وليتسع لغيرهن (٥). والقول بأن مصلى العيد مسجد قول قوي، وذلك لوقفه لله تعالى للصلاة فيه، ولا فرق بين أن يكون لصلاة عيد أو راتبة؛ لأن الرسول ﷺ أمر الحيّض باعتزاله، والمرأة الحائض لا تعتزل إلا المسجد، لا تعتزل مصلاها في بيتها أو مصلى رجل في بيته. وعلى هذا فيصلي الإنساق إذا دخل مصلى العيد (٦). أما مصلى الجنائز -إن وجد لها مكان خاص- فليس بمسجد؛ لأن صلاة الجنازة لا ركوع فيها ولا سجود (٧). ومما يأخذ حكم المسجد: رحبة المسجد -وهي ساحته ومتّسعه- والغالب أنها متصلة به، يشملها سوره، سواء كانت في وسط المسجد وخلفها وأمامها أروقة، أو كانت الأروقة في جهة القبلة فقط، كما في أكثر المساجد (٨). وكذا مكتبة المسجد؛ وهي غرفة تبنى في رحبته غالبًا، فلها حكم المسجد إن كان بابها في وسط المسجد، فتشرع تحية المسجد لمن دخلها، ويصح الاعتكاف فيها، فإن كان بابها خارج المسجد فليست منه، وكذا لو كانت خارج سور المسجد، بأن بنيت بجواره وفتح لها باب إلى المسجد فإنها لا تكون منه (٩).

стр. 28

وقد ورد في بناء المساجد أو المساهمة في بنائها أدلة كثيرة، تدل على أن ذلك من أجل الطاعات، وأفضل القربات؛ لأن المساجد بيوت الله تعالى، وهي الوسيلة لإقامة صلاة الجماعة، ولها وظائف عظيمة في نظر الإسلام. قال تعاإلى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ [التوبة: ١٨]. وقوله: ﴿يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾ شامل للعمارة بالبناء والعمارة بالعبادة؛ لأن باني المسجد يتقرب إلى الله تعالى ببنائه، فهو يعمر المسجد لطاعة الله تعالى. وعن عثمان بن عفان ﵁ قال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من بنى لله مسجدًا يبتغي به وجه الله بنى الله له بيتًا في الجنة" وفي رواية: "بنى الله له مثله في الجنة" (١). وعن أبي ذر ﵁ قال: "من بنى لله مسجدًا ولو مفحص قطاة بنى الله له بيتًا في الجنة" وفى رواية: "ولو كمفحص قطاة" (٢)، وفى حديث جابر ﵁ بلفظ: "كمفحص قطاة أو أصغر" (٣). ومفحص القطاة: هو الموضع الذي تفحص التراب عنه، أي: تكشفه وتحيه لتبيض فيه (٤). وخصّ القطاة بهذا؛ لأنها لا تبيض في شجرة ولا على رأس جبل، إنما لخعل مجثمها على بسيط من الأرض. فلذلك شبه به المسجد (٥). قال في فتح الباري: (وحمل أكثر العلماء ذلك على المبالغة؛ لأن المكان الذي تفحص القطاة عنه لتضع بيضها وترقد عليه لا يكفي مقداره للصلاة فيه، ويويده رواية جابر هذه، وقيل: بل هو على ظاهره، والمعنى: أن يزيد في مسجد قدرًا يحتاج إليه، تكون الزيادة هذا القدر، أو يشترك جماعة في بناء مسجد، فتقع حصة كل واحد منهم ذلك القدر ... ) (٦). وتنبغي العناية ببناء المسجد بتهيئة المساحة الكافية، والاهتمام بتحديد جهة القبلة، وأن يتولى البناء أيد مسلمة أمينة، وأن تبنى ما يتناسب مع البنيان الحديث، ويجب الحذر من زخرفة المساجد والتباهي بذلك -كما هو الواقع اليوم- وذلك من علامة الساعة، وقد نص العلماء على كراهة ذلك، وصرح بعضهم بالتحريم (٧). وقد ورد عن أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال: "لا تقوم الساعة حتى يتباهى الناس في المساجد" (٨). قال البخاري: قال أنس: يتباهون بها، ثم لا يعمرونها إلا قليلًا، وقال ابن عباس: لتزخرفنها كما

стр. 29

زخرفت اليهود والنصارى. اهـ. والتباهي بها: العناية بزخرفتها، والتسابق في ذلك. وقد نهى عمر بن الخطاب ﵁ عن زخرفة المساجد؛ لأن ذلك يشغل الناس عن صلاتهم، مع ما فيه من الإسراف والتبذير، فقال ﵁ عندما أمر بتجديد المسجد النبوي -مع كثرة الفتوح في أيامه وسعة المال-: "أكنّ الناس من المطر، وإياك أن تحمّر أو تصفّر، فتفتن الناس" (١). قال النووي: (يكره زخرفة المسجد ونقشه وتزيينه؛ للأحاديث المشهورة، ولئلا يشغل قلب المصلي) (٢). ولعل المراد بذلك كراهة التحريم لما في ذلك من إضاعة المال، والتسبب في إشغال المصلين، وإبعادهم عن الخشوع والتدبر والحضور مع الله تعالى. وقد ذكر كثير من أهل العلم زخرفة المساجد من البدع في الدين (٣). قال ابن بطال بعد أن ذكر آثارًا تدل على كراهية المغالاة في تشييد المساجد وتزيينها قال: (وهذه الآثار مع ما ذكر البخاري في هذا الباب تدل على أن السنة في بنيان المساجد القصد وترك الغلو في تشييدها خشية الفتنة والمباهاة ببنائها ... ) وكان عمر ﵁ قد فتح الله الدنيا على أيامه ومكنه من المال فلم يغير المسجد عن بنيانه الذي كان عليه في عهد النبي ﷺ ، ثم جاء الأمر إلى عثمان، والمال في زمانه أكثر، فلم يزد أن جعل في مكان اللبن حجارة وقصّة (٤)، وسقفه بالساج مكان الجريد، فلم يقصّر هو وعمر عن البلوغ في تشييده إلى أبلغ الغايات إلا عن علم منهما من الرسول بكراهة ذلك، وليقتدى بهما في الأخذ من الدنيا بالقصد والكفاية، والزهد في معالي أمورها، وإيثار البلغة منها (٥). ويجب الحذر من الإسراف في توابع المسجد أو مكملاته من محرابه وأبوابه ونوافذه وفرشه وإنارته ومكبرات الصوت، ووسائل التبريد، فلا بد أن يكون ذلك بالقدر الكافي، والحذر مما يزيد على كفاية. وينهى عن زخرفة المحراب، أو كتابة شيء من الآيات أو تعليق الساعات ونحو ذلك مما يكون في قبلة المصلي، قال الإمام مالك ﵀: "أكره أن يكتب في قبلة المسجد بشيء من القرآن والتزويق" وقال: "إن ذلك يشغل المصلي" (٦). وينبغي أن يكون المسجد مربعًا أو مستطيلًا؛ لتتساوى فيه الصفوف، وتتضح جهة القبلة لمن رأى المسجد، كما ينبغي الحذر من عمارة المسجد على هيئة توحى بالتشبه، حتى إن من رأى بعضها لا يدري أهي مساجد أم لا، بسبب أشكالها الغريبة (٧)، والله المستعان. كما يجب البعد عن الإسراف والمبالغة في تطويل المنائر أو تعددها -كما في بعض المساجد- مما

стр. 30

يكلف مبالغ عظيمة، قد تكفي لبناء مساجد أخرى، ومكبرات الصوت تغني عن رفع المنائر أو تعددها، بل قد تغني عنها البتة. كما ينبغي الحذر من وضع الهلال في رأس المنارة، فإنه شعار اتخذه المسلمون في وقت مضى، وهو مقتبس من غير المسلمين، الذين اتخذوه لزخرفة بعض مبانيهم (١). ولا بد أن تكون فرش المسجد من الألوان الهادئة. التي ليس فيها شيء من التصاوير ولا الزخرفة، لأن صور الصلبان والحيوان تكثر في الفرش لا سيما ما يصنع للمساجد. ويجوز وضع المدافئ الكهربائية في المسجد، فإن كانت في غير جهة القبلة فهو أولى وإلا فقد أفتى بعض العلماء بجواز وضعها في قبلة المسجد أمام المصلين؛ لحاجة الناس إليها في أيام الشتاء (٢)، وإن أتي بدلها بالمدافئ الكهربائية الزيتية فهو أفضل؛ لأنه لا أثر لها إلا الحرارة. وجوب صلاة الجماعة والتحذير من التهاون فيها للاجتماع المشروع في العبادات شأن كبير عند الله تعالى، وله فوائد كثيرة اجتماعية وفردية دينية ودنيوية، ومن هذه الاجتماعات صلاة الجماعة في المسجد، يجتمع فيه أهل المحلة الواحدة كلّ يوم وليلة خمس مرات. فيحصل التواصل والتعاون، ويظهر عز الإسلام وقوة المسلمين. يتم في هذا الاجتماع تعليم الجاهل، وتنشيط العاجز، والتعاون على البر والتقوى والتنافس في أعمال الخير؛ من العطف على الفقير والعاجز وغير ذلك من الفوائد العظيمة التي تعود على الفرد والمجتمع بالخير والبركة. ولقد كثرت الأدلة من الكتاب والسنة على وجوب صلاة الجماعة وأدائها مع عباد الله في المساجد التي بنيت لها، وأنه ليس لأحد من عباد الله رخصة إذا سمع النداء أن يدع الجماعة ويصلي في منزله أو مكان عمله إلا من عذر. قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ﴾ [النساء: ١٠٢]. ووجه الدلالة من الآية على أن صلاة الجماعة واجبة: أن الله تعالى أمر بإقامة صلاة الجماعة وهم في حالة الحرب والخوف. ولو كانت الجماعة سنة -كما يقول بعض الناس- لكان أولى الأعذار بسقوطها عذر الخوف. ولكن لما أمر الله تعالى بها في هذه الحال، وسمح بأن يترك لها أكثر واجبات الصلاة دل ذلك على أن وجوبها في حال الأمن أولى، وإلا فلو صلوا فرادى لم يكونوا بحاجة إلى ترك بعض الواجبات، فإن هذه الأمور وغيرها تبطل الصلاة لو فعلت بغير عذر. ثم تأمل كيف دلت الآية الكريمة على أن صلاة الجماعة فرض عين وليست فرض كفاية وإلا لسقطت عن الطائفة الثانية بفعل الطائفة الأولى (٣).

стр. 31

وانظر كيف جاز الجمع بين الصلاتين للمطر وتقديم الصلاة الثانية عن وقتها لأجل الجماعة، لو كان فعلها في البيت جائزًا لما جاز الجمع لذلك؛ لأن أكثر الناس قادرون على الجماعة في البيوت فإن الإنسان غالبًا لا يخلو أن تكون عنده زوجة أو ولد أو صديق أو نحوهم، فيمكنه أن يصلي كل صلاة في وقتها جماعة، فلما جاز الجمع علم أن المقصود بالجماعة جماعة المسجد، وأن حضور المساجد واجب على الأعيان إلا بعارض يجوز معه ترك الجماعة (١). وقال تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٣]. قال ابن الجوزي: أي: صلوا مع المصلين. وقال أبو بكر الكاساني: (أمر الله تعالى بالركوع مع الراكعين، وذلك يكون في حالة المشاركة في الصلاة، فكان أمرًا بإقامة الصلاة بالجماعة، ومطلق الأمر لوجوب العمل) (٢). وقال تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ (٤٢) خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ﴾ [القلم: ٤٢، ٤٣]. قال ابن كثير ﵀: (لما دعوا إلى السجود في الدنيا فامتنعوا منه مع صحتهم وسلامتهم كذلك عوقبوا بعدم قدرتهم عليه في الآخرة إذا تجلى الرب فسجد له المؤمنون لا يستطع أحد من الكافرين ولا المنافقين أن يسجد، بل يعود ظهر أحدهم طبقًا واحدًا، كلما أراد أحدهم أن يسجد خرّ لقفاه، عكس السجود، كما كانوا في الدنيا، بخلاف ما عليه المؤمنون) (٣). وعليه فإجابة الداعي هي إتيان المسجد، كما قال ﷺ للأعمى: (أجب) (٤)، والله أعلم. وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إن أثقل صلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوًا، ولقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام، ثم آمر رجلًا فيصلي بالناس، ثم انطلق معي برجال معهم حزم من حطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة، فأحرق عليهم بيوتهم بالنار" (٥). ووجه الدلالة: أن النبي ﷺ همّ بتحريق بيوت المتخلفين عنها عليهم. ولا يهم بهذه العقوبة إلا من أجل ترك واجب، وهو حضور الجماعة. وإلا فالظاهر أنهم يصلون في بيوتهم؛ لقوله: "لا يشهدون الصلاة". وفي رواية: "فأحرق على من لا يخرج إلى الصلاة بعد". أي: بعد أن يسمع النداء إليها أو بعد أن يبلغه التهديد المذكور (٦). وعن عبد الله بن مسعود ﵁ أنه قال: (من سرّه أن يلقى الله غدًا مسلمًا فليحافظ على هؤلاء الصلوات حيث ينادي بهنّ، فإن الله شرع لنبيكم ﷺ سنن الهدى، وإنهن من سنن الهدى، ولو أنكم صليتم في بيوتكم كما يصلي هذا المتخلف في بيته لتركتم سنة نبيكم، ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم،

стр. 32

وما من رجل يتطهر فيحسن الطهور ثم يعمد إلى مسجد من هذه المساجد إلا كتب الله له بكل خطوة يخطوها حسنة، ويرفعه بها درجة، ويحط بها عنه سيئة، ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق، ولقد كان الرجل يؤتى به يهادي بين الرجلين حتى يقام في الصف) (١). فتأمل أولًا كيف جعل ابن مسعود ﵁ الصلاة في البيوت وترك المساجد تركًا للسنة، وترك السنة ضلال وانحراف. ومثل هذا لا يقال بالرأي، ولا ضلال إلا بترك شعيرة من شعائر الدين، مما يدل على أن المساجد من أعظم شعائر الدين، وأنها ما بنيت إلا ليصلي فيها. ثم تأمل ثانيًا: كيف أجمع الصحابة ﵃ على أن ترك صلاة الجماعة في المسجد من علامات النفاق، حيث قال: (ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق) ولا يوصف بالنفاق من ترك سنة، بل من ترك فريضة أو فعل محرمًا (٢). ثم تأمل ثالثًا: تعظيم الصحابة ﵃ لأمر الجماعة حيث إن الرجل المريض يؤتى به وقد مسك رجلان بعضديه حتى يقام في الصف، مما يدل على تأكيد صلاة الجماعة وتحمل المشقة في حضورها. وإذا كان هذا في حق المريض، فكيف يكون الحكم في حق المعافى الآمن الذي يتقلب صباح مساء في نعم الله تعالى، ثم يقابل ذلك بالتخلف عن صلاة الجماعة، فهل هذا من الشاكرين؟ وقد ثبت عنه ﷺ تفضيل صلاة الرجل في المسجد جماعة على صلاته في بيته وفي سوقه خمسة وعشرين ضعفًا، وذلك ما يرويه لنا أبو هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "صلاة الرجل في الجماعة تضعّف على صلاته في بيته وفي سوقه خمسة وعشرين ضعفًا، وذلك أنه إذا توضأ فأحسن الوضوء، ثم خرج إلى المسجد لا يخرجه إلا الصلاة، لم يخط خطوة إلا رفعت له بها درجة، وحطّ عنه بها خطيئة. فإذا صلى لم تزل الملائكة تصلي عليه ما دام في مصلاه: اللهم صلّ عليه، اللهم ارحمه! ولا يزال أحدكم في صلاة ما انتظر الصلاة" (٣). وهذا أجر عظيم، وثواب جزيل، لا يفرط فيه ويكتفي بدرجة واحدة إلا محروم اتبع هواه، وزهد فيما عند الله من الأجر، نسأل الله السلامة. وهذه المضاعفة لصلاة الجماعة في المسجد لأوصاف ثلاثة دل عليها الحديث: الوصف الأول: إحسان الوضوء، وذلك -والله أعلم- بأن يتوضأ كوضوء النبي ﷺ . الوصف الثاني: الخروج إلى المسجد بنية خالصة لا يخرجه إلا قصد الصلاة في الجماعة. الوصف الثالث: المبادرة إلى صلاة ما كتب له من حين يصل إلى المسجد. والتضعيف المذكور في الحديث مرتب على هذه الأوصاف الثلاثة، وما رتب على أوصاف متعددة لا يوجد بوجود بعضها، إلا إذا دلّ الدليل على إلغاء ما ليس معتبرًا أو ليس مقصودًا لذاته (٤). بهذه الأوصاف الثلاثة يحصل المصلي على ثلاث فوائد عظيمة وهي:

стр. 33

الأولى: أن لا يخطو خطوة إلا رفع الله له بها درجة وحط عنه بها خطيئة. الثانية: أن الملائكة تصلي عليه ما دام في المكان الذي أوقع فيه الصلاة من المسجد تقول: (اللهم صلّ عليه، اللهم اغفر له، اللهم ارحمه، اللهم تب عليه). ومن قام إلى بقعة أخرى من المسجد مستمرًا على نية انتظار الصلاة كان كذلك -إن شاء الله-؛ لأن قوله: "في مصلاه" خرج مخرج الغالب، وهذا هو الظاهر (١)، وسيأتي زيادة بيان لذلك إن شاء الله. الثالثة: أنه لا يزال في صلاة ما انتظر الصلاة. ولا ريب أن هذه الفوائد لا يحصل عليها ويظفر بها إلا من صلى مع الجماعة في المسجد، أما من صلى في بيته منفردًا أو في جماعة فإن هذه المزايا لا تحصل له؛ فإن قوله ﷺ : "ثم خرج إلى المسجد" وصف لا يجوز إلغاؤه، وعليه فالتضعيف خاص بمن صلى في المسجد (٢). وهناك بشارة عظيمة لمن صلى مع الجماعة، يرويها لنا عن نبي الهدى والرحمة ﷺ ثالث الخلفاء الراشدين عثمان بن عفان ﵁ ونصها: "من توضأ للصلاة فأسبغ الوضوء ثم مشى إلى الصلاة المكتوبة فصلاها مع الناس أو مع الجماعة أو في المسجد غفر له ذنوبه" (٣). فقوله ﷺ : "ثم مشى إلى الصلاة المكتوبة" مؤيد لقوله في الحديث المتقدم: "ثم خرج إلى المسجد". ولقد زهد في هذا الثواب العظيم كثير من الناس في زماننا هذا مع كثرة المساجد وقربها من البيوت، فصاروا يتخلفون عن صلاة الجماعة عمومًا، أو عن صلاة الفجر خصوصًا، ثم يذكرون أعذارًا لا تنفعهم عند الله، وهم يتقلبون في نعم الخالق من المال والصحة والمسكن والأمن. إن النبي ﷺ لم يرخص لعبد الله بن أم مكتوم ﵁ في التخلف عن صلاة الجماعة، مع وجود أعذار ستة، دلت عليها النصوص (٤)، وإليك بيانها؛ لتعلم تأكيد الإسلام لصلاة الجماعة، ولتعلم أن هذه الأعذار لو كانت موجودة لديك فلا رخصة لك في التخلف، ولو وجد عذر واحد فقط فلا رخصة لك من باب أولى، فكيف وليس لك عذر؛! اقرأها أو اسمعها وكن منصفًا .. : ١ - العذر الأول: كونه فاقد البصر. ٢ - العذر الثاني: عدم وجود قائد يرافقه إلى المسجد. وقد دل على هذين العذرين حديث أبي هريرة ﵁ قال: أتى النبّي ﷺ رجل أعمى، فقال: يا رسول الله إنه ليس لى قائد يقودني إلى المسجد. فسأل رسول الله ﷺ أن يرخص له فيصلي في بيته، فرخص له، فلما ولى دعاه، فقال: "هل تسمع النداء بالصلاة"؛ فقال: نعم، قال: "فأجب" (٥). ٣ - العذر الثالث: بُعْدُ داره عن المسجد. وقد دل عليه ما رواه عبد الله بن أم مكتوم ﵁ أنه سأل النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! إني رجل ضَريرُ البصر، شاسع الدار، ولي قائد لا يلاومني (لا يلايمني) فهل في رخصة أن أصلي في بيتي؟

стр. 34

قال: "هل تسمع النداء"؟ قال: نعم. قال: "لا أجد لك رخصة" (١). ما أعظم صلاة الجماعة! إنه أعمى، وداره بعيدة، ولا قائد له، لكن يجب عليه أن يصلي في المسجد ما دام أنه يسمع النداء. نعم داره بعيدة، وله عذر، فكيف بمن داره قريبة، وهو مبصر، وصوت المؤذن يخترق أجواء بيته؟؟ ورحم الله الإمام ابن خزيمة على تبويبه لهذا الحديث بقوله: (باب أمر العميان بشهود صلاة الجماعة وإن كانت منازلهم نائية عن المسجد لا يطاوعهم قائدهم بإتيانهم إياهم المساجد. والدليل على أن شهود الجماعة فريضة لا فضيلة، إذ غير جائز أن يقال: "لا رخصة في ترك الفضيلة") (٢). ٤ - العذر الرابع: وجود شجر ونخل بينه وبين المسجد. وقد دل علي ذلك ما رواه ابن أم مكتوم -أيضًا- ﵁؛ أن رسول الله ﷺ أتى المسجد، فرأى في القوم رقة فقال: "إني لأهُمُّ أن أجعل للناس إمامًا، ثم أخرج فلا أقدر على إنسان يتخلف عن الصلاة في بيته إلا أحرقته عليه". فقال ابن أم مكتوم ﵁: يا رسول الله! إن بيني وبين المسجد نخلًا وشجرًا، ولا أقدر على قائد كل ساعة، أيسعني أن أصلي في بيتي؛ قال: "أتسمع الإقامة؟ " قال: نعم، قال: "فأتها". (٣). ٥ - العذر الخامس: وجود الهوام والسباع في المدينة. وقد دل على ذلك ما رواه ابن أم مكتوم أيضًا ﵁، قال: يا رسول الله! إن المدينة كثيرة الهوام والسباع، فقال النبي ﷺ : "تسمع حيّ على الصلاة، حيّ على الفلاح. فحيّ هلا" (٤) أي: أقبل وأجب. ٦ - العذر السادس: كبر سنه ورق عظمه. وقد دل عليه ما ورد عن أبي أمامة ﵁ قال: أقبل ابن أم مكتوم ﵁، وهو أعمى، وهو الذي نزل فيه: ﴿عَبَس وَتَوَلى (١) أن جَآءَهُ الأعمَى﴾ وكان رجلًا من قريش - إلى رسول الله ﷺ ، فقال له: يا رسول الله! بأبي وأمي، أنا كما تراني، قد دَبَرَتْ سني، ورقّ عظمي، وذهب بصري، ولي قائد لا يلايمني قيادتي إياي، فهل تجد لي من رخصة أصلي في بيتي الصلوات؟ قال: "هل تسمع المؤذن من البيت الذي أنت فيه"؟ قال: نعم. يا رسول الله! قال رسول الله ﷺ : "ما أجد لك من رخصة". ولو يعلم هذا المتخلف عن الصلاة في الجماعة ما لهذا الماشي إليها لأتاها ولو حبوا على يديه ورجليه" (٥). إن جميع ما تقدم دليل واضح وبرهان قاطع على أن حضور الجماعة في المساجد واجب، وأنه لا رخصة في التخلف عنها إلا من عذر يمنع الحضور، ولو كان التخلف سائغًا أو الحضور ندبًا لكان أولى من

стр. 35

يسعه التخلف عنها أهل الضرر والضعف، ومن كان في مثل حال ابن أم مكتوم ﵁، وإذا كان الأعمى لا رخصة له فالبصير أولى بأن لا تكون له رخصة (١). إن الجماعة في نظر الشارع هي جماعة المسجد لا جماعة البيوت ولا غيرها. والتضعيف خاص بجماعة المسجد -كما تقدم- ومن صلى في بيته مع أهله أو غيره واعتقد أنه صلى في جماعة وأنه ينال التضعيف فاعتقاده بمعزل عن الصواب. ومما يدل على أن الجماعة تكون في المساجد دون البيوت أن السلف من الصحابة ﵃ ومن بعدهم إذا طمعوا في إدراك جماعة المسجد لم يكونوا يصلونها في البيوت، بل كان الواحد منهم إذا فاتته الجماعة في مسجده ذهب إلى آخر. قال البخاري ﵀ في صحيحه: (وكان الأسود إذا فاتته الجماعة ذهب إلى مسجد آخر) (٢). وعن معاوية بن قرة قال: (كان حذيفة ﵁ إذا فانته الصلاة في مسجد قومه يعلق نعليه ويتبع المساجد حتى يصليها في جماعة) (٣). وهكذا فعل سعيد بن جبير -رحمه الله تعالى- (٤). فيا أخي حافظ على صلاة الجماعة، وكن من عمار ييوت الله تعالى، وبادر لحضور المسجد، ففي ذلك الأجر العظيم، والخير الكثير في الدنيا والآخرة، وإياك والكسل في عبادة عظيمة، هي من أشرف العبادات وأفضل الطاعات، وستجد -إن شاء الله- ثواب صلاتك، ومحافظتك على الجماعة أحوج ما تكون إليه والله يتولى الصالحين. أحكام حضور المساجد أولًا: في أحكام الخروج إلى المسجد "وفيه ثمانية أحكام": الحكم الأول الخروج في أحسن هيئة الصلاة صلة بين العبد وربه، يقف المصلي بين يدي الله تعالى يناجيه، يقرأ كلامه، ويذكره، ويدعوه، فيلزم أن يكون في هذا الموقف العظيم على أحسن هيئة وأتم حال. ومن هنا وجبت طهارة البدن والثوب والبقعة، وكانت الطهارة من الأحداث والأنجاس شرطًا في صحة الصلاة على ما هو مبين في كتب الحديث والفقه. والمقصود هنا الحديث عن مكملات الطهارة التي ينبغي لكل مصلّ أن يتحلى بها قبل الدخول في الصلاة، وذلك لأن كثيرًا من المصلين لا يهتم بها ولا يلقي لها بالًا؛ لأن الصلاة تحولت عنده من عبادة إلى عادة، فهو يأتي إليها بهيئة أقل من الهيئة التي يذهب بها إلى مكان عمله، ومما يتعلق بحسن الهيئة ما يلي: أولًا- الزينة الظاهرة. ثانيًا- طيب الرائحة. ثالثًا- السواك. أولًا: الزينة الظاهرة، ويراد بها: (١) جمال الثياب: فينبغي للمصلي أن يلبس عند مناجاة ربه أحسن ثيابه في الصلوات كلها، من غير تفريق بين صلاة الليل وصلاة النهار، أو صلاة الفجر وغيرها، إذ ليس المقصود من اللباس هو ستر العورة فحسب، وإنما

стр. 36

يراد مع ذلك التجمل للوقوف بين يدي رب العالمين، قال تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف: ٣١]. فهذه الآية دليل على وجوب ستر العورة بلبس الثياب عند كل صلاة. والثياب من نعم الله على عباده؛ لما فيها من ستر العورات، وهي -أيضًا- زينة وجمال، ولا تكون كذلك إلا إذا كانت نظيفة. قال ابن كثير ﵀ في تفسير هذه الآية: (ولهذه الآية وما ورد في معناها من السنة يستحب التجمل عند الصلاة، ولا سيما يوم الجمعة ويوم العيد، والطيب؛ لأنه من الزينة، والسواك؛ لأنه من تمام ذلك) (١). وقال ابن عبد البر: (إن أهل العلم يستحبون للواحد المطيق على الثياب أن يتجمل في صلاته ما استطاع من ثيابه وطيبه وسواكه) (٢). وفي الحديث الصحيح: أن النبي ﷺ سئل عن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنًا ونعله حسنة، فقال: "إن الله جميل يحب الجمال، الكبر بطر الحق وغمط الناس" (٣). قال الشوكاني: (الحديث يدل على أن محبة لبس الثوب الحسن والنعل الحسن وتخير اللباس الجميل ليس من الكبر في شيء، هذا مما لا خلاف فيه فيما أعلم .. ) (٤). ومن الناس من لا يهتم باللباس عند خروجه للصلاة، بل يصلي بثيابه التي عليه ولو كانت رثة أو لها رائحة كريهة، كقميص المهنة، ورداء العمل، ولا يكلف نفسه بتبديلها، فيؤذي المصلين بِدَرَنِها، ويُزْكِمُ أنوفهم بنتن ريحها، ويلوث فرش المسجد بوسخها، وهذا منهي عنه شرعًا؛ قال تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ .... ﴾ [الأعراف: ٣١]. مع أن هذا الإنسان لو أراد مقابلة شخص له جاه دنيوي، أو أراد الذهاب لمناسبة من المناسبات ما ذهب بهذه الثياب، بل يرتدي أجمل ما يملك، ويتطب بأحسن ما يجد، حتى لو لقي في المسجد من يكن له احترامًا تأسف على مظهره، وتمنى أنه لو لبس أحسن ثيابه، فكيف يهتم للوقوف أمام المخلوق ولا يهتم للوقوف أمام الخالق؟ إن هذا دليل على التساهل في شأن الصلاة، وعدم إدراك حقيقتها. فحري بالمسلم أن يستشعر عظمة من يقف بين يديه، ويعرف أنه سيكون في بيت من بيوت الله تعالى، ولا ريب أن الوقوف أمام رب العالمين وزيارة بيته يستدعي حسن المنظر وبهاء الطلعة. أضف إلى ذلك أن لقاء إخوانه المصلين والاجتماع بهم وإظهار المسجد بالمظهر المريح والرائحة الطيبة مما يؤكد جمال المظهر ونظافة الثياب، وذلك مما يعين على العبادة. ومن الناس من لا يهتم بلباس صلاة العشاء الآخرة ولا صلاة الفجر بحجة أن هذه ثياب الليل، وقد يصلي بلباس النوم كالقميص المعروف، ولا يحمّل نفسه عناء تبديلها، وذلك خوفًا على الثياب الثمينة أن تتأثر طياتها ويتبدل صقلها، والناس لا يرون هذا اللباس في هاتين الصلاتين غالبًا، وكأن التجمل صار لهام.

стр. 37

فهل يتنبه الناس لهذا ولا سيما الشباب؟ لعل وعسى (١). (٢) ستر الفخذين: إن ستر الفخذين من زينة الصلاة، سواء قلنا: هما عورة، أم لا؛ لأن زينة الصلاة شيء، والعورة شيء آخر. وهذا داخل في عموم قوله تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ .... ﴾ [الأعراف: ٣١]. وبعض الملابس الصيفية تكون شفافة لا تستر الفخذين إذا كان على المصلي سراويل قصيرة، فينبغي التنبه لذلك، وأنه لا بد من لبس السراويل الطويلة أو تجنب هذا النوع من اللباس؛ لأن ستر العورة شرط في الصلاة، ولا بد أن يكون الساتر مما لا يصف البشرة؛ لأن الستر لا يحصل بدون ذلك (٢). قال الإمام الشافعي ﵀: (وإن صلى في قميص يشف عنه لم تجز الصلاة) (٣). قال في شرح المهذب: (يجب الستر بما يحول بين الناظر ولون البشرة، فلا يكفي ثوب رقيق يشاهد من ورائه سواد البشرة أو بياضها ... ) (٤). وكذا ينبغي تنبيه بعض الآباء إلى أنه لا ينبغي لهم أن يلبسوا صبيانهم السروايل القصيرة ويحضروهم إلى المساجد؛ لأن الرسول ﷺ قال: "مروهم بالصلاة لسبع" (٥)، وهذا يشمل أمرهم بشروطها، ومن ذلك الوضوء وستر العورة وما يكمل ذلك (٦). (٣) ستر العاتق: العاتق: هو موضع الرداء من المنكب، وهو ما بين المنكب إلى أصل العتق، وستره مطوب حتى على القول بالاستحباب، فإن ستره من تمام الزينة. وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يصلين أحدكم في الثوب الواحد ليس على عاتقه شيء". وفى رواية: "عاتقيه" (٧). قال في فتح الباري: (والمراد أنه لا يتزر في وسطه ويشد طرفي الثوب في حقويه، بل يتوشح بهما على عاتقيه؛ ليحصل الستر لجزء من أعالي البدن وإن كان ليس بعورة، أو لكون ذلك أمكن في ستر العورة) (٨). وإذا ثبت أن العاتقين ليسا من العورة دل على أن الأمر بهذا الستر لحق الصلاة وحرمتها، ولذا يرى فريق من العلماء بطلان الصلاة إذا لم يكن على عاتقي المصلي من ثوبه شيء، وهو المذهب عند الحنابلة، كما في الإنصاف (٩). وعند الجمهور أن هذا للاستحباب، كما نقله الحافظ في الفتح (١٠)، ولا ريب أن ستر المنكبين زينة وجمال، وقد ورد عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا صلى

стр. 38

أحدكم فليلبس ثوبيه، فإن الله أحق من يتزيّن له" (١). ومن الخطأ ما يفعله بعض المصلين عندما يصلي بالفنلة العلاقية ذات الحبل اليسير الذي يكون على الكتف؛ لأن الأمر بوضع الثوب على العاتق لقصد الستر، وما كان بهذه الصفة لا يسمى سترة ولا لباسًا (٢)، وكذا ما يفعله بعض المحرمين عندما يصلي وقد وضع وسط ردائه على رقبته وسدل طرفيه على صدره، فبقي العاتقان مكشوفين، وكذا الظهر والصدر والبطن، وهذا إخلال بالزينة المطلوبة من المصلي. (٤) ستر الرأس: تقدم أن المطلوب من المسلم أن يدخل في صلاته على أحسن هيئة وأتم حال، لقوله ﷺ : "فإن الله أحق من يتزين له"، وليس من الهيئة الحسنة والمنظر البهي كشف الرأس في أماكن العبادات، ولا سيما في مجتمع اعتاد أهله أن يستروا رؤوسهم كما في مجتمعنا هذا، وليس كشف الرأس أمرًا مقبولًا في أعرافنا وتقاليدنا؛ لأن هذا المجتمع نشأ على عادة ستر الرأس، والمقرر في باب اللباس أن يلبس الإنسان زيّ بلده بشرط التقيد بالضوابط الشرعية، وقد ذكر أهل العلم أنه يكره للإنسان مخالفة عادة بلده في اللباس، وأنه قد يدخل في لباس الشهرة، فيشار إليه بالأصابع، وربما كان ذلك يزري به، وينقص مروءته (٣). ومن هنا يتأكد ستر الرأس حال الصلاة؛ لأن ذلك داخل في الزينة المأمور بها في قوله تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ .... ﴾ (٤). ولو قيّد اعتبار ستر الرأس من زينة الصلاة في مجتمع يعتبر ستر الرأس عندهم من الزينة لكان متوجهًا؛ لعموم الآية. أما في مجتمع لا يرى ستره من الزينة فإنه لا يمكن أن نحدد فيه حكمًا شرعيًا، بل له أن يصلي مكشوف الرأس ولا حرج عليه (٥). ومن الملاحظ أن عادة كشف الرأس قد تسربت إلى بلادنا، وسار عليها ثلة من شبابنا تشبهًا بالآخرين، وعشقًا لما هم عليه من الغث والسمين، وهم يسعون للقضاء على الشخصية الإسلامية وطمس معالمها المهتدية بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وإنه ليمر بك بعض الشباب وقد حسر عن رأسه، فتكره ذلك وتستهجنه؛ لأنه تأثر بغيره وترك زيّ بلده، والله المستعان. (٥) لا يغطي فاه في الصلاة: وهذا من الآداب التي ينبغي للمصلي التنبه لها والاهتمام بها. وقد روى لنا الصحابي أبو هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ نهى أن يغطي الرجل فاه (٦). ولا ريب أن التلثم -وهو: تغطية الفم- ليس من الزينة

стр. 39

المأمور بأخذها عند الصلاة، بل ليس من الزينة أصلًا. وأما التلثم على الأنف فلا يكره؛ لأن تخصيص الفم بالنهي عن تغطيته يدل على إباحة غيره، وروي عن ابن عمر أنه كرهه (١)، ومن المعلوم أن التلثم على الأنف يلزم منه تغطية الفم غالبًا. فعلى المسلم أن يمتثل النهي السابق، إلا لحاجة مثل أن يتثاءب، فإن السنّة أن يضع يده على فيه لقوله ﷺ : "إذا تثاءب أحدكم فليمسك بيده على فيه، فإن الشيطان يدخل" (٢). ومن الناس من يتلثم في صلاته على أنفه وفمه، ولا سيما في أيام الشتاء في صلاة الفجر غالبًا. فينبغي التنبه لذلك والتنبيه عليه (٣). ثانيًا: مما يتعلق بحسن الهيئة: الاهتمام بطيب الرائحة ومن تمام حسن الهيئة وجمال المظهر أن يكون المصلي طيب الرائحة، بعيدًا عن كل ما له رائحة كريهة، سواء كان من الجسم ذاته أو من أسباب خارجية كالثوم والبصل والكراث، فقد نهى الشرع الإنسان إذا تناول شيئًا من ذلك أن يحضر المساجد؛ لما في حضوره من أذية الملائكة والمسلمين. ودرء هذه الأذية العامة أولى من مراعاة مصلحة هذا الشخص بحضور المسجد؛ لأنه هو السبب في تفويت ذلك على نفسه. وقد ورد عن جابر ﵁ قال: قال النبي ﷺ : "من أكل من هذه الشجرة -يريد الثوم- فلا يغشانا في مساجدنا" (٤). وعنه ﵁ أن النبي ﷺ قال: "من أكل البصل والثوم والكراث فلا يقربنّ مسجدنا، فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم" (٥). وعنه أيضًا ﵁ أن النبي ﷺ قال: "من أكل ثومًا أو بصلًا فليعتزلنا أو فليعتزل مسجدنا ويقعد في بيته"، وإن النبي ﷺ أُتي بقدر فيه خضرات من بقول فوجد لها ريحًا، فسأل فأُخبر بما فيها من البقول، فقال: "قربوها" إلى بعض أصحابه كان معه، فلما رآه كره أكلها، قال: "كل فإني أناجي من لا تناجي" (٦). فهذه نصوص صريحة صحيحة تدل بمفهومها على أن الرائحة الطيبة لا بد منها لمن أراد حضور المساجد. وكذا مصلي العيد (٧)، وتدل كمنطوقها على أن من أكل ثومًا أو بصلًا أو كراثًا فهو مأمور باعتزال مساجد المسلمين، وجماعتهم، وعدم قربها، وأنه مأمور من قبل الشرع بالجلوس في منزله، عقوبة له حيث فوت على نفسه فضيلة الجماعة، ولم يبال بأذية الملائكة، ولم يراع شعور إخوانه المصلين. وينبغي أن يفهم المسلم أن إباحة هذه الخضروات ذوات الرائحة الكريهة ليس دليلًا على عدم وجوب صلاة الجماعة، بحجة أن الجماعة لو كانت واجبة لحرم جميع ما يمنع حضورها. وذلك لأن كون

стр. 40

أكلها يحول دون حضور الجماعة ليس لسقوط الطلب عن المكلف بل هو مطالب بالجماعة، ولكنه منع من حضورها وأمر بالقعود في بيته عقوبة له؛ لوجود المانع وهي الرائحة المؤذية، ألا ترى أن حضور الطعام يسوغ ترك الجماعة لمن قدّم بين يديه وهو محتاج له مع كون ذلك مباحًا، أما إذا أراد إنسان أن يتخذ أكل هذه البقول حيلة لترك الجماعة والصلاة في بيته فإن ذلك يحرم عليه (١). وهذا الحكم، وهو نهي من أكل ثومًا وبصلًا أن يدخل مساجد المسلمين، خاص بالنَّيئ لأجل رائحته. وأما الثوم المطبوخ الذي ذهبت رائحته فلا مانع منه، لكن إن لم تذهب بقي الحكم، فإن الحكم إذا لم يكن له إلا علة واحدة فإنه يدور معها وجودًا وعدمًا، والشرع علل ذلك بالأذية فمتى وجدت الأذية ترتب الحكم (٢). وعن قرّة ﵁: أن رسول الله ﷺ نهى عن هاتين الشجرتين وقال: "من أكلهما فلا يقربن مسجدنا"، وقال: "إن كنتم لا بدّ آكليهما فأميتوهما طبخًا" قال: يعني البصل والثوم (٣). وهذا النهي عن حضور المسجد ليس خاصًا بالجزء الداخلي منه، بل رحبة المسجد وساحته كذلك؛ لأنها من المسجد، وقد ورد عن عمر ﵁ أنه قال: إنكم أيها الناس تأكلون من شجرتين ما أراهما إلا خبيثين: هذا البصل والثوم، ولقد رأيت نبي الله ﷺ إذا وجد ريحهما من الرجل في المسجد أمر به فأخرج إلى البقيع، فمن أكلهما فليمتهما طبخًا (٤). وإذا كان هذا هو الحكم الشرعي في كل الثوم والبصل والكراث، وهي من المباحات؛ فكيف يكون حكم شرب الدخان ونحوه وهو محرم شرعًا إذا حضر شاربه مساجد المسلمين وآذاهم برائحته، وقبل ذلك آذى الملائكة المكرمين، وكيف يناجي ربه بتلاوة كلامه وذكره ودعائه بهذا الفم ذي الرائحة الكريهة؟ إن شارب الدخان داخل تحت عموم النهي عن حضور المسجد لمن أكل ثومًا من باب أولى؛ لوجود العلة وهي الأذية بصورة أعظم من أذية أكل الثوم، بل إن شارب الدخان بالإضافة إلى أذيته قد تلبس بأمر محرم مصرًّا عليه، لأنه مضر بالصحة بإخبار الأطباء المعتبرين، وفيه إضاعة المال، وهو مسكر تارة ومفتر أخرى، ولا أدري كيف يرضى هذا المسلم بأذية إخوانه في مساجدهم برائحة جسمه أو ثيابه أو فمه، مما يجعلهم يتضايقون من مجاورته في الصلاة، فيكون سببًا في عدم خشوعهم وتلذذهم بمناجاة الله تعالى، وقد قال النبي ﷺ : "من أذى المسلمين في طرقهم وجبت عليه لعنتهم" (٥)، فإذا كان هذا في الطرق فكيف يكون الإيذاء في المساجد؟؟ ثالثًا: السواك وهو من مكملات الطهارة، لأنه تنظيف للفم مما علق به من أوساخ تسبب الروائح الكريهة، وقد
следующие страницы →