← Фикх общий

Фикх общий · id 37547

الجامع لأحكام الصلاة - عادل بن سعد

عادل بن سعد

Полный текст (320 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

يراد مع ذلك التجمل للوقوف بين يدي رب العالمين، قال تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف: ٣١]. فهذه الآية دليل على وجوب ستر العورة بلبس الثياب عند كل صلاة. والثياب من نعم الله على عباده؛ لما فيها من ستر العورات، وهي -أيضًا- زينة وجمال، ولا تكون كذلك إلا إذا كانت نظيفة. قال ابن كثير ﵀ في تفسير هذه الآية: (ولهذه الآية وما ورد في معناها من السنة يستحب التجمل عند الصلاة، ولا سيما يوم الجمعة ويوم العيد، والطيب؛ لأنه من الزينة، والسواك؛ لأنه من تمام ذلك) (١). وقال ابن عبد البر: (إن أهل العلم يستحبون للواحد المطيق على الثياب أن يتجمل في صلاته ما استطاع من ثيابه وطيبه وسواكه) (٢). وفي الحديث الصحيح: أن النبي ﷺ سئل عن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنًا ونعله حسنة، فقال: "إن الله جميل يحب الجمال، الكبر بطر الحق وغمط الناس" (٣). قال الشوكاني: (الحديث يدل على أن محبة لبس الثوب الحسن والنعل الحسن وتخير اللباس الجميل ليس من الكبر في شيء، هذا مما لا خلاف فيه فيما أعلم .. ) (٤). ومن الناس من لا يهتم باللباس عند خروجه للصلاة، بل يصلي بثيابه التي عليه ولو كانت رثة أو لها رائحة كريهة، كقميص المهنة، ورداء العمل، ولا يكلف نفسه بتبديلها، فيؤذي المصلين بِدَرَنِها، ويُزْكِمُ أنوفهم بنتن ريحها، ويلوث فرش المسجد بوسخها، وهذا منهي عنه شرعًا؛ قال تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ .... ﴾ [الأعراف: ٣١]. مع أن هذا الإنسان لو أراد مقابلة شخص له جاه دنيوي، أو أراد الذهاب لمناسبة من المناسبات ما ذهب بهذه الثياب، بل يرتدي أجمل ما يملك، ويتطب بأحسن ما يجد، حتى لو لقي في المسجد من يكن له احترامًا تأسف على مظهره، وتمنى أنه لو لبس أحسن ثيابه، فكيف يهتم للوقوف أمام المخلوق ولا يهتم للوقوف أمام الخالق؟ إن هذا دليل على التساهل في شأن الصلاة، وعدم إدراك حقيقتها. فحري بالمسلم أن يستشعر عظمة من يقف بين يديه، ويعرف أنه سيكون في بيت من بيوت الله تعالى، ولا ريب أن الوقوف أمام رب العالمين وزيارة بيته يستدعي حسن المنظر وبهاء الطلعة. أضف إلى ذلك أن لقاء إخوانه المصلين والاجتماع بهم وإظهار المسجد بالمظهر المريح والرائحة الطيبة مما يؤكد جمال المظهر ونظافة الثياب، وذلك مما يعين على العبادة. ومن الناس من لا يهتم بلباس صلاة العشاء الآخرة ولا صلاة الفجر بحجة أن هذه ثياب الليل، وقد يصلي بلباس النوم كالقميص المعروف، ولا يحمّل نفسه عناء تبديلها، وذلك خوفًا على الثياب الثمينة أن تتأثر طياتها ويتبدل صقلها، والناس لا يرون هذا اللباس في هاتين الصلاتين غالبًا، وكأن التجمل صار لهام.

стр. 37

فهل يتنبه الناس لهذا ولا سيما الشباب؟ لعل وعسى (١). (٢) ستر الفخذين: إن ستر الفخذين من زينة الصلاة، سواء قلنا: هما عورة، أم لا؛ لأن زينة الصلاة شيء، والعورة شيء آخر. وهذا داخل في عموم قوله تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ .... ﴾ [الأعراف: ٣١]. وبعض الملابس الصيفية تكون شفافة لا تستر الفخذين إذا كان على المصلي سراويل قصيرة، فينبغي التنبه لذلك، وأنه لا بد من لبس السراويل الطويلة أو تجنب هذا النوع من اللباس؛ لأن ستر العورة شرط في الصلاة، ولا بد أن يكون الساتر مما لا يصف البشرة؛ لأن الستر لا يحصل بدون ذلك (٢). قال الإمام الشافعي ﵀: (وإن صلى في قميص يشف عنه لم تجز الصلاة) (٣). قال في شرح المهذب: (يجب الستر بما يحول بين الناظر ولون البشرة، فلا يكفي ثوب رقيق يشاهد من ورائه سواد البشرة أو بياضها ... ) (٤). وكذا ينبغي تنبيه بعض الآباء إلى أنه لا ينبغي لهم أن يلبسوا صبيانهم السروايل القصيرة ويحضروهم إلى المساجد؛ لأن الرسول ﷺ قال: "مروهم بالصلاة لسبع" (٥)، وهذا يشمل أمرهم بشروطها، ومن ذلك الوضوء وستر العورة وما يكمل ذلك (٦). (٣) ستر العاتق: العاتق: هو موضع الرداء من المنكب، وهو ما بين المنكب إلى أصل العتق، وستره مطوب حتى على القول بالاستحباب، فإن ستره من تمام الزينة. وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يصلين أحدكم في الثوب الواحد ليس على عاتقه شيء". وفى رواية: "عاتقيه" (٧). قال في فتح الباري: (والمراد أنه لا يتزر في وسطه ويشد طرفي الثوب في حقويه، بل يتوشح بهما على عاتقيه؛ ليحصل الستر لجزء من أعالي البدن وإن كان ليس بعورة، أو لكون ذلك أمكن في ستر العورة) (٨). وإذا ثبت أن العاتقين ليسا من العورة دل على أن الأمر بهذا الستر لحق الصلاة وحرمتها، ولذا يرى فريق من العلماء بطلان الصلاة إذا لم يكن على عاتقي المصلي من ثوبه شيء، وهو المذهب عند الحنابلة، كما في الإنصاف (٩). وعند الجمهور أن هذا للاستحباب، كما نقله الحافظ في الفتح (١٠)، ولا ريب أن ستر المنكبين زينة وجمال، وقد ورد عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا صلى

стр. 38

أحدكم فليلبس ثوبيه، فإن الله أحق من يتزيّن له" (١). ومن الخطأ ما يفعله بعض المصلين عندما يصلي بالفنلة العلاقية ذات الحبل اليسير الذي يكون على الكتف؛ لأن الأمر بوضع الثوب على العاتق لقصد الستر، وما كان بهذه الصفة لا يسمى سترة ولا لباسًا (٢)، وكذا ما يفعله بعض المحرمين عندما يصلي وقد وضع وسط ردائه على رقبته وسدل طرفيه على صدره، فبقي العاتقان مكشوفين، وكذا الظهر والصدر والبطن، وهذا إخلال بالزينة المطلوبة من المصلي. (٤) ستر الرأس: تقدم أن المطلوب من المسلم أن يدخل في صلاته على أحسن هيئة وأتم حال، لقوله ﷺ : "فإن الله أحق من يتزين له"، وليس من الهيئة الحسنة والمنظر البهي كشف الرأس في أماكن العبادات، ولا سيما في مجتمع اعتاد أهله أن يستروا رؤوسهم كما في مجتمعنا هذا، وليس كشف الرأس أمرًا مقبولًا في أعرافنا وتقاليدنا؛ لأن هذا المجتمع نشأ على عادة ستر الرأس، والمقرر في باب اللباس أن يلبس الإنسان زيّ بلده بشرط التقيد بالضوابط الشرعية، وقد ذكر أهل العلم أنه يكره للإنسان مخالفة عادة بلده في اللباس، وأنه قد يدخل في لباس الشهرة، فيشار إليه بالأصابع، وربما كان ذلك يزري به، وينقص مروءته (٣). ومن هنا يتأكد ستر الرأس حال الصلاة؛ لأن ذلك داخل في الزينة المأمور بها في قوله تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ .... ﴾ (٤). ولو قيّد اعتبار ستر الرأس من زينة الصلاة في مجتمع يعتبر ستر الرأس عندهم من الزينة لكان متوجهًا؛ لعموم الآية. أما في مجتمع لا يرى ستره من الزينة فإنه لا يمكن أن نحدد فيه حكمًا شرعيًا، بل له أن يصلي مكشوف الرأس ولا حرج عليه (٥). ومن الملاحظ أن عادة كشف الرأس قد تسربت إلى بلادنا، وسار عليها ثلة من شبابنا تشبهًا بالآخرين، وعشقًا لما هم عليه من الغث والسمين، وهم يسعون للقضاء على الشخصية الإسلامية وطمس معالمها المهتدية بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وإنه ليمر بك بعض الشباب وقد حسر عن رأسه، فتكره ذلك وتستهجنه؛ لأنه تأثر بغيره وترك زيّ بلده، والله المستعان. (٥) لا يغطي فاه في الصلاة: وهذا من الآداب التي ينبغي للمصلي التنبه لها والاهتمام بها. وقد روى لنا الصحابي أبو هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ نهى أن يغطي الرجل فاه (٦). ولا ريب أن التلثم -وهو: تغطية الفم- ليس من الزينة

стр. 39

المأمور بأخذها عند الصلاة، بل ليس من الزينة أصلًا. وأما التلثم على الأنف فلا يكره؛ لأن تخصيص الفم بالنهي عن تغطيته يدل على إباحة غيره، وروي عن ابن عمر أنه كرهه (١)، ومن المعلوم أن التلثم على الأنف يلزم منه تغطية الفم غالبًا. فعلى المسلم أن يمتثل النهي السابق، إلا لحاجة مثل أن يتثاءب، فإن السنّة أن يضع يده على فيه لقوله ﷺ : "إذا تثاءب أحدكم فليمسك بيده على فيه، فإن الشيطان يدخل" (٢). ومن الناس من يتلثم في صلاته على أنفه وفمه، ولا سيما في أيام الشتاء في صلاة الفجر غالبًا. فينبغي التنبه لذلك والتنبيه عليه (٣). ثانيًا: مما يتعلق بحسن الهيئة: الاهتمام بطيب الرائحة ومن تمام حسن الهيئة وجمال المظهر أن يكون المصلي طيب الرائحة، بعيدًا عن كل ما له رائحة كريهة، سواء كان من الجسم ذاته أو من أسباب خارجية كالثوم والبصل والكراث، فقد نهى الشرع الإنسان إذا تناول شيئًا من ذلك أن يحضر المساجد؛ لما في حضوره من أذية الملائكة والمسلمين. ودرء هذه الأذية العامة أولى من مراعاة مصلحة هذا الشخص بحضور المسجد؛ لأنه هو السبب في تفويت ذلك على نفسه. وقد ورد عن جابر ﵁ قال: قال النبي ﷺ : "من أكل من هذه الشجرة -يريد الثوم- فلا يغشانا في مساجدنا" (٤). وعنه ﵁ أن النبي ﷺ قال: "من أكل البصل والثوم والكراث فلا يقربنّ مسجدنا، فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم" (٥). وعنه أيضًا ﵁ أن النبي ﷺ قال: "من أكل ثومًا أو بصلًا فليعتزلنا أو فليعتزل مسجدنا ويقعد في بيته"، وإن النبي ﷺ أُتي بقدر فيه خضرات من بقول فوجد لها ريحًا، فسأل فأُخبر بما فيها من البقول، فقال: "قربوها" إلى بعض أصحابه كان معه، فلما رآه كره أكلها، قال: "كل فإني أناجي من لا تناجي" (٦). فهذه نصوص صريحة صحيحة تدل بمفهومها على أن الرائحة الطيبة لا بد منها لمن أراد حضور المساجد. وكذا مصلي العيد (٧)، وتدل كمنطوقها على أن من أكل ثومًا أو بصلًا أو كراثًا فهو مأمور باعتزال مساجد المسلمين، وجماعتهم، وعدم قربها، وأنه مأمور من قبل الشرع بالجلوس في منزله، عقوبة له حيث فوت على نفسه فضيلة الجماعة، ولم يبال بأذية الملائكة، ولم يراع شعور إخوانه المصلين. وينبغي أن يفهم المسلم أن إباحة هذه الخضروات ذوات الرائحة الكريهة ليس دليلًا على عدم وجوب صلاة الجماعة، بحجة أن الجماعة لو كانت واجبة لحرم جميع ما يمنع حضورها. وذلك لأن كون

стр. 40

أكلها يحول دون حضور الجماعة ليس لسقوط الطلب عن المكلف بل هو مطالب بالجماعة، ولكنه منع من حضورها وأمر بالقعود في بيته عقوبة له؛ لوجود المانع وهي الرائحة المؤذية، ألا ترى أن حضور الطعام يسوغ ترك الجماعة لمن قدّم بين يديه وهو محتاج له مع كون ذلك مباحًا، أما إذا أراد إنسان أن يتخذ أكل هذه البقول حيلة لترك الجماعة والصلاة في بيته فإن ذلك يحرم عليه (١). وهذا الحكم، وهو نهي من أكل ثومًا وبصلًا أن يدخل مساجد المسلمين، خاص بالنَّيئ لأجل رائحته. وأما الثوم المطبوخ الذي ذهبت رائحته فلا مانع منه، لكن إن لم تذهب بقي الحكم، فإن الحكم إذا لم يكن له إلا علة واحدة فإنه يدور معها وجودًا وعدمًا، والشرع علل ذلك بالأذية فمتى وجدت الأذية ترتب الحكم (٢). وعن قرّة ﵁: أن رسول الله ﷺ نهى عن هاتين الشجرتين وقال: "من أكلهما فلا يقربن مسجدنا"، وقال: "إن كنتم لا بدّ آكليهما فأميتوهما طبخًا" قال: يعني البصل والثوم (٣). وهذا النهي عن حضور المسجد ليس خاصًا بالجزء الداخلي منه، بل رحبة المسجد وساحته كذلك؛ لأنها من المسجد، وقد ورد عن عمر ﵁ أنه قال: إنكم أيها الناس تأكلون من شجرتين ما أراهما إلا خبيثين: هذا البصل والثوم، ولقد رأيت نبي الله ﷺ إذا وجد ريحهما من الرجل في المسجد أمر به فأخرج إلى البقيع، فمن أكلهما فليمتهما طبخًا (٤). وإذا كان هذا هو الحكم الشرعي في كل الثوم والبصل والكراث، وهي من المباحات؛ فكيف يكون حكم شرب الدخان ونحوه وهو محرم شرعًا إذا حضر شاربه مساجد المسلمين وآذاهم برائحته، وقبل ذلك آذى الملائكة المكرمين، وكيف يناجي ربه بتلاوة كلامه وذكره ودعائه بهذا الفم ذي الرائحة الكريهة؟ إن شارب الدخان داخل تحت عموم النهي عن حضور المسجد لمن أكل ثومًا من باب أولى؛ لوجود العلة وهي الأذية بصورة أعظم من أذية أكل الثوم، بل إن شارب الدخان بالإضافة إلى أذيته قد تلبس بأمر محرم مصرًّا عليه، لأنه مضر بالصحة بإخبار الأطباء المعتبرين، وفيه إضاعة المال، وهو مسكر تارة ومفتر أخرى، ولا أدري كيف يرضى هذا المسلم بأذية إخوانه في مساجدهم برائحة جسمه أو ثيابه أو فمه، مما يجعلهم يتضايقون من مجاورته في الصلاة، فيكون سببًا في عدم خشوعهم وتلذذهم بمناجاة الله تعالى، وقد قال النبي ﷺ : "من أذى المسلمين في طرقهم وجبت عليه لعنتهم" (٥)، فإذا كان هذا في الطرق فكيف يكون الإيذاء في المساجد؟؟ ثالثًا: السواك وهو من مكملات الطهارة، لأنه تنظيف للفم مما علق به من أوساخ تسبب الروائح الكريهة، وقد

стр. 41

اعتنى الشارع بالسواك عند الصلاة، ورغب فيه النبي ﷺ قولًا وفعلًا. فعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة"، وفي رواية لمالك: "عند كل وضوء" (١). وعنه ﷺ أنه قال: "السواك مطهرة للفم مرضاة للرب" (٢)، فهو مرضاة للرب ﵎ من جهة أن الإتيان بالمندوب امتثالًا موجب للثواب، ومن جهة أنه مقدمة للصلاة، والصلاة مناجاة، ولا ريب أن طيب الرائحة يحبه صاحب المناجاة، وهو مطهرة للفم، لأنه الطريقة المثلى لتنظيف الأسنان والفم، وقد وجد العلماء فائدة ومفعول السواك بعد أربعة عشر قرنًا من ذكر المصطفى ﷺ لتلك الحقيقة، وثبت بعد الدراسات والأبحاث التي أجريت على السواك أنه يحوي جميع المواد المطهرة القوية التي تساعد على الفتك بالجراثيم التي تتسبب في أمراض الفم واللسان. كما ثبت أنه يفوق الفرشاة والمعجون، ولا يوجد معجون للأسنان يحتوي على المواد التي يحويها السواك، بل ثبت أن أغلب المعاجين الموجودة في السوق تجارية ورخيصة لا يقصد بها إلا الربح، وقد لا يستفيد منها الفم واللثة. ولا فرق في استحباب السواك عند الصلاة بين الفريضة والنافلة، حتى صلاة الصائم بعد الزوال، كالظهر والعصر يتأكد فيها السواك على أرجح الأقوال، لعموم أدلة الحث على السواك عند الصلاة كحديث أبي هريرة المتقدم. فإذا كان السواك مطهرة للفم مرضاة لله تعالى فحري بالمسلم والمسلمة أن يهتم كل منهما به عند الصلاة فرضًا كانت أو نفلًا، فإن من الناس من لا يقيم للسواك وزنًا، إما للجهل بقدره أو التساهل، والتساهل عند النساء أكثر، فليحرص المسلم على ما يحبه مولاه ويقربه إليه ويستاك حتى عند النافلة، فإن من الناس من يتساهل به ولا سيما في النافلة التي بعد الصلاة (٣). الحكم الثاني المبادرة بالحضور إلى المسجد اعلم أن نصوص الشريعة قد وردت بالحث على المبادرة بالأعمال الصالحة، والمسارعة لأداء الواجبات، ومنها حضور المساجد والجلوس فيها لانتظار الصلاة. وتضمنت هذه النصوص ما أعد الله تعالى من الفضل والتكريم لمن اتصف بهذه الصفة العالية التي تدل على رغبة صاحبها في فعل الخيرات والمسارعة لنيل القربات. قال الله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣]. وقال تعالى: ﴿فاستبقوا الخيرات﴾ [البقرة: ١٤٨]. وقال تعالى عن الصفوة من عباده: ﴿يسارعون في الخيرات﴾ [الأنبياء: ٩٠]. يقول الشيخ عبد الرحمن السعدي ﵀: (والأمر بالاستباق إلى الخيرات قدر زائد على الأمر

стр. 42

بفعل الخيرات، فإن الاستباق إليها يتضمن فعلها، وتكميلها، وإيقاعها على أكمل الأحوال، والمبادرة إليها، ومن سبق في الدنيا إلى الخيرات فهو السابق في الآخرة إلى الجنات، فالسابقون أعلى الخلق درجة، والخيرات تشمل جميع الفرائض والنوافل من صلاة وصيام وزكاة وحج وعمرة وجهاد ونفع متعدّ وقاصر) (١). إن التبكير إلى المساجد وانتظار إقامة الصلاة والاشتغال بالذكر والقراءة والنوافل من أسباب المغفرة ومن أعظم الخيرات، ولقد أجمل النبي ﵁ الثواب العظيم في التبكير بقوله ﵊: "ولو يعلمون ما في التهجير لاستبقوا إليه ... " الحديث (٢)، ويأتي بتمامه إن شاء الله. قال النووي: (التهجير: التبكير إلى الصلاة، أيّ صلاة كانت. قال الهروي وغيره: وخصه الخليل بالجمعة، والصواب المشهور: الأول) (٣). وقال ابن أبي جمرة: (فيه دليل على أن المسابقة تكون حسًا ومعنى. فهنا تكون معنى لا حسًا، فإن المسابقة على الأقدام حسًا تقتضي الجري والسرعة. والجري هنا والسرعة ممنوعان من حديث آخر. فلم يبق هنا إلا أن تكون معنى وهي الشغل بمراقبة الوقت) (٤). إن المبادرة إلى المساجد دليل على تعظيم الصلاة وتعلق القلب بالمسجد، وعلى قدر الطاعة عمومًا في نفس المصلي، وعلى أن الصلاة مقدمة عنده على كل شأن من شؤون حياته، وهذا -والله- عنوان الفلاح وعلامة الصلاح. قال الله تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (٣٦) رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ (٣٧) لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [النور: ٣٦ - ٣٨]. إن الإنسان ما دام حيًا فهو مشغول بجسمه وعقله كلّ بحسب حاله. ولكن لا شغل عند حضور الصلاة عن الصلاة لمن وفقه الله تعالى لطاعته ورزقه تعظيم شعائره، فقدم طاعة مولاه ومراده ومحبته على مراده ومحبته، فسارع إلى الخيرات ونافس في نيل القربات، وازداد يقينه بأن من تعظيم الصلاة الإتيان إلى المسجد قبل الإقامة. ولقد كان السلف الصالح على حرص شديد على صلاتهم، يبادرون إليها مهما كان الأمر؛ لأنهم عرفوا قدرها عند خالقهم، فصار ذلك سجية لهم وخلقًا، وإليك طرفًا من أخبارهم، فنعم القدوة هم بعد نبينا وقدوتنا محمد بن عبد الله صلوات الله وسلامه عليه. ذكر الإمام ابن المبارك عن عبدي بن حاتم ﵁ قال: (ما دخل وقت صلاة قط حتى اشتاق إليها) (٥). ولم يكن ﵁ يشتاق إلى الصلاة فحسب، بل كان يستعد لها ويحضر إلى المسجد قبل الإقامة، فقد ذكر الحافظ الذهبي عنه أنه قال: (ما أقيمت الصلاة منذ أسلمت إلا وأنا على وضوء) (٦).

стр. 43

وهذا الأحنف بن قيس ﵀ قيل له: إن فيك أناة شديدة! فقال: (قد عرفت من نفسي عجلة في صلاتي إذا حضرت حتى أصليها) (١). وكان سعيد بن المسيب ﵀ يحضر المسجد قبل الأذان واستمر على ذلك مدة لا تقل عن ثلاثين سنة؛ فقد روى الإمام ابن أبي شيبة عن سعيد بن المسيب قال: (ما أذن المؤذن منذ ثلاثين سنة إلا وأنا في المسجد) (٢). ونقل ابن سعد عنه أنه قال: (ما سمعت تأذينًا في أهلي منذ ثلاثين سنة) (٣). ولم تفته صلاة الجماعة طيلة أربعين سنة، فقد روى ابن سعد -أيضًا- عنه أنه قال: ما فاتته صلاة الجماعة منذ أربعين سنة ولا نظر في أقفائهم (٤). وكان الأعمش رغم كبر سنه يحرص على التكبيرة الأولى. فقد قال وكيع: (اختلفت إليه قريبًا من سنتين ما رأيته يقضي ركعة، وكان قريبًا من سبعين سنة لم تفته التكبيرة الأولى) (٥). وكان المحدث الثقة بشر بن الحسن يقال له: (الصفّي)؛ لأنه كان يلزم الصف الأول في مسجد البصرة خمسين سنة (٦). وهذا إبراهيم بن ميمون المروزي أحد الدعاة المحدثين الثقات من أصحاب عطاء بن أبي رباح، وكانت مهنته الصياغة وطرق الذهب والفضة. قالوا: (كان فقيهًا فاضلًا من الأمّارين بالمعروف). قال ابن معين: (كان إذا رفع المطرقة فسمع النداء لم يردّها) (٧). قال قاضي الشام سليمان بن حمزة المقدسي، وهو من ذرية ابن قدامة صاحب كتاب "المغني": (لم أصلّ الفريضة قط منفردًا إلا مرتين، وكأني لم أصلهما قط) مع أنه قارب التسعين (٨). فضائل المبادرة إلى المسجد وفوائدها جاءت النصوص في فضل التبكير إلى المسجد، وبيان ما رتب الله تعالى على ذلك من الأجر العظيم، وما يحصل من الفوائد الجمة التي يظفر بها كل من بادر، مما يجعل المسلم ينهض مسارعًا لأداء فريضة الله إذا سمع منادي الله يدعوه: (حي على الصلاة حي على الفلاح)، متخليًا عن مشاغله، فرحًا بحلول وقت المناجاة. وإن المتأمل في هذه الفضائل والفوائد ليرى عظيم فضل الله تعالى وسعة رحمته بعباده الصالحين الذين لبوا النداء ونهضوا إليه مبادرين، فأثابهم الله على حسن صنيعهم وزادهم من فضله. وهذه -أخي المسلم- نبذة لا بأس بها في فضائل وفوائد المبادرة جمعتها من النصوص وذيلتها بكلام أهل العلم ﵏ أضعها في العناوين التالية، راجيًا من الله تعالى أن يجعلها نافعة، فمنها:

стр. 44

الاتصاف بصفة من يظلهم الله في ظله: إن من السعداء في الدار الآخرة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: الرجل الذي تعلق قلبه بالمسجد، فأحبه حبًا شديدًا، إذا أدى فريضة انتظر الأخرى، يصلي مع الجماعة، ويبادر إلى الحضور. فالمبادرة وتعلق القلب في المسجد أمران متلازمان، فعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله". فذكر منهم: "ورجل قلبه معلق بالمساجد" وفي رواية الإمام مالك: "ورجل قلبه متعلق بالمسجد إذا خرج منه حتى يعود إليه" (١). قال ابن عبد البر في التمهيد: (هذا أحسن حديث يروى في فضائل الأعمال وأعمها وأصحها إن شاء الله. وحسبك به فضلًا؛ لأن العلم محيط بأن كل من كان في ظل الله يوم القيامة لم ينله هول الموقف .. ) (٢). ويقول الإمام النووي في شرح قوله ﷺ : "ورجل قلبه معلق في المساجد": (معناه: شديد الحب لها، والملازمة للجماعة فيها. وليس معناه: دوام القعود فيها) (٣). أن المبادر في صلاة ما انتظر الصلاة: إن مما يدل على فضل صلاة الجماعة وفضل المبادرة بحضور المسجد أن من خرج إليها فهو في صلاة طال الوقت أو قصر. وهذا فضل من الله ورحمة. دل على ذلك ما ورد عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لا يزال أحدكم في صلاة ما دامت الصلاة تحبسه لا يمنعه أن ينقلب إلى أهله إلا الصلاة .. ". وفى رواية: "إن أحدكم في صلاة ما دامت الصلاة تحبسه، والملائكة تقول: اللهم اغفر له، اللهم ارحمه. ما لم يقم من مصلاه أو يحدث .. " (٤). ورواه مالك موقفًا عن نعيم المجمر أنه سمع أبا هريرة ﵁ يقول: (إذا صلّى أحدكم ثم جلس في مصلاه لم تزل الملائكة تصلي عليه: اللهم اغفر له، اللهم ارحمه، فإن قام من مصلاه فجلس في المسجد ينتظر الصلاة، لم يزل في صلاة حتى يصلي) (٥). قال ابن عبد البر: (في هذا الحديث دليل على أن فضل منتظر الصلاة كفضل المصلي؛ لأنه معلوم أن قوله ﵊: "لا يزال أحدكم في صلاة ما كانت الصلاة تحبسه" لم يرد به أن ينتظر الصلاة قائم ولا أنه راكع ساجد؛ وإنما أراد أن فضل انتظار الصلاة بالقصد إلى ذلك وبالنية فيه كفضل الصلاة، وأن منتظرها كالمصلي في الفضل، ولله أن يتفضل بما شاء على من يشاء فيما شاء من الأعمال، لا معقب لحكمه ولا راد لفضله، ومن الوجه الذي عرفنا فضل الصلاة فيه عرفنا فضل انتظارها، وقد علم الناس أن المصلي في تلاوته وقيامه وركوعه أتعب من المنتظر للصلاة ذاكرًا كان أو ساكتًا، ولكن الفضائل لا تدرك بنظر، ولا مدخل فيها لقياس، ولو أخذت قياسًا لكان من نوى السيئة كمن نوى الحسنة، ولكن الله منعم كريم، متفضل رحيم، يكتب الحسنة بالنية وإن لم تعمل، فإن عملت ضعفت عشرًا إلى سبع مائة، والله

стр. 45

يضاعف لمن يشاء، ولا يؤاخذ عباده المسلمين بما وسوست به صدورهم، ونووا من الشر ما لم يعملوه، وهذا كله لا مدخل فيه للقياس) (١). وقال أيضًا: (هذا الحديث من أفضل ما يروى في فضل المنتظر للصلاة؛ لأن الملائكة تستغفر له، وفي استغفارهم له دليل على أنه يغفر له -إن شاء الله- ألا ترى أن طلب العلم من أفضل الأعمال. وغنمًا صار كذلك -والله أعلم- لأن الملائكة تضع أجنحتها له بالدعاء والاستغفار ... ) (٢). واعلم أن في الموقوف الذي رواه مالك ﵀ فائدة مهمة، وهي أن قوله في رواية البخاري: "ما لم يقم من مصلاه" خرج مخرج الغالب. والمراد به المكان الذي أوقع فيه الصلاة من المسجد. فلو قام إلى بقعة أخرى من المسجد مستمرًا على نية انتظار الصلاة كان كذلك -إن شاء الله تعالى- ولا سيما إن كان لغرض يعينه على الانتظار كالانتقال من مكان بارد إلى دافئ أو من حار إلى بارد، أو ليستند إلى حائط ونحو ذلك. بل إن قوله ﵊: "ولا في صلاة ما انتظر الصلاة" يفيد هذا المعنى، والله أعلم (٣). وقد جعل الله تعالى انتظار الصلاة بعد الصلاة من أسباب محو الذنوب وتطهير العبد من خطاياه، فعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات"؟ قالوا: بلى يا رسول الله. قال: "إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط" (٤). فالحديث بعمومه يفيد فضل انتظار الصلاة، والمبادرة بحضور المسجد. فإن الانتظار يشمل انتظار الوقت وانتظار الجماعة، كما يشمل انتظارها في المسجد بالحضور مبكرًا، وانتظارها في البيت أو الشغل أو السوق ليبادر بالحضور، وذلك لتعلق فكره وقلبه بها، فهو دائم الحضور والمراقبة غير ملته عن أفضل العبادات البدنية بشيء (٥). وتأمل كيف شبه النبي ﷺ هذه الأعمال الثلاثة بالرباط الذي هو الإقامة على جهاد العدو بالحرب وارتباط الخيل وإعدادها. مما يؤكد فضل هذه الأعمال وعظيم مكانتها عند الله تعالى. وقد ورد -أيضًا- في فضل المبادرة إلى المسجد التي من لوازمها توطن المسجد حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "ما توطن رجل مسلم المساجد للصلاة والذكر إلا تبشش الله تعالى إليه كما يتبشش أهل الغائب بغائبهم إذا قدم عليهم" (٦). قال ابن الأثير: (البشّ: فرح الصديق بالصديق، واللطف في المسألة والإقبال عليه) (٧). وقد بوب ابن

стр. 46

خزيمة على هذا الحديث بقوله: (باب ذكر فرح الرب تعالى بمشي عبده إلى المسجد متوضيًا) (١). صلاة الملائكة عليه واستغفارهم له: قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤٣]. فهذه نعمة عظيمة أنعم الله بها على عباده الطائعين تستدعي منهم شكرها والإكثار من ذكر الله تعالى الذي لطف بهم ورحمهم وجعل ملائكته يستغفرون لهم. فكان ذلك سببًا في هدايتهم وإخراجهم من ظلمات الذنوب والجهل إلى نور الإيمان والتوفيق والعلم والعمل (٢)، والصلاة من الله تعالى: ثناؤه على عبده في الملأ الأعلى، والصلاة من الملائكة: الدعاء والاستغفار (٣). إن الله تعالى قد كلف الملائكة بالدعاء للذين يؤمون المساجد للصلاة ويجلسون فيها منتظرين الإقامة، أو يمكثون في مصلاهم بعد الصلاة قائلين: اللهم اغفر له! اللهم ارحمه. كما تقدم في حديث أبي هريرة ﵁. فانظر -أخي المسلم- إلى قدرك عند الله تعالى إذا أطعته؛ كلف ملائكته المقربين بالدعاء لك والصلاة عليك، ما أعظمها من نعمة وأكبرها من منحة!! المشي إلى المسجد بسكينة: إن من فوائد التبكير لحضور الصلاة أن المصلي يمشي إليها بسكينة ووقار، لسعة الوقت. أما الذي يأتي متأخرًا فإنه يسرع، ولا يصل المسجد إلا وقد حفزه النفس، وهذا أمر ملاحظ. وسيأتي الكلام في هذا الأدب قريبًا إن شاء الله. دخول المسجد داعيًا: وهذه فائدة أخرى، فإن المبكر للصلاة يتمكن من الإتيان بالدعاء المأثور عند دخول المسجد؛ لأنه لا يخاف فوت الصلاة فيسرع ويخل بهذا الدعاء، وسأذكر ذلك إن شاء الله تعالى. تحصيل الصف الأول: في الصف الأول فضل عظيم دلت عليه الأحاديث الصحيحة، فهو على مثل صف الملائكة. والله تعالى وملائكته يصلون على الصفوف الأولى، وقد صلى النبي الكريم ﷺ على الصف الأول والثاني. وهذه الفضائل لا يظفر بها إلا من سارع لحضور الجماعة، وتقدم للصف الأول، كما سيأتي ذكره إن شاء الله. تحصيل ميمنة الصف: إن تحصيل ميمنة الصف والدنو من الإمام لا يكون لمن جاء متأخرًا، فإن أردت فضيلة ميمنة الصف فعليك بالمبادرة؛ لأن جهة يمين الإمام أشرف وأفضل من جهة يساره؛ ولهذا لما قام ابن عباس ﵄ عن يسار النبي ﷺ أخذ بيده حتى أقامه عن يمينه، وقد بوب البخاري ﵀ على حديث ابن عباس بقوله: "باب: ميمنة المسجد والإمام" قال ابن رجب ﵀: "ويستدل بذلك

стр. 47

على أن جهة يمين الإمام للمأمومين الذين يقومون خلف الإمام أشرف وأفضل من جهة يساره" (١). ولقد كان الصحابة ﵃ يحبون أن يكونوا عن يمين رسول الله ﷺ إذا صلوا؛ يقول البراء ﵁: كنا إذا صلينا خلف رسول الله ﷺ أحببنا أن نكون عن يمينه، يقبل علينا بوجهه، قال: فسمعته يقول: "رب قني عذابك يوم تبعث أو تجمع عبادك" (٢). يقول العلامة محمد شمس الحق تعليقًا على كلام البراء ﵁: (لكون يمين الصف أفضل، ولكونه ﵊ يقبل علينا بوجهه عند السلام أولًا قبل أن يقبل على من يساره) (٣). الدعاء بين الأذان والإقامة: من مواطن إجابة الدعاء: الدعاء بين الأذان والإقامة، وذلك -والله أعلم- لشرف الوقت. فعلى المسلم أن يبادر بالحضور إلى المسجد ويدعو بين الأذان والإقامة؛ لعل الله أن يستجيب له؛ فإن من ألهم الدعاء فقد أريد به الإجابة، لأن الله تعالى يقول: ﴿ادعوني أستجب لكم﴾ وقد ورد عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يرد الدعاء بين الأذان والإقامة" وعند أحمد وابن خزيمة: "الدعاء بين الأذان والإقامة لا يرد فادعوا" (٤). ومثل هذا مقيد بما إذا اجتمعت شروط الدعاء وآدابه، وما لم يكن دعاء بإثم ولا قطيعة رحم، والله أعلم. الصلاة قبل الإقامة: عن عبد الله بن مغفل ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "بين كل أذانين صلاة، بين كل أذانين صلاة"، ثم قال في الثالثة: "لمن شاء" (٥). وهذا الحديث دليل على استحباب النافلة بين الأذان والإقامة؛ لأن المراد بالأذانين: الأذان والإقامة؛ لأن الأذان إعلام بحضور الوقت، والإقامة أذان بفعل الصلاة. والصلاة قبل الإقامة قد تكون تحية المسجد، وقد تكون نفلًا مطلقًا أو مقيدًا. وعن عبد الله بن الزبير قال: قال رسول الله ﷺ : "ما من صلاة مفروضة إلا وبين يديها ركعتان" (٦). إن الصلاة قبل الإقامة حمى للفريضة، وذريعة للمداومة عليها؛ لأن النوافل رياضة للنفس، يستدعي القيام بها أداء الفرض على أكمل وجه، فمن أدى النوافل استمر على الفرائض، ومن قصر في النوافل فهو عرضة لأن يقصر في الواجب، وهذا ملاحظ، والتوفيق من الله (٧). إدراك تكبيرة الإحرام مع الإمام: من ثمار المبادرة إلى المسجد: إدراك تكبيرة الإحرام مع الإمام، وفي ذلك ثواب عظيم، فعن أنس بن

стр. 48

مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من صلى لله أربعين يومًا في جماعة يدرك التكبيرة الأولى كتب له براءتان: براءة من النار، وبراءة من النفاق" (١). قال الطيبي في شرح الحديث: (يؤمنه في الدنيا أن يعمل عمل المنافق، ويوفقه لعمل أهل الإخلاص، وفى الآخرة يؤمنه مما يعذب به المنافق، أو يشهد له أنه غير منافق، فإن المنافقين إذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى، وحال هذا بخلافهم) (٢). قال النووي في شرح المهذب: (يستحب المحافظة على إدراك تكبيرة الإحرام مع الإمام، بأن يتقدم إلى المسجد قبل وقت الإقامة ... ) ثم قال: (واختلف أصحابنا فيما يدرك به فضيلة تكبيرة الإحرام على خمسة أوجه: أصحها: بأن يحضر تكبيرة الإمام، ويشتغل عقبها بعقد صلاته من غير وسوسة ظاهرة، فإن أخر لم يدركها .. ) (٣). ومما يدل على ذلك أن من أهل العلم من قال: إذا أقيمت الصلاة وهو في نافلة قطعها، ليدرك الفريضة من أولها. وسيأتي -إن شاء الله تعالى- الكلام على هذه المسألة. التأمين مع الإمام: عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إذا قال الإمام: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ فقولوا: آمين، فإن من وافق قوله قول الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه" (٤). وعن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: إن رسول الله ﷺ خطبنا، فبين لنا سنتنا، وعلمنا صلاتنا، فقال: "إذا صليتم فأقيموا صفوفكم، ثم يؤمكم أحدكم فإذا كبر فكبروا، وإذا قال: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ فقولوا: أمين، يجبكم الله" (٥). وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "إذا أمّن الإمام فأمنوا؛ فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه" (٦). إن في التأمين وراء الإمام ثوابًا عظيمًا وخيرًا كثيرًا لا يحصل لمن صلى منفردًا. فأولًا: أن الملائكة تؤمّن مع المصلين. والمراد بهم -والله أعلم- من أذن لهم بالتأمين مع الإمام، لا جميع الملائكة، فيما يظهر (٧). وثانيًا: أن من وافق تأمينه تأمين الملائكة وصادفه في الزمن غفر له ما سبق من الذنوب. وثالثًا: أن الله تعالى يستجيب دعاءهم. وهذه الأمور الثلاثة تدل على فضل التأمين والاهتمام به. وهذا إنما يكون بالتقدم إلى المسجد وحضور تأمين الإمام، وانظر إلى هذا القول اليسير الذي لا كلفة فيه كيف ترتبت عليه هذه الفضائل وأهمها

стр. 49

مغفرة الذنوب واستجابة الدعاء! وهذا فضل من الله ونعمة (١). وقد ورد عن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ قال: "ما حسدتكم اليهود على شيء ما حسدتكم على السلام والتأمين" (٢). وظاهر قوله في الحديث المتقدم: "إذا أمّن الإمام فأمّنوا" أن تأمين المأموم يتأخر عن تأمين الإمام؛ لأنه رتب عليه بالفاء، لكن حديث "إذا قال الإمام: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ فقولوا: آمين" يدل على اقتران تأمين المأموم بتأمين الإمام، ليقارن تأمين الملائكة في السماء، وذلك لأن التأمين لقراءة الإمام لا لتأمينه، فلذلك لا يتأخر عنه، ويكون معنى قوله: "إذا أمّن الإمام فأمّنوا" أي: إذا شرع في التأمين، وهذا قول الجمهور. ويؤيد ذلك حديث أبي هريرة ﵁ بلفظ "إذا قال الإمام: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ فقولوا: آمين فإن الملائكة تقول: آمين، وإن الإمام يقول: آمين، فمن وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه" (٣). فعلل باقتران تأمين الإمام والملائكة. ولذا قال العلماء: لا تستحب للمأموم مقارنة إمامه في شيء غير التأمين، والله أعلم (٤). الصلاة بخشوع: اعلم أن الله تعالى أثنى في كتابه العظيم على الخاشعين في صلاتهم. ووعدهم أجرًا عظيمًا فقال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (٣) وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ (٤) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (٧) وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (٨) وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (٩) أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (١٠) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون: ١ - ١١]. ولقد بين النبي ﷺ أثر الخشوع في الصلاة وحضور القلب فيها؛ فقال ﵊ في بيان فضل الوضوء وثوابه: "فإن هو قام، وصلى فحمد الله وأثنى عليه ومجده بالذي هو أهله، وفرغ قلبه لله، إلا انصرف من خطيئته كهيئته يوم ولدته أمه" (٥). وعن عمار بن ياسر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الرجل لينصرف وما كتب له إلا عشر صلاته، تسعها، ثمنها، سبعها، سدسها، خمسها، ربعها، ثلثها، نصفها" (٦). وإن هذا وغيره يحمل المسلم على أن يخشع في صلاته ويقبل على الله تعالى، محاولًا قدر استطاعته التجرد عن كل ما يشغله ويحول بينه وبين الخشوع. يقول ابن كثير ﵀: ( .. والخشوع في

стр. 50

الصلاة إنما يحصل لمن فرغ قلبه لها، واشتغل بها عما عداها، وآثرها على غيرها، وحينئذ تكون راحة له وقرة عين، كما قال النبي ﷺ : "حبب إليّ الطيب والنساء وجعلت قرة عيني في الصلاة .. ") (١). وتعتبر المبادرة لحضور المسجد والانقطاع عن مشاغل الدنيا ومتاعبها في تلك اللحظات من أسباب الخشوع في الصلاة وإقبال المصلي على ربه. فإن المصلي كلما طال لبثه في المسجد واشتغل بالصلاة والقراءة والذكر والدعاء قبل إقامة الفريضة حضر قلبه، وسكنت جوارحه، ووجد نشاطًا وراحة وروحًا، فهو يقول: أصلي فأستريح بصلاتي، كما قال النبي ﷺ : "يا بلال أرحنا بالصلاة" (٢). وإنك لترى علامات الهدوء والطمأنينة بادية على وجوه المبادرين حتى إنهم آخر أهل المسجد خروجًا في الغالب، وهم أولهم دخولًا، وانظر إلى حال المتأخرين الذين تفوتهم الصلاة أو بعضها فهم أسرع الناس خروجًا، مما يدل على أن للمبادرة والبقاء في المسجد لانتظار الفريضة أثرًا كبيرًا. وبعد .. فهذه نبذة لا بأس بها في فضائل المبادرة لحضور الصلاة، لعلك بعد قراءتها أو سماعها تشمر مع المشمرين، راغبًا إلى الله تعالى أن يحقق لك هذه الفضائل، ويمنحك هذه الفوائد، فتكون من المفلحين. الحكم الثالث الدعاء عند الخروج إلى الصلاة إذ ارتدى المصلي ثيابه النظيفة واهتم برائحته وسواكه وخرج من بيته إلى المسجد سنّ له أن يدعو بدعاء النبي ﷺ الذي ورد في حديث ابن عباس ﵄ أنه قال: رقدت عند رسول الله ﷺ فاستيقظ فتسوك، وتوضأ، وهو يقول: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: ١٩٠] فقرأ هؤلاء الآيات حتى ختم السورة، ثم قام فصلى ركعتين، فأطال فيهما القيام والركوع والسجود، ثم انصرف فنام حتى نفخ، ثم فعل ذلك ثلاث مرات ست ركعات، كل ذلك يستاك ويتوضأ، ويقرأ هؤلاء الآيات، ثم أوتر بثلاث، فأذن المؤذن، فخرج إلى الصلاة وهو يقول: "اللهم اجعل في قلبي نورًا، وفي لساني نورًا، واجعل في سمعي نورًا، واجعل في بصري نورًا، واجعل من خلفي نورًا، ومن أمامي نورًا، واجعل فوقي نورًا، ومن تحتي نورًا، اللهم اعطني نورًا ... " (٣). واعلم أخي المسلم أن هذا الدعاء ورد عن النبي ﷺ في مواطن أخرى غير وقت الخروج إلى المسجد، فقد ورد في بعض الروايات عند مسلم: (فجعل يقول في صلاته أو في سجوده)، وعند البخاري في الدعوات: (فصلى ولم يتوضأ، وكان يقول في دعائه)، وعند الترمذي: (سمعت رسول الله ﷺ حين فرغ من صلاته ... ) الحديث، وفيه زيادات.

стр. 51

وهذه الروايات كلها ثابتة، وطريق الجمع بينها أن يدعو المسلم بهذا الدعاء في هذه المواضع كلها، كما أفاد ذلك الحافظ أبن حجر في "تخريج أحاديث الأذكار" (١). وهذه قاعدة في كل عبادة ترد على وجوه متنوعة ثابتة، كأدعية الاستفتاح، وصيغ التشهد، وأدعية الرفع من الركوع، وغير ذلك، فالأفضل أن يفعل هذا تارة، ويفعل هذا تارة؛ ليكون عاملًا بالسنة، وإن كان بعض الأنواع أرجح وأفضل (٢). وأحسب أن هذا الدعاء من السنن المهجورة اليوم، التي قلما يفطن لها كثير من الناس، لا سيما وأنه يحتاج إلى حفظ، فينبغي حفظه والاعتناء به؛ فإنه دعاء عظيم؛ لأنه دعاء بالعلم والهداية، والمسلم إذا اجتمع له نور الفطرة ونور الإيمان ونور العلم حاز الخير كله، وليس كل أحد يصلح لذلك. قال تعالى: ﴿يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [النور: ٣٥]. قال النووي ﵀ في شرح صحيح مسلم: (قال العلماء: سأل النور في أعضائه وجهاته، والمراد به: بيان الحق وضياؤه والهداية إليه، فسأل النور في جميع أعضائه وجسمه وتصرفاته وتقلباته وحالاته وجملته في جهاته الست حتى لا يزيغ شيء منها عنه) (٣). هذا وقد ذكر النووي في كتابه: (الأذكار) أن المصلي إذا خرج من بيته يضم هذا الدعاء إلى الأدعية الواردة فيما يقول من خرج من بيته إلى أي موضع (٤). قلت: ولا سيما إذا كان المسجد بعيدًا. ومن ذلك ما ورد عن أم سلمة ﵂ قالت: ما خرج النبي ﷺ من بيتي قط إلا رفع طرفه إلى السماء فقال: "اللهم إني أعوذ بك أن أضِلّ أو أضَلّ، أو أزِل أو أزَلّ، أو أظِلم أو أظلَم، أو أجهل أو يجهل علي" (٥). وعن أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ قال: "إذا خرج الرجل من بيته فقال: باسم الله، توكلت على الله، لا حول ولا قوة إلا بالله". قال: "يقال حينئذ: هديت وكفيت ووقيت. فتتنحى له الشياطين. فيقول شيطان آخر: كيف لك برجل قد هدي وكفي ووقي؟ " (٦). الحكم الرابع الذهاب إلى المسجد ماشيًا اعلم أنه قد ورد الأجر العظيم في المشي إلى المسجد، وأن أعظم المصلين أجرًا أبعدهم منزلًا. وقد نص فقهاؤنا ﵏ على أنه يسن مقاربة الخطا، وعدم العجلة في الذهاب إلى المسجد؛ لتكثر حسنات الماشي إليه، استنادًا إلى النصوص الشرعية الدالة على فضل كثرة الخطا إلى المساجد. فعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات؛ قالوا: بلى يا رسول الله. قال: "إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد،

стр. 52

وأكثر العلل والآفات. إن السعي إلى بيوت الله تعالى كل يوم في أوقات معلومة متقطعة يكفي لتمرين العضلات وتنشيط الأوصال وتحسين حالة الجسم العامة، كما أن المشي إلى المساجد يساهم في الوقاية من الأمراض التي سببها الخمول وكثرة الجلوس وعلى رأسها السّمن؛ لأن المشي يعمل على إذابة الشحوم والدهون. كما أن المشي علاج لأمراض القلب حيث إنه يعطي القلب -بإذن الله- القدرة على العمل وتحمل الجهود، حيث تكون الدورة الدموية أكثر انتظامًا. كما أن المشي إلى المسجد علاج للتعب الذهني والتفكير الطويل؛ إذ أنه يعيد العقل إلى حالته الطيعية، ويساعد على الاسترخاء العصبي والعضلي. وبالجملة ففي المشي إلى بيوت الله تعالى من الفوائد الصحية الشيء الكثير مما أبان عنه الطب الحديث، وهي فوائد عاجلة ينعم الله تعالى بها على عبده المؤمن في الدنيا حيث لبى النداء وأجاب داعي الله. وهناك الأجر العظيم والنور التام في الدار الآخرة إن شاء الله (١). الحكم الخامس المشي بسكينة ووقار عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إذا سمعتم الإقامة فامشوا إلى الصلاة، وعليكم بالسكينة والوقار، ولا تسرعوا، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا" (٢). وعنه ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إذا ثوّب للصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون، وأتوها وعليكم السكينة، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا، فإن أحدكم إذا كان يعمد إلى الصلاة فهو في صلاة" (٣). وعنه أيضًا ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا ثوّب بالصلاة فلا يسعى إليها أحدكم، ولكن ليمش، وعليه السكينة والوقار، فصلّ ما أدركت، واقض ما سبقك" (٤). إن هذه النصوص تبين أدب الحضور لأداء الصلاة، وأن المصلي يمشي إليها بسكينة ووقار، والسكينة هي: التأني في الحركات واجتناب العبث، والوقار: غض البصر، وخفض الصوت، وعدم الالتفات. ولا ريب أن المسلم إذا حضر المسجد بهذه الصفة فقد حاز على ثلاثة أمور: الأول: الراحة والطمأنينة؛ لأنه إذا أسرع ودخل الصلاة على هذه الحال فإنه يثور نفسه، فلا يحصل له تمام الخشوع في القراءة وغيرها، وهذا ملاحظ، بخلاف ما إذا دخلها وهو ساكن مرتاح فإنه إلى الخشوع والخضوع أقرب. الثاني: امتثال قوله ﷺ : "فإن أحدكم إذا كان يعمد إلى الصلاة فهو في صلاة". أي: أنه في حكم المصلي، فينبغي له اعتماد ما ينبغي للمصلي اعتماده واجتناب ما ينبغي للمصلي اجتنابه. الثالث: كثرة الخطا إلى المسجد، وهذا لا يتأتى مع السرعة. وهو معنى مقصود لذاته وردت فيه

стр. 53

أحاديث، كقوله ﷺ : "إن لكم بكل خطوة درجة" (١). وعن سعيد بن المسيّب قال: حضر رجلًا من الأنصار الموت فقال: إني محدثكم حديثًا ما أحدثكموه إلا احتسابًا؛ سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا توضأ أحدكم فأحسن الوضوء ثم خرج إلى الصلاة لم يرفع قدمه اليمنى إلا كتب الله له حسنة، ولم يضع قدمه اليسرى إلا حط الله عنه سيئة، فليقرب أحدكم أو ليبعد. فإن أتى المسجد فصلى في جماعة غفر له، فإن أتى المسجد وقد صلوا بعضًا وبقي بعض صلى ما أدرك وأتم ما بقي كان كذلك، فإن أتى المسجد وقد صلوا فأتم الصلاة، كان كذلك" (٢). فعلى المصلي أن يخرج إلى صلاته بسكينة ووقار، وأن يجتنب العبث في طريقه إلى المسجد، فلا يتكلم بكلام قبيح؛ لأنه في هذا الموضع أقبح. ولا ينظر على ما لا يحل له، ولا يتعاطى ما يكره، فكل ذلك يتعين اجتنابه، وهو في هذا الموضع أهم. واعلم أن هذه الأحاديث التي فيها الأمر بالمشي إلى الصلاة والنهي عن الإسراع عامة في جميع الأحوال، لا فرق بين أن يخاف فوات تكبيرة الإحرام، أو فوات ركعة، أو فوات الجماعة بالكلية، أو لا يخاف شيئًا من ذلك. كما أنه لا فرق بين الجمعة وغيرها، وهذا هو الصواب إن شاء الله؛ لأن النصوص عامة لم تستثن حالة واحدة، ولا يجوز لأحد أن يخصص نصًا إلا بدليل، بل قد ورد ما يدل على العموم، وهو ما جاء عن قتادة عن أبيه قال: بينما نحن جلوس مع النبي ﷺ إذ سمع جلبة رجال فلما صلى قال: "ما شأنكم"؛ قالوا: استعجلنا إلى الصلاة. قال: "فلا تفعلوا، إذا أتيتم الصلاة فعليكم بالسكينة، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا" (٣). فهذا حديث عام غير مخصّص بسماع الإقامة، وهو دال على العموم في جميع الأحوال، وفي جميع الصلوات، كما تقدم. وأما ما ورد عن بعض الصحابة أنهم كانوا يسرعون إذا سمعوا الإقامة فلعله محمول على أنه لم يبلغهم النهي، ومن لم يبلغه النص لم يكلف أن يكون عالمًا بموجبه. إن أكثر الداخلين إلى المساجد يخلّون بهذا الأدب فتراهم إذا ركع الإمام يسرعون فيشوشون على أنفسهم، بالعجلة وعدم التأني، وعلى غيرهم من المصلين بأصوات أحذيتهم وحركات أرجلهم، وإعلامهم الإمام بدخولهم لينتظرهم، وهذا مخالف للهدي النبوي: "فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا"، ولا يعد المشي بهدوء استهانة بالصلاة كما يفهمه بعض الناس، بل هذا عين الاهتمام بالصلاة، فإن الإنسان في صلاة منذ خروجه من منزله للصلاة. فإن قال قائل: وما معنى قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ .... ﴾ [الجمعة: ٩] مع حديث: "فلا تأتوها وأنتم تسعون"؟ فالجواب -والله أعلم- أن المراد بالسعي في الحديث: الإسراع والعدو، بدليل مقابلة السعي بالمشي

стр. 54

في قوله: "وأتوها وأنتم تمشون"، فيكون الحديث نهيًا عن الإسراع. وأما السعي في الآية الكريمة فهو: المضيّ والذهاب. يقال: سعيت في كذا أو إلى كذا: إذا ذهبت إليه وعملت فيه. قال البخاري -رحمه الله تعالى- في صحيحه في كتاب الجمعة: (باب المشي إلى الجمعة. وقول الله جل ذكره: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾، ومن قال: السعي: العمل والذهاب؛ لقول الله تعالى: ﴿وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا﴾ [الإسراء: ١٩] ثم ذكر حديث أبي هريرة ﵁: "إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها تسعون" وتقدم بلفظ آخر، وإيراد البخاري حديث أبي هريرة ﵁ في هذا الباب بعد الآية يشعر بأنه يرى أنه لا فرق بين الجمعة وغيرها، كما ذكره الحافظ في الفتح (١). وعلى هذا يكون المراد بالسعي في الآية -والله أعلم- هو المضي إلى الجمعة والذهاب إليها، مع الجد والمبادرة ومراعاة ما جاء في السنة من السكينة والوقار). قال الراغب الأصفهاني: (السعي: المشي السريع. وهو دون العدو، ويستعمل للجد في الأمر خيرًا كان أو شرًا، قال تعالى: ﴿وَسَعَى فِى خَرَابها﴾ [البقرة: ١١٤]، وقال تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا﴾ [الإسراء: ١٩] وأكثر ما يستعمل في الأفعال المحمودة .. ) (٢). ولا يعارض ما قررناه لك ما ورد في حديث أبي بكرة ﵁ في شأن الكسوف قال: (خسفت الشمس ونحن عند النبي ﷺ فقام يجرّ ثوبه مستعجلًا حتى أتى المسجد)، فإن سبب ذلك فزعه ﷺ ، كما دل عليه حديث أبي موسى ﵁ قال: (خسفت الشمس فقام النبي ﷺ فزعًا يخشى أن تكون الساعة ... ) (٣). فتكون هذه السرعة لصلاة الكسوف من الأحوال العارضة؛ لوجود المقتضي لها وهو الفزع، والله أعلم. الحكم السادس لا يشبك بين أصابعه وهذا من آداب الخروج إلى المسجد التي نهي المصلي عنها، كما في حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إذا توضأ أحدكم في بيته ثم أتى المسجد كان في صلاة حتى يرجع، فلا يفعل كذا" وشبك بين أصابعه (٤). وعن أبي ثمامة الحنّاط أن كعب بن عجرة أدركه وهو يريد المسجد، أدرك أحدهما صاحبه، قال: فوجدني وأنا مشبك بيد، فنهاني عن ذلك وقال: إن رسول الله ﷺ قال: "إذا توضأ أحدكم فأحسن وضوءه ثم خرج عامدًا إلى المسجد فلا يشبكن يديه فإنه في صلاة ... " (٥). فهذا وما قبله دليل على النهي عن تشبيك الأصابع حال المشي إلى المسجد للصلاة؛ لأن هذا العامد

стр. 55

إلى المسجد في حكم المصلي. قال الخطابي ﵀: (تشبيك اليد هو: إدخال الأصابع بعضها في بعض، والاشتباك بهما، وقد يفعله بعض الناس عبثًا، وبعضهم ليفرقع أصابعه عندما يجده من التمدد فيها، وربما قعد الإنسان فشبك بين أصابعه واحتبى بيديه، يريد به الاستراحة، وربما استجلب به النوم، فيكون ذلك سببًا لانتقاض طهره، فقيل لمن تطهر وخرج متوجهًا إلى الصلاة: لا تشبك بين أصابعك؛ لأن جميع ما ذكرناه من هذه الوجوه على اختلافها لا يلائم شيء منها الصلاة ولا يشاكل حال المصلي) (١). وقد ورد في حديث أبي هريرة ﵁ في قصة ذي اليدين في موضوع سجود السهو بلفظ: (فقام إلى خشبة معروضة في المسجد، فاتكأ عليها، كأنه غضبان، ووضع يده اليمنى على اليسرى، وشبك بين أصابعه ... ) (٢). ولا منافاة بين هذا وما قبله؛ لأن هذا التشبيك وقع بعد انقضاء الصلاة في حكم المنصرف عن الصلاة، ويكون النهي خاصًا بالمصلي؛ لأن ذلك من العبث وعدم الخشوع، أو بمن قصد ظنه، فهو في المسجد، كما تقدم (٣). ومما يحسن التنبيه عليه أن من المصلين من يعبث بأصابعه يفرقعها بغمز مفاصلها حتى تصوت -كما قال الخطابي- وهذا عبث لا يليق بالمصلي، وهو دليل على عدم الخشوع، إذ لو خشع القلب لخشعت الجوارح وسكنت. وعن شعبة مولى ابن عباس قال: صليت إلى جنب ابن عباس ففقّعت أصابعي، فلما قضيت الصلاة قال: لا أمّ لك! تفقع أصابعك وأنت في الصلاة! (٤). الحكم السابع في حضور الصبيان المساجد الصبيان: جمع صبي، وهو في اللغة: من حين يولد إلى أن يفطم، أما الفقهاء فيقولون: الصبي من دون البلوغ (٥)، وهذا هو المراد بموضوعنا هنا، ويؤيد ذلك الحديث الآتي: "مروا الصبي بالصلاة إذا بلغ سبع سنين" فسماه صبيًا وقد جاوز السابعة. فإن كان مميزًا وهو من بلغ سبع سنين، فإن وليه يحضره إلى المسجد؛ لأنه مأمور بتكليفه بالصلاة إذا بلغ هذه السن. لما ورد عن سبرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "مروا الصبي بالصلاة إذا بلغ سبع سنين. وإذا بلغ عشر سنين فاضربوه عليها" (٦). وقد دل هذا الحديث على مسألتين: الأولى: أن ولي الصبي من أب أو جد أو أخ أو وصي أو غيرهم مكلّف من قبل الشرع بأن يأمر الصغير بالصلاة: ذكرًا كان أم أنثى، وتعليمه ما تتوقف عليه صحة الصلاة من الشروط والأركان، وذلك إذا أكمل سبع سنين؛ لأن التمييز يحصل بعدها غالبًا. وكثير من الأولياء قد تساهل في هذا الأمر العظيم،

стр. 56

ولا سيما مع البنات. وهذا الأمر للصغير وإن كان أمر تدريب لا أمر إيجاب، لكن له فوائد عظيمة، والشارع الحكيم لا يأمر إلا بما فيه مصلحة. المسألة الثانية: إن الحديث يدل على الإذن للصبيان بدخول المساجد؛ لأنها أماكن أداء الصلاة. وعلى ولي الصغير أن يعوده الذهاب على المسجد وحضور الجماعة، فيأخذه معه، ويجعله بجانبه، لينشأ على حب العبادة والتعلق بالمسجد، فيسهل عليه الأمر بعد البلوغ. وأما إذا كان الصبي غير مميز، فقد ورد في نصوص الشريعة ما يدل على جواز دخوله المسجد، وهي نصوص صحيحة صريحة، رواها عدد من الصحابة ﵃ بألفاظ متعددة ... ومن ذلك ما روى أبو قتادة الأنصاري ﵁ أن رسول الله ﷺ كان يصلي وهو حامل أمامه بنت زينب بنت رسول الله ﷺ ، ولأبي العاص بن ربيعة بن عبد شمس، فإذا سجد وضعها وإذا قام حملها. وفي لفظ: (رأيت النبي ﷺ يؤم الناس، وأمامه بنت أبي العاص ... على عاتقه .. ) (١). فهذا الحديث دل على مسألتين: الأولى: جواز إحضار الصبي إلى المسجد وإن كان صغيرًا، لما ورد في بعض الروايات: (بينما نحن في المسجد جلوسًا خرج علينا رسول الله ﷺ يحمل أمامه ... وهي صبية .. ) (٢)؛ وجواز حمله في الصلاة ولو كانت فريضة لقوله: (رأيت رسول الله ﷺ يؤم الناس .. ) الحديث. الثانية: أن ثياب الأطفال وأبدانهم طاهرة ما لم تعلم نجاستها (٣)، وعليه فلا يجوز منعهم من المساجد لمجرد احتمال تنجيسهم لها. ومن الأدلة -أيضًا- ما ورد عن عائشة ﵂ قالت: أعتم رسول الله ﷺ في العشاء حتى ناداه عمر: قد نام النساء والصبيان .. الحديث (٤). فدل هذا الحديث على مسألتين: الأولى: جواز دخول الصبيان المساجد، وحضورهم الصلوات، وهو صريح في أن ذلك وقت صلاة العشاء في ظلمة الليل. وقد بوب البخاري ﵀ على هذا الحديث بقوله: (باب وضوء الصبيان .. -إلى قوله-: وحضورهم الجماعة والعيدين والجنائز وصفوفهم)، وهنا يدل على أن البخاري فهم أن هولاء الصبيان كانوا حضورًا في المسجد، وهذا هو الظاهر. خلافًا لمن قال: إن المراد: ناموا في البيوت؛ لأن عمر ﵁ نبه النبي ﷺ إلى أنهم ناموا، ولو كان ذلك النوم في البيوت لكان طبيعيًا ولا حاجة للتنبيه إليه (٥). وإنما خصهم بذلك؛ لأنهم مظنة قلة الصبر عن النوم، ومحلّ الشفقة والرحمة، بخلاف الرجال (٦).

стр. 57

المسألة الثانية: أن لفظ "الصبيان" في الحديث جمع معرف باللام، فيعم كل صبي صغيرًا كان أو كبيرًا. وأما منع الصبيان من دخول المساجد بحجة التشويش على المصلين بما يحدث منهم من بكاء أو صراخ أو لعب، فهذا مردود؛ لأن الصبي إن كان مميزًا أمكن تأديبه وتعليمه السلوك الطيب والأخلاق الحميدة، لا سيما في بيوت الله. فيتعلم الإنصات، وحسن الاستماع، والهدوء؛ لأن ما يسمع من هولاء المميزين من الألفاظ السيئة، والعبارات البذيئة، والحركات التي لا تناسب المسجد إنما هو بسبب إهمال الأولياء، وعدم العناية بهذه الناشئة. ومن أسباب ذلك: ترك الصغار في الصف متجاورين فيحصل منهم اللعب والحركات التي تشوش على المصلين عمومًا وعلى من يجاورهم خصوصًا. أما إذا فرّق بينهم، أو صلى صبي بجانب وليه فإنه يزول هذا المحذور. وهذا هو الواجب على الأولياء وجماعة المسجد الذين يكثر الصبيان فيهم، وإن تركوهم وشأنهم صاروا مصدر إزعاج. وقد يصعب علاج الأمر إن لم يتدارك من أوله. وهذا أمر مشاهد وملحوظ. وإن كان الصبي غير مميز فيمكن حمله في الصلاة، كما فعل النبي ﷺ ، أو تلهيته بشيء من اللعب، كما ثبت في السنة (١). وإذا تقدم الصبيان -ولا سيما المميزون- إلى الصف الأول أو كانوا وراء الإمام فإنه لا ينبغي إبعادهم -على الراجح من قولي أهل العلم- لما يلي: ما ورد في حديث ابن عمر ﵄ قال: نهى النبي ﷺ أن يقيم الرجل أخاه من مقعده ويجلس فيه، وفي لفظ: (أن يقيم الرجل الرجل) (٢)، فهذا نهي صريح في إقامة الرجل أخاه من مكانه ثم يجلس فيه، والصبي المميز داخل في هذا الحكم. قال القرطبي: (نهيه ﷺ عن أن يقام الرجل من مجلسه إنما كان ذلك لأجل أن السابق لمجلس قد اختص به إلى أن يقوم باختياره عند فراغ غرضه، فكأنه قد ملك منفعة ما اختص به من ذلك، فلا يجوز أن يحال بينه وبين ما يملكه .. ) (٣). أن إبقاءهم في أماكنهم فيه ترغيب لهم في الصلاة، واعتياد المسجد. أما طردهم وإبعادهم -كما يفعله كثير من الناس (٤) - فهذا فيه محاذير عديدة منها: أن هذا مخالف لما كان عليه سلف الأمة، فإنه لو كان تأخير الصبيان أمرًا مشهورًا لاستمر العمل عليه، كتأخير النساء، ولنقل كما نقلت الأمور المشهورة نقلًا لا يحتمل الاختلاف (٥).

стр. 58

وأما ما ورد من أن بعض السلف أخّر الصبي فهو إما رأي صحابي، أو محمول على صبي لا يعقل الصلاة، ويعبث فيها (١). أن طرد الصبي من الصف الأول يؤدي إلى كسر قلبه، وتنفيره من الصلاة، وبغضه المسجد. والشارع الحكيم يحرص على ترغيبهم في الصلاة وحضور المسجد. أن هذا قد يؤدي إلى اجتماع الصبيان في مكان واحد متأخر، وهو سبب في عبثهم وتشويشهم. أن هذا الصبي يكره الرجل الذي أقامه من مكانه ويحقد عليه، ويدوم على ذكره بسوء؛ لأن الصغير عادة لا ينسى ما فعل به (٢). ثم إن إحضار الصبيان للمسجد ليس مقصورًا على تعليمهم الصلاة وترغيبهم في المسجد، بل هناك مقاصد أخرى منها: أن يكون الصبي صغيرًا وليس له في البيت من يرعاه وقت الصلاة فيصحبه المصلي معه. أو يكون الإنسان في السوق أو في الطريق ومعه ابنه فتحضر الصلاة فيدخله المسجد معه. ونحو ذلك مما يعرض ولا سيما في أوقات الصلاة. أما ما ورد في حديث أبي مسعود ﵁ من قوله ﷺ : "ليلني منكم أولو الأحلام والنهي، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم" (٣) فهذا لا يفيد تأخير الصغار عن أماكنهم، وإنما هو حث لأولى الأحلام والنهي -وهم أصحاب العقول- على التقدم ليكونوا وراء الإمام، لتنبيهه على سهو إن طرأ، أو استخلاف أحدهم إن احتاج إلى ذلك. ولو كان المراد النهي عن تقدم الصبيان لقال: لا يلني إلا أولو الأحلام والنهي (٤). وتجوز مصافة الصبي، وذلك بأن يقف معه رجل بالغ في صف واحد، أو يصلي بالغ بعدد من الصبيان، فيكونون صفًا -وهذا على الراجح من قولي أهل العلم، وهو قول الجمهور- لورود أدلة صحيحة صريحة تفيد ذلك؛ ومن ذلك حديث أنس بن مالك ﵁ أن جدته مليكة ﵂ دعت رسول الله ﷺ لطعام صنعته، فأكل منه، فقال: "قوموا فلأصل بكم"، فقمت إلى حصير لنا قد اسودّ من طول ما لبث فنضحته بماء، فقام رسول الله ﷺ واليتيم معي، والعجوز من ورائنا، فصلى بنا ركعتين (٥). فهذا الحديث دليل على جواز مصافة البالغ الصبي؛ لأن هذا اليتيم صفّ مع أنس ﵁ خلف النبي ﷺ . واليتيم: من مات أبوه ولم يبلغ. الحكم الثامن في دخول الجنب والحائض المسجد دخول الجنب والحائض المسجد إما أن يكون عبورًا ومرورًا به لأخذ شيء منه كسجادة أو كتاب ونحو ذلك، أو يكون لبثًا وجلوسًا فيه.

стр. 59

فإن كان مرورًا به فإنه يجوز ذلك للجنب والحائض على الراجح من أقوال أهل العلم، لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ [النساء: ٤٣]. والمراد بالصلاة: أماكنها وهي المساجد، والمعنى: لا تقربوا المصلّى للصلاة وأنتم سكارى .. ولا تقربوه جنبًا حتى تغتسلوا ﴿إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ أي: مجتازين للخروج منه، وقد روي ذلك عن ابن مسعود وابن عباس بأسانيد فيها مقال، وثبت هذا التفسير عن جماعة من التابعين كسعيد بن المسيب، والحسن البصري، وإبراهيم النخعي (١). وذهب إلى هذا التفسير الشافعي، كما في كتابه "الأم" ونقله عنه ابن المنذر (٢). ورجحه ابن جرير وابن كثير وقال: وهو الظاهر من الآية. ومال إليه القرطبي والشوكاني في تفسيرهما (٣)، قالوا: ولا يراد بالآية: الصلاة، وبقوله: ﴿إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ المسافر؛ لأن التيمم لا يخص المسافر، ولأنه بين حكم المسافر في آخر الآية ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ وقد ذهب شيخ الإسلام ابن تيمية إلى أن النهي في الآية عن قربان الصلاة وعن قربان موضعها (٤). وأما الحائض فقد ورد عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال لها: "ناوليني الخُمرة من المسجد"، قالت: إني حائض، قال: "إن حيضتك ليست في يدك" (٥). فهذا يدل على جواز مرور الحائض في المسجد وأنها ليست نجسة، ولكن النجس منها هو موضع الدم وهو الفرج؛ لأن الرسول ﷺ أمرها أن تأتيه بالخمرة من المسجد. والخُمرة: بضم الخاء: حصير صغير. وأما لبث الجنب في المسجد فلا يجوز، على الراجح من أقوال أهل العلم، استدلالًا بالآية السابقة، وأخذًا بحديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: "لا أحل المسجد لحائض ولا جنب" (٦). لكن إن توضأ الجنب جاز له اللبث على ما قال الإمام أحمد. واختاره ابن تيمية (٧) لما روى حنبل بن إسحاق عن أبي نعيم، عن هشام بن سعد عن زيد بن أسلم قال: كان أصحاب رسول الله ﷺ يتحدثون في المسجد على غير رضوء، وكان الرجل يكون جنبًا فيتوضأ، ثم يدخل المسجد فيتحدث (٨).

стр. 60

وعن عطاء بن يسار قال: رأيت رجالًا من أصحاب رسول الله ﷺ يجلسون في المسجد وهم مجنبون إذا توضئوا وضوء الصلاة (١). وأما الحائض -ومثلها النفساء- فليس في منعها من المسجد إلا حديث عائشة -المتقدم- والأحوط ألا تلبث في المسجد إلا لضرورة -كما قال ابن تيمية- كما لو خافت على نفسها أو كان البرد شديدًا أو كان فيه مطر أو نحو ذلك (٢). ويدخل في حكم المسجد ساحته، ومكتبة المسجد -على ما تقدم في أول الكتاب- فلا تلبث فيها الحائض لاستماع محاضرة أو درس أو نحو ذلك؛ لأن لها حكم المسجد. والله أعلم. أحكام حضور المسجد وفيه خمسة وعشرون حكمًا: الحكم الأول تعاهد النعلين كل مسلم مطالب بنظافة المسجد كنظافة منزله بل أشد، فتصان المساجد عن كل وسخ وقذر، وكل رائحة كريهة، ويتعين في حق داخل المسجد أن يتعاهد نعله عند إرادة دخول المسجد؛ لإزالة ما علق بها من أذى يكون سببًا في نجاسة المسجد إذا تساقط فيه، ولا ريب أن ساحة المسجد ورحبته في حكم المسجد، ويكثر كونها طريقًا إلى الجزء الداخلي من المسجد، ومن هنا يتعين الاهتمام بها وصيانتها من أذى النعلين. وقد ورد عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: بينما رسول الله ﷺ يصلي بأصحابه إذ خلع نعليه فوضعهما عن يساره، فلما رأى ذلك القوم ألقوا نعالهم، فلما قضى رسول الله ﷺ صلاته قال: "ما حملكم على إلقائكم نعالكم؟ " قالوا: رأيناك ألقيت نعليك فألقينا نعالنا، فقال رسول الله إلى: "إن جبريل ﵇ أتاني فأخبرني أن فيها قذرًا -أو قال:- أذى" وقال: "إذ جاء أحدكم إلى المسجد فلينظر، فإن رأى في نعيه قذرًا أو أذى فليمسحه ويصلّ فيهما" (٣). فهذا الحديث دلّ على مسائل: الأولى: مشروعية الصلاة في النعال، وأن الصحابة ﵃ كانوا يصلون في نعالهم، وفي هذا مخالفة لليهود، فإنهم لا يصلون في نعالهم. وقد دلّ على مشروعية الصلاة بالنعال نصوص كثيرة منها: ما رواه أبو مسلمة سعيد بن يزيد الأزدي قال: سألت أنس بن مالك: أكان النبي ﷺ يصلي في نعليه؟ قال: نعم (٤).

стр. 61

وعن يزيد بن عبد الله بن الشخير عن أبيه قال: رأيت رسول الله ﷺ يصلي في نعليه (١). وينبغي للمسلم أن يصلي في نعليه أحيانًا، لا سيما إذا كان المسجد غير مفروش، أو في رحبته، أو مصلى العيد، أو في الصحراء لسفر أو نزهة ونحوهما، ومن فوائد ذلك تطبيق السنة، وإشاعتها بين الناس. ويرى فريق من أهل العلم استحباب الصلاة في النعال. ويرى آخرون أن الصلاة بها من الرخص، لا من المستحبات؛ لأن ذلك لا يدخل في المعنى المطلوب من الصلاة، ولبس النعال في الصلاة وإن كان ملابس الزينة إلا أن ملامسة الأرض التي تكثر فيها النجاسات قد تقصر عن هذه الرتبة (٢). أما إذا كان المسجد مفروشًا فإنه لا يصلي في نعليه لأمرين: الأول: أن المساجد لا تسلم من تلويث فرشها حتى مع العناية بالنعال وتفقدها؛ لأن الفرش سريعة التأثر باللون والرائحة، ولذا قال ابن عابدين: "إذا خشي تلويث فرش المسجد ينبغي عدمه -أي عدم الصلاة بالنعال- وإن كانت طاهرة" (٣)، وقال ابن دقيق العيد: (وإذا تعارضت مراعاة مصلحة التحسين ومراعاة إزالة النجاسة قدمت الثانية؛ لأنها من باب دفع المفاسد، والأخرى من باب جلب المصالح) (٤). الأمر الثاني: أن الغالب على الناس الغفلة عن العناية بنعالهم حين يدخلون المسجد، لا سيما إذا اعتادوا دخول المساجد بها فإنه مع طول الزمن تضعف عنايتهم بها. المسألة الثانية: أن مسح النعل ودلكها بالأرض مطهر لها من القذر والأذى (٥)، فليحرص المسلم على مسح نعله ودلكها بالأرض عند دخول المسجد ولو لم يرد الصلاة بها، لئلا يؤدي ذلك إلى تساقط الأذى في المسجد، وهذا أمر تركه كثير من الناس، نتيجة العجلة في دخول المسجد. الثالثة: أن المصلي إذا خلع نعليه وكان وحده وضعهما عن يساره، وإذا كان مع غيره في الصف وكان عن يمينه وعن يساره ناس فإنه يضعهما بين رجليه؛ لما ورد عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: "إذا صلى أحدكم فخلع نعليه فلا يؤذي بهما أحدًا، ليجعلهما بين رجليه أو ليصلّ فيهما" (٦). وبعض المصلين يضع نعليه أمامه، أو خلفه، أو عن يمين غيره، فيؤذي بهما الآخرين، ولا سيما مع تقارب الصفوف، كما في ساحة المسجد الحرام، والمقصود هو عدم أذية الآخرين، فليتصرف فيهما بعيدًا عن ذلك. الحكم الثاني تقديم اليمنى عند الدخول اعلم أن لدخول المسجد صفة خاصة، وهي تقديم الرجل اليمنى؛ لأن اليمين أعدت لكل ما هو من باب التكريم، واليسار لما هو بضد ذلك، وهذه الصفة يخل بها كثيرون جهلًا أو عجلة، مع أنه ثبت فيها نصوص عامة ونصوص خاصة.

стр. 62

فعن أنس ﵁ أنه قال: (من السنة إذا دخلت المسجد أن تبدأ برجلك اليمنى، وإذا خرجت أن تبدأ برجلك اليسرى) (١). قال في فتح الباري: (والصحيح أن قول الصحابي: "من السنة كذا" محمول على الرفع) (٢). قال البخاري ﵀ في صحيحه: (باب التيمن في دخول المسجد وغيره) وكان ابن عمر يبدأ برجله اليمنى، فإذا خرج بدأ برجله اليسرى، ثم ذكر حديث عائشة ﵂ بلفظ: (كان النبي ﷺ يحب التيمن ما استطاع في شأنه كله في طهوره وترجله وتنعله) (٣). قال العيني: (مطابقته للترجمة من حيث عمومه؛ لأن عمومه يدل على البداءة باليمين في دخول المسجد) (٤). وقال ابن علان في شرح الأذكار: (وخصت اليمنى بالدخول؛ لشرفه واليسرى بالخروج؛ لخسته، وهذا مما ينبغي الاعتناء بها كغيره من الآداب) (٥). الحكم الثالث الدعاء عند دخول المسجد لما كانت المساجد أحب البقاع إلى الله تعالى؛ لأنها بيوت الطاعة ومظنة لنزول الرحمة وأساسها على التقوى، فيها يعبد الله ويوحد، أرشد النبي ﷺ إلى من دخل المسجد إلى أدعية جامعة مناسبة للحال، فقد ورد عن أبي حميد أو أبي أسيد قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا دخل أحدكم المسجد فليقل: اللهم افتح لي أبواب رحمتك، وإذا خرج فليقل: اللهم إني أسألك من فضلك" (٦). وعن عبد الله بن عمرو بن العاص، عن النبي ﷺ : أنه كان إذا دخل المسجد قال: "أعوذ بالله العظيم، وبوجهه الكريم، وسلطانه القديم من الشيطان الرجيم"، قال عقبة لحيوة: أقط؟ قلت: نعم. قال: "فإذا قال ذلك قال الشيطان: حفظ مني سائر اليوم" (٧). وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إذا دخل أحدكم المسجد فليسلم على النبي ﷺ وليقل: اللهم افتح لي أبواب رحمتك، وإذا خرج فليسلم على النبي ﷺ وليقل: اللهم أجرني من الشيطان الرجيم" (٨).

стр. 63

وسر تخصيص طلب الرحمة بالدخول وسؤال الفضل بالخروج أن من دخل المسجد اشتغل بما يقربه إلى الله تعالى وإلى رضوانه وجنته من الصلاة والذكر والدعاء، فناسب ذكر الرحمة، وإذا خرج اشتغل بابتغاء الرزق الحلال فناسب ذكر الفضل، قال تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الجمعة: ١٠] (١). فإذا دخل المسجد وانتهى إلى الصف سنّ له أن يدعو بما ورد في حديث سعد بن أبي وقاص ﵁ أن رجلًا جاء إلى الصلاة ورسول الله ﷺ يصلي فقال حين انتهى إلى الصف: اللهم آتني أفضل ما تؤتي عبادك الصالحين، فما قضى رسول الله ﷺ الصلاة، قال: "من المتكلم آنفًا"؟ قال الرجل: أنا يا رسول الله، قال: "إذ يعقر جوادك، وتستشهد في سبيل الله" (٢). وكثير من الناس لا يعرف هذه الأدعية، أو يخلّ بها، أو يقولها على صفة تخالف ما هي عليه، فليحرص المصلي على الدعاء. فما أقرب الإجابة لمن توفرت عنده شروط الدعاء!! الحكم الرابع التقدم للصف الأول من آداب حضور المساجد: التقدم للصف الأول، والقرب من الإمام، كما دلت على ذلك النصوص؛ لما في الصف الأول من الفضل العظيم. فعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا، ولو يعلمون ما في التهجير لاستبقوا إليه، ولو يعلمون ما في العتمة والصبح لأتوهما ولو حبوًا" (٣). والتهجير: التبكير إلى الصلاة، والمبادرة إليها (٤). وعنه أيضًا ﵁ عن النبي ﷺ قال: "لو تعلمون، أو يعلمون، ما في الصف المقدم لكانت قرعة". وفي رواية: "ما كانت إلا قرعة" (٥). وعن أبيّ بن كعب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "الصف الأول على مثل صف الملائكة، ولو تعلمون فضيلته لابتدرتموه" (٦). وعن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ رأى في أصحابه تأخرًا، فقال لهم: "تقدموا فائتموا بي وليأتم بكم من بعدكم، لا يزال قوم يتأخرون حتى يؤخرهم الله" (٧). فهذه الأحاديث وغيرها تدل على فضل الصف الأول، وأنه ينبغي الحرص عليه بالتبكير إلى الصلاة،

стр. 64

حتى أنه لو أدى الأمر إلى القرعة لكانت مشروعة فيه. والمراد بالصف الأول: هو ما يلي الإمام، سواء جاء صاحبه متقدمًا أو متأخرًا، وإن كان المتقدم حاز فضيلة التبكير فجمع بين الفضيلتين. وفي الصف الأول مزايا عظيمة ينبغي للمسلم أن يهتم بها ويحرص على الظفر بها. وقد ذكر الحافظ ابن حجر في فتح الباري طرفًا منها. فمن ذلك: المسارعة إلى خلاص الذمة، والسبق لدخول المسجد، والقرب من الإمام، واستماع قراءته، والتعلم منه، والفتح عليه، والسلامة من اختراق المارة بين يديه، وسلامة البال من رؤية من يكون قدامه، وسلامة موضع سجوده من أذيال المصلين (١). ومن الناس من لا يهتم بالصف الأول مع إمكان الصلاة والجلوس فيه، فتراه يدخل المسجد مبكرًا ويقف متنفلًا وسط المسجد، أو في مؤخره، أو يقف في طرف الصف الأول مع خلوه من جهة الإمام، وهذا رغبة عن الخير، وزهد فيه، مبعثه الجهل أو عدم المبالاة باكتساب الفضائل، فالله المستعان. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (فمن جاء أول الناس وصف في غير الأول فقد خالف الشريعة، وإذا ضم إلى ذلك إساءة الصلاة أو فضول الكلام أو مكروهه أو محرمه ونحو ذلك مما يصان المسجد عنه، فقد ترك تعظيم الشرائع، وخرج عن الحدود المشروعة من طاعة الله، وإن لم يعتقد نقص ما فعله ويلتزم اتباع أمر الله استحق العقوبة البليغة التي تحمله وأمثاله على أداء ما أمر الله به وترك ما نهى الله عنه، والله أعلم) (٢). وينبغي لطلبة العلم أن يتقدموا إلى الصف الأول؛ لأنهم داخلون في قوله ﷺ : "ليلني منكم أولو الأحلام والنهى، ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم .. " (٣). قال النووى: (وفي هذا الحديث تقديم الأفضل فالأفضل إلى الإمام؛ لأنه أولى بالإكرام، ولأنه ربما احتاج الإمام إلى استخلاف، فيكون هو أولى، ولأنه يتفطن لتنبيه الإمام على السهو لما لا يتفطن له غيره، وليضبطوا صفة الصلاة ويحفظوها، وينقلوها ويعلموها الناس، وليقتدي بأفعالهم من وراءهم .. ) (٤). وقال في الإنصاف: (السنة أن يتقدم في الصف الأول أولو الفضل والسن، وأن يلي الإمام أكملهم وأفضلهم، قال الإمام أحمد: يلي الإمام الشيوخ وأهل القرآن ويؤخر الصبيان) (٥). وهذا الحكم -وهو الحث على الصف الأول والدنو من الإمام- خاص بالرجال، أما النساء إذا حضرن المساجد فيتعين في حقهن التأخر والبعد عن الإمام وعن صفوف الرجال، كما سيأتي بيانه في الباب الثالث، إن شاء الله تعالى، والله أعلم. المكان الفاضل في المسجد النبوي: اعلم أن المكان الفاضل في مسجد رسول الله ﷺ هو الذي أمام المحراب النبوي في الزيادة التي في قبلة المسجد، وليس ما يفهمه كثير من الناس من أن المكان الفاضل هو في المسجد القديم، الذي كان في عهده ﷺ دون ما زاده عمر وعثمان ﵄ والذي هو موضع المحراب اليوم. إن عمر ﵁ كان يقف في تلك الزيادة ووراءه الصحابة ﵃ وهم متوافرون

стр. 65

ومتفقون على أن هذا هو المكان الفاضل، وهل يظن بهم أنهم يتركون المكان الفاضل ويعتقدون أن الصلاة في غير موضعهم أفضل؟! والناس اليوم يزدحمون للصلاة في موضع المسجد القديم اعتقادًا منهم أنه أفضل، فترى الصفوف تتكامل في ذلك الموضع دون الزيادة، وهذا وإن كان الدافع إليه محبة الرسول ﷺ لكن فيه مخالفات شرعية منها: ترك وصل الصفوف وإتمام الأول فالأول، وقد ثبت ما يدل على الأمر بوصل الصفوف وأن من وصل صفًا وصله الله ومن قطع صفًا قطعه الله. تفويت الصلاة في الصف الأول مع إمكانه لمن يحضر متقدمًا ولكنه يرغب عنه، ومن المعلوم أن الصف الأول هو الذي يلي الإمام، كما أسلفنا، وقد حث النبي ﷺ على المبادرة بحضور المساجد والدنو من الإمام، كما تقدم -أيضًا-. أن في ذلك مخالفة لهدي الصحابة ﵃ فإن عمر ﵁ أمَّ الصحابة في هذه الزيادة، ولا ريب أنهم كانوا يتسابقون للصلاة وراء الإمام ويحرصون على الصف الأول. فليحرص المسلم على الصف الأول في المسجد النبوي كغيره من المساجد، ولا يغتر بمن يتأخر عنها ويصلي في موضع المسجد القديم. ولا يقال: إن هذه الزيادة ليست من المسجد، فإن صلاة الصحابة فيها دال على أنها في حكم المسجد قطعًا. وأما قوله ﷺ : "صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة أو كألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا أن يكون المسجد الحرام" (١)؛ فهذا لم يقصد به نفي مضاعفة الأجر في الإضافات الحادثة، ولكن المراد به -والله أعلم- نفي التضعيف في المساجد التي بناها الرسول ﷺ في المدينة كمسجد قباء، فأكد أن التضعيف خاص بمسجده بقوله: "هذا" ولم يقصد إخراج ما سيزاد فيه، والله أعلم (٢). وقد رأيت لشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كلامًا نفيسًا حول هذا الموضوع، فأنقله هنا، يقول ﵀: (وقد جاءت الآثار بأن حكم الزيادة في مسجده ﷺ حكم المزيد، تضعّف فيه الصلاة بألف صلاة، كما أن المسجد الحرام حكم الزيادة فيه حكم المزيد، فيجوز الطواف فيه والطواف لا يكون إلا في المسجد لا خارجًا منه، ولهذا اتفق الصحابة على أنهم يصلون في الصف الأول من الزيادة التي زادها عمر ثم عثمان، وعلى ذلك عمل المسلمين كلهم، فلولا أن حكمه حكم مسجده لكانت تلك صلاة في غير مسجده، والصحابة وسائر المسلمين بعدهم لا يحافظون على العدول عن مسجده إلى غير مسجده، ويأمرون بذلك)، ثم قال: (وهنا الذي جاءت به الآثار، وهو الذي يدل عليه كلام الأئمة المتقدمين وعملهم، فإنهم قالوا: إن صلاة الفرض خلف الإمام أفضل، وهنا الذي قالوه هو الذي جاءت به السنة، وكذلك كان الأمر على عهد عمر وعثمان ﵄ فإن كليهما مما زاد من قبلي المسجد، فكان مقامه في الصلوات الخمس في الزيادة، وكذلك مقام الصف الأول الذي هو أفضل ما يقام فيه بالسنة والإجماع، وإذا

стр. 66

كان كذلك فيمتنع أن تكون الصلاة في غير مسجده، أفضل منها في مسجده، وأن يكون الخلفاء والصفوف الأول كانوا يصلون في غير مسجده، وما بلغني عن أحد من السلف خلاف هذا، لكن رأيت بعض المتأخرين قد ذكر أن الزيادة ليست من مسجده، وما علمت لمن ذكر ذلك سلفًا من العلماء) (١). الحكم الخامس السلام على من في المسجد ومن آداب دخول المساجد السلام على من فيه ولو كان يصلي، فإن السلام على المصلي مشروع، كما هو مذهب الجمهور من أهل العلم، وذلك لما ورد عن ابن مسعود ﵁ قال: كنت أسلم على النبي ﷺ وهو في الصلاة فيرد عليّ فلما رجعنا سلمت عليه فلم يردّ علي، وقال: "إن في الصلاة شغلًا" (٢). وعنه ﵁ قال: كنت آتي النبي ﷺ وهو يصلي فأسلم عليه فيرد علي، فأتيته فسلمت عليه وهو يصلي فلم يردّ عليّ، فلما سلم أشار إلى القوم فقال: "إن الله -يعني- أحدث في الصلاة ألا تكلموا إلا بذكر الله وما ينبغي لكم، وأن تقوموا لله قانتين" (٣). فهنا وما قبله دليل على جواز السلام على المصلي، فإن ابن مسعود ﵁ كان يسلم على النبي ﷺ وهو في صلاته، فيرد ﵇ باللفظ، ولما حرّم الكلام في الصلاة، ورجع المسلمون من الهجرة الثانية إلى الحبشة سلم ابن مسعود ﵁ كعادته فلم يرد عليه النبي ﷺ باللفظ، وإنما رد بالإشارة كما في حديث ابن عمر الآتي قريبًا، وبين أن سبب امتناع الرد باللفظ هو أن المصلي مشغول شغلًا عظيمًا متنوعًا من ذكر وقراءة ودعاء وغير ذلك مما يتعلق بمناجاة الله تعالى التي تستدعي الاستغراق بخدمته، فلا يصلح فيها الاشتغال بغيره، ولو كان السلام على المصلي غير مشروع لبيّنه ﷺ ولو بعدم الإشارة في الرد؛ لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، فلما ثبت الرد بالإشارة وعدم الإنكار علم أن السلام على المصلي مشروع. وثبت الرد عنه ﷺ بإشارة، وذلك فيما رواه ابن عمر ﵄ قال: خرج رسول الله ﷺ إلى قباء يصلي فيه، فجاءته الأنصار، فسلموا عليه وهو يصلي، قال: فقلت لبلال: كيف رأيت رسول الله ﷺ يرد عليهم حين كانوا يسلمون عليه وهو يصلي؟ قال: يقول هكذا، وبسط كفه، وبسط جعفر بن عوف كله، وجعل بطنه أسفل وجعل ظهره فوق (٤). وورد في السنة صفات أخرى لرد المصلي السلام، ومنها: الرد بالإشارة بالأصبع، والأظهر أنها السبابة؛ لأنها أيسر؛ ولأن العادة جرت برفعها، وذلك في حديث ابن عمر -أيضًا- عن صهيب قال: مررت برسول الله ﷺ وهو يصلي فسلمت عليه فردّ علي إشارة، وقال الليث بن سعد -أحد رواته-: لا أعلم إلا أنه قال: إشارة بإصبعه (٥). قال الشوكاني: (ولا اختلاف بينهما، فيجوز أن يكون أشار بإصبعه مرة ومرة بجميع يده، ويحتمل

стр. 67

أن يكون المراد باليد الإصبع؛ حملًا للمطلق على المقيد) (١). كما ورد الرد إيماء بالرأس، وذلك في حديث ابن مسعود: (فأومأ برأسه)، وفي رواية: (فقال برأسه، يعني: الرد) (٢). قال في نيل الأوطار: (ويجمع بين الروايات أنه ﷺ فعل هذا مرة وهذا مرة فيكون جميع ذلك جائزًا) (٣) والله أعلم. الحكم السادس صلاة تحية المسجد ومن آداب حضور المساجد -وهي بيوت الله تعالى وأمكنة عبادته- أن يصلي الداخل ركعتين تعظيمًا لله تعالى، وإكرامًا لموضع العبادة. وهذه الصلاة هي تحية المسجد؛ لأن الداخل يبتدئ بهما كما يبتدئ الداخل على القوم بالتحية. وقد دلّ على مشروعية تحية المسمجد حديث أبي قتادة السلمي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين". وفي رواية: "فيركع ركعتين قبل أن يجلس" (٤). حكم تحية المسجد جمهور العلماء على أن تحية المسجد من السنن المندوب إليها وليست واجبة. قال في فتح الباري: (اتفق أئمة الفتوى على أن الأمر في ذلك للندب) (٥). وقال ابن دقيق العيد: (وجمهور العلماء على عدم الوجوب لهما) (٦). وقال النووي: (إنه إجماع المسلمين) (٧). ولكن نقل الإجماع فيه نظر، فقد نقل ابن بطال عن أهل الظاهر قولهم بالوجوب (٨). وحكى ذلك القاضي عياض عن داود وأصحابه (٩)، والذي صرح به ابن حزم خلافه (١٠)، وعمدة الجمهور في عدم الوجوب: حديث عبد الله بن بسر ﵁ قال: جاء رجل يتخطى رقاب الناس يوم الجمعة والنبي ﷺ يخطب. فقال له رسول الله ﷺ : "اجلس فقد آذيت" ولني رواية: "وآنيت" (١١). أي: أبطأت وتأخرت. ووجه الدلالة: أن الرسول ﷺ أمره بالجلوس ولم يأمره بتحية المسجد فدل على أنها غير واجبة. حديث أنس بن مالك ﵁ في قصة الأعرابي، وهو ضمام بن ثعلبة لما سأل رسول الله ﷺ عما يجب

стр. 68

عليه من الصلاة فأجابه ﷺ : الصلوات الخمس، فقال: هل علي غيرها؛ قال: "لا، إلا أن تطوّع" (١). ومن قال بالوجوب استدل ما يلي: حديث أبي قتادة المذكور، وقد ورد بلفظ الأمر "فليركع ركعتين" وبلفظ النهي "فلا يجلس"، والأمر عند الإطلاق للوجوب، والنهي عند الإطلاق للتحريم؛ وحديث أنس في قصة الأعربي لا يصلح أن يكون صارفًا كما سيأتي إن شاء الله. حديث جابر ﵁ قال: دخل رجل يوم الجمعة ورسول الله ﷺ يخطب فقال: "أصليت؛ " قال: لا. قال: "فصلّ ركعتين". والرجل هو: سليك الغطفاني، كما وقع مسمى عند مسلم (٢). ووجه الدلالة: أن الرسول ﷺ أمر سليكًا بتحية المسجد بعدما جلس، وقطع الخطبة لأجل سؤاله وأمره بالصلاة. وهذا من مؤكدات الايجاب. ولو سقطت التحية في حال لكان هذا الحال أولى بها؛ فإنه مأمور باستماع الخطبة، فلما ترك لها استماع الخطبة دل على تأكدها. وقد أجاب القائلون بالوجوب عن أدلة الأولين ما يلي: أما حديث "اجلس فقد آذيت" فلا دلالة فيه صريحة على عدم الوجوب؛ لاحتمال أن المراد "اجلس" أي: لا تتخط. ولم يقصد ترك التحية، أو أن المراد: اجلس بشرط الجلوس المفهوم من قوله: "قال يجلس حتى يصلي ركعتين"، ولاحتمال أن يكون هذا الصحابي صلّى التحية في جانب من المسجد قبل وقوع التخطي منه، أو أنه كان ذلك قبل الأمر بها والنهي عن تركها، وإذا وجد الاحتمال بطل الإستدلال، لا سيما والحديث معارض بمثل حديث جابر في قصة سليك وحديث في قتادة، ودلالتهما أصرح (٣). وأما حديث أنس في قصة الأعرابي فعنه ثلاثة أجوبة: إن التعاليم الواقعة في مبادئ الشريعة لا تصلح لصرف ما تجدد من الأوامر عن الوجوب؛ لأن الشريعة كانت شيئًا فشيئًا وإلا لزم على ذلك أن واجبات الشريعة هي ما ذكر في حديث أنس في قصة ضمام بن ثعلبة من الشهادتين والصوم والحج والزكاة، وعلى ما قُرِّرَ يكون له: "إلا أن تطوع" حصرًا باعتبار وقت السؤال، ولم يقل: إنه لا يجب عليه ما يوجبه الله على عباده بعد ذلك، بل ما أوجبه الله وجب. ولا ريب أن واجبات الشريعة قد بلغت أضعاف أضعاف تلك الأمور. إن قوله: "إلا أن تطوع" ينفي وجوب الواجبات ابتداء لا الواجبات بأسباب يختار المكلف فعلها، كتحية المسجد -مثلًا-. إن جماعة من المتمسكين بحديث ضمام بن ثعلبة في صرف الأمر عن الوجوب في حديث أبي قتادة قالوا بوجوب صلوات خارجة عن الخمس، كالجنازة وركعتي الطواف والعيدين. فما أجابوا به عن إيجاب هذه الصلوات هو جواب الموجبين لتحية المسجد، والله أعلم (٤). قال ابن دقيق العيد على حديث أبي قتادة: (ولا شك أن ظاهر الأمر الوجوب وظاهر النهي التحريم،

стр. 69

ومن أزالهما عن الظاهر فهو محتاج إلى دليل) (١). قال الصنعاني في حاشيته على شرح ابن دقيق العيد: (أقول: هذا هو الصواب، وإيجابها هو الجاري على مقتضى الأوامر والنواهي) (٢). وقال الشوكاني: (إذا عرفت هذا -أي ما ذكر من الأجوبة- لاح لك أن الظاهر ما قاله أهل الظاهر من الوجوب) (٣). والحق أن القول بالوجوب قوي؛ لقوة مأخذه؛ ولأن سبب الوجوب هو دخول المسجد، فلا معارضة بين هذا وبين ما يدل على أن ما عدا الصلوات الخمس تطوع، لكن إن قيل: بأن تحية المسجد من السنن الموكدة ما كان ذلك بعيدًا، والعلم عند الله تعالى. تحية المسجد وقت النهي اختلف العلماء في صلاة تحية المسجد وقت النهي، كأن يدخل بعد الفجر أو قبل المغرب، على قولين: الأول: تصلّى تحية المسجد وقت النهي، وهذا هو الأصح عند الشافعية، ورواية في مذهب الإمام أحمد، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم رحم الله الجميع. وقد بسط ابن تيمية ﵀ أدلة هذا القول، وأيده بما لا مزيد عليه (٤). القول الثاني: لا تصلى في وقت النهي، وهو مذهب الحنفية والمالكية ورواية عن الإمام أحمد، كما في الإنصاف (٥). وسبب الخلاف: هوة تعارض العمومين؛ عموم أحاديث تحية المسجد وفيه أمر بالصلاة لكل داخل من غير تفصيل، وعموم أحاديث النهي عن الصلاة في أوقات النهي، كقوله ﷺ : "لا صلاة بعد الصبح حتى ترتفع الشمس، ولا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس" (٦)، وهذا عام في كل صلاة كما يفيده النفي بـ (لا) التي لنفي الجنس، فتدخل تحية المسجد في هذا العموم المنفي. فذهب الأولون إلى تخصيص عموم حديث: (لا صلاة بعد الصبح .. ) إلخ ... بحديث تحية المسجد، فأخرجوها من عموم هذا الحديث، فتصلى في أوقات النهي، وذلك لأن حديث (لا صلاة) قد ثبت تخصيصه بغير تحية المسجد، ومن ذلك: قضاء الفوائت؛ لحديث أنس ﵁ عن النبي ﷺ قال: "من نسي صلاة فيصلّ إذا ذكرها، لا كفارة إلا ذلك: ﴿وأقم الصلاة لذكري﴾ [طه: ١٤] " (٧). ومن ذلك -أيضًا-: إعادة الجماعة، لحديث يزيد بن الأسود ﵁ قال: شهدت مع النبي ﷺ حجته، فصليت معه صلاة الصبح في مسجد الخيف، فلما قضى صلاته انحرف، فإذا هو برجلين في أخرى القوم

стр. 70

لم يصليا. فقال: "علي بهما"، فجيء بهما ترعد فرائصهما فقال: "ما منعكما أن تصليا معنا"؟ فقالا: يا رسول الله صلينا في رحالنا، قال: "فلا تفعلا، إذا صليتما في رحالكما ثم أتيتما مسجد الجماعة فصليا معهم فإنها لكما نافلة" (١). فهذا صريح في جواز إعادة الجماعة لمن دخل مسجدًا وأهله يصلون بعد الفجر وهو وقت نهي. ومن ذلك -أيضًا-: ركعتا الطواف، لحديث جبير بن مطعم ﵁ أن النبي ﷺ قال: "يا بني عبد مناف لا تمنعوا أحدًا طاف بهذا البيت وصلى آية ساعة شاء من ليل أو نهار" (٢). فهذه الأحاديث وغيرها مخصصة لعموم حديث "لا صلاة"، وحديث تحية المسجد عام محفوظ لم يدخله التخصيص، وأحاديث النهي ليس فيها حديث واحد عام باق على عمومه، بل كلها مخصوصة، والعام والذي لم يدخله التخصيص مقدم على العام الذي دخله التخصيص (٣). ومما يؤيد إخراج تحية المسجد من عموم النهي غير ما ذكر: أن النبي ﷺ أمر بتحية المسجد حال الخطبة، كما سيأتي إن شاء الله. والنهي عن الصلاة في وقت الخطبة أشد؛ لأن السامع منهي عن كل ما يشغله عن الاستماع حتى الصلاة حيث أمر الشرع بتخفيفها، فإذا فعلت تحية المسجد وقت الخطبة ففعلها في سائر الأوقات أولى (٤). ثم إن تحية المسجد كغيرها من ذوات الأسباب تفوت إذا أخرت عن وقت النهي ويحرم المصلي ثوابها، وهذا بخلاف النفل المطلق، فإنه إذا منع منه المكلف وقت النهي ففي غيره من الأوقات متسع لفعله، فلا تضييق عليه ولا حرمان، بل قد يكون في المنع من الصلاة في بعض الأوقات مصلحة للمكلف من إجمام نفسه وإقبالها على فعل الطاعة بنشاط، وهذا أمر ملحوظ (٥). وعلى هذا فتحمل أحاديث النهي عن الصلاة في الأوقات المذكورة على ما لا سبب له، كالنفل المطلق، ويخص منها ما له سبب كتحية المسجد. وهذا هو الرأي المختار -إن شاء الله- وبه تجتمع الأدلة، ويعمل بها كلها (٦). والله أعلم. لا صلاة إذا أقيمت الصلاة اعلم أن النافلة لا تشرع إذا دخل المسجد والإمام في الفريضة، أو قد شرع المؤذن في الإقامة، أو دخل والصلاة ستقام، فلا تصلِّ تحية المسجد في هذه الحالات؛ وذلك لعموم حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة" (٧). وعند ابن حبان: "إذا أخذ المؤذن في الإقامة" (٨).

стр. 71

قال النووي: (الحكمة فيه أن يتفرغ للفريضة من أولها فيشرع فيها عقب شروع الإمام، والمحافظة على مكملات الفريضة أولى من التشاغل بالنافلة) (١). وقال القاضي: (وفيه حكمة أخرى: وهو النهي عن الاختلاف على الأئمة) (٢). قال العراقي: (إن قوله "فلا صلاة" يحتمل أن يراد: فلا يشرع حينئذ في صلاة عند إقامة الصلاة، ويحتمل أن يراد: فلا يشتغل بصلاة وإن كان قد شرع فيها قبل الإقامة، بل يقطعها المصلي؛ لإدراك فضيلة التحرم، أو أنها تبطل بنفسها وإن لم يقطعها المصلي، يحتمل كلًا من الأمرين) (٣). واعلم أنه لا فرق في منع التنفل بعد الشروع في إقامة الصلاة بين الراتبة أو غيرها، كما أنه لا فرق بين ركعتي الفجر أو غيرهما، وما يتوهمه بعض الناس من جواز ركعتي الفجر ولو كان الإمام في المكتوبة؛ بحجة طول القراءة وأنه يتمكن من أدائها قبل الركوع فهذا غير صحيح، وصلاته باطلة؛ لعموم قوله ﷺ : "من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد" (٤). وأداء ركعتين والصلاة قد أقيمت ليس عليه أمر الرسول ﷺ فيكون مردودًا على صاحبه، وما كان مردودًا على صاحبه فهو فاسد، كيف وقد نهى النبي ﷺ عن ذلك كما تقدم، فيكون أشد ردًا. وأما ما ورد من زيادة: (فلا صلاة إلا المكتوبة إلا ركعتي الصبح) فهي كما قال ابن القيم: (زيادة كاسمها لا أصل لها). وقال البيهقي: (هذه الزيادة لا أصل لها)؛ وذلك لأن في إسنادها حجاج بن نصير الفساطيطي، وعباد بن كثير الثقفي: (وهما ضعيفان). وفي التقريب: أن الأول ضعيف، والثاني متروك (٥). لكن إذا أقيمت الصلاة وهو في تحية المسجد، أو في راتبة، فهل يقطعها؟ ثلاثة أقوال: الأول: أنه يقطعها؛ لعموم "إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة". فإن الحديث عام يشمل من شرع في النافلة بعد سماع الإقامة للفريضة، أو كان قد شرع في النافلة وسمع الإقامة بعد ذلك، وقد أخرج ابن أبي شيبة عن بيان قال: (كان قيس بن أبي حازم يؤمنا فأقام المؤذن للصلاة وقد صلى ركعة، قال: فتركها، ثم تقدم فصلى بنا) (٦). ولأجل أن يدرك الفريضة من أولها بإدراك تكبيرة الإحرام بعد تكبير الإمام، كما ذكر النووي سابقًا، والرسول ﷺ يقول: "إذا كبر فكبروا" (٧) وهذه الجملة تدل على أن تكبير المأموم يقع عقب تكبير الإمام فلا يقارنه ولا يتقدم عليه، بدليل رواية أبي داود: "ولا تركعوا حتى يركع، ولا تسجدوا حتى يسجد". القول الثاني: أنه لا يقطعها بل يتمها، واستدل من قال بهذا بعموم قوله تعالى: ﴿ولا تبطلوا أعمالكم﴾ [محمد: ٣٣].

стр. 72

ووجه الدلالة: أن قطع النافلة وعدم إتمامها إبطال للمؤدي، والآية تنهي عن إبطال الأعمال مطلقًا، فيدخل ذلك في عمومها، قال الشوكاني في فتح القدير: (والظاهر النهي عن كل سبب من الأسباب التي توصل إلى بطلان الأعمال كائنًا ما كان، من غير تخصيص بنوع معين) (١). وأجابوا عن حديث أبي هريرة -المتقدم- بأن النهي متوجه إلى الشروع في غير تلك المكتوبة. وأما إتمام المشروعة قبل الإقامة فضروري لا اختياري، فلا يدخل في النهي المستفاد من الحديث، عملًا بعموم الآية. القول الثالث: التفصيل: وهو أنه إذا كان في الركعة الثانية فلا يقطعها بل يتمها خفيفة، وإن كان في الركعة الأولى فإنه يقطعها؛ لقوله ﷺ : "من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة" (٢). فمن صلى ركعة قبل الإقامة فقد أدرك ركعة من الصلاة سالمة من المعارض الذي هو الإقامة، فيكون قد أدرك الصلاة بإدراكه الركعة فيتمها خفيفة، ومن كان في الركعة الأولى ولو في السجدة الثانية منها فإنه يقطعها؛ لأنه لم تتمّ له هذه الصلاة، ولم تخلص له حيث لم يدرك منها ركعة قبل النهي عن النافلة (٣). يقول العلامة المباركفوري في شرح المشكاة: (الراجح عندي: أن يقطع عند الإقامة إن بقيت عليه ركعة، فإن أقل الصلاة ركعة، وقد قال النبي ﷺ : "لا صلاة بعد الإقامة إلا المكتوبة" فلا يجوز له أن يصلي ركعة بعد الإقامة، وأما إذا أقيمت الصلاة وهو في السجدة أو التشهد فلا بأس لو لم يقطعها؛ لأنه لا يصدق عليه أنه صلى صلاة، أكما: ركعة بعد الإقامة ... ) (٤). وأما الآية فيجاب عليها بثلاثة أجوبة: الأول: أنها عامة والحديث خاص، والخاص يقضي على العام، ولا يخالفه، كما في الأصول، فيكون إبطال النافلة بإقامة الصلاة مخصّصًا من عموم الآية بمقتضى الحديث. الثاني: أن سياق الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣] يدل على -والله أعلم- أن الإبطال إنما يكون بمعصية الله تعالى أو معصية رسوله ﷺ ؛ لأن الآية أمر بطاعة الله وطاعة رسوله ونهي عن المعصية المؤدية إلى إبطال الأعمال. الثالث: أن قطع النافلة إذا أقيمت الفريضة لا معصية فيه، بل هو عين الطاعة للرسول ﷺ القائل: "إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة". قال في المحلى: (فإن قيل: قال الله تعالى: ﴿ولا تبطلوا أعمالكم﴾! قلنا: نعم هذا حق وما هو أبطلها، ولو تعمد إبطالها لكان مسيئًا. ولكن الله أبطلها عليه، كما تبطل بالحدث، وبمرور ما يبطل الصلاة مروره، ونحو ذلك) (٥). وعلى القول بأنه يقطعها فإنه لا يحتاج إلى تسليم -على أرجح الأقوال- بل يخرج منها ويلحق

стр. 73

بالفريضة التي أقيمت؛ وذلك لأمرين: الأول: أن التسليم خاص بالصالة الكاملة؛ لحديث علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم" (١). الثاني: قوله ﷺ : "إذا أحدث أحدكم في صلاته فيأخذ بأنفه ثم لينصرف" (٢) فأمره بالانصراف ولم يأمره بالسلام لوجود هذا العارض الذي قطع صلاته، وإقامة الفريضة عارض تقطع النافلة لأجله، فلم تحصل النافلة الكاملة التي لا يكون الخروج منها إلا التسليم. والله أعلم. تحية المسجد الحرام اعلم أن داخل المسجد الحرام له حالتان: الأولى: أن يريد الطواف، فهذا تحيته الطواف، سواء كان لحج أو عمرة، أو كان الطواف تطوعًا أو غير ذلك، فيبدأ بالطواف ثم يصلي ركعتي الطواف خلف المقام فلا يجلس -إن أراد الجلوس- إلا وقد صلى. فحصلت التحية ضمنًا؛ لأن المقصود افتتاح محل العبادة بعبادة، وعبادة الطواف تحصّل هذا المقصود (٣). هذه هي السنة في حقه، وأما كونه يصلي ركعتين تحية المسجد ثم يبدأ بالطواف فهذا خلاف السنة؛ فإنه ﷺ لما دخل المسجد بدأ بالطواف، كما في حديث جابر وغيره (٤). وبعض الناس لا يعرف هذا، فتراه يصلي ركعتين ثم يذهب إلى المطاف لأداء نسكه. أما لو أراد الجلوس قبل الطواف وأراد تأخيره لعذر، كانتظار رفقة أو لاستراحة فهذا يشرع له أن يصلي تحية المسجد ركعتين؛ لعموم حديث أبي قتادة: "فلا يجلس حتى يصلي ركعتين". الحالة الثانية: أن يريد الجلوس لانتظار صلاة أو قراءة أو ذكر ونحو ذلك فهذا يشرع في حقه أن يصلي التحية؛ لعموم الأدلة الواردة في الصلاة قبل الجلوس، فإنها تشمل المسجد الحرام بلا ريب. ولا يقال: عن تحية المسجد الحرام هي الطواف؛ لأمرين: الأول: أن ما اشتهر على الألسنة من أن تحية المسجد الحرام الطواف لا أصل له. قال الحافظ ابن حجر ﵀: (حديث "من أتى البيت فليحيه بالطواف" لم أجده) (٥). وقال القاري في الموضوعات الكبرى: (حديث "تحية البيت الطواف". قال السخاوي: لم أره بهذا اللفظ. قلت: المراد بالبيت هو الكعبة، وهو بيت الله الحرام، ومعناه صحيح، كما في الصحيح عن عائشة: "أول شيء بدأ به النبي ﷺ حين قدم مكة أنه توضأ ثم طاف .. " الحديث. وذلك لأن كل من يدخل المسجد الحرام يسن له أن يبدأ بالطواف فرضًا أو نفلًا، ولا يأتي بصلاة تحية المسجد إلا إذا لم يكن في نيته أن يطوف لعذر أو غيره.

стр. 74

وليس معناه أن تحية المسجد ساقطة عن هذا المسجد، كما توهم بعضهم من مفهوم هذه العبارة الصادرة عن الفقهاء وغيرهم). اهـ (١). الأمر الثاني: أن في ذلك حرجًا عظيمًا لا تأتي الشريعة الإسلامية بمثله، فلو كان الداخل للمسجد الحرام لا يجلس حتى يطوف لوقع الناس في مشقة، لا سيما مع تكرر دخول المسجد الحرام لصلاة وغيرها. وكيف يكون الحال أوقات المواسم كالحج أو رمضان وغيرها من الأوقات التي يزدحم فيها المسجد الحرام بالمعتمرين والحجاج والمصلين. فالحمد لله على تيسيره. سقوط تحية المسجد تسقط تحية المسجد في صور عديدة أهمها ما يلي: إذا تكرر دخول الإنسان المسجد عدة مرات متوالية، فمن أهل العلم من قال: يكفيه ركعتان، وهو قول الحنفية (٢)، ونقله المرداوي عن ابن عقيل الحنبلي، وعلل ذلك بالمشقة لو صلى لكل مرة (٣). وقال الأكثرون: تستحب التحية لكل مرة، قال النووي: وهو الأقوى والأقرب على ظاهر الحديث. اهـ (٤). ورجحه الشيخ عبد الرحمن السعدي (٥). والأظهر أنه يكفيه ركعتان؛ لأن من خرج من المسجد وعاد إِليه عن قرب لم يخرج خروجًا منقطعًا، فلا يعد خروجًا، بدليل أن مثل ذلك لا يقطع اعتكاف المعتكف، أما من خرج خروجًا منقطعًا ولم ينو الرجوع فهذا تشرع له التحية مرة أخرى إن رجع. والله أعلم (٦). إذا دخل المسجد وجلس قبل التحية، فإن لم يطل الفصل قام وصلى، على الأظهر من قولي أهل العلم (٧)، ويدل لذلك حديث جابر ﵁ قال: بينما النبي ﷺ يخطب يوم الجمعة إذ جاء رجل فقال النبي ﷺ : "أصليت يا فلان؟ " قال: لا. قال: "قم فصلّ ركعتين" (٨). قال النووي: (الذي يقتضيه هذا الحديث أنه إذا ترك التحية جهلًا بها أو سهوًا يشرع له فعلها ما لم يطل الفصل، وهذا هو المختار) (٩). أما إِذا جلس وطال الفصل فمن أهل العلم من قال: إنه فات محلها، وقال آخرون: بل يقوم ويصلي ولو طال الفصل؛ لأن الرسول ﷺ أمر سليكًا -كما تقدم- بتحية المسجد بعد جلوسه، ولا تحديد لهذا الفصل، فلا يتركها الداخل حتى ولو جلس فإنه يصليها (١٠). والقول بأنه إذا طال الفصل لا يصليها لا يخلو من وجاهة، ونقل الحافظ ابن حجر في "فتح الباري"

стр. 75

عن المحب الطبري أنه قال: (يحتمل أن يقال: وقتهما قبل الجلوس وقت فضيلة، وبعده وقت جواز، أو يقال وقتهما قبله أداء وبعده قضاء، ويحتمل أن تحمل مشروعيتهما بعد الجلوس على ما إذا لم يطل الفصل) (١). إذا دخل المسجد وقد أقيمت الفريضة -كما تقدم- أو صلاة نفل كالتراويح، أو صلى مقضية سقطت عنه تحية المسجد؛ لقوله ﷺ : "إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة" (٢). لأن المقصود من تحية المسجد هو تعظيم المسجد بأي صلاة كانت وشغل بقعة المسجد بصلاة، فقامت الفريضة أو النافلة أو المقضية ونحوها مقام التحية، فلم تبق التحية مطلوبة (٣). إذا دخل والخطيب يوشك أن ينهي خطبة الجمعة فإنه يقف إلى قيام الصلاة، لكراهة الجلوس قبل التحية، ولا يصليها؛ لأنه مأمور بصلاتها حيث يمكنه ذلك، وفى هذه الحال لا يمكنه أن يصلي، فتسقط عنه، وكذا لو خشي فوات تكبيرة الإحرام، أو الفاتحة، أو الركعة الأولى سقطت عنه تحية المسجد (٤). إذا دخل المسجد الحرام وهو يريد الطواف سقطت عنه التحية. وقد مضى الكلام على هذه الصورة. والله أعلم. الحكم السابع الصلاة إلى سترة ومما ينبغي أن يحرص عليه المصلي بعد دخول المسجد أن يصلي النافلة إلى سترة، وأن يدنو منها، وهي مشروعية في حق الإمام والمنفرد، وكذا المسبوق إذا قام لقضاء ما فاته إن أمكن، حتى ولو كان المصلي في مكان لا يخشى فيه مارًا؛ لعموم الأدلة لكل مصلّ؛ ولأنه قد يكون المار من الجنس الذي لا يراه الإنسي، وهو الشيطان، كما في حديث سهل الآتي -إن شاء الله-. ولا فرق في مشروعية اتخاذ السترة بين الرجال والنساء، على أن التساهل فيها موجود، فمن المتنفلين من لا يصلي إلى سترة، بل يصلي وسط المسجد، أو في مؤخره بلا سترة، وهذا من الجهل وعدم الفقه في الدين. والنساء يتساهلن في السترة، فلا تكاد تجد امرأة تصلي في بيتها إلى سترة إلا القليل النادر (٥). وقد دلت السنة القولية والفعلية على تأكيد اتخاذ السترة، وقد واظب عليها النبي ﷺ ولم يتركها حضرًا ولا سفرًا، وأمر بها في عدة أحاديث، حتى ذهب فريق من أهل العلم إلى وجوبها، وهو مروي عن الإمام أحمد ﵀، وبه قال ابن خزيمة وبدر الدين العيني والشوكاني وغيرهم، رحم الله الجميع، وهذا قول قوي وإن كان الجمهور قالوا بالسنية، فإن الأمر باتخاذ السترة أمر مطلق لا قرينة معه تصرفه عن الوجوب، فيكون مقتضيًا له، وإليك بعضًا من هذه النصوص: عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "إذا صلى أحدكم فليصل إلى سترة، وليدن منها، ولا يدع أحدًا يمر يه وبينها، فإذا جاء أحد يمر فيقاتله؛ فإنه شيطان" (٦).
следующие страницы →