← Фикх общий

Фикх общий · id 37547

الجامع لأحكام الصلاة - عادل بن سعد

عادل بن سعد

Полный текст (320 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

قال النووي: (الحكمة فيه أن يتفرغ للفريضة من أولها فيشرع فيها عقب شروع الإمام، والمحافظة على مكملات الفريضة أولى من التشاغل بالنافلة) (١). وقال القاضي: (وفيه حكمة أخرى: وهو النهي عن الاختلاف على الأئمة) (٢). قال العراقي: (إن قوله "فلا صلاة" يحتمل أن يراد: فلا يشرع حينئذ في صلاة عند إقامة الصلاة، ويحتمل أن يراد: فلا يشتغل بصلاة وإن كان قد شرع فيها قبل الإقامة، بل يقطعها المصلي؛ لإدراك فضيلة التحرم، أو أنها تبطل بنفسها وإن لم يقطعها المصلي، يحتمل كلًا من الأمرين) (٣). واعلم أنه لا فرق في منع التنفل بعد الشروع في إقامة الصلاة بين الراتبة أو غيرها، كما أنه لا فرق بين ركعتي الفجر أو غيرهما، وما يتوهمه بعض الناس من جواز ركعتي الفجر ولو كان الإمام في المكتوبة؛ بحجة طول القراءة وأنه يتمكن من أدائها قبل الركوع فهذا غير صحيح، وصلاته باطلة؛ لعموم قوله ﷺ : "من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد" (٤). وأداء ركعتين والصلاة قد أقيمت ليس عليه أمر الرسول ﷺ فيكون مردودًا على صاحبه، وما كان مردودًا على صاحبه فهو فاسد، كيف وقد نهى النبي ﷺ عن ذلك كما تقدم، فيكون أشد ردًا. وأما ما ورد من زيادة: (فلا صلاة إلا المكتوبة إلا ركعتي الصبح) فهي كما قال ابن القيم: (زيادة كاسمها لا أصل لها). وقال البيهقي: (هذه الزيادة لا أصل لها)؛ وذلك لأن في إسنادها حجاج بن نصير الفساطيطي، وعباد بن كثير الثقفي: (وهما ضعيفان). وفي التقريب: أن الأول ضعيف، والثاني متروك (٥). لكن إذا أقيمت الصلاة وهو في تحية المسجد، أو في راتبة، فهل يقطعها؟ ثلاثة أقوال: الأول: أنه يقطعها؛ لعموم "إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة". فإن الحديث عام يشمل من شرع في النافلة بعد سماع الإقامة للفريضة، أو كان قد شرع في النافلة وسمع الإقامة بعد ذلك، وقد أخرج ابن أبي شيبة عن بيان قال: (كان قيس بن أبي حازم يؤمنا فأقام المؤذن للصلاة وقد صلى ركعة، قال: فتركها، ثم تقدم فصلى بنا) (٦). ولأجل أن يدرك الفريضة من أولها بإدراك تكبيرة الإحرام بعد تكبير الإمام، كما ذكر النووي سابقًا، والرسول ﷺ يقول: "إذا كبر فكبروا" (٧) وهذه الجملة تدل على أن تكبير المأموم يقع عقب تكبير الإمام فلا يقارنه ولا يتقدم عليه، بدليل رواية أبي داود: "ولا تركعوا حتى يركع، ولا تسجدوا حتى يسجد". القول الثاني: أنه لا يقطعها بل يتمها، واستدل من قال بهذا بعموم قوله تعالى: ﴿ولا تبطلوا أعمالكم﴾ [محمد: ٣٣].

стр. 72

ووجه الدلالة: أن قطع النافلة وعدم إتمامها إبطال للمؤدي، والآية تنهي عن إبطال الأعمال مطلقًا، فيدخل ذلك في عمومها، قال الشوكاني في فتح القدير: (والظاهر النهي عن كل سبب من الأسباب التي توصل إلى بطلان الأعمال كائنًا ما كان، من غير تخصيص بنوع معين) (١). وأجابوا عن حديث أبي هريرة -المتقدم- بأن النهي متوجه إلى الشروع في غير تلك المكتوبة. وأما إتمام المشروعة قبل الإقامة فضروري لا اختياري، فلا يدخل في النهي المستفاد من الحديث، عملًا بعموم الآية. القول الثالث: التفصيل: وهو أنه إذا كان في الركعة الثانية فلا يقطعها بل يتمها خفيفة، وإن كان في الركعة الأولى فإنه يقطعها؛ لقوله ﷺ : "من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة" (٢). فمن صلى ركعة قبل الإقامة فقد أدرك ركعة من الصلاة سالمة من المعارض الذي هو الإقامة، فيكون قد أدرك الصلاة بإدراكه الركعة فيتمها خفيفة، ومن كان في الركعة الأولى ولو في السجدة الثانية منها فإنه يقطعها؛ لأنه لم تتمّ له هذه الصلاة، ولم تخلص له حيث لم يدرك منها ركعة قبل النهي عن النافلة (٣). يقول العلامة المباركفوري في شرح المشكاة: (الراجح عندي: أن يقطع عند الإقامة إن بقيت عليه ركعة، فإن أقل الصلاة ركعة، وقد قال النبي ﷺ : "لا صلاة بعد الإقامة إلا المكتوبة" فلا يجوز له أن يصلي ركعة بعد الإقامة، وأما إذا أقيمت الصلاة وهو في السجدة أو التشهد فلا بأس لو لم يقطعها؛ لأنه لا يصدق عليه أنه صلى صلاة، أكما: ركعة بعد الإقامة ... ) (٤). وأما الآية فيجاب عليها بثلاثة أجوبة: الأول: أنها عامة والحديث خاص، والخاص يقضي على العام، ولا يخالفه، كما في الأصول، فيكون إبطال النافلة بإقامة الصلاة مخصّصًا من عموم الآية بمقتضى الحديث. الثاني: أن سياق الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣] يدل على -والله أعلم- أن الإبطال إنما يكون بمعصية الله تعالى أو معصية رسوله ﷺ ؛ لأن الآية أمر بطاعة الله وطاعة رسوله ونهي عن المعصية المؤدية إلى إبطال الأعمال. الثالث: أن قطع النافلة إذا أقيمت الفريضة لا معصية فيه، بل هو عين الطاعة للرسول ﷺ القائل: "إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة". قال في المحلى: (فإن قيل: قال الله تعالى: ﴿ولا تبطلوا أعمالكم﴾! قلنا: نعم هذا حق وما هو أبطلها، ولو تعمد إبطالها لكان مسيئًا. ولكن الله أبطلها عليه، كما تبطل بالحدث، وبمرور ما يبطل الصلاة مروره، ونحو ذلك) (٥). وعلى القول بأنه يقطعها فإنه لا يحتاج إلى تسليم -على أرجح الأقوال- بل يخرج منها ويلحق

стр. 73

بالفريضة التي أقيمت؛ وذلك لأمرين: الأول: أن التسليم خاص بالصالة الكاملة؛ لحديث علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم" (١). الثاني: قوله ﷺ : "إذا أحدث أحدكم في صلاته فيأخذ بأنفه ثم لينصرف" (٢) فأمره بالانصراف ولم يأمره بالسلام لوجود هذا العارض الذي قطع صلاته، وإقامة الفريضة عارض تقطع النافلة لأجله، فلم تحصل النافلة الكاملة التي لا يكون الخروج منها إلا التسليم. والله أعلم. تحية المسجد الحرام اعلم أن داخل المسجد الحرام له حالتان: الأولى: أن يريد الطواف، فهذا تحيته الطواف، سواء كان لحج أو عمرة، أو كان الطواف تطوعًا أو غير ذلك، فيبدأ بالطواف ثم يصلي ركعتي الطواف خلف المقام فلا يجلس -إن أراد الجلوس- إلا وقد صلى. فحصلت التحية ضمنًا؛ لأن المقصود افتتاح محل العبادة بعبادة، وعبادة الطواف تحصّل هذا المقصود (٣). هذه هي السنة في حقه، وأما كونه يصلي ركعتين تحية المسجد ثم يبدأ بالطواف فهذا خلاف السنة؛ فإنه ﷺ لما دخل المسجد بدأ بالطواف، كما في حديث جابر وغيره (٤). وبعض الناس لا يعرف هذا، فتراه يصلي ركعتين ثم يذهب إلى المطاف لأداء نسكه. أما لو أراد الجلوس قبل الطواف وأراد تأخيره لعذر، كانتظار رفقة أو لاستراحة فهذا يشرع له أن يصلي تحية المسجد ركعتين؛ لعموم حديث أبي قتادة: "فلا يجلس حتى يصلي ركعتين". الحالة الثانية: أن يريد الجلوس لانتظار صلاة أو قراءة أو ذكر ونحو ذلك فهذا يشرع في حقه أن يصلي التحية؛ لعموم الأدلة الواردة في الصلاة قبل الجلوس، فإنها تشمل المسجد الحرام بلا ريب. ولا يقال: عن تحية المسجد الحرام هي الطواف؛ لأمرين: الأول: أن ما اشتهر على الألسنة من أن تحية المسجد الحرام الطواف لا أصل له. قال الحافظ ابن حجر ﵀: (حديث "من أتى البيت فليحيه بالطواف" لم أجده) (٥). وقال القاري في الموضوعات الكبرى: (حديث "تحية البيت الطواف". قال السخاوي: لم أره بهذا اللفظ. قلت: المراد بالبيت هو الكعبة، وهو بيت الله الحرام، ومعناه صحيح، كما في الصحيح عن عائشة: "أول شيء بدأ به النبي ﷺ حين قدم مكة أنه توضأ ثم طاف .. " الحديث. وذلك لأن كل من يدخل المسجد الحرام يسن له أن يبدأ بالطواف فرضًا أو نفلًا، ولا يأتي بصلاة تحية المسجد إلا إذا لم يكن في نيته أن يطوف لعذر أو غيره.

стр. 74

وليس معناه أن تحية المسجد ساقطة عن هذا المسجد، كما توهم بعضهم من مفهوم هذه العبارة الصادرة عن الفقهاء وغيرهم). اهـ (١). الأمر الثاني: أن في ذلك حرجًا عظيمًا لا تأتي الشريعة الإسلامية بمثله، فلو كان الداخل للمسجد الحرام لا يجلس حتى يطوف لوقع الناس في مشقة، لا سيما مع تكرر دخول المسجد الحرام لصلاة وغيرها. وكيف يكون الحال أوقات المواسم كالحج أو رمضان وغيرها من الأوقات التي يزدحم فيها المسجد الحرام بالمعتمرين والحجاج والمصلين. فالحمد لله على تيسيره. سقوط تحية المسجد تسقط تحية المسجد في صور عديدة أهمها ما يلي: إذا تكرر دخول الإنسان المسجد عدة مرات متوالية، فمن أهل العلم من قال: يكفيه ركعتان، وهو قول الحنفية (٢)، ونقله المرداوي عن ابن عقيل الحنبلي، وعلل ذلك بالمشقة لو صلى لكل مرة (٣). وقال الأكثرون: تستحب التحية لكل مرة، قال النووي: وهو الأقوى والأقرب على ظاهر الحديث. اهـ (٤). ورجحه الشيخ عبد الرحمن السعدي (٥). والأظهر أنه يكفيه ركعتان؛ لأن من خرج من المسجد وعاد إِليه عن قرب لم يخرج خروجًا منقطعًا، فلا يعد خروجًا، بدليل أن مثل ذلك لا يقطع اعتكاف المعتكف، أما من خرج خروجًا منقطعًا ولم ينو الرجوع فهذا تشرع له التحية مرة أخرى إن رجع. والله أعلم (٦). إذا دخل المسجد وجلس قبل التحية، فإن لم يطل الفصل قام وصلى، على الأظهر من قولي أهل العلم (٧)، ويدل لذلك حديث جابر ﵁ قال: بينما النبي ﷺ يخطب يوم الجمعة إذ جاء رجل فقال النبي ﷺ : "أصليت يا فلان؟ " قال: لا. قال: "قم فصلّ ركعتين" (٨). قال النووي: (الذي يقتضيه هذا الحديث أنه إذا ترك التحية جهلًا بها أو سهوًا يشرع له فعلها ما لم يطل الفصل، وهذا هو المختار) (٩). أما إِذا جلس وطال الفصل فمن أهل العلم من قال: إنه فات محلها، وقال آخرون: بل يقوم ويصلي ولو طال الفصل؛ لأن الرسول ﷺ أمر سليكًا -كما تقدم- بتحية المسجد بعد جلوسه، ولا تحديد لهذا الفصل، فلا يتركها الداخل حتى ولو جلس فإنه يصليها (١٠). والقول بأنه إذا طال الفصل لا يصليها لا يخلو من وجاهة، ونقل الحافظ ابن حجر في "فتح الباري"

стр. 75

عن المحب الطبري أنه قال: (يحتمل أن يقال: وقتهما قبل الجلوس وقت فضيلة، وبعده وقت جواز، أو يقال وقتهما قبله أداء وبعده قضاء، ويحتمل أن تحمل مشروعيتهما بعد الجلوس على ما إذا لم يطل الفصل) (١). إذا دخل المسجد وقد أقيمت الفريضة -كما تقدم- أو صلاة نفل كالتراويح، أو صلى مقضية سقطت عنه تحية المسجد؛ لقوله ﷺ : "إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة" (٢). لأن المقصود من تحية المسجد هو تعظيم المسجد بأي صلاة كانت وشغل بقعة المسجد بصلاة، فقامت الفريضة أو النافلة أو المقضية ونحوها مقام التحية، فلم تبق التحية مطلوبة (٣). إذا دخل والخطيب يوشك أن ينهي خطبة الجمعة فإنه يقف إلى قيام الصلاة، لكراهة الجلوس قبل التحية، ولا يصليها؛ لأنه مأمور بصلاتها حيث يمكنه ذلك، وفى هذه الحال لا يمكنه أن يصلي، فتسقط عنه، وكذا لو خشي فوات تكبيرة الإحرام، أو الفاتحة، أو الركعة الأولى سقطت عنه تحية المسجد (٤). إذا دخل المسجد الحرام وهو يريد الطواف سقطت عنه التحية. وقد مضى الكلام على هذه الصورة. والله أعلم. الحكم السابع الصلاة إلى سترة ومما ينبغي أن يحرص عليه المصلي بعد دخول المسجد أن يصلي النافلة إلى سترة، وأن يدنو منها، وهي مشروعية في حق الإمام والمنفرد، وكذا المسبوق إذا قام لقضاء ما فاته إن أمكن، حتى ولو كان المصلي في مكان لا يخشى فيه مارًا؛ لعموم الأدلة لكل مصلّ؛ ولأنه قد يكون المار من الجنس الذي لا يراه الإنسي، وهو الشيطان، كما في حديث سهل الآتي -إن شاء الله-. ولا فرق في مشروعية اتخاذ السترة بين الرجال والنساء، على أن التساهل فيها موجود، فمن المتنفلين من لا يصلي إلى سترة، بل يصلي وسط المسجد، أو في مؤخره بلا سترة، وهذا من الجهل وعدم الفقه في الدين. والنساء يتساهلن في السترة، فلا تكاد تجد امرأة تصلي في بيتها إلى سترة إلا القليل النادر (٥). وقد دلت السنة القولية والفعلية على تأكيد اتخاذ السترة، وقد واظب عليها النبي ﷺ ولم يتركها حضرًا ولا سفرًا، وأمر بها في عدة أحاديث، حتى ذهب فريق من أهل العلم إلى وجوبها، وهو مروي عن الإمام أحمد ﵀، وبه قال ابن خزيمة وبدر الدين العيني والشوكاني وغيرهم، رحم الله الجميع، وهذا قول قوي وإن كان الجمهور قالوا بالسنية، فإن الأمر باتخاذ السترة أمر مطلق لا قرينة معه تصرفه عن الوجوب، فيكون مقتضيًا له، وإليك بعضًا من هذه النصوص: عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "إذا صلى أحدكم فليصل إلى سترة، وليدن منها، ولا يدع أحدًا يمر يه وبينها، فإذا جاء أحد يمر فيقاتله؛ فإنه شيطان" (٦).

стр. 76

قال الشوكاني: (فيه أن اتخاذ السترة واجب) (١). وعن سهل بن أبي حثمة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا صلى أحدكم فليصل إلى سترة، وليدن منها، لا يقطع الشيطان عليه صلاته" (٢). وعن سبرة بن معبد الجهني ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا صلى أحدكم فليستتر لصلاته ولو بسهم" (٣). والسهم: عود من الخشب يسوّى، في طرفه نصل يرمى به عن القوس، ويبلغ طوله فترًا تقريبًا، والفتر: بالكسر، ما بين طرف الإبهام وطرف السبابة بالتفريج المعتاد (٤)، ويقدر بحوالي ستة عشر سنتًا. وعن ابن عمر ﵄: أن رسول الله ﷺ كان إذا خرج يوم العيد أمر بالحربة فتوضع بين يديه، فيصلي إليها والناس وراءه، وكان يفعل ذلك في سفره، فمن ثمّ اتخذها الأمراء (٥). والحربة: آلة قصيرة من الحديد، محددة الرأس، تستعمل في الحرب (٦). وعن عون بن أبي جحيفة قال: سمعت أبي: أن النبي ﷺ صلى بالبطحاء وبين يديه عنزة الظهر ركعتين، والعصر ركعتين، يمر بين يديه المرأة والحمار، وفي رواية: يمر من ورائها المرأة والحمار والكلب (٧). والعنزة: أطول من العصا، وأقصر من الرمح، في أسفلها زج كزج الرمح، يتوكأ عليها الشيخ الكبير (٨). وعن أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا قام أحدكم يصلي فإنه يستره إذا كان بين يديه مثل آخرة الرحل، فإذا لم يكن بين يديه مل آخرة الرحل فإنه يقطع صلاته الحمار والمرأة والكلب الأسود" (٩). قال النووي: (آخرة الرحل: بهمزة ممدودة، وكسر الخاء، وهي العود الذي في آخر الرحل). اهـ (١٠). والرحل: هو المعروف عند أهل الإبل بالشداد، وهو المركب المعد للراكب، يكون من الخشب، وفي آخره خشبة يستند إليها الراكب. فهذه النصوص دليل صريح على مشروعية اتخاذ السترة عند الصلاة، سواء كان ذلك في المسجد، أو المنزل، أو في الصحراء.

стр. 77

ولقد امتثل السلف الصالح مدلول هذه النصوص، وثبت من أقوالهم وأفعالهم ما يدل على ذلك. فعن أنس بن مالك ﵁ قال: لقد رأيت أصحاب النبي ﷺ يبتدرون السواري عند المغرب حتى يخرج النبي ﷺ . وفي رواية: وهم كذلك يصلون الركعتين قبل المغرب (١). وعن قرّة بن إياس قال: رآني عمر وأنا أصلي بين أسطوانتين -أي: عمودين- فأخذ بقفائي فأدناني إلى سترة، فقال: صل إليها (٢). قال الحافظ ابن حجر: (أراد عمر بذلك أن تكون صلاته على سترة) (٣). وقال عبد الله بن مسعود ﵁: (أربع من الجفاء: أن يصلي الرجل إلى غير سترة، وأن يسمح جبهته قبل أن ينصرف، أو يبول قائمًا، أو يسمع المنادي ثم لا يجيبه) (٤). والحكمة من الأمر باتخاذ السترة دفع الضرر عن الصلاة الذي سببه مرور الشيطان أمام المصلي، وهذا ما يفهم من قوله ﷺ في حديث سهل المتقدم: "فليصل إلى سترة، وليدن منها، لا يقطع الشيطان عليه صلاته" (٥). قال السندي: (هذه جملة مستأنفة بمنزلة التعليل، أي: لئلا يقطع الشيطان عليه صلاته) (٦). وعن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "إذ كان أحدكم يصلي فلا يدع أحدًا يمر بين يديه، فإن أبى فليقاتله؛ فإن معه القرين" (٧). والشيطان يطلق حقيقة على الجن، ويطلق على الإنس أيضًا. قال العيني: (وقد يكون أراد بالشيطان المار بين يديه: نفسه، وذلك أن الشيطان هو المارد الخبيث من الجن والإنس) (٨). وقال بعض العلماء: الحكمة في السترة كفّ البصر عما وراءها، ومنع من يجتاز بقربه، وهذا أمر محسوس؛ فإن من يصلي إلى سترة أجمع لقلبه وأقرب لخشوعه وأغض لبصره، لا سيما إذا كانت سترة شاخصة كجدار أو سارية؛ والله المستعان. وتحصل السترة بكل ما يجعله المصلي تجاه القبلة كالسارية، والجدار ولو قصيرًا، والراحلة، والسيارة، والشجرة، والسرير، واللبنة، والمخدة، والعصا والحجر، وغير ذلك (٩). وأجاز بعض العلماء فرش السجادة واعتبار نهايتها سترة له. قال في سبل السلام: (وقاس الشافعية على ذلك -أي وضع الخط- بسط المصلي لنحو سجادة، بجامع إشعار المار أنه في الصلاة، وهو صحيح) (١٠). ولا تحديد لعرض السترة؛ فإن الرسول ﷺ صلى إلى العنزة (وهي عصا في أسفلها حديدة)، وصلى

стр. 78

على الرمح ونحوهما، وفي حديث سبرة المتقدم: "ولو بسهم". وأما ارتفاعها فتقدم في حديث أبي ذر ﵁ أنها مثل آخرة الرحل، والمراد بذلك: الخشبة التي يستند إليها الراكب، كما مضى، ومقدارها ذراع، كما صرح به عطاء، وأفتى به الثوري، قال ابن جريج: قال عطاء: كان من مضى يجعلون مؤخرة الرحل إذا صلوا، قلت: وكم بلغك قدر مؤخرة الرحل؛ قال: ذراع، قال: سمعت الثوري يفتي بقول عطاء (١)، وذكر النووي أنها ثلثا ذراع (٢)، والظاهر أن طولها يختلف، والله أعلم. واعلم أن ظاهر النصوص يدل على أن المصلي يجعل السترة قبالة وجهه ولا ينحرف عنها، فإن قول الراوي: صلى رسول الله ﷺ إلى الحربة. وقوله: بين يديه عنزة، ونحوهما يدل على مقابلة السترة وعدم الانحراف. قال ابن عبد البر: (وأما استقبال السترة والصمد لها فلا تحديد في ذلك عند العلماء، وحسب المصلي أن تكون سترته قبالة وجهه). اهـ (٣). وأما حديث ضباعة بنت المقداد بن الأسود عن أبيها قالت: (ما رأيت رسول الله ﷺ صلى على عمود ولا عود ولا شجرة إلا جعله على حاجبه الأيمن أو الأيسر ولا يصمد له صمدًا)؛ فهو حديث ضعيف، كما حققه ابن القيم وغيره من أهل العلم (٤). وقد دلت الأحاديث المتقدمة على وجوب الدنو من السترة على ما ذهب إليه فريق من أهل العلم لأمرين: الأول: أن الرسول ﷺ أمر بذلك، والأمر عند الإطلاق يقتضي الوجوب. الثاني: التعليل بقوله: "وليدن منها، لا يقطع الشيطان عليه صلاته" (٥). وأما مقدار ذلك فقد دل عليه حديث سهل بن سعد الساعدي ﵁ قال: كان بين مصلى رسول الله ﷺ وبين الجدار ممر شاة (٦). والمراد بالمصلّى: مكان الصلاة، وهو ما يصلي فيه الإنسان من موضع القدمين والجبهة في السجود، فتكون المسافة بين موضع سجوده وبين سترته قدر ممر شاة، وهو نصف ذراع تقريبًا، أو ثلاثة أذرع

стр. 79

تقريبًا من موضع القدمين على السترة (١)، كما ورد في حديث بلال ﵁: أنه ﷺ صلى في الكعبة، وبينه وبين الجدار ثلاثة أذرع (٢). يقول البغوي ﵀: (والعمل على هذا عند أهل العلم؛ استحبوا الدنو من السترة، بحيث يكون بينه وبينها قدر إمكان السجود، وكذلك بين الصفين) (٣)، وعلى هذا فينبغي قرب الصف الأول من الإمام؛ لأن سترة الإمام سترة لمن خلفه. والله أعلم. السترة في المسجد الحرام: اعلم أن النصوص الدالة على مشروعية السترة في الصلاة، وتحريم المرور بين يدي المصلي، ووجوب رد المار تشمل المسجد الحرام، فإنها أدلة عامة لا مخصص لها، بل قد ورد في اتخاذ السترة بمكة عمومًا وفي المسجد الحرام خصوصًا أدلة صريحة تؤيد ذلك. فمنها حديث أبي جحيفة ﵁ قال: خرج رسول الله ﷺ بالهاجرة فصلى بالبطحاء الظهر والعصر ركعتين، ونصب بين يديه عنزة .. الحديث (٤). وقد بوب عليه البخاري ﵀ فقال: (باب السترة بمكة وغيرها). قال ابن حجر في فتح الباري: (فأراد البخاري التنبيه على ضعف الحديث -أي حديث المطلب الآتي- وأنه لا فرق بين مكة وغيرها في مشروعية السترة) قال: (وهذا هو المعروف عند الشافعية وأنه لا فرق في منع المرور بين يدي المصلي بين مكة وغيرها) (٥). وعن جابر ﵁ في حديثه الطويل في صفة حج النبي ﷺ قال: ثم نفذ إلى مقام إبراهيم ﵇ فقرأ: ﴿واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى﴾ [البقرة: ١٢٥] فجعل المقام بينه وبين البيت. فذكر صلاته ركعتين (٦). وعن يحيى بن أبي كثير قال: رأيت أنس بن مالك في المسجد الحرام قد نصب عصا يصلي إليها (٧). وعن صالح بن كيسان قال: رأيت ابن عمر يصلي في الكعبة، ولا يدع أحدًا يمر بين يديه (٨). فهذه نصوص صحيحة صريحة في أن اتخاذ السترة في المسجد الحرام ومكة عمومًا مشروع. وعلى هذا فلا يجوز المرور بين يدي المصلي عامة، ولا أعلم دليلًا يستثني المسجد الحرام، والوعيد في الأحاديث عام يستحقه كل من يمر بين مصلّ في أي مكان. وأما ما ورد عن المطلب بن أبي وداعة قال: رأيت رسول الله ﷺ طاف بالبيت سبعًا، ثم صلى

стр. 80

ركعتين بحذائه في حاشية المقام، وليس بينه وبين الطواف أحد (١)، وفي رواية: (وليس بينه وبين الطواف سترة)، فهذا قد استدل به من قال: لا سترة في المسجد الحرام. ولكن هذا الإستدلال غير ناهض؛ لوجوه منها: الأول: أن الحديث ضعيف؛ لأنه من رواية كثير بن كثير بن المطلب بن أبي وداعة عن بعض أهله عن جده، ففي إسناده مجهول وهو الواسطة بين كثير وجده وفيه علة أخرى، وهي الاختلاف في إسناده (٢). الثاني: أنه فعل، وأحاديث الأمر بالسترة قول، وقد تقرر في الأصول أن فعله ﷺ لا يعارض القول الخاص بالأمة. الثالث: أنه معارض بما هو أقوى منه، وهو ملازمة الرسول ﷺ اتخاذ السترة سفرًا وحضرًا الثابت بالأحاديث الصحيحة. وكذلك أمره ﷺ بالسترة أمرًا صريحًا مطلقًا في نصوص كثيرة -كما تقدم-. الرابع: أن الثابت في حديث جابر ﵁ وغيره أنه ﷺ صلى بعد فراغه من الطواف خلف المقام، فيكون المقام سترة له. قال جابر ﵁: (وطاف النبي ﷺ بالبيت وصلى ركعتين، والمقام بينه وبين البيت .. ) (٣) ولهذا قال السندي ﵀ على حديث المطلب: (قلت: لكن المقام يكفي سترة، وعلى هذا فلا يصلح هذا الحديث دليلًا لمن يقول: لا حاجة في مكة إلى سترة، فليتأمل) (٤). ومن العلماء من يجيز المرور بين يدي المصلي في المسجد الحرام في حال الضرورة (٥) كالزحام الشديد للمشقة، ولا أعلم لذلك دليلًا. لكني أقول؛ ليت الأمر اقتصر في المسجد الحرام على حال الضرورة، كأيام الحج، ورمضان -مثلًا-؛ لأن الواجب على العبد أن يتقي الله ما استطاع، ولكن صار المرور شيئًا عاديًا لدى عموم الناس، حتى إن بعضهم ليمر بين يدي المتنفلين ذهابًا وإيابًا لأدنى حاجة، دون أن يحسّ بحرج، وهذا مما يشاهد ويؤسف عليه، إذ لا ريب أن المرور بين يدي المصلي فيه تشويش عليه وأذية له، فالله المستعان. الحكم الثامن لا يخرج من المسجد بعد الأذان من آداب حضور المساجد: أن لا يخرج المسلم بعد الأذان إلا لعذر؛ لأن الخروج إعراض عما يقتضيه الأذان من طلب الإقبال وحضور المساجد لأداء الصلاة؛ ولئلا يكون الخروج ذريعة إلى الاشتغال عن صلاة الجماعة والتأخر عنها، وقد ورد عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إذا نودي للصلاة أدبر الشيطان وله ضراط حتى لا يسمع التأذين .. " الحديث (٦). قال ابن بطال: (يشبه أن يكون الزجر عن خروج المرء من المسجد بعد أن يؤذن من هذا المعنى؛

стр. 81

لئلا يكون متشبهًا بالشيطان الذي يفرّ عند سماع الأذان، والله أعلم) (١). وعن أبي الشعثاء قال: كنا قعودًا في المسجد مع أبي هريرة ﵁ فأذن المؤذن، فقام رجل من المسجد يمشي، فاتبعه أبو هريرة بصره حتى خرج من المسجد، فقال أبو هريرة: (أما هذا فقد عصى أبا القاسم ﷺ ) (٢). وهذا المرفوع حكمًا الذي يحتج به؛ لأن الحكم على الشيء بأنه طاعة أو معصية لا يكون إلا بنص من الشارع، ولا يجزم الصحابي بذلك إلا وعنده علم منه، على أنه قد ورد عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يسمع النداء في مسجدي هذا، ثم يخرج منه إلا لحاجة، ثم لا يرجع إليه إلا منافق" (٣). قال الترمذي ﵀ بعد حديث أبي هريرة المتقدم: (وعلى هذا العمل عند أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ ومن بعدهم، ألا يخرج أحد من المسجد بعد الأذان إلا من عذر؛ أن يكون على غير وضوء أو أمر لا بد منه) اهـ (٤). أما من خرج لعذر شرعي كوضوء فقد ورد الدليل بجوازه، وهو ما دل عليه حديث أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ خرج وقد أقيمت الصلاة وعدلت الصفوف، حتى إذا قام في مصلاه انتظرنا أن يكبر انصرف، قال: "على مكانكم" فمكثنا على هيئتنا حتى خرج إلينا ينطف رأسه ماء، وقد اغتسل (٥). وكذا يجوز الخروج لمن كان إمامًا في مسجد آخر حضر درسًا أو محاضرة؛ لأن هذا عذر شرعي داخل في عموم الحاجة المنصوص على استثنائها. وعن عثمان بن عفان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من أدركه الأذان في المسجد ثم خرج، لحاجة، وهو لا يريد الرجعة فهو منافق" (٦). وعن سعيد بن المسيب: أن النبي ﷺ " قال: "لا يخرج من المسجد أحد بعد النداء إلا منافق، إلا أحد أخرجته حاجة وهو يريد الرجوع" (٧). والمعنى: أن فعله هذا فعل المنافق؛ إذ المؤمن حقًا ليس من شأنه ذلك، فالنفاق هنا النفاق العملي، وليس الاعتقادي، والله أعلم (٨). وبعض المؤذنين إذا أذن خرج إلى بيته أو لشغله، وهذا وإن كان يريد الرجوع لكن الأولى في حقه عدم الخروج؛ لأنني أخشى أن يكون خروجًا لغير حاجة، بل دعت إليه العادة والملل من الجلوس في المسجد حتى الإقامة لا سيما في الأوقات التي يتسع فيها الزمن بين الأذان والإقامة في غالب المساجد، والمؤذن أولى بالامتثال من غيره؛ لأنه يدعو الناس إلى حضور الصلاة والمبادرة إليها، ثم هو يخرج ولا يعود إلا قبيل الإقامة. فينبغي التنبه لذلك، والتنبيه عليه.

стр. 82

الحكم التاسع وظيفة الجالس في المسجد إن المساجد موضع العبادة وحضور الملائكة ونزول الرحمة. فما بنيت إلا لذكر الله تعالى والصلاة. فلها من الحرمة ما ليس لغيرها. وقد اختصت المساجد بآداب ينبغي للجالس فيها أن يتحلى بها، وتكون طبيعة له وسجية بلا تكلف ولا مشقة. وقد نوه الله تعالى بذكر المساجد، وأثنى على المتعبدين فيها؛ قال تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (٣٦) رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾ [النور: ٣٦، ٣٧]. وجمهور المفسرين على أن المراد بالبيوت: المساجد (١). وقد وصف النبي ﷺ المساجد بأنها أحب البقاع إلى الله تعالى، ففي حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "أحب البلاد إلى الله تعالى مساجدها، وأبغض البلاد إلى الله أسواقها" (٢). قال في بلوغ الأماني: (وإنما كانت المساجد أحب البقاع إلى الله ؛ لأنها مكان الصلاة، والعبادة، وذكر الله، وتعمرها الملائكة، أما الأسواق فكانت أبغض البقاع إلى الله؛ لما يكثر فيها من الكذب والغش والخداع والأيمان الكاذبة؛ ولأنها مساكن الشياطين، تلهيهم عن ذكر الله وإقام الصلاة، وتغويهم على الكذب والأيمان الفاجرة، نعوذ بالله من ذلك) (٣). وكما أخبر النبي ﷺ عن المساجد بأنها أفضل البقاع، فقد أخبر عن وظيفتها ومهمة الجالس فيها؛ ففي حديث أنس ﵁ في قصة الأعرابي الذي بال في المسجد جاء قوله ﷺ : "إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول ولا القذر؛ إنما هي لذكر الله والصلاة و قراءة القرآن " (٤). فليحرص من وفقه الله تعالى للتقدم إلى المسجد قبل الإقامة على التحلي بالآداب الشرعية بعد أن يصلي تحية المسجد أو السنة الراتبة، ومن ذلك ما يلي: قراءة القرآن: لا مكان أفضل من المسجد لقراءة القرآن. يقول النووي ﵀: (ويستحب أن تكون القراءة في مكان نظيف مختار، ولهذا استحب جماعة من العلماء القراءة في المسجد؛ لكونه جامعًا للنظافة وشرف البقعة) (٥). وقراءة القرآن في المسجد أفضل من الذكر سواء كانت القراءة حفظًا أو غيبًا عن ظهر قلب، وليحرص القارئ على التأدب بآداب التلاوة، من الإخلاص والترتيل وتحسين الصوت والخشوع والسؤال عند آية الرحمة والتعوذ عند آية العذاب والسجود في مواضعه، وألا يرفع صوته بالقراءة، وألا يقطعها لمحادثة أحد، إلا لرد السلام وإجابة المؤذن؛ لعموم الأدلة على وجوب رد السلام ومشروعية إجابة المؤذن، كما

стр. 83

يجوز قطعها لكلام لا بد منه كتنبيه غافل أو إرشاد أعمى، ونحو ذلك. ومن الناس من يتساهل في ذلك فيتحدث مع جاره أثناء التلاوة، بل ويقطعها لأدنى كلام، ولا يتحرج من تكرار ذلك. ومن كان لا يحسن القراءة فليكثر من ذكر الله تعالى ومن التسبيح والتحميد والتهليل، ففي ذلك ثواب عظيم وخير كثير، دلت عليه الأحاديث الصحيحة، ولا سيما إذا كان ذلك في المساجد. الحذر من الكلام الباطل وما لا فائدة فيه: لا مكان في المسجد للكلام الباطل من الغيبة والكذب ونحو ذلك، وإذا كانت هذه الأمور محرمة فهي في المسجد أشد تحريمًا، وكلّ كلام لا فائدة فيه فإن المسجد ينزه عنه، فإن المساجد لم تبن لذلك. ومن الناس لا يفتأ يتحدث مع جاره في كلام لا خير فيه أو فيه مضرة، وأكثر هؤلاء ممن يتقدمون إلى المسجد، ويحرمون أنفسهم من فضائل الأعمال التي لا كلفة فيها من الذكر والتسبيح، فهي حفظ للوقت، واحترام للبقعة، وخير يدخره أحوج ما يكون إليه. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (وأما الكلام الذي يحبه الله ورسوله في المسجد فحسن، وأما المحرم فهو في المسجد أشد تحريمًا، وكذلك المكروه، ويكره فيه فضول المباح) (١). وقد ورد عن ابن عباس ﵄ أنه قال في قوله تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾ [النور: ٣٦]، قال: (نهى سبحانه عن اللغو فيها)، وكذا قال جمع من السلف (٢). قال سعيد بن المسيب ﵀: (من جلس في المسجد فإنما يجالس ربه، فما حقه أن يقول إلا خيرًا) (٣). الحذر من رفع الصوت: لقد نهى النبي ﷺ عن رفع الصوت بالقراءة؛ لئلا يشوش القارئ على غيره من المصلين والتالين -كما تقدم-، وإذا كان القارئ منهيًا عن رفع صوته بالقراءة وهي عبادة إذا تأذى به أحد، فكيف يكون الحكم فيمن يرفع صوته في غير ذلك كحديث الدنيا، وكيف يكون الحكم إذا كان يرفع صوته ومن بجواره يقرأ القرآن؟! قال ابن عبد البر: (وإذا نهي المسلم عن أذى المسلم في عمل البر وتلاوة القرآن فإيذاؤه في غير ذلك أشد تحريمًا) (٤). وعن السائب بن يزيد ﵁ قال: كنت قائمًا في المسجد فحصبني رجل، فنظرت فإذا عمر بن الخطاب ﵁، فقال: اذهب فائتني بهذين، فجئته بهما، فقال: من أنتما؟ أو: من أين أنتما؟ قالا: من أهل الطائف، قال: لو كنتما من أهل البلد لأوجعتكما، ترفعان أصواتكما في مسجد رسول الله ﷺ ؟! (٥). وقد نص أهل العلم على كراهة رفع الصوت في المسجد، إلا فيما لا بد منه من العلم ونحوه، والله أعلم.

стр. 84

الحذر من البيع والشراء في المسجد: عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إذا رأيتم من يبيع أو يبتاع في المسجد، فقولوا: لا أربح الله تجارتك. وإذا رأيتم من ينشد ضالة فقولوا: لا رد الله عليك" (١). وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: أن رسول الله ﷺ نهى عن الشراء والبيع في المسجد (٢). وروى مالك: أن عطاء بن يسار كان إذا مر عليه بعض من يبيع في المساجد دعاه فسأله: ما معك، وماذا تريد؟ فإن أخبره أنه يريد أن يبيعه قال: عليك بسوق الدنيا، وإنما هذه أسواق الآخرة (٣). وإنما نهي عن البيع والشراء في المسجد؛ لما يصاحب ذلك من اللغط ورفع الصوت وتلويث المسجد بمخلفات البيع ونحو ذلك مما يفقد المساجد حرمتها ومكانتها؛ فإن المساجد لم تبن لهذا، وإنما بنيت لذكر الله تعالى والصلاة والعلم، والبيع والشراء ونشد الضالة إخراج لها عن وظيفتها التي قررها الشرع، ويلحق بالبيع ما في معناه من الإجارة والرهن والقرض ونحوها من العقود. الحذر من استدعاء النوم بالنعاس: ينبغي للجالس في المسجد ألا يكون للنوم أو النعاس عليه سبيل، ولا سيما مع طول المكث كيوم الجمعة، ولا ريب أن النعاس قد يكون من الأمور القهرية إلا أنه يمكن تفادي ذلك براحة تامة قبل الحضور إلى المسجد، ولا سيما يوم الجمعة، ولا يليق بمسلم أن يجعل اليقظة وقوة الانتباه في الأسواق، ويجعل حظ المسجد النوم والنعاس. كما ينبغي استدعاء النعاس بسبب من الأسباب كالاستناد إلى جدار، أو خفض الرأس، بل يشتغل الجالس بما تقدم، ولا سيما تلاوة القرآن. ومن الناس من لا يبالي بذلك ولو كان في مجلس من المجالس ما كان للنعاس عليه من سبيل، فليحرص المسلم على اغتنام الأوقات لا سيما في أفضل البقاع وهي المساجد، وقد أرشد النبي ﷺ من ينعس إلى علاج ميسور؛ فقد ورد عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا نعس أحدكم وهو في المسجد فيتحول من مجلسه ذلك على غيره" (٤). قال الشوكاني: (والحكمة في الأمر بالتحول: أن الحركة تذهب النعاس، ويحتمل أن الحكمة فيه انتقاله من المكان أصابته فيه الغفلة بنومه وإن كان النائم لا حرج عليه، فقد أمر النبي ﷺ في قصة نومهم عن صلاة الصبح في الوادي بالانتقال منه، وأيضًا من جلس ينتظر الصلاة فهو في صلاة، والنعاس في الصلاة من الشيطان، فربما كان الأمر بالتحول لإذهاب ما هو منسوب إلى الشيطان من حيث غفلة الجالس عن

стр. 85

الذكر أو سماع الخطبة أو ما فيه منفعة) (١). وقد ورد في بعض طرق الحديث تقييد ذلك بالجمعة، وسأذكر ذلك -إن شاء الله- عند الكلام على أحكام حضور الجمعة. الحكم العاشر تسوية الصفوف وإتمامها من آداب حضور المساجد تسوية الصفوف إذا أقيمت الصلاة، ولقد أولى الإسلام صفوف المصلين عناية كبيرة، حيث أمر بتسوية الصفوف، وبين كيفية التسوية، وأظهر فضيلة تسويتها، والاهتمام بها. فعن أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ قال: "سووا صفوفكم؛ فإن تسوية الصفوف من تمام الصلاة"، وفي رواية: "من إقامة الصلاة" (٢). وعن أبي مسعود البدري ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يمسح مناكبنا في الصلاة، ويقول: "استووا، ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم .. " (٣). وعن النعمان بن بشير ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لتسوُّن صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم" (٤). فهذه نصوص واضحة في وجوب تسوية الصفوف، قال البخاري -رحمه الله تعالى- في صحيحه: (باب إثم من لا يتم الصفوف)، وأورد فيه بسنده عن بشير بن يسار الأنصاري عن أنس بن مالك: أنه قدم المدينة، فقيل له: ما أنكرت منا منذ يوم عهدت رسول الله ﷺ ؟ قال: (ما أنكرت شيئًا إلا أنكم لا تقيمون الصفوف) (٥). قال في فتح الباري: (يحتمل أن يكون البخاري أخذ الوجوب من صيغة الأمر في قوله: "سووا صفوفكم"، ومن عموم قوله ﷺ : "صلوا كما رأيتموني أصلي"، ومن ورود الوعيد على تركه، فترجح عنده بهذه القرائن أن إنكار أنس إنما وقع على ترك الواجب، وإن كان الإنكار قد يقع على ترك السنن، ومع الجهتين، ويؤيد ذلك أن أنسًا مع إنكاره عليهم لم يأمرهم بإعادة الصلاة) (٦). وفي تسوية الصفوف ثواب عظيم دلت عليه السنة؛ فمن ذلك ما ورد عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "أقيموا الصفوف، وحاذوا بين المناكب، وسدوا الخلل، ولا تذروا فرجات للشيطان، ومن وصل صفًا وصله الله، ومن قطع صفًا قطعه الله" (٧). وعن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال:

стр. 86

"من سد فرجة رفعه الله بها درجة، وبنى له بيتًا في الجنة" (١). وعن عائشة أيضًا ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: "إن الله وملائكته يصلون على الذين يصلون الصفوف" (٢). وعن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "خياركم ألينكم مناكب في الصلاة، وما من خطوة أجرًا من خطوة مشاها رجل إلى فرجة في الصف فسدها" (٣). فهذه الأحاديث تبين فضيلة تسوية الصفوف وسدّ الفرج، ومدح من يلين بين صاحبه إذا أمره بالاستواء، أو أراد دخولًا في الصف؛ لسد فرجة أو لضيق مكان فلا يمنعه، بل يمكنه من ذلك ولا يدفعه بمنكبه، فهذا من خيار الناس (٤). وأما كيفية تسوية الصف فقد دلت عليها نصوص كثيرة تقدم بعضها، ومنها -أيضًا- ما ورد عن أنس ﵁ عن النبي ﷺ قال: "أقيموا صفوفكم فإني أراكم من وراء ظهري"، وكان أحدنا يلزق منكبه بمنكب صاحبه، وقدمه بقدمه، وفى رواية: قال أنس: (لقد رأيت أحدنا يلزق منكبه بمنكب صاحبه، وقدمه بقدمه، ولو ذهبت تفعل ذلك اليوم لترى أحدهم كأنه بغل شموس) (٥). والشموس: بضم المعجمة والميم: الفرس يستعصي على راكبه (٦). وقال النعمان بن بشير ﵁: (فرأيت الرجل يلصق منكبه بمنكب صاحبه، وركبته بركبة صاحبه، وكعبه بكعبه) (٧). وعن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "أتموا الصف المقدم ثم الذي يليه، فما كان من نقص فليكن في الصف المؤخر" (٨). ومن مجموع النصوص يتضح أن تسوية الصف تتحقق بما يلي: إتمام الصف الأول فالأول، وسدّ الفرج بالتراص. استقامة الصف وتعديله بالمحاذاة بين الأعناق والمناكب والركب والأكعب، بحيث لا يتقدم عنق على عنق، ولا منكب على منكب ولا صدر على صدر. ألا يوسع المصلي بين قدميه؛ لأن ذلك يمنع التصاق منكب صاحبه بمنكبه. التقارب فيما بين الصفوف، وفيما بينها وبين الإمام؛ فإن هذا من تسوية الصفوف (٩). وليس من تسوية الصف ما يفعله بعض الناس من ملاحقة من على يمينه ومن على يساره؛ ليلصق كعبه بكعب جاره، يفعل ذلك في القيام والركوع وبعد الرفع من الركوع. وهذا الفعل لا أصل له في تسوية الصفوف، وفيه أخطاء عديدة:

стр. 87

الأول: أن فيه اشتغالًا؛ فيه اشتغال بما لم يشرع، وإكثار من الحركة، واهتمام بعد القيام لملأ الفراغ، وفيه اشغال للجار بملاحقة قدمه. الثاني: فيه توسيع للفرج بين المتصافين، ويظهر ذلك إذا هوى المأموم للسجود. وهذا يؤدي إلى عدم التصاق منكبه بمنكب صاحبه، وركبته بركبته، وكعبه بكعبه، فانظر كيف ضيّع هذا المصلي سنة من أجل فعل لا أصل له. الثالث: فيه اقتطاع لمحل قدم غيره بغير حق، فإن جاره يفر منه وهو يلاحقه في مكانه الذي سبق إليه. الرابع: فيه تفويت لتوجيه رؤوس القدمين إلى القبلة؛ لأن أكثر هؤلاء يلوي قدمه، ليلزقها بقدم جاره. الخامس: أن رصّ الصفوف خاص بما يلي الإمام، فمن كان يمين الصف فحقه أن يسد الخلل ويتم الصف متجهًا إلى اليسار، ومن كان على يسار الإمام فيتجه إلى اليمين، وفي هذا الفعل مخالفة بينة لهذه السنة (١) ولا دليل لمن يفعل ذلك بقول النعمان بن بشير المتقدم: (فرأيت الرجل يلزق منكبه بمنكب صاحبه، وركبته بركبة صاحبه، وكعبه بكعبه)، فإن المراد بالحديث -كما يقول الحافظ في الفتح- المبالغة في تعديل الصف، وسدّ خلله (٢)؛ بدليل أن إلزاقه الركبة بالركبة حال القيام متعذر. وإنما ذكرت هذه الجزئية؛ لأني رأيت من يفعلها، ويحرص عليها ويناقش فيها، فرحم الله امرأ وقف عند السنة، ولم يفض به تطبيقها على الغلو والزيادة. ولا ينبغي للإنسان أن يقف بين السواري لغير حاجة؛ لما ورد عن معاوية ابن قرة، عن أبيه قال: (كنا ننهى أن نصف بين السواري على عهد رسول الله ﷺ ، ونطرد عنها طردًا) (٣)، وله شاهد من حديث أنس بن مالك ﵁ يتقوى به، يرويه عبد الحميد بن محمود قال: صليت مع أنس بن مالك يوم الجمعة فدفعنا إلى السواري، فتقدمنا وتأخرنا، فقال أنس: "كنا نتقي هذا على عهد رسول الله ﷺ " (٤). فهذا الحديث وما قبله نص صريح في أنه لا ينبغي للمصلين أن يصفوا بين السواري؛ لأن السواري تحول بينهم وبين اتصال الصف وتسويته (٥). لكن إن ضاق المسجد فلا بأس، كالمسجد الحرام أو بعض المساجد الكبيرة، وذلك للحاجة، لكن لا ينبغي التساهل في هذا، كما يوجد في المسجد الحرام عند قلة الناس، عندما يلزمك بعض الناس بإتمام الصف ولو كان بين السواري مع إمكان التقدم أو التأخر، فالذي أراه أن مثل هذا الصف ينبغي تركه إذا لم يكن حاجة، أما إذا كان الصف صغيرًا قدر ما بين الساريتين فلا بأس؛ لعدم العلة، وهي انقطاع الصف على القول بها. ولا بأس بالصلاة بين الساريتين في غير الجماعة كالنافلة، قال البخاري ﵀: (باب الصلاة بين

стр. 88

السواري في غير جماعة)، وذكر حديث ابن عمر قال: (دخل النبي ﷺ البيت وأسامة بن زيد وعثمان بن طلحة وبلال، فأطال ثم خرج، كنت أول الناس دخل على أثره، فسألت بلالًا: أين صلّى؟ قال: بين العمودين المقدمين) (١). وليحذر المصلي أن يقف في صف متأخر مع وجود أمكنة خالية في الصفوف الأول، كما يفعله بعض الناس عندما يقيمون صفًا أو صفوفًا وبينهم وبين الإمام صفوف شاغرة، فإن هذا مخالف لقوله ﷺ : "أتموا الصف المقدم ثم الذي يليه ... " الحديث، وتقدم قريبًا، ولقوله ﷺ : "تقدموا فائتموا بي، وليأتم بكم من بعدكم، لا يزال قوم يأخرون حتى يؤخرهم الله" (٢). يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (ولا يصف في الطرقات والحوانيت مع خلو المسجد، ومن فعل ذلك استحق التأديب، ولمن جاء بعده تخطيه، ويدخل لتكميل الصفوف المتقدمة، فإن هذا لا حرمة له). وقال: (بل إذا امتلأ المسجد بالصفوف صفوا خارج المسجد، فإن اتصلت الصفوف حينئذ في الطرقات والأسواق صحت صلاتهم، وأما إذا صفوا وبينهم وبين الصف الآخر طريق يمشى الناس فيه لم تصح صلاتهم في أظهر قولي العلماء، وكذلك إذا كان بينهم وبين الصفوف حائط بحيث لا يرون الصفوف ولكن يسمعون التكبير من غير حاجة فإنه لا تصح صلاتهم في أظهر قول العلماء) (٣). وقال أيضًا: (والسنة في الصفوف أن يتموا الأول فالأول، ويتراصون في الصف، فمن صلى في موخرة المسجد مع خلو ما يلي الإمام كانت صلاته مكروهة، والله أعلم) (٤). وختامًا أوجه نداء إلى أئمة المساجد أن يهتموا بتسوية الصفوف، ويأمروا المأمومين بذلك قبل تكبيرة الإحرام بألفاظ التسوية الثابتة في السنة؛ مثل: استووا ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم، اعتدلوا، سوّوا صفوفكم فإن تسوية الصفوف من تمام الصلاة، أتموا الصف الأول فالأول (٥)، ونحو ذلك، ويختار من الألفاظ الواردة ما يناسب الحال، والأولى عدم زيادة: (رحمكم الله)؛ لعدم ورودها في أحاديث تسوية الصفوف. ولا يكفي أن يقول الإمام ذلك دون أن يلتفت إلى المأمومين -كما عليه بعض الأئمة- ثم يكبر ويترك الخلل والفرجات، وعلى الإمام أن يحيي السنة المهجورة، فيأتي بنفسه إلى ناحية الصف لتسويته، أو يرسل رجلًا لتسوية الصف، فقد ثبت أنه ﷺ كان يشرف بنفسه على تسوية الصف، قال أبو مسعود -عقبة بن عمرو ﵁: كان رسول الله ﷺ يمسح مناكبنا في الصلاة، ويقول: "استووا ولا تختلفوا .. " (٦) ويقول البراء ﵁: كان رسول الله ﷺ يتخلل الصف من ناحية إلى ناحية، يمسح صدورنا ومناكبنا، ويقول: "لا تختلفوا فتختلف قلوبكم" (٧)، وجاء عن عمر ﵁ أنه كان يأمر بتسوية الصفوف،

стр. 89

فإذ جاءوه فأخبروه أن قد استوت كبّر (١)، فلعل الأئمة -وفقهم الله- ينتبهون لهذا، والله أعلم. الحكم الحادي عشر في صلاة المنفرد خلف الصف إذا دخل المسجد فوجد أن الصف قد تم ولم يجد له مكانًا فهل يصلي خلف الصف منفردًا؟ أو يجذب رجلًا يقف معه؟ أو ينتظر حتى يأتي أحد؟ هذه المسألة فيها خلاف بين العلماء، أذكره فيما يلي، ثم أبين القول المختار، بعون الله تعالى. فالقول الأول: أن المنفرد يكون صفًا وحده، وصلاته صحيحة. وهذا مذهب الجمهور -كما حكاه صاحب بداية المجتهد- (٢) ومنهم الأئمة الثلاثة مالك والشافعي وأبو حنيفة. ومن أدلة هولاء: حديث أبي بكر ﵁ وفيه: (فركع دون الصف ثم مشى إلى الصف) (٣) قال البغوي ﵀: (في هذا الحديث أنواع من الفقه، منها: أن من صلى خلف الصف منفردًا بصلاة الإمام تصح صلاته؛ لأن أبا بكرة ركع خلف الصف، فقد أتى بجزء من الصلاة خلف الصف، ثم لم يأمره النبي ﷺ بالإعادة، وأرشده في المستقبل إلى ما هو أفضل بقوله: "ولا تعد"، وهو نهي إرشاد، لا نهي تحريم، ولو كان للتحريم لأمره بالإعادة) (٤). القول الثاني: أن صلاة المنفرد خلف الصف باطلة، وهو مذهب الإمام أحمد، ورواية عن الإمام مالك -ما في الإفصاح لابن هبيرة- (٥) وبه قال جمع من الفقهاء والمحدثين. واستدل هولاء بحديث وابصة بن معبد أن رسول الله ﷺ رأى رجلًا يصلي خلف الصف وحده فأمره أن يعيد الصلاة (٦). وله شاهد من حديث علي بن شيبان قال: خرجنا قدمنا على النبي ﷺ فبايعناه، وصلينا خلفه، فقضى نبي الله ﷺ الصلاة فرأى رجلًا خلف الصف وحده، فوقف عليه نبي الله ﷺ حتى انصرف، فقال: "استقبل صلاتك، فلا صلاة للذي خلف الصف" (٧). وقد نقل عبد الله بن أحمد في المسند بعد حديث وابصة قال: (وكان أبي يقول بهذا الحديث) (٨). القول الثالث: التفصيل، وهو أنه إن وجد محلًا في الصف فصلى وحده لم تصح، وإن اجتهد ولم يجد جاز أن يقف وحده. وهذا قال به الحسن البصري، كما في المصنف لابن أبي شيبة والبويطي، كما ذكره الشوكاني في نيل الأوطار، وابن قدامة في المغني، وإليه ذهب شيخ الإسلام ابن تيمية، وأيده كما في

стр. 90

الفتاوى، والقواعد النورانية والمسائل الماردينية؛ وكذا ابن القيم، وهو اختيار الشيخ عبد الرحمن السعدي، رحم الله الجميع (١). وهذا هو المختار -إن شاء الله- لما يلي: أن العلماء مجمعون على أن واجبات الصلاة وأركانها تسقط عند عدم القدرة، فلا واجب مع العجز، ولا محرم مع الضرورة. وهذه قاعدة عظيمة من قواعد الشريعة. فالقيام ركن في صلاة الفرض، فإذا لم يستطع القيام صلّى قاعدًا، وهكذا الركوع والسجود وغيرها، والمصافة ليست من الأركان ولا من الواجبات. ولا ريب أن العجز عن المصافة عذر، ومن القواعد المقررة من نصوص الشريعة. أن الحكم يتغير إذا ما طرأ على صاحب الحكم عذر، فهذا العريان يصلي على حاله إذا لم يجد ما يستر عورته، والذي اشتبهت عليه القبلة يصلي إلى أي جهة، ولا يلزمه الإعادة إذا وجد سترة أو تبينت له القبلة، وهكذا .. إن عمومات الشريعة تؤيد هذا القول، كقوله تعالى: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾ [التغابن: ١٦]، وقوله تعالى: ﴿لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها﴾ [البقرة: ٢٨٦]، وقوله ﷺ : "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعم" (٢). أن هذا القول فيه جمع بين الأدلة؛ فقوله ﷺ : "لا صلاة لمنفرد خلف الصف"، محمول على ما إذا قصر في أداء الواجب، وهو الانضمام إلى الصف وسد الفرجة وأما إذا لم يجد فرجة فلا يحمل عليه الحديث، بدليل ما ذكرنا في الأمرين السابقين؛ لأنه ليس بمقصر، فتصح صلاته إن شاء الله. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ (وأما حديث أبي بكرة فليس فيه أنه صلى منفردًا خلف الصف قبل رفع الإمام رأسه من الركوع، فقد أدرك من الاصطفاف المأمور به ما يكون به مدركًا للركعة، فهو بمنزلة أن يقف وحده ثم يجيء آخر فيصافه، فإن هذا جائز باتفاق الأئمة ... ) (٣). وعلى هذا فمن صلى جزءًا من صلاته خلف الصف ثم انضم إليه آخر لا يعد مصليًا خلف الصف منفردًا. وهذا ما فعله أبو بكرة ﵁. والأظهر في حديث أبي بكرة أن النهي في قوله ﷺ : "زادك الله حرصًا، ولا تعد"، نهي عن الإسراع والسعي الشديد؛ لما تقدم أول الكتاب من النهي عن إتيان الصلاة في حالة الإسراع، ولا يمكن أن يعود إلى الركوع دون الصف، ولا للاعتداد بتلك الركعة، ولا سيما وقد فعل ذلك بعض الصحابة كأبي بكر، وزيد بن ثابت، وابن مسعود ﵃ وثبت هذا عنهم بأسانيد صحيحة (٤). ولا يجوز لمن لم يجد مكانًا في الصف أن يجذب رجلًا يقف معه لما يلي: أن الحديث الوارد في الجذب ضعيف، وهو حديث وابصة، وفيه: "ألا دخلت في الصف أو جذبت

стр. 91

رجلًا يصلي معك" (١). أن الجذب يفضي إلى إيجاد فرجة في الصف، والمشروع سدّ الفرج. أن الجذب تصرف في المجذوب، وتشويش عليه، وتفويت لفضيلة الصف الأول وكونه خلف الإمام؛ لأن الغالب في الجذب أن يكون لمن هو خلف الإمام (٢). وإذا دخل اثنان وفي الصف فرجة فأيهما أفضل: وقوفهما معًا أو سد أحدهما الفرجة ووقف الآخر فذًا؟ ذهب بعض أهل العلم إلى أن الراجح الاصطفاف مع بقاء الفرجة؛ لأن سد الفرجة مستحب، والاصطفاف واجب. وفي هذا نظر؛ فإن قوله ﷺ : "من وصل صفًا وصله الله ومن قطع صفًا قطعه الله" (٣)، يفيد وجوب سد الفرجة، وعليه فالأولى في هذه الحالة أن يسد أحدهما الفرجة وينفرد الآخر، والله أعلم. قال في عون المعبود: ("من وصل صفًا": بالحضور فيه، وسدّ الخلل منه. "ومن قطع صفًا": أي: بالغيبة، أو بعدم السد، أو بوضع شيء مانع) (٤). ومثل ما تقدم ما لو وقف اثنان في الصف ثم انصرف أحدهما لعذر، فإن الآخر يقف وحده على الصحيح، أو يقف عن يمين الإمام إن أمكن، ولا يجذب رجلًا، وأما قول صاحب المغني: (إنه يدخل في الصف، أو ينبه رجلًا يخرج معه، أو يقف عن يمين الإمام، فإن لم يمكن شيء من ذلك نوى الحدث) (٥)، أقول: هذا فيه نظر، والصواب -إن شاء الله- أنه يتم الصلاة معهم ولو لم يقف معه أحد، ولا شيء عليه؛ لأنه معذور ولا تقصير منه، كما لو سبق إمامه الحدث فإن صلاته لا تبطل ببطلان صلاة إمامه، بل يستخلف على القول المختار في هذه المسألة، وما ذكره في المغني قول في المذهب. ومثل ذلك قول الشيخ منصور البهوتي في باب "صلاة الجمعة" من شرح الزاد: (وإن أحرم ثم زحم وأخرج عن الصف فصلى فذًا لم تصح) (٦). وهذا مبني على القول بأن صلاة المنفرد خلف الصف لا تصح، وقد علمت أن المختار القول بالصحة لمن كان معذورًا بأن اجتهد ولم يجد مكانًا، وهذا الذي زحم أولى بالعذر، فصلاته معهم صحيحه، إن شاء الله تعالى، والله أعلم. واعلم أن الذين لا يجيزون صلاة المنفرد خلف الصف اختلفوا في بيان ماذا يفعل: فقال بعضهم: يجذب رجلًا. وقد علمت ضعف ذلك، وقال آخرون: يقف عن يمين الإمام، وهذا لا دليل عليه في هذه المسألة بالذات، وقد ورد أن أبا بكر وقف عن يمين الرسول ﷺ في مرضه ﵊ وهي قضية فردية. أضف إلى ذلك أن الصفوف قد تكون كثيرة واختراقها والوقوف عن يمين الإمام يحدث

стр. 92

تشويشًا على الإمام والمأمومين، ولا سيما الصف الأول ومن هم خلف الإمام، ثم إذا حضر ثان وثالث هل يقال لكل واحد يأت بمفرده: قف عن يمين الإمام؟! إن هذه التصرفات تؤيد القول بأنه يصلي خلف الصف إذا لم يجد مكانًا، والله أعلم (١). الحكم الثاني عشر الدخول مع الإمام على أي حال إذا دخل المصلي والإمام في الصلاة دخل معه على أي حال كان؛ في القيام أو الركوع أو السجود أو بين السجدتين؛ وذلك لما ورد عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا جئتم إلى الصلاة ونحن سجود فكبروا، ولا تعدوها شيئًا، ومن أدرك الركعة فقد أدرك الصلاة" (٢). وعن أبي قتادة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا أتيتم الصلاة فعليكم بالسكينة، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا" (٣). قال الحافظ ابن حجر: (استدلّ به على استحباب الدخول مع الإمام في أي حال وجد عليها) (٤). وعن معاذ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا أتى أحدكم والإمام على حال فليصنع كما يصنع الإمام" (٥). هذه هي السنة في حق الداخل والإمام في الصلاة؛ بدلالة ما ذكر من النصوص. ومن الناس من إذا دخل والإمام ساجد أو بين السجدتين لم يدخل معه حتى يقوم إلى الركعة التالية، أو يعلم أنه في التشهد فيجلس معه، وهذا قد حرم نفسه فضل السجود، مع أنه مخالف لما تضمنته الأدلة المتقدمة. قال بعض العلماء في فضل السجود مع الإمام إذا أدركه ساجدًا: (لعله أن لا يرفع رأسه من السجدة حتى يغفر له) (٦). قال في تحفة الأحوذي: (قوله: "فليصنع كما يصنع الإمام" أي: فليوافق الإمام فيما هو فيه من القيام أو الركوع أو غير ذلك، أي: فلا ينتظر الإمام إلى القيام، كما يفعله العوام) (٧). واعلم أن أحوال الإمام وقت دخول المأموم المسجد أربع، وهي أهم الأحوال: أن يكون الإمام قائمًا في سرية أو جهرية. أن يكون الإمام راكعًا. أن يكون الإمام ساجدًا وبين السجدتين. أن يكون الإمام في التشهد.

стр. 93

الحالة الأولى: أن يكون الإمام قائمًا من دخل والإمام يقرأ الفاتحة فإنه يكبر تكبيرة الإحرام، ثم يسكت حتى يفرغ الإمام من قراءة الفاتحة؛ لأن المأموم مأمور بالاستماع والإنصات لقراءة إمامه، واستفتاحه وتعوذه يشغله عن الاستماع والإنصات المأمور به، وليس له أن يشتغل عما أمر به بشيء (١). وهذا القول -أعني أنه لا يستفتح ولا يتعوذ حال جهر إمامه- هو أصح الأقوال في هذه المسألة -إن شاء الله- كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ (٢)؛ وذلك لقوة مأخذه؛ فإن النبي ﷺ يقول: "إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا، وإذا قرأ فأنصتوا" (٣). فإذا فرغ الإمام من الفاتحة أتى المأموم بدعاء الاستفتاح، ثم استعاذ وقرأ البسملة والفاتحة، وإذا لم يمكنه أن يستفتح ويستعيذ قبل أن يبدأ الإمام بقراءة السورة فإنه لا يستفتح؛ لأن دعاء الاستفتاح سنة؛ بل يستعيذ ويقرأ؛ لقوله ﷺ : "لا تفعلوا إلا بأم القرآن، فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها" (٤). وهذا على القول بوجوب قراءة الفاتحة على المأموم في الصلاة الجهرية، والراجح وجوبها عليه؛ لعموم قوله ﷺ : "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب" (٥) وهذا نفي للصحة. أما إذا دخل المسجد والإمام في الصلاة السرية فإنه يكبر تكبيرة الإحرام، ويستفتح، ويستعيذ، ثم يقرأ إذا ظن أنه يتم الفاتحة قبل أن يركع إمامه إذا كان هناك قرينة، حيازةً لفضيلة الاستفتاح والفاتحة وإلا اشتغل بالفاتحة بعد تكبيرة الإحرام ولا يستفتح؛ لأن الاهتمام بالفرض أولى (٦). ولا يقتصر في قراءته خلف إمامه في السرية على قصار السور إذا كان عارفًا لغيرها في صلاة يطيل الإمام فيها غالبًا كالظهر؛ لأن قراءة القرآن في الصلاة أفضل من قراءته خارج الصلاة، وما ورد من الفضل لقارئ القرآن يتناول المصلي أعظم مما يتناول غيره. ثم إن السكوت في الصلاة بلا ذكر ولا قراءة ولا دعاء ليس عبادة، ولا مأمورًا به فيما عدا الإنصات لقراءة الإمام، بل إن السكوت يفتح باب الخواطر والأفكار التي تبعد المصلي عما هو فيه (٧). وإذا ركع الإمام ترك المأموم بقية الفاتحة وركع معه؛ لأنه لم يدرك غير ما قرأه، ويكون مدركًا للركعة كما لو أدركه في الركوع، فإن الفاتحة تسقط عنه، ولا يتخلف عن إمامه لإتمام الفاتحة؛ لقوله ﷺ : "وإذا ركع فاركعوا" (٨)، والله أعلم. الحالة الثانية: أن يكون الإمام راكعًا إذا دخل المسجد والإمام راكع ركع معه، ويكون مدركًا للركعة إذا اجتمع مع الإمام في حد أقل

стр. 94

الركوع، وهو قدر ما يمس وسط الخلقة ركبتيه بيديه، ولو لم يطمئن، قال أبو داود: سمعت أحمد سئل عمن أدرك الإمام راكعًا، فكبر ثم ركع فرفع الإمام؛ قال: إذا أمكن يديه من ركبتيه قبل أن يرفع الإمام فقد أدرك. اهـ (١). ثم يطمئن ويتابع إمامه، وإذا أدركه حال الركوع أجزأته تكبيرة واحدة، وهي تكبيرة الإحرام عن تكبيرة الركوع، روي ذلك عن زيد بن ثابت وابن عمر وسعيد وعطاء والحسن وإبراهيم النخعي، وبه قال الشافعي ومالك وأصحاب الرأي، وهو المنصوص عن أحمد، قال أبو داود: قلت لأحمد: أدرك الإمام راكعًا؟ قال: يجزيك تكبيرة (٢). اهـ. وذلك لأن حال الركوع يضيق عن الجمع بين تكبيرتين في الغالب، ولأنه اجتمع عبادتان من جنس واحد في محل واحد، ونية الركوع لا تنافي نية الافتتاح، فأجزأ الركن -وهي تكبيرة الإحرام- عن الواجب -وهي تكبيرة الركوع- كطواف الإفاضة يغني عن طواف الوداع إذا جعله آخر شيء (٣). فإن أمكن أن يأتي بتكبيرتين: الأولى للإحرام، والثانية للركوع فهذا أولى، قال أبو داود: قلت لأحمد: يكبر مرتين أحبّ إليك؟ قال: فإن كبر تكبيرتين فليس فيه اختلاف (٤). اهـ. وعلى الداخل أن يكبر للإحرام قائمًا، فإن أتى بها حال انحنائه للركوع لم يصح (٥). وإذا ركع مع الإمام أجزأته الركعة ولو لم يقرأ الفاتحة، وهذا قول الجمهور، وهو الراجح -إن شاء الله- لقوله ﷺ : "من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة" (٦) فدل على أن الداخل مع الإمام الذي لم يتمكن من قراءة الفاتحة قد أدرك الركعة بمجرد إدراكه له راكعًا، قال ابن خزيمة: (باب إدراك المأموم الإمام ساجدًا، والأمر بالاقتداء به في السجود، وأنه لا يعتد به؛ إذ المدرك للسجدة إنما يكون بإدراك الركوع قبلها). ثم ساق الحديث (٧). وكذلك فإن الرسول ﷺ أمر الداخل بأن يصنع كما يصنع الإمام، ومعلوم أنه لا يحصل الامتثال إلا إذا ركع مع إمامه، فإذا أخذ يقرأ الفاتحة فقد أدرك الإمام على حالة ولم يصنع كما صنع إمامه، فخالف الأمر الذي وجب عليه امتثاله (٨). وكذلك يؤيده حديث أبي بكرة ﵁ أنه انتهى إلى النبي ﷺ وهو راكع، فركع معه قبل أن يصل إلى الصف، فذكر ذلك للنبي ﷺ فقال: "زادك الله حرصًا ولا تعد" (٩). ووجه الدلالة: أنه لو لم يكن إدراك الركوع مجزئًا لإدراك الركعة مع الإمام لأمره النبي ﷺ بقضاء تلك الركعة التي لم يدرك القراءة فيها، ولم ينقل عنه ذلك وقت الحاجة، فدل على أن من أدرك الركوع فقد أدرك الركعة (١٠). وأما أدلة وجوب قراءة الفاتحة في الصلاة فهي عامة تشمل المسبوق وغير المسبوق، وحديث أبي

стр. 95

بكرة خاص بالمسبوق، ولا تعارض بين العام والخاص، كما في الأصول، حيث يخصص العام بالخاص، ويكون المسبوق الذي لم يدرك القيام ومحل القراءة خارجًا من هذا العموم، والله أعلم (١). الحالة الثالثة: أن يكون الإمام ساجدًا أو بين السجدتين إذا دخل المصلي المسجد والإمام في السجود سجد معه -لما تقدم من قوله ﷺ : "إذا جئتم إلى الصلاة ونحن سجود فاسجدوا، ولا تعدّوها شيئًا .. "- أو بين السجدتين جلس معه؛ لعموم ما تقدم، ولو لم تحسب له هذه الركعة؛ لأنه لم يدرك الركوع معه. وقد ذكر أهل العلم -رحمهم الله تعالى- أن المصلي الذي أدرك إمامه ساجدًا أنه يكبر تكبيرة الإحرام ثم يسجد مع إمامه من غير تكبير؛ لأنه لم يدرك محل التكبير، قال ابن قدامة في المغني: (وإن أدرك الإمام في ركن غير الركوع لم يكبر إلا تكبيرة الافتتاح، وينحط بغير تكبير؛ لأنه لا يعتدّ له به، وقد فاته محل التكبير، وإن أدركه في السجود أو التشهد الأول كبر حال قيامه مع الإمام على الثالثة؛ لأنه مأموم له، فيتابعه في التكبير، كمن أدرك معه من أولها) (٢). وهذا بخلاف التكبير للركوع؛ فإنه محسوب له، وبخلاف ما إذا انتقل بعد ذلك مع الإمام من السجود أو غيره، فإنه يكبر موافقة للإمام في الانتقال إليه، وإن كان غير محسوب له، كما أفاده ابن قدامة ﵀. والقول الثاني: أنه ينحط معه بتكبير، فيكبر الأولى للإحرام، والثانية ليقعد بها؛ لأنه التزم متابعة الإمام وهو في القعود أو السجود، والانتقال من القيام إلى السجود يكون بالتكبير، والله أعلم (٣). ولو أحرم بالصلاة وانحط ساجدًا فرفع الإمام رأسه قبل أن يضع المأموم جبهته على الأرض، فالظاهر أنه يرجع معه ولا يسجد؛ لفوات محل المتابعة برفع الإمام رأسه من الأرض قبل وضع المأموم جبهته عليها، بخلاف ما إذا كان معه من أول الصلاة. ولو أدركه في السجدة الأولى فانحط ساجدًا فرفع الإمام رأسه، وجلس بين السجدتين جلس معه المأموم، فإذا سجد الثانية سجد معه، والله أعلم (٤). الحالة الرابعة: أن يكون الإمام في التشهد إذا دخل المسجد والإمام في التشهد فقد فاتته صلاة الجماعة؛ لأن صلاة الجماعة لا تدرك إلا بإدراك ركعة كاملة على القول المختار -كما سيأتي إن شاء الله-. وهنا الذي دخل المسجد والإمام في التشهد الأصل أنه يدخل مع الإمام؛ لعموم، "إذا أتى أحدكم والإمام على حال فليصنع كما يصنع الإمام" (٥). إلا إذا كان يطمع بمجيء غيره فإن من العلماء من يرى أنه لا يدخل مع الإمام؛ لفوات الجماعة، وله ولمن جاء معه أن يقيموا جماعة ثانية (٦) -كما سيأتي بيانه إن شاء الله-

стр. 96

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (إذا كان المدرك أقل من ركعة وكان بعدها جماعة أخرى فصلى معهم في جماعة صلاة تامة فهذا أفضل، فإن هنا يكون مصليًا في جماعة، بخلاف الأول) (١)، والله أعلم. الحكم الثالث عشر ما تدرك به الجماعة تدرك الجماعة بإدراك ركعة مع الإمام، فمن أدرك مع إمامه ركعة فقد أدرك الجماعة، ومن أدرك أقل من ركعة، كأن يدركه في السجود من الركعة الأخيرة أو في التشهد؛ فقد فاتته الجماعة، وهذا هو القول الراجح من قولي أهل العلم، ودليل ما رواه أبو هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة" (٢). فهذا حديث صريح يدل بمنطوقه على أن من أدرك ركعة من صلاة الإمام فقد أدرك صلاة الجماعة؛ لأنه نص عام في جميع صور إدراك ركعة من الصلاة، سواء كان إدراك جماعة، أو إدراك وقت. ويدل بمفهومه على أن من أدرك أقل من ركعة لم يدرك الصلاة، سواء كان إدراك جماعة، أو إدراك وقت. والركعة لا تدرك إلا بإدراك الركوع مع الإمام، بأن يجتمع مع الإمام في حد أقل الركوع، ولو لم يدرك قراءة الفاتحة مع إمامه، وقد مضى بيان ذلك. أما من قال: إن الجماعة تدرك بإدراك التكبير قبل سلام الإمام؛ فهو قول مرجوح، لا يعضده دليل؛ لما يلي: أنه مبني على تعليل، وهو أن المأموم أدرك جزءًا من صلاة الإمام، فأشبه ما لو أدرك ركعة، وهذا تعليل في مقابلة نص. أنه لا يعرف في نصوص الشرع تعليق الإدراك بإدراك تكبيرة لا في الوقت، ولا في الجمعة، ولا في الجماعة، فهو وصف ملغي في نظر الشارع فلا يجوز اعتباره، ولا بناء الحكم عليه. أن ما دون الركعة لا يعتد به في الصلاة؛ لأن المأموم يستقبل جميع صلاته منفردًا فلم يدرك مع إمامه شيئًا يحتسب له به، فتكون صلاته كلها صلاة منفرد (٣). لكن بقي مسألة يسأل عنها، ويناسب ذكرها هنا؛ وهي: هل يجوز للمسبوق أن يعتد بالركعة الزائدة في حق الإمام، ويعتبرها ركعة صحيحة له؟ ومثال ذلك: إمام قام إلى خامسة في رباعية -كالظهر- أو إلى رابعة في المغرب ساهيًا، وهناك مأموم دخل معه في هذه الركعة، ولم يعلم أنها زائدة، فهل تحسب له ويكون قد أدرك الجماعة؛ الراجح من قولي أهل العلم أنه يعتد بها، فتحسب له من صلاته، ويكون أدرك الجماعة؛ لأنه أدرك مع الإمام ركعة، وهي وإن كانت زائدة في حق الإمام فهو معذور بزيادتها؛ لأنه لم يتعمدها، وهي صحيحة في حق المسبوق؛ لأنها من صلاته الأصلية. ولو قلنا: لا يعتد بها لاقتضى ذلك جواز أن يزيد في الصلاة ركعة متعمدًا، وذلك مبطل للصلاة بالإجماع؛ لأنه يقتضي أن يصلي الرباعية خمسًا، والمغرب أربعًا، وما لزم منه خرق الإجماع ومخالفة الأدلة الشرعية فهو غير صحيح. وأما من قال: إن المسبوق لا يعتد بها، لأنها زيادة لا يعتد بها الإمام فلم يعتد بها المأموم، ففيه نظر؛ لأن الإمام لا يعتد بها؛ لكونها زائدة في حقه والمأموم يعتد بها؛ لكونها من صلاته فكيف نلغيها ونأمره أن يزيد في صلاته؟! والله أعلم (٤).

стр. 97

الحكم الرابع عشر في صفة الصلاة ثبت عنه ﷺ أنه قال: "صلوا كما رأيتموني أصلي" (١). وقد بين النبي ﷺ صفة الصلاة بالقول والفعل. وحريّ بالمكلف أن يتأسى بنبيه ﷺ في صفة صلاته، فإن ذلك أقوى في إيمانه، وأدلّ على اتباعه لرسول الله ﷺ ، وأكمل في عبادته. وكثير من الناس يخلّون في الصلاة بأشياء، إما جهلًا وإما تهاونًا، وسأذكر -بعون الله- صفة الصلاة كما ثبت في السنة، مجرد عن الدليل خشية الإطالة، مع عزو كل صفة إلى مصدرها من مصادر السنة، فأقول: يسن القيام إلى الصلاة عند قول المؤذن: "قد قامت الصلاة"، وإن قام عند رؤية الإمام، أو عند أول الإقامة فلا بأس؛ لأن في الأمر سعة (٢). ثم يكبر تكبيرة الإحرام قائلًا: "الله أكبر"، لا يجزئ عنها غيرها (٣)، رافعًا يديه إلى منكبيه، أو إلى فروع أذنيه، مبسوطتين، مضمومتي الأصابع مستقبلًا ببطونهما القبلة (٤). وما يفعله بعض الناس من الرفع إلى سرته، أو فوفها بقليل فهو قصور في تطبيق السنة. وهذا الرفع مشروع في حق المرأة أيضًا؛ لأن الأصل أن ما ثبت في حق الرجال يثبت في حق النساء، وكذا العكس، إلا ما دل الدليل على استثنائه (٥). فإن وجد مانع من الرفع رفع حسب استطاعته، فإن كان لا يستطع رفعهما معًا، رفع واحدة. والأفضل أن يبدأ التكبير مع رفع يديه، وينهيه مع انتهاء الرفع؛ لأن الرفع للتكبير، وله أن يقدم الرفع قبل التكبير، أو يقدم التكبير قبل الرفع (٦). فإذا فرغ من تكبيرة الإحرام سن له أن يقبض كوع يسراه بيمينه (٧) أو يضع يده اليمنى على ذراع اليد اليسرى، ثم يضعهما على صدره (٨)، وهو دليل الخشوع والذل والانكسار بين يدي رب العالمين (٩). والسنة أن ينظر المصلي إلى موضع سجوده؛ لأنه أخشع للقلب، وأكف للبصر، وأبلغ في الخضوع، ولا فرق في ذلك بين المسجد الحرام وغيره؛ لعدم المخصص (١٠). ولم يرد في المسافة بين القدمين حال القيام سنة عن الرسول ﷺ ، فتكون المسافة بحسب طبيعة الإنسان حال وقوفه؛ لأن كل شيء لم يرد به صفة شرعية فإنه يبقى على طبيعته (١١). ثم يستفتح وهو سنة، فيقول: "سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله

стр. 98

غيرك" (١)، أو يقول: (اللهم باعد يني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب، اللهم نقني من خطاياي كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، اللهم اغسلني من خطاياي بالماء والثلج والبرد" (٢)، أو غير ذلك إحياء للسنة، وهو أحضر للقلب، وأدعى لفهم ما يقول (٣). ثٍم يستعيذ للقراءة، والاستعاذة سنة؛ ثم يبسمل، وهي سنة أيضًا، ثم يقرأ الفاتحة سواء كان إمامًا أو مأمومًا أو منفردًا، وسواء كانت الصلاة سرية أو جهرية، فيقرأ المأموم الفاتحة ولو في أثناء جهر الإمام بالقراءة (٤)؛ لأن الفاتحة ركن لا تصح الصلاة إلا بها، إلا المسبوق إذا أدرك الإمام في الركوع فقد أدرك الركعة، وتسقط عنه الفاتحة -كما تقدم-. ويجب أن تكون قراءة الفاتحة في حال القيام، فإن قرأ شيئًا منها قبل أن يقوم إلى الركعة الثانية بلا عذر لم تصح" (٥). ولا بد أن يقرأ الفاتحة تامة متوالية، مع تشديداتها، فإن أسقط منها حرفًا أو لحن فيها لحنًا يغير المعنى لم تصح، وإذا انتهى من قراءتها قال: آمين. والسنة أن يكون تأمين المأموم مع تأمين الإمام -كما تقدم أيضًا-، ثم يقرأ ما تيسر من القرآن، وإن كان مأمومًا قرأ بقدر إطالة الصلاة -كالظهر مثلًا-؛ لأن الصلاة ليس فيها سكوت إلا فبحال جهر الإمام. ثم يسكت بعد قراءته سكتة لطيفة، ثم يركع رافعًا يديه -كما تقدم-، والمجزئ من الركوع هو الانحناء بحيث يمكنه مسّ ركبتيه بيديه (٦). والركوع الموافق للسنة ما اجتمع فيه أربع صفات: الأولى: أن يمد ظهره ويبسطه فلا يقوسه ولا يهصره بحيث ينزل وسطه. الثانية: أن يجعل رأسه حيال ظهره، فلا يرفعه ولا يخفضه (٧). الثالثة: أن يضع كفيه على ركبتيه، مفرّجتي الأصابع، قابضًا بهما على ركبتيه. الرابعة: أن يجافي مرفقيه عن جنبه ما لم يؤذ أحدًا، وإلا ترك ذلك (٨)، ثم يقول: سبحان ربي العظيم (٩). والواجب مرة واحدة، والأفضل الإكثار من التسبيح على مقدار تطويل الصلاة (١٠)، إلا إذا كان

стр. 99

إمامًا فلا يطيل، إلا إن علم من حال المأمومين أنهم يؤثرون ذلك. وإن قال: "سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي" (١) فحسن، أو غير ذلك من أذكار الركوع الواردة في السنة (٢). ثم يرفع رأسه من الركوع مكبرًا رافعًا يديه -كما تقدم-، ويعتد قائمًا حتى يرجع كل عضو إلى موضعه (٣)، ويطمئن (٤)، ويقول حال رفعه: "سمع الله لمن حمده"، إمامًا كان أو منفردًا، ثم يقول وهو قائم: "ربنا ولك الحمد" (٥)، أو يقول: "ربنا ولك الحمد حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، ملء السماوات وملء الأرض وملء ما بينهما، وملء ما شئت من شيء بعد، أهل الثناء والمجد، أحق ما قال العبد، وكلنا لك عبد، لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد" (٦). ويضع يده اليمنى على ذراعه اليسرى حال قيامه؛ لأنه لم يثبت عن النبي ﷺ التفريق بين ما قبل الركوع وما بعد الرفع منه، بل ظاهر السنة هو الوضع المذكور (٧). ثم يهوي للسجود مكبرًا، والأفضل أن يكون ابتداء التكبير مع ابتداء انحطاطه، وانتهاوه مع انتهائه. والسنة أن يضع المصلي ركبتيه على الأرض ثم يديه ثم جبهته وأنفه (٨)، فإن احتاج لتقديم يديه قبل ركبتيه لكبر أو مرض فله ذلك. فيسجد على جبهته مع أنفه، ويديه وركبتيه وأطراف قدميه. والسجود الموافق للسنة ما اجتمع فيه أربع صفات: الأولى: أن يجعل يديه حال سجوده حذو منكبيه، وله أن يسجد بين كفيه، وله أن يجعلهما حذو أذنيه، فكل ذلك ورد في السنة (٩). الثانية: أن يبسط كفيه، مضموتي الأصابع إلى القبلة (١٠). الثالثة: أن يجافي عضديه عن جنبيه، وبطنه عن فخذيه، وفخذيه عن ساقية (١١)، وهذه المجافاة سنة ما لم يؤذ من بجانبه، فإن حصل ذلك ترك المجافاة. الرابعة: أن يضم قدميه في أثناء السجود، ويثني أصابعهما بحيث تكون في اتجاه القبلة (١٢). ويسن

стр. 100

الاعتدال في السجود، ولا ينبغي الامتداد الزائد، فإنه خلاف السنة (١)، ولا يبسط ذراعيه على الأرض، إلا إذا طال السجود فله أن يعتمد مرفقيه على فخذيه (٢)، وينبغي للمصلي أن يباشر الأرض بجبهته إلا إن كان الحائل منفصلًا -كفراش المسجد- فيجوز، فإن كان متصلًا -كطرف ثوبه أو غترته ونحو ذلك- كره السجود عليه إلا لحاجة، كبرد أو حر أو شوك ونحو ذلك (٣)، ثم يقول: سبحان ربي الأعلى (٤)، ثلاثًا، ويجزئ واحدة، وله أن يقول: "سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي" (٥)، أو يقول: "اللهم اغفر لي ذنبي كله دقه وجله وأوله وآخره وعلانيته وسره" (٦). إلى غير ذلك مما ثبت في السنة، وينبغي الإكثار من الدعاء حال السجود، لقرب العبد من ربه ﵎ (٧). ثم يرفع رأسه مكبرًا في حال رفعه، ويجلس مفترشًا رجله اليسرى، ناصبًا اليمنى، مستقبلًا بأصابعها القبلة (٨)، ويضع يديه على فخذيه، وأطراف أصابعه عند ركبتيه، وله أن يضع اليمنى على الركبة، واليسرى يلقمها الركبة كالقابض لها، وكلا اليدين تكون مبسوطة مضمومة الأصابع، موجهة إلى القبلة (٩)، وإن قبض من اليد اليمنى الخنْصر -وهي الإصبع الصغرى- والبنْصر -وهي الإصبع التي تلي الخنصر- وحلَّق الإبهام -وهي الإصبع الكبيرة مع الوسطى- أو غير ذلك من الصفات، ورفع السبابة يحركها عند الدعاء جاز، فقد قال بذلك بعض العلماء استنادًا لبعض النصوص (١٠). ويقول: ربي اغفر لي (١١) ثلاثًا، ويجزئ واحدة، وله أن يقول: "اللهم اغفر لي وارحمني وعافني واهدني وارزقني" (١٢). ثم يسجد الثانية كالأولى في الهيئة والدعاء، ثم يرفع مكبرًا ناهضًا على صدور قدميه (١٣)، معتمدًا بيديه

стр. 101

على ركبتيه إن سهل، وإلا اعتمد على الأرض (١)، ولا يجلس جلسة الاستراحة -وهي جلسة خفيفة كهيئة الجلوس بين السجدتين- إلا إن فعلها إمامه، وإلا نهض لئلا يخالفه (٢). ثم يصلي الركعة الثانية كالأولى، سوى تكبيرة الإحرام والاستفتاح، ولا يستعيذ للقراءة في الركعة الثانية؛ لأن الصلاة جملة واحدة، إلا إذا لم يتعوذ في الركعة الأولى لكونه أدرك الإمام راكعًا، فيتعوذ إذا قام للقراءة، أما البسملة فتسن في كل ركعة؛ لأنها تستفتح بها السورة (٣). فإذا فرغ من الركعة الثانية جلس للتشهد الأول كجلوسه بين السجدتين، ويضع يديه على فخذيه، ويقبض الخنصر والبنصر، ويحلق حلقة بالإبهام مع الوسطى، أو يضم الخنصر والبنصر والوسطى ويضم إليها الإبهام، وتبقى السبابة مفتوحة، أما اليسرى فهي مبسوطة، مضمومة الأصابع، وأطرافها إلى القبلة (٤)، ويرفع السبابة يشير بها (٥)، ويرمي ببصره إليها (٦). ثم يقرأ التشهد، وله صيغ متعددة، وبأي تشهد تشهّد مما صح عن النبي ﷺ جاز (٧)، فإن تشهد بنوع مرة وبنوع مرة أخرى فهو أفضل. ومن ذلك: "التحيات لله والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله (٨). فإن فرغ المأموم من هذا التشهد قبل قيام إمامه إلى الركعة الثالثة فإنه يقرأ بقية التشهد، وهو قوله: (اللهم صل على محمد ... ) إلخ، لا سيما إن كان الإمام يكمل التشهد، فإن المأموم يكمله؛ لأنه تابع لإمامه (٩)، ولأن الصلاة ليس فيها سكوت إلا حال قراءة الإمام. فإذا فرغ من التشهد الأول نهض إلى الثالثة كما تقدم في صفة النهوض من السجود إلى الركعة الثانية، فإذا اعتدل رفع يديه -كما فعل عند تكبيرة الإحرام- ويصلي الركعة الثالثة -إن كانت الصلاة ثلاثية- والرابعة -إن كانت رباعية- كالركعة الثانية، إلا أنه لا يجهر بالقراءة ويقتصر على قراءة الفاتحة (١٠). وإن قرأ أحيانًا شيئًا مع الفاتحة فهذا أفضل، لا سيما عمن كان مأمومًا وفرغ من

стр. 102

الفاتحة قبل أن يركع إمامه، لما تقدم (١). وفى آخرها يجلس للتشهد الأخير متورّكًا، وصفته: أن يفرش رجله اليسرى، ويخرجها عن يمينه، وينصب اليمنى، جاعلًا مقعدته على الأرض (٢) أو يفرش قدميه كليهما، ويخرجهما من الجانب الأيسر (٣). أو يفرش اليمنى ويدخل اليسرى بين فخذ وساق الرجل اليمنى (٤)، والأفضل أن يفعل هذا تارة، وهذا تارة، كما تقدم. والمرأة كالرجل في ذلك (٥). ثم يقرأ التشهد الأخير كالأول، ويزيد الصلاة على النبي ﷺ ، وقد وردت بألفاظ متعددة (٦). ثم يتعوذ قائلًا: "اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن شرّ فتنة المسيح الدجال" (٧) ثم يدعو بما شاء من أمور دينه ودنياه، ومن الوارد: "اللهم إني ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا، ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك، وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم" (٨)، "اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت، وما أسرفت، وما أنت أعلم به مني، أنت المقدم وأنت المؤخر، لا إله إلا أنت" (٩). ثم يسلم عن يمينه قائلًا: السلام عليكم ورحمة الله، وعن يساره كذلك، ويبالغ في الالتفات حتى يرى بياض خده (١٠)، وإن زاد أحيانًا "وبركاته" جاز لثبوت ذلك عن النبي ﷺ (١١) لكن لا يداوم عليها؛ لأنها لم ترد في أكثر أحاديث السلام. ولا أصل للمصافحة بعد الصلاة -كما يفعله بعض الناس- فيصافح الذي عن يمينه وشماله، قائلًا: تقبل الله، سواء كان ذلك بعد صلاة الفجر والعصر أو بعد كل صلاة، فإن هذا من البدع المحدثة التي لا

стр. 103

أصل لها في الشرع، مع ما فيها من الإشغال عن الذكر، ولم يفعل ذلك الصحابة ﵃ ومن سار على نهجهم من سلف هذه الأمة، والمصافحة إنما تشرع عند الملاقاة، لا في أثناء المجالسة. ومثل ذلك ما يفعله بعض المصلين من الإشارة بالأكف يمنة ويسرة مع التسليم فهو بدعة؛ لأن إحداث هيئة في العبادات لم يرد فيها دليل داخل في مسمى البدعة (١)، والله أعلم. الحكم الخامس عشر في الذكر بعد الصلاة للذكر بعد الصلاة شأن عظيم، حث عليه النبي ﷺ ، وركب فيه قولًا وفعلًا، وقد دل على ذلك مجمل قوله تعالى: ﴿وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾ [ق: ٤٠] قال ابن عباس ﵄ (أمره أن يسبح في أدبار الصلوات كلها) (٢). ولذا قال الإمام النووي ﵀: (أجمع العلماء على استحباب الذكر بعد الصلاة، وجاء فيه أحاديث كثيرة صحيحة في أنواع منه متعددة) (٣). والذكر بعد الصلاة من المواضع التي يتأكد فيها الذكر (٤). فينبغي للمسلم أن يتعلم هذه الأذكار، وأن يحرص على الإتيان بها في مواضعها، وألا تأخذه العجلة، فيتركها، فيفوته خير كثير، كما عليه كثير من الناس اليوم. وسأذكر شيئًا من هذه الأذكار بسياق أحاديثها؛ ليكون المسلم على بصيرة من ذلك -إن شاء الله تعالى- وليحرص على التقيد بالألفاظ الواردة عنه ﷺ ؛ لأن ذلك أكمل في التعبد. روى ثوبان ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا انصرف من صلاته استغفر ثلاثًا، وقال: "اللهم أنت السلام، ومنك السلام، تباركت ذا الجلال والإكرام"، وفي رواية لحديث عائشة ﵂: "يا ذا الجلال والإكرام"، قيل للأوزاعي -وهو أحد رواة حديث ثوبان-: كيف الاستغفار؟ قال: تقول: استغفر الله، استغفر الله" (٥). وأما زيادة لفظ (وتعاليت) بعد لفظ تباركت فهي وإن كانت من ألفاظ الثناء على الله تعالى ووردت في أحاديث أخرى، إلا أنه لا أصل لها في هذا الموضع. والله أعلم. وعن المغيرة بن شعبة ﵁ أن النبي ﷺ كان يقول في دبر كل صلاة مكتوبة: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد" (٦). وفى رواية سندها صحيح: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير"، ثلاث مرات (٧). وعن أبي الزبير قال: كان ابن الزبير ﵁ يقول في دبر كل صلاة حين يسلم:

стр. 104

"لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، لا حول ولا قوة إلا بالله، لا إله إلا الله، ولا نعبد إلا إياه، له النعمة، وله الفضل، وله الثناء الحسن، لا إله إلا الله، مخلصين له الدين ولو كره الكافرون". وقال: كان رسول الله ﷺ يهلل بهن دبر كل صلاة (١). فإن كان بعد صلاة المغرب أو الفجر هلّل عشر مرات، لحديث أبي ذر ﵁ عن النبي ﷺ قال: "من قال دبر صلاة الفجر، وهو ثاني رجليه قبل أن يتكلم: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت، بيده الخير وهو على كل شيء قدير، عشر مرات، كتب له عشر حسنات، ومحيت عنه عشر سيئات، ورفع له عشر درجات، وكان يومه ذلك في حرز من كل مكروه وحرس من الشيطان، ولم ينبغ لذنب أن يدركه في ذلك اليوم إلا الشرك بالله" (٢). وعن معاذ بن جبل ﵁: أن رسول الله ﷺ أخذ بيده وقال: "يا معاذ والله إني لأحبك". فقال يا معاذ لا تدعنّ في دبر كل صلاة تقول: "اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك" (٣). وعن سعد بن أبي وقاص أنه كان يعلم بنيه هولاء الكلمات كما يعلم المعلم الغلمان الكتابة، ويقول: إن رسول الله ﷺ كان يتعوذ بهن دبر الصلاة. "اللهم إني أعوذ بك من البخل، وأعوذ بك من عذاب القبر" (٤). وقد ورد في "الصحيحين" وغيرهما أدعية أخرى. ثم يبدأ المصلي بالتسبيح، وقد ورد في السنة صفات متعددة ومن ذلك: الصفة الأولى: أن يسبح ثلاثًا وثلاثين، ويحمد ثلاثًا وثلاثين، ويكبر ثلاثًا وثلاثين، ويقول تمام المائة: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير". ودليل ذلك حديث أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: "من سبح الله في دبر كل صلاة ثلاثًا وثلاثين، وحمد الله ثلاثًا وثلاثين، وكبر الله ثلاثًا وثلاثين فتلك تسعة وتسعون، وقال تمام المائة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير؛ غفرت له خطاياه وإن كانت مثل

стр. 105

زبد البحر" (١). الصفة الثانية: ما ورد في حديث كعب بن عجرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: "معقبات لا يخيب قائلهن أو فاعلهن دبر كل صلاة مكتوبة: ثلاث وثلاثون تسبيحة، وثلاث وثلاثون تحميدة، وأربع وثلاثون تكبيرة" (٢) ومعنى "معقبات": أي: تفعل مرة بعد أخرى في أعقاب الصلاة. الصفة الثالثة: ما ورد في حديث عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "خلتان لا يحصيهما رجل مسلم إلا دخل الجنة، ألا وهما يسير، ومن يعمل بهما قليل: يسبح الله دبر كل صلاة عشرًا، ويحمده عشرًا، ويكبره عشرًا"، قال: فأنا رأيت رسول الله ﷺ يعقدها بيده قال: "فتلك خمسون ومائة باللسان وألف وخمس مائة في الميزان ... " الحديث (٣). الصفة الرابعة: أن يسبح خمسًا وعشرين، ويحمد خمسًا وعشرين، ويهلل خمسًا وعشرين، ودليل ذلك حديث زيد بن ثابت ﵁ قال: أمروا أن يسبحوا دبر كلّ صلاة ثلاثًا وثلاثين، ويحمدوا ثلاثًا وثلاثين، ويكبروا أربعًا وثلاثين، فأتي رجل من الأنصار في منامه، فقيل له: أمركم رسول الله ﷺ أن تسبحوا دبر كل صلاة ثلاثًا وثلاثين، وتحمدوا ثلاثًا وثلاثين، وتكبروا أربعًا وثلاثين؟ قال: نعم. قال: فاجعلوا خمسًا وعشرين، واجعلوا فيها التهليل، فلما أصبح أتى النبي ﷺ فذكر ذلك له، فقال: "اجعلوها كذلك" (٤). والأفضل أن يأتي المصلي بهذه الصفة تارة، وبهذه تارة أخرى، لما تقدم في العبادات الواردة على صفات متعددة. والأفضل أن يكون عد التسبيح بالأنامل -وهي الأصابع- لدلالة السنة على ذلك -كما سيأتي إن شاء الله- وقد درج على ذلك الصحابة ﵃ ومن تبعهم بإحسان إلى يومنا هذا -ولله الحمد- وهو أولى من استعمال السبحة ونحوها، فإنه أقرب إلى الإخلاص، وأبعد عن الرياء، وأدعى إلى حضور القلب. وللمصلي أن يعقد التسبيح بكلتا يديه؛ لما تقدم في حديث عبد الله بن عمرو ﵄ قال: (فأنا رأيت رسول الله ﷺ يعقدها بيده) ولفظ، "اليد" للجنس، فيراد به: اليدان، وفى بعض ألفاظ الحديث: (ولقد رأيت رسول الله ﷺ يعقدها هكذا) وعدّ بأصابعه (٥).

стр. 106

وعن يسيرة -وكانت من المهاجرات- قالت: قال لنا رسول الله ﷺ : "يا نساء المسلمات، عليكن بالتهليل والتسبيح والتقديس، ولا تغفلن فتنسين الرحمة، واعقدن بالأنامل؛ فإنهن مسؤولات مستنطقات" (١). ويسن رفع الصوت بالذكر بعد الصلاة؛ لما ورد عن عمرو بن دينار أن أبا معبد مولى ابن عباس أخبره أن ابن عباس ﵄ أخبره: أن رفع الصوت بالذكر -حين ينصرف الناس من المكتوبة- كان على عهد النبي ﷺ . وعنه قال: كنت أعرف انقضاء صلاة النبي ﷺ بالتكبير (٢). والأصل أن كل إنسان يذكر الله تعالى بمفرده، وأما الذكر الجماعي على صوت واحد بعد التسليم من الصلاة فهذا وصف يحتاج إلى دليل من كتاب أو سنة؛ لأنه وصف يتعلق بعبادة، والعبادات مبناها على التوقيف والاتباع، لا على الإحداث والاختراع (٣). وبعد الذكر يقرأ آية الكرسي ﴿الله لا إله إلا هو الحي القيوم﴾ ... إلى: ﴿وهو العلي العظيم﴾ [البقرة: ٢٥٥] لحديث أبي أمامة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من قرأ آية الكرسي دبر كل صلاة مكتوبة، لم يمنعه من دخول الجنة إلا الموت" (٤)، ثم يقرأ سورة الإخلاص ﴿قُل هُوَ اللهُ أحدٌ﴾ (٥) والمعوذتين ﴿قُل أعُوذُ بِرَبِّ الفَلَقِ﴾ و ﴿قُلْ أعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾، لما ورد عن عقبة بن عامر ﵁ قال: أمرني رسول الله ﷺ أن أقرأ بالمعوّذات دبر كل صلاة (٦). الحكم السادس عشر في الفصل بين الفريضة والنافلة دلت نصوص الشريعة على أنه ينبغي لمن صلى الفريضة أن يتحول عن مكانه لصلاة النفل إذا كانت النافلة في المسجد، فإن حصل بينهما بكلام كفى، والمراد به: التحدث مع الآخرين؛ لأنه أبلغ في الفصل، وأبعد عن جنس الصلاة. والحال الأول أكمل، وذلك ليحصل تمييز بين الفريضة والنافلة، وهذا مقاصد الشريعة في مشروعية هذا الحكم. ولا فرق في ذلك بين الإمام والمأموم، ولا بين الرجل والمرأة، لعموم الأدلة. وقد دل على ذلك ما ورد عن عمر بن عطاء أن نافع بن جبير أرسله إلى السائب ابن أخت نمر يسأل عن شيء رآه منه معاوية في الصلاة، فقال: نعم، صليت معه الجمعة في المقصورة، فلما سلم الإمام قمت من

стр. 107

مقامي، فصليت، فلما دخل أرسل إليّ، فقال: لا تعد لما فعلت؛ إذا صليت الجمعة فلا تصلها بصلاة حتى تكلم أو تخرج؛ فإن رسول الله ﷺ أمرنا بذلك؛ أن لا نوصل صلاة بصلاة حتى نتكلم أو نخرج (١). قال النووي: (فيه دليل لما قاله أصحابنا: إن النافلة الراتبة وغيرها يستحب أن يتحول لها من موضع الفريضة إلى موضع آخر، وأفضله التحول إلى بيته، وإلا فموضع آخر من المسجد أو غيره، ليكثر مواضع سجوده، ولتنفصل صورة النافلة عن صورة الفريضة، وقوله: "حتى نتكلم" دليل على أن الفصل بينهما يحصل بالكلام -أيضًا- ولكن بالانتقال أفضل؛ لما ذكرناه، والله أعلم) (٢). وعن رجل من أصحاب النبي ﷺ : أن رسول الله ﷺ صلى العصر، فقام رجل يصلي، فرآه عمر فقال له: اجلس، فإنما هلك الكتاب أنه لم يكن لصلاتهم فصل، فقال رسول الله ﷺ : "أحسن ابن الخطاب" (٣). وعن ابن عباس ﵄ قال: من صلى المكتوبة ثم بدا له أن يتطوع فليتكلم، أو فليمش، وليصلّ أمام ذلك. قال: وقال ابن عباس: إني لأقول للجارية: انظري كم ذهب الليل؟ ما بي إلا أن أفصل بينهما (٤). فهذه الأدلة بينت مسألتين: الأولى: أن الفصل بين الفريضة والنافلة قد يكون بالزمان، وقد يكون بالتحول من مكان إلى مكان، وقد يكون بالكلام، ففي الحديث الأول الفصل بالتقدم من موضع إلى موضع، وفي الثاني الفصل بالزمان، فإن الظاهر أن عمر ﵁ لم يرد بالفصل فصلًا بالتقدم؛ لأنه قال له: اجلس، ولم يقل: تقدم أو تأخر (٥)، وفي حديث ابن عباس ﵄ الفصل بالكلام كما في حديث معاوية -أيضًا- وظاهره أنه لا يحصل الفصل بالذكر بعد الصلاة، وإلا لما احتاج ابن عباس على مخاطبة الجارية (٦). ويمكن أن يحمل هذا على الأكمل، والله أعلم. وأكمل أنواع الفصل أن يتحول الإنسان إلى بيته فيصلي فيه النافلة؛ لما ورد عن زيد بن ثابت ﵁ أن النبي ﷺ قال: "صلوا أيها الناس في بيوتكم، فإن أفضل الصلاة صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة" (٧). وعن عبد الله بن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: "اجعلوا في بيوتكم من صلاتكم، ولا تتخذوها قبورًا" (٨). وعن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا قضى أحدكم في الصلاة في مسجده، فيجعل لبيته نصيبًا من صلاته، فإن الله جاعل في بيته من صلاته خيرًا" (٩). قال القرطبي: (والخير الذي يجعل في البيت بسبب التنقل فيه هو: عمارته بذكر الله، وبطاعته،

стр. 108

بالملائكة، وبدعائهم واستغفارهم، وما يحصل لأهله من الثواب والبركة) (١) اهـ. قلت: ومن الخير الموعود به تربية أهل البيت من الصغار والنساء على محبة الصلاة والعناية بها، والقيام بها على أكمل الوجوه. المسألة الثانية: مما دلت عليه أحاديث هذا الحكم: أن فيها إشارة إلى الحكمة من الأمر بالتحول من مكان الفريضة أو الكلام بعدها، وهي الفصل بين الفريضة والنافلة والتمييز بينهما (٢). يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (والسنة أن يفصل بين الفرض والنفل في الجمعة وغيرها، كما ثبت عنه في الصحيح أنه ﷺ نهى أن توصل صلاة بصلاة، حتى يفصل بينهما بقيام أو كلام، فلا يفعل ما يفعله كثير من الناس؛ يصل السلام بركعتي السنة، فإن هذا ركوب لنهي النبي ﷺ . وفي هذا من الحكمة التمييز بين الفرض وغير الفرض، كما يميز بين العبادة وغير العبادة. ولهذا استحب تعجيل الفطور، وتأخير السحور، والأكل يوم الفطر قبل الصلاة، ونهي عن استقبال رمضان بيوم أو يومين. فهذا كله للفصل بين المأمور به من رمضان وغير المأمور به، والفصل بين العبادة وغيرها، وهكذا تمييز الجمعة التي أوجبها الله من غيرها. وأيضًا فإن كثيرًا من أهل البدع كالرافضة وغيرهم لا ينوون الجمعة، بل ينوون الظهر، ويظهرون أنهم سلموا وما سلموا، فيصلون ظهرًا، ويظن الظان أنهم يصلون السنة، فإن حصل التمييز بين الفرض والنفل كان في هذا منع لهذه البدعة) (٣). وما ذكره الشيخ ﵀ موجودًا الآن لا سيما في الحرمين الشريفين، حيث ترى العدد الكثير من المصلين بمجرد السلام ينهضون لأداء السنة البعدية، ولا ريب أن هذا ارتكاب للنهي، وقد يكون فيهم من أهل البدع، كما ذكر ﵀. وقد ذكر العلماء حكمة أخرى وهي تكثير مواضع العبادة، نسب ذلك الشوكاني إلى البخاري والبغوي (٤)؛ لأن مواضع العبادة، تشهد للعابد أخذًا من عموم قوله تعالى: ﴿فما بكت عليهم السماء والأرض﴾ [الدخان: ٢٩] أي: أن الأرض تبكي على صاحب الطاعة (٥)، وكذا قوله تعالى: ﴿يَؤمَئذٍ تُحَدِّثُ أخبَارَهَا﴾ [الزلزلة: ٤] أي: تشهد على العاملين بما عملوا على ظهرها، من خير وشر، فإن الأرض من جملة الشهود الذين يشهدون على العباد بأعمالهم (٦). والله أعلم. الحكم السابع عشر من دخل المسجد وقد فاتته الصلاة فوجد من يصلي صلّى معه من دخل المسجد وقد فاتته الجماعة فإما أن يجد من يصلي، أو لا، فإن وجد جماعة يصلون صلى معهم، وإن وجد منفردًا يصلي تلك الصلاة بأمارة دخل معه، وصار الأول إمامًا للثاني، فتصح نية الإمامة في أثناء

стр. 109

الصلاة؛ بدليل حديث ابن عباس ﵄ عندما بات عند خالته ميمونة، فقام الرسول ﷺ يصلي من الليل، فقام معه عن يساره، فجعله عن يمينه (١). ففيه إشارة إلى أنه ﷺ نوى الإمامة في أثناء الصلاة (٢). قال ابن عبد البر: (فيه رد على من لم يجز للمصلي أن يوم أحدًا إلا أن ينوي الإمامة مع الإحرام؛ لأن النبي ﷺ لم ينو إمامة ابن عباس، وقد قام إلى جنبه فأتم به، وسلك رسول الله ﷺ سنة الإمامة؛ إذ نقله عن شماله إلى يمينه) (٣). وهناك أدلة أخرى تفيد اقتداء الصحابة ﵃ بالنبي ﷺ ، ولم ينو الإمامة من أول الصلاة، فأتم بهم، ولم ينكر عليهم، فدل على أن نية الإمامة ليست شرطًا. قال الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀: (ولا فرق بين الفريضة والنافلة؛ لأن الأصل التسوية بينهما في الأحكام، إلا ما خصه الدليل ولا مخصص هنا فيما أعلم، والله أعلم) (٤). فإن لم يجد أحدًا يصلي طلب من الحاضرين أن يصلي أحدهم معه؛ لحديث أبي سعيد الخدري ﵁: أن رسول الله ﷺ أبصر رجلًا يصلي وحده، فقال: "ألا رجل يتصدق على هذا فيصلي معه"؟ فقام رجل فصلى معه (٥). وعموم الحديث يفيد أن المصلي مع الجماعة يصلي مع هذا المتأخر ولو كانت المغرب أو العصر، وسأذكر ذلك، إن شاء الله (٦) أو يخرج إلى مسجد آخر فيصلي فيه إذا كان يطمع في إدراك جماعته، وقد ورد في صحيح البخاري أن الأسود بن يزيد النخعي -أحد كبار التابعين- كان إذا فاتته الجماعة ذهب إلى مسجد آخر. وقد أورد البخاري ﵀ هذا الأثر في باب "فضل صلاة الجماعة"، وبين الحافظ ابن حجر أن البخاري قصد بإيراده في هذا الباب أن الفضل الوارد في صلاة الجماعة مقصور على من جمّع في المسجد، دون من جمّع في بيته -مثلًا-؛ لأن التجميع لو لم يكن مختصًا بالمسجد لجمّع الأسود في مكانه، ولم ينتقل إلى مسجد آخر؛ لطلب الجماعة (٧). فينبغي لمن فاتته الجماعة في مسجده أن يحرص على تحصيل ثوابها ولو في مسجد آخر؛ لا سيما إذا كان قريبًا من منزله لا يشق عليه، وفي وقتنا هذا كثرت المساجد في الأحياء، وقد يكون هناك فارق في وقت الإقامة بين مسجد ومسجد، مما يكون سببًا في إدراك الصلاة في مسجد آخر. الحكم الثامن عشر إقامة جماعة غير معتادة لمن فاتتهم الصلاة إذا دخل المصلي المسجد فوجد الإمام قد فرغ من الصلاة، أو في التشهد -كما مضى- فإن له أن يقيم جماعة ثانية هو ومن معه، ولا حرج في ذلك إن شاء الله تعالى، لكن لا ينبغي للجماعة الثانية أن يصلوا إذا وجدوا الإمام في التشهد إلا بعد أن تنتهي الجماعة الأولى التي مع الإمام الراتب؛ لئلا تجتمع

стр. 110

جماعتان في مسجد، سواء كانت الجماعة الثانية مع الأولى في مكان واحد من المسجد، أو لا؛ لئلا يكون ذلك افتياتًا (١) على الإمام. واعلم أن من تأمل مصادر الشريعة ومواردها وما اشتملت عليه من المصالح والرغبة في الاجتماع والائتلاف، وعدم التفريق والاختلاف؛ علم أن إقامة جماعة ثانية غير معتادة أولى من تفرقهم وصلاة كل واحد منهم منفردًا. وقد دلت نصوص الشريعة على هذا، وسأذكر -بعون الله- بعض هذه الأدلة، وشيئًا من كلام أهل العلم في هذه المسألة المهمة: فعن أُبي بن كعب ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " ... وإن صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده، وصلاته مع الرجلين أزكى من صلاته مع الرجل، وما كثر فهو أحب إلى الله " (٢). فدل الحديث بعمومه على أن من صلى مع رجل فهو أزكى من صلاته منفردًا، فيدخل في ذلك إقامة جماعة ثانية لمن فاتتهم الجماعة مع الإمام الراتب. وعن أبي سعيد الخدري ﵁: أن رسول الله ﷺ أبصر رجلًا يصلي وحده، فقال: "ألا رجل يتصدق على هذا، فيصلي معه؟ فقام رجل فصلى معه" (٣). وقد بوب ابن خزيمة على هذا الحديث فقال: "باب الرخصة في الصلاة جماعة في المسجد الذي قد جمّع فيه ضدّ قول من زعم أنهم يصلون فرادى إذا صلى في المسجد جماعة مرة" (٤). قال البغوي: (ففيه دليل على أنه يجوز لمن صلى في جماعة أن يصليها ثانيًا مع جماعة آخرين، وأنه يجوز إقامة الجماعة في مسجد مرتين، وهو قول غير واحد من الصحابة والتابعين) (٥). وقول المانعين: إنها صلاة متنفل وراء مفترض فيجوز تكرارها، وأما بمفترض فلا يجوز. فهذا فيه نظر قوي؛ فإنها إذا جازت بمفترض ومتنفل فما الذي ينفي جوازها بمفترضين؟ ومن ادعى الفرق فعليه الدليل (٦). وعن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة" (٧). فهذا الحديث نص صريح في فضل صلاة الجماعة على صلاة المنفرد، ولم يرد تقييد ذلك بألا تكون جماعة ثانية، بل جاء مطلقًا في كل صلاة الجماعة، والرجل مع الرجل جماعة؛ لأن الرسول ﷺ جعل التضعيف لغير الفذ، فعلم أن ما زاد على الفذ فهو جماعة، فإذا أقام رجلان جماعة ثانية حصل لهما التضعيف -إن شاء الله- لهذا الحديث، والله أعلم.
следующие страницы →