بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
المقدمة
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على محمد المصطفى، نبي الهدى، والرحمة، وعلى آله، وأصحابه، الطاهرين، البررة.
وبعد فإنه شاع في هذا الزمان كلمة " الاتحاد والوحدة " من كل داع للشقاق والفرقة، وكثر استعمالها حتى كاد أن ينخدع بها السذج من المسلمين لو ما عرفوا ما ورائها من كيد ودس ودهاء.
فالقاديانية (١) عميلة الاستعمار الصليبي في القارة الهندية الباكستانية، ووصمة عار على جبهة المسلمين المشرقة، تستعمل هذه الكلمة هناك لكي يتسع لها طريق لنفث السموم في نفوس المسلمين.
والبهائية (٢) وليدة الروس، والانكيز، والنزغات الشيعية، تريد بنفس هذه الكلمة غزو الشيعة في إيرانها وعراقها.
والشيعة ربيبة اليهود، وفصيلتهم في بلاد الإسلام، يستعملون هذه
стр. 3
الكلمة أيضاً عند افتضاح أمرها، واكتشاف حقيقتها، وإماطة اللثام عن وجهها.
فليست هذه الكلمة، إلا كلمة حق أريد بها الباطل، كما نقل عن علي ﵁، أنه لما سمع الخوارج قولهم "لا حكم إلا لله" فقال: كلمة حق أريد بها الباطل، نعم لا حكم إلا لله" (١).
وقال: سيأتي عليكم بعدي زمان ليس فيه شيء أخفى من الحق ولا أظهر من الباطل" (٢).
فهذا هو الزمان الذي أشار إليه علي في قوله، فما أكثر الكذب فيه وما أفظعه!
ولقد بدأ الشيعة منذ قريب ينشرون كتباً ملفقة مزورة في بلاد الإسلام، يدعون فيها التقريب إلى أهل السنة، ولكن بتغيير صحيح يريدون بها تقريب السنة إليهم بترك عقائدهم، ومعتقداتهم في الله، وفي رسوله، وأصحابه الذين جاهدوا تحت رايته، وأزواجه الطاهرات الآتي صاحبنه في معروف، وفي الكتاب الذي أنزله الله عليه من اللوح المحفوظ، نعم يريدون أن يترك المسلمون كل هذا، ويعتنقوا ما نسجته أيدي اليهودية اللئيمة من الخرافات، والترهات، في الله، بأنه يحصل له "البدا" وفي كتاب الله، بأنه محرف، ومغير فيه، وفي رسول الله، بأن علياً
стр. 4
وأولاده أفضل منه، وفي أصحابه حملة هذا الدين، أنهم كانوا خونة، مرتدين، مع من فيهم أبو بكر، وعمر، وعثمان، وأزواج النبي، أمهات المؤمنين، مع من فيهن الطيبة، الطاهرة، بشهادة من الله في كتابه، بأنهن خن الله ورسوله، وفي أئمة الدين، من مالك، وأبي حنيفة، والشافعي، وأحمد، والبخاري، أنهم كانوا كفرة ملعونين ﵃ ورحم عليهم أجمعين - نعم يريدون هذا، وما الله بغافل عما يعملون.
فكل من عرف هذا وقام على وجههم، ورد عليهم، جعلوا يتصيحون عليه ويتنادون باسم الوحدة والاتحاد، ويرددون قول الله : ﴿ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم﴾ (١) - (٢).
стр. 5
فبعداً للوحدة التي تقام على حساب الإسلام، وسحقاً للاتحاد الذي يبنى على أعراض محمد النبي، وأصحابه، وأزواجه - صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين-، فقد علّمنا الله في كلامه الذي نعتقد فيه أن حرفاً منه لم يتغير ولم يتبدل، وما زيد عليه بكلمة، ولا نقص منه حرف، علّمنا فيه، أن كفار مكة طلبوا أيضاً من رسول الله، الصادق، الأمين، عدم الفرقة والاختلاف بدعوته إلى عبادة الله وحده، مخلصين له الدين، وإفضاحه آلهتهم، والرد عليهم، فأجابهم بأمر من الله: يا أيها الكافرون، لا أعبد ما تعبدون، ولا أنتم عابدون ما أعبد، ولا أنا عابد ما عبدتم، ولا أنتم عابدون ما أعبد، لكم دينكم ولي دين (١).
وقال: هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين (٢).
وقال: ولنا أعمالنا ولكم أعمالكم ونحن له مخلصون (٣).
стр. 6
وقال: وما يستوي الأعمى والبصير، ولا الظلمات ولا النور، ولا الظل ولا الحرور، وما يستوي الأحياء ولا الأموات إن الله يسمع من يشاء وما أنت بمسمع من في القبور (١).
نعم يمكن الوحدة إن أرادوها، ويمكن الاتحاد إن يطلبونه، الوحدة والاتحاد، بالرجوع إلى الكتاب والسنة، والتمسك بهما، حسب قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم، فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر (٢).
نعم "إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر، فتعالوا إلى هذه الكلمة، كلمة الوحدة، والاتحاد، إلى قول الله وقول نبيه محمد.
فلنرفع الخلاف ولنقض على النزاع، فهيا بنا إلى الوحدة أيها القوم!
فاتركوا السباب لأصحاب رسول الله، خيار خلق الله، الذين بشرهم الله بالجنة في كتابه المجيد حيث قال: والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار خالدين
стр. 7
فيها أبداً، ذلك الفوز العظيم (١).
وقال: لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة (٢).
وقال: رسوله الناطق بالوحي: لا تمس النار مسلماً رآني أو رأى من رآني (٣).
وقال ﵇: الله الله في أصحابه، لا تتخذوهم غرضاً من بعدي، فمن أحبهم فبحبي أحبهم، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم، ومن آذاهم فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله، ومن آذى الله فيوشك أن يأخذه (٤).
ويمكن الاتحاد بالاعتراف أن الكلام المجيد لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد، وإن من قال فيه بتحريف وتغيير كان ضالاً مضلاً خارجاً عن الإسلام، تعالوا فلنتفق ونتحد.
وهلموا إلى الوحدة بالعهد على أن الكذب والتقية قد تركتموها كلية وقطعاً، وترون الكذب من الموبقات، التي تدخل الناس النار، كما قال الرسول ﵇: إن الصدق
стр. 8
بر وإن البر يهدي إلى الجنة، وإن الكذب فجور، وإن الفجور يهدي إلى النار (١).
ولن يحصل الاتفاق والوحدة دون توبتكم عن العقائد اليهودية، والوثنية المجوسية من أن الأئمة يعلمون الغيب، ويعرفون متى يموتون، ويفعلون ما يشاؤون، لا يسأل عنهم وهم يسألون، وأنهم ليسوا من بشر.
نعم ويمكن الوحدة بترك الدس والكيد للمسلمين.
فها هي بغداد مضرجة بدمائهم بجريمة ابن العلقمي، وها هي الكعبة جريحة بجريمة طائفة منكم، وها هي باكستان الشرقية ذهب ضحية بخيانة أحد أبناء "تزلباش"، الشيعة "يحيى خان" في أيدي الهندوس.
وها هو التاريخ الإسلامي مليء بمآثمكم، وخذلانكم المسلمين كلما حدثت لهم حادثة، ووقعت لهم كارثة، وحلت بهم نائبة.
تعالوا نتعاون بيننا، ونتفق، ونتحد، لتكون كلمة الله هي العليا، وليس للعسكري ولد حتى يأتي ويخرج ويكشف عنا الهموم، ويفرج عنا الكروب.
فنحن الذين نستطيع إن اعتصمنا بكتاب ربنا، وسنة نبينا، أن نكشف عنا مصيبتنا، وندفع عنا كيد أعدائنا كما وعنا الله ﴿إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا، ويوم
стр. 9
يقوم الأشهاد﴾ (١).
﴿وكان حقاً علينا نصر المؤمنين﴾ (٢).
﴿وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين﴾ (٣).
فلكم رأينا النصر وهو آت من السماء في زمن الصديق الأكبر أبي بكر، والفاروق الأعظم عمر، وذي النورين عثمان رضوان الله عليهم أجمعين، حتى هزموا الكفر في عقر داره، وأدوا رايات الظفر إلى آفاق لم يتصورها الأولون، فما أن غرست اليهودية غريستها، وولدت وليدتها في عهد أمير المؤمنين علي ﵁، حتى اضطرب الأمور، وانعكست الأحوال، واضطر هو إلى أن يقول: ابتليت بقتال أهل القبلة.
وقال متأسفاً: أوصيكم عباد الله بتقوى الله فإنها خير ما تواصى العباد به وخير عواقب الأمور عند الله، وقد فتح باب الحرب بينكم وبين أهل القبلة (٤).
وقال ﵁: ألا وإني قد دعوتكم إلى قتال هؤلاء القوم ليلاً ونهاراً، وسراً وعلناً، وقلت لكم: اغزوهم قبل أن يغزوكم، فوالله ما غزى قوم قط في عقر دارهم إلا ذلوا، فتواكلتم وتخاذلتم حتى شنت عليكم الغارات، وملكت عليكم
стр. 10
الأوطان. . . ثم انصرفوا (الأعداء) وافرين، ما نال رجلاً منهم كلم، ولا أريق لهم دم، فلو أن امرأً مسلماً مات من بعد هذا أسفاً ما كان به ملوماً، بل كان به عندي جديراً، فيا عجباً! عجباً - والله - يميت القلب ويجلب الهم من اجتماع هؤلاء القوم على باطلهم، وتفرقكم عن حقكم، فقبحاً لكم وترحاً حين صرتم غرضاً يرمى، يغار عليكم ولا تغيرون، وتغزون ولا تغزون، ويعصى الله وترضون، فإذا أمرتكم بالسير إليهم في أيام الحر قلتم: هذه حمارة القيظ، أمهلنا يسبخ عنا الحر، وإذا أمرتكم بالسير إليهم في الشتاء، قلتم هذه صبارة القرة، أمهلنا ينسلخ عنا البردن كل هذا فراراً من الحر والقر، فإذا كنتم من الحر والقر تفرون، فأنتم والله من السيف أفر - وقال -: قاتلكم الله لقد ملأتم قلبي قيحاً، وشحنتم صدري غيظاً، وجرعتموني نغب التهمام أنفاساً (١) وأفسدتم على رأيي بالعصيان والخذلان، حتى لقد قالت قريش إن ابن أبي طالب رجل شجاع ولكن لا علم له بالحرب، لله أبوهم وهل أحد منهم أشد لها مراساً، وأقدم فيها مقاماً مني، لقد نهضت فيها وما بلغت العشرين، وها أنا ذا قد ذرفت على الستين، ولكن لا رأي لمن لا يطاع (٢).
فها هو ذا علي بن أبي طالب الخليفة الراشد الرابع عندنا
стр. 11
- والإمام المعصوم الأول عندكم - يشتكي منكم من يوم الذي وجدتم فيه - وقد أوردناه من كتابكم الذي تظنونه أصدق الكتب وأفضلها، والذي جمعه كبيركم الشريف أبو الحسن محمد الرضي.
فماذا بعد هذا أيها القوم.
وما ألفنا هذا الكتاب، وما جمعنا فيه النصوص إلا للتنبيه علي أنه لا ينبغي التصور بأن أهل السنة بلغوا من الجهل إلى حد حتى تلعب بهم، وبعقولهم، وقلوبهم، وعقائدهم وليدة اليهود وربيبة المجوس.
وقد أثبتنا في مختصرنا هذا أن الشيعة ليست إلا لعبة يهودية، ناقمة على الإسلام، وحاقدة على المسلمين، وعلى رأسهم أصحاب رسول الله ﷺ ، حملة هذا الدين، والتابعين لهم بإحسان، ومن سلك مسلكهم إلى يوم الدين، ثم وقد بينا فيه عقيدتهم في القرآن، أساس الإسلام، وأصله، ورسالة الله التي جاء بها محمد النبي، الصادق، المصدوق ﵇، إلى الناس كافة، ببيان واضح، مستند، مفصل، لم أسبق عليه بفضل الله ومنّه.
كما أوضحنا أن الكذب (باسم التقية) هو شعار الشيعة قاطبة، ويعدونه من أطيب الأعمال، وأعظم القربات إلى الله.
وورد تحت هذه المواضيع الثلاثة مباحث ومواضيع كثيرة
стр. 12
أخرى مثل عقيدتهم في الله، وفي رسول الله، وأصحاب رسول الله، وأزواجه، أمهات المؤمنين، وعقيدتهم في أئمتهم، ورأي الأئمة فيهم، والأسس لهذا المذهب، والأصول التي قام عليها، وسبب الخلاف بينهم وبين السنة من المسلمين.
ونرى في ذلك المختصر كفاية لمن أراد أن يعرف حقيقتهم، وحقيقة معتقداتهم، وحتى للسذج من الشيعة الذين اغتروا بحب أهل البيت وولايتهم، إن أرادوا الحق والتبصر، لأن أكثرهم لا يعرفون حقيقة دينهم حيث أمر صناديدهم بكتمان المذهب كما هو المكذوب على جعفر الصادق أنه قال لأحد شيعته: يا سليمان إنكم على دين من كتمه أعزه الله ومن أذاعه أذله الله (١).
وقد التزمنا في هذا الكتاب أن لا نذكر شيئاً من الشيعة إلا من كتبهم، وبعباراتهم أنفسهم، مع ذكر الكتاب، والمجلد والصفحة، والطبعة، بحول الله وقوته، وكلما ذكرنا من كتب الشيعة في هذا الكتاب، هي الكتب المستندة، المشهورة والموثوقة عندهم (٢).
стр. 13
ونريد أن نتبع هذا المختصر مختصراً آخر في حجمه حتى يحتوي ويشتمل على جميع الموضوعات الهامة، والمباحث المهمة، فيكون هذا كالجزء الأول وما يليه كالجزء الثاني، والله ولي التوفيق، وعليه أتوكل وإليه أنيب.
إحسان إلهي ظهير - لاهور
٢٢ مايو ١٩٧٣م ١٨ الربيع الثاني ١٣٩٣هـ
стр. 14
الباب الأوّل
الشّيعة والسُّنّة
منذ بزوغ شمس الرسالة المحمدية، ومن أول يوم قُلِّب فيه صفحة التاريخ الجديد، التاريخ الإسلامي المشرق، احترق قلوب الكفار وأفئدة المشركين، وخاصة اليهود في الجزيرة العربية وفي البلاد العربية المجاورة لها، والمجوس في إيران، والهندوس في شبه القارة الهندية الباكستانية، فبدؤوا يكيدون للإسلام كيداً، ويمكرون بالمسلمين مكراً، قاصدين أن يسدوا سيل هذا النور، ويطفئوا هذه الدعوة النيرة، فيأبى الله إلا أن يتم نوره، كما قال في كتابه المجيد: ﴿يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله مُتمّ نوره ولو كره الكافرون﴾ (١).
ولكنهم مع هزيماتهم واكساراتهم لم يتفلل فلول حقدهم وضغينتهم، فما زالوا داسين، دابرين.
وأوّل دسّ دسَّه أبناء اليهودية البغيضة، المردودة، يعد طلوع فجر الإسلام، دسّ في الشريعة الإسلامية باسم الإسلام،
стр. 15
حتى يسهل اصطياد أبناء المسلمين، الجهلة عن عقائد الإسلام، ومعتقداتهم الصحيحة، الصافية، فكان على رأس هؤلاء المكرة المنافقين، المتظاهرين بالإسلام، والمبطنين الكفر أشد الكفر - والنفاق، والباغين عليه، عبد الله بن سبأ اليهودي، الخبيث، الذي أراد مزاحمة الإسلام، ومخالفته، والحيلولة دونه، وقطع الطريق عليه بعد دخول الجزيرة العربية بأكملها في حوزة الإسلام وقت النبي، وبعد ما انتشر الإسلام في آفاق الأرض وأطرافها، واكتسح مملكة الروم من جانب، وسلطنة الفرس من جهة أخرى، وبلغت فتوحاته من أقصى أفريقيا إلى أقصى آسيا، وبدأت تخفق راياته على سواحل أوربا وأبوابها، وتحقق قول الله ﴿وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم، وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم، وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا﴾ (١).
وبدأ علي بن أبي طالب ﵁ يقول: أن هذا الأمر لم يكن نصره ولا خذلانه بكثرة ولا قلة، وهو دين الله الذي أظهره، وجنده الذي أعده، وأمده، حتى بلغ ما بلغ، وطلع حيث طلع، ونحن على موعود من الله، والله منجز وعده، وناصر جنده" (٢)
стр. 16
وقال معلناً الحق: فلما رأى الله صدقنا أنزل لعدونا الكبت، وأنزل علينا النصر، حتى استقر الإسلام ملقياً جرانه، ومتبوءاً أوطانه" (١).
فأراد ابن سبأ هذا مزاحمة هذا لادين، بالنفاق والتظاهر بالإسلام، لأنه عرف هو وذووه أنه لا يمكن محاربته وجهاً لوجه، ولا الوقوف في سبيله جيشاً لجيش، ومعركة بعد معركة، فإن أسلافهم بني قريظة، بني النضير، وبني قينقاع جربوا هذا فما رجعوا إلا خاسرين، ومنكوبين، فخطط هو ويهودصنعاء خطة أرسل أثرها هو ورفقته إلى المدينة، مدينة النبي، وعاصمة الخلافة، في عصر كان يحكم فيه صهر رسول الله، وصاحبه، ورضيه، ذو النورين، عثمان بن عفان ﵁، فبدؤوا يبسطون حبائلهم، ويمدون أشواكهم، منتظرين الفرص المتواطئة، ومترقبين المواقع المتلائمة، وجعلوا علياً ترساً لهم يتولونه، ويتشيعون به، ويتظاهرون بحبه، وولائه، (وعلي منهم بريء) ويبثون في نفوس المسلمين سموم الفتنة، والفساد، محرضينهم على خليفة رسول الله، عثمان الغني ﵁، الذي ساعد الإسلام والمسلمين بماله إلى ما لم يساعدهم أحد، حتى قال له الرسول، الناطق بالوحي، ﵇، حين تجهيزه جيش العسرة "ما ضرّ عثمان، ما عمل بعد اليوم" (٢).
стр. 17
وبشره بالجنة مرات، ومرات، وأخبره بالخلافة والشهادة.
وطفق هذه الفئة تنشر في المسلمين عقائد تنافي عقائد الإسلام، من أصلها، وأصولها، ولا تتفق مع دين محمد ﷺ في شيء. .
ومن هناك ويومئذ كونت طائفة، وفرقة في المسلمين للإضرار بالإسلام، والدس في تعليمه، والنقمة عليه، والانتقام منه، وسمت نفسها "الشيعة لعلي" ولا علاقة لها به، وقد تبرأ نمهم، وعذبهم أشد العذاب في حياتهم، وأبغضهم بنون وأولاده من بعده، ولعنوا عليهم، وأبعدوه عنهم، ولكن خفيت الحقيقة مع امتداد الزمن، وغابت عن المسلمين، وفازت اليهودية بعد ما وافقتها المجوسية من ناحية، والهندوسية من ناحية أخرى، فازت في مقاصدها الخبيثة، ومطامعها الرذيلة، وهي إبعاد أمة محمد عن رسالته التي جاء بها من الله ، ونشر العقائد اليهودية والمجوسية وأفكارهما النجسة بينهم باسم العقائد الإسلامية (١).
وقد اعترف بهذا كبار الشيعة ومؤرخوهم، فهذا هو الكشي (٢) كبير علماء التراجم - المتقدمين - عندهم - الذي قالوا فيه: إنه
стр. 18
ثقة، عين، بصير بالأخبار والرجال، كثير العلم، حسن الاعتقاد، مستقيم المذهب.
والذي قالوا في كتابه في التراجم: أهم الكتب في الرجال، هي أربعة كتب، عليها المعول، وهي الأصول الأربعة في هذا الباب، وأهمها، وأقدمها، هو "معرفة الناقلين عن الأئمة الصادقين المعروف برجال الكشي" (١).
يقول ذلك الكشي في هذا الكتاب: وذكر بعض أهل العلم أن عبد الله بن سبأ كان يهودياً فأسلم، ووالى علياً ﵇، وكان يقول وهو على يهوديته في يوشع بن نون وصى موسى بالعلو، فقال في إسلامه بعد وفات رسول الله في علي مثل ذلك، وكان أول من أشهر بالقول بفرض إمامه علي، وأظهر البراءة من أعدائه وكاشف مخالفيه، وكفّرهم، ومن هنا قال من خالف الشيعة، إن أهل التشيع، والرفض، مأخوذ من اليهودية (٢).
ونقل المامقاني، إمام الجرح والتعديل، مثل هذا عن الكشي في كتابه "تنقيح المقال" (٣).
стр. 19
ويقول النوبختي (١) الذي يقول فيه الرجالي الشيعي الشهير النجاشي: الحسن بن موسى أبو محمد النوبختي، المتكلم، المبرز علي نظرائه في زمانه، قبل الثلاثمائة وبعد" (٢).
وقال الطوسي: أبو محمد، متكلم، فيلسوف، وكان أمامياً (شيعياً) حسن الاعتقاد ثقة. . . وهو من معالم العلماء (٣).
ويقول نور الله التستري: الحسن بن موسى من أكابر هذه الطائفة وعلماء هذه السلالة، وكان متكلماً، فيلسوفاً، إمامي الاعتقاد (٤).
يقول هذا النوبختي: في كتابه "فرق الشيعة": عبد الله بن سبأ كان ممن أظهر الطعن على أبي بكر، وعمر، وعثمان، والصحابة، وتبرأ منهم، وقال إن علياً ﵇ أمره بذلك، فأخذه علي، فسأله عن قوله هذا، فأقر به، فأمر بقتله (٥) فصاح
стр. 20
الناس إليه، يا أمير المؤمنين! أتقتل رجلاً يدعو إلى حبكم، أهل البيت، وإلى ولايتكم، والبراءة من أعدائكم، فسيره (علي) إلى المدائن (عاصمة إيران آنذاك)، وحكى جماعة من أهل العلم من أصحاب علي ﵇، إن عبد الله بن سبأ كان يهودياً فأسلم، ووالى علياً ﵇، وكان يقول وهو على يهوديته في يوشع بن نون بعد موسى ﵇ بهذه المقالة، فقال في إسلامه بعد وفاة النبي في علي ﵇ بمثل ذلك، وهو أول من أشهر القول بفرض إمامة علي ﵇، وأظهر البراءة من أعدائه، وكاشف مخالفيه، فمن هناك قال من خالف الشيعة: إن أصل الرفض مأخوذ من اليهودية: ولما بلغ عبد الله بن سبأ نعى علي بالمدائن، قال للذي نعاه: كذبت لو جئتنا بدماغه في سبعين صرة، وأقمت على قتله سبعين عدلاً، لعلمنا أنه لم يمت، ولم يقتل، ولا يموت حتى يملك الأرض" (١).
стр. 21
وذكر مثل هذا مؤرخ شيعي في "روضة الصفا" أن عبد الله بن سبا توجه إلى مصر حينما علم أن مخالفيه (عثمان بن عفان) كثيرون هناك، فتظاهر بالعلم والتقوى، حتى افتتن الناس به، وبعد رسوخه فيهم بدأ يروج مذهبه ومسلكه، ومنه أن لكل نبي وصي وخليفة، فوصى رسول الله وخليفته ليس غلا علي، المتحلي بالعلم، والفتوى، والمتزين بالكرم، والشجاعة، والمتصف بالأمانة، والتقى، وقال: أن الأمة ظلمت علياً، وغصبت حقه، حق الخلافة، والولاية، ويلزم الآن على الجميع مناصرته ومعاضدته، وخلع طاعة عثمان وبيعته، فتأثر كثير من المصريين بأقواله وآرائه، وخرجوا على الخليفة عثمان" (١).
فهذه هي الشهادات الشيعية أنفسهم، يشهدون بها عليهم، ويتلخص منها أشياء.
أولاً:- تكوين اليهود فئة باسم الإسلام تحت قيادة عبد الله بن سبأ، يتظاهرون بالإسلام ويبطنون الكفر، وينشرون بين المسلمين عقائد وآراء يهودية، كافرة.
ثانياً:- دس الفتنة بين المسلمين، والتآمر على الخليفة الثالث، الراشد، الإمام المظلوم، أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه، وشق عصا الطاعة له، حتى يقع الهرج والمرج،
стр. 22
فينقطع فتوحات الإسلام، وتقف راياته النيرة المشرقة، الرفرافة على بلاد الكفر، والمجوسية، واليهودية، ويتغلل سيوف المسلمين ما بينهم، ويذهب حدها حتى لا يبرق وميضها ولمعانها على رؤوس الكفرة، والملحدين.
فهذه كانت حصيلة المؤامرة، وقد حصلت فعلاً - ووا أسفا - فوقع القتال بين المسلمين، وسل السيف واستل ما بينهم، وذهب ضحيتاه، الإمام عثمان بن عفان ﵁، وعشرات الألوف من خيرة الرجال، ووقع الشقاق بين فئتين عظيمتين من المسلمين إلى ما وقع، وبقي أثره إلى يومنا هذا بعد ما انقضى عليه أكثر من ثلاثة عشر قرناً، وانقبضت أشعة النور بعد ما انبسطت على بقاع الأرض كلها.
ثالثاً:- غرس الحقد والضغينة في قلوب الناس ضد أبي بكر، وعمر، وباقي الصحابة من العشرة والمبشّر لهم بالجنة، إلى صغيرهم وكبيرهم، حملة هذا الدين، وورثة النبي الكريم، المبلغين رسالته، والناشرين دعوته، والرافعين رايته، والمجاهدين في سبيل الله، والممدوحين في كلام الله، حتى لا يبق للمسلمين تاريخ يمجدونه، ورجال يفتخرون بهم، والمثل العليا يقتدون بهم، وقدوة يهتدون بها، فيقعون في خيار الأمة حتى ينجروا إلى الخوض في سيد الخلق، ورسول رب العالمين، محمد بن عبد الله، ويبتعدوا عن القرآن ويشكوا فيه، القرآن الذي أنزله الله على نبيه، وفيه مدح
стр. 23
لهؤلاء، والرضاء عليهم، والمباهاة بهم.
رابعاً:- تكفير الصحابة كلهم - سوى المعدودين منهم - حتى لا يبقى الاعتماد والعمدة على شيء حيث أن أصحاب النبي الذين سمعوا من رسول الله القرآن، وحملوه منه، ورأوا رسول الله يشرحه، ويفسره، ويبينه بقوله وعمله، كانوا كفرة مرتدين، فمن ينقل ويروي القرآن وتفسيره المعنى بالسنة؟
ثم وأي إنتاج أنتجه رسول الله، وأي دعوة ورسالة أداها إلى الناس، وأي فوج دخل في دين الله حيث يقول الله : ﴿إذا جاء نصر الله والفتح، ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجاً، فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان تواباً﴾ (١).
ومن هنا يقف الموكب الزاخر، موكب النور والرحمة إلى الكون، موكب السلام والأمن إلى الدنيا قاطبة، فهذا هو المقصود الذي أرادوه، ومن هنا جاء عدم الإيمان بالقرآن الموجود بأيدي الناس، والقول بأن القرآن المنزل على النبي هو عند المهدي المنتظر وصله بطريق الوحي، لأن "الخونة" (عياذاً بالله) من أصحاب النبي، غيروه وبدلوه، ونقصوا منه وزادوا فيه، كما سيأتي بيانه مفصلاً إن شاء الله.
وإذا لم يكن الرسالة موجودة فإلى أي شيء الدعوة، وعلى أي شيء العمل؟
стр. 24
فالتوقف والانتظار إلى أن يخرج القائم الذي لن يخرج أبد الدهر.
خامساً:- ترويج العقيدة اليهودية بين المسلمين، ألا وهي عقيدة الوصاية والولاية التي لم يأت بها القرآن ولا السنة الصحيحة، الثابتة، بل اختلقها اليهود من وصاية يوشع بن نون لموسى ونشروها بين المسلمين باسم وصاية علي لرسول الله كذباً وزوراً، كي يتمكنوا من زرع بذور الفساد فيهم، وشب نيران الحروب والفتنة ما بينهم حتى ينقلب مساعيهم عن الجهاد في سبيل الله ضد الكفرة والمشركين من اليهود والمجوس إلى القتال بين أنفسهم، فانظر عبارة الكشي، فيقول: وكان أول من أشهر القول بفرض إمامة علي وأظهر البراءة من أعدائه.
ويقول النوبختي: إن عبد الله بن سبأ كان يهودياً فأسلم ووالى علياً وكان يقول وهو على يهوديته في يوشع بن نون بعد موسى ﵇ بهذه المقالة، فقال في إسلامه بعد وفاة النبي بمثل ذلك.
سادساً:- نشر الأفكار اليهودية كالرجعة، وعدم الموت، وملك الأرض، والقدرة على أشياء لا يقدر عليها أحد من الخلق، والعلم بما لا يعلم أحد، وإثبات "البداء" والنسيان لله وغير ذلك من الخرافات والترهات.
هذا ما اقترفته اليهودية وزرعته، وعلي والطّيّبون من أهل
стр. 25
بيته منهم براء، لأنه قد ثبت عن علي ﵁، أنه أنكر عليهم القول واستنكرهم، كما ذكره النوبختي في ما مر، ويؤيد هذا ما رواه يحيى بن حمزة الزيدي في كتابه "طوق الحمامة في مباحث الإمامة" عن سويد بن غفلة أنه قال: مررت بقوم ينتقصون أبا بكر وعمر ﵄، فأخبرت علياً كرم الله وجهه وقلت: لولا أنهم يرون أنك تضمر ما أعلنوا، ما اجترؤوا على ذلك، منهم عبد الله بن سبأ، فقال علي ﵁: نعوذ بالله، رحمنا الله، ثم نهض وأخذ بيدي وأدخلني المسجد، فصعد المنبر ثم قبض على لحيته وهي بيضاء، فجعلت دموعه تتحادر عليها، وجعل ينظر للقاع حتى اجتمع الناس، ثم خطبفقال: ما بال أقوام يذكرون أخوي رسول الله ووزيريه، وصاحبيه وسيدي قريش، وأبوي المسلمين، وأنا بريء مما يذكرون، وعليه معاقب، صحبا رسول الله بالحب، والوفاء، والجد في أمر الله، يأمران وينهيان، ويغضبان ويعاقبان، ولا يرى رسول الله كرأيهما رأياً، ولا يحب كحبهما حباً، لما يرى من عزمهما في أمر الله، فقبض وهو منهما راض، والمسلمون راضون، فما تجاوزا في أمرهما وسيرتهما رأيه وأمره في حياته وبعد موته، فقبضا على ذلك رحمهما الله، فوالذي فلق الحبة وبرا النسمة لا يحبهما إلا مؤمن فاضل، ولا يبغضهما إلا شقي مارق، وحبهما قربة وبغضهما مروق "- وفي رواية - لعن الله من أضمر لهما إلا الحسن
стр. 26
الجميل" (١).
ومثل هذا روى في الصحاح الستة عندنا، ونهج البلاغة وغيره عندهم.
وأما دين الإمامية ومذهب الإثنى عشرية ليس إلا مبنياً على تلك الأسس التي وضعتها اليهودية الأثيمة بوساطة عبد الله بن سبأ الصنعاني، اليمني، الشهير بابن السوداء _والسوداء أمه) مع إنكارهم انتسابهم إلى اليهودية، وابن السوداء هذا - لكنه مجرد الإنكار فحسب لا غيره، لأن إنكارهم وحده لا يكفي لتبرئتهم عن هذه الفصيلة، وخروجهم عن هذه الشرذمة، الطاغية، الباغية، إلا أن يثبتوا مخالفتهم ومعارضتهم للأفكار التي دسوها، والعقائد التي بثوها في الإسلام والمسلمين.
ولكن حينما نرى بعين التفصح والتبصر لا نجد القوم إلا وهم يمتضغون اللقمة التي رماها إليهم هؤلاء المنافقون، المتظاهرون بالإسلام، والمبطنون أشد الكفر والعنه، فلنضع النقاط على الحروف، ولنأخذ أولاً فأولاً.
عبد الله بن سبأ
أولاً نحن قلنا أن عبد الله بن سبأ كان يهودياً متظاهراً بالإسلام منافقاً وقد ذكرنا النصوص على ذلك من الكشي والنوبختي وغيرهما، فلا يحتاج إلى إثبات ذلك أكثر مما ذكرنا، ولكن
стр. 27
إتماماً للفائدة وزيادة للعلم نذكر بعض ما ذكره الكشي أيضاً عن زين العابدين علي بن الحسين - الإمام الرابع المعصوم عندهم - أنه قال: لعن الله من كذب علينا، أني ذكرت عبد الله بن سبأ فقامت كل شعرة في جسدي، لقد ادعى أمراً عظيماً ما له لعنه الله، كان علي ﵇ والله عبد الله صالحاً أخاً رسول الله، ما نال الكرامة من الله إلا بطاعته لله ولرسوله، وما نال رسول الله صلى الله عليه وآله الكرامة من الله إلا بطاعته لله" (١).
ويذكر الكشي أيضاً رواية عن عبد الله بن سنان قال قال أبو عبد الله (جعفر) ﵇: أنا أهل بيت صديقون لا نخلو من كذاب يكذب علينا ويسقط صدقنا بكذبه علينا عند الناس، كان رسول الله صلى الله عليه وآله أصدق الناس لهجة وأصدق البرية كلها، وكان مسيلمة يكذب عليه وكان أمير المؤمنين ﵇ أصدق من برءا لله بعد رسول الله وكان الذي يكذب عليه ويعمل في تكذيب صدقه، ويفتري على الله الكذب عبد الله بن سبأ" (٢).
وذكر الطبري في تاريخه "أن عبد الله بن سبأ لما ورد الشام لقي أبا ذر وحرضه على معاوية بقوله: أن معاوية يقول: المال مال الله، ألا إن كل شيء لله، ويريد به اجتماعه وادخاره دون المسلمين، ثم أتى عبد الله هذا أبا الدرداء فقال له أبو الدرداء:
стр. 28
من أنت؟ أظنك والله يهودياً" (١).
سعيه بالفتنه والفساد
ثانياً:- أجمع المؤرخون قاطبة، شيعة كانوا أم أهل السنة، أن الذي أضرم نار الفتنة والفساد، ومشى بين المدن والقرى بالتحريض والإغراء على أمير المؤمنين، وخليفة المسلمين عثمان بن عفان، ذي النورين ﵁، كان هذا اللعين وشرذمته اليهودية، وهم الذين أوقدوا نار العصيان، وأشعلوها كلما خمدت نيرانها، وكان يتجول من بلدة إلى بلدة، ويتنقل من قرية إلى قرية، فها هو الطبري وغيره من المؤرخين يذكرون تنقله من المدينة إلى مصر وإلى البصرة، فنزوله على حكيم بن جبلة، ثم إخراجه عنها ووروده في الكوفة، وإتيانه الفسطاط ينفث فيهم سمومه، ويوقعهم في حبائل الفتنة" (٢).
فهذا هو نجل اليهودي الذي يمشي ويجري بين المسلمين بالإفساد والانتشار والافتراق، ويمزق وحدة المسلمين، ويفرق جمعهم وراء ستار التشيع لعلي ﵁، ويشتت شملهم حسب خطة خططها هو واليهود من ورائه.
стр. 29
الطعن في أصحاب النبي ﷺ
ثالثاً:- ذكر النوبختي أن عبد الله بن سبأ كان أول من أظهر الطعن في أبي بكر وعمر وعثمان، صهر رسول الله وأرحامه ومن اليوم إلى يومنا هذا تناول الشيعة بهذه العقيدة وتمسكوا بها، والتفوا حولها، فليس بشيعي الذي لا يبغض خلفاء رسول الله الثلاثة، ووزرائه، ومحبيه، ولا يطعن فيهم.
أبي بكر
فهذا هو الكشي كبيرهم في الجرح والتعديل يذكر عقيدة الشيعة في الصديق الذي سماه رسول الله الصديق، فيروي عن حمزة بن محمد الطيار أنه قال: ذكرنا محمد بن أبي بكر عند أبي عبد الله "ع" فقال أبو عبد الله ﵇: ﵀ وصلى عليه، قال (محمد بن أبي بكر) لأمير المؤمنين (علي) ﵇ يوماً من الأيام، أبسط يدك أبايعك، فقال: أو ما فعلت؟ قال: بلى، فبسط يده فقال: أشهدك أنك إمام مفترض طاعتك، وإن أبي في النار (معاذ الله) فقال أبو عبد الله "ع" كان النجابة فيه من قبل أمه، أسماء بنت عميس رحمة الله عليها لا من قبل أبيه" (١).
فهذا عن جعفر وأما عن أبيه الباقر، فيروي الكشي أيضاً عنه، عن زرارة بن أعين عن أبي جعفر "ع" أن محمد بن أبي بكر بايع علياً ﵇ على البراءة من أبيه" (٢).
стр. 30
وعن شعيب عن أبي عبد الله "ع" قال: سمعت ما من أهل بيت إلا وفيهم نجيب من أنفسهم، وأنجب النجباء من أهل بيت سوء محمد بن أبي بكر" (١).
فانظر الحقد اليهودي والضغينة اليهودية كيف تتدفق من عباراتهم المكذوبة على أولاد علي، وعلى محمد بن أبي بكر، ولكنها تعطي فكرة عما تكتمه الصدور الخبيثة، المنطوية على الكفر.
الفاروق الأعظم
وإليك ما تكنه الشيعة لرجل الإسلام وعبقريته الذي قال فيه الرسول ﵊: "لم أر عبقرياً يفري فريه، حتى روى الناس وضربوا بعطن" (٢).
يقولون فيه: أن سلمان الفارسي خطب إلى عمر، فرده ثم ندم، فعاد إليه (سلمان) فقال (سلمان) إنما أردت أن أعلم ذهبت حمية الجاهلية عن قلبك أم هي كما هي" (٣).
ويروي الكشي أيضاً عن هشام بن أبي عبد الله ﵇ "كان صهيب عبد سوء يبكي على عمر" (٤).
стр. 31
وعن أبيه الباقر أنه قال: "بايع محمد بن أبي بكر على البراءة من الثاني" (١).
ويكذب ابن بابويه القمي الشيعي على الفاروق ويقول: قال عمر حين حضره الموت: "أتوب إلى الله من ثلاث، اغتصابي هذا الأمر أنا وأبي بكر من دون الناس، واستخلافه عليهم، وتفضيل المسلمين بعضهم على بعض" (٢).
ويسب علي بن إبراهيم القمي الذي هو "ثقة في الحديث ثبت، معتمد، صحيح المذهب" - عندهم - في تفسيره (٣).
تحت قول الله : يوم يعض الظالم على يديه يقول يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلاً "عن أبي حمزة الثمالى عن أبي جعفر "ع" قال: يبعث الله يوم القيام قوماً بين أيديهم نور كالقباطي، ثم يقال له كن هبأ منثوراً، ثم قال: أما والله يا أبا حمزة كانوا ليعرفون ويعلمون ولكن كانوا إذا عرض لهم شيء من الحرام أخذوه وإذا عرض لهم شيء من فضل أمير المؤمنين أنكروه - وقوله يوم يعض الظالم على يديه، قال، (أبو جعفر)
стр. 32
الأول (يعني به أبا بكر) يقول: "يا ليتني اتخذت مع الرسول علياً ولياً - يا ليتني لم أتخذ فلاناً خليلاً - يعني الثاني (عمر) " (١).
وروى تحت قوله: "وكذلك جعلنا لكل نبي عدواً شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غروراً "عن أبي عبد الله "ع" قال: ما بعث نبياً إلا وفي أمته شيطانان يؤذيانه ويضلان الناس بعده، فأما صاحبا نوح. . . وأما صاحبا محمد فجبتر وزريق" (٢).
وقد فسر "الجبتر" والزريق لعينهم الهندي الملا مقبول بقوله "روى أن الزريق مصغر لأزرق، والجبتر معناه الثعلب، فالمراد من الأول، الأول (أبو بكر) لأنه كان زرقاء العيون، والمراد من الثاني، الثاني (عمر) كناية عن دهائه ومكره" (٣).
ويذكر القمي أيضاً عن جعفر "أن رسول الله صلى الله عليه وآله أصابه خصاصة فجاء إلى رجل من الأنصار، فقال له: هل عندك من طعام؟ فقال نعم يا رسول الله، وذبح له عناقاً وشواه فلما أدناه منه تمنى رسول الله صلى الله عليه وآله أن يكون معه علي، وفاطمة، والحسن، والحسين ﵈، فجاء منافقان ثم جاء علي بعدهما، فأنزل الله في ذلك ﴿وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي ولا محدث - زيادة من الملعونين - إلا إذا
стр. 33
تمنى ألقى الشيطان في أمنيته، يعني منافقين - فينسخ الله ما يلقى الشيطان - يعني لما جاء علي بعدهما" (١).
ويذكر القمي هذا أيضاً تحت قوله تعالى: فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم، يعني نقض عهد أمير المؤمنين، وجعلنا قلوبهم قاسية، يحرفون الكلم عن مواضعه قال: من نحى أمير المؤمنين عن موضعه، والدليل على ذلك أن الكلمة أمير المؤمنين "ع" قوله "وجعلها كلمة باقية - يعني به الإمامة" (٢).
ويذكر تحت قوله: ﴿ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم﴾ قال: يحملون آثامهم يعني الذين غضبوا أمير المؤمنين وآثام كل من اقتدى بهم، وهو قول الصادق (جعفر): والله ما أهريقت من دم ولا قرع عصا بعصا، ولا غصب فرج حرام، ولا أخذ من غير علم إلا ووزر ذلك في أعناقهما من غير أن ينقص من أوزار العاملين بشيء - وقال علي - فاقسم ثم اقسم ليحملنها بنو أمية من بعدي، وليعرفنها في دار غيرهم عما قليل. . . وعلى البادي، الأول (أبو بكر) ما سهل لهم من سبيل الخطايا مثل أوزار كل من عمل بوزرهم إلى يوم القيامة" (٣).
ويروي الكشي عن الورد بن زيد قال: قلت لأبي جعفر
стр. 34
"ع" جعلني الله فداك، قدم الكميت، فقال: أدخله، فسأله الكميت عن الشيخين، فقال له أبو جعفر "ع" ما أهريق دم ولا حكم بحكم غير موافق لحكم الله، وحكم رسوله صلى الله عليه وآله، وحكم علي، إلا وهو في أعناقهما، فقال الكميت، الله أكبر حسبي، حسبي" (١).
وفي رواية أخرى عن داود بن النعمان قال (الباقر) يا كميت بن زيد! ما أهريق في الإسلام محجة من دم، ولا اكتسب مال من غير حله، ولا نكح فرج حرام، إلا وذلك في أعناقهما إلى يوم يقوم قائمنا، ونحن معاشر بني هاشم نأمر كبارنا وصغارنا بسبهما والبراءة منهما" (٢).
عثمان بن عفان
وأما صاحب الجود والحياء، صهر رسول الله وزوج ابنتيه، عثمان بن عفان، ذو النورين ﵁، فيعتقد فيه الشيعة طبق ما أملت عليهم اليهودية اللئيمة، فيروي الكشي عن أبي عبد الله "ع" قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وعلي وعمار يعملون مسجداً، فمر عثمان في بزة له يخطر، فقال له أمير المؤمنين "ع" ارجز به فقال عمار:
لا يستوي من يعمر المساجدا
يظل فيها راكعاً وساجدا
стр. 35
ومن تراه عانداً معاندا
عن الغبار لا يزال حائداً
قال: فأتى النبي صلى الله عليه وآله فقال: ما أسلمنا لتشتم أعراضنا وأنفسنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: أفتحب أن يقال بذلك، فنزلت آيتان ﴿يمنون عليك أن أسلموا﴾ الآية، ثم قال النبي صلى الله عليه وآله لعلي "ع" اكتب هذا في صاحبك" (١).
وأيضاً عن صالح الحذاء قال: لما أمر النبي صلى الله عليه وآله ببناء المسجد، قسم عليهم المواضع وضم إلى كل رجل رجلاً، فضم عماراً إلى علي ﵇، قال: فبينا هم في علاج البناء إذ خرج عثمان من داره وارتفع الغبار فتمتع بثوبه، وأعرض بوجهه، قال: فقال علي ﵇ لعمار: إذا قلت شيا فرد علي، فقال علي ﵇:
لا يستوي من يعمر المساجدا
يظل فيها راكعاً وساجدا
كمن يرى عن الطريق حائدا
قال: فأجابه عمار كما قال، فغضب عثمان من ذلك فلم يستطع أن يقول لعلي شياً، فقال لعمار: يا عبد، يا لكع، فقال
стр. 36
علي ﵇ لعمار: أرضيت بما قال لك: ألا نأتي النبي صلى الله عليه وآله فتخبره، قال: فأتاه فأخبره، فقال: يا نبي الله إن عثمان قال لي يا عبد - يا لكع، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: من يعلم ذلك؟ فقال علي: قال: فدعاه وسأله، فقال له كما قال عمار، فقال لعلي "ع" اذهب فقل له حيث ما كان، يا عبد، يا لكع، أنت القائل لعمار يا عبد، يا لكع، فذهب علي "ع" فقال له ذلك فانصرف" (١).
ويذكر القمي تحت قوله تعالى: "يوم تبيض وجوه وتسود وجوه" رواية مكذوبة على النبي، المحب لأصحابه، وخاصة رفقائه الثلاثة، فقال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: يرد على أمتي يوم القيامة على خمس رايات، فراية مع عجل هذه الأمة فأسألهم ما فعلتم بالثقلين من بعدي، فيقولون أما الأكبر فحرفناه ونبذناه وراء ظهورنا، وأما الأصغر فعاديناه وأبغضناه وظلمناه، فأقول ردوا النار ظمآء مظمئين مسودة وجوهكم، ثم ترد على راية فرعون هذه الأمة، فأقول لهم ما فعلتم بالثقلين من بعدي فيقولون أما الأكبر فحرفناه ومزقناه وخالفناه، وأما الأصغر فعاديناه وقاتلناه، فأقول ردوا النار - ظمآء مظمئين مسودة وجوهكم، ثم ترد على راية مع سامري هذه الأمة فأقول لهم ما فعلتم بالثقلين من بعدي، فيقولون أما الأكبر فعصيناه وتركناه، وأما الأصغر
стр. 37
فخذلناه وضيعناه، فأقول ردوا النار ظمآء مظمئين مسودة وجوهكم، ثم ترد على راية ذي الثلمة مع أول الخوارج وآخرهم فأسألهم ما فعلتم بالثقلين من بعدي، فيقولون أما الأكبر ففرقناه وبرئنا منه وأما الأصغر فقاتلناه وقتلناه، فأقول ردوا النار ظمآء مظمئين مسودة وجوهكم، ثم ترد على راية مع إمام المتقين وسيد المسلمين، وقائد الغر المحجلين، ووصى رسول رب العالمين، فأقول لهم ما فعلتم بالثقلين من بعدي، فيقولون أما الأكبر فاتبعناه وأطعناه وأما الأصغر فأحببناه وواليناه ووازرناه ونصرناه حتى أهرقت فيهم دماؤنا، فأقول ردوا الجنة رواء مرويين ميبضة وجوهكم ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وآله ﴿يوم تبيض وجوه وتسود وجوه فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون، وأما الذين ابيضت وجوههم ففي رحمة الله هم فيها خالدون﴾ " (١).
أرأيت خبث القوم وقبحهم كيف يسبون أصحاب رسول الله، ويغيرون أسمائهم، ويطعنون فيهم، ويكذبون على النبي ﵇.
ويذكر الكشي أن جعفراً أنشد شعراً:
فالناس يوم البعث راياتهم ... خمس فمنها هالك أربع
قائدها العجل وفرعونها ... وسامري الأمة المفظع
стр. 38
وراية قائدها حيدر ... كالشمس إذا تطلع
ومخدع عن دينه مارق ... جد عبد لكع أوكع
قال (جعفر) من قال هذا الشعر؟ قلت (الراوي): السيد محمد الحميري، فقال ﵀، قلت: أني رأيته يشرب نبيذ الرستاق، قال تعني الخمر؟ قلت نعم، قال ﵀ وما ذلك على الله أن يغفر لمحب علي" (١).
ويذكر الكليني كبير محدثيهم وإمامهم الذي يعد كتابه "الكافي" من الأصول الأربعة - عندهم -، عن علي ﵁ أنه قال:
"قد عملت الولاة قبلي أعمالاً خالفوا فيها رسول الله، متعمدين لخلافه، ناقضين لعهده، مغيرين لسنته" (٢).
وروى الكليني أيضاً عن أبي عبد الله ﵇ في قوله : ﴿إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفراً لن تقبل توبتهم﴾، قال: نزلت في فلان وفلان آمنوا بالنبي صلى الله عليه وآله في أول الأمر وكفروا حيث عرضت عليهم - الولاية - حين قال النبي صلى الله عليه وآله: من كنت مولاه فعلى مولاه، ثم آمنوا بالبيعة لأمير المؤمنين ﵇ ثم كفروا حيث مضى رسول الله صلى الله عليه وآله
стр. 39
فلم يقروا بالبيعة، ثم ازدادوا كفراً بأخذهم نم بايعه بالبيعة لهم فهؤلاء لم يبق فيهم من الإيمان شيء" (١).
وبين شارح الكافي "أن المراد من فلان وفلان أبو بكر وعمر وعثمان" (٢).
بقية أصحاب النبي ﵇ وأزواجه أمهات المؤمنين
ولم يكتف الشيعة بالطعن والتعريض في وزراء رسول الله ﷺ ورحمائه بل تطرق الملاعنة إلى أعراض آل النبي ورفقته الكبار، خاصة الذين هاجروا في سبيل الله وجاهدوا في الله حق جهاده، ونشروا دينه الذي ارتضى لهم، ناقمين وحاسدين جهودهم المشكورة.
عم النبي وأولاده
فها هم يسبون وحتى عم النبي الكريم الذين جعله صنو أبيه.
فيذكر الكشي عن محمد الباقر أنه قال: "أتى رجل إلى أبي (زين العابدين) فقال: أن فلاناً يعني عبد الله بن عباس - يزعم أنه يعلم كل آية نزلت في القرآن، في أي يوم نزلت وفيم نزلت، قال: (زين العابدين) فاسأله فيمن نزلت ﴿ومن كان في هذه أعمى
стр. 40
فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلاً﴾ وفيم نزلت ﴿ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم﴾ وفيم نزلت ﴿يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا﴾ فأتاه الرجل وقال وددت الذي أمرك بهذا واجهني به فأسأله، ولكنه سله ما العرش ومتى خلق وكيف هو؟ فانصرف الرجل إلى أبي فقال له ما قال، فقال (زين العابدين) وهل أجابك في الآيات، قال لا، قال ولكني أجيبك فيها بنور وعلم غير المدعى والمنتحل، أما الأوليان فنزلتا في أبيه (العباس عم النبي) وأما الآخرة فنزلت في أبي وفينا" (١).
ويذكر الكشي عن زين العابدين أيضاً أنه قال لابن العباس: "فأما أنت يا بن عباس ففيمن نزلت هذه الآية ﴿فلبئس المولى ولبئس العشير﴾ في أبي أوفى أبيك، ثم قال: أما والله لولا ما تعلم لأعلمتك عاقبة أمرك ما هو وستعلمه. . . . ولو أذن لي في القول لقلت ما لو سمع عامة هذا الخلق لجحدوه وأنكروه" (٢).
ويروي الملا باقر عن الكليني عن محمد الباقر أنه قال: قال علي ﵁: "ومن كان بقي من بني هاشم إنما كان جعفر وحمزة، فمضيا وبقي معه رجلان، ضعيفان، ذليلان، حديثا عهد بالإسلام عباس وعقيل" (٣).
هذا ما قالوا في عم النبي، وأما ابنه عبد الله ابن عباس،