← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 37549

بلوغ الغاية من تهذيب بداية الهداية

وائل حافظ خلف

Полный текст (113 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

بلوغ الغاية من تهذيب بداية الهداية للإمام أبي حامد الغزالي ﵀ بقلم أبي عبد الرحمن البحيري وائل بن حافظ بن خلف غفر الله له ولوالديه

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 3

مقدمة فضيلة الشيخ جمال الدين مغازي حفظه الله إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستهديه، ونستغفره، نعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ونحمد الله الذي منَّ على المؤمنين بأن بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة، فهدى به من الضلالة، وبصَّر به من العماية، وفتح به قلوبا غلفا، وأعينا عميا، وآذانا صما، وشرح به الصدور، وأنار به القلوب، وأخرج الناس به من الظلمات إلى النور، مَن صلى عليه صلاة صلى الله عليه بها عشرًا. أما بعد: فهذا الكتاب الذي نشرف بأن نقدم له بذل فيه ولدنا الحبيب وائل (حفظه الله) جهدًا مشكورًا، عسى الله أن يتقبل منه، وإني لأنصح إخواني وأبنائي خاصة طلبة العلم أن يهتموا به تعلمًا وتعليمًا، وقد جربت تدريسه بعد صلاة الفجر، وكان أثره طيبًا ونافعًا بفضل الله . وغاية القول أن هذا الكتاب يفتح لك الأبواب إلى الإخلاص بتزكية النفس، وقد قال الله : ﴿قد أفلح من زكاها * وقد خاب من دساها﴾ [الشمس: ٩، ١٠]. وهذا الباب صار مهجورًا عند أكثر الناس إلا من رحم ربي، فتركوا الاهتمام بأعمال القلوب، وهي هي من حيث أهميتها؛ إذ عليها مدار القبول ابتداء ... فيا أيها الأحباب! اخلصوا تخلصوا. وهذا كتاب يرسم لك دراسة جدوى لحياتك، من الميلاد إلى الممات، ومن اليقظة إلى المنام، ومن المنام إلى اليقظة.

стр. 4

من الفجر إلى الغروب، ومن الغروب إلى الفجر ,,, وهكذا إلى أن يقودك إلى الجنان برحمة الله. أيها الحبيب! كم تساوي الدنيا عند الله؟ الكتاب يجيب عليك، ويشرح لك لو كانت تساوي عند الله جناح بعوضة ما شرب كافر منها شربة ماء. فكم يساوي نصيبك من جناح البعوضة لو قسمت على هذه الأعداد الهائلة من البشر في عصرنا هذا فقط، فما بالك بباقي العصور؟! فاستجب لربك، وطهر قلبك، واقصد وجه الله دائما، ففي ذلك النجاة والهداية، وهاك بين يديك بداية الهداية. أسأل الله أن ينفع به كاتبه، ومن أعان على نشره، ومن قرأه، وجميع المسلمين ... وكتب المحب لكم جمال الدين مغازي

стр. 5

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة صاحب التهذيب نسأل الله حسن الخاتمة رب يسر وأعن يا كريم الحمد لله الواحد القهار، العزيز الغفار، العظيم الجبار، أحمده (سبحانه) وحلاوة محامده تزداد مع التكرار، وأشكره ﵎ وفضله على من شكره مدرار. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، مكور النهار على الليل ومكور الليل على النهار ﴿يعلم ما تحمل كل أنثى وما تغيض الأرحام وما تزداد وكل شئ عنده بمقدار﴾ (الرعد: ٨). وأشهد أن سيدنا وحبيبنا وقدوتنا محمداً رسولُ الله، سيد الأبرار، وإمام المتقين الأخيار. اللهم صلِّ عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه كلما سكن ساكن وتحرك متحرك في ليل أو نهار. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار ... فإن كتاب "بداية الهداية" للإمام أبي حامد الغَزَّالي ﵀ (١) من الكتب التي تشتمل على مهمات لا ينبغي لسالك طريق الهداية أن يغفل عن دراستها والعمل بما فيها، وقد قدمه الكثيرون، وانطلقت ألسنتهم بالثناء عليه، وبعيب من هم في غفلة عنه وبغيره يبتدئون.

стр. 6

ولا لوم عليهم في ذلك؛ فإن الطريق الموصلة إلى الله ﵎ ليست مما يقطع بالأقدام، إنما تقطع بالقلوب، فلا بد من أن يكون القلب سليماً ذا قوة وبصيرة حتى يصل، وإلا حالت دون ذلك الشبهات والشهوات التي تعرض له. وقد قال رسول الله ﷺ : ((ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب)) (١). ولا يمتري أحد في أن الإمام الغزالي ﵀ له يد طولى في الكلام على أمراض القلوب وعللها، وإجادة وصفها وتشخيصها، ووصف الدواء للخلاص منها واستئصالها، وجُل الناس بعده عيال عليه في هذا الباب. ولكن اعلم - وفقني الله وإياك لمرضاته، وجعلني وإياك ممن يخشاه ويتقيه حق تقاته -: أن كتب الإمام الغزالي ﵀ تشتمل على الصحيح والسقيم، وتجد فيهما الغث والسمين، وترى فيها الدر الثمين ممزوجًا في الرصف بالخرز المهين. وهذا ليس من كيسي، إنما هذا كلام أهل العلم والتحقيق الذين جاؤوا من بعده ﵀، قالوه نصيحة للمسلمين، وقد قال سيد المرسلين ﷺ : ((الدين النصيحة)) (٢).

стр. 7

- قال العلامة أبو الفرج ابن الجوزي ﵀ ﴿المتوفى سنة ٥٩٧ هـ﴾ في مقدمة كتابه الموسوم بـ"منهاج القاصدين ومفيد الصادقين" وهو اختصار لكتاب "الإحياء" للغزالي: ((اعلم أن في كتاب " الإحياء " ﴿وغيره﴾ (١) آفات لا يعلمها إلا العلماء، وأقلها الأحاديث الباطلة الموضوعة، والموقوفة وقد جعلها مرفوعة (٢)، وإنما

стр. 8

نقلها كما اقتراها، لا أنه افتراها، ولا ينبغي التعبد بحديث موضوع، والاغترار بلفظ مصنوع. وكيف أرتضي لك أن تصلي صلوات الأيام ﴿وأن تذكر الله تعالى بأذكار﴾ ليس فيها كلمة قالها رسول الله ﷺ . وكيف أوثر أن يطرق سمعك من كلام المتصوفة الذي جمعه وندب إلى العمل به ما لا حاصل له من الكلام في الفناء والبقاء، والأمر بشدة الجوع، والخروج إلى السياحة في غير حاجة، والدخول في الفلاة بغير زاد، إلى غير ذلك مما قد كشفت عن عواره في كتابي المسمى بـ "تلبيس إبليس" (١) انتهى. - وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ ﴿المتوفى سنة ٧٢٨﴾ في " مجموع الفتاوى ": ((وأما ما في " الإحياء " من الكلام في المهلكات، مثل الكلام على الكبر، والعجب، والرياء، والحسد ونحو ذلك، فغالبه منقول من كلام الحارث المحاسبي في "الرعاية"، ومنه ما هو مقبول، ومنه ما هو مردود، ومنه ما هو متنازع فيه. و " الإحياء " فيه فوائد كثيرة، لكن فيه مواد مذمومة، فإنه فيه مواد فاسدة من كلام الفلاسفة تتعلق بالتوحيد والنبوة والمعاد، فإذا ذكر معارف الصوفية كان بمنزلة من أخذ عدوًا للمسلمين ألبسه ثياب المسلمين. وقد أنكر أئمة الدين على أبي حامد هذا في كتبه. وقالوا: ((مرضه " الشفاء ")) يعني: " شفاء " ابن سينا في الفلسفة. وفيه أحاديث وآثار ضعيفة، بل موضوعة كثيرة، وفيه أشياء من أغاليط الصوفية وترهاتهم، وفيه مع ذلك من كلام المشايخ الصوفية العارفين المستقيمين في أعمال القلوب الموافق للكتاب والسنة، ومن غير ذلك من العبادات والأدب ما هو موافق للكتاب والسنة، ما هو أكثر مما يرد منه؛ فلهذا اختلف فيه اجتهاد الناس وتنازعوا فيه)) ا. هـ.

стр. 9

ولهذا صح عزمي أن أقدم كتاب "بداية الهداية" للإمام الغزالي ﵀ للمكتبة الإسلامية بعد تهذيبه مما علق به من أحاديث لا تصح عن النبي ﷺ وما أكثرها!، ومن أقوال وأفعال استحسنها الإمام وارتآها وقال أهل العلم: لا دليل عليها. وأضفت إلى ذلك مما صح ما يغني عنها، بل ويربو عليها. وقد بذلت جهدًا أحتسبه في تخريج الأحاديث التي أوردتها، وهي - إن شاء الله - ثابتة عن رسول الله ﷺ برمتها، وفيها غنية عن غيرها، لمن أراد أن يزكي نفسه ويرقق قلبه بها، لا بالأحاديث المكذوبة الموضوعة، ولا الآثار والقصص المفتعلة المختلقة المصنوعة؛ فإن الله لم يجعل شفاء أمة محمد فيما حرم عليها. ولم ألتزم ذكر ألفاظ الإمام بعينها، بل قد أذكرها بالمعنى، وزدت في متن الكتاب أشعارًا وآثارًا أشبه بمستطاب الجَنَى، فضلاً عن حواشي أرى أن ليس عنها غنى (١). وبعد هذا أذكرك أخي بقول أبي القاسم الحريري ﵀ في "ملحة الإعراب": إن تجد عيباً فسد الخللا ... فجل من لا يسهو وعلا ((فإني من بعد ذلك موقن بالقصور بين أهل العصور، معترف بالعجز عن المَضَاء في مثل هذا القضاء، راغب من أهل اليد البيضاء، والمعارف المتسعة الفضاء، النظرَ بعين الانتقاد لا بعين الارتضاء، والتغمد لما يعثرون عليه بالإصلاح والإغضاء؛ فالبضاعة بين أهل العلم مزجاة، والاعتراف من اللوم منجاة، والحسنى من الإخوة مرتجاة)) (٢). وأنا سائل أخًا انتفع بشيء من هذا الكتاب أن لا يغفل عن دعوة بظهر الغيب للإمام الغزاليّ، وكذا لي ولوالديّ، ولأصحاب الحقوق عليّ، وليبشر؛ فقد قال

стр. 10

النبيّ ﷺ : ((دعوة المرء المسلم لأخيه بظهر الغيب مستجابة، عند رأسه ملك موكل، كلما دعا لأخيه بخير قال الملك الموكل به: آمين، ولك بمثل)) (١). وإني لأبتهل إلى الله ﵎ أن يجعل عملي هذا خالصًا لوجهه الكريم، وأن يدخر لي ثوابه ﴿يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم﴾ (الشعراء: ٨٨، ٨٩)، وأن يوفقني ووالدي ومشايخي وسائر أقاربي وأحبابي ومن أحسن إلينا بحسن النيات، وأن ييسر لنا الطاعات، وأن يهدينا لها دائمًا في ازدياد حتى الممات، وأن يجود علينا برضاه ومحبته ودوام طاعته والجمع بيننا في دار كرامته وغير ذلك من أنواع المسرات، وأن ينفعنا أجمعين ومن يقرأ في هذا الكتاب به، وأن يجزل لنا المثوبات، وأن لا ينزع منا ما وهبه لنا ومَنَّ به علينا من الخيرات، وأن لا يجعل شيئًا من ذلك فتنة لنا وأن يعيذنا من كل شيء من المخالفات؛ إنه مجيب الدعوات جزيل العطيات (٢). والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات. وكتب أبو عبد الرحمن البحيري وائل بن حافظ بن خلف غفر الله له ولوالديه، وأحسن إليهما وإليه مساء الأحد الرابع عشر من شهر رمضان المبارك لسنة ١٤٢٩هـ الموافق: الرابع عشر من شهر سبتمبر لسنة ٢٠٠٨ مـ كفر الدوار - البحيرة- جمهورية مصر العربية

стр. 11

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ تمهيد اعلم أيها الحريص المقبل على اقتباس العلم المظهر من نفسه صدق الرغبة وفرط التعطش إليه: أنك إن كنت تقصد بالعلم المنافسة والمباهاة، والتقدم على الأقران، واستمالة وجوه الناس إليك، وجمع حطام الدنيا؛ فأنت ساع في هدم دينك وإهلاك نفسك وبيع دنياك بآخرتك. فصفقتك خاسرة، وتجارتك بائرة، ومعلمك معين لك على عصيانك، وشريك لك في خسرانك، وهو كبائع سيف لقاطع طريق؛ فالدال على الشر كفاعله. وإن كانت نيتك وقصدك بينك وبين الله تعالى من طلب العلم: الهداية دون مجرد الرواية؛ فأبشر فإن الملائكة تبسط لك أجنحتها إذا مشيت، وحيتان البحر تستغفر لك إذا سعيت. ولكن ينبغي لك أن تعلم قبل كل شيء أن الهداية التي هي ثمرة العلم لها بداية، ونهاية، وظاهر، وباطن. ولا وصول إلى نهايتها إلا بعد إحكام بدايتها، ولا عثور على باطنها إلا بعد الوقوف على ظاهرها. وها أنا مشير عليك ببداية الهداية لتجرب بها نفسك، وتمتحن بها قلبك، فإن صادفت قلبك إليها مائلاً، ونفسك بها مطاوعة ولها قابلة؛ فدونك التطلع إلى النهايات، والتغلغل في بحار العلوم. وإن صادفت قلبك عند مواجهتك إياها بها مسوفاً، وبالعمل بمقتضاها مماطلاً؛ فاعلم أن نفسك المائلة إلى طلب العلم هي النفس الأمارة بالسوء، وقد انتهضت مطيعة للشيطان اللعين ليدليك بحبل غروره، فيستدرجك بمكيدته إلى غمرة الهلاك، وقصده أن يروج عليك الشر في معرض الخير حتى يلحقك ﴿بِالأخسَرينَ أَعمالاً الَّذين ضَلَ سَعيُهُم في الحَياةِ الدُنيا وَهُم يَحسَبونَ أَنَّهُم يُحسِنونَ صُنعا﴾ (الكهف: ١٠٣، ١٠٤).

стр. 12

وعند ذلك يتلو عليك الشيطان فضل العلم ودرجة العلماء وما ورد فيه من الأخبار والآثار، ويلهيك عن مثل قوله ﷺ : ((يؤتى بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار فتندلق أقتاب بطنه فيدور بها كما يدور الحمار في الرحى، فيجتمع إليه أهل النار فيقولون: يا فلان مالك؟ ألم تكن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر؟ فيقول: بلى، كنت آمر بالمعروف ولا آتيه، وأنهى عن المنكر وآتيه)) (١). وكان من دعاء النبي ﷺ : ((اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع، ومن قلب لا يخشع، ومن نفس لا تشبع، ومن دعوة لا يستجاب لها)) (٢). فإياك يا مسكين أن تذعن لتزويره فيدليك بحبل غروره. فويل للجاهل حيث لم يتعلم مرة واحدة، وويل للعالم حيث لم يعمل بما علم ألف مرة. واعلم أن الناس في طلب العلم على ثلاثة أحوال: ١ - رجل طلب العلم ليتخذه زاده إلى المعاد، ولم يقصد به إلا وجه الله والدار الآخرة؛ فهذا من الفائزين. ٢ - ورجل طلبه ليستعين به على حياته العاجلة، وينال به العز والجاه والمال وهو عالم بذلك مستشعر في قلبه ركاكة حاله وخسة مقصده؛ فهذا من المخاطرين، فإن عاجله أجله قبل التوبة خيف عليه من سوء الخاتمة وبقي أمره في خطر المشيئة، وإن وفق للتوبة قبل حلول الأجل وأضاف إلى العلم العمل، وتدارك ما فرط منه من الخلل؛ التحق بالفائزين، فإن ((التائب من الذنب كمن لا ذنب له)) (٣).

стр. 13

٣ - ورجل ثالث استحوذ عليه الشيطان، فاتخذ علمه ذريعة إلى التكاثر بالمال والتفاخر بالجاه والتعزز بكثرة الأتباع، يدخل بعلمه كل مدخل رجاء أن يقضي من الدنيا وطره، وهو مع ذلك يضمر في نفسه أنه عند الله بمكانة لاتسامه بسمة العلماء وترسمه برسومهم في الزي والمنطق مع تكالبه على الدنيا ظاهراً وباطناً؛ فهذا من الهالكين ومن الحمقى المغرورين؛ إذ الرجاء منقطع عن توبته لظنه أنه من المحسنين، وهو غافل عن قوله تعالى: ﴿يَأيُها الَّذين آمنوا لِمَ تَقولون ما لا تَفعَلون كبر مقتًا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون﴾ (الصف: ٢، ٣). وهو ممن قال فيهم رسول الله ﷺ : ((غير الدجال أخوف على أمتي من الدجال، الأئمةَ المضلين)) (١). وهذا لأن الدجال غايته الإضلال، ومثل هذا العالم ـ وإن صرف الناس عن الدنيا بلسانه ومقاله ـ فهو دافع لهم إليها بأعماله وأحواله، ولسان الحال أفصح من لسان المقال، وطباع الناس إلى المساعدة في الأعمال أميل منها إلى المتابعة في الأقوال، فما أفسده هذا المغرور بأعماله أكثر مما أصلحه بأقواله؛ إذ لا يستجرئ الجاهل على الرغبة في الدنيا إلا باستجراء العلماء، فقد صار علمه سبباً لجرأة عباد الله على معاصيه، ونفسه الجاهلة - مع ذلك - تمنيه وترجيه، وتدعوه إلى أن يمن على الله بعلمه، وتخيل إليه نفسه أنه خير من كثير من عباد الله. فكن أيها الطالب من الفريق الأول واحذر أن تكون من الفريق الثاني، فكم من مسوف عاجله الأجل قبل التوبة فخسر، وإياك ثم إياك أن تكون من الفريق الثالث فتهلك هلاكاً لا يُرجى معه فلاحك.

стр. 14

فإن قلت: فما بداية الهداية لأجرب بها نفسي؟ فاعلم أن بدايتها ظاهرة التقوى (١)، ونهايتها باطنة التقوى، فلا عاقبة إلا بالتقوى ولا هداية إلا للمتقين.

стр. 15

والتقوى: عبارة عن امتثال أوامر الله تعالى، واجتناب نواهيه، فهما قسمان. وهأنا أشير عليك بجمل مختصرة من ظاهر علم التقوى في القسمين جميعاً، وألحق قسما ثالثًا؛ ليصير هذا الكتاب جامعًا مغنيًا، والله المستعان.

стр. 16

القسم الأول في الطاعات

стр. 17

توطئة اعلم أن أوامر الله تعالى فرائض، ونوافل. فالفرض: رأس المال، وهو أصل التجارة وبه تحصل النجاة. والنفل: هو الربح وبه الفوز بالدرجات، قال ﷺ : ((إن الله تعالى قال: من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه)) (١)، ولن تصل أيها الطالب إلى القيام بأوامر الله تعالى إلا بمراقبة قلبك وجوارحك في لحظاتك وأنفاسك، من حين تصبح إلى حين تمسى. فاعلم أن الله تعالى مطلع على ضميرك، ومشرف على ظاهرك وباطنك، ومحيط بجميع لحظاتك وخطراتك وخطواتك وسائر سكناتك وحركاتك، وأنك في مخالطتك وخلواتك متردد بين يديه فلا يسكن في الملك والملكوت ساكن، ولا يتحرك متحرك إلا وجبار السماوات والأرض مطلع عليه ﴿يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور﴾ (غافر: ١٩) و ﴿يعلم السر وأخفى﴾ (طه: ٧). فتأدب أيها المسكين ظاهراً وباطناً بين يدي الله تعالى تأدب العبد الذليل المذنب في حضرة الملك الجبار القهار، واجتهد ألا يراك مولاك حيث نهاك ولا يفقدك حيث أمرك، ولن تقدر على ذلك إلا بأن توزع أوقاتك وترتب أورادك من صباحك إلى مسائك. فاصغ إلى ما يلقى إليك من أوامر الله تعالى عليك من حين تستيقظ من منامك إلى وقت رجوعك إلى مضجعك.

стр. 18

فصل في آداب الاستيقاظ من النوم فإذا استيقظت من النوم فاجتهد أن تستيقظ قبل طلوع الفجر، وليكن أول ما يجري على قلبك ولسانك ذكر الله تعالى، فقل عند ذلك: - ((الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور)) (١). - ((الحمد لله الذي عافاني في جسدي، ورد علي روحي، وأذن لي بذكره)) (٢). - ثم اقرأ الآيات من آخر سورة آل عمران ﴿إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب * الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم ... ﴾ إلى آخر السورة (٣).

стр. 19

وعليك بالسواك؛ فإن النبي ﷺ كان لا ينام إلا والسواك عنده، فإذا استيقظ بدأ به (١). فإذا لبست ثيابك فانو به امتثال أمر الله تعالى في ستر عورتك، واحذر أن يكون قصدك من لباسك مراءاة الخلق فتخسر، وقل عند لبس الثوب: ((الحمد لله الذي كساني هذا ورزقنيه من غير حول مني ولا قوة)) (٢)؛ ففي الخبر أن من قال ذلك غُفر له ما تقدم من ذنبه. وإن كان الثوب جديداً فقل عند لبسه: ((اللهم لك الحمد أنت كسوتنيه أسألك من خيره وخير ما صنع له، وأعوذ بك من شره وشر ما صنع له)) (٣).

стр. 20

باب آداب دخول الخلاء فإذا قصدت بيت الماء لقضاء الحاجة فقدم في الدخول رجلك اليسرى وفي الخروج رجلك اليمنى، ولا تستصحب شيئاً عليه اسم الله تعالى، ولا تدخل حافي القدمين. وقل عند الدخول: ((بسم الله)) (١) و ((اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث)) (٢). وعند الخروج: ((غفرانك)) (٣). وإن كنت في الصحراء فابعد عن عيون الناظرين واستتر بشيء إن وجدته، ولا تكشف عورتك قبل الانتهاء إلى موضع الجلوس، ولا تستقبل القبلة ولا تستدبرها، ولا تجلس في متحدث الناس، ولا تبل في الماء الراكد، وتحت الشجرة

стр. 21

المثمرة والظل الذي يتخذه الناس مقيلاً ومنزلاً ينزلونه، ولا في الجُحْر، وبين قبور المسلمين، وقارعة الطريق؛ ففي الخبر: ((من آذى المسلمين في طرقهم وجبت عليه لعنتهم)) (١). ولا تبل أيضاً في مغتسلك، واحذر الأرض الصلبة ومهب الريح احترازاً من الرشاش. وللإنسان أن يبول قائمًا وقاعدًا، وإن كان البول من قعود أولى؛ لأنه كان غالب فعل النبي (٢). واعلم أنه يجوز الاستنجاء بالحجر الطاهر، والماء، وما في معناهما كمنديل ونحوه، والماء أفضل. وإذا استجمرت بالحجر فعليك أن تستعمل ثلاثة أحجار طاهرة منشفة للعين بها محل للنجو، بحيث لا تنتقل النجاسة عن موضعها. فإن لم يحصل الإنقاء بثلاثة فتمم خمسة، أو سبعة إلى أن ينقى بالإيتار. وكذلك تمسح القضيب في ثلاثة مواضع من حجر، ولا تمس ذكرك بيمينك (٣)، ولا تستنج إلا باليد اليسرى. ولا تستجمر برَوْث، ولا عظم، ولا طعام، ولا حُمَم (٤).

стр. 22

باب آداب الوضوء فإذا فرغت من الاستنجاء فلا تترك السواك، سواء كنت صائمًا أم لا، فإنه ((مطهرة للفم ومرضاة للرب)) (١). وهو من الفطرة (٢). وقد قال رسول الله ﷺ : ((لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك مع كل وضوء)) (٣). وفي حديث آخر: ((مع كل صلاة)) (٤). وعنه ﷺ قال: ((أُمِرت بالسواك حتى رأيت أنه سينزل علي به قرآن أو وحي)) (٥). وقال أيضًا: ((لقد أُمِرت بالسواك حتى خشيت أن أدرد)) (٦) والدَّرَد: سقوط الأسنان.

стр. 23

فإذا أردت الوضوء فقل: بسم الله؛ فقد قال رسول الله ﷺ : ((لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه)) (١). ثم اغسل يديك ثلاثاً قبل أن تدخلهما الإناء. ثم انو رفع الحدث واستباحة الصلاة، ولا ينبغي أن تعزب نيتك قبل غسل الوجه فلا يصح وضؤوك، ولا تتلفظ بالنية فإن محلها القلب. ثم تمضمض واستنشق من كف واحدة، افعل ذلك ثلاث مرات، وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائمًا فترفق ثم خذ غرفة لوجهك فاغسل بها من مبتدأ تسطيح الجبهة إلى منتهى ما يقبل من الذقن في الطول، ومن وتد الأذن إلى وتد الأذن في العرض، ويجب إيصال الماء إلى منابت الشعر من اللحية الخفيفة دون الكثيفة، ولا تترك تخليل اللحية الكثيفة. ثم اغسل يدك اليمنى ثم اليسرى مع المرفقين. ثم استوعب رأسك بالمسح بأن تبل يديك، وتلصق رؤوس أصابع يدك اليمنى باليسرى وتضعهما على مقدمة الرأس وتمررهما إلى القفا ثم ترددهما إلى المقدمة، فهذه مرة، واقتصر على ذلك أفضل، وإن مسحت ثلاث مرات فذلك ثابت. وكما يجوز المسح على الرأس، يجوز المسح على العمامة وحدها، وكذا على الناصية والعمامة معا. ثم امسح أذنيك ظاهرهما وباطنهما بما تبقى في يدك من بلل، وإلا فبماء جديد، وأدخل مسبحتك في صماخي أذنيك، وأمسح أذنيك بباطن إبهاميك.

стр. 24

ثم اغسل رجلك اليمنى ثم اليسرى مع الكعبين، ولا تهمل تخليل أصابع اليدين والرجلين، واعلم أن النبي ﷺ قد قال: ((ويل للأعقاب من النار)) (١). وراعِ التكرار ثلاثًا في جميع أفعالك إلا في مسح الرأس والأذن فالأفضل الاقتصار على مرة. وإن كنت قد لبست خفاً طاهرًا ساترًا لمحل الفرض أو ما في معناه كجورب ونحوه على طهارة فامسح على ظاهره لا باطنه يوماً وليلة إذا كنت مقيماً، وثلاثة أيام بلياليهن إذا كنت مسافراً. واعلم أنه لم يثبت دعاء مخصوص عند غسل الأعضاء، ولا بأس بالكلام أثناء الوضوء. وقل عند الفراغ من الوضوء: ((أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله)) (٢)، ((سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك)) (٣)؛ فقد جاء في الخبر أن من قال الدعاء الأول فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء،

стр. 25

وأن الدعاء الثاني يكتب في رق ويختم عليه بخاتم ويوضع تحت العرش ولا يكسر إلا يوم القيامة. واجتنب في وضوئك أربعًا: لا تزد في الغسل على ثلاث مرات، ولا تكثر صب الماء من غير حاجة بمجرد الوسوسة، ولا تتوضأ في المكان النجس، ولا تترك سنة من سنن الوضوء فتحرم أجرها، وسيأتي بيانها. وحافظ على الوضوء وإسباغه وتجديده؛ فقد قال النبي ﷺ : ((إذا توضأ العبد المسلم أو المؤمن فغسل وجهه خرج من وجهه كل خطيئة نظر إليها بعينيه مع الماء أو مع آخر قطر الماء فإذا غسل يديه خرج من يديه كل خطيئة كانت بطشتها يداه مع الماء أو مع آخر قطر الماء فإذا غسل رجليه خرجت كل خطيئة مشتها رجلاه مع الماء أو مع آخر قطر الماء حتى يخرج نقيًا من الذنوب)) (١). وقال ﷺ أيضاً: ((من توضأ فأحسن الوضوء خرجت خطاياه من جسده حتى تخرج من تحت أظفاره)) (٢).

стр. 26

باب آداب الغسل فإذا أصابتك جنابة من احتلام أو وقاع، فخذ الإناء إلى المغتسل، واغسل يديك أولاً ثلاثًا، وأزل ما على بدنك من قذر، وتوضأ كما سبق في وضوئك للصلاة، فإذا فرغت من الوضوء فصب الماء على رأسك ثلاثا وأنت ناو رفع الحدث من الجنابة، ثم على شقك الأيمن ثلاثًا، ثم على الأيسر ثلاثًا، وادلك ما أقبل من بدنك وما أدبر ثلاثًا، وخلل شعر رأسك ولحيتك، وأوصل الماء إلى معاطف البدن ومنابت الشعر ما خف منه وما كثف. والفريضة من جملة ذلك كله: النية، والتسمية، وإزالة النجاسة، واستيعاب البدن بالغسل. وفرض الوضوء: التسمية، وغسل الوجه ومنه المضمضة والاستنشاق، واليدين مع المرفقين، ومسح الرأس كله، وغسل الرجلين إلى الكعبين مرة مع النية والترتيب والموالاة. وما عداها سنن مؤكدة، فضلها كثير وثوابها جزيل، والمتهاون بها خاسر، بل هو بأصل فرائضه مخاطر، فإن النوافل جوابر للفرائض. - - -

стр. 27

باب آداب التيمم فإن عجزت عن استعمال الماء ـ لفقده بعد الطلب، أو لعذر من مرض، أو لمانع من الوصول إليه من سبع أو حبس، أو كان الماء الحاضر تحتاج إليه لعطشك أو لعطش رفيقك أو ملكاً لغيرك ولم يبع إلا بأكثر من ثمن المثل، أو كان بك جراحة أو مرض تخاف منه على نفسك ـ فاقصد صعيدًا طيبًا (١) فاضرب عليه بكفيك ضربة واحدة، وانوِ، ثم امسح وجهك كله مرة، ولا تتكلف إيصال الغبار إلى منابت الشعر خف أو كثف، ثم امسح يديك إلى الرسغ. ولا يخفاك أن التيمم يقوم مقام الماء؛ فيستباح به ما يستباح بالماء ولا فرق، ويصلي المتيمم ما شاء من الفرائض والنوافل ما لم ينتقض تيممه، والتيمم ينتقض بما ينتقض به الوضوء، ويزاد: وجود الماء. والذي ينقض الوضوء: ما خرج من السبيلين: القبل والدبر، وزوال العقل بأي شيء ذهب - من جنون أو إغماء أو سكر من أي شيء سكر، والنوم المستغرق الذي لا يبقى معه إدراك وذلك إذا كثر، وأكل لحم الجُزُر -الإبل - بهذا جاء ال خبر.

стр. 28

باب آداب الخروج إلى المسجد فإذا فرغت من طهارتك فصل في بيتك ركعتي سنة الفجر (١) - وهما ((خير من الدنيا وما فيها)) (٢) - إن كان الفجر قد طلع، كذلك كان يفعل رسول الله ﷺ ، ثم يتوجه إلى المسجد. وقد قال: ((صلوا أيها الناس في بيوتكم [أي: النوافل]؛ فإن أفضل صلاة المرء في بيته إلا الصلاة المكتوبة)) (٣)، وقال ﷺ أيضَا: ((فضل صلاة الرجل في بيته على صلاته حيث يراه الناس كفضل الفريضة على التطوع)) (٤). ولا تدع الصلاة في الجماعة لا سيما الصبح فـ ((صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ [أي: الفرد] بسبع وعشرين درجة)) (٥)، فإن كنت تتساهل في مثل هذا الربح، فأي فائدة لك في طلب العلم؟، وإنما ثمرة العلم العمل به. فإذا سعيت إلى المسجد فامش على هينة وتؤدة وسكينة ووقار؛ فقد قال سيد الأبرار ﷺ : ((إذا سمعتم الإقامة فامشوا إلى الصلاة، وعليكم بالسكينة والوقار، ولا تسرعوا، فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا)) (٦).

стр. 29

وقل عند خروجك من البيت: ((باسم اللَّه، تَوَكَّلْتُ على اللَّه، ولا حول ولا قوة إلا بالله (((١). ((اللهم إني أعوذ بك أن أَضِل أو أُضَل، أو أَزِل أو أُزَل، أو أَظْلِمَ أو أُظْلََمَ، أو أَجْهَلَ أو يُجْهَلَ عليَّ)) (٢). ((اللَّهُمَّ اجْعَلْ في قَلْبِي نُوراً، وفي لِسانِي نُوراً، وَاجْعَلْ في سَمْعِي نُوراً، وَاجْعَلْ في بَصَري نُوراً، وَاجْعَلْ مِنْ خَلْفِي نُوراً، وَمِنْ أمامي نُوراً، وَاجْعَلْ مِنْ فَوْقي نُوراً وَمِنْ تَحْتِي نُوراً، اللَّهُمَّ أعْطِني نُوراً)) (٣).

стр. 30

باب آداب دخول المسجد فإذا أردت الدخول إلى المسجد فقدم رجلك اليمنى وقل: ((بسم الله. أعوذ بالله العظيم وبوجهه الكريم وسلطانه القديم من الشيطان الرجيم))، ((اللهم صلِّ وسلم على محمد وعلى آل محمد، اللهمّ اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب رحمتك)) (١). ومهما رأيت في المسجد من يبيع أو يبتاع فقل: ((لا أربح الله تجارتك)) (٢). وإذا رأيت فيه من ينشد ضالة فقل: ((لا ردّها الله عليك؛ فإن المساجد لم تبن لهذا)) (٣)، كذلك أمر رسول الله ﷺ . فإذا دخلت المسجد فلا تجلس حتى تصلي ركعتي التحية، فإن لم تكن صليت في بيتك ركعتي الفجر فيجزئك أداؤهما عن التحية. فإذا فرغت من الركعتين فانو الاعتكاف، ولا تشتغل إلى وقت الفرض إلا بفكر، أوتسبيح، أو قراءة قرآن، فإذا سمعت الأذان في أثناء ذلك فاقطع ما أنت فيه، واشتغل بجواب المؤذن. فإذا قال المؤذن: " الله أكبر " فقل مثل ذلك، وكذلك في كل كلمة إلا في الحيعلتين فقل فيهما: ((لا حول ولا قوة إلا بالله)) (٤).

стр. 31

فإذا قال المؤذن: لا إله إلا الله في آخر الأذان، فقل: ((وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدًا عبده ورسوله، رضيت بالله ربًا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد ﷺ رسولاً)) فمن قال ذلك غفر الله له ذنوبه (١). ثم صلِّ وسلم على النبي ﷺ ، ثم قل: ((اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة، آت محمدًا الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقامًا محمودًا الذي وعدته)) فمن قال ذلك حلت له شفاعة النبي ﷺ يوم القيامة (٢). فإذا سمعت الأذان وأنت في الصلاة فتمم الصلاة، ثم تدارك الجواب بعد السلام على وجهه. ولا تغفل عن الدعاء بين الأذان والإقامة؛ فقد قال رسول الله ﷺ : ((الدعاء لا يرد بين الأذان والإقامة، فادعوا)) (٣). فإذا أحرم الإمام بالفرض فلا تشتغل إلا بالاقتداء به، وصل الفرض كما سيتلى عليك في صفة الصلاة وآدابها. فإذا فرغت فقل: ((أستغفر الله. أستغفر الله. أستغفر الله، اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام)) (٤).

стр. 32

((اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك)) (١). ((لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، لا حول ولا قوة إلا بالله، لا إله إلا الله، ولا نعبد إلا إياه له النعمة وله الفضل وله الثناء الحسن، لا إله إلا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون)) (٢). ((لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، اللهم! لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجَدِّ منك الجَدُّ)) (٣). ثم سبح الله [سبحان الله] ثلاثًا وثلاثين، واحمد الله [الحمد لله] ثلاثًا وثلاثين، وكبر الله [الله أكبر] ثلاثًا وثلاثين، فتلك تسع وتسعون، ثم قل تمام المائة: ((لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير)) فمن قال ذلك غفرت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر (٤). واقرأ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ﴿١﴾ اللَّهُ الصَّمَدُ ﴿٢﴾ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ ﴿٣﴾ وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾، ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ ﴿١﴾ مِن شَرِّ مَا خَلَقَ ﴿٢﴾ وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ ﴿٣﴾ وَمِن شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ

стр. 33

﴿٤﴾ وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾، ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ ﴿١﴾ مَلِكِ النَّاسِ ﴿٢﴾ إِلَهِ النَّاسِ ﴿٣﴾ مِن شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ ﴿٤﴾ الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ ﴿٥﴾ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾ (١). ((اللهم اغفر لي خطاياي وذنوبي كلها، اللهم أنعشني، واجبرني، واهدني لصالح الأخلاق؛ فإنه لا يهدي لصالحها ولا يصرف سيئها إلا أنت)) (٢). وهذه الأذكار تقال بعد السلام من جميع الصلوات، وزد في صلاتي الفجر والمغرب: ((لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت، وهو على كل شيء قدير)) عشر مرات. و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾، ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ كل سورة ثلاث مرات (٣). وزد أيضاً في صلاة الصبح: ((اللهم إني أسألك علماً نافعاً، ورزقاً طيباً، وعملاً متقبلاً)) (٤). ولتكن أوقاتُك بعد الصلاة إلى طلوع الشمس موزعةً على أربع وظائف: ١ - وظيفة في الدعوات. ٢ - ووظيفة في الأذكار والتسبيحات. ٣ - ووظيفة في قراءة القرآن.

стр. 34

٤ - ووظيفة في التفكر، فتفكر في ذنوبك وخطاياك، وتقصيرك في عبادة مولاك، وتعرضك لعقابه الأليم، وسخطه العظيم. وترتب أوقاتك بتدبيرك أورادك في جميع يومك؛ لتتدارك به ما فرط من تقصيرك، وتحترز من التعرض لسخط الله تعال الأليم في يومك، وتنوي الخير لجميع المسلمين، وتعزم ألا تشغل في جميع نهارك إلا بطاعة الله تعالى، وتقصد في قلبك الطاعات التي تقدر عليها، وتختار أفضلها، وتتأمل تهيئة أسبابها لتشتغل بها، ولا تدع عنك التفكر في قرب الأجل وحلول الموت القاطع للأمل، وخروج الأمر عن الاختيار وحصول الحسرة والندامة بطول الاغترار. واعلم أن أفضل الأوقات للذكر في النهار الذكر بعد صلاة الصبح، لاسيما إذا كان في المسجد، وكان النبي ﷺ إذا صلى الفجر تربع في مجلسه يذكر الله حتى تطلع الشمس (١). ورووا عنه ﷺ أنه قال: ((من صلى الغداة في جماعة ثم جلس يذكر الله حتى تطلع الشمس ثم قام فصلى ركعتين؛ انقلب بأجر حجة وعمرة)) (٢). وقال ﷺ : ((لأن أقعد أصلي مع قوم يذكرون الله تعالى من صلاة الغداة حتى تطلع الشمس أحب إلي من أن أعتق أربعة من ولد إسماعيل، ولأن أقعد مع قوم يذكرون الله من صلاة العصر إلى أن تغرب الشمس أحب إلي من أن أعتق أربعة)) (٣).

стр. 35

فلا تنس نصيبك من الذكر، واعلم أن ((مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكره كمثل الحي والميت)) (١).

стр. 36

باب آداب ما بعد طلوع الشمس إلى الزوال فإذا طلعت الشمس وارتفعت قدر رمح فصل ركعتين وذلك عند زوال وقت الكراهة، فإذا أضحى النهار ومضى منه قريب من ربعه، صل صلاة الضحى ركعتين أو أربعًا أو ستًا أو ثمانية مثنى مثنى. والصلاة خير كلها، فمن شاء فليستكثر ومن شاء فليستقلل، فليس بين طلوع الشمس والزوال راتبة من الصلاة إلا هذه، وقد قال النبي ﷺ : ((يصبح على كل سُلامى [أي: مفصل] من أحدكم صدقة، فكل تسبيحة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة، ونهي عن المنكر صدقة، ويجزىء من ذلك ركعتين يركعهما من الضحى)) (١). وفي الحديث القدسي: ((يا ابن آدم اكفني [أي: صلِّ لي] أول النهار بأربع ركعات، أَكْفِكَ بهن آخرَ يومك)) (٢). وبعث رسول الله ﷺ بعثًا فأعظموا الغنيمة وأسرعوا الكرة فقال رجل: يا رسول الله! ما رأينا بعثًا قط أسرع كرة ولا أعظم غنيمة من هذا البعث، فقال ﷺ : ((ألا أخبركم بأسرع كرة منهم وأعظم غنيمة؟ رجل توضأ فأحسن الوضوء، ثم عمد إلى المسجد فصلى فيه الغداة، ثم عقب بصلاة الضحوة؛ فقد أسرع الكرة وأعظم الغنيمة)) (٣).

стр. 37

وقال رسول الله ﷺ : ((من خرج من بيته متطهرًا إلى صلاة مكتوبة فأجره كأجر الحاج المحرم، ومن خرج إلى تسبيح الضحى لا ينصبه إلا إياه؛ فأجره كأجر المعتمر، وصلاة على إثر صلاة لا لغو بينهما كتاب في عليين)) (١). فما فضل من أوقاتك فلك فيه أربع حالات: الحال الأولى وهي الأفضل: أن تصرفه في طلب العلم النافع في الدين، دون الفضول الذي أكب الناس عليه وسموه علمًا. والعلم النافع هو: ما يزيد في خوفك من الله تعالى، ويزيد في بصيرتك بعيوب نفسك، ويزيد في معرفتك بعبادة ربك، ويقلل من رغبتك في الدنيا، ويزيد في رغبتك في الآخرة، ويفتح بصيرتك بآفات أعمالك حتى تحترز منها، ويطلعك على مكايد الشيطان وغروره، وكيفية تلبيسه على علماء السوء حتى عرضهم لمقت الله تعالى وسخطه، حيث أكلوا الدنيا بالدين، واتخذوا العلم ذريعة ووسيلة إلى أخذ أموال السلاطين، وأكل أموال الأوقاف واليتامى والمساكين، وصرفوا همتهم طول نهارهم إلى طلب الجاه والمنزلة في قلوب الخلق، واضطرهم ذلك إلى المراءاة والمماراة والمنافسة والمباهاة. فإن دعتك نفسك إلى ترك ما ذكرناه من الأوراد والأذكار استثقالاً لذلك؛ فاعلم أن الشيطان اللعين قد دس في قلبك الداء الدفين، وهو حب المال والجاه، فإياك أن تغتر به فتكون ضحكة له فيهلكك ثم يسخر منك. فإن جربت نفسك مدة في الأوراد والعبادات فكانت لا تستثقلها كسلًا عنها، لكن ظهرت رغبتك في تحصيل العلم النافع ولم ترد به إلا وجه الله تعالى والدار الآخرة، فذلك أفضل من نوافل العبادات مهما صحت النية، ولكن الشأن في صحة النية، فإن لم تصح النية فهو معدن غرور الجهال، ومزلة أقدام الرجال.

стр. 38

الحال الثانية: ألا تقدر على تحصيل العلم النافع في الدين، ولكن تشتغل بوظائف العبادات من الذكر والتسبيح والقراءة والصلاة، فذلك من درجات العابدين وسير الصالحين وتكون أيضًا بذلك من الفائزين. الحال الثالثة: أن تشتغل بما يصل منه خير إلى المسلمين، ويدخل به سرور على قلوب المؤمنين، أو تتيسر به الأعمال الصالحة للصالحين، والسعي في إطعام الفقراء والمساكين، والتردد مثلًا على المرضى بالعيادة، وعلى الجنائز بالتشييع، فكل ذلك أفضل من النوافل، فإن هذه عبادات وفيها رفق للمسلمين. الحال الرابعة: ألا تقوى على ذلك، فاشتغل بحاجاتك اكتسابًا على نفسك أو على عيالك، وقد سلم المسلمون منك وآمنوا من لسانك ويدك، وسلم لك دينك إذا لم ترتكب معصية، فتنال بذلك درجة أصحاب اليمين إن لم تكن من أهل الترقي إلى مقامات السابقين. فهذا أقل الدرجات في مقامات الدين وما بعد هذا فهو من مراتع الشياطين، وذلك بأن تشتغل ـ والعياذ بالله ـ بما يهدم دينك، أو تؤذي به عبدًا من عباد الله تعالى، فهذه رتبة الهالكين، فإياك أن تكون في هذه الطبقة. واعلم أن العبد في حق دينه على ثلاث درجات: إما سالم: وهو المقتصر على أداء الفرائض وترك المعاصي. أو رابح: وهو المتطوع بالقربات والنوافل. أو خاسر: وهو المقصر عن اللوازم. فإن لم تقدر أن تكون رابحًا فاجتهد أن تكون سالمًا، وإياك ثم إياك أن تكون خاسرًا. والعبد في حق سائر العباد له ثلاث درجات: الأولى: أن ينزل في حقهم منزلة الكرام البررة من الملائكة، وهو أن يسعى في أغراضهم رفقًا بهم وإدخالاً للسرور على قلوبهم. الثانية: أن ينزل في حقهم منزلة البهائم والجمادات، فلا ينالهم خيره، ولكن كف عنهم شره.

стр. 39

الثالثة: أن ينزل في حقهم منزلة العقارب والحيات والسباع الضاريات، لا يرجى خيره، ويتقى شره. فإن لم تقدر على أن تلتحق بأفق الملائكة، فاحذر أن تنزل عن درجة البهائم والجمادات إلى درجة العقارب والحيات والسباع الضاريات. فإن رضيت لنفسك النزول من أعلى عليين، فلا ترض لها بالهوى إلى أسفل سافلين فلعلك تنجو كفافاً، لا لك ولا عليك. فعليك في بياض نهارك ألا تشتغل إلا بما ينفعك في معادك أو معاشك الذي لا تستغني عن الاستعانة به على معادك. عليك بما يفيدك في المعاد ... وما تنجو به يوم التناد يسرك أن تكون رفيق قوم ... لهم زاد وأنت بغير زاد؟ فإن عجزت عن القيام بحق دينك مع مخالطة الناس، وكنت لا تسلم؛ فالعزلة أولى، فعليك بها ففيها النجاة والسلامة. فإن كانت الوساوس في العزلة تجاذبك إلى مالا يرضي الله تعالى، ولم تقدر على قمعها بوظائف العبادات؛ فعليك بالنوم فهو أحسن أحوالك وأحوالنا، إذ عجزنا عن الغنيمة ورضينا بالسلامة في الهزيمة، فما أخس حال من سلامة دينه في تعطيل حياته؛ إذ النوم أخو الموت، وهو تعطيل للحياة والتحاق بالجمادات. - - -

стр. 40

باب آداب الاستعداد لسائر الصلوات ينبغي أن تستعد لصلاة الظهر قبل الزوال، فتقدم القيلولة إن كان بك قيام في الليل أو سهر في الخير، فإن فيها معونة على قيام الليل كما أن في السحور معونة على صيام النهار، والقيلولة من غير قيام بالليل كالسحور من غير صيام بالنهار. فإذا قِلت فاجتهد أن تستيقظ قبل الزوال، وتتوضأ وتحضر المسجد وتصلي تحية المسجد وتنتظر المؤذن فتجيبه، ثم تقوم فتصلي أربع ركعات عقب الزوال، وكان رسول الله ﷺ يطوِّلهن ويقول: ((إنها ساعة تفتح فيها أبواب السماء، فأحب أن يصعد لي فيها عمل صالح)) (١). وهذه الأربع قبل الظهر سنة مؤكدة ففي الخبر: ((من حافظ على أربع ركعات قبل الظهر، وأربع بعدها؛ حَرَّمه الله على النار)) (٢). ثم صلِّ الفرض مع الإمام، ثم صل بعد الفرض ركعتين إن شئت، والأفضل أن تصلي أربع ركعات للخبر المتقدم. ولا تشتغل إلى العصر إلا بتعلم علم، أو إعانة مسلم، أو قراءة قرآن، أو سعي في معاش لتستعين به على دينك. ثم صلِّ الفرض مع الإمام، ثم صل بعد الفرض ركعتين إن شئت، والأفضل أن تصلي أربع ركعات للخبر المتقدم. ولا تشتغل إلى العصر إلا بتعلم علم، أو إعانة مسلم، أو قراءة قرآن، أو سعي في معاش لتستعين به على دينك. ثم صل أربع ركعات قبل العصر فهي سنة مؤكدة، وقد قال رسول الله ﷺ : ((رحم الله امرًأ صلى قبل العصر أربعًا)) (٣)، فاجتهد أن ينالك دعاؤه ﷺ .
следующие страницы →