← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 37549

بلوغ الغاية من تهذيب بداية الهداية

وائل حافظ خلف

Полный текст (113 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

باب آداب ما بعد طلوع الشمس إلى الزوال فإذا طلعت الشمس وارتفعت قدر رمح فصل ركعتين وذلك عند زوال وقت الكراهة، فإذا أضحى النهار ومضى منه قريب من ربعه، صل صلاة الضحى ركعتين أو أربعًا أو ستًا أو ثمانية مثنى مثنى. والصلاة خير كلها، فمن شاء فليستكثر ومن شاء فليستقلل، فليس بين طلوع الشمس والزوال راتبة من الصلاة إلا هذه، وقد قال النبي ﷺ : ((يصبح على كل سُلامى [أي: مفصل] من أحدكم صدقة، فكل تسبيحة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة، ونهي عن المنكر صدقة، ويجزىء من ذلك ركعتين يركعهما من الضحى)) (١). وفي الحديث القدسي: ((يا ابن آدم اكفني [أي: صلِّ لي] أول النهار بأربع ركعات، أَكْفِكَ بهن آخرَ يومك)) (٢). وبعث رسول الله ﷺ بعثًا فأعظموا الغنيمة وأسرعوا الكرة فقال رجل: يا رسول الله! ما رأينا بعثًا قط أسرع كرة ولا أعظم غنيمة من هذا البعث، فقال ﷺ : ((ألا أخبركم بأسرع كرة منهم وأعظم غنيمة؟ رجل توضأ فأحسن الوضوء، ثم عمد إلى المسجد فصلى فيه الغداة، ثم عقب بصلاة الضحوة؛ فقد أسرع الكرة وأعظم الغنيمة)) (٣).

стр. 37

وقال رسول الله ﷺ : ((من خرج من بيته متطهرًا إلى صلاة مكتوبة فأجره كأجر الحاج المحرم، ومن خرج إلى تسبيح الضحى لا ينصبه إلا إياه؛ فأجره كأجر المعتمر، وصلاة على إثر صلاة لا لغو بينهما كتاب في عليين)) (١). فما فضل من أوقاتك فلك فيه أربع حالات: الحال الأولى وهي الأفضل: أن تصرفه في طلب العلم النافع في الدين، دون الفضول الذي أكب الناس عليه وسموه علمًا. والعلم النافع هو: ما يزيد في خوفك من الله تعالى، ويزيد في بصيرتك بعيوب نفسك، ويزيد في معرفتك بعبادة ربك، ويقلل من رغبتك في الدنيا، ويزيد في رغبتك في الآخرة، ويفتح بصيرتك بآفات أعمالك حتى تحترز منها، ويطلعك على مكايد الشيطان وغروره، وكيفية تلبيسه على علماء السوء حتى عرضهم لمقت الله تعالى وسخطه، حيث أكلوا الدنيا بالدين، واتخذوا العلم ذريعة ووسيلة إلى أخذ أموال السلاطين، وأكل أموال الأوقاف واليتامى والمساكين، وصرفوا همتهم طول نهارهم إلى طلب الجاه والمنزلة في قلوب الخلق، واضطرهم ذلك إلى المراءاة والمماراة والمنافسة والمباهاة. فإن دعتك نفسك إلى ترك ما ذكرناه من الأوراد والأذكار استثقالاً لذلك؛ فاعلم أن الشيطان اللعين قد دس في قلبك الداء الدفين، وهو حب المال والجاه، فإياك أن تغتر به فتكون ضحكة له فيهلكك ثم يسخر منك. فإن جربت نفسك مدة في الأوراد والعبادات فكانت لا تستثقلها كسلًا عنها، لكن ظهرت رغبتك في تحصيل العلم النافع ولم ترد به إلا وجه الله تعالى والدار الآخرة، فذلك أفضل من نوافل العبادات مهما صحت النية، ولكن الشأن في صحة النية، فإن لم تصح النية فهو معدن غرور الجهال، ومزلة أقدام الرجال.

стр. 38

الحال الثانية: ألا تقدر على تحصيل العلم النافع في الدين، ولكن تشتغل بوظائف العبادات من الذكر والتسبيح والقراءة والصلاة، فذلك من درجات العابدين وسير الصالحين وتكون أيضًا بذلك من الفائزين. الحال الثالثة: أن تشتغل بما يصل منه خير إلى المسلمين، ويدخل به سرور على قلوب المؤمنين، أو تتيسر به الأعمال الصالحة للصالحين، والسعي في إطعام الفقراء والمساكين، والتردد مثلًا على المرضى بالعيادة، وعلى الجنائز بالتشييع، فكل ذلك أفضل من النوافل، فإن هذه عبادات وفيها رفق للمسلمين. الحال الرابعة: ألا تقوى على ذلك، فاشتغل بحاجاتك اكتسابًا على نفسك أو على عيالك، وقد سلم المسلمون منك وآمنوا من لسانك ويدك، وسلم لك دينك إذا لم ترتكب معصية، فتنال بذلك درجة أصحاب اليمين إن لم تكن من أهل الترقي إلى مقامات السابقين. فهذا أقل الدرجات في مقامات الدين وما بعد هذا فهو من مراتع الشياطين، وذلك بأن تشتغل ـ والعياذ بالله ـ بما يهدم دينك، أو تؤذي به عبدًا من عباد الله تعالى، فهذه رتبة الهالكين، فإياك أن تكون في هذه الطبقة. واعلم أن العبد في حق دينه على ثلاث درجات: إما سالم: وهو المقتصر على أداء الفرائض وترك المعاصي. أو رابح: وهو المتطوع بالقربات والنوافل. أو خاسر: وهو المقصر عن اللوازم. فإن لم تقدر أن تكون رابحًا فاجتهد أن تكون سالمًا، وإياك ثم إياك أن تكون خاسرًا. والعبد في حق سائر العباد له ثلاث درجات: الأولى: أن ينزل في حقهم منزلة الكرام البررة من الملائكة، وهو أن يسعى في أغراضهم رفقًا بهم وإدخالاً للسرور على قلوبهم. الثانية: أن ينزل في حقهم منزلة البهائم والجمادات، فلا ينالهم خيره، ولكن كف عنهم شره.

стр. 39

الثالثة: أن ينزل في حقهم منزلة العقارب والحيات والسباع الضاريات، لا يرجى خيره، ويتقى شره. فإن لم تقدر على أن تلتحق بأفق الملائكة، فاحذر أن تنزل عن درجة البهائم والجمادات إلى درجة العقارب والحيات والسباع الضاريات. فإن رضيت لنفسك النزول من أعلى عليين، فلا ترض لها بالهوى إلى أسفل سافلين فلعلك تنجو كفافاً، لا لك ولا عليك. فعليك في بياض نهارك ألا تشتغل إلا بما ينفعك في معادك أو معاشك الذي لا تستغني عن الاستعانة به على معادك. عليك بما يفيدك في المعاد ... وما تنجو به يوم التناد يسرك أن تكون رفيق قوم ... لهم زاد وأنت بغير زاد؟ فإن عجزت عن القيام بحق دينك مع مخالطة الناس، وكنت لا تسلم؛ فالعزلة أولى، فعليك بها ففيها النجاة والسلامة. فإن كانت الوساوس في العزلة تجاذبك إلى مالا يرضي الله تعالى، ولم تقدر على قمعها بوظائف العبادات؛ فعليك بالنوم فهو أحسن أحوالك وأحوالنا، إذ عجزنا عن الغنيمة ورضينا بالسلامة في الهزيمة، فما أخس حال من سلامة دينه في تعطيل حياته؛ إذ النوم أخو الموت، وهو تعطيل للحياة والتحاق بالجمادات. - - -

стр. 40

باب آداب الاستعداد لسائر الصلوات ينبغي أن تستعد لصلاة الظهر قبل الزوال، فتقدم القيلولة إن كان بك قيام في الليل أو سهر في الخير، فإن فيها معونة على قيام الليل كما أن في السحور معونة على صيام النهار، والقيلولة من غير قيام بالليل كالسحور من غير صيام بالنهار. فإذا قِلت فاجتهد أن تستيقظ قبل الزوال، وتتوضأ وتحضر المسجد وتصلي تحية المسجد وتنتظر المؤذن فتجيبه، ثم تقوم فتصلي أربع ركعات عقب الزوال، وكان رسول الله ﷺ يطوِّلهن ويقول: ((إنها ساعة تفتح فيها أبواب السماء، فأحب أن يصعد لي فيها عمل صالح)) (١). وهذه الأربع قبل الظهر سنة مؤكدة ففي الخبر: ((من حافظ على أربع ركعات قبل الظهر، وأربع بعدها؛ حَرَّمه الله على النار)) (٢). ثم صلِّ الفرض مع الإمام، ثم صل بعد الفرض ركعتين إن شئت، والأفضل أن تصلي أربع ركعات للخبر المتقدم. ولا تشتغل إلى العصر إلا بتعلم علم، أو إعانة مسلم، أو قراءة قرآن، أو سعي في معاش لتستعين به على دينك. ثم صلِّ الفرض مع الإمام، ثم صل بعد الفرض ركعتين إن شئت، والأفضل أن تصلي أربع ركعات للخبر المتقدم. ولا تشتغل إلى العصر إلا بتعلم علم، أو إعانة مسلم، أو قراءة قرآن، أو سعي في معاش لتستعين به على دينك. ثم صل أربع ركعات قبل العصر فهي سنة مؤكدة، وقد قال رسول الله ﷺ : ((رحم الله امرًأ صلى قبل العصر أربعًا)) (٣)، فاجتهد أن ينالك دعاؤه ﷺ .

стр. 41

ثم صل الفرض مع الإمام، ولا تشتغل بعد العصر إلا بمثل ما سبق قبله، ولا ينبغي أن تكون أوقاتك مهملة، فتشتغل في كل وقت بما اتفق كيف اتفق، بل ينبغي أن تحاسب نفسك وترتب أورادك في ليلك ونهارك، وتعيّن لكل وقت شغلاً لا تتعداه، ولا تؤثر فيه سواه، فبذلك تظهر بركة الأوقات. فأما إذا تركت نفسك سدى مهملاً إهمال البهائم، لا تدري بماذا تشتغل في كل وقت، فينقضي أكثر أوقاتك ضائعًا، وأوقاتك عمرك، وعمرك رأس مالك وعليه تجارتك، وبه وصولك إلى نعيم دار الأبد في جوار الله تعالى، فكل نفس من أنفاسك جوهرة لا قيمة لها؛ إذ لا بدل له فإذا فات فلا عود له. فلا تكن كالحمقى المغرورين الذين يفرحون كل يوم بزيادة أموالهم مع نقصان أعمارهم، فأي خير في مال يزيد وعمر ينقص؟! ولا تفرح إلا بزيادة علم أو عمل صالح، فإنهما رفيقاك يصحبانك في القبر حيث يتخلف عنك أهلك ومالك وولدك وأصدقاؤك. ثم إذا اصفرت الشمس فاجتهد أن تعود إلى المسجد قبل الغروب وتشتغل بالتسبيح والاستغفار، فإن فضل هذا الوقت كفضل ما قبل الطلوع قال الله تعالى: ﴿وَسَبِح بِحَمدِ رَبِك قَبلَ طُلوع الشَمس وَقَبلَ غُروبِها﴾ [طه: ١٣٠]. ولتغرب عليك الشمس وأنت في الاستغفار، فإذا سمعت الأذان فأجبه، وقل بعده ما ذكرناه لك قبل ذلك. ثم صل ركعتين؛ فقد قال رسول الله ﷺ : ((صلوا قبل المغرب، صلوا قبل المغرب))، ثم قال في الثالثة: ((لمن شاء)) (١). ثم صل الفرض مع الإمام، وصل بعده ركعتين فهما راتبة المغرب. وإن أمكنك أن تنوي الاعتكاف إلى العشاء وتحيي ما بين العشاءين بالصلاة فافعل؛ فقد ورد في فضل ذلك ما لا يحصى، وهي ناشئة الليل لأنه أول نشأته،

стр. 42

وقد قال أنس بن مالك ﵁ في قوله تعالى: ﴿تَتَجافى جُنوبُهُم عَنِ المَضاجِع﴾ [السجدة: ١٦]: ((نزلت في انتظار هذه الصلاة التي تدعى العَتَمَة)) (١)، وفي رواية: ((كانوا يتيقظون ما بين المغرب والعشاء يصلون)) (٢). وعن حذيفة ﵁ قال: أتيت النبي ﷺ فصليت معه المغرب، فصلى إلى العشاء (٣). فإذا دخل وقت العشاء فصل ركعتين قبل الفرض؛ فقد قال رسول الله ﷺ : ((بين كل أذانين صلاة، بين كل أذانين صلاة))، ثم قال في الثالثة: ((لمن شاء)) (٤). ثم صل الفرض وصل الراتبة ركعتين بعده، ثم صل الوتر، وإن شئت أوترت بواحدة، أو بثلاث، أو بخمس، أو بسبع بتشهد واحد وتسليمتين، وإن شئت فأوتر بتسع تجلس في الثامنة للتشهد ثم تأتي بالتاسعة وتجلس للتشهد والتسليم. وكان رسول الله ﷺ إذا أوتر بثلاث ركعات قرأ فيها سورة: ﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾، و ﴿قل يأيها الكافرون﴾، و ﴿قل هو الله أحد﴾ في ركعة ركعة (٥).

стр. 43

وكان النبي ﷺ يقول بعد التسليم من الوتر: ((سبحان الملك القدوس)) ثلاث مرات، ويرفع صوته بالثالثة (١). فإن كنت عازماً على قيام الليل فأخر الوتر ليكون آخر صلاتك وترًا (٢). ثم اشتغل بعد ذلك بمذاكرة علم أو مطالعة كتاب، ولا تشتغل باللهو واللعب فيكون ذلك خاتمة أعمالك قبل نومك، فإنما الأعمال بخواتيمها.

стр. 44

باب آداب النوم فإذا أردت النوم فتوضأ وضوءك للصلاة (١)، وانفض فراشك بطرف ردائك (٢). واجمع كفيك واقرأ: ﴿قل هو الله أحد﴾، والمعوذتين، ثم امسح بهما ما استطعت من جسدك، افعل ذلك ثلاث مرات (٣). ثم اقرأ آية الكرسي (٤)، و ﴿آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون ... ﴾ [البقرة: ٢٨٥] إلى آخر السورة (٥). وسبح الله واحمده وكبره ثلاثاً وثلاثين (٦). ثم اضطجع على شقك الأيمن، وضع يدك اليمني تحت خدك ثم قل: ((اللهم قِنِي عذابك يوم تبعث عبادك)) ثلاث مِرَار (٧)، ((باسمك اللهم أموت وأحيا)) (٨)، ((اللهم أسلمت نفسي إليك، ووجهت وجهي إليك، وفوضت أمري إليك، وألجأت ظهري إليك، رغبة ورهبة إليك، لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك، اللهم آمنت بكتابك الذي أنزلت، وبنبيك الذي أرسلت)) واجعلهن من آخر ما تقول (٩).

стр. 45

وكان النبي ﷺ لا ينام على فراشه حتى يقرأ سورتي: الإسراء، والزمر (١). وأوصى ﷺ إنسانًا فقال له: ((إذا أخذت مضجعك من الليل فاقرأ: ﴿قل يا أيها الكافرون﴾ ثم نَمْ على خاتمتها؛ فإنها براءة من الشرك)) (٢). وفي "صحيح مسلم" [في كتاب الذكر والدعاء والتوبة - حديث رَقْم (٢٧١٢)] عن عبد الله بن عمر أنه أمر رجلاً إذا أخذ مضجعه قال: ((اللهم خَلَقْتَ نفسي وأنت تَوَفَّاها، لك مَمَاتُها وَمَحْيَاها، إن أَحْيَيْتَهَا فاحْفَظْهَا، وإن أَمَتَّهَا فاغفر لها. اللهم! إني أسألك العافية)). فقال رجل لابن عمر: أَسَمِعْتَ هذا مِن عُمَرَ؟ فقال: مِن خَيْرٍ من عمرَ، من رسول الله ﷺ . ثم روى مسلم ﵀ (٢٧١٣) عن سهيل بن أبي صالح قال: كان أبو صالح يأمرنا إذا أراد أحدنا أن ينام، أن يَضْطَجِعَ على شِقِّهِ الأيمن، ثم يقول: ((اللهم! رَبَّ السماوات وربَّ الأرض ورَبَّ العرش العظيم، رَبَّنَا وَرَبَّ كُلِّ شيء، فالقَ الحب والنوى، ومُنْزِلَ التوراةِ والإنجيلِ والفرقان، أعوذ بك من شر كُلِّ شيء أنت آخِذٌ بناصيته. اللهم! أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء، اقضِ عَنَّا الدَّيْنَ، وَأَغْنِنَا مِنَ الفقر)) وكان يروي ذلك عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ .

стр. 46

واعلم أن النوم مثل الموت، واليقظة مثل البعث، فكن مستعدًا للقائه بأن تنام على طهارة، وتكون وصيتك مكتوبة تحت رأسك، وتنام تائبًا من الذنوب مستغفرًا عازمًا على ألا تعود إلى معصية، واعزم على الخير لجميع المسلمين إن بعثك الله تعالى، وتذكر أنك ستضجع في اللحد وحيدًا فريدًا، ليس معك إلا عملك، ولا تجزى إلا بسعيك. ولا تستجلب النوم تكلفًا بتمهيد الفرش الوطيئة؛ فإن النوم تعطيل للحياة إلا إذا كانت وبالاً عليك فنومك سلامة لدينك. واعلم أن الليل والنهار أربع وعشرون ساعة، فلا يكن نومك بالليل والنهار أكثر من ثماني ساعات، فيكفيك إن عشت مثلا ستين سنة أن تضيع منها عشرين سنة وهو ثلث عمرك. وأعدّ عند النوم سواكك وطهورك، واعزم على قيام الليل أو على القيام قبل الصبح، فركعتان في جوف الليل كنز من كنوز البر، فاستكثر من كنوزك ليوم فقرك، فلن تغني عنك كنوز الدنيا إذا متَّ. فإذا تقلبت من جنب إلى جنب فقل: ((لا إله إلا الله الواحد القهار، رب السماوات والأرض وما بينهما العزيز الغفار)) (١). فإذا فزعت من النوم أو رأيت ما تكره في منامك فانفث عن يسارك ثلاثاً، وقل: ((أعوذ بكلمات الله التامات من غضبه وعقابه وشر عباده، ومن همزات الشياطين، وأن يحضرون)) (٢)، وتحول عن جنبك الذي كنت عليه. واعلم أن النبي ﷺ قد قال: ((من تعار من الليل فقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، الحمد لله، وسبحان الله،

стр. 47

ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله، ثم قال: اللهم اغفر لي أو دعا؛ استجيب له، فإن توضأ ثم صلى؛ قبلت صلاته)) (١). فإذا استيقظت فارجع إلى ما عرفتك أولاً، وداوم على هذا الترتيب بقية عمرك، فإن شقت عليك المداومة فاصبر صبر المريض على مرارة الدواء انتظارًا للشفاء، وتفكر في قصر عمرك، وإن عشت مثلاً مائة سنة فهي قليلة بالإضافة إلى مقامك في الدار الآخرة وهي أبد الآباد، وتأمل أنك كيف تتحمل المشقة والذل في طلب الدنيا شهرًا أو سنة رجاء أن تستريح بها عشرين سنة مثلاً، فكيف لا تتحمل ذلك أيامًا قلائل رجاء الاستراحة أبد الآباد؟. ولا تطوِّل أملك فيثقل عليك عملك، وقدِّر قرب الموت، وقل في نفسك: إني أتحمل المشقة اليوم فلعلي أموت الليلة، وأصبر الليلة فلعلي أموت غدًا، فإن الموت لا يهجم في وقت مخصوص وحال مخصوص وسن مخصوص، فلا بد من هجومه، فالاستعداد له أولى من الاستعداد للدنيا، وأنت تعلم أنك لا تبقى فيها إلا مدة يسيرة، ولعله لم يبق من أجلك إلا يوم واحد أو نفس واحد، فقدر هذا في قلبك كل يوم، وكلف نفسك الصبر على طاعة الله يومًا فيومًا، فإنك لو قدرت البقاء خمسين سنة وألزمتها الصبر على طاعة الله تعالى نفرت واستصعبت عليك، فإن فعلت ذلك فرحت عند الموت فرحًا لا آخر له، وإن سوَّفت وتساهلت جاءك الموت في وقت لا تحتسبه، وتحسرت تحسرًا لا آخر له، وعند الصباح يحمد القوم السُّرَى (٢)، وعند الموت أتيك الخبر اليقين، ولتعلمن نبأه بعد حين. وإذ أرشدناك إلى ترتيب الأوراد، فلنذكر لك آداب الصلاة والصوم والإمامة والقدوة والجمعة.

стр. 48

باب آداب الصلاة (١) إذا فرغت من طهارة الحدث وطهارة الخبث في البدن والثياب والمكان، ومن ستر العورة من السرة إلى الركبة .. فاستقبل القبلة، واستو قائمًا، وأحضر قلبك ما أنت فيه، وفرغه من الوساوس، وانظر بين يدي من تقوم ومن تناجي، واستح أن تناجي مولاك بقلب غافل وصدر مشحون بوساوس الدنيا وخبائث الشهوات. واعلم: أن الله تعالى مطلع على سريرتك وناظر إلى قلبك، فإنما يتقبل الله من صلاتك بقدر خشوعك وخضوعك وتواضعك وتضرعك، واعبده في صلاتك كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك. فإن لم يحضر قلبك ولم تسكن جوارحك لقصور معرفتك بجلال الله تعالى، فقدر أن رجلاً صالحاً من وجوه أهل بيتك ينظر إليك ليعلم كيف صلاتك؛ فعند ذلك يحضر قلبك وتسكن جوارحك، ثم ارجع إلى نفسك وقل: يا نفس السوء! ألا تستحين من خالقك ومولاك إذ قدرت إطلاع عبد ذليل من عباده عليكِ، وليس بيده ضرك ولا نفعك، خشعت جوارحك، وحسنت صلاتك، ثم إنك تعلمين أنه مطلع عليك ولا تخشعين لعظمته أهو -تعالى- عندكِ أقل من عباده؟! فما أشد طغيانك وجهلك! وما أعظم عداوتك لنفسك!. وعالج قلبك بهذه الحيل فعسى أن يحضر معك في صلاتك؛ فإنه ليس لك من صلاتك إلا ما عقلت منها، وأما ما أتيت مع الغفلة والسهو فهو إلى الاستغفار والتكفير أحوج.

стр. 49

وأنا ذاكر لك صفة صلاة النبي ﷺ ، فاحرص على أن تصلي كما كان رسول الله ﷺ يصلي، واعلم أنه قد قال: ((صلوا كما رأيتموني أصلي)) (١).

стр. 50

باب صفة صلاة النبي ﷺ - [كان رسول الله ﷺ إذا قام إلى الصلاة استقبل الكعبة قائمًا قريبًا من السترة، وكان ﷺ يقول: ((إنما الأعمال بالنيات، إنما لكل امرئ ما نوى)) (١). ثم كان ﷺ يستفتح الصلاة بقوله: "الله أكبر". وكان يرفع يديه مع التكبير، ثم يضع اليمنى على اليسرى فوق صدره، ثم يرمي ببصره نحو الأرض، ثم يستفتح القراءة بأدعية كثيرة متنوعة، يحمد الله تعالى فيها ويمجده ويثني عليه، منها: "سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جَدُّك، ولا إله غيرك". ثم كان ﷺ يستعيذ بالله تعالى من الشيطان الرجيم، ثم يقرأ: "بسم الله الرحمن الرحيم" ولا يجهر بها، ثم يقرأ الفاتحة ويقطعها آية آية. فإذا انتهى من الفاتحة

стр. 51

قال: "آمين"، ويجهر ويمد بها صوته. ثم يقرأ بعد الفاتحة سورة غيرها، وكان يطيلها أحيانًا، ويقصرها أحيانًا. وكان ﷺ يجهر بالقراءة في صلاة الصبح، وفي الركعتين الأوليين من المغرب والعشاء، ويسر بها في الظهر، والعصر، والثالثة من المغرب، والأخريين من العشاء. وكان ﷺ يجهر بها أيضًا في صلاة الجمعة، والعيدين، والاستسقاء، والكسوف. وكان يجعل الركعتين الأخيرتين أقصر من الأوليين قدر النصف قدر خمس عشرة آية، وربما اقتصر فيهما على الفاتحة. ثم كان ﷺ إذا فرغ من القراءة سكت سكتة، ثم رفع يديه وكبر وركع. وكان في الركوع يضع كفيه على ركبتيه، ويفرج بين أصابعه، ويمكن يديه من ركبتيه كأنه قابض عليهما. وكان ﷺ يجافي مرفقيه عن جنبيه، ويبسط ظهره ويسويه، حتى لو صُب عليه الماء لاستقر. وكان ﷺ يطمئن في ركوعه ويقول: "سبحان ربي العظيم" ثلاثُا. وكان يقول في هذا الركن أنواعًا من الأذكار والأدعية، تارة بهذا، وتارة بهذا. وكان ﷺ ينهى عن قراءة القرآن في الركوع والسجود. ثم كان النبي ﷺ يرفع صلبه من الركوع قائلاً: "سمع الله لمن حمده". وكان يرفع يديه عند هذا الاعتدال، ويقول وهو قائم: "ربنا ولك الحمد". وكان تارة يزيد على ذلك. ثم كان ﷺ يكبر ويهوى ساجدًا، وكان يضع يديه على الأرض قبل ركبتيه (١). وكان يعتمد على كفيه ويبسطهما، ويضم أصابعه ويوجهها قِبلَ القبلة. وكان يجعلهما حذو منكبيه، وأحيانًا حذو أذنيه. وكان يمكن أنفه وجبهته من الأرض،

стр. 52

وكان يقول: ((أُمِرْتُ أن أسجد على سبعة أعظم: على الجبهة-وأشار بيده على أنفه-، واليدين، والركبتين، وأطراف القدمين، ولا نَكْفِتَ الثياب والشَّعَر)) (١). وكان ﷺ يطمئن في سجوده، ويقول: " سبحان ربي الأعلى " ثلاثًا. وكان يقول أنواعًا من الأذكار والأدعية، تارة بهذا، وتارة بهذا. وكان ﷺ يأمر بالاجتهاد والإكثار من الدعاء في هذا الركن. ثم كان رسول الله ﷺ يرفع رأسه مكبرًا. ثم يفرش رجله اليسرى فيقعد عليها مطمئنًا، وكان ينصب رجله اليمنى ويستقبل بأصابعها القبلة. وكان يقول في هذه الجلسة: " اللهم اغفر لي، وارحمني، واجبرني، وارفعني، واهدني، وعافني، وارزقني ". ثم يكبر ويسجد السجدة الثانية كالأولى. ثم يرفع رأسه مكبرًا. ثم يستوي قاعدًا على رجله اليسرى معتدلاً حتى يرجع كل عظم إلى موضعه (٢). ثم ينهض معتمدًا على الأرض بيديه إلى الركعة الثانية، وكان يصنع فيها مثل ما يصنع في الأولى، إلا أنه كان يجعلها أقصر من الأولى. ثم كان رسول الله ﷺ يجلس للتشهد بعد الفراغ من الركعة الثانية: فإذا كانت الصلاة ركعتين جلس مفترشًا كما كان يجلس بين السجدتين، وكذلك كان يجلس في التشهد الأول من الصلاة الثلاثة والرباعية. وفي التشهد الأخيركان يجلس متوركاً: يفضي بوركه اليسرى إلى الأرض ويخرج قدميه من ناحية واحدة ويجعل اليسرى تحت فخذه وساقه وينصب اليمنى، وربما فرشها أحيانًا. وكان ﷺ إذا قعد في التشهد وضع كفه اليمنى على فخذه اليمنى، ووضع كفه اليسرى على فخذه اليسرى، وكان يبسط اليسرى ويقبض اليمنى، ويشير

стр. 53

بالسبابة ويرمي ببصره إليها، وكان يحركها (١) يدعو بها ويقول: ((لَهِيَ أشد على الشيطان من الحديد)) (٢) يعني: السَّبَابَةَ. ثم كان ﷺ يقرأ في كل ركعتين التحية، يقول: ((التحيات لله، والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله)). وكان يصلي على نفسه في التشهد الأول وغيره، وشرع ذلك لأمته. وكان ﷺ يدعو في صلاته بأدعية متنوعة (٣). ثم كان ﷺ يسلم عن يمينه: " السلام عليكم ورحمة الله "، وعن يساره كذلك. وكان أحيانًا يزيد في التسليمة الأولى: " وبركاته "] ا. هـ. ((واعلم: أن للصلاة أركانًا وواجباتٍ وسنناً (٤)، وروحها النية والإخلاص والخشوع وحضور القلب، فإن الصلاة تشتمل على أذكار ومناجاة وأفعال، ومع

стр. 54

عدم حضور القلب لا يحصل المقصود بالأذكار والمناجاة؛ لأن النطق إذا لم يُعْربْ عما في الضمير كان بمنزلة الهذيان، وكذلك لا يحصل المقصود من الأفعال؛ لأنه إذا كان المقصود من القيام: الخدمة، ومن الركوع والسجود: الذل والتعظيم، ولم يكن القلب حاضراً، لم يحصل المقصود؛ فان الفعل متى خرج عن مقصوده بقي صورة لا اعتبار بها، قال الله تعالى: ﴿لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم﴾ [الحج: ٣٧]. والمقصود أن الواصل إلى الله هو الوصف الذي استولى على القلب حتى حمل على امتثال الأوامر المطلوبة، فلا بد من حضور القلب في الصلاة، ولكن سامح الشارع في غفلة تطرأ؛ لأن حضور القلب في أولها ينسحب حكمه على باقيها)) (١).

стр. 55

باب آداب الإمامة والقدوة ينبغي للإمام أن يخفف الصلاة، قال أنس بن مالك ﵁: ((ما صليت وراء إمام قط أخف صلاة ولا أتم صلاة من النبي ﷺ ، وإن كان ليسمع بكاء الصبي فيخفف مخافة أن تُفتن أمه)) (١). ولا يكبر ما لم يفرغ المؤذن من الإقامة، وما لم تستو الصفوف، ويرفع الإمام صوته بالتكبيرات، ولا يرفع المأموم صوته إلا بقدر ما يسمع نفسه، وينوي الإمام الإمامة لينال الفضل، فإذا لم ينو صحت صلاة القوم إذا نووا الاقتداء به ونالوا فضل القدوة. ويُسرُّ الإمام بدعاء الاستفتاح والتعوذ والبسملة كالمنفرد، ويجهر بالفاتحة والسورة في جميع الصبح وأولتي المغرب والعشاء، وكذلك المنفرد، ويجهر بقوله: "آمين" في الجهرية، وكذلك المأموم، ويقرن المأموم تأمينه بتأمين الإمام؛ فقد قال خير الأنام ﷺ : ((إذا أمن الإمام فأمنوا؛ فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه)) (٢). ولا يقف المأموم وحده بل يدخل في الصف ما استطاع إلى ذلك سبيلاً، ولا ينبغي للمأموم أن يتقدم على الإمام في أفعاله أو يساويه، بل ينبغي أن يتأخر عنه، ولا يهوي للركوع إلا إذا انتهى الإمام إلى حد الركوع، ولا يهوى للسجود ما لم تصل جبهة الإمام إلى الأرض.

стр. 56

باب آداب الجمعة اعلم أن الجمعة عيد المؤمنين، وهو يوم شريف خص الله به هذه الأمة، وفيه ((ساعة مبهمة لا يوافقها عبد مسلم يسأل الله تعالى فيها حاجة إلا أعطاه إياها ما لم يسأل حرامًا)) (١). فاستعد لها من يوم الخميس بتنظيف الثياب، وانو صوم يوم الجمعة لكن مع الخميس أو السبت؛ إذ جاء في إفرادها نهي (٢). فإذا طلع عليك الصبح فاغتسل؛ فإن ((غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم)) (٣)، ثم تزين بالثياب البيض فإنها أحب الثياب إلى الله تعالى، واستعمل من الطيب أطيب ما عندك، وبالغ في تنظيف بدنك بالحلق والقص والسواك وسائر أنواع النظافة وتطييب الرائحة.

стр. 57

ثم بكِّر إلى الجامع، واسع إليه على الهينة والتؤدة والسكينة؛ فقد قال ﷺ : ((من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة ثم راح في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشًا أقرن، ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة، فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر)) (١). ثم إذا دخلت الجامع فاطلب الصف الأول، فإذا اجتمع الناس فلا تتخط رقابهم ولا تمر بين أيديهم وهم يصلون، واجلس بقرب حائط أو أسطوانة حتى لا يمروا بين يديك، ولا تقعد حتى تصلي التحية، ولا تتركها وإن كان الإمام يخطب، وأكثر من الصلاة على رسول الله ﷺ في هذا اليوم خاصة. ومتى خرج الإمام فاقطع الصلاة والكلام واشتغل بجواب المؤذن، ثم استماع الخطبة والاتعاظ بها، ودع الكلام رأسًا في الخطبة ففي الخبر: ((إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة أنصت والإمام يخطب فقد لغوت)) (٢) أي: لأن قوله: أنصت كلام، فينبغي أن ينهى غيره بالإشارة لا باللفظ. ثم اقتدِ بالإمام كما سبق. ثم صلِّ بعد الجمعة ركعتين أو أربعًا، وكن حسن المراقبة للساعة الشريفة، فإنها مبهمة في جميع اليوم، ولا تحضر في الجامع مجالس الحِلَق ولا مجالس القُصّاص، بل مجلس العلم النافع وهو الذي يزيد في خوفك من الله تعالى وينقص من رغبتك في الدنيا، فكل علم لا يدعوك من الدنيا إلى الآخرة فالجهل أعود عليك منه، فاستعذ بالله من علم لا ينفع.

стр. 58

وأكثر من الدعاء عند طلوع الشمس، وعند الزوال، وعند الغروب، وعند الإقامة، وعند صعود الخطيب المنبر، وعند قيام الناس إلى الصلاة، فيوشك أن تكون الساعة الشريفة في بعض هذه الأوقات. واجتهد أن تتصدق في هذا اليوم بما تقدر عليه وإن قلَّ، فتجمع بين الصلاة والصيام والصدقة والقراءة والذكر والاعتكاف والرباط، واجعل هذا اليوم من الأسبوع خاصة لآخرتك، فعساه أن يكون كفارة لبقية الأسبوع. واعلم أن النبي ﷺ قد قال: ((خمس من عملهن في يوم كتبه الله من أهل الجنة: من عاد مريضًا، وشهد جنازة، وصام يومًا، وراح إلى الجمعة، وأعتق رقبة)) (١). وقال أيضًا: ((الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، مكفرات ما بينهن إذا اجتنبت الكبائر)) (٢). وقال: ((لا يغتسل رجل يوم الجمعة ويتطهر ما استطاع من الطهور ويدهن من دهنه ويمس من طيب بيته، ثم يخرج فلا يفرق بين اثنين، ثم يصلي ما كتب له ثم ينصت إذا تكلم الإمام؛ إلا غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى)) (٣). وقال: ((من غَسَلَ (٤) يوم الجمعة واغتسل، وبكر وابتكر، ومشى ولم يركب، ودنا من الإمام فاستمع ولم يلغ؛ كان له بكل خطوة عمل سنة أجر صيامها وقيامها)) (٥).

стр. 59

وقال: ((تحشر الأيام على هيئتها، وتحشر الجمعة زهراء منيرة، أهلها يحفون بها كالعروس تهدى إلى خدرها، تضيء لهم يمشون في ضوئها، ألوانهم كالثلج بياضًا، وريحهم كالمسك، يخوضون في جبال الكافور، ينظر إليهم الثقلان لا يطرقون تعجبًا حتى يدخلون الجنة، لا يخالطهم أحد إلا المؤذنون المحتسبون)) (١). وعن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((أتاني جبريل بمثل المرآة البيضاء فيها نكتة سوداء، قلت: يا جبريل! ما هذه؟ قال: هذه الجمعة، جعلها الله عيدًا لك ولأمتك، فأنتم قبل اليهود والنصارى، فيها ساعة لا يوافقها عبد يسأل الله فيها خيرًا إلا أعطاه إياه. قلت: ما هذه النكتة السوداء؟ قال: هذا يوم القيامة تقوم في يوم الجمعة، ونحن ندعوه عندنا المزيد. قلت: ما يوم المزيد؟ قال: إن الله جعل في الجنة واديًا أفيح (٢)، وجعل فيه كثبانًا من المسك الأبيض، فإذا كان يوم الجمعة ينزل الله فيه فوضعت فيه منابر من ذهب للأنبياء وكراسي من در للشهداء وينزلن الحور العين من الغرف فحمدوا الله ومجدوه. قال: ثم يقول الله: اكسوا عبادي؛ فيكسون. ويقول: أطعموا عبادي؛ فيطعمون. ويقول: اسقوا عبادي؛ فيسقون. ويقول: طيبوا عبادي؛ فيطيبون. ثم يقول: ماذا تريدون؟ فيقولون: ربنا رضوانك. قال: يقول: رضيت عنكم. ثم يأمرهم فينطلقون، وتصعد الحور العين الغرف وهي من زمردة خضراء، ومن ياقوتة حمراء)) (٣).

стр. 60

باب آداب الصيام لا ينبغي أن تقتصر على صوم رمضان فتترك التجارة بالنوافل، وكسب الدرجات العالية في الفراديس، فتتحسر إذا نظرت إلى منازل الصائمين، كما تنظر إلى الكواكب الدرية وهم في أعلى عليين. والأيام الفاضلة التي شهدت الأخبار بشرفها وفضلها وبجزالة الثواب في صيامها: يوم عرفة لغير الحاج، ويوم عاشوراء، والعشر الأول من ذي الحجة، والمحرم، وشعبان، وهذه في السنة. وأما في الشهر: فأول الشهر وأوسطه وآخره، والأيام البيض وهي: الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر. وأما في الأسبوع فيوم الاثنين والخميس. واعلم أن ((أحب الصيام إلى الله صيام داود ﷺ ، كان يصوم يومًا ويفطر يومًا)) (١). ولا تظن إذا صمت أن الصوم هو ترك الطعام والشراب والوقاع فقط، فقد قال ﷺ : ((رُبَّ صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش)) (٢)، بل تمام الصوم بكف الجوارح كلها عما يكرهه الله تعالى، فينبغي أن تحفظ العين عن النظر إلى المكاره، واللسان عن النطق بما لا يعنيك، والأذن عن الاستماع إلى ما حرمه الله كالغيبة؛ فإن المستمع شريك القائل وهو أحد المغتابين، وكذلك تكف جميع الجوارح كما تكف البطن والفرج؛ فقد قال ﷺ : ((الصيام جُنَّة، فإذا كان

стр. 61

أحدكم صائمًا فلا يرفث ولا يجهل. فإن امرؤ قاتله أو شاتمه فليقل: إني صائم. إني صائم)) (١). وقال النبي ﷺ : ((من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه)) (٢). وقال جابر بن عبد الله ﵄: ((إذا صمت فليصم سمعك، وبصرك، ولسانك عن الكذب والمأثم، ودع أذى الجار، وليكن عليك وقار وسكينة يوم صيامك، ولا تجعل يوم فطرك ويوم صومك سواء)) (٣). أهلُ الخصوصِ من الصُّوامِ صومهمُ ... صون اللسانِ عن البهتانِ والكذبِ والعارفون وأهلُ الأنسِ صومهمُ ... صون القلوبِ عن الأغيارِ والحُجُبِ ثم اجتهد أن تفطر على طعام حلال، ولا تستكثر فتزيد على ما تأكله كل ليلة لأجل صيامك، فلا فرق إذا استوفيت ما تعتاد أن تأكله دفعتين في دفعة واحدة، وإنما المقصود بالصيام كسر شهوتك وتضعيف قوتك؛ لتقوى بها على التقوى. فإذا أكلت عشية ما تداركت به ما فاتك ضحوة فلا فائدة في صومك، وقد ثقلت عليك معدتك وما وعاء يملأ أبغض إلى الله تعالى من بطن ملئ من حلال، فكيف إذا ملئ من حرام. واعلم أن ((للصوم تأثيرًا عجيبًا في حفظ الجوارح الظاهرة، والقوى الباطنة، وحميتها عن التخليط الجالب لها المواد الفاسدة التي إذا استولت عليها أفسدتها، واستفراغ المواد الرديئة المانعة لها من صحتها.

стр. 62

فالصوم يحفظ على القلب والجوارح صحتها، ويعيد إليها ما استلبته منها أيدي الشهوات، فهو من أكبر العون على التقوى؛ كما قال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون﴾ [البقرة: ١٨٣])) (١). فإذا عرفت معنى الصوم فاستكثر منه ما استطعت؛ فإنه أساس العبادات، ومفتاح القربات، قال رسول الله ﷺ : ((كل عمل ابن آدم يضاعف الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، قال الله تعالى: إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به، يدع شهوته وطعامه من أجلي، للصائم فرحتان: فرحة عند فطره، وفرحة عند لقاء ربه، ولخُلُوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك)) (٢). وقال ﷺ : ((إن في الجنة بابًا يقال له الريان، يدخل منه الصائمون يوم القيامة لا يدخل منه أحد غيرهم، يقال: أين الصائمون؟ فيدخلون منه، فإذا دخل آخرهم أغلق فلم يدخل منه أحد)) (٣). وقال رسول الله ﷺ : ((الصيام جُنَّة من النار، كَجُنَّة أحدكم من القتال، وصيامٌ حسنٌ ثلاثة أيام من كل شهر)) (٤). وقال ﷺ : ((الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة يقول الصيام: أي رب منعته الطعام والشهوات بالنهار فشفعني فيه، ويقول القرآن: منعته النوم بالليل فشفعني فيه)) قال: ((فيُشَفَّعَان)) (٥).

стр. 63

وقال ﷺ : ((ما من عبد يصوم يومًا في سبيل الله تعالى إلا باعد الله بذلك اليوم وجهه عن النار سبعين خريفًا)) (١). وقال ﷺ : ((من صام يومًا في سبيل الله جعل الله بينه وبين النار خندقًا كما بين السماء والأرض)) (٢). وعن أبي أمامة ﵁ قال: قلت: يا رسول الله مُرْنِي بعمل، قال: ((عليك بالصوم فإنه لا عِدْلَ له))، قلت: يا رسول الله مرني بعمل، قال: ((عليك بالصوم فإنه لا عدل له)) (٣). واعلم أن للصوم سننًا، منها: السحور ويستحب تأخيره، وتعجيل الفطر، ويستحب أن يفطر الصائم على رطبات، فإن لم تكن رطبات فعلى تمرات، فإن لم تكن حسا حسوات من الماء، ولا ينبغي أن يغفل عن هذا الدعاء عند فطره: ((ذهب الظمأ، وابتلت العروق، وثبت الأجر إن شاء الله)) (٤). - - - وبعد: فهذا القدر من شرح الطاعات يكفيك من بداية الهداية، فإذا احتجت إلى الزكاة والحج أو إلى مزيد شرح الصلاة والصيام فاطلب ذلك في مظانه من كتب القوم.

стр. 64

القسم الثاني القول في اجتناب المعاصي

стр. 65

توطئة اعلم أن للدين شطرين: أحدهما: ترك المناهي. والآخر: فعل الطاعات. وترك المناهي هو الأشد؛ فإن الطاعات يقدر عليها كل أحد، وترك الشهوات لا يقدر عليه إلا الصديقون، فلذلك قال رسول الله ﷺ : ((المهاجر من هجر السوء)) (١)، ((والمجاهد من جاهد نفسه)) (٢). واعلم أنك إنما تعصي الله بجوارحك، وهي نعمة من الله عليك وأمانة لديك، فاستعانتك بنعمة الله على معصيته غاية الكفران، وخيانتك في أمانة استودعها الله غاية الطغيان، فأعضاؤك رعاياك فانظر كيف ترعاها، فكلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته. واعلم أن جميع أعضائك ستشهد عليك في عرصات القيامة بلسان طلق ذلق، تفضحك به على رؤوس الخلائق، قال الله تعالى: ﴿يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون﴾ [النور: ٢٤]، وقال الله تعالى: ﴿اليوم نختم على أفواههم وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون﴾ [يس: ٦٥]. فاحفظ يا مسكين جميع بدنك من المعاصي، وخصوصاً أعضاءك السبعة فإن جهنم لها سبعة أبواب لكل باب منهم جزء مقسوم، ولا يتعين لتلك الأبواب إلا من عصا الله تعالى بهذه الأعضاء السبعة وهي: - العين. - والأذن.

стр. 66

- واللسان - والبطن. - والفرج. - واليد. - والرجل.

стр. 67

آداب العين أما العين: فإنما خلقت لك لتهتدي بها في الظلمات، وتستعين بها في الحاجات، وتنظر بها إلى عجائب ملكوت الأرض والسماوات، وتعتبر بما فيها من الآيات، فاحفظها عن أربع: ١ - أن تنظر بها إلى غير محرم. ٢ - أو إلى صورة مليحة بشهوة نفس. ٣ - أو تنظر بها إلى مسلم بعين الاحتقار. ٤ - أو تطلع بها على عيب مسلم.

стр. 68

آداب الأذن وأما الأذن: فاحفظها عن أن تصغي بها إلى البدعة أو الغيبة أو الفحش أو الخوض في الباطل أو ذكر مساوئ الناس؛ فإنما خلقت لك لتسمع بها كلام الله تعالى، وسنة رسول الله ﷺ ، وحكمة أوليائه، وتتوصل باستفادة العلم بها إلى الملك المقيم والنعيم الدائم في جوار رب العالمين. فإذا أصغيت بها إلى شيء من المكاره؛ صار ما كان لك عليك، وانقلب ما كان سبب فوزك سبب هلاكك، وهذا غاية الخسران. ولا تظنن أن الإثم يختص به القائل دون المستمع؛ فقد قال تعالى: ﴿وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذاً مثلهم﴾ [النساء: ١٤٠] أي: إن قعدتم معهم.

стр. 69

آداب اللسان وأما اللسان: فإنما خلق لتكثر به ذكر الله تعالى وتلاوة كتابه، وترشدن به خلق الله تعالى إلى طريقه، وتظهر به ما في ضميرك من حاجات دينك ودنياك، فإذا استعملته في غير ما خلق له فقد كفرت نعمة الله تعالى فيه، وهو أغلب أعضائك عليك وعلى سائر الخلق، فـ ((أكثر خطايا ابن آدم في لسانه)) (١)، ((وهل يكب الناسَ في النار على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم؟)) (٢) كذا قال رسول الله ﷺ . فاستظهر على لسانك بغاية قوتك حتى لا يكبك في قعر جهنم، ففي الخبر: ((إن العبد ليتكلم بالكلمة ما يتبين ما فيها يهوي بها في النار أبعد ما بين المشرق والمغرب)) (٣). ... ولله در من قال: احفظ لسانك أيها الإنسان ... لا يلدغنك إنه ثعبان كم في المقابر من قتيل لسانه ... قد كان هاب لقاءه الشجعان فاحفظ لسانك من ثمانية:

стр. 70

الأول: الكذب فاحفظ منه لسانك في الجِد والهزل، ولا تعود لسانك الكذب هزلاً فيتداعى إلى الجد، والكذب من أمهات الكبائر، ثم إنك إذا عُرفت بذلك سقطت عدالتك والثقة بقولك، وتزدريك الأعين وتحتقرك، وإذا أردت أن تعرف قبح الكذب من نفسك فانظر إلى كذب غيرك، وإلى نفرة نفسك عنه، واستحقارك لصاحبه واستقباحك له. وكذلك فافعل في جميع عيوب نفسك، فإنك لا ترى قبح عيوبك من نفسك بل من غيرك، فما استقبحته من غيرك يستقبحه غيرك منك لا محالة، فلا ترض لنفسك ذلك. وقد قال النبي ﷺ : ((إياكم والكذب؛ فإن الكذب يهدي إلى الفجور. وإن الفجور يهدي إلى النار. وما يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابًا)) (١). ولله در من قال: لا يكذب المرء إلا من مهانته ... أو فِعْلِهِ السوءَ أو مِن قلةِ الأدبِ لَبَعْضُ جيفة كلبٍ خير رائحة ... من كِذبة المرء في جِدٍّ وفي لعبِ فإياك والكذب؛ فإنه مَهْواة، وعليك بالصدق؛ فإنه منجاة: عليك بالصدق ولو أنه ... أحرقك الصدق بنار الوعيدْ وابغ رضا المولى فأغبى الورى ... مَن أسخط المولى وأرضى العبيدْ ****

стр. 71

الثاني: الخلف في الوعد فإياك أن تعد بشيء ولا تفي به، بل ينبغي أن يكون إحسانك إلى الناس فعلاً بلا قول، فإن اضطررت إلى الوعد فإياك أن تخلف إلا لعجز أو ضرورة؛ فإن ذلك من أمارات النفاق، وخبائث الأخلاق. عن عبد الله بن عمرو بن العاصي (١) ﵄ قال: قال النبي ﷺ : ((أربع من كن فيه كان منافقاً خالصاً، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر)) (٢). وقال بعضهم: لا كَلَّف الله نفسًا فوق طاقتها ... ولا تجودُ يدٌ إلا بما تجدُ فلا تَعِدْ عِدَةً إلا وَفَّيْتَ بها ... واحذرْ خلافَ مقالٍ للذي تَعِدُ وقال آخر: إذا قلتَ في شيء: نعم فَأَتِمَّهُ ... فإن نَعَمْ دّيْنٌ على الحُرِّ واجبُ وإلا فقل: لا؛ تسترحْ وتُرِح بها ... لئلا يقولَ الناسُ: إنك كاذبُ وقال ثالث: لئن جمعت الآفات فالبخل شرها ... وشر مِن البخل المواعيد والمطلُ ولا خير في وعد إذا كان كاذبًا ... ولا خير في قول إذا لم يكن فعلُ ****

стр. 72

الثالث: الغِيبة فاحفظ لسانك عن الغِيبة، والغيبة من كبائر الذنوب، وإثمها عظيم، وخطرها جسيم، وقد سماها الله في كتابه مكرًا، فقال (سبحانه): ﴿فلما سمعت بمكرهن﴾ [يوسف: ٣١]. ومعنى الغيبة: أن تذكر إنساناً بما يكرهه لو سمعه، فأنت مغتاب ظالم وإن كنت صادقاً. وقد روى الإمام أحمد ﵀ في "مسنده" (٢/ ٣٨٤، ٣٨٦)، ومسلم في "صحيحه" (٢٥٨٩)، وأبو داود في "سننه" (٤٨٧٤)، والترمذي في "جامعه" (١٩٣٤)، والدارمي في "مسنده" (٢٧١٤)، وأبو يعلى في "مسنده" (٦٥٣٢)، وابن حبان في "صحيحه" (٥٧٥٨، ٥٧٥٩ - إحسان) وغيرهم من حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((أتدرون ما الغِيبة؟)). قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: ((ذِكْرُكَ أخاك بما يكره)). قيل: أفرأيتَ إن كان في أخي ما أقول؟ قال: ((إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته. وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بَهَتَّهُ)). وقد روى الحافظ ابن أبي الدنيا ﵀ في آخر كتاب "الصمت وآداب اللسان" عن التابعي الجليل محمد بن سيرين ﵀ أنه قال: ((إذا قلت لأخيك مِن خلفه ما فيه مما يكره فهي الغِيبة. وإذا قلت ما ليس فيه فهو البهتان. وظلم لأخيك أن تذكره بأقبح ما تعلم منه وتنسى أحسنه)). احفظ لسانك أيها الإنسانُ ... لا يَلْدَغَنَّك إنه ثعبانُ كم في المقابر مِن قتيل لسانِهِ ... كانت تهاب لقاءَه الشجعانُ

стр. 73

وإياك وغيبةَ القراء المرائين، وهو: أن تفهم المقصود من غير تصريح، فتقول: أصلحه الله فقد ساءني وغمني ما جرى عليه فنسأل الله تعالى أن يصلحنا وإياه!. فإن هذا جمع بين خبيثين، أحدهما: الغيبة إذا حصل به التفهم، والآخر: تزكية النفس والثناء عليها بالتجريح لغيرك والصلاح لنفسك، ولكن إن كان مقصودك من قولك: أصلحه الله الدعاء، فادع له في السر، وإن اغتممت بسببه، فعلامته أنك لا تريد فضيحته وإظهار عيبه، وفي إظهارك الغم بعيبه إظهار تعييبه، ويكفيك زاجراً عن الغيبة قوله تعالى: ﴿وَلا يَغتَب بَعضُكُم بَعضًا أَيُحِبُ أَحَدُكُم أَن يَأكلَ لَحمَ أخيهِ مَيتًا فَكَرِهتُموه﴾ [الحجرات: ١١]؛ فقد شبهك الله بآكل لحم الميتة، فما أجدرك أن تحترز منها. ويمنعك عن الغيبة أمر لو تفكرت فيه، وهو: أن تنظر في نفسك، هل فيك عيب ظاهر أو باطن؟ وهل أنت مقارف معصية سرًا أو جهرًا؟. فإذا عرفت ذلك من نفسك فاعلم أن عجزه عن التنزه عما نسبته إليه كعجزك، وعذره كعذرك، وكما تكره أن تفتضح وتُذكر عيوبك فهو أيضًا يكرهه، فإن سترته ستر الله عليك عيوبك، وإن فضحته سلط الله عليك ألسنة حدادًا يمزقون عرضك في الدنيا، ثم يفضحك الله في الآخرة على رؤوس الخلائق يوم القيامة، وإياك أن تظهر الشماتة لأخيك، فيرحمه الله ويبتليك. وإن نظرت إلى ظاهرك وباطنك فلم تطلع فيهما على عيب ونقص في دين ولا دنيا، فاعلم أن جهلك بعيوب نفسك أقبح أنواع الحماقة، ولا عيب أعظم من الحمق، ولو أراد الله بك خيرًا لبصرك بعيوب نفسك، فرؤيتك نفسك بعين الرضا غاية غباوتك وجهلك، ثم إن كنت صادقًا في ظنك فاشكر الله - تعالى وتقدس- عليه، ولا تفسده بثلب الناس والتمضمض بأعراضهم، فإن ذلك من أعظم العيوب.

стр. 74

فإن عبت قوماً بالذي فيك مثله ... فكيف يعيب الناس من هو أعور وإن عبت قوماً بالذي ليس فيهم ... فذلك عند الله والناس أكبر ****

стр. 75

الرابع: المراء والجدال ومناقشة الناس في الكلام فذلك فيه إيذاء للمخاطب وتجهيل له وطعن فيه، وفيه ثناء على النفس وتزكية لها بمزيد الفطنة والعلم، ثم هو مشوش للعيش؛ فإنك لا تمارى سفيهًا إلا ويؤذيك، ولا تماري حليمًا إلا ويقليك ويحقد عليك؛ وقد قال ﷺ : ((أنا زعيم بيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقًا، وببيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب وإن كان مازحًا، وببيت في أعلى الجنة لمن حسن خلقه)) (١). ولا ينبغي أن يخدعك الشيطان ويقول لك: أظهر الحق ولا تداهن فيه، فإن للشيطان دأبًا يستجر الحمقى إلى الشر في معرض الخير، فلا تكن ضُحكةً للشيطان فيسخر منك، فإظهار الحق حسنٌ مع من يقبله منك، وذلك بطريق النصيحة في الخفية لا بطريق المماراة. وللنصيحة صفة وهيئة، ويُحتاج فيها إلى تلطف، وإلا صارت فضيحة وكان فسادها أكثر من صلاحها. ولله در الإمام الشافعي ﵀ حيث يقول: ((من وعظ أخاه سراً فقد نصحه وزانه، ومن وعظه علانية فقد فضحه وشانه))، وقال أيضاً: تعمدني بنصحك في انفرادي ... وجنبني النصيحة في الجماعة فإن النصح بين الناس نوع ... من التوبيخ لا أرضى استماعه وإن خالفتني وعصيت قولي ... فلا تجزع إذا لم تعط طاعه ومن خالط متفقهة العصر غلب على طبعه المراء والجدال، وعسر عليه الصمت؛ إذ ألقى إليه علماء السوء أن ذلك هو الفضل، والقدرة على المحاجة والمناقشة هو الذي يمتدح به، ففر منهم فرارك من الأسد، واعلم أن المراء سبب المقت عند الله وعند الخلق. ****
следующие страницы →