← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 37549

بلوغ الغاية من تهذيب بداية الهداية

وائل حافظ خلف

Полный текст (113 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

الثاني: الخلف في الوعد فإياك أن تعد بشيء ولا تفي به، بل ينبغي أن يكون إحسانك إلى الناس فعلاً بلا قول، فإن اضطررت إلى الوعد فإياك أن تخلف إلا لعجز أو ضرورة؛ فإن ذلك من أمارات النفاق، وخبائث الأخلاق. عن عبد الله بن عمرو بن العاصي (١) ﵄ قال: قال النبي ﷺ : ((أربع من كن فيه كان منافقاً خالصاً، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر)) (٢). وقال بعضهم: لا كَلَّف الله نفسًا فوق طاقتها ... ولا تجودُ يدٌ إلا بما تجدُ فلا تَعِدْ عِدَةً إلا وَفَّيْتَ بها ... واحذرْ خلافَ مقالٍ للذي تَعِدُ وقال آخر: إذا قلتَ في شيء: نعم فَأَتِمَّهُ ... فإن نَعَمْ دّيْنٌ على الحُرِّ واجبُ وإلا فقل: لا؛ تسترحْ وتُرِح بها ... لئلا يقولَ الناسُ: إنك كاذبُ وقال ثالث: لئن جمعت الآفات فالبخل شرها ... وشر مِن البخل المواعيد والمطلُ ولا خير في وعد إذا كان كاذبًا ... ولا خير في قول إذا لم يكن فعلُ ****

стр. 72

الثالث: الغِيبة فاحفظ لسانك عن الغِيبة، والغيبة من كبائر الذنوب، وإثمها عظيم، وخطرها جسيم، وقد سماها الله في كتابه مكرًا، فقال (سبحانه): ﴿فلما سمعت بمكرهن﴾ [يوسف: ٣١]. ومعنى الغيبة: أن تذكر إنساناً بما يكرهه لو سمعه، فأنت مغتاب ظالم وإن كنت صادقاً. وقد روى الإمام أحمد ﵀ في "مسنده" (٢/ ٣٨٤، ٣٨٦)، ومسلم في "صحيحه" (٢٥٨٩)، وأبو داود في "سننه" (٤٨٧٤)، والترمذي في "جامعه" (١٩٣٤)، والدارمي في "مسنده" (٢٧١٤)، وأبو يعلى في "مسنده" (٦٥٣٢)، وابن حبان في "صحيحه" (٥٧٥٨، ٥٧٥٩ - إحسان) وغيرهم من حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((أتدرون ما الغِيبة؟)). قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: ((ذِكْرُكَ أخاك بما يكره)). قيل: أفرأيتَ إن كان في أخي ما أقول؟ قال: ((إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته. وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بَهَتَّهُ)). وقد روى الحافظ ابن أبي الدنيا ﵀ في آخر كتاب "الصمت وآداب اللسان" عن التابعي الجليل محمد بن سيرين ﵀ أنه قال: ((إذا قلت لأخيك مِن خلفه ما فيه مما يكره فهي الغِيبة. وإذا قلت ما ليس فيه فهو البهتان. وظلم لأخيك أن تذكره بأقبح ما تعلم منه وتنسى أحسنه)). احفظ لسانك أيها الإنسانُ ... لا يَلْدَغَنَّك إنه ثعبانُ كم في المقابر مِن قتيل لسانِهِ ... كانت تهاب لقاءَه الشجعانُ

стр. 73

وإياك وغيبةَ القراء المرائين، وهو: أن تفهم المقصود من غير تصريح، فتقول: أصلحه الله فقد ساءني وغمني ما جرى عليه فنسأل الله تعالى أن يصلحنا وإياه!. فإن هذا جمع بين خبيثين، أحدهما: الغيبة إذا حصل به التفهم، والآخر: تزكية النفس والثناء عليها بالتجريح لغيرك والصلاح لنفسك، ولكن إن كان مقصودك من قولك: أصلحه الله الدعاء، فادع له في السر، وإن اغتممت بسببه، فعلامته أنك لا تريد فضيحته وإظهار عيبه، وفي إظهارك الغم بعيبه إظهار تعييبه، ويكفيك زاجراً عن الغيبة قوله تعالى: ﴿وَلا يَغتَب بَعضُكُم بَعضًا أَيُحِبُ أَحَدُكُم أَن يَأكلَ لَحمَ أخيهِ مَيتًا فَكَرِهتُموه﴾ [الحجرات: ١١]؛ فقد شبهك الله بآكل لحم الميتة، فما أجدرك أن تحترز منها. ويمنعك عن الغيبة أمر لو تفكرت فيه، وهو: أن تنظر في نفسك، هل فيك عيب ظاهر أو باطن؟ وهل أنت مقارف معصية سرًا أو جهرًا؟. فإذا عرفت ذلك من نفسك فاعلم أن عجزه عن التنزه عما نسبته إليه كعجزك، وعذره كعذرك، وكما تكره أن تفتضح وتُذكر عيوبك فهو أيضًا يكرهه، فإن سترته ستر الله عليك عيوبك، وإن فضحته سلط الله عليك ألسنة حدادًا يمزقون عرضك في الدنيا، ثم يفضحك الله في الآخرة على رؤوس الخلائق يوم القيامة، وإياك أن تظهر الشماتة لأخيك، فيرحمه الله ويبتليك. وإن نظرت إلى ظاهرك وباطنك فلم تطلع فيهما على عيب ونقص في دين ولا دنيا، فاعلم أن جهلك بعيوب نفسك أقبح أنواع الحماقة، ولا عيب أعظم من الحمق، ولو أراد الله بك خيرًا لبصرك بعيوب نفسك، فرؤيتك نفسك بعين الرضا غاية غباوتك وجهلك، ثم إن كنت صادقًا في ظنك فاشكر الله - تعالى وتقدس- عليه، ولا تفسده بثلب الناس والتمضمض بأعراضهم، فإن ذلك من أعظم العيوب.

стр. 74

فإن عبت قوماً بالذي فيك مثله ... فكيف يعيب الناس من هو أعور وإن عبت قوماً بالذي ليس فيهم ... فذلك عند الله والناس أكبر ****

стр. 75

الرابع: المراء والجدال ومناقشة الناس في الكلام فذلك فيه إيذاء للمخاطب وتجهيل له وطعن فيه، وفيه ثناء على النفس وتزكية لها بمزيد الفطنة والعلم، ثم هو مشوش للعيش؛ فإنك لا تمارى سفيهًا إلا ويؤذيك، ولا تماري حليمًا إلا ويقليك ويحقد عليك؛ وقد قال ﷺ : ((أنا زعيم بيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقًا، وببيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب وإن كان مازحًا، وببيت في أعلى الجنة لمن حسن خلقه)) (١). ولا ينبغي أن يخدعك الشيطان ويقول لك: أظهر الحق ولا تداهن فيه، فإن للشيطان دأبًا يستجر الحمقى إلى الشر في معرض الخير، فلا تكن ضُحكةً للشيطان فيسخر منك، فإظهار الحق حسنٌ مع من يقبله منك، وذلك بطريق النصيحة في الخفية لا بطريق المماراة. وللنصيحة صفة وهيئة، ويُحتاج فيها إلى تلطف، وإلا صارت فضيحة وكان فسادها أكثر من صلاحها. ولله در الإمام الشافعي ﵀ حيث يقول: ((من وعظ أخاه سراً فقد نصحه وزانه، ومن وعظه علانية فقد فضحه وشانه))، وقال أيضاً: تعمدني بنصحك في انفرادي ... وجنبني النصيحة في الجماعة فإن النصح بين الناس نوع ... من التوبيخ لا أرضى استماعه وإن خالفتني وعصيت قولي ... فلا تجزع إذا لم تعط طاعه ومن خالط متفقهة العصر غلب على طبعه المراء والجدال، وعسر عليه الصمت؛ إذ ألقى إليه علماء السوء أن ذلك هو الفضل، والقدرة على المحاجة والمناقشة هو الذي يمتدح به، ففر منهم فرارك من الأسد، واعلم أن المراء سبب المقت عند الله وعند الخلق. ****

стр. 76

الخامس: تزكية النفس فقد قال الله تعالى: ﴿فَلا تُزَكوا أَنفُسَكُم هَو أَعلَمُ بِمَن اِتقى﴾ [النجم: ٣٢]. وقيل لبعض الحكماء: ما الصدق القبيح؟! فقال: ((ثناء المرء على نفسه)). فإياك أن تتعود ذلك، واعلم أن ذلك ينقص من قدرك عند الناس ويوجب مقتك عند الله تعالى، فإذا أردت أن تعرف أن ثناءك على نفسك لا يزيد في قدرك عند غيرك، فانظر إلى أقرانك إذا أثنوا على أنفسهم بالفضل والجاه والمال كيف يستنكره قلبك عليهم ويستثقله طبعك؟ وكيف تذمهم عليه إذا فارقتهم؟! فاعلم أنهم أيضًا في حال تزكيتك لنفسك يذمونك في قلوبهم ناجزًا، وسيظهرونه بألسنتهم إذا فارقتهم. ****

стр. 77

السادس: اللعن فإياك أن تلعن شيئًا مما خلق الله تعالى من حيوان أو طعام أو إنسان بعينه، ولا تقطع بشهادتك على أحد من أهل القبلة بشرك أو كفر أو نفاق، فإن المطلع على السرائر هو الله تعالى، فلا تدخل بين العباد وبين الله تعالى، واعلم أنك يوم القيامة لا يقال لك: لِم لمَ تلعن فلانًا ولم سكت عنه؟!. بل لو لم تعلن إبليس طول عمرك ولم تشغل لسانك بذكره لم تُسأل عنه ولم تطالب به يوم القيامة، وإذا لعنت أحدًا من خلق الله تعالى طُولبت به. ولا تذم شيئًا مما خلق الله تعالى، فقد كان النبي ﷺ لا يذم الطعام الرديء قط، بل كان إذا اشتهى شيئًا أكله وإلا تركه (١). ****

стр. 78

السابع: الدعاء على الخلق فاحفظ لسانك عن الدعاء على أحد من خلق الله تعالى، وإن ظلمك فكل أمره إلى الله تعالى، وإن المظلوم ليدعو على ظالمه حتى يكافئه، ثم يبقى للظالم فضل عنده يطالب به يوم القيامة. وطول بعض الناس لسانه على الحجّاج بن يوسف، فقال بعض السلف: ((إن الله لينتقم للحجاج ممن تعرض له بلسانه، كما ينتقم من الحجاج لمن ظلمه)). ****

стр. 79

الثامن: المزاح (١) والسخرية والاستهزاء بالناس فاحفظ لسانك منه في الجد والهزل، فإنه يريق ماء الوجه، ويسقط المهابة، ويستجر الوحشة، ويؤذي القلوب، وهو مبدأ اللجاج والغضب والتصارم، ويغرس الحقد في القلوب، فلا تمازح أحدًا، فإن مازحوك فلا تجبهم وأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره، وكن من الذين إذا مروا باللغو مروا كرامًا. فهذه مجامع آفات اللسان، ولا يعينك عليه إلا العزلة أو ملازمة الصمت إلا بقدر الضرورة، فقد كان أبو بكر الصديق ﵁ يضع حجرًا في فيه ليمنعه ذلك من الكلام بغير ضرورة. ورآه عمر بن الخطاب ﵁ وهو يمد لسانه، فقال له عمر ﵁: ما تصنع يا خليفة رسول الله؟!. فقال أبو بكر

стр. 80

(﵁: إن هذا أوردني الموارد. إن رسول الله ﷺ قال: ((ليس شيء من الجسد إلا وهو يشكو إلى الله اللسان على حدته)) (١). فاحترز منه بجهدك فإنه أقوى أسباب هلاكك في الدنيا والآخرة، ولله در ابن مسعود ﵁ حين كان يخاطب لسانه قائلاً: ((يا لسان! قل خيراً تغنم، واسكت عن شر تسلم، قبل أن تندم)) (٢). وكان ﵁ يقول: ((والذي لا إله غيره ما على ظهر الأرض من شيء أحوج إلى طولِ سجنٍ من لسانٍ)) (٣). *******

стр. 81

آداب البطن وأما البطن: فاحفظه من تناول الحرام والشبهة، واحرص على طلب الحلال، فإذا وجدته فاحرص على أن تقتصر منه على ما دون الشبع؛ فإن الشبع يقسي القلب، ويفسد الذهن، ويبطل الحفظ، ويثقل الأعضاء عن العبادة والعلم، ويقوي الشهوات، وينصر جنود الشيطان. والشبع من الحلال مبدأ كل شر، فكيف من الحرام؟! وطلب الحلال فريضة على كل مسلم، والعبادة والعلم مع أكل الحرام كالبناء على السرجين (١). واعلم أن الحلال كثير، وليس عليك أن تتيقن بواطن الأمور، بل عليك أن تحترز مما تعلم أنه حرام، أو تظن أنه حرام ظناً حصل من علامة ناجزة مقرونة بالمال، أما المعلوم فظاهر، وأما المظنون بعلامة فهو مال السلطان وعماله، ومال من لا كسب له إلا من النياحة أو بيع الخمر أو الربا أو المزامير وغير ذلك من آلات اللهو المحرمة، فإن من علمت أن أكثر ماله حرام قطعًا فما تأخذه من يده ـ وإن أمكن أن يكون حلالًا نادرًا ـ فهو حرام؛ لأنه الغالب على الظن.

стр. 82

آداب الفرج وأما الفرج: فاحفظه عن كل ما حرم الله تعالى، وكن كما قال الله: ﴿وَالذَينَ هُم لِفُروجِهم حافِظون * إِلاّ عَلى أَزواجِهِم أَو ما مَلَكَت أَيمانُهُم غَيرُ مَلومين﴾ [المؤمنون: ٥ - ٦] (١). ولا تصل إلى حفظ الفرج إلا بحفظ العين عن النظر، وحفظ القلب عن التفكر، وحفظ البطن عن الشبهة وعن الشبع، فإن هذه محركات للشهوة ومغارسها. *******

стр. 83

آداب اليدين وأما اليدان: فاحفظهما عن أن تضرب بهما مسلمًا، أو تتناول بهما مالاً حرامًا، أو تؤذي بهما أحدًا من الخلق، أو تخون بهما في أمانة أو وديعة، أو تكتب بهما ما لا يجوز النطق به؛ فإن القلم أحد اللسانين، فاحفظ القلم عما يجب حفظ اللسان عنه. وما من كاتب إلا سيفنى ... ويبقي الدهر ما كتبت يداه فلا تكتب بخطك غير شيء ... يسرك في القيامة أن تراه *******

стр. 84

آداب الرجلين وأما الرجلان: فاحفظهما عن أن تمشي بهما إلى حرام، أو تسعى بهما إلى باب سلطان ظالم، فإن المشيَ إلى السلاطين الظلمة من غير ضرورة وإرهاق معصيةٌ كبيرة، فإنه تواضع وإكرام لهم على ظلمهم. وقد أمر الله تعالى بالإعراض عنهم في قوله تعالى: ﴿وَلا تَركَنوا إِلى الَّذينَ ظَلَموا فَتَمَسَكُم النار﴾ [هود: ١١٣]، وهو تكثير لسوادهم، وإن كان ذلك لسبب طلب مالهم؛ فهو سعى إلى حرام، وقد قال ﷺ : ((من بدا جفا، ومن اتبع الصيد غفل، ومن أتى أبواب السلطان افتتن، وما ازداد عبد من السلطان قربًا؛ إلا ازداد من الله بعدًا)) (١). وعلى الجملة فحركاتك وسكناتك بأعضائك نعمة من نعم الله تعالى عليك، فلا تحرك شيئًا منها في معصية الله تعالى أصلاً، واستعملها في طاعة الله تعالى. واعلم أنك إن قصرت فعليك وباله، وإن شمرت فإليك تعود ثمرته، والله غني عنك وعن عملك، وإنما كل نفس بما كسبت رهينة، وإياك أن تقول: إن الله كريم رحيم يغفر الذنوب للعصاة؛ فإن هذه كلمة حق أريد بها باطل، وصاحبها عاجز متواكل. واعلم أن قولك هذا يضاهي قول من يريد أن يكون فقيهًا في علوم الدين من غير أن يدرس علمًا، واشتغل بالبطالة وقال: إن الله كريم رحيم قادر على أن يفيض على قلبي من العلوم ما أفاضه على قلوب أنبيائه وأوليائه من غير

стр. 85

جهد وتكرار وتعلم!، وهو كقول من يريد مالاً فترك الحراثة والتجارة والكسب وتعطل وقال: إن الله كريم رحيم وله خزائن السموات والأرض، وهو قادر على أن يطلعني على كنز من كنوزه أستغني به عن الكسب فقد فعل ذلك لبعض عباده!، فأنت إذا سمعت كلام هذين الرجلين استحمقتهما وسخرت منهما، وإن كان ما وصفاه من كرم الله تعالى وقدرته صدقًا وحقًا، فكذلك يضحك عليك أرباب البصائر في الدين إذا طلبت المغفرة بغير سعى لها والله تعالى يقول: ﴿وَأَن لَيسَ لِلإِنسان إِلا ما سَعى﴾ [النجم: ٣٩]، ويقول: ﴿إِنَما تُجزونَ ما كُنتُم تَعملون﴾ [الطور: ١٦]، ويقول: ﴿إنّ الأَبرارَ لَفي نَعيم * وَإنّ الفُجارَ لَفي جَحيم﴾ [الانفطار: ١٣ - ١٤]. فإذا لم تكن تترك السعي في طلب العلم والمال اعتمادًا على كرمه؛ فكذلك لا تترك التزود للآخرة ولا تفتر؛ فإن رب الدنيا والآخرة واحد، وهو فيهما كريم رحيم، وليس يزيد له كرم بطاعتك، وإنما كرمه في أن ييسر لك طريق الوصول إلى الملك المقيم والنعيم الدائم المخلد بالصبر على ترك الشهوات أيامًا قلائل، وهذا نهاية الكرم. فلا تحدث نفسك بتهويسات البطالين، واقتد بأولي العزم والنهى من الأنبياء والصالحين، ولا تطمع في أن تحصد ما لم تزرع، وليت من صام وصلى وجاهد واتقى غُفر له ﴿والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون﴾ [المؤمنون: ٦٠]. فهذه جمل مما ينبغي أن تحفظ عنه جوارحك الظاهرة، وأعمال هذه الجوارح إنما تترشح من صفات القلب، فإن أردت حفظ الجوارح فعليك بتطهير القلب فهو تقوى الباطن، والقلب هو المضغة التي إذا صلحت صلح بها سائر الجسد، وإذا فسدت فسد بها سائر الجسد (١)، فاشتغل بإصلاحه لتصلح به جوارحك، وصلاحه يكون بملازمة المراقبة.

стр. 86

((واعلم أن مثل القلب كمثل حصن، والشيطان عدو يريد أن يدخل الحصن ويملكه ويستولي عليه، ولا يمكن حفظ الحصن إلا بحراسة أبوابه، ولا يقدر على حراسة أبوابه من لا يدري أبوابه، فحماية القلب من وساوس الشيطان واجب، ولا يتوصل إلى دفع الشيطان إلا بمعرفة مداخله؛ فصارت معرفة مداخله واجبة، ومداخل الشيطان وأبوابه صفات العبد، وهي كثيرة)) (١).

стр. 87

باب القول في معاصي القلب اعلم أن الصفات المذمومة في القلب كثيرة، وطريق تطهير القلب من رذائلها طويلة، وسبيل العلاج فيها غامض، وقد اندرس بالكلية علمه وعمله؛ لغفلة الخلق عن أنفسهم واشتغالهم بزخارف الدنيا. وتجد ذلك مبسوطًا في الكتاب الذي سميناه لك آنفاً (١)، ولكنا نحذرك ثلاثًا من خبائث القلب هي الغالبة على متفقهة العصر لتأخذ منها حذرك، فإنها مهلكات في أنفسها، وهي أمهات لجملة من الخبائث سواها: وهي الحسد، والرياء، والعجب. فاجتهد في تطهير قلبك منها، فإن قدرت عليها فتعلم كيفية الحذر من بقيتها من ربع المهلكات وربع المنجيات من الكتاب الذي ذكرناه، فإن عجزت عن هذا فأنت عن غيره أعجز. ولا تظن أنك تسلم بنية صالحة في تعلم العلم وفي قلبك شيء من الحسد والرياء والعجب، وقد قال ﷺ : ((ثلاث مهلكات: شح مطاع، وهوى متبع، وإعجاب المرء بنفسه)) (٢). *******

стр. 88

الحسد أما الحسد: فهو متشعب من الشح؛ فإن البخيل: هو الذي يبخل بما في يده على غيره. والشحيح: هو الذي يبخل بنعمة الله تعالى، وهي في خزائن قدرته تعالى لا في خزائنه على عباد الله، فشحه أعظم. والحسود: هو الذي يشق عليه إنعام الله تعالى من خزائن قدرته على عبد من عباده (١)، بعلم أو مال أو محبة في قلوب الناس أو حظ من الحظوظ، حتى أنه ليحب زوالها عنه وإن لم يحصل له بذلك شيء من تلك النعمة، فهذا منتهى الخبث، والحسود هو المعذب الذي لا يُرحم، ولا يزال في عذاب دائم في الدنيا إلى موته، ولعذاب الآخرة أشد وأكبر. بل لا يصل العبد إلى حقيقة الإيمان ما لم يحب لسائر الناس ما يحب لنفسه، بل ينبغي أن يساهم المسلمين في السراء والضراء، فالمسلمون كالبنيان الواحد يشد بعضه بعضًا، وكالجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو اشتكى سائر الجسد، فإن كنت لا تصادف هذا من قلبك فاشتغالك بطلب التخلص من الهلاك أهم من اشتغالك بنوادر الفروع وعلم الخصومات. قال بعض السلف: ((الحسد أول ذنب عُصِيَ اللهُ به في السماء (يعني: حسد إبليس لآدم ﵇، وأول ذنب عُصِيَ اللهُ به في الأرض (يعني: حسد قابيل بن آدم لأخيه هابيل حتى قتله))). وقال الفقيه السمرقندي ﵀: ((يصل إلى الحاسد خمس عقوبات قبل أن يصل حسده إلى المحسود: أولاها: غم لا ينقطع.

стр. 89

الثانية: مصيبة لا يؤجر عليها. الثالثة: مذمة لا يُحمد عليها. الرابعة: سخط الرب. الخامسة: يُغلق عنه باب التوفيق)) ا. هـ. قلت: ومن أعظم ذلك أن يُزاد في الفضل والخير للمحسود بسببه، قال الطائي: وإذا أراد الله نشر فضيلة ... طُوِيَتْ أتاح لها لسانَ حسودِ لولا اشتعالُ النارِ فيما جاورت ... ما كان يُعْرَفُ طِيبُ عَرْفِ العودِ لولا التخوف للعواقب لم تزل ... للحاسد النُّعْمى على المحسودِ ويعجبني ما أخرجه الإمام ابن حبان في "الروضة" عن الإمام العلم المفرد محمد بن سيرين ﵀ أنه قال: ((ما حسدت أحدًا على شيء مِن الدنيا؛ لأنه إن كان من أهل الجنة فكيف أحسده على شيء من الدنيا وهو يصير إلى الجنة؟! وإن كان من أهل النار فكيف أحسده على شيء من الدنيا وهو يصير إلى النار؟!)). *******

стр. 90

الرياء وأما الرياء: فهو الشرك الخفي وهو أحد الشركين، وذلك: طلب المنزلة في قلوب الخلق لتنال بها الجاه والحشمة، وحب الجاه من الهوى المتبع المهلك، وفيه هلك أكثر الناس، فما أهلك الناس إلا الناس، ولو أنصف الناس حقيقة لعلموا أن أكثر ما هم فيه من العلوم والعبادات فضلاً عن أعمال العادات ليس يحملهم عليه إلا مراءاة الناس، وهي محبطة للأعمال كما ورد في الخبر: ((إن أول الناس يُقضى يوم القيامة عليه رجل استشهد فأتي به فعرفه نعمته فعرفها قال: فما عملت فيها؟ قال: قاتلت فيك حتى استشهدت. قال: كذبت ولكنك قاتلت لأن يقال: هو جريء فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار، ورجل تعلم العلم وعلمه وقرأ القرآن فأتي به فعرفه نعمه فعرفها. قال: فما عملت فيها؟ قال تعلمت العلم وعلمته وقرأت فيك القرآن. قال: كذبت ولكنك تعلمت ليقال: عالم، وقرأت القرآن ليقال: هو قارئ فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار. ورجل وسع الله عليه، وأعطاه من أصناف المال فأتي به فعرفه نعمه فعرفها. قال: فما عملت فيها؟ قال: ما تركت من سبيل تحب أن يُنفَق فيها إلا أنفقت فيها لك. قال: كذبت ولكنك فعلت ليقال: هو جواد فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار)) (١)، ((فأولئك الثلاثة أول خلق الله تسعر بهم النار يوم القيامة)) (٢)، نسأل الله السلامة. *******

стр. 91

العجب والكبر والفخر وأما العجب والكبر والفخر: فهو الداء العضال، وهو: نظر العبد إلى نفسه بعين العز والاستعظام، وإلى غيره بعين الذل والاحتقار، ونتيجته على اللسان أن يقول: أنا وأنا (١)، كما قال إبليس اللعين: ﴿أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين﴾ [ص: ٧٦]. وثمرته في المجالس: الترفع، والتقدم، وطلب التصدر فيها. وفي المحاورة: الاستنكاف من أن يرد كلامه عليه. والمتكبر: هو الذي إن وعِظ أنف، أو وَعَظ عنَّف. فكل من رأى نفسه خيرًا من أحد من خلق الله تعالى فهو متكبر. بل ينبغي لك أن تعلم أن الخيَّر من هو خيَّر عند الله في الدار الآخرة، وذلك غيب، وهو موقوف على الخاتمة، فاعتقادك في نفسك أنك خير من غيرك جهل محض، بل ينبغي ألا تنظر إلى أحد إلا وترى أنه خير منك، وأن الفضل له على نفسك، فإن رأيت صغيرًا قلت: هذا لم يعص الله وأنا عصيته فلا شك أنه خير مني، وإن رأيت كبيرًا قلت: هذا قد عبد الله قبلي فلا شك أنه خير مني. وإن كان عالمًا قلت: هذا قد أُعطي ما لم أعط، وبلغ ما لم أبلغ، وعلم ما جهلت فكيف أكون مثله؟. وإن كان جاهلاً قلت: هذا قد عصى الله بجهل وأنا عصيته بعلم، فحجة الله عليَّ آكد وما أدري بم يختم لي وبم يختم له؟ لا أدري عسى أن يسلم ويختم له بخير

стр. 92

العمل، وعسى أن يختم لي بشر العمل؛ فيكون غدًا هو من المقربين، وأنا أكون من المبعدين. فلا يخرج الكبر من قلبك إلا بأن تعرف أن الكبير من هو كبير عند الله تعالى، وذلك موقوف على الخاتمة وهي مشكوك فيها، فيشغلك خوف الخاتمة عن أن تتكبر مع الشك فيها على عباد الله تعالى، فيقينك وإيمانك في الحال لا يناقض تجويزك التغير في الاستقبال؛ فإن الله مقلب القلوب يهدي من يشاء ويضل من يشاء (١). فتأمل أيها الراغب في العلم هذه الخصال الثلاث: الحسد، الرياء، الكبر. واعلم أن أعظم الأسباب في رسوخ هذه الخبائث في القلب: طلب العلم لأجل المباهاة والمنافسة، فالعامي بمعزل عن أكثر هذه الخصال، والمتفقه مستهدف لها وهو متعرض للهلاك بسببها، فانظر أي أمورك أهم؟! أتتعلم كيفية الحذر من هذه المهلكات وتشتغل بإصلاح قلبك وعمارة آخرتك؟ أم الأهم أن تخوض مع الخائضين فتطلب من العلم ما هو سبب زيادة الكبر والرياء والحسد والعجب حتى تهلك مع الهالكين؟! واعلم أن هذه الخصال الثلاث من أمهات خبائث القلوب، ولها مغرس واحد وهو: حب الدنيا والركون إليها، فاعلم أن الدنيا مزرعة للآخرة، فمن أخذ من الدنيا بقدر الضرورة ليستعين بها على الآخرة؛ فالدنيا مزرعته، ومن أراد الدنيا ليتنعم بها؛ فالدنيا مهلكته. فهذه نبذة يسيرة من ظاهر علم التقوى وهي بداية الهداية. فإن جربت بها نفسك وطاوعتك عليها فعليك بالاستزادة من العلم النافع، لتعرف كيفية الوصول إلى باطن التقوى.

стр. 93

وإن كنت تطلب العلم من القيل والقال والمراء والجدال؛ فما أعظم مصيبتك! وما أطول تعبك! وما أعظم حرمانك وخسرانك!!. فاعمل ما شئت فإن الدنيا التي تطلبها بالدين لا تسلم لك، والآخرة تُسلب منك، فمن طلب الدنيا بالدين خسرهما جميعًا، ومن ترك الدنيا للدين ربحهما جميعًا. فهذه جمل الهداية إلى بداية الطريق في معاملتك مع الله تعالى بأداء أوامره واجتناب نواهيه، وأشير عليك الآن بجمل من الآداب لتؤاخذ نفسك بها في مخالطتك مع عباد الله تعالى، وصحبتك معهم في الدنيا.

стр. 94

القسم الثالث القول في آداب الصحبة

стр. 95

آداب الصحبة مع الله تعالى اعلم أن صاحبك الذي لا يفارقك في حضرك وسفرك ونومك ويقظتك، بل في حياتك وموتك، هو ربك وسيدك ومولاك وخالقك، ومهما ذكرته فهو معك، إذ قال الله تعالى: ((أنا مع عبدي ما ذكرني وتحركت بي شفتاه)) (١)، ومهما انكسر قلبك حزنًا على تقصيرك في حق دينك فهو موفقك ومعينك، فلو عرفته حق معرفته لاتخذته صاحبًا وتركت الناس جانبًا، فإن لم تقدر على ذلك في جميع أوقاتك فإياك أن تخلي ليلك ونهارك عن وقت تخلو فيه لمولاك، وتتلذذ معه بمناجاتك له، وعند ذلك ينبغي لك أن تتعلم آداب الصحبة مع الله تعالى. وآدابها: غض الطرف، وجمع الهم، ودوام الصمت، وسكون الجوارح، ومبادرة الأمر، واجتناب النهي، وقلة الاعتراض على القدر، ودوام الذكر، وملازمة الفكر، وإيثار الحق على الباطل، والإياس عن الخلق، والخضوع تحت الهيبة، والانكسار تحت الحياء، والسكون عن حيل الكسب ثقة بالضمان، والتوكل على فضل الله تعالى معرفة بحسن الاختيار. وهذا كله ينبغي أن يكون شعارك في جميع ليلك ونهارك، فإنها آداب الصحبة مع صاحب لا يفارقك، والخلق كلهم يفارقونك في بعض أوقاتك. *******

стр. 96

آداب العالِم وإن كنت عالمًا فآداب العالم: سعة الاحتمال، ولزوم الحلم، والجلوس بالهيبة على سمت الوقار، مع ترك التكبر على جميع العباد إلا على الظلمة زجرًا لهم عن الظلم، وإيثار التواضع في المحافل والمجالس، وترك الهزل والدعابة، والرفق بالمتعلم، والتأني بالمتعجرف، وإصلاح البليد بحسن الإرشاد، وترك الحَرَد (١) عليه، وترك الأنفة من قول: لا أدري، وصرف الهمة إلى السائل وتفهم سؤاله، وقبول الحجة والانقياد للحق، والرجوع إليه عند الهفوة، ومنع المتعلم عن كل علم يضره، وزجره عن أن يريد بالعلم النافع غير وجه الله تعالى، وصد المتعلم عن أن يشتغل بفرض الكفاية قبل الفراغ من فرض العين ـ وفرض عينه: إصلاح ظاهره وباطنه بالتقوى ـ، ومؤاخذه نفسه أولاً بالتقوى؛ ليقتدي المتعلم أولاً بأعماله، ويستفيد ثانيًا من أقواله. *******

стр. 97

آداب المتعلم وإن كنت متعلمًا فآداب المتعلم مع العالم: أن يبدأه بالتحية والسلام، وأن يقلل بين يديه الكلام، ولا يتكلم ما لم يسأله أستاذه، ولا يسأل ما لم يستأذن أولاً، ولا يقول في معارضة قوله: قال فلان بخلاف ما قلت، ولا يشير عليه بخلاف رأيه فيرى أنه أعلم بالصواب من أستاذه، ولا يسأل جليسه في مجلسه، ولا يلتفت إلى الجوانب، بل يجلس مطرقًا ساكنًا متأدبًا، ولا يكثر عليه السؤال عند ملله، وإذا قام قام له، ولا يتبعه بكلامه وسؤاله، ولا يسيء الظن به. واعلم أن المؤمن يطلب المعاذير، والمنافق يطلب الزلات، وكان بعض السلف يتصدق وهو في طرقه لمجلس العلم ويدعو قائلاً: ((اللهم وار عني عيب شيخي)). ورُوي عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: ((من حق العالم عليك أن تُسلم على النَّاس عامة، وتخصّه دونهم بالتحية، وأن تجلس أمامه، ولا تُشيرن عنده بيدك، ولا تغمزنَّ بعينيك، ولا تقولنَّ: قال فلان خلافًا لقوله، ولا تغتابنَّ عنده أحد، ولا تسارر في مجلسه، ولا تأخذن بثوبه، ولا تُلح عليه إذا كسل، ولا تُعرض - أي: تشبع - من طول صُحبته، ولا ترفع نفسك عن خدمته، وإذا عرضت له حاجة سبقت القوم إليها، فإنما هو بمنزلة النخلة تنتظر متى يسقط عليك منها شئ)). وعلى طالب العلم أن يتحلى بالوفاء؛ فإنه من أجل خصال النبلاء، وليعلم أن ((حسن العهد من الإيمان)) (١)، وإنما يعرف الفضل لأهل الفضل ذوو الفضل. *******

стр. 98

آداب الولد مع الوالدين وإن كان لك والدان فآداب الولد مع الوالدين: أن يسمع كلامهما، ويقوم لقيامهما، ويمتثل لأمرهما، ولا يمشي أمامهما، ولا يرفع صوته فوق أصواتهما، ويلبي دعوتهما، ويحرص على مرضاتهما، ويخفض لهما جناح الذل، ولا يمن عليهما بالبر لهما، ولا بالقيام لأمرهما، ولا ينظر إليهما شزرًا (١)، ولا يقطب وجهه في وجههما، ولا يسافر إلا بإذنهما. واعلم أن الناس بعد هؤلاء في حقك ثلاثة أصناف: إما أصدقاء، وإما معاريف، وإما مجاهيل. *******

стр. 99

آداب العلاقة بالعوام المجهولين فإن بليت بالعوام المجهولين فآداب مجالستهم: ترك الخوض في حديثهم، وقلة الإصغاء إلى أراجيفهم، والتغافل عما يجري من سوء ألفاظهم، والاحتراز عن كثرة لقائهم والحاجة إليهم، والتنبيه على منكراتهم باللطف، والنصح عند رجال القبول منهم، واستعذ بالله دائماً من صحبة البطالين. *******

стр. 100

آداب العلاقة بالإخوان والأصدقاء وأما الإخوان والأصدقاء فعليك فيهم وظيفتان: الوظيفة الأولى: مراعاة شروط الصحبة فينبغي أن تطلب أولاً شروط الصحبة والصداقة، فلا تؤاخ إلا من يصلح للإخوة والصداقة، وقد قال رسول الله ﷺ : ((الرجل على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل)) (١). فإذا طلبت رفيقًا ليكون شريكك في التعلم، وصاحبك في أمر دينك ودنياك، فراعِ فيه ست خصال (٢): الأولى: العقل: فلا خير في صحبة الأحمق، فإلى الوحشة والقطيعة يرجع آخرها، وأحسن أحواله أن يضرك وهو يريد أن ينفعك، والعدو العاقل خير من الصديق الأحمق، قال علي بن أبي طالب ﵁: فَلا تَصحَب أَخا الجَهلِ ... وَإِياكَ وَإِياهُ فَكَم مِن جاهِلٍ أَردى ... حَليماً حِينَ آَخاهُ يُقاسُ المَرءُ بِالمَرءِ ... إذا ما المَرءُ ماشاهُ كَحَذو النعلِ بِالنَعلِ ... إِذا ما النعل حاذاهُ وَلِلشَيء مِنَ الشَيء ... مَقاييِسُ وَأَشباهُ وَلِلقَلبِ عَلى القَلبِ ... دَليلٌ حِينَ يَلقاهُ

стр. 101

الثانية: حسن الخلق فلا تصحب من ساء خلقه، وهو الذي لا يملك نفسه عند الغضب والشهوة، وقد جمعه علقمة العطاردي رحمه الله تعالى في وصيته لابنه لما حضرته الوفاة، فقال: ((يا بني! إذا أردت صحبة إنسان فاصحب من إذا خدمته صانك، وإن صحبته زانك، وإن قعدت بك مؤنة مانك. اصحب من إذا مددت يدك بخير مدها، وإن رأى منك حسنة عدها، وإن رأى منك سيئة سدها)). وقال علي ﵁: إِن أخاك الحق من كان معك ومن يضر نفسه لينفعك ومن إذا ريب الزمان صدعك شتت فيك شمله ليجمعك الثالثة: الصلاح فلا تصحب فاسقًا مصرًا على معصية كبيرة؛ لأن من يخاف الله لا يصر على كبيرة، ومن لا يخاف الله لا تؤمن غوائله، بل يتغير بتغير الأحوال والأعراض، قال الله تعالى لنبيه ﷺ : ﴿وَلا تُطِع مَن أَغفَلنا قَلبَهُ عَن ذِكرِنا وَاتَبَعَ هَواهُ وَكانَ أَمرُه فُرُطًا﴾ [الكهف: ٢٨]. فاحذر صحبة الفاسق؛ فإن مشاهدة الفسق والمعصية على الدوام تزيل عن قلبك كراهية المعصية، وتهون عليك أمرها، ولذلك هان على القلوب معصية الغيبة لإلفهم لها، ولو رأوا خاتمًا من ذهب أو ملبوسًا من حرير على فقيه لاشتد إنكارهم عليه! والغيبة أشد من ذلك. الرابعة: ألا يكون حريصًا على الدنيا فصحبة الحريص على الدنيا سم قاتل؛ لأن الطباع مجبولة على التشبه والاقتداء، بل الطبع يسرق من الطبع من حيث لا يدري، فمجالسه الحريص تزيد في حرصك، ومجالسه الزاهد تزيد في زهدك. الخامسة: الوفاء، فلا خير في صحبة اللئيم، وقد أجمع الحصفاء الألباء من بني آدم على أن الإحسان إلى اللئيم إساءة، حتى قال سفيان الثوري ﵀: ((وجدنا أصل كل عداوة اصطناع المعروف إلى اللئام)) أخرجه أبو نعيم في "الحلية" (٦/ ٣٦٧/٩٢٧٧).

стр. 102

وعلى قدر إحسان المرء إلى اللئيم تكون إساءة اللئيم إليه، كما قال معن بن أوس متوجعًا من لئيم: أعلمه الرماية كل يوم ... فلما استد (١) ساعده رماني! أعلمه الفتوة كل وقت ... فلما طر شاربه جفاني!! وكم علمته نظم القوافي فلما قال قافية هجاني!!! ولله در أبي الطيب المتنبي إذ يقول: إذا أنت أكرمت الكريم ملكته ... وإن أنت أكرمت اللئيم تمردا ووضع الندى في موضع السيف بالعُلا ... مُضِرٌّ كوضع السيف في موضع النَّدَى وفي بعض الشعر التركي أو الفرنسي الذي ترجمه أمير الشعراء أحمد شوقي: إن كنتَ ذا فضل فكُـ ... ـنْهُ على ذكيٍّ أو كريم فالفضلُ يَنْسَاهُ الغَـ ... ـبيُّ وليس يحفظه اللئيم السادسة: الصدق فلا تصحب كذابًا فإنك منه على غرور، فإنه مثل السراب يقرب منك البعيد ويبعد منك القريب. ولعلك تعدم اجتماع هذه الخصال في سكان المدارس والمساجد، فعليك بأحد أمرين: إما العزلة والانفراد ففيها سلامتك، وإما أن تكون مخالطتك مع شركائك بقدر خصالهم، وذلك بأن تعلم أن الإخوةَ ثلاثة: ١ - أخ لآخرتك: فلا تراع فيه إلا الدين. ٢ - وأخ لدنياك: فلا تراع فيه إلا الخلق الحسن. ٣ - وأخ لتأنس به: فلا تراع فيه إلا السلامة من شره وفتنته وخبثه. والناسَ ثلاثة: أحدهم: مثله مثل الغذاء لا يستغنى عنه. والآخر: مثله مثل الدواء يحتاج إليه في وقت دون وقت. والثالث: مثله مثل الداء لا يحتاج إليه قط، ولكن العبد قد يُبتلى به، وهو الذي لا أنس فيه ولا نفع، فتجب مداراته إلى الخلاص منه، وفي مشاهدته فائدة

стр. 103

عظيمة إن وفقت لها، وهو: أن تشاهد من خبائث أحواله وأفعاله ما تستقبحه فتجتنبه، فالسعيد من وُعظ بغيره، و ((المؤمن مرآة أخيه، والمؤمن أخو المؤمن، يكف عليه ضيعته ويحوطه من ورائه)) (١) كما قال النبي ﷺ . ويُروى أن نبي الله عيسى -على نبينا وعليه الصلاة والسلام - قيل له: مَن أدبك؟ فقال: ((ما أدبني أحد ولكن رأيت جهل الجاهل فاجتنبته))، ولقد صدق على نبينا وعليه الصلاة والسلام. فلو اجتنب الناس ما يكرهونه من غيرهم؛ لكملت آدابهم واستغنوا عن المؤدبين. واعلم أنك إن طلبت منزهًا من كل عيب لم تجد، ومَن غلبت محاسنه على مساويه فهو الغاية، ويعجبني ما ورد في كتاب "الأغاني" لأبي الفرج الأصفهاني (٣/ ٢٣٧) عن الشاعر بَشَّار بن برد، قال: إذا كنت في الأمور معاتبًا ... صديقك لم تلق الذي لا تعاتبُهْ فعش واحدًا أو صِلْ أخاك فإنه ... مقارف ذنب مرة ومجانبُهْ إذا أنت لم تشرب مرارًا على القذى ... ظمئت وأي الناس تصفو مشاربُهْ؟ الوظيفة الثانية: مراعاة حقوق الصحبة فمهما انعقدت الشركة وانتظمت بينك وبين شريكك الصحبة، فعليك حقوق يوجبها عقد الصحبة، وفي القيام بها آداب. وقد قال سلمان الفارسي ﵁: ((مثل الأخوين مثل اليدين تغسل إحداهما الأخرى)) (٢).

стр. 104

وقال ﷺ : ((ما تحاب اثنان في الله إلا كان أفضلهما أشدهما حبًا لصاحبه)) (١). وآداب الصحبة: الإيثار بالمال، فإن لم يكن هذا، فبذل الفضل من المال عند الحاجة. والإعانة بالنفس في الحاجات على سبيل المبادرة من غير إحواج إلى التماس. وكتمان السر. وستر العيوب. والسكوت على تبليغ ما يسوؤه من مذمة الناس إياه. وإبلاغ ما يسره من ثناء الناس عليه. وحسن الإصغاء عند الحديث، وترك المماراة فيه. وأن يدعوه بأحب أسمائه إليه. وأن يثني عليه بما يعرف من محاسنه إن لم يخش مفسدة. وأن يشكره على صنيعه في وجهه. وأن يذب عنه في غيبته إذا تُعرِّض لعرضه كما يذب عن نفسه. وأن ينصحه باللطف والتعريض إذا احتاج إليه. وأن يعفو عن زلته وهفوته ولا يعتب عليه. ... وأن يدعو له في خلوته في حياته وبعد مماته. وأن يحسن الوفاء مع أهله وأقاربه بعد موته. وأن يؤثر التخفيف عنه فلا يكلفه شيئًا من حاجاته. ويروح قلبه من مهماته.

стр. 105

وأن يظهر الفرح بجميع ما يرتاح له من مسارِّه. والحزن على ما يناله من مكارهه. وأن يضمر في قلبه مثل ما يظهره فيكون صادقًا في وده سرًا وعلانية. وأن يبدأه بالسلام عند إقباله. وأن يوسع له في المجلس. وأن يخرج له من مكانه. وأن يشيعه عند قيامه. وأن يصمت عند كلامه حتى يفرغ من كلامه. ويترك المداخلة في كلامه. وعلى الجملة فيعامله بما يحب أن يُعامَل به، فمن لا يحب لأخيه ما يحب لنفسه فأخوته نفاق، وهي عليه وبال في الدنيا والآخرة، واعلم أخيراً أن صديقك هو من صدقك لا من صدَّقك. فهذا أدبك في حق العوام المجهولين وفي حق الأصدقاء المؤاخين. *******

стр. 106

آداب العلاقة بالمعارف وأما القسم الثالث وهم المعارف: فاحذر منهم فإنك لا تر الشر إلا ممن تعرفه. أما الصديق فيعينك، وأما المجهول فلا يتعرض لك، وإنما الشر كله من المعارف الذين يظهرون الصداقة بألسنتهم. فأقلل من المعارف ما قدرت، فإذا بليت بهم في مدرسة أو مسجد أو جامع أو سوق أو بلد فيجب ألا تستصغر منهم أحدًا، فإنك لا تدري لعله خير منك، ولا تنظر إليهم بعين التعظيم لهم في حال دنياهم فتهلك؛ لأن الدنيا صغيرة عند الله تعالى صغير ما فيها، ومهما عظم أهل الدنيا في قلبك فقد سقطت من عين الله تعالى، وإياك أن تبذل لهم دينك لتنال به من دنياهم، فلا يفعل ذلك أحد إلا صغر في أعينهم ثم حُرِمَ ما عندهم. وإن عادوك فلا تقابلهم بالعداوة؛ فإنك لا تطيق الصبر على مكافأتهم فيذهب دينك في عداوتهم، ويطول عناؤك معهم، ولا تسكن إليهم في حال إكرامهم إياك وثنائهم عليك في وجهك وإظهارهم المودة لك، فإنك إن طلبت حقيقة ذلك لم تجد في المائة واحداً، ولا تطمع أن يكونوا لك في السر والعلن واحدًا. ولا تتعجب إن ثلبوك في غيبتك، ولا تغضب منه؛ فإنك إن أنصفت وجدت من نفسك مثل ذلك حتى في أصدقائك وأقاربك، بل في أستاذك ووالديك. فإنك تذكرهم في الغيبة بما لا تشافههم به. فاقطع طمعك عن مالهم وجاههم ومعونتهم؛ فإن الطامع في الأكثر خائب في المال، وهو ذليل لا محالة في الحال. وإذا سألت واحدًا حاجة فقضاها فاشكر الله تعالى واشكره، وإن قصر فلا تعاتبه ولا تشكه فتصير عدواة له، وكن كالمؤمن يطلب المعاذير، ولا تكن كالمنافق يطلب العيوب. وقل: لعله قصر لعذر له لم أطلع عليه. ولا تعظن أحدًا منهم ما لم تتوسم فيه أولاً مخايل القبول، وإلا لم يستمع منك وصار خصمًا عليك، وإذا أخطئوا في مسألة وكانوا يأنفون من التعلم منك

стр. 107

فلا تعلمهم، فإنهم يستفيدون منك علمًا ويصبحون لك أعداء، إلا إذا تعلق ذلك بمعصية يقارفونها عن جهل منهم، فاذكر الحق بلطف من غير عنف. وإذا رأيت منهم كرامة وخيرًا فاشكر الله الذي حببك إليهم. وإذا رأيت منهم شرًا فكلهم إلى الله تعالى واستعذ بالله من شرهم، ولا تعاتبهم، ولا تقل لهم: لمِ لَم تعرفوا حقي وأنا فلان بن فلان وأنا الفاضل في العلوم؟! فإن ذلك من كلام الحمقى، وأشد الناس حماقة من يزكي نفسه ويثني عليها. واعلم أن الله تعالى لا يسلطهم عليك إلا بذنب سبق منك، فاستغفر الله من ذنبك، واعلم أن ذلك عقوبة من الله تعالى. وكن فيما بينهم سميعًا لحقهم، أصم عن باطلهم، نطوقًا بمحاسنهم، صموتًا عن مساويهم، واحذر مخالطة متفقهة الزمان، لا سيما المشتغلين بالخلاف والجدال. واحذر منهم؛ فإنهم يتربصون بك ـ لحسدهم ـ ريب المنون، ويقطعون عليك بالظنون، ويتغامزون وراءك بالعيون، ويحصون عليك عثراتك في عشرتهم حتى يجبهوك بها في حال غيظهم ومناظرتهم، لا يقيلون لك عثرة، ولا يغفرون لك زلة، ولا يسترون لك عورة. يحاسبونك على النقير والقطمير، ويحسدونك على القليل والكثير، ويحرضون عليك الإخوان بالنميمة والبلاغات والبهتان. إن رضوا فظاهرهم الملق، وإن سخطوا فباطنهم الحنق، ظاهرهم ثياب، وباطنهم ذئاب. هذا ما قطعت به المشاهدة على أكثرهم إلا من عصمه الله تعالى. فصحبتهم خسران، ومعاشرتهم خذلان. هذا حكم من يظهر لك الصداقة، فكيف من يجاهرك بالعداوة؟!. قال القاضي ابن معروف رحمه الله تعالى: فاحذر عدوك مرة ... واحذر صديقك ألف مرة فلربما انقلب الصديق ... فكان أعرف بالمضرة

стр. 108

وكذلك قال أبو تمام: عدوك من صديقك مستفاد ... فلا تستكثرن من الصحاب فإن الداء أَكثر ما تراه ... يكون من الطعام أو الشراب وكن كما قال هلال بن العلاء الرقى: إني أحيي عدوي عند رؤيته ... لأَدفع الشر عنى بالتحيات وأظهر البشر للإنسان أبغضه ... كأن قد ملا قلبي محبات ولست أسلم ممن لست أعرفه ... فكيف أسلم من أهل المودات الناس داء دواء الناس تركهم ... وفي الجفاء لهم قطع الأَخوات فسالم الناس تسلم من غوائلهم ... وكن حريصاً على كسب التقيات وخالق الناس واصبر ما بليت بهم ... أصم أبكم أعمى ذا تقيات وكن أيضا كما قال بعض الحكماء: ((الق صديقك وعدوك بوجه الرضا من غير مذلة لهما، ولا هيبة منهما. وتوقر من غير كبر. وتواضع من غير مذلة. وكن في جميع أمورك في أوسطها، فكلا طرفي قصد الأمور ذميم))، كما قيل: عليك بأَوساط الأَمور فإنها ... طريق إلى نهج الصراط قويم ولا تك فيها مفرطًا أو مفرطًا ... فإن كلا طرفي الأمور ذميم واعلم أن العاقل هو الفطن المتغافل، كذا قال الإمام الشافعي ﵀، ولله در من قال: ليس الغبي بسيد في قومه ... لكن سيد قومه المتغابي ولقد صدق الأصمعي ﵀ حين قال: وما شيء أحب إلى لئيم ... إذا شتم الكريم من الجواب متاركة اللئيم بلا جواب ... أشد على اللئيم من السباب وكان الإمام سليمان بن مهران الأعمش ﵀ يقول: ((جواب الأحمق السكوت. والتغافل يطفئء شرًّا كثيرًا. ورضا المتجني غاية لا تدرك. والاستعطاف عون للظفر. ومَن غضب على من لا يقدر عليه طال حزنه)).

стр. 109

ومِن أجمل ما قرأت: لن يبلغ المجدَ أقوام وإن شرفوا ... حتى يَذِلوا وإن عزوا لأقوام ويشتموا فترى الألوان مسفرة ... لا صفح ذل ولكن صفح إكرام وأنشد الإمام الشافعي ﵀: قالوا سكتَّ وقد خوصمت قلت لهم: ... إن الجواب لباب الشر مفتاح فالعفو عن جاهل أو أحمق أدب ... نعم وفيه لصون العرض إصلاح إن الأسود لتُخشى وهي صامتة ... والكلب يحثى ويرمى وهو نباح ولا تنسَ وصية ربك ﵎: ﴿ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم * وما يُلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم﴾ [فصلت: ٣٤، ٣٥]. وما أجمل قول بعض الشعراء الذي ذكره ابن قتيبة ﵀ في "عيون الأخبار": إنَّ الهديةَ حُلْوةٌ ... كالسِّحر تَجْتَلِبُ القلوبا تُدْنِي البغيضَ من الهوى ... حتى تُصَيِّرَهُ قريبا وتُعِيدُ مُضطغِنَ العَدَا ... وَةِ بعد نُفْرَتِهِ حبيبا

стр. 110

آداب عامة جامعة ولا تنظر في عطفيك، ولا تكثر إلى وراءك الالتفات، ولا تقف على الجماعات، واحذر كثرة التمطي والتثاؤب في وجوه الناس في الصلاة وغيرها. وليكن مجلسك هادئًا، وحديثك منظومًا مرتبًا. وأصغ إلى الكلام الحسن ممن حدثك من غير إظهار تعجب مفرط. ولا تسأله إعادته. واسكت عن المضاحك والحكايات. ولا تحدث عن إعجابك بولدك وشعرك وكلامك وتصنيفك وسائر ما يخصك. ولا تتصنع تصنع المرأة في التزين. ولا تتبذل تبذل العبد. وتوق كثرة الكحل والإسراف في الدهن. ولا تلح في الحاجات. ولا تشجع أحداً على الظلم. ولا تُعلم أحدًا من أهلك وولدك فضلاً عن غيرهم مقدار مالك. واجفهم من غير عنف. ولِن لهم من غير ضعف. وإذا خاصمت فتوقر. وتحفظ من جهلك وعجلتك. وتفكر في حُجتك. ولا تكثر الإشارة بيدك. وإذا هدأ غضبك فتكلم. وإذا قربك السلطان فكن منه على حد السنان. وإياك وصديق العافية فإنه أعدى الأعداء، ولا يجعل مالك أكرم من عرضك. واعلم أن من استوى يوماه فهو مغبون. وأخيرًا أتحفك بهذه الوصية الغالية، فعض عليها بالنواجذ. وقد رواها الإمام أبو بكر البيهقي ﵀ في كتابه "الزهد الكبير" من طريق طاهر بن الفضل بن سعيد الغني قال: سمعت سفيان ابن عيينة ﵀ يقول: لما بلغت خمس عشرة سنة قال لي أبي: ((يا بني! قد انقطعت عنك شرائع الصبا. فاختلط بالخير تكن من أهله. ولا تزايله فتبين منه. ولا يغرنك من مدحك بما تعلم أنت خلافه منك؛ فإنه ما من أحد يقول في أحد من الخير ما لم يعلم منه إذا رضي، إلا قال فيه من الشر على قدر ما مدحه إذا سخط.
следующие страницы →