← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 37553

الرد على الدكتور عبد الواحد وافي في كتابه بين الشيعة وأهل السنة

إحسان إلهي ظهير

Полный текст (204 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

"ثم الأخبار، منها المتواتر: وهو ما رواه جماعة يحصل العلم بقولهم بعدم إمكان تواطئهم على الكذب عادة، ويشترط ذلك في كل طبقاتهم صحيحاً كان أو غير صحيح، وهو مقبول لوجوب العمل بالعلم، وهذا لا يكاد يعرفه المحدثون في الأحاديث لقلته .. وحديث الغدير متواتر عندنا" (١). وأما الآحاد فقد قال شيخهم المفيد في ذلك في كتابه العقائدي المشهور تحت عنوان "القول في أخبار الآحاد": "وأقول: إنه لا يجب العلم ولا العمل بشيء من أخبار الآحاد .. وهذا مذهب جمهور الشيعة وكثير من المعتزلة والمحكمة وطائفة من المرجئة وهو خلاف لما عليه متفقهة العامة (أي أهل السنة) وأصحاب الرأي" (٢). ومثل ذلك ذكر العاملي عن الشريف المرتضى الملقب بعلم الهدى عند الشيعة وجماعة من كبار العلماء حيث قال: والسيد المرتضى رحمه الله تعالى وجماعة من كبار علمائنا منعوا من العمل به محتجين بعدم الدليل الدال على وجوب العمل به. وإذا لم يقم دليل على وجوب العمل لم يعمل به، كما أنه لم يقم دليل على وجوب صلاة سادسة. قالوا: وما نقلتموه من أن الصحابة ومن بعدهم كانوا يعملون بأخبار الآحاد، فهي أيضاً أخبار آحاد لا تفيد علماً، والعمل بخبر الواحد مسألة أصولية ولا يجوز أن يكون مستندها ظناً، فكيف تعلمون أن الله تعبّدكم بالعمل بخبر الواحد؟ وبعد التسليم بصدق هذه الأحاديث؟ إنما علم لكم أن الصحابة عملوا عندها لا بها. فجاز أن يكونوا تذاكروا بها نصاً أو تأيد بها عندهم دليل آخر، فالتساوي حاصل الشك، والتوقف فرض من فقد الدليل القاطع" (٣). وهذا مع أن رواة الشيعة الذين عليهم مدار نقل الأحاديث الشيعية رواة مختلفون في توثيقهم وتضعيفهم، فشخص واحد يوثق ويحكم بعدالته وهو نفسه يضعف ويحكم بفسقه بل كفره، لا من قبل المهرة والنقاد

стр. 107

في الحديث والرجال بل من قبل المعصومين - حسب زعم الشيعة - أنفسهم، والذين عصمتهم: "كعصمة الأنبياء، وأنهم لا يجوز منهم صغيرة إلا ما قدم ذكر جوازه على الأنبياء، وأنه لا يجوز لهم سهو في شيء من الدين، ولا ينسون شيئاً من الأحكام، وعلى هذا مذهب سائر الإمامية" (١). وخير مثال لذلك رواة الشيعة الأربعة الذين هم مدار الروايات الشيعية ومحورها. وهم أقطاب الأحاديث وأوتادها لدى القوم، عليهم تدور رحى الروايات زرارة بن أعين، وأبو بصير الليث المرادي، ومحمد بن مسلم، وبريد بن معاوية العجلي، الذين قال فيهم إمام الشيعة السادس المعصوم - حسب زعمهم - جعفر بن الباقر: "ما أجد أحداً أحيا زكرنا وأحاديث أبي إلا زرارة، وأبو بصير ليث المرادي، ومحمد بن مسلم، وبريد بن معاوية العجلي، ولولا هؤلاء ما كان أحد يستنبط هذا، هؤلاء حفاظ الدين وأمناء أبي على حلال الله وحرامه، وهم السابقون إلينا في الدنيا والسابقون إلينا في الآخرة" (٢). فانظر ماذا يقول فيهم القوم من توثيقهم وتضعيفهم، ومن المدح فيهم واللعن عيهم، فزرارة بن أعين قال فيه جميل بن دراج أحد رواة الشيعة المشهورين: "ما كنا حول زرارة بن أعين إلا بمنزلة الصبيان في الكتاب حول المعلم" (٣). وقال فيه جعفر بن محمد الباقر: "رحم الله زرارة بن أعين، لولا زرارة ونظراؤه لاندرست أحاديث أبي" (٤).

стр. 108

وقال فيه علي بن موسى الرضا - الإمام الثامن المعصوم لدى الشيعة: "أترى أحداً كان أصدع بحق من زرارة" (١). وقال فيه النجاشي: "زرارة شيخ أصحابنا في زمانه ومتقدمهم، وكان قارئاً فقيهاً متكلماً شاعراً أديباً، قد اجتمعت فيه خلال الفضل والدين" (٢). وقال علي بن داود الحلي: "زرارة كان أصدق أهل زمانه وأفضلهم، قال فيه الصادق ﵇: "لولا زرارة لقلت إن أحاديث أبي لتذهب" (٣). ومثل ذلك قال ابن المطهر الحلي (٤). وقال الحائري: "أجمعت العصابة على تصديقه والانقياد له به" (٥). ومثل ذلك الزنجاني (٦). هذا - والكشي روى في كتابه عن علي بن أبي حمزة عن أبي عبد الله (جعفر) قال: "قلت: الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم، قال (جعفر): أعاذنا الله وإياك من ذلك الظلم، قلت: ما هو؟ قال (جعفر): هو والله ما أحدث زرارة وأبو حنيفة وهذا الضرب. قال: قلت: الزنا معه؟ قال: "الزنا ذنب" (٧). ومثل ذلك روي عن أبي بصير وعن هارون بن خارجة. وروى الكشي أيضاً عن كليب الصيداوي أنهم كانوا جلوساً ومعهم عزافر الصيرفي وعدة من أصحابهم، معهم أبو عبد الله ﵁، قال:

стр. 109

فابتدع أبو عبد الله من غير ذكر لأبي زرارة فقال: "لعن الله زرارة، لعن الله زرارة، لعن الله زرارة ثلاث مرات" (١). وروي أيضاً عن عمران الزعفراني (٢)، سمعت أبا عبد الله ﵁ يقول: ما أحدث أحد في الإسلام ما أحدث زرارة من البدع عليه لعنة الله" (٣). وعن ليث المرادي أنه قال: سمعت أبا عبد الله ﵁ يقول: "لا يموت زرارة إلا تائهاً" (٤). وروى عن القصير أنه قال: "استأذن زرارة بن أعين وأبو الجارود، على أبي عبد الله ﵁ قال: يا غلام! أدخلهما، فإنهما عجلا المحيا وعجلا الممات" (٥). وهذا هو زرارة الذي قالوا فيه: "أفقه الأولين ستة، وأفقه الستة زرارة" (٦). وعدد من أصحاب محمد الباقر وأصحاب جعفر بن الباقر (٧). وأنه من أصحاب موسى بن جعفر الكاظم أيضاً (٨). فرجل كهذا الذي أدرك ثلاثة من الأئمة المعصومين حسب زعم الشيعة وروى عنهم، يختلفون فيه هذا الاختلاف، يوثقونه بأعلى ألفاظ التوثيق ويضعفونه بأدنى درجة التضعيف، مرة يقولون فيه: إن أبا عبد الله جعفر بن محمد الباقر - الإمام السادس المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى - قال له:

стр. 110

"يا زرارة! إن اسمك في أسامي أهل الجنة" (١). وقال عن زرارة: "أما ما رواه زرارة عن أبي جعفر فلا يجوز لي رده" (٢). ومرة قال فيه: "زرارة شر من اليهود والنصارى ومن قال: إن الله ثالث ثلاثة، وقال: إن مرض فلا تعده، وإن مات فلا تشهد جنازته" (٣). وروى الكشي أيضاً عن ميسر أنه قال: "كنا عند أبي عبد الله فمرت جارية في جانب الدار على عنقها قمقم قد نكسته، قال: فقال أبو عبد الله ﵁: فما ذنبي أن الله قد نكس زرارة كما نكست هذه الجارية هذا القمقم" (٤). وأما أبو جعفر أعني محمداً الباقر فكان يعتقد فيه بأنه من جواسيس الحكام وعيونهم عليه. وأنه يبلغ إليهم أخباره وأعماله كما روى الكشي أيضاً عن هشام بن سالم أنه قال: "إن زرارة سأل أبا جعفر (محمداً الباقر) ﵇ عن جوائز العمال؟ فقال: لا بأس به. ثم قال (أبو جعفر محمد الباقر): إنما أراد زرارة أن يبلغ هشاماً - ابن عبد الملك - إني أحرم أعمال السلطان" (٥). وعلى ذلك كان يكره ابنه جعفر أن يدخل عليه زرارة كما روى الكشي عن الوليد بن صبيح قال: "مررت بروضة من المدينة فإذا إنسان قد جذبني، فالتفت فإذا أنا بزرارة، فقال لي: استأذن لي على صاحبك، قال: فخرجت من المسجد ودخلت على أبي عبد الله ﵇ فأخبرته الخبر، فضرب بيده على

стр. 111

صدره، ثم قال أبو عبد الله ﵇: لا تأذن له، لا تأذن له، لا تأذن له، فإن زرارة يريدني على كبير السن، وليس من ديني ولا دين آبائي" (١). وأما زرارة نفسه فكان يشك في علم جعفر بن الباقر وإمامته وإمامة ابنه موسى الكاظم كما روى الكشي صريحاً عن ابن مسكان أنه قال: "سمعت زرارة يقول: رحم الله أبا جعفر، وأما جعفر فإن في قلب عليه لفتة" (٢). وكما روي عن زياد بن أبي الهلال في رواية طويلة أن زرارة قال له عن أبي عبد الله جعفر: "صاحبكم هذا ليس له بصر بكلام الرجال" (٣). وأما موسى بن جعفر الملقب بالكاظم فمع أن الشيعة ورجالهم يعدون زرارة من أصحابه، لكن الكشي يصرح في عديد من الروايات أنه لم يعتقد بإمامته، ونورد هنا رواية عن نضر بن شعيب عن عمة زرارة قالت: "لما وقع زرارة واشتد به قال: ناوليني المصحف، فناولته وفتحته ووضعته على صدره وأخذه مني، ثم قال: يا عمة! اشهدي أن ليس لي إمام غير هذا الكتاب" (٤). فهذا هو أحد أساطين الرواية في الحديث عند الشيعة وهذه هي أحواله من حيث التوثيق والتضعيف والتعديل والتجريح عند القوم أنفسهم وفي أم كتاب الرجال عندهم .. تلك التي تناول تراجم الرواة والمحدثين والعلماء لدى هذه الطائفة، والتي قالوا فيها: "أهم الكتب في هذا الموضوع من مؤلفات المتقدمين هي أربعة كتب، عليها المعول وهي الأصول الأربعة في هذا الباب، وهي:

стр. 112

١ـ رجال الكشي. ٢ـ رجال النجاشي. ٣ـ رجال الطوسي. ٤ـ الفهرست للطوسي. وأقدم هذه الكتب الأربعة هو رجال الكشي" (١). وأما الثاني فهو أبو بصير ليث المرادي، فقد قالوا فيه: إن جعفر بن محمد قال فيه وفي أصحابه: "بشر المخبتين بالجنة: بريد بن معاوية العجلي، وأبا بصير البختري المرادي، ومحمد بن مسلم، وزرارة، أربعة نجباء، أمناء الله في حلاله وحرامه لولا هؤلاء انقطعت آثار النبوة واندرست" (٢). "وكان هذا من أصحاب الباقر وأصحاب جعفر أيضاً كم ذكر ذلك البرقي في رجاله" (٣). "وعده من أصحاب موسى الكاظم أيضاً" (٤). ومثل ما روي عن جعفر فيه بأنه من المبشرين بالجنة، روى عن أبيه محمد الباقر أيضاً نفس ذلك. وأنه لولاه لانقطعت آثار النبوةاندرست" (٥). وعده في القسم الأول من الرجال يعني من الثقات. وذكره النجاشي أيضاً بأنه من أصحاب الباقر وجعفر بن الباقر، وله كتاب يرويه جماعة (٦). كما عده ابن المطهر الحلي من الثقات الذين يعتمد على روايتهم (٧).

стр. 113

وكذلك التفرشي في كتابه، وقال: إنه من أصحابنا الإمامية (١). ورووا عن ميل بن دراج أنه قال: أوتاد الأرض وأعلام الدين أربعة: أحدهم ليث بن البختري المرادي (٢). كما ذكر القمي عن شعي العقرقوفي أنه قال: "قلت لأبي عبد الله (ع): ربما احتجنا أن نسأل عن شيء؟ فمن نسأل؟ قال: عليك بالأسدي يعني أبا بصير، والخبر في أعلى درجة الصحة (٣). وروى الكشي فيه عن داود بن سرحان أنه قال: "إني لأحدث الرجال الحديث وأنهاه عن الجدال والمراء في دين الله، فأنهاه عن القياس فيخرج من عندي فيتأول حديثي على غير تأويله، إني أمرت قوماً أن يتكلموا، ونهيت قوماً، فكل يؤول لنفسه، يريد المعصية لله ولرسوله، فلو سمعوا وأطاعوا لأودعتهم ما أودع أبي أصحابه، إن أصحاب أبي كانوا زيناً، أحياء وأمواتاً، وأعني زرارة ومحمد بن مسلم ومنهم ليث المرادي وبريد العجلي، هؤلاء القوامون بالقسط، هؤلاء القوامون بالقسط، وهؤلاء السابقون أولئك المقربون" (٤). وأيضاً ما رواه عن شعيب العقرقوفي عن أبي بصير أنه قال: "دخلت على أبي عبد الله (ع) فقال لي: حضرت علياً عند موته؟ قال: قلت: نعم! وأخبرني أنك ضمنت له الجنة وسألني أن أذكرك ذلك. قال: صدق. قال: فبكيت، ثم قلت: جعلت فداك، فما لي ألست كبير السن الضعيف الضرير البصير المنقطع إليكم فاضمنها لي. قال: قد فعلت. قال: قلت: اضمنها لي على آبائك وسميتهم واحداً واحداً. قال: فعلت. قلت:

стр. 114

فاضمنها لي على رسول الله ﷺ . قال: قد فعلت. قال: قلت: اضمنها لي على الله تعالى. قال: فأطرق ثم قال: قد فعلت" (١). هذا من جانب، وهذه المبالغة من ناحية، ومن ناحية أخرى روى فيه الكشي عن حماد الناب أنه قال: "جلس أبو بصير على باب أبي عبد الله ليطلب الإذن، فلم يؤذن له، فقال أبو بصير: لو كان معنا طبق لأذن. قال: فجاء كلب فشغر (٢) في وجه أبي بصير، قال: أف أف، ما هذا؟ قال جليسه: هذا كلب شغر في وجهك" (٣). وروى الكشي: أنه كان يدخل بيوت الأئمة وهو جنب (٤). وكان أبو بصير هذا دائماً يتهم جعفر بن الباقر بجمعه للمال وحبه للدنيا، كما روى الكشي عديداً من الروايات في هذا المعنى، منها ما رواه عن ابن أبي يعفور أنه قال: "خرجت إلى السواد أطلب دراهم للحج ونحن جماعة وفينا أبو بصير المرادي قال: قلت له: يا أبا بصير! اتق الله وحج بمالك فإنك ذو مال كثير، فقال: اسكت فلو أن الدنيا وقعت لصاحبك لاشتمل عليها بكسائه" (٥). وأيضاً عن حماد بن عثمان أنه قال: "خرجت أنا وابن أبي يعفور وآخر إلى الحيرة أو إلى بعض المواضع فتذكرنا الدنيا، فقال أبو بصير المرادي: أما إن صاحبكم لو ظفر بها لاستأثر بها؟ قال: فأغفى، فجاء كلب

стр. 115

يريد أن يشغر عليه فذهبت لأطرده، فقال ابن أبي يعفور: دعه، فجاءه حتى شغر في أذنه" (١). وكان لا يؤمن بإمامة موسى بن جعفر، كما كان يتهمه بعدم العلم ومعرفة الأحكام، كما روى الكشي أيضاً عن شعيب العقرقوفي عن أبي بصير قال: سألت أبا عبد الله ﵇ عن امرأة تزوجت ولها زوج، فظهر عليها قال: ترجم المرأة ويضرب الرجل مائة سوط لأنه لم يسأل. قال شعيب: فدخلت على أبي الحسن - موسى بن جعفر - فقلت له: امرأة تزوجت ولها زوج؟ قال: ترجم المرأة ولا شيء على الرجل. قال: فلقيت أبا بصير فقتل: سألت موسى بن جعفر ﵇ عن المرأة التي تزوجت ولها زوج. قال: ترجم المرأة ولا شيء على الرجل. قال (شعيب): فمسح صدره وقال (أبو بصر): ما أظن صاحبنا تناهى حكمه بعد" (٢). وفي رواية أخرى: فضرب بيده على صدره يحكها وقال: "أظن صاحبنا ما تكامل علمه" (٣). وروى الكشي عن علي بن الحسن بن فضال أنه قال: "إن أبا بصير كان مختلطاً" (٤). وأخيراً ما قاله ابن الغضايري: "كان أبو عبد الله ﵇ يتضجر به ويتبرم، وأصحابه يختلفون في شأنه" (٥). فهذا هو الرجل الثاني من رواة الشيعة الكبار ونقله أحاديثهم، تضاربت فيه الآراء وتعارضت فيه الأقوال، حتى لا يدرى على أيها يعتمد: على توثيق الرجل وصحة مروياته، أم على تضعيف الرجل وعدم وثاقته وخطأ الاعتماد على مروياته وأخباره؟.

стр. 116

وأما الثالث فمحمد بن مسلم ليس شأنه وحاله بأحسن من أحوالهم، كما أن الآراء المتعارضة ليست بأقل مما ذكرت وسردت فيهما، فهذه هي مقولات القوم فيه، فيقول النجاشي: "محمد بن مسلم بن رباح أبو جعفر الأوقسي الطحان مولى ثقيف الأعور، وجه أصحابنا بالكوفة، فقه ورع، صحب أبا جعفر وأبا عبد الله ﵉ وروى عنهما، وكان من أوثق الناس لهما" (١). وذكره الطوسي أيضاً أنه من أصحاب الباقر (٢). ومن أصحاب جعفر بن الباقر أيضاً (٣). كما ذكره البرقي أيضاً من أصحابهما (٤). وذكره ابن داود في القسم الأول من الموثوقين (٥). وذكر ابن المطهر الحلي نقلاً عن الكشي: أن محمد بن مسلم من حواري أبي جعفر محمد بن علي وابنه جعفر بن محمد الصادق ﵉" (٦). وهو الذي روى فيه الكشي كما سبق أن جعفر بن محمد قال: إنه من النجباء الأربعة الذين حفظوا آثار النبوة وأخبارها، كما روى الكشي أيضاً أنه روى عن أبي جعفر محمد الباقر ثلاثين ألف حديث، وروى عن ابنه جعفر ستة عشر ألف حديث (٧). وأيضاً ما رواه عن هشام بن سالم أنه قال: أقام محمد بن مسلم بالمدينة أربع سنين يدخل على أبي جعفر ﵇ يسأله، ثم كان يدخل على جعفر بن محمد يسأله. قال أبو أحمد:

стр. 117

"فسمعت عبد الرحمن بن الحجاج وحماد بن عثمان يقولان: ما كان أحد من الشيعة أفقه من محمد بن مسلم" (١). وروى التفرشي عن الكشي أيضاً عن عبد الله بن أبي يعفور قال: "قلت لأبي عبد الله ﵇: إنه ليس كل ساعة ألقاك، ويمكن القدوم ويجيء الرجل من أصحابنا وليس عندي كل ما يسألني عنه. قال: فما يمنعك من محمد بن مسلم الثقفي، فإنه سمع من أبي وكان عنده وجيهاً" (٢) فهذا هو محمد بن مسلم، وهذه هي مكانته وهذا هو شأنه. ولكن هناك ما يعارض هذا الرأي ويخالفه كما رواه الكشي أيضاً عن مفضل بن عمر أنه قال: سمعت أبا عبد الله يقول: "لعن الله محمد بن مسلم، كان يقول: إن الله لا يعلم الشي حتى يكون" (٣). وأيضاً ما رواه عن أبي الصباح أنه قال: سمعت أبا عبد الله ﵇ يقول: "يا أبا الصباح! هلك المتريثون (٤) في أديانهم، منهم: محمد بن مسلم" (٥). وكذلك قال جعفر بن محمد في زرارة ومحمد بن مسلم: "إنهما ليسا بشيء في ولايتي" (٦). وأما الرابع وهو يريد بن معاوية فهو أيضاً من أصحاب الباقر وجعفر بن الباقر (٧). ذكر فيه الكشي عن جعفر بن محمد أنه كان يقول:

стр. 118

"أوتاد الأرض وأعلام الدين أربعة، أحدهم بريد بن معاوية" (١)، وروى أيضاً عنه أنه قال: "ما أجد أحداً أحيا ذكرنا وأحاديث أبي إلا زرارة وأبو بصير ومحمد بن مسلم وبريد بن معاوية العجلين ولولا هؤلاء ما كان أحد يستنبط هذا، هؤلاء حفاظ الدين وأمناء أبي على حلال الله وحرامه، وهم السابقون إلينا في الدنيا والسابقون إلينا في الآخرة" (٢). وأيضاً "هؤلاء القوامون بالقسط، هؤلاء قوامون بالصدق، هؤلاء السابقون أولئك المقربون" (٣). ثم الكشي هذا يروي عن أبي سيار قال: سمعت أبا عبد الله عيه السلام يقول: "لعن الله بريداً ولعن الله زرارة" (٤). وروى أيضاً عن عبد الرحيم القصير أنه قال: "قال أبو عبد الله ﵇: ائت زرارة وبريداً وقل لهما: ما هذه البدعة؟ أما علمتم أن رسول الله ﷺ قال: "كل بدعة ضلالة"، فقلت له: إني أخاف منهما، فأرسل معي ليثاً المرادي، فأتينا زرارة فقلنا له ما قال أبو عبد الله ﵇، فقال: والله لقد أعطاني الاستطاعة وما شعر، وأما بريد فقال: والله لا أرجع عنها أبداً" (٥). فهؤلاء هم رواة الأحاديث الشيعية الأربعة، عليهم تدور رحى أخبارهم وأحاديثهم، يختلفون فيهم هذا الاختلاف الشديد ويسردون فيهم الآراء المتعارضة المتناقضة، وكلها من المعصومين، روايات تثبت عدالتهم وتوثيقهم وتنص على صحة عقيدتهم وكونهم من أهل الجنة، وروايات تنقى عنها كل هذا وتنص على فسقهم وكونهم ملعونين على لسان المعصومين، بل وكفرهم وكونهم من أهل النار!!.

стр. 119

فمن يك هذا شأنهم، وهذه أحواله، فبأي شيء يحكم على مروياتهم وأخبارهم التي رووها؟! إنما هم نماذج اخترناها من بين الكثيرين، الكثيرين ممن لا يقل وصفهم بالتعديل والتجريح وبالتوثيق والتضعيف وبالتبشير والتكفير عن هؤلاء الأربعة الذين هم أبرز الرواة قاطبة من بين رواة الشيعة، وقد أدركوا زمن الأئمة الثلاثة من بين الأئمة الاثنى عشر لدى الشيعة، ويعدون من كبار أصحابهم ونقلة آثارهم، فبأي شيء يحكم على الأحاديث الشيعية من جهة القبول والرد، ومن جهة الصحة والضعف؟ وعلى أية قاعدة مطردة تبنى الأحكام، وعلى أي أسس توضع المصطلحات؟ فهل من مفكر يتفكر؟ ومدبر يتدبر؟. إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار. وببيان هذه الأشياء كلها وتفصيل القول فيها يظهر بأن معتقد الشيعة في الأصل الثاني للشريعة الإسلامية لا يختلف عن معتقدهم في الأصل الأول، بل ويزيد الأمر خطورة أنهم لا يعتقدون بهذا الأصل الثاني إطلاقاً فعلاً، ولو أنهم يدعون الاعتقاد به قولاً، لأنهم زيادة على ما ذكرناه يجعلون لدليل العقل تأثيراً في قبول الحديث ورده. ولشيخ طائفة الشيعة الطوسي بحث مشهور في هذا الموضوع وقد يروون في ذلك روايات كثيرة، وبهذه الروايات بدأ الكليني كتابه (الكافي) مع أن المعروف أن العقل قاصر عن إدراك كنه كثير من الأحكام الإلهية الربانية. ولأن العقول متفاوتة متفاضلة، يقص بعضها عن إدراك ما تدركه الأخرى، فأي عقل يكون حكماً في الموضوع؟ ولمن تكون الحجة حينذاك؟. ويظهر من هذا كله أن الذين وضعوا (الديانة) الشيعية لم يضعوها إلى لمخالفة المسلمين كلهم ومخالفة ما يؤمنون به من القرآن والسنة، وما يعتقدون به من الآراء والأفكار كي لا يتحدوا ويتفوقا معهم يوماً من الأيام ولا تجمع كلمتهم ويتألف شملهم، وعلى ذلك اختلقوا روايات كثيرة على لسان أئمتهم - كذباً عليهم - أن على الشيعة أن يخالفوا المسلمين في جميع الأمور حتى جعلوا هذه

стр. 120

المخالفة أصلاً من أصول المذهب وأساساً من أسسه كما رواه ابن بابويه القمي عن علي بن أسباط أنه قال: "قلت للرضا ﵇: يحدث الأمر لا أجد بداً من معرفته، وليس في البلد الذي أنا فيه من أستفتيه من مواليك؟ قال: فقال: إيت فقيه البلد فاستفته في أمرك، فإذا أفتاك بشيء فخذ بخلافه فإن الحق فيه" (١). ورووا أيضاً عن الحسين بن خالد عن الرضا أنه قال: "شيعتنا، المسلمون لأمرنا، الآخذون بقولنا، المخالفون لأعدائنا، فمن لم يكن كذلك فليس منا" (٢). وروى أيضاً عن المفضل بن عمر أنه قال عن جعفر بن محمد الباقر: كذب من زعم أنه من شيعتنا وهو متوثق بعروة غيرنا" (٣). وهناك روايات أخرى كثرة في هذا المعنى بلغت التواتر كما صرح بذلك محدث الشيعة وصاحب موسوعة حديثية شيعية كبرى (وسائل الشيعة) الحر العاملي بعد ذكر هذه الروايات وغيرها تحت باب مستقل بعنوان (باب عدم جواز العمل بما يوافق العامة وطريقتهم): أقول: والأحاديث في ذلك متواترة .. فمن ذلك قول الصادق ﵇ في الحديثين المختلفين: اعرضوهما على أخبار العامة، فما وافق أخبارهم فذروه، وما خالف أخبارهم فخذوه. وقوله ﵇ (يعني جعفر بن الباقر): إذا ورد عليكم حديثان مختلفان فخذوا بما خالف القوم. وقوله ﵇:

стр. 121

ما خالف العامة ففيه الرشاد. قوله ﵇: خذ بما فيه خلاف العامة. وقوله ﵇: ما أنتم والله على شيء مما هم فيه، ولا هم على شيء مما أنتم فيه، فخالفوهم، فما هم من الحنيفية على شيء. وقوله ﵇: والله ما جعل الله لأحد خيرة في اتباع غيرنا، وإن من وافقنا خالف عدونا، ومن وافق عدونا في قول أو عمل فليس منا ولا نحن منه. وقول العبد الصالح ﵇ في الحديثن المختلفين: خذ بما خالف القوم، وما وافق القوم فاجتنبه. وقول الرضا ﵇: إذا ورد عليكم خبران متعارضان فانظروا إلى ما يخالف منهما العامة فخذوه، وانظروا بما يوافق أخبارهم فدعوه. وقول الصادق ﵇: "والله ما بقي في أيديهم شيء من الحق إلا استقبال الكعبة فقط" (١). وبعد ذكر هذه الروايات رد على بعض المتأخرين فمن يظن بأن الأخبار في هذا المعنى لا تخرج عن كونها آحاداً، وقال: "والأحاديث .. قد تجاوزت حد التواتر، فالعجب من بعض المتأخرين حيث ظن ان الدليل هنا خبر واحد .. واعلم أنه يظهر من هذه الأحاديث المتواترة بطلان أكثر القواعد الأصولية المذكورة في كتب العامة" (٢). وأما علة مخالفة المسلمين في معتقداتهم ومروياتهم فيذكرها ابن بابويه القمي الملقب بالصدوق عند الشيعة في كتابه (علل الشرائع) تحت باب (العلة التي من أجلها يجب الأخذ بخلاف ما تقوله العامة):

стр. 122

عن أبي إسحاق الأرجاني رفعه قال: قال أبو عبد الله ﵇: أتدري لم أمرتم بالأخذ بخلاف ما تقوله العامة؟ فقلت: لا ندري، فقال: "إن علياً ﵇ لم يكن يدين الله بدين إلا خالف عليه الأمة إلى غيره إرادة لإبطال أمره، وكانوا يسألون أمير المؤمنين ﵇ عن الشيء الذي لا يعلمونه، فإذا أفتاهم جعلوا له ضداً من عندهم ليلبسوا على الناس" (١). فتلك هي المؤامرة، وهذه هي حصيلتها، أي إنكار كل ما يؤمن به المسلمون، قرآناً كان أم سنة. وأكثر من ذلك أن الشيعة بتصريحهم أنفسهم لا يجتمعون مع المسلمين على الإله، ولا على نبي، ولا على إمام كما صرح بذلك كبيرهم نعمت الله الجزائري بقوله: "إنا لا نجتمع معهم على الإله، ولا على نبي، ولا على إمام، وذلك أنهم يقولون: إن ربهم هو الذي كان محمد ﷺ نبيه، خليفته بعده أبو بكر، ونحن لا نقول بهذا الرب، ولا بذلك النبي، بل نقول: إن الرب الذي خليفة نبيه أبو بكر ليس ربنا، ولا ذلك النبي نبينا" (٢). فالعبارة واضحة جلية في معناها لا تحتاج إلى بيان وتفسير وتفهيم من يظن من مخدوعي أهل السنة بأباطيل الشيعة وأكاذيبهم بأن الخلاف بينهم وبين المسلمين أهل السنة اختلاف يسير لا يخرج عن حيز الاجتهاد المسموح به (٣) وليس كما يقوله السيد الدكتور في مبحثه (الشيعة والسنة النبوية): "ولجميع هذه الآراء أشباه ونظائر كثيرة في آراء أهل السنة أنفسهم وليس منها ما يمكن أن يوصف صاحبه بزيغ أو انحراف" (٤). إن الأمر ليس كما وصفت أيها السيد! الدكتور منحنا الله وإياك قلباً نفقه به، وأعيناً نبصر بها، وآذاناً نسمع بها .. وما ذلك على الله بعزيز .. لأن الحكمة ضالة المؤمن فهو أحق بها حيث وجدها. فمن يرد الله أن يهديه يشح صدره للإسلام.

стр. 123

الباب الرابع الشيعة الإثنا عشرية ونزول الوحي والملائكة بعد الرسل إن السيد الدكتور وافي ذكر في الباب الثاني أيضاً عند كلامه عن الشيعة والسنة النبوية أن الشيعة يعتقدون العصمة والإلهام في أئمتهم (١). ثم اعتذر لهم بثبوت الإلهام لكثير من الصحابة، وأنه لا لوم في هذا الاعتقاد، كما نفى عن الشيعة اعتقادهم بنزول الوحي بعد رسول الله ﷺ على أحد (٢). مع أن سيادته لم يدر حقيقة مذهب الشيعة في هذا كالمعهود عنه، أو تجاهل - لا قدر الله - تسامحاً وتكرماً وتحبباً وتقرباً إليهم، لأن الشيعة يعتقدون نزول الوحي على أئمتهم وعن طريق جبريل وعن طريق ملك أعظم وأفضل من جبريل، فإن أئمتهم في الحديث بوبوا أبواباً مستقلة في هذا الخصوص ولو تفضل سيادته بإلقاء النظرة العابرة الخاطفة على فهارس كتبهم في الحديث دون تحمل العناء والمشقة في قراءة الروايات وتلاوة الأخبار المروية الواردة في هذا الباب لعلم يقيناً بأن القوم في هذا الباب أيضاً يختلفون مع الأمة المسلمة اختلافاً كلياً، وينتهجون مسلكاً بعيداً عن مسلكهم ومذهبهم كل البعد. ونحن نكتفي لبيان معتقداتهم المعارضة لعقائد الأمة أجمعها بذكر عناوين بعض الأبواب التي زينوا بها صحاحهم ومجاميعهم في أوصاف أئمتهم من الكتب المعتمدة الموثوق بها المعتبرة في الحديث لديهم، ولا نسرد كل الروايات التي أوردوها في هذه الأبواب من تلك الكتب، بل نكتفي بخبر أو خبرين من الأخبار الكثيرة الكثيرة التي رووها فيها، ليحق الله الحق ويبطل الباطل

стр. 124

ولو كره المجرمون. فيروي محمد بن الحسن الصفار المتوفى سنة ٢٩٠هـالذي يعدونه من أصحاب الإمام المعصوم الحادي عشر - حسب زعمهم - الحسن العسكري (١). ويعدونه "ثقة، عظيم القدر، راجحاً، قليل السقط في الرواية" (٢). و"ثقة جليلاً، صدوقاً" (٣). وهو من أساتذة الكليني صاحب الكافي. كما أن كتابه (بصائر الدرجات الكبرى في فضائل آل محمد) بعد من الكتب المعتمدة المهمة والأصول المعتبرة الشيعية التي عليها اعتماد أئمة الشيعة في الحديث كما صرح بذلك المجلسي والأصفهاني والحر العاملي وغيرهم من أعاظم القوم في هذا الفن (٤) وخاصة أن له لقاءات ومسائل مع الحسن العسكري المذكور كما صرح بذلك الطوسي في رجاله (٥). يروي الصفار ذاك في كتابه هذا في أجزائه العشرة أخباراً كثيرة لا تعد ولا تحصى في إثبات الوحي على أئمة الشيعة ونزول الملائكة عليهم تحت عناوين كثيرة في أبواب شتى، فنبدأ بسرد عناوين الأبواب والروايات: الباب السادس عشر من الجزء الثامن في أمير المؤمنين أن الله ناجاه بالطائف وغيرها ونزل بينهما جبريل. وروى تحته روايات عشراً، منها: "عن حمران بن أعين قال: قلت لأبي عبد الله ﵇: جعلت فداك، بلغني أن الله ﵎ قد ناجى علياً ﵇؟ قال: أجل! قد كان بينهما مناجاة بالطائف نزل بينهما جبريل" (٦).

стр. 125

وروي عن أبي نافع قال: لما دعا رسول الله ﷺ علياً يوم خيبر، فتفل في عينيه وقال له: إذا أنت فتحتها فقف بين الناس، فإن الله أمرني بذلك. قال أبو رافع: فمضى علي ﵇ وأنا معه، فلما أصبح افتتح خيبر ووقف بين الناس وأطال الوقوف، فقال الناس: إن علياً ﵇ يناجي ربه، فلما مكث ساعة أمر بانتهاب المدينة التي فتحها، قال أبو رافع: فأتيت رسول الله ﷺ ، فقلت: إن علياً ﵇ وقف بين الناس كما أمرته، قال قوم منهم: إن الله ناجاه، فقال: نعم يا رافع! إن الله ناجاه يوم الطائف ويوم عقبة ويوم حنين، ويوم غُسِّلَ رسول الله (١). وهذا ليس من اختصاصات علي ﵁ حسب معتقد الشيعة، بل يشاركه فيها غيره من الأئمة الاثنى عشر كما يصرح بذلك القوم، ومنها ما رواه الصفار في الجزء التاسع من كتابه تحت عنوان (الباب الخامس عشر في الأئمة ﵈ أن روح القدس يتلقاهم إذا احتاجوا إليهم) وروى تحته ثلاثة عشر حديثاً عن أسباط عن أبي عبد الله جعفر أنه قال: "قلت: تسألون عن الشيء فلا يكون عندكم علمه؟ قال: ربما كان كذلك. قلت: كيف تصنعون؟ قال: تلقانا به روح القدس" (٢). ثم بوب باباً آخر بعنوان (باب الروح التي قال الله في كتابه: ﴿وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا﴾، إنها في رسول الله ﷺ وفي الأئمة يخبرهم ويسددهم ويوفقهم). وذكر تحته خمشة عشر خبراً، منها ما رواه عن أبي بصير قال: "قلت لأبي عبد الله ﵇: جعلت فداك عن قول الله ﵎:

стр. 126

﴿وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلنه نوراً نهدي به من نشاء من عبادنا وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم * صراط الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض ألا إلى الله تصير الأمور﴾. (١). قال: يا أبا محمد: خلق والله أعظم من جبرئيل وميكائيل، وقد كان مع رسول الله ﷺ يخبره ويسدده، وهو مع الأئمة يخبرهم ويسددهم" (٢). وروى مثل هذا الكليني في كافيه تحت عنوان (باب الروح التي يسدد الله بها الأئمة ﵈ عن أسباط بن سالم قال: سأل رجل من أهل هيت أبا عبد الله ﵇ عن قول الله : ﴿وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا .. ﴾ فقال: "منذ أن أنزل الله ذلك الروح على محمد ﷺ ما صعد إلى السماء، وإنه لفينا - وفي رواية: كان مع رسول الله يخبره ويسدده، وهو مع الأئمة من بعده" (٣). هذا ولقد أورد الصفار الثقة الجليل الصدوق لدى الشيعة رواية أخرى تحت باب (ما يسأل العالم عن العلم الذي يحدث به من صحف عندهم ازداده أو رواية فأخبر بسر وإن ذلك من الروح): "عن عبد الله بن طلحة قال: قلت لأبي عبد الله ﵇: أخبرني يا ابن رسول الله ﷺ عن العلم الذي تحدثونا به أمن صحف عندكم أم من رواية يرويها بعضكم عن بعض أو كيف حال العلم عندكم؟ قال: يا عبد الله! الأمر أعظم من ذلك وأجل، أما تقرأ كتاب الله؟. قلت: بلى! قال: أما تقرأ: ﴿وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا

стр. 127

ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان﴾ أفترون أنه كان في حال لا يدري ما الكتاب ولا الإيمان؟ قال: قلت: هكذا نقرؤها! قال: نعم، قد كان في حال لا يدري ما الكتاب ولا الإيمان حتى بعث الله تلك الروح فعلمه بها العلم والفهم، وكذلك تجري تلك الروح إذا بعثها الله إلى عبد علمه بها العلم والفهم - وفي رواية: تعرض بنفسه ﵇ (أي أراد من العبد نفسه) " (١). وعنون باباً آخر بعنوان (باب الروح التي قال الله: ﴿ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي﴾: (٢) إنها في رسول الله ﷺ وأهل بيته ﵈ يسددهم ويوفقهم ويفقههم). وذكر تحته اثنى عشر حديثاً، منها ما رواه عن أبي بصير قال: "سمعت أبا عبد الله ﵇ يقول: ﴿يسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي﴾ قال: ملك أعظم من جبرئيل وميكائيل لم يكن مع أحد ممن مضى غير محمد ﷺ ، وهو مع الأئمة يسددهم" (٣). وأورد هذه الروايات الكليني في (الكافي) عن أبي بصير أيضاً وغيره بلفظ: "وهو من الملكوت" (٤). ثم عقد الصفار باباً آخر (باب في الروح التي قال الله : ﴿ينزل الملائكة بالروح من أمره .. ﴾. (٥) وهي تكون مع الأنبياء والأوصياء) (٦). وذكر تحته روايات عديدة. كما بوّب باباً آخر بعنوان (باب في الإمام أنه يعلم الساعة التي يمضي فيها وما يزاد في الليل والنهار ولا يوكّل إلى نفسه). وأورد تحته تسع روايات (٧).

стр. 128

وقبل أن ننتقل إلى الجزء الآخر من هذا الكتاب نريد أن نذكر أنه ما من كتاب في الأخبار والروايات والحديث عند الشيعة إلا وفيه أبواب مستقلة بمثل هذه الأبواب التي بوبها الصفار، وأورد أصحابها تلك الروايات بعينها أو مثيلاتها التي أوردها الصفار في (بصائر الدرجات)، من المتقدمين والمتأخرين. فمثلاً يعقد الحر العاملي باباً في كتابه (الفصول المهمة في أصول الأئمة) جاء فيه: إن الملائكة ينزلون ليلة القدر إلى الأرض ويخبرون الأئمة ﵈ بجميع ما يكون في تلك السنة من قضاء وقدر، وإنهم يعلمون كل علم الأنبياء ﵈. ثم سرد تحته روايات كثيرة في هذا المعنى (١). كما أنه عقد أبواباً أخرى لبيان هذه العقيدة الواضحة الصريحة الثابتة لدى الشيعة مثل غيره من محدثي الشيعة ومتكلميهم، ونحن نورد بعضاً منها في خاتمة الكلام. ولقد بوب الصفار أبواباً عديدة في الجزء الثامن من كتابه لبيان أن أئمة الشيعة يوحى إليهم، ويتنزل عليهم الملائكة. فإنه عنون الباب التاسع من الجزء الثامن بعنوان (باب ما تزاد الأئمة ويعرض على كل من كان قبلهم من الأئمة، رسول الله ومن دونه من الأئمة ﵈. وروى تحته أحد عشر حديثاً ومنها ما رواه عن سماعة بن مهران قال: "قال أبو عبد الله ﵇: إن لله عالمين، عالماً أظهر عليه ملائكته، وأنبياءه ورسله، فما أظهر عليه ملائكته ورسله وأنبياءه فقد علمناه، وعالماً استأثر به، فإذا بدا لله في شيء منه أعلمناه ذلك، وعرض على الأئمة الذين كانوا من قبلنا" (٢). وفي باب آخر بعنوان (باب في الأئمة أنهم يزادون في الليل والنهار،

стр. 129

ولولا ذلك لنفد ما عندهم) سرد ثماني روايات، منها ما رواه عن أبي حمزة الثمالي قال: "قلت: جعلت فداك كل ما كان عند رسول الله ﷺ فقد أعطاه أمير المؤمنين بعده، ثم الحسن بعد أمير المؤمنين ﵇، ثم الحسين، ثم كل إمام إلى أن تقوم الساعة؟ قال: نعم، مع الزيادة التي تحدث في كل سنة وفي كل شهر، إي والله .. وفي كل ساعة" (١). وما رواه عن بشر بن إبراهيم أنه قال: "كنت جالساً عند أبي عبد الله ﵇ إذ جاءه رجل فسأله عن مسألة؟ فقال: ما عندي فيها شيء، فقال الرجل: إنا لله وإنا إليه راجعون، هذا الإمام مفترض الطاعة سألته عن مسألة فزعم أنه ليس عنده فيها شيء، فأصغى أبو عبد الله ﵇ أذنه إلى الحائط كأن إنساناً يكلمه، فقال: أين السائل عن مسألة كذا وكذا؟ وكان الرجل قد جاوز أسكفة (عتبة) الباب. قال: هاأنذا، فقال: القوم فيها هكذا. ثم التفت إلي فقال: لولا نزاد لنفد ما عندنا" (٢). ثم أورد باباً آخر (باب في الأئمة أنهم يعرفون بالإخبار من هو غائب عنهم). وسرد تحته روايات عديدة (٣). وبالمناسبة ما دمنا أوردنا روايات وذكرنا أبوباً من (بصائر الدرجات الكبرى) لثقة الشيعة بالأئمة وعظيم تقديرهم لأوصاف الأئمة نريد أن نذكر باباً آخر عقده في آخر جزء من هذا الكتاب لطرافته ولو أنه لا علاقة له بموضوعنا رأساً، وهو باب عنونه بعنوان (باب في ركوب أمير المؤمنين ﵇ السحاب، وترقيه في الأسباب والأفلاك).

стр. 130

وأطرف من ذلك أن المعلق على الكتاب وهو علامة الشيعة وحجتهم ميرزه محسن، علق على العنوان بقوله: ولا يخفى ما في عنوان الباب فإنه لا يختص بعلي ﵇ بل به، وبالحجة المنتظر ﵉" (١). وروى تحت هذا الباب روايات عديدة، منها ما روي عن أبي جعفر أنه قال: "أما إن ذا القرنين قد خير السحابين، فاختار الذلول وذخر لصاحبكم الصعب. قلت: وما الصعب؟ قال: ما كان من سحاب فيه رعد وبرق وصاعقة فصاحبكم يركبه، أما إنه سيركب السحاب ويرقى في الأسباب أسباب السماوات السبع، خمسة عوامر واثنين خراب، وفي رواية أخرى: أسباب السماوات السبع والأرضين السبع" (٢). ونرجع إلى موضوعنا فنقول: إن الصفار أدرج في الجزء السابع من الكتاب أيضاً أبواباً كثيرة في هذا الموضوع، وسرد تحتها روايات كثيرة، منها الباب الثاني بعنوان (باب في الإمام بأنه إن شاء أن يعلم العلم لعلم). منها ما رواه عن عمرو بن سعيد المدائني: عن أبي عبد الله ﵇ قال: "إذا أراد الإمام أن يعلم شيئاً علمه الله ذلك" (٣). وباباً آخر بعنوان (ما يفعل بالإمام من النكت والقذف والنقر في قلوبهم وآذانهم). أورد تحته ثلاث عشرة رواية. منها عن الحارث بن مغيرة أنه قال: "قلت لأبي عبد الله ﵇: هذا العلم الذي يعلمه عالمكم أشيء يلقى في قلبه أو ينكت في أذنه، فسكت حتى غفل القوم، ثم قال: ذاك وذاك" (٤).

стр. 131

وفي رواية: فقال: وحي كوحي أم موسى، ورواية أخرى: وقد يكونان معاً" (١). وعن النجاشي عن أبي عبد الله ﵇ أنه قال: "فينا والله من ينقر في أذنه وينكت في قلبه وتصافحه الملائكة. قلت: كان، أو يكون، أو اليوم؟ قال: بل اليوم. قلت: كان، أو اليوم؟ قال: بل اليوم والله يا ابن النجاشي حتى قالها ثلاثاً" (٢). وباب آخر (باب فيه تفسير الأئمة لوجود علومهم الثلاثة وتأويل ذلك). وروى تحته روايات منها ما رواها عن علي السائي قال: "سألت الصادق ﵇ عن مبلغ علمهم؟ فقال: مبلغ علمنا ثلاثة وجوه: ماض وغابر وحادث، فأما الماضي فمفسر، وأما الغابر فمزبور (٣). وأما الحادث فقذف في القلوب ونقر في الأسماع وهو أفضل علمنا ولا نبي بعد نبينا، وفي رواية: وأما النقر في الأسماع فإنه من الملك" (٤). وباب آخر (باب في الأئمة ﵈ محدثون مفهمون)، وروى تحته ثماني روايات، منها: "عن الحكم بن عيينة قال: دخلت على علي بن الحسن يوماً فقال لي: يا حكم .. هل تدري ما الآية التي كان علي بن أبي طالب ﵇ يعرف بها صاحب قتله ويعلم بها الأمور العظام التي كان يحدث بها الناس؟ قال الحكم: فقلت في نفسي: قد وقفت على علم من علم علي بن الحسين أعلم بذلك تلك الأمور العظام. قال: فقلت: لا والله! لا أعلم به، أخبرني بها يا ابن رسول الله ﷺ . قال:

стр. 132

والله! قول الله: ﴿وما أرسلنا من رسول ولا نبي ولا محدث﴾، فقلت: وكان علي بن أبي طالب محدثاً؟ قال: نعم! وكل إمام منا أهل البيت فهو محدث" (١). وفي الباب الذي يليه يبين من هو المحدث، وما هو شأنه؟ بعنوان (باب في أن المحدث كيف صفته؟ وكيف يصنع به؟ وكيف يحدث الأئمة؟). وأورد تحته ثلاث عشرة رواية، ومنها ما يرويها عن ابن أبي يعفور أنه قال: "قلت لأبي عبد الله ﵇: إنا نقول: إن علياً ﵇ لينكت في قلبه، أو ينقر في صدره وأذنه؟ قال: إن علياً ﵇ كان محدثاً. قال: فلما أكثرت عليه قال: إن علياً ﵇ كان يوم بني قريظة وبني النضير كان جبرئيل عن يمينه وميكائيل عن يساره يحدثانه" (٢). وروى عن علي بن الحسين أنه قال: "علم علي ﵇ في آية من القرآن وكتمنا الآية. قال: اقرأ يا حمران فقرأت: وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي. قال: فقال أبو جعفر ﵇: وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي ولا محدث. قلت: وكان علي ﵇ محدثاً؟ قال: نعم! فجئت إلى أصحابنا، فقلت: قد أصبت الذي كان الحكم يكتمنا. قال: قلت: قال أبو جعفر ﵇ كان يقول: علي ﵇ محدث، فقالوا لي: ما صنعت شيئاً .. ألا سألته من يحدثه؟ قال: فبعد ذلك إني أتيت أبا جعفر ﵇ فقلت: أليس حدثني أن علياً ﵇ كان محدثاً؟ قال: بلى! قلت: من يحدثه؟ قال: ملك يحدثه. قال: قلت: أقول: إنه نبي أو رسول؟

стр. 133

قال: لا. قال: بل مثله مثل صاحب سليمان ومثل صاحب موسى، ومثله مثل ذي القرنين" (١). وباب آخر (باب من يلقى شيء بعد شيء يوماً بيوم وساعة بساعة مما يحدث). وروى تحته عن ضريس أنه قال: "كنت مع أبي بصير عند أبي جعفر ﵇، فقال له أبو بصير: بم يعلم عالمكم جعلت فداك؟ قال: يا أبا محمد! إن عالمنا لا يعلم الغيب، ولو وكل الله عالمنا إلى نفسه كان كبعضكم ولكن يحدث إليه ساعة بعد ساعة" (٢). وروى أيضاً عن أبي بصير قال: "قلت لأبي عبد الله ﵇: جعلت فداك، أي شيء هو العلم عندكم؟ قال: ما يحدث بالليل والنهار والأمر بعد الأمر والشيء بعد الشيء إلى يوم القيامة، وفي رواية أخرى: ما يحدث بالليل والنهار يوماً بيوم وساعة بساعة" (٣). وباب آخر (باب في الأئمة ﵈ ورثوا العلم عن رسول الله ﷺ وعن علي ﵇، وإن العلم يقذف في صدورهم وينكت في آذانهم). وأورد تحته تسع روايات. وفي الجزء السادس روى رواية في (باب في أمير المؤمنين ﵇ أن النبي ﷺ علمه العلم كله، وشاركه في العلم ولم يشاركه في النبوة). عن حمران أنه قال: "قلت لأبي عبد الله ﵇: جعلت فداك: قد بلغني أن الله قد ناجى

стр. 134

علياً؟ قال: أجل! قد كان بينهما مناجاة بالطائف ونزل بينهما جبريل، وقال: إن الله علم رسوله الحلال والحرام والتأويل، فعلم رسول الله ﷺ علياً ﵇ علمه كله" (١). وعلى ذلك ذكر في الجزء الرابع من كتابه (باب في أن الأئمة يخاطبون ويسمعون الصوت ويأتيهم صور أعظم من جبريل وميكائيل) عن أبي عبد الله أنه قال: "إنا لنزاد في الليل والنهار، ولو لم نزد لنفد ما عندنا، قال أبو بصير: جعلت فداك من يأتيكم به؟ قال: إن منا من يعاي، وإن منا من ينقر في قلبه كيت وكيت، وإن منا لمن يسمع بأذنه وقعاً كوقع السلسلة في الطست. قال: فقلت له: من الذي يأتيكم بذلك؟ قال: خلق أعظم من جبريل وميكائيل" (٢). وكذلك روي في الباب الثامن من هذا الجزء بعنوان (باب في الإمام أنه تراءى له جبريل وميكائيل وملك الموت). وروي تحت روايات "أن جعفراً وأباه الباقر جاءهما جبريل وملك الموت بصورة شيخ طويل جميل أبيض الرأس واللحية، ورجل أدم حسن الوجه والشيمة وكان الأول جبريل، والثاني ملك الموت" (٣). وعلى ذلك ينص القوم بأن أئمتهم أفضل من جميع الأنبياء بما فيهم أولو العزم من الرسل وأعلم منهم، كما بوب صاحبنا هذا محمد بن الحسن الصفار (باب في أمي المؤمنين ﵇ وأولو العزم أيهم أعلم) (٤). كما أن الحر العاملي بوب باباً بعنوان (إن النبي والأئمة الاثنى عشر ﵈ أفضل من سائر المخلوقات من الأنبياء والأوصياء السابقين، والملائكة وغيرهم، وإن الأنبياء أفضل من الملائكة) (٥).

стр. 135

وابن بابويه القمي الملقب بصدوق الشيعة بوب باباً في كتابه بعنوان (أفضلية النبي ﷺ والأئمة على جميع الملائكة والأنبياء ﵈ (١). ولا يخلو كتاب من كتب الشيعة إلا وفيه أبواب متشابهة في هذا المعنى. وقد سردوا تحتها روايات أكثر من أن تحصى حسب تعبير محدث الشيعة الحر العاملي (٢). منها ما رووا عن أبي جعفر أنه قال لأحد أتباعه: "يا عبد الله! ما تقول الشيعة في علي ﵇ وموسى وعيسى (٣)؟ قال: قلت: جعلت فداك، وعن أي حالات تسألني؟ قال: أسألك عن العلم، فأما الفضل فهم سواء. قال: قلت: جعلت فداك، فما عسى أقول فيهم. فقال: هو والله أعلم منهما" (٤). ورووا عن ابنه جعفر أنه قال: "إن الله خلق أولي العزم من الرسل وفضلهم بالعلم، وأورثنا علمهم وفضلهم، وفضلنا عليهم في علمهم، وعلم رسول الله ﷺ ما لم يعلموا، وعلمنا علم رسول الله ﷺ وعلمهم" (٥). وهناك باب آخر بعنوان (باب أن الأئمة ﵈ أفضل من موسى والخضر ﵉. ثم روى تحته روايات عديدة، منها ما رواه عن أبي جعفر محمد الباقر أنه قال:

стр. 136

لقد سأل موسى العالم (يعني الخضر) مسألة لم يكن عنده جوابها، ولقد سأل العالم موسى مسألة لم يكن عنده جوابها، ولو كنت بينهما لأخبرت كل واحد منهما بجواب مسألته، ولسألتهما عن مسألة لا يكون عندهما جوابها" (١). هذا وإننا لنرى بأن ما أوردناه من الأبواب وسردناه من الروايات يكفي لبيان الحق والحقيقة، والمعتقدات الأصيلة الشيعية في أئمتهم حول نزول الوحي والملائكة عليهم، وأنه لا فرق بينهم وبين أنبياء الله ورسله حيث أنهم يخاطبون ويكلمون، ويقذف في قلوبهم، ويلقى في مسامعهم، وتنزل عليهم الملائكة، جبرئيل ومن دونه وفوقه، ويناجيهم الرب جل وعلا - تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً - ولا نريد إكثار الروايات المملة في هذا الموضوع مع وجود أضعاف الأضعاف منها في (بصائر الدرجات) وغيره من الكتب المعتبرة الموثقة المعتمدة (٢) لدى الشيعة، كما نريد أن نبين ههنا أنه لم يكن اختيارنا كتاب (بصائر الدرجات) هذا لبيان معتقدهم في نزول الوحي والملائكة على أئمتهم مع وجود هذه الروايات في كتب الحديث والتفسير الأخرى إلا أن صاحب (البصائر) وهو الصفار من أقدم المحدثين الشيعة وشيخ مؤلفي الصحاح الأربعة أو شيخ شيخهم. وأيضاً فإن هذا الكتاب لم يؤلف إلا لسرد الروايات الشيعية من الأئمة المعصومين المزعومين في فضائلهم، وإننا لندرك أننا أكثرنا الروايات في هذا البحث خلاف البحوث المتقدمة لأننا لم نورد هذا المبحث وهذه الروايات في كتبنا الأربعة عن الشيعة (٣) ولأنه مهم في فهم أصول الشيعة وعقائدهم. وجلاء للحق الذي هو واضح وجلي مما سبق نريد أن نذكر بعض العناوين

стр. 137

للأبواب التي ذكرها الكليني في (الأصول من الكافي) في هذا الخصوص فقط. وفي كتاب الحجة لا غير كي لا تبقى شبهة لشاك ولا ريب لمرتاب. فهذه بعض عناوين الأبواب من كتاب الحجة في (الأصول من الكافي): باب طبقات الأنبياء والرسل والأئمة. باب أن الأئمة ولاة أمر الله وخزنة علمه. باب أن الأئمة خلفاء الله في أرضه، وأبوابه التي منها يؤتى. باب أن الأئمة معدن العلم وشجرة النبوة ومختلف الملائكة. باب عرش الأعمال على النبي والأئمة. باب أن الأئمة ورثوا علم النبي وجميع الأنبياء والأوصياء الذين من قبلهم. باب أن الأئمة عندهم جميع الكتب التي نزلت من عند الله وأنه يعرفونها على اختلاف ألسنتهم. باب ما عند الأئمة من آيات الأنبياء. باب في أن الأئمة يزدادون في ليلة الجمعة. باب لولا أن الأئمة يزدادون لنفد ما عندهم. باب أن الأئمة يعلمون جميع العلوم التي خرجت إلى الملائكة والأنبياء والرسل. باب أن الأئمة إذا شاءوا أن يعلموا علموا. باب أن الأئمة يعلمون علم ما كان وما يكون وأنه لا يخفى عليهم الشيء. باب أن الله لم يعلم نبيه علماً إلا أمره أن يعلمه أمير المؤمنين، وأنه كان شريكه في العلم. باب أن الأئمة محدثون مفهمون. باب فيه ذكر الأرواح التي في الأئمة. باب الروح التي يسدد الله بها الأئمة. باب أن الأئمة لم يفعلوا شيئاً ولا يفعلون إلا بعهد من الله وأمر منه لا يتجاوزونه. باب أن الأئمة تدخل الملائكة بيوتهم، وتطأ بسطهم، وتأتيهم بالأخبار، وهذا آخر ما أردنا ثبته في هذا الباب. وإن في ذلك لعبرة لأولي الألباب.

стр. 138

الباب الخامس الشيعة الإثنا عشرية وعقائدهم الفصل الأول الرجعة من الأفكار اليهودية المدسوسة بين المسلمين والتي تولى كبر إثمها ابن اليهودية. البار بها عبد الله بن سبأ .. فكرة الرجعة، أي رجوع الأموات قبل البعث والنشور عند ظهور القائم الشيعي المعدوم المزعوم، من أئمتهم وأتباعهم، مع أعدائهم ومخالفيهم لينتقموا منهم ويشفوا صدورهم كما ذكر المجلسي خاتمة محدثي الشيعة: ويرجع للدنيا يوم ظهور حضرة القائم ﵇ مَن مَحَض الإيمان محضاً أو محض الكفر محضاً، فيرجع أعداؤه لينتم منهم في هذا العالم ويشاهدون من ظهور كلمة الحق وعلو كلمة أهل البيت ما أنكروه عليهم، فتكون رجعة الكفار لينالهم عقاب شديد" (١). وهذا الاعتقاد كاد أن يكون من المجمع عليه عند الشيعة، لا خلاف بينهم في ذلك، ولم يشذ فيه أحد ممن يعتد به ويعتمد على قوله كما ذكر الحر العاملي مستدلاً على صحة الرجعة وإمكانها ووقوعها. بإجماع جميع الشيعة الإمامية وإطباق الشيعة الاثنى عشرية على صحة اعتقاد الرجعة فلا يظهر منهم مخالف يعتد به من العلماء السابقين ولا اللاحقين، وقد علم دخول المعصوم في هذا الإجماع بورود الأحاديث الواردة عن النبي ﷺ وعن الأئمة ﵈، الدالة على اعتقادهم بصحة

стр. 139

الرجعة حتى إنه قد ورد ذلك عن صاحب الزمان محمد بن الحسن المهدي ﵇ في التوقيعات الواردة عنه وغيرها مع قلة ما ورد عنه في مثل ذلك من نسبة ما ورد عن آبائه ﵈" (١). ومثل ذلك ذكره أيضاً مفسر الشيعة القديم أبو علي الطبرسي في تفسيره تحت قول الله : ﴿ويوم نحشر من كل أمة فوجاً ممن يكذب بآياتنا فهم يوزعون﴾ واستدل بهذه الآية على صحة الرجعة من ذهب إلى ذلك من الإمامية بأن قال: إن دخول من في الكلام يوجب التبعيض، فدل ذلك على أن اليوم المشار إليه في الآية يحشر فيه قوم دون قوم، وليس ذلك صفة يوم القيامة، الذي يقول فيه سبحانه: ﴿ .. وحشرناهم فلم نغادر منهم أحداً﴾. "وقد تظاهرت الأخبار عن أئمة الهدى من آل محمد ﷺ في أن الله سيعيد عند قيا المهدي قوماً ممن تقدم موتهم من أوليائه وشيعته ليفوزوا بثواب نصرته ومعونته ويبتهجوا بظهور دولته، ويعيد أيضاً قوماً من أعدائه لينتقم منهم وينالوا بعض ما يستحقونه من العذاب في القتل على أيدي شيعته والذل والخزي بما يشاهدون من علو كلمته .. على أن جماعة من الإمامية تأولوا ما ورد من الأخبار في الرجعة على رجوع الدولة والأمر والنهي دون رجوع الأشخاص وإحياء الأموات، وأولوا الأخبار الواردة في ذلك لما ظنوا أن الرجعة تنافي التكليف. وليس ذلك، لأنه ليس فيها ما يلجئ إلى فعل الواجب والامتناع من القبيح والتكليف يصح معها كما يصح مع ظهور المعجزات الباهرة والآيات القاهرة كفلق البحر وقلب العصا تعباناً وما أشبه ذلك، ولأن الرجعة لم تثبت بظواهر الأخبار المنقولة فيتطرق التأويل عليها، وإنما المعول في ذلك على إجماع الشيعة الإمامية وإن كانت الأخبار تعضده وتؤيده" (٢). وقبله قال بهذا القول الشريف المرتضى الملقب عند الشعة بعلم الهدى في جواب أسئلة سئل بها عن حقيقة الرجعة فأجاب:

стр. 140

"بأن الذي تذهب إليه الشيعة الإمامية أن الله تعالى يعيد عند ظهور المهدي قوماً ممن تقدم موته من شيعته وقوماً من أعدائه" (١). وقبله شيخ المرتضى وإمام متكلمي الشيعة وفقهائها، محمد بن النعمان الملقب بالمفيد قال: اتفقت الإمامية على وجوب رجعة كثير من الأموات إلى الدنيا قبل يوم القيامة" (٢). وقال في موضع آخر في مقالاته تحت عنوان (القول في الرجعة): أقول: إن الله تعالى يرد قوماً من الأموات إلى الدنيا في صورهم التي كانوا عليها، فيعز منهم فريقاً ويذل فريقاً ويديل المحقين من المبطلين والمظلومين منهم من الظالمين، وذلك عند قيام مهدي آل محمد ﵈ وعليه السلام. وأقول: إن الراجعين إلى الدنيا فريقان: أحدهما من علت درجته في الإيمان وكثرت أعماله الصالحات وخرج من الدنيا على اجتناب الكبائر والموبقات، فيريه الله دولة الحق ويعزه بها ويعطيه من الدنيا ما كان يتمناه، والآخر من بلغ الغاية في الفساد وانتهى في خلاف المحقين إلى أقصى الغايات وكثر ظلمه لأولياء الله واقترافه السيئات، فينتصر الله تعالى لمن تعدى قبل الممات ويشفي غيظهم منه بما يحله من النقمات، ثم يصير الفريقان من بعد ذلك إلى الموت ومن بعده إلى النشور وما يستحقونه من دوام الثواب والعقاب، وقد جاء القرآن بصحة ذلك، تظاهرت به الأخبار، والإمامية بأجمعها عليه إلا شذاذ منهم تأولوا ما ورد فيه مما ذكرناه على وجه يخالف ما وصفناه" (٣). ونقف هنا برهة يسيرة لنلقي نظرة على مغالطة الدكتور وافي سواء وقع فيها أو أراد إيقاع الناس فيها حيث كتب تحت عنوان الرجعة:

стр. 141

"للرجعة في عقيدة الشيعة الجعفرية مظهران: النوع الأول: من الرجعة في عقائدهم وهو رجوع الإمام المهدي بمعنى ظهوره من مخبئه وهو موضع اتفاق عندهم، بل هو عماد مذهبهم. وأما النوع الثاني: وهو رجعة الأبرار والأشرار رجعة مؤقتة فليس من العقائد المتفق عليها عندهم، بل إن كثيراً منهم لينكر هذا النوع من الرجعة" (١). ثم كتب في الهامش: انظر أوائل المقالات وتصحيح الاعتقادات للشيخ المفيد، وهو من كبار شيوخهم" (٢). ويتلخص ردنا في النقاط التالية: أولاً: إن السيد الدكتور لا يدري إطلاقاً مذهب الشيعة الجعفرية في الرجعة حيث قال: "إن رجعة الأبرار والأشرار رجعة مؤقتة فليس من العقائد المتفق عليها عندهم. بل إن كثيراً منهم لينكر هذا النوع من الرجعة" لأننا كما ذكرنا سابقاً وكما نحن بصدد ذكره أن الشيعة الجعفرية أو الإمامية أو الاثنى عشرية كلهم تقريباً متفقون على هذه العقيدة من أعيانهم وكبرائهم ومشائخهم من المحدثين والمفسرين والفقهاء والكلاميين. وعلى ذلك قال الحر العاملي: "فلا يظهر منهم مخالف يعتد به من العلماء السابقين واللاحقين، وقد علم دخول المعصوم في هذا الإجماع" (٣). وبذلك قال صدوق الشيعة ورئيس محدثيهم ابن بابويه القمي في كتابه الكلامي تحت عنوان (باب الاعتقاد في الرجعة): "اعتقادنا يعني معشر الإمامية في الرجعة أنها حق" (٤). وقال الملا باقر المجلسي صاحب (بحار الأنوار) بعد سرد الأخبار الكثيرة عن الرجعة: اعلم يا أخي أني لا أظن أنك قد ترتاب بعد ما مهدت وأوضحت لك بالقول في الرجعة التي أجمعت عليه الشيعة في جميع الأعصار واشتهرت

стр. 142

بينهم كالشمس في رابعات النهار .. وكيف يشك مؤمن بأحقية الأئمة الأطهار فيما تواترت عنهم من مائتي حديث رواها نيف وأربعون من الثقات العظام والعلماء الأعلام في أزيد من خمسين من مؤلفاتهم" (١). ومثل ذلك قال الحر العاملي: "ومما يدل على ثبوت الإجماع اتفاقهم على أحاديث الرجعة حتى إنه لا يكاد يخلو منه كتاب من كتب الشيعة، ولا تراهم يضعفون حديثاً واحداً منها، ولا يتعرضون لتأويل شيء منها، فعلم أنهم يعتقدون مضمونها لأنهم يضعفون كل حديث يخالف اعتقادهم أو يصرحون بتأويله وصرفه عن ظاهره" (٢). وقال أيضاً: "ومما يدل على ذلك أيضاً كثرة النصوص الصريحة الموجودة في الكتب الأربعة وغيرها من الكتب المعتمدة .. ما يزيد على سبعين كتاباً قد صنفها عظماء الإمامية" (٣). وهذا يدل على أن السيد الدكتور مع ادعائه معرفة مذهب الشيعة لا يعرف عنه شيئاً. أو. . . وإن بعض الظن إثم!!! ثانياً: إن الدكتور وافي كتب على هامش الكلام: أوائل المقالات للشيخ المفيد وهو من كبار شيوخهم: كأنه يريد أن يفهم القارئ بأن هذا الكلام منقول عن المفيد الذي له مرتبته وشأنه لدى الشيعة. ولا أدري كيف أبرر له موقفه هذا، وأجد له المعاذير؟.

стр. 143

مع العبارة الصريحة التي نقلناها عن المفيد التي لا غموض فيها ولا إشكال، "هل السيد الدكتور عجز عن فهم كلام المفيد، الذي يفهمه الصغير والكبير" بلا صعوبة أو مشقة؟ أم أن السيد الدكتور لم يعرف عن كتاب المفيد إلا اسمه، وذكر كتابه دون أن يراجعه أو ينظر ما فيه؟ أم علم وقرأ ولكنه .. معاذ الله أن يذهب بي الخيال إلى ما يريد أن يذهب إليه!. وكلام المفيد واضح جلي كما ذكرناه آنفاً والذي قال في آخره: "وقد جاء القرآن بصحة ذلك وتظاهرت به الأخبار، والإمامية بأجمعها عليه، إلا شذاذ منهم تأولوا ما ورد فيه مما ذكرناه على وجه يخالف ما وصفناه" (١). وبعد هذا لا أستيطع أن أعلل كلام الدكتور الذي قال فيه: "إن رجعة الأبرار والأشرار رجعة مؤقتة، فليس من العقائد المتفق عليها عندهم، بل إن كثيراً منهم لينكر هذا النوع من الرجعة: ثم ينسب الكلام إلى (أوائل المقالات) للمفيد. وإن دلّ هذا على شيء فإنما يدلّ على أن السيد الدكتور ومن حذا حذوه ممن تأثروا بدعوة التقريب في مصر يجهلون مذهب الشيعة وعقائدهم، ولا يعلمون عنه وعنها شيئاً مع ادعائهم العلم والمعرفة، ولا يرددون إلا كلمات ألقيت في مسامعهم مزورة مموهة من قبل المخادعين الماكرين (٢) من الشيعة

стр. 144

الذين ترددوا على مصر وعلى البلاد السنية الأخرى التي لم تبتل بالتشيع، ولم يحتج علماؤها ومفكروها إلى معرفة هذه الديانة التي لم تؤسس إلا على أفكار وآراء تعارض الآراء الإسلامية وأفكارها الصحيحة المستقاة من كتاب الله وسنة رسول الله، والمبنية عليهما تماماً. ومعلوم أن نصوص الكتاب والسنة تخالف هذه العقيدة السخيفة أيضاً حيث أن لا ثواب ولا عقاب ولا جزاء ولا عطاء، ولا حساب ولا كتاب إلا يوم القيامة، وهو يوم الفصل ويوم الدين، يوم البعث ويوم النشور، ويوم الحشر، والآيات القرآنية الناطقة بهذه الحقائق الناصعة أكثر من أن تعد أو تحصى، ومنها ما ذكر فيها حكاية عن المذنبين: ﴿حتى إذا جاء أحده الموت قال رب ارجعون * لعلي أعمل صالحاً فيما تركت كلا إنها كلمة هو قائلها ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون * فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون * فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون * ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم في جهنم خالدون﴾ (١). وهذه الآية صريحة في معناها لا تحتمل التأويل أنه ليس بعد الموت إلا البرزخ إلى يوم البعث، ويوم البعث هو اليوم الذي يفصل فيه بين الصالحين وغير الصالحين، ويدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار. وقال الله مبيناً خلقة الإنسان وما إليه يصير في كلامه المحكم:

стр. 145

﴿ولقد خلقنا الإنسان من سلاسة من طين * ثم جعلناه نطفة في قرار مكين * ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاماً فكسونا العظام لحماً ثم أنشأناه خلقاً آخر فتبارك الله أحسن الخالقين﴾ (١). وقال الله حكاية عن الكفار وأهل النار: ﴿وكانوا يقولون أئذا متنا وكنا تراباً وعظاماً أئنا لمبعوثون * أبو آباؤنا الأولون * قل إن الأولين والآخرين لمجموعون إلى ميقات يوم معلوم﴾ (٢). وقال تعالى: ﴿زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا قل بلى وربي لتعبثن ثم لتنبؤن بما عملتم وذلك على الله يسير * فآمنوا بالله ورسوله والنور الذي أنزلنا والله بما تعملون خبير * يوم يجمعكم ليوم الجمع ذلك يوم التغابن ومن يؤمن بالله ويعمل صالحاً يكفر عنه سيئاته ويدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبداً ذلك الفوز العظيم * والذي كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار خالدين فيها وبئس المصير﴾ (٣). أي لا يكون البعث إلا يوم الجمع للحساب والكتاب ويوم دخول الجنة والنار، لا قبله. ومثل ذلك قول الله : ﴿وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور﴾ (٤). أي لا يكون بعث من في القبور إلا يوم القيامة. والآيات في هذا المعنى كثيرة جداً، وكذلك الأحاديث الشريفة الثابتة عن رسول الله ﷺ . وإنها أي مسألة البعث في الدنيا تنافي العقل أيضاً كما فصل القول فيها في الكتب الكلامية.
следующие страницы →