← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 37553

الرد على الدكتور عبد الواحد وافي في كتابه بين الشيعة وأهل السنة

إحسان إلهي ظهير

Полный текст (204 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

"للرجعة في عقيدة الشيعة الجعفرية مظهران: النوع الأول: من الرجعة في عقائدهم وهو رجوع الإمام المهدي بمعنى ظهوره من مخبئه وهو موضع اتفاق عندهم، بل هو عماد مذهبهم. وأما النوع الثاني: وهو رجعة الأبرار والأشرار رجعة مؤقتة فليس من العقائد المتفق عليها عندهم، بل إن كثيراً منهم لينكر هذا النوع من الرجعة" (١). ثم كتب في الهامش: انظر أوائل المقالات وتصحيح الاعتقادات للشيخ المفيد، وهو من كبار شيوخهم" (٢). ويتلخص ردنا في النقاط التالية: أولاً: إن السيد الدكتور لا يدري إطلاقاً مذهب الشيعة الجعفرية في الرجعة حيث قال: "إن رجعة الأبرار والأشرار رجعة مؤقتة فليس من العقائد المتفق عليها عندهم. بل إن كثيراً منهم لينكر هذا النوع من الرجعة" لأننا كما ذكرنا سابقاً وكما نحن بصدد ذكره أن الشيعة الجعفرية أو الإمامية أو الاثنى عشرية كلهم تقريباً متفقون على هذه العقيدة من أعيانهم وكبرائهم ومشائخهم من المحدثين والمفسرين والفقهاء والكلاميين. وعلى ذلك قال الحر العاملي: "فلا يظهر منهم مخالف يعتد به من العلماء السابقين واللاحقين، وقد علم دخول المعصوم في هذا الإجماع" (٣). وبذلك قال صدوق الشيعة ورئيس محدثيهم ابن بابويه القمي في كتابه الكلامي تحت عنوان (باب الاعتقاد في الرجعة): "اعتقادنا يعني معشر الإمامية في الرجعة أنها حق" (٤). وقال الملا باقر المجلسي صاحب (بحار الأنوار) بعد سرد الأخبار الكثيرة عن الرجعة: اعلم يا أخي أني لا أظن أنك قد ترتاب بعد ما مهدت وأوضحت لك بالقول في الرجعة التي أجمعت عليه الشيعة في جميع الأعصار واشتهرت

стр. 142

بينهم كالشمس في رابعات النهار .. وكيف يشك مؤمن بأحقية الأئمة الأطهار فيما تواترت عنهم من مائتي حديث رواها نيف وأربعون من الثقات العظام والعلماء الأعلام في أزيد من خمسين من مؤلفاتهم" (١). ومثل ذلك قال الحر العاملي: "ومما يدل على ثبوت الإجماع اتفاقهم على أحاديث الرجعة حتى إنه لا يكاد يخلو منه كتاب من كتب الشيعة، ولا تراهم يضعفون حديثاً واحداً منها، ولا يتعرضون لتأويل شيء منها، فعلم أنهم يعتقدون مضمونها لأنهم يضعفون كل حديث يخالف اعتقادهم أو يصرحون بتأويله وصرفه عن ظاهره" (٢). وقال أيضاً: "ومما يدل على ذلك أيضاً كثرة النصوص الصريحة الموجودة في الكتب الأربعة وغيرها من الكتب المعتمدة .. ما يزيد على سبعين كتاباً قد صنفها عظماء الإمامية" (٣). وهذا يدل على أن السيد الدكتور مع ادعائه معرفة مذهب الشيعة لا يعرف عنه شيئاً. أو. . . وإن بعض الظن إثم!!! ثانياً: إن الدكتور وافي كتب على هامش الكلام: أوائل المقالات للشيخ المفيد وهو من كبار شيوخهم: كأنه يريد أن يفهم القارئ بأن هذا الكلام منقول عن المفيد الذي له مرتبته وشأنه لدى الشيعة. ولا أدري كيف أبرر له موقفه هذا، وأجد له المعاذير؟.

стр. 143

مع العبارة الصريحة التي نقلناها عن المفيد التي لا غموض فيها ولا إشكال، "هل السيد الدكتور عجز عن فهم كلام المفيد، الذي يفهمه الصغير والكبير" بلا صعوبة أو مشقة؟ أم أن السيد الدكتور لم يعرف عن كتاب المفيد إلا اسمه، وذكر كتابه دون أن يراجعه أو ينظر ما فيه؟ أم علم وقرأ ولكنه .. معاذ الله أن يذهب بي الخيال إلى ما يريد أن يذهب إليه!. وكلام المفيد واضح جلي كما ذكرناه آنفاً والذي قال في آخره: "وقد جاء القرآن بصحة ذلك وتظاهرت به الأخبار، والإمامية بأجمعها عليه، إلا شذاذ منهم تأولوا ما ورد فيه مما ذكرناه على وجه يخالف ما وصفناه" (١). وبعد هذا لا أستيطع أن أعلل كلام الدكتور الذي قال فيه: "إن رجعة الأبرار والأشرار رجعة مؤقتة، فليس من العقائد المتفق عليها عندهم، بل إن كثيراً منهم لينكر هذا النوع من الرجعة: ثم ينسب الكلام إلى (أوائل المقالات) للمفيد. وإن دلّ هذا على شيء فإنما يدلّ على أن السيد الدكتور ومن حذا حذوه ممن تأثروا بدعوة التقريب في مصر يجهلون مذهب الشيعة وعقائدهم، ولا يعلمون عنه وعنها شيئاً مع ادعائهم العلم والمعرفة، ولا يرددون إلا كلمات ألقيت في مسامعهم مزورة مموهة من قبل المخادعين الماكرين (٢) من الشيعة

стр. 144

الذين ترددوا على مصر وعلى البلاد السنية الأخرى التي لم تبتل بالتشيع، ولم يحتج علماؤها ومفكروها إلى معرفة هذه الديانة التي لم تؤسس إلا على أفكار وآراء تعارض الآراء الإسلامية وأفكارها الصحيحة المستقاة من كتاب الله وسنة رسول الله، والمبنية عليهما تماماً. ومعلوم أن نصوص الكتاب والسنة تخالف هذه العقيدة السخيفة أيضاً حيث أن لا ثواب ولا عقاب ولا جزاء ولا عطاء، ولا حساب ولا كتاب إلا يوم القيامة، وهو يوم الفصل ويوم الدين، يوم البعث ويوم النشور، ويوم الحشر، والآيات القرآنية الناطقة بهذه الحقائق الناصعة أكثر من أن تعد أو تحصى، ومنها ما ذكر فيها حكاية عن المذنبين: ﴿حتى إذا جاء أحده الموت قال رب ارجعون * لعلي أعمل صالحاً فيما تركت كلا إنها كلمة هو قائلها ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون * فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون * فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون * ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم في جهنم خالدون﴾ (١). وهذه الآية صريحة في معناها لا تحتمل التأويل أنه ليس بعد الموت إلا البرزخ إلى يوم البعث، ويوم البعث هو اليوم الذي يفصل فيه بين الصالحين وغير الصالحين، ويدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار. وقال الله مبيناً خلقة الإنسان وما إليه يصير في كلامه المحكم:

стр. 145

﴿ولقد خلقنا الإنسان من سلاسة من طين * ثم جعلناه نطفة في قرار مكين * ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاماً فكسونا العظام لحماً ثم أنشأناه خلقاً آخر فتبارك الله أحسن الخالقين﴾ (١). وقال الله حكاية عن الكفار وأهل النار: ﴿وكانوا يقولون أئذا متنا وكنا تراباً وعظاماً أئنا لمبعوثون * أبو آباؤنا الأولون * قل إن الأولين والآخرين لمجموعون إلى ميقات يوم معلوم﴾ (٢). وقال تعالى: ﴿زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا قل بلى وربي لتعبثن ثم لتنبؤن بما عملتم وذلك على الله يسير * فآمنوا بالله ورسوله والنور الذي أنزلنا والله بما تعملون خبير * يوم يجمعكم ليوم الجمع ذلك يوم التغابن ومن يؤمن بالله ويعمل صالحاً يكفر عنه سيئاته ويدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبداً ذلك الفوز العظيم * والذي كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار خالدين فيها وبئس المصير﴾ (٣). أي لا يكون البعث إلا يوم الجمع للحساب والكتاب ويوم دخول الجنة والنار، لا قبله. ومثل ذلك قول الله : ﴿وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور﴾ (٤). أي لا يكون بعث من في القبور إلا يوم القيامة. والآيات في هذا المعنى كثيرة جداً، وكذلك الأحاديث الشريفة الثابتة عن رسول الله ﷺ . وإنها أي مسألة البعث في الدنيا تنافي العقل أيضاً كما فصل القول فيها في الكتب الكلامية.

стр. 146

ولكن الشيعة يعتقدون عكس ذلك ويقولون: إذا آن قيام القائم ومطر الناس في جمادى الآخرة وعشرة أيام من رجب مطراً لم ير الناس مثله، فينبت الله به لحوم المؤمنين في أبدانهم في قبورهم، فكأني أنظر إليهم مقبلين من قبل جهينة ينفضون رءوسهم من التراب (١). ويقولون: إن الحسين ﵇ يرجع إلى الدنيا مع خمسة وسبعين ألفاً من الرجال (٢). وأيضاً ما رووه عن جعفر أنه قال: إن أمير المؤمنين ﵇ يرجع مع ابنه الحسين ﵇ رجعة، وترجع معه بنو أمية، معاوية وآل معاوية، وكل من قاتله، فيعذبهم بالقتل وغيره، ويرجع الله من أهل الكوفة ثلاثين ألفاً، ومن سائر الناس سبعين ألفاً، ويتلاقون في الحرب مع معاوية في ذلك المكان، ثم يحييهم الله سبحانه مرة فيعذبهم مع فرعون وآل فرعون اشد العذاب، ثم يرجع أمير المؤمنين ﵇ مرة أخرى مع النبي ﷺ وجميع الأنبياء ﵈" (٣). وأكثر من ذلك أنهم قالوا: لا يبعث الله نبياً ولا رسولاً إلا رد إلى الدنيا من آدم فهلم جراً حتى يقاتل بين يدي علي بن أبي طالب ﵇" (٤). هذا ولقد سردنا روايات كثيرة في هذا المعنى في كتابنا (الشيعة والتشيع فرق وتاريخ)، ومن أراد الاستزادة فليرجع إلى ذلك. وهذا يدل على أن عقيدة الرجعة عند الشيعة من العقائد المتفق عليها عندهم، ويعدونها من ضروريات المذهب كما صرح بذلك الحر العاملي (٥).

стр. 147

ونقلوا عن جعفر بن محمد الباقر أنه قال: "ليس منا من لم يؤمن بكرتنا - رجعتنا - ويستحل متعتنا" (١). وقد ألفوا لإثبات هذه العقيدة كتباً كثيرة، منها: (إثبات الرجعة) للملا باقر المجلسي المتوفى عام ١١١١هـ، و (إثبات الرجعة) لجمال الخوانساري المتوفى سنة ١١٢٥هـ، و (إثبات الرجعة) للحسن الحلي من علماء الشيعة في القرن السابع، و (إثبات الرجعة) لابن المطهر الحلي المتوفى سنة ٧٢٦هـ، و (إثبات الرجعة) لمير محمد عباس التستري الهندي المتوفى سنة ١٣٠٦هـ، و (إثبات الرجعة) لملا سلطان محمود من تلامذة المجلسي، و (إثبات الرجعة) لسليمان القطيفي المتوفى سنة ١٢٦٦هـ، و (إثبات الرجعة) للفضل بن شاذان النيسابوري المتوفى سنة ٢٦٠هـ، و (إثبات الرجعة) ليحيى البحراني، و (إثبات الرجعة) للميرزا حسن القمي، و (إثبات الرجعة) لمحمد رضا الطبسي، و (الإمامية والرجعة) لعبد الله رزاق الهمداني، و (الإيقاظ من الهجعة بالبرهان على الرجعة) للحر العاملي، و (بشارة الفرج) للملا فرج بن عاشور، و (تفريج الكربة عن المنتقم لهم في الرجعة) لمحمود فتح الله الكاظمي المتوفى سنة ١٠٥٨هـ، و (الجوهر المنضود في إثبات رجعة الموعود) لأحمد بيان الأصفهاني، و (حياة الأموات بعد الموت) لأحمد البحراني المتوفى سنة ١١٣١هـ، و (دحض البدعة من إنكار الرجعة) لمحمد علي السنقري، و (دلائل الرجعة) لغلام علي العقيقي، و (الرجعة أحاديثها المنقولة عن آل العصمة) لأحمد بن المحسن، و (الرجعة وظهور الحجة) للميرزا محمد مؤمن الاسترا آبادي المتوفى سنة ١٠٨٨هـ، و (كتاب الرجعة) لمحمد بن مسعود العياشي صاحب تفسير العياشي المشهور، و (كتاب الرجعة) لابن بابويه القمي المتوفى سنة ٣٨١هـ، و (الرجعة) للملا حبيب الله الكاشاني المتوفى سنة ١٣٤٠هـ، و (النجعة في إثبات الرجعة) لعلي النقي الهندي. والجدير بالذكر أن هذه العقيدة أعني الرجعة مأخوذة من اليهودية أيضاً كما صرح بذلك جولدزيهر:

стр. 148

"إن فكرة الرجعة ذاتها ليست من وضع الشيعة أو من عقائدهم التي اختصوا بها، ويحتمل أن تكون قد تسربت إلى الإسلام عن طريق المؤثرات اليهودية والمسيحية" (١). وبمثل ذلك قال أحمد أمين: "اليهودية ظهرت في التشيع بالقول بالرجعة" (٢). وهذا ظاهر لا يحتاج في إثباته إلى دليل حيث أن المؤرخين والكتّاب في الفرق والأديان صرحوا أن مؤسس الديانة الشيعية عبد الله بن سبأ هو الذي روج فيهم فكرة الرجعة، وهو أول من قال بها كما نقل الطبري: "كان عبد الله بن سبأ يهودياً من أهل صنعاء، أمه سوداء فأسلم زمان عثمان، ثم تنقل في بلدان المسلمين يحاول ضلالتهم، فبدأ بالحجاز ثم البصرة ثم الكوفة ثم الشام، فلم يقدر على ما يريد عند أحد من أهل الشام فأخرجوه حتى أتى مصر فاعتمر فيهم فقال لهم فيما يقول: العجب ممن يزعم أن عيسى يرجع ويكذب بأن محمداً يرجع؟ وقد قال الله : إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد. فمحمد أحق بالرجوع من عيسى، قال: فقبل ذلك عنه، ووضع لهم الرجعة فتكلموا فيها" (٣). ويوافق الطبري في هذا غيره من المؤرخين. وبعد هذا لا يبقى مجال للشك على يهودية الفكرة. وقبل أن ننتقل إلى موضع آخر نقرر هنا أن القوم لا يعتقدون بالرجعة فحسب، بل يتجاوزونها إلى التناسخ حيث أوردوا روايات كثيرة عن أئمتهم المعصومين حسب زعمهم في ذلك المعنى، منها ما رووا أن أبا جعفر الملقب بمؤمن الطاق عند الشيعة، وشيطان الطاق عند الآخرين

стр. 149

لقي يوماً من الأيام أبا حنيفة نعمان بن ثابت الإمام ﵀، فسأله أبو حنيفة: إنكم تقولون بالرجعة؟ قال: نعم. قال أبو حنيفة: فأعطني الآن ألف درهم حتى أعطيك ألف دينار إذا رجعنا. قال الطاقي لأبي حنيفة: فأعطني كفيلاً بأنك ترجع إنساناً ولا ترجع خنزيراً" (١). وقد روى النجاشي أنه قال له: أريد ضميناً يضمن لي أنك تعود إنساناً، فإني أخاف أن تعود قرداً فلا أتمكن من استرجاع ما أخذت مني" (٢). ومثل هذا كثير. أما محاولة الدكتور علي عبد الواحد واقي وضع هذه العقيدة السخيفة، يهودية الأصل بجانب عقيدة أهل السنة بالمهدي المنتظر فليس إلا عبثاً محضاً. وكذلك حكمه على الأحاديث الكثيرة عن ذلك المهدي بأن كثيراً منها موضوع، وما بقي منها ضعيف كل الضعف فليس إلا حكماً جائراً غير صحيح لدى المحققين والنقاد المهرة من أهل السنة.

стр. 150

الفصل الثاني أعمال العباد إن الشيعة الاثنى عشرية يقولون: إن أفعال العباد غير مخلوقة لله .. وقد روي عن أبي الحسن الثالث ﵇ أنه سئل عن أفعال العباد: هل هي مخلوقة؟ فقال ﵇: لو كان خالقاً لها لما تبرأ منها وقد قال : إن الله بريء من المشركين ورسوله، ولم يرد البراءة من خلق ذواتهم، وإنما تبرأ من شركهم وقبائحهم" (١). وقد قال الحر العاملي في كتابه تحت باب: (إن الله سبحانه خالق كل شيء إلا أفعال العباد): أقول: "مذهب الإمامية والمعتزلة أن أفعال العباد صادرة عنهم وهم خالقون لها" (٢). ولكن شيخهم المفيد كره إطلاق لفظ خالق على أحد من العباد حيث قال تحت عنوان (إ الخلق يفعلون ويحدثون ويخترعون ويصنعون ويكتسبون ولا أطلق عليهم القول بأنهم يخلقون ولا لهم خالقون) " (٣). وهذا مخالف لصريح القرآن حيث ذكر فيه: ﴿والله خلقكم وما تعملون﴾ (٤).

стр. 151

و ﴿ذلكم الله ربكم خالق كل شيء لا إله إلا هو. .﴾ (١). و ﴿ .. وخلق كل شيء فقدره تقديراً﴾ (٢). و ﴿ذلكم الله ربكم لا إله إلا هو خالق كل شيء فاعبدوه .. ﴾ (٣). وأيضاً ﴿ .. قل الله خالق كل شيء وهو الواحد القهار﴾ (٤). وأيضاً ﴿الله خالق كل شيء وهو على كل شيء وكيل﴾ (٥). وغير ذلك من الآيات الكثيرة. ومعروف أن أفعال العباد داخلة في "كل شيء". وقد أقر بذلك الباقر حيث قال: "إن الله خلو من خلقه، وخلقه خلو منه، وكل ما وقع عليه اسم شيء ما خلا الله فهو مخلوق، والله خالق كل شيء" (٦). وأما "نفي نسبة أفعال العباد إلى الله لأن فيها قبيحاً لا يصح أن ينسب إليه" فليس إلا لغواً محضاً؛ لأن الخالق المتعالي خلق كل شيء ثم أخبر الإنسان عن الحسن والقبيح وأمرهم بإتيان الأول واجتناب الثاني وخيرهم في ذلك، وأنار لهم السبل، وأرسل لهم الرسل لبيان الخير والشر، والحق والباطل، والحسن والقبيح، وأعطى لهم عقولاً ليتفكروا بها ويعقلوا، وقلوباً ليتدبروا بها ويتبصروا، قال جل وعلا: ﴿وهديناه النجدين﴾ (٧). و ﴿قل هذه سبيل أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني .. ﴾ (٨).

стр. 152

و ﴿وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون﴾ (١). وقال: ﴿فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره * ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره﴾ (٢). وقال: ﴿وأن ليس للإنسان إلا ما سعى * وأن سعيه سوف يرى * ثم يجزاه الجزاء الأوفى﴾ (٣). أي أن الإنسان ليس مجبوراً محضاً، ولا مختاراً مطلقاً، بل هو بين الجبر والاختيار. إن الله خلق الإنسان، وإن الله يعلم ما سيعمل في حياته ويفعل في مستقبله فخلق أفعاله على علمه ذاك، ويسر له السبل بعد تفويضه الاختيار أن يعمل هذا أو ذاك، وبعد إرشاده أن هذا حسن وذاك قبيح، قال : ﴿فأما من أعطى واتقى * وصدق بالحسنى * فسنيسره لليسرى * وأما من بخل واستغنى * وكذب بالحسنى * فسنيسره للعسرى﴾ (٤). ولم يجبرهم على هذا أو ذاك. قال تعالى: ﴿ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعاً .. ﴾ (٥). وقال: ﴿ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة .. ﴾ (٦). ومعنى هذا كله أن الله خلق أفعال العباد حسب علمه الذي أحاط بكل شيء. ﴿. . وكان الله بكل شيء محيطاً﴾.

стр. 153

و ﴿وأن الله قد أحاط بكل شيء علماً﴾ (١). و ﴿. . والله بكل شيء عليم﴾ (٢). و ﴿إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء﴾ (٣). و ﴿ .. وسع ربي كل شيء علماً أفلا تتذكرون﴾ (٤). و ﴿ .. وما يخفى على الله من شيء في الأرض ولا في السماء﴾ (٥). وأما عقاب العبد وثوابه، فلا يكون إلا على اكتساب العبد ذلك الفعل والعمل به بعد اختياره على كسب ذلك أو تركه، فإن كان شراً فشر، وإن كان خيراً فخير. لا دخل فيه لقدرة العباد على خلق الأفعال أو على عدم الخلق، وهذا ما صرح الله في كتابه بقوله: ﴿وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير﴾ (٦). وقوله : ﴿ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون﴾ (٧). وقوله ﵎: ﴿. . وما ظلمناهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون﴾ (٨). فالثواب والعقاب على الاكتساب لا على الخلق وعدم الخلق، وهذه المسألة قد تاهت فيها عقول الشيعة الإمامية فلم يفهموها، لا في ضوء الكتاب ولا السنة - وهم يعتقدون فيهما ما يعتقدون - ولا في ضوء روايات أئمتهم المعصومين حسب زعمهم، كما روى الكليني وغيره عن أبي بصير أنه قال:

стр. 154

"كنت بين يدي أبي عبد الله ﵇ جالساً فسأله سائل، فقال: جعلت فداك يا ابن رسول الله من أين لحق الشقاء بأهل المعصية حتى حكم لهم بالعذاب على عملهم في علمه؟ فقال أبو عبد الله: أيها السائل علم الله لا يقوم له أحد من خلقه بحقه، فلما حكم بذلك وهب لأهل محبته القوة على طاعته ووضع عنهم ثقل العمل بحقيقة ما هم أهله، ووهب لأهل المعصية القوة على معصيتهم لسبق علمه فيهم ومنعهم إطاعة القبول منهم، فوافقوا ما سبق لهم في علمه تعالى ولم يقدروا أن يأتوا حالاً تنجيهم من عذابه، لأن علمه أولى بحقيقة التصديق، وهو معنى شاء ما شاء وهو سره" (١). وأيضاً ما رواه الكليني عن أبي عبد الله جعفر بن الباقر أنه قال: لا جبر ولا تفويض ولكنه أمر بين أمرين" (٢). ومثل ذلك روي عن علي بن موسى الرضا - الإمام الثامن لدى الشيعة - وقد رواه يزيد بن عمير أنه قال: دخلت على علي بن موسى الرضا وقلت له: يا ابن رسول الله روي لنا عن الصادق جعفر بن محمد ﵇ أنه قال: لا جبر ولا تفويض ولكنه أمر بين أمرين، فما معناه؟ فقال: وجود السبل إلى إتيان ما أمروا به وترك ما نهوا عنه. فقلت: فهل لله مشيئة وإرادة في ذلك؟ فقال: أما الطاعة فإرادة الله وميشئته فيها الأمر بها والرضا لها والمعاونة عليها، وإرادته ومشيئته في المعاصي النهي عنها والسخط لهما والخذلان عليها. قلت: فلله فيها القضاء؟ قال: نعم ما من فعل يفعله العباد من خير وشر إلا وفيه قضاء" (٣).

стр. 155

ومثل ذلك روي أيضاً عن جعفر أنه سئل عن الجبر والقدر؟ فقال: لا جبر ولا قدر، ولكن منزلة بينهما" (١). وروى حريز عن جعفر بن محمد أنه قال: الناس في القدر على ثلاثة أوجه: رجل يزعم أن الله أجبر العبد على المعاصي فهذا قد ظلم الله في حكمه فهو كافر، ورجل يزعم أن الله فوض الأمور إليهم فهذا وهن الله في سلطانه فهو كافر، ورجل يقول: إن الله كلف العباد بما يطيقون، ولم يكلفهم بما لا يطيقون، فإذا أحسن حمد الله، وإذا أساء استغفر الله فهذا مسلم بالغ" (٢). فحاصل الكلام: أن العبد ليس بمجبور محض ولا بمختار مطلق، لا كما يزعمه الشيعة: "أن أفعال العباد صادرة عنهم وهم خالقون لها" (٣). لأن العقاب والثواب لا يكون على خلق الأفعال، بل على كسب الأفعال. وأما قولهم: إن نسبة أفعال العباد إلى الله بأنها مخلوقة له، وفيها قبيح لا تصح" فقول مخالف روايات أئمتهم أيضاً حيث أن أئمتهم قالوا كما ذكر محدثوهم أن الله خلق الشر كما خلق الخير، والشر قبيح بلا شك، فكيف ينسبونه - وهم المعصومون حسب زعمهم - إلى الله؟ وهذه هي رواياتهم: يروي الكليني عن جعفر بن محمد الباقر أنه قال: "إن الله كتب في كتبه: إني أنا الله لا إله إلا أنا خلقت الخير والشر، فطوبى لمن أجريت على يده الخير، وويل لمن أجريت على يده الشر" (٤). ومثل ذلك رواه عن معاوية عن أبي عبد الله أنه كان يقول: مما أوحى الله تعالى على موسى وأنزل عليه التوراة: أني أنا الله لا إله إلا أنا خلقت الخلق وخلقت الخير، وأجريته على يد من أحب، فطوبى لمن أجريته على يديه، وأنا الله لا إله إلا أنا خلقت الخلق وخلقت الشر وأجريته على يد من أريد، وويل لمن أجريت على يده الشر" (٥).

стр. 156

ومثل ذلك ذكر القمي في تفسيره عنه أنه قال: قال الله : أنا الله لا إله إلا أنا خالق الخير والشر" (١). فهل من مجيب: الشر قبيح أم لا؟ فكيف نسبه أئمتهم المعصومون - حسب زعمهم - إلى الله ؟ وهم رووا أيضاً في كتبهم عن جعفر بن محمد الباقر أنه نسب خلق الشقاوة إلى الله أيضاً ولا شك في قبحها كما رواه الكليني عن منصور بن حازم أنه قال: قال أبو عبد الله ﵇: إن الله خلق السعادة والشقاوة قبل أن يخلق الخلق" (٢). ثم وما معنى قول الدكتور عبد الواحد وافي: "يذهب الشيعة الجعفرية إلى أن العبد يحدث أعماله ولكن بقدرة أودعها الله فيه" (٣). فمن يكون الموجود الحقيقي إذاً؟ هل الذي أوجد قدرة الفعل في خلقه أم الذي خلقت فيه هذه القدرة على ذلك الفعل؟ لأن العبد محروم من قدرة الإيجاد والإبداع، وقدرة الفعل والاكتساب، وما دام الله هو المبدع وهو الخالق فيه هذه القدرة فلا تنسب ثمرته ونتيجته إلا إليه، ولا دخل للإنسان فيه. فليتدبر الشيعة في جوابه. وأما كون الرب خالقاً لأفعال العباد فهل يقال إنه فعل ما هو قبيح منه وظلم أم لا؟ فيجيب على ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في الرد على ابن المطهر الحلي بقوله: فأهل السنة المثبتون للقدرة يقولون: ليس هو بذلك ظالماً ولا فاعلاً قبيحاً، والقدرية يقولون: لو كان خالقاً لأفعال العباد كان ظالماً فاعلاً لما هو قبيح منه، وأما كون الفعل قبيحاً من فاعله فلا يقتضي أن يكون قبيحاً

стр. 157

من خالقه، كما أن كونه أكلاً وشرباً لفاعله لا يقتضي أن يكون كذلك لخالقه لأن الخالق خلقه في غيره ولم يقم بذاته، فالمتصف به من قام به الفعل لا من خلقه في غيره كما أنه إذا خلق لغيره لوناً وريحاً وحركة وقدرة كان ذلك الغير هو المتصف بذلك اللون والريح والحركة والقدرة والعلم، فهو المتحرك بتلك الحركة، والمتلون بذلك اللون، والعالم بذلك العلم، والقادر بتلك القدرة، فكذلك إذا خلق في غيره كلاماً أو صلاة أو صياماً أو طوافاً لأن ذلك الغير هو المتكلم بذلك الكلام وهو المصلي وهو الصائم وهو الطائف ولكن من قال: إن الفعل هو المفعول يقول: إن أفعال العباد هي فعل الله، فإن قال: وهو أيضاً فعل لهم لزمه أن يكون الفعل والحد لفاعلين كما يحكى عن أبي إسحاق الأسفرائيني. وإن لم يقل: هي فعل لهم لزمه أن تكون أفعال العباد فعلاً لله لا لعباده كما يقوله الأشعري ومن وافقه من أصحاب الأئمة الأربعة وغيرهم الذين يقولون: إن الخلق هو المخلوق، وإن أفعال العباد خلق الله، فتكون هي لله وهي مفعول لله كما أنها خلقه وهي مخلوقة، وهذا الذي ينكره جمهور العقلاء ويقولون: إن مكابرة للحس ومخالفة للشرع والعقل. وأما جمهور أهل السنة فيقولون: إن فعل العبد فعل له حقيقة ولكنه مخلوق لله ومفعول لله، لا يقولون: هو نفس فعل الله، ويفرقون بين الخلق والمخلوق والفعل والمفعول (١). وبعد بيان هذا كله نلقي نظرة عابرة على أخطاء الدكتور وافي في هذا الفصل القصير أيضاً كما عهدناها في جميع الفصول والأبواب، وعلى محاولاته تبرئة الشيعة من كثير من الانحرافات والزيغ والضلال، وتصويبهم في آرائهم ومعتقداتهم، فيقول: إن الشيعة الجعفرية يتفقون في بعض نواحي هذه العقيدة مع المعتزلة والقدرية ولكنهم يتقون انحراف المعتزلة بعدم موافقتهم لهم على القول بأن العباد

стр. 158

خالقون لأعمالهم، وهو القول الذي انحرف به المعتزلة عن الاعتقاد السليم" (١). ومن المؤسف حقاً أن الشيخ لا يعلم وهو في هذه المنزلة من العلم وتلك المرحلة من العمر، وبهذه الجرأة في الإقدام على الكتابة لتبرئة الشيعة ما لزمهم من العار والشنار، والقول بالباطل: إن الشيعة اتقوا انحراف المعتزلة بأن العباد خالقون لأعمالهم ذلك القول الذي انحرف به المعتزلة عن الاعتقاد السليم، بل وقعوا في عين ذلك الانحراف كما نقلنا عن الحر العاملي صاحب موسوعة حديثية شيعية كبرى (وسائل الشيعة) حيث يقول: مذهب الإمامية هو عين مذهب المعتزلة في أفعال العباد، وهذا هو نص عبارته في كتابه (الفصول المهمة في معرفة أصول الأئمة) تحت الباب السابع والأربعين: إن الله خالق كل شيء إلا أفعال العباد: أقول: مذهب الإمامية والمعتزلة أن أفعال العباد صادرة عنهم وهم خالقون لها" (٢). وقد أقر بذلك شيخ الشيعة المفيد في كتابه (أوائل المقالات) تحت باب: القول في العدل والخلق، بعد نفي خلق الأفعال عن الله تعالى: وعلى هذا القول جمهور أهل الإمامة، وبه تواترت الآثار عن آل محمد ﷺ ، وإليه يذهب المعتزلة بأسرها إلا ضراراً منها وأتباعهم وخالف فيه جمهور العامة (أي أهل السنة) وبقايا من عددناهم (٣). ونقل هذه العقيدة عنهم شيخ الإسلام ابن تيمية والشاه عبد العزيز الدهلوي في (التحفة الاثنى عشرية) وغيرهم من علماء أهل السنة والجماعة الذين كتبوا في الرد على الشيعة. وهذه هي العقيدة المنقولة المتوارثة عن الشيعة قديماً وحديثاً، وقد تجاهلها الدكتور وافي.

стр. 159

وأما تبرئة الدكتور وافي الشيعة وتقريره بأنهم لا يسمون غير الله خالقاً قد انفرد بالخلق والتكوين فليست إلا تبرئة قائمة على حسن الظن وعدم المعرفة بكلام القوم لأن الشيعة ينسبون الخلق إلى غير الله كما مر سابقاً في أفعال العباد، وأيضاً وقد رووه عن فتح بن يزيد الجرجاني أنه قال: قلت لأبي الحسن ﵇: هل غير الخالق الجليل خالق؟ قال: إن الله ﵎ يقول: ﴿. . فتبارك الله أحسن الخالقين﴾. إن في العباد خالقين وغير خالقين، منهم عيسى ﵇ خلق من الطين كهيئة الطير بإذن الله. والسامري خلق لهم عجلاً جسداً له خوار" (١). وهناك روايات أخرى عن أبي جعفر وغيره تدل على أن الخلق ينسب إلى الملك: "هو الذي خلق سبع سماوات وسبع أرضين وأشياء". وكذلك ما رواه الكليني أن ملكين خلاقين يخلقان بإذن الله من ذكر وأنثى وشقي وسعيد" (٢). وغير ذلك من الروايات. ولا أدري مع ذلك كيف أباح الدكتور لنفسه أن يدعي هذا الادعاء؟ وأن يلقن الشيعة ويلقي في أفواههم ما لا يقولونه أنفسهم؟

стр. 160

الفصل الثالث التقية ذكر الدكتور وافي فيما من معتقدات الشيعة التقية موافقاً إياهم في جوازها، مستنداً على القرآن والسنة حيث يقول: إننا نتفق معهم في جواز التقية في المواطن التي يشيرون إليها، والتي أجازها القرآن وأجازتها السنة النبوية الشريفة" (١). ولا يعلم الدكتور أن التقية الشيعية مخالفة للقرآن والسنة كل المخالفة، حيث أن معناها الكذب المحض والنفاق الخالص. ولم ترد آية في القرآن تبيح الكذب والنفاق، لا رواية ع رسول الله تجيزهما، بل على العكس من ذلك وردت آيات كثيرة في القرآن وأحاديث عديدة عن رسول الله ﷺ تحرم هذا وذاك. ولقد صرح بذلك شيخ الإسلام ابن تيمية في منهاجه حيث قال: النفاق والزندقة في الروافض أكثر من سائر الطوائف، بل لا بد لكل منهم من شعبة نفاق فإن أساس النفاق الذي بني عليه الكذب أن يقول الرجل بلسانه ما ليس في قلبه كما أخبر الله تعالى عن المنافقين أنهم ﴿يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم﴾ والرافضة تجعل هذا من أصول دينها وتسميه التقية، وتحكي هذا عن أئمة أهل البيت الذين برأهم الله عن ذلك، بل كانوا من أعظم الناس صدقاً وتحقيقاً للإيمان وكان دينهم التقوى، لا التقية. وقول الله تعالى: ﴿لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء إلا أن تتقوا منهم تقاة﴾ (٢): إنما هو الأمر بالاتقاء من الكفار، لا الأمر بالنفاق والكذب، والله تعالى قد أباح

стр. 161

لمن أكره على كلمة الكفر أن يتكلم بها إذا كان قلبه مطمئناً بالإيمان لكن لم يكره أحداً من أهل البيت على شيء من ذلك حتى أن أبا بكر ﵁ لم يكره أحداً، لا منهم ولا من غيرهم على متابعته، فضلاً أن يكرههم على مدحه والثناء عليه، بل كان علي وغيره من أهل البيت يظهرون ذكر فضائل الصحابة والثناء عليهم والترحم عليهم والدعاء لهم، ولم يكن أحد يكرههم على شيء منه باتفاق الناس. وقد كان في زمن بني أمية وبني العباس خلق عظيم دون علي وغيره في الإيمان والتقوى يكرهون منهم أشياء ولا يمدحونهم، ولا يثنون عليهم، ولا يقربونهم، ومع هذا لم يكن هؤلاء يخافونهم ولم يكن أولئك يكرهونهم مع أن الخلفاء الراشدين كانوا باتفاق الخلق أبعد عن قهر الناس وعقوبتهم على طاعتهم من هؤلاء، فإذا لم يكن الناس مع هؤلاء مكرهين على أن يقولوا بألسنتهم خلاف ما في قلوبهم .. فكيف يكونون مكرهين مع الخلفاء على ذلك، بل على الكذب وشهادة الزور وإظهار الكفر كما تقوله الرافضة من غير أن يكرههم أحد على ذلك، فعلم أن ما تتظاهر به الرافضة هو من باب الكذب والنفاق، وأن يقولوا بألسنتهم ما ليس في قلوبهم، لا من باب ما يكره المؤمن عليه من التكلم بالكفر" (١). وهو كما قاله شيخ الإسلام لأن الشيعة لم يؤسسوا دينهم إلا على الكذب والنفاق، ولم يروجوا ديانتهم إلا بإظهار ما لم يعتقدوه في السر وإعلان ما يبطنون خلافه دون أن يجبرهم على ذلك أحد أو يكرههم، وخير مثال لذلك ما رواه الكشي في كتابه عن أبان بن تغلب أنه قال: قلت لأبي عبد الله ﵇: إني أقعد في المسجد فيجيء الناس، فيسألوني، فإني لم أجبهم لم يقبلوا مني، وأكره أن أجيبهم بقولكم، وما جاء منكم؟ فقال لي: انظر ما علمت أنه من قولهم فأخبرهم بذلك" (٢).

стр. 162

ومثل ذلك رواه معاذ بن مسلم النحوي قال: "قال لي أبو عبد الله ﵇: بلغي أنك تقعد في الجامع فتفتي الناس؟ قال: قلت: نعم، وقد أردت أن أسألك عن ذلك قبل أن أخرج، إني أقعد في الجامع فيجيء الرجل فيسألني عن الشيء، فإذا عرفته بالخلاف لكم أخبرته بما يقولون، ويجيء الرجل أعرفه بحبكم أو مودتكم فأخبره بما جاء عنكم .. قال: فقال لي (أي أبو جعفر): اصنع كذا فإن أصنع كذا! " (١). ومثل ذلك روى أبو بصير عن محمد الباقر قال: "خالطوهم بالبرانية (أي ظاهراً) وخالفوهم بالجوانية (أي باطناً) " (٢). وهذه الروايات الثلاثة صريحة في معناها لا تحتاج إلى تشريح وتوضيح لبيان أن التقية الشيعية ليست إلا النفاق بعينها، وهذا هو المعبر عن المنافقين في القرآن الحكيم: ﴿وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزئون﴾ (٣). وذكره الله في أوصافهم وخصائصهم: ﴿. . يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم والله أعلم بما يكتمون﴾ (٤). وإن الروايات الشيعية عن أئمتهم المعصومين - حسب زعمهم - التي تنبئ وتخبر أن التقية الشيعية ليست إلا نفاقاً محضاً، كثيرة جداً، وقد أوردنا الكثير منها في كتابنا (الشيعة والسنة) تحت باب (الشيعة والكذب)، وما لم نوردها فيه نذكر بعضاً منها ههنا زيادة للفائدة والمعرفة، فيروي الكليني في كافيه عن هشام الكندي أنه قال: سمعت أبا عبد الله ﵇ يقول:

стр. 163

"إياكم أن تعملوا عملاً يعيرونا به، فإن ولد السوء يعير والده بعمله، كونوا لمن انقطعتم إليه زيناً، ولا تكونوا عليه شيناً، صلوا في عشائرهم، وعودوا مرضاهم، واشهدوا جنائزهم، ولا يسبقونكم إلى شيء من الخير فأنتم أولى به منهم. والله، ما عبد الله بشيء أحب إليه من الخبء. قلت: وما الخبء؟ قال: التقية" (١). وروي ابن بابويه القمي عن المدرك بن هزهاز أنه قال: "قال أبو عبد الله ﵇: يا مدرك، رحم الله عبداً اجتر مودة الناس إلى نفسه فحدثهم بما يعرفون، وترك ما ينكرون" (٢). وكذبوا على أصحاب الكهف حيث اتهموهم بالنفاق وخداع الناس بإظهارهم خلاف ما يبطنون في قلوبهم حيث نقلوا عن جعفر أنه قال: "ما بلغ التقية أحد تقية أصحاب الكهف إن كانوا ليشهدون الأعياد ويشدون الزنانير فأعطاهم الله أجرهم مرتين" (٣). مع أن الرب ﵎ أخبر عكس ذلك حيث ذكر في كلامه المحكم: ﴿ .. إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى * وربطنا على قلوبهم إذا قاموا فقالوا ربنا رب السماوات والأرض لن ندعو من دونه إلهاً لقد قلنا إذاً شططاً * هؤلاء قومنا اتخذوا من دونه آلهة لولا يأتون عليهم بسلطان بيّن فمن أظلم ممن افترى على الله كذباً * وإذ اعتزلتموهم وما يعبدون إلا الله فأووا إلى الكهف ينشر لكم ربكم من رحمته ويهيئ لكم من أمركم مرفقاً﴾ (٤). ولكن القوم يقولون عكس ذلك، ويأمرون الناس بالكذب، وأن يصيروا من المنافقين، الذين قال الله عنهم: ﴿إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ولن تجد لهم نصيراً﴾ (٥).

стр. 164

ومعروف أن الإنسان إذا كان في بلدة يخاف على دينه وعرضه وماله من تعرض المخالفين وجبرهم وظلمهم وقهرهم على عدم إظهار دينه والعمل بأحكامه وتعاليمه، وجب عليه أن يهاجر إلى محل يقدر فيه على إظهار دينه والعمل به كما قال الله : ﴿إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيراً * إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلاً * فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم وكان الله عفواً غفوراً * ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغماً كثيراً وسعة ومن يخرج من بيته مهاجراً إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله وكان الله غفوراً رحيماً﴾ (١). فأمرهم الرب ﵎ بالهجرة، إلا المستضعفين منهم، فإنه يجوز لهم المكث مع المخالفة والموافقة بقدر الضرورة، ووجب عليهم أيضاً أن يسعوا في الحيلة للخروج والفرار بدينهم. نعم، إن وقع شخص في أيدي الكفار، وأجبروه على كلمة الكفر بالتخويف والتهديد والحبس والفتك والقتل، جاز له أن ينطق بتلك الكلمة وقلبه مطمئن بالإيمان، وفي تلك الصورة .. فإن التفوه بهذه الكلمة رخصة وعدم التفوه بها عزيمة، ولو قتل دون ذلك فهو شهيد كما يدل على ذلك ما قاله الرسول الأعظم صلوات الله وسلامه عليه عن رجلين من أصحابه أخذهما مسيلمة الكذاب، فقال لأحدهما: أتشهد أن محمداً رسول الله؟ قال: نعم، فقال: أتشهد أني رسول الله؟ قال: نعم، ثم دعا الآخر فقال له: أتشهد أن محمداً رسول الله؟ قال: نعم، قال: أتشهد أني رسول الله؟

стр. 165

قال: إني أصم. قالها ثلاثاً، وفي كل يجيبه: إني أصم، فضرب عنقه، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال: "أما هذا المقتول فقد مضى على صدقه ويقينه وأخذ بفضله، فهنيئاً له، وأما الآخر فقد رحمه الله تعالى فلا تبعة عليه" (١). ولكن الشيعة جعلوا النفاق والكذب عزيمة، والصدق والمجاهرة بالحق رخصة، ولا رخصة أيضاً حيث نقلوا عن أئمتهم المعصومين حسب زعمهم - وهم يكذبون عليهم - أنهم قالوا كما رواه الكليني عن جعفر: يا سليمان، إنكم على دين من كتمه أعزه الله، ومن أذاعه أذله الله" (٢). وكما رواه الكليني أيضاً عن جعفر أنه قال لأحد أصحابه معلي بن خنيس: يا معلى، اكتم أمرنا ولا تذعه، فإنه من كتم أمرنا ولم يذعه أعزه الله به في الدنيا، وجعله نوراً بين عينيه في الآخرة، يقوده في الجنة. يا معلى، من أذاع أمرنا ولم يكتمه أذله الله به في الدنيا ونزع النور من بين عينيه في الآخرة، وجله ظلمة تقوده إلى النار. يا معلى، إن التقية من ديني ودين آبائي، ولا دين لمن لا تقية له" (٣). وروى الكليني أيضاً عن جعفر عن أبيه محمد الباقر أنه قال: لا والله ما على وجه الأرض شيء أحب إلي من التقية، يا حبيب، إنه من كانت له تقية رفعه الله، يا حبيب، من لم تكن له تقية وضعه الله" (٤). وعنه أيضاً عن أبي عمر الأعجمي أنه قال: قال لي أبو عبد الله ﵇: يا أبا عمر، إن تسعة أعشار الدين في التقية، ولا دين لمن لا تقية له، والتقية في كل شيء إلا النبيذ والمسح على الخفين" (٥).

стр. 166

كما روى أيضاً عن جعفر أنه قال: كان أبي ﵇ يقول: وأي شيء أقر لعيني من التقية، وإن التقية جنة المؤمن" (١). هذا وقد أورد عالم شيعي كبير هو عبد الله شبر في كتابه (الأصول الأصيلة والقواعد الشرعية) روايات كثيرة في وجوب التقية، منها ما رواه عن الحسين بن علي أنه قال: لولا التقية ما عرف ولينا من عدونا. وعن محمد الباقر أنه قال: أشرف أخلاق الأئمة والفاضلين من شيعتنا استعمال التقية. وعن أبيه علي بن الحسين أنه قال: يغفر الله للمؤمن كل ذنب ويطهره منه في الدنيا والآخرة ما خلا ذنبين، ترك التقية وتضييع حقوق الإخوان. وعن موسى بن جعفر أنه قال لرجل: لو جعل إليك التمني في الدنيا ما كنت تتمنى؟ قال: كنت أتمنى أن أرزق التقية في ديني وقضاء حقوق إخواني، فقال: أحسنت، أعطوه ألفي درهم. وعن علي بن محمد - الإمام العاشر للشيعة - أنه سئل: من أكمل الناس؟ قال: أعلمهم بالتقية وأقضاهم لحقوق إخوانه إلى أن قال: فأعظم فرائض الله عليكم بعد فرض موالاتنا ومعاداة أعدائكم استعمال التقية على أنفسكم وأموالكم ومعارفكم، وقضاء حقوق إخوانكم، وإن الله يغفر كل ذنب بعد ذلك ولا يستقصي، فأما هذان فقل من ينجو منهما إلا بعد مس عذاب شديد" (٢). ورووا أيضاً عن أبي الحسن - إمامهم المعصوم المزعوم - أنه قال:

стр. 167

إن أكرمكم عند الله أتقاكم، قال: أشدكم تقية" (١). وع داود الصرمي أنه قال: قال لي مولانا علي بن محمد ﵇: يا داود، لو قلت: إن تارك التقية كتارك الصلاة لكنت صادقاً" (٢). وروى الطوسي في أماليه عن جعفر أنه قال: ليس منا من لم يلزم التقية" (٣). فهذه هي التقية الشرعية، وهذه هي مكانتها وشأنها عندهم يقول السيد محب الدين الخطيب المصري في رسالته (الخطوط العريضة للأسس التي قام عليها مذهب الشيعة الاثنى عشرية): "وأول موانع التجاوب الصادق بإخلاص بيننا وبينهم ما يسمونه التقية، فإنها عقيدة دينية تبيح لهم التظاهر لنا بغير ما يبطنون، فينخدع سليم القلب منا بما يتطاهرون له به من رغبتهم في التعاون والتقارب، وهم لا يريدون ذلك، ولا يرضون به، ولا يعملون له" (٤). وأضف إلى قول السيد الخطيب: إن الشيعة لا يظهرون بغير ما يبطنون لنا أهل السنة خاصة. بل إنهم يعودون على الكذب حتى مع أهل مذهبهم كي يصير الكذب والنفاق سجيتهم وطبيعتهم كما روى الطوسي في أماليه أنه قال جعفر لشيعته: عليكم بالتقية، فإنه ليس منا من لم يجعلها شعاره وداثاره مع من يأمنه ليكون سجيته مع من يحذره" (٥). فمن يك هذا دينهم، أيقال عنهم: إننا نتفق معهم في جواز التقية في المواطن التي أشير إليها، والتي أجازها القرآن الكريم وأجازته السنة النبوية الشريفة".

стр. 168

ولقد أخطأ السيد الدكتور حيث قال: وقد أجازها الشيعة الجعفرية" (١). لأن الشيعة لا يجيزونها فحسب، بل يوجبونها كما نقلنا عنهم روايات كثيرة في ذلك، وكما صرح به صدوقهم ابن بابويه القمي في اعتقاداته: "التقية واجبة لا يجوز رفعها إلى أن يقوم القائم، ومن تركها قبل خروجه فقد خرج عن دين الإمامية، وخالف الله ورسوله والأئمة" (٢). وقال مفيدهم: "التقية كتمان الحق وستر الاعتقاد فيه، ومكاتمة المخالفين وترك مظاهرتهم بما يعقب ضرراً في الدين أو الدنيا، وفرض ذلك إذا علم بالضرورة أو قوي في الظن" (٣). وقال في (أوائل المقالات): إنها قد تجب أحياناً ويكون فرضاً، وتجوز أحياناً من غير وجوب (٤). ولقد فصلنا القول في ذلك في كتابنا (الشيعة والسنة) وبحثنا فيه عن الأسباب التي ألجأت الشيعة وأرغمتهم على اعتقادها، كما أوردنا فيه روايات كثيرة ونصوصاً عديدة من كتبهم المعتمدة ورجالاتهم الموثوقين، أعرضنا عن إيرادها ههنا تجنباً للتكرار والإطالة، وعلى كل من يريد أن يعرف حقيقة هذه العقيدة فليرجع إليه، فإنه لا غنى عنه. ونختم الكلام في هذا المبحث برواية يرويها بخاريهم الكليني عن عبد الله بن يعفور أنه قال: قلت لأبي عبد الله ﵇: إني أخالط الناس فيكثر عجبي من أقوام لا يتولونكم ويتولون فلاناً وفلاناً، لهم أمانة وصدق ووفاء، وأقوام يتولونكم ليس لهم تلك الأمانة ولا الوفاء ولا الصدق، قال:

стр. 169

فاستوى أبو عبد الله ﵇ جالساً، فأقبل علي كالغضبان، ثم قال: لا دين لمن دان الله بولاية إمام ليس من الله" (١). فكيف يكون الصدق والوفاء لقوم أمروا بالكذب والنفاق؟ يقول عالم شيعي هندي هو السيد إمام: "إن مذهب الإمامية وأهل السنة عينان تجريان إلى مختلف الجهات، وإلى القيامة تجريان هكذا متباعدتين، لا يمكن اجتماعهما أبداً" (٢).

стр. 170

الفصل الرابع البَداء هنالك عقيدة شيعية أخرى لا تقل شناعة عن العقائد الأخرى التي يختص بها القوم، وهي عقيدة البداء في الله. ومعنى البداء الظهور بعد الخفاء كما ذكر ذلك السيد محسن الأمين في كتابه (الشيعة بين الحقائق والأوهام) تحت عنوان البداء: البداء مصدر بدا يبدو بداء أي ظهر، ويستعمل في العرف بمعنى الظهور بعد الخفاء، فيقال: فلان كان عازماً على كذا ثم بدا له فعدل عنه" (١). وبمثل ذلك نقل ابن منظور الأفريقي عن اللغويين حيث قالوا: البداء استصواب شيء بعد أن لم يعلم .. وقال الفراء: بدا لي بداء أي ظهر لي رأي آخر وأنشد: لو على العهد لم يخنه لدمنا ... ثم لم يبد لي سواه بداء قال الجوهري: وبدا له في الأمر بداء أي نشأ له فيه رأي - وذكر أيضاً -: بدا لي أي تغير لي رأي على ما كان عليه" (٢). وفي هذا المعنى استعمل هذا اللفظ في القرآن الكريم: ﴿. . وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون﴾ (٣). ﴿وبدا لهم سيئات ما كسبوا وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون﴾ (٤).

стр. 171

﴿وبدا لهم سيئات ما عملوا وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون﴾ (١). ﴿. . قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر﴾ (٢). وأيضاً: ﴿. . فلما ذاقا الشجرة بدت لهما سوآتهما. .﴾ (٣). ففي كل الآيات استعمل هذا اللفظ بمعنى الظهور بعد الخفاء. وتجيز الشيعة هذا البداء لله، أي يظهر له أمر بعدما كان خفياً عليه - تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً - كما تنص على ذلك روايات شيعية كثيرة في أمهات كتبهم، المعتمدة الموثوقة، منها مارووه عن جعفر أنه كان يقول بإمامة ابنه إسماعيل بعده، ثم مات إسماعيل في حياته فقال: ما بدا لله في شيء كما بدا له في إسماعيل ابني" (٤) ومثل ذلك ما رواه الكليني في كافيه عن إمامهم العاشر علي بن محمد المكنى بأبي الحسن أنه لما مات ابنه الأكبر محمد المكنى بأبي جعفر وبقي له ابنه الأصغر الحسن المكنى بأبي محمد قال كما روى أبو هاشم الجعفري: كنت عند أبي الحسن ﵇ بعد ما مضى ابنه جعفر وإني لأفكر في نفسي أريد أن أقول: كأنهما أعني أبا جعفر وأبا محمد في هذا الوقت كأبي الحسن موسى وإسماعيل ابني جعفر بن محمد ﵈ وأن قصتهما كقصتهما، إذ كان أبو محمد المرجي بعد أبي جعفر ﵇ فأقبل عليّ أبو الحسن قبل أن أنطق فقال: نعم يا أبا هاش، بدا لله في أبي محمد بعد أبي جعفر ﵇ ما لم يكن يعرف له، كما بدا له في موسى بعد مضي إسماعيل ما كشف به عن حاله

стр. 172

وهو كما حدثتك نفسك وإن كره المبطلون، وأبو محمد ابنى المخلف من بعدي (١). وكما رواه أيضاً عن محمد بن عبد الله الأنباري أنه قال: كنت حاضراً أبا الحسن ﵇ لما توفي ابنه محمد فقال للحسن: يا بني أحدث لله شكراً فقد أحدث فيك أمراً (٢). وهذه الروايات الثلاثة صريحة في معناها بأن الله لم يكن يعلم بأن كلاً من إسماعيل بن جعفر، ومحمد بن علي لا يصلحان للإمامة، وخفي الأمر عليه، ثم ظهر له عدم صلاحيتهما لتلك المنزلة وذلك المنصب فأحدث الإمامة في موسى بن جعفر وحسن بن علي. هذا وروى محدثو الشيعة روايات كثيرة في هذا المعنى، منها ما رواه ابن بابويه القمي الملقب بالصدوق عن علي بن موسى الملقب بالرضا - الإمام الثامن لدى الشيعة -: لقد أخبرني أبي عن آبائي ﵈ عن رسول الله ﷺ قال: "إن الله أوحى إلى نبي من أنبيائه أن أخبر فلاناً الملك: أني متوفيه إلي كذا وكذا. فأتاه ذلك النبي فأخبره، فدعا الله الملك وهو على سريره حتى سقط من السرير، قال: يا رب، عجلني حتى يشب طفلي ويقضى أمري. فأوحى الله إلى ذلك النبي أن ائت الملك فأعلم أني قد أنسيت في أجله وزدت في عمره إلى خمس عشرة سنة، فقال ذلك النبي ﵇: يا رب، إنك لتعلم أني لم أكذب قط، فأوحى الله إليه: إنك عبد مأمور فأبلغه ذلك، والله لا يسأل عما يفعل (٣). ورووا مثل ذلك عن نبي الله عيسى الناطق بالوحي أنه مر بقوم مجلبين كما نقله القمي عن جعفر بن محمد فقال عيسى ﵇:

стр. 173

ما لهؤلاء؟ قيل: يا روح الله إن فلانة بنت فلان تهدى إلى فلان بن فلان في ليلتها هذه قال: يجلبون اليوم ويبكون غداً، فقال قائل منهم: ولم يا رسول الله؟ قال: لأن صاحبتهم ميتة في ليلتها هذه، فقال القائلون بمقالته: صدق الله وصدق رسوله، وقال أهل النفاق: ما أقرب غداً، فلما أصبحوا جاءوا فوجدوها على حالها لم يحدث بها شيء، فقالوا: يا روح الله إن التي أخبرتنا أمس أنها ميتة لم تمت، فقال عيسى ﵇: يفعل الله ما يشاء، فاذهبوا بنا إليها، فذهبوا يتسابقون حتى قرعوا الباب فخرج زوجها، فقال له عيسى ﵇: استأذن لي إلى صاحبتك، قال: فدخل عليها فأخبرها أن روح الله وكلمته بالباب مع عدة، قال: فتخدرت، فدخل عليها فقال لها: ما صنعت ليلتك هذه؟ قال: لم أصنع شيئاً إلا وقد كنت أصنعه فيما مضى إنه كان يعترينا سائل في كل ليلة جمعة فننيله ما يقوته إلى مثله، وأنه جاءني في ليلتي هذه وأنا مشغولة بأمري وأهلي في مشاغيل، فهتف فلم يجبه أحد، ثم هتف فلم يجبه أحد حتى هتف مراراً، فلما سمعت مقالته قمت متنكرة حتى أنلته كما كنا ننيله، فقال لها: تنحي عن مجلسك: فإذا تحت ثيابها أفعى مثل جذعة عاض على ذنبه، فقال ﵇: بما صنعت صرف الله عنك هذا (١). وكذبوا على نبي الله محمد صلوات الله وسلامه عليه نقلاً عن جعفر أيضاً أنه قال: مر يهودي بالنبي ﷺ فقال: السلام عليك، فقال رسول الله ﷺ : عليك، فقال أصحابه: إنما سلم عليك بالموت. قال: الموت عليك. قال النبي ﷺ : كذلك رددت، ثم قال النبي ﷺ : إن هذا اليهودي يعضه أسود في قفاه فيقتله. قال: فذهب اليهودي فاحتطب حطباً كثيراً فاحتمله،

стр. 174

ثم لم يلبث أن انصرف فقال له رسول الله ﷺ : ضعه فوضع الحطب فإذا أسود في جوف الحطب عاض على عود، فقال: يا يهودي ما عملت اليوم؟ قال: ما عملت عملاً إلا حطبي هذا احتملته فجئت به وكان معي كعكتان فأكلت واحدة وتصدقت بواحدة على مسكين، فقال رسول الله ﷺ : بها دفع الله عنه، وقال: إن الصدقة تدفع ميتة السوء عن الإنسان" (١). ومعنى الروايتين واضح جلي أن نبي الله عيسى ﵇ أخبر بموت العروسة بإخبار من الله وبوحي منه وخفي على الله - عياذاً بالله - بأن العروسة واليهودي لا يموتان في وقتهما الذي حدد لموتهما العارضة تعرض، وسبب يحدث، كما لم يظهر له - تعالى الله عما يقولونه علواً كبيراً - أن رسوليه يكذبان من قبل المعاندين، ويهزأ بهما من قبل المنافقين، ويتكلم الناس في أمرهما ما يتكلمون، ويكون في أيديهم حجة لتكذيبهم إياهم وللرد على مقولاتهم وأنبائهم فلا يبقى إذاً معنى النبوة والنبوءة. وعلى ذلك اضطرب القوم في أمر هذه العقيدة الخبيثة، المتفق عليها عند جميع الشيعة كما قال شيخهم المفيد: واتفقت الإمامية على إطلاق لفظ البداء في وصف الله تعالى وإن كان ذلك من جهة السمع دون القياس (٢). فهذه العقيدة المتفقة عندهم جعلتهم يضطربون عند الإيرادات والإشكالات ولا يجدون عنها مخلصاً إلا بالتأويلات الركيكة والتوجيهات الضعيفة الرخيصة، منها ما التجأ إليه كاتب شيعي دعائي في كتابه الدعائي (المشهور أصل الشيعة وأصولها)، وضعف قوته وفتور همته وقلة حيلته وعدم ثقته بكلامه تتدفق من عبارته وهو يقول: أما البداء الذي تقول به الشيعة الذي هو من أسرار آل محمد ﷺ وغامض علومهم حتى ورد في أخبارهم الشريفة أنه: ما عبد الله بشيء مثل القول بالبداء، وأنه: ما عرف الله حق معرفته ولم يعرف

стр. 175

بالبداء، إلى كثير من أمثال ذلك، فهو عبارة عن إظهار الله جل شأنه أمراً يرسم في ألواح المحو والإثبات وربما يطلع عليه بعض الملائكة المقربين أو أحد الأنبياء والمرسلين فيخبر الملك به النبي، والنبي يخبر به أمته، لم يقع بعد ذلك خلافه لأنه محاه وأوجد في الخارج غيره وكل ذلك كان جلت عظمته يعلمه حق العلم ولكن في علمه المخزون المصون الذي لم يطلع عليه لا ملك مقرب ولا نبي مرسل ولا ولي ممتحن، وهذا المقام من العلم هو المعبر عنه القرآن الكريم بأم الكتاب المشار إليه، وإلى المقام الأول بقوله تعالى: ﴿يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب﴾، ولا يتوهم الضعيف أن هذا الإخفاء والإبداء يكون من قبيل الإغراء بالجهل وبيان خلاف الواقع، فإن في ذلك حكماً ومصالح تقصر عنها العقول وتقف عندها الألباب (١). ثم إن القوم لم يقفوا في سرد الروايات لدعم عقيدتهم هذه إلى هذا الحد بل قالوا: إن نبي الله لوطاً ﵇ كان يخاف من البداء لله إلى حد أنه طالب ملائكة العذاب أن يعجلوا بقومه العذاب كي لا تتغير إرادة الله فيهم بسبب من الأسباب التي خفيت عليه وتظهر فيما بعد. وهذه هي عبارة القوم نقلاً عن محمد الباقر بعد ذكر رسل الله الذين أرسلوا إلى قوم لوط: قال لهم لوط: يا رسول ربي فما أمركم ربي فيهم؟ قالوا: أمرنا أن نأخذهم بالسحر. قال: فلي إليكم حاجة. قالوا: وما حاجتك؟ قال: تأخذونهم الساعة، فإني أخاف أن يبدو لربي فيهم. فقالوا: يا لوط، إن موعدهم الصبح، أليس الصبح بقريب (٢). وقد بالغوا هذا حتى قالوا نقلاً عن محمد الباقر: أنه قال:

стр. 176

إن الله إذا أراد أن يخلق النطفة التي مما أخذ عليها الميثاق في صلب آدم أو ما يبدو له فيه ويجعلها في الرحم حرك الرجل للجماع وأوحى إلى الرحم - أن افتحي بابك حتى يلج فيك خلقي وقضائي النافذ وقدري، فتفتح الرحم بابها فتصل النطفة إلى الرحم، فتردد فيه أربعين يوماً. ثم تصير علقة أربعين يوماً، ثم تصير مضغة أربعين يوماً، ثم تصير لحماً تجري فيه عروق مشتبكة، ثم يبعث الله ملكين خلاقين يخلقان في الأرحام ما يشاء الله فيقتحمان في بطن المرأة من فم المرأة فيصلان إلى الرحم وفيها الروح القديمة المنقولة في أصلاب الرجال وأرحام النساء فينفخان فيها روح الحياة والبقاء ويشقان له السمع والبصر وجميع الجوارح وجميع ما في البطن بإذن الله، ثم يوحي الله إلى الملكين: اكتبا عليه قضائي وقدري ونافذ أمرين واشترطا لي البداء فيما تكتبان .. فيملي أحدهما على صاحبه فيكتبان جميع ما في اللوح ويشترطان البداء فيما يكتبان (١). وقد عظموا هذه العقيدة حتى نقلوا عن أئمتهم أنهم قالوا: "ما عبد الله بشيء مثل البداء" قاله محمد الباقر (٢). وعن جعفر أنه قال: "ما عظم الله بمثل البداء" (٣). وعنه أيضاً ما نقله مالك الجهني أنه قال: "لو علم الناس ما في القول بالبداء من الأجر ما افتروا من الكلام فيه (٤). وعن مرازم بن حكيم أنه قال: سمعت أبا عبد الله ﵇ يقول: ما تنبأ نبي قط حتى يقر لله بخمس خصال: بالبداء، والمشيئة، والسجود والعبودية، والطاعة (٥).

стр. 177

وأخيراً ما رواه الريان بن الصلت أنه قال: "سمعت الرضا ﵇ يقول: ما بعث الله نبياً قط إلا بتحريم الخمر، وأن يقر لله بالبداء" (١). هذا ما يقوله الشيعة عن الله ويعتقدوه فيه وراثة عن اليهودية البغيضة، وناقلة أفكارها الخبيثة من قول اليهود: "رأي الرب أن شر الإنسان قد كثر في الأرض، وأن كل تصور أفكار قلبه إنما هو شرير كل يوم. فحزن الرب أنه عمل الإنسان في الأرض وتأسف في قلبه، فقال الرب: أمحو عن وجه الأرض الإنسان الذي خلقته الإنسان مع البهائم ودبابات وطيور السماء، لأني حزنت أني عملتهم (٢). ومثل هذه الفقرات كثيرة في التوراة واضحة تشير إلى أن الله فعل شيئاً ولم يكن ليفعل لو عل في حينه أن نتيجته خلاف ما أراده، وخفي عليه ما ظهر فيما بعد - سبحانه عما يصفو. وأما ما يقوله الرب جل وعلا في كتابه المحكم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه فهو مخالف تمام المخالفة لما يعتقده اليهود والشيعة يقول الرب عن نفسه: ﴿. . عالم الغيب لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين﴾ (٣). وقال: ﴿وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء .. ﴾ (٤). وقال: ﴿وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ويعلم ما في البر والبحر وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين﴾ (٥).

стр. 178

وأمر ملائكته أن يقولوا: ﴿وما نتنزل إلا بأمر ربك له ما بين أيدينا وما خلفنا وما بين ذلك وما كان ربك نسياً﴾ (١). وقال على لسان موسى ﵇: ﴿. . لا يضل ربي ولا ينسى﴾ (٢). وقال: ﴿. . وأن الله قد أحاط بكل شيء علماً﴾ (٣). وقال: ﴿. . وكان الله بكل شيء محيطاً﴾ (٤). وقال: ﴿. . ألا إنه بكل شيء محيط﴾ (٥). والآيات في هذا المعنى كثيرة لا تعد ولا تحصى. أما الشيعة فيعتقدون في الله عكس ما يقوله الرب عنه ﷻ ، وعم نواله، مصرحين بأن الله تعالى ظهر له من الأمر ما لم يكن ظاهراً (٦). ولماذا قالوا بالبداء؟ هؤلاء القوم لماذا يقولون بهذه المقالة الشنيعة؟ يجيب على ذلك أقدم من كتب في فرق الشيعة من الشيعة ومن يليه أبو محمد الحسن بن موسى النوبختي، وسعد بن عبد الله القمي في كتابيهما (فرق الشيعة)، وكتاب (المقالات والفرق) نقلاً عن سليمان بن جرير: "إن أئمة الرافضة وضعوا لشيعتهم مقالتين لا يظهرون معهما من أئمتهم على كذبهم أبداً، وهما القول بالبداء، وإجازة التقية.

стр. 179

فأما البداء فإن أئمتهم لما أحلوا أنفسهم من شيعتهم محل الأنبياء من رعيتها في العلم فيما كان ويكون، والإخبار بما يكون في الغد، وقالوا لشيعتهم: إنه سيكون في غد وفي غابر الأيام كذا وكذا، فإن جاء ذلك الشيء على ما قالوه قالوا لهم: ألم نعلمكم أن هذا يكون، فنحن نعلم من قبل الله ما علمته الأنبياء عن الله ما علمت، وإن لم يكن ذلك الشيء الذي أخبروا به على ما قالوا، اعتذروا لشيعتهم بقولهم: بدا لله في ذلك بكونه. فما أصدقه وأحسن به. هذا ولم يقولوا بهذه المقالة ولم يعتقدوا بهذا الاعتقاد إلا لمخالفتهم المسلمين أهل السنة حيث أنهم أسسوا قواعد مذهبهم على مخالفة العقائد الإسلامية الخالصة المستقاة من كتاب الله جل وعلا وسنة نبيه المصطفى صلوات الله وسلامه عليه كما بيناه فيما مضى. وليس الأمر كما تصوره السيد الدكتور ومن يحذو حذوه ويسلك مسلكه دون علم أو برهان.

стр. 180

الفصل الخامس الجفر وأما الجفر الذي تعرض لذكره الدكتور وافي وحين قال: "هذا الكتاب لم تتصل روايته، ولا عرف عينه ولا صحة نسبته إلى الإمام جعفر، ومع تردد ذكره في الكتب المعتمدة عند الشيعة الجعفرية، فإن معظمهم لا يعرض لتأييده". فإنه ثابت موجود لدى الشيعة الاثنى عشرية، مقرر عندهم، ولم يعرض أحد لرده خلاف الدكتور، وقد صحت نسبته إلى جعفر بن الباقر حسب زعم القوم واتصلت روايته، فإن محمد بن الحسن الصفار مثلاً الذي يعد من أصحاب الحسن العسكري - الإمام الحادي عشر المعصوم المزعوم - ومن أساتذة أئمة الحديث الشيعي كالكليني ووالد صدوق الشيعة علي بن الحسين، وغيرهم، ذكر في كتابه (بصائر الدرجات) أربعاً وثلاثين رواية موصولة متصلة، منها واحدة ثلاثون عن جعفر بن محمد، وواحدة منها عن أبيه محمد الباقر، وأخرى عن أبيه ابن الحسين، والثالثة منها عن أبي الحسن. وكذلك أورد الكليني إمام محدثي الشيعة ثماني روايات في ذكر الجفر، كلها عن جعفر بن محمد، روايات متصلة صحيحة الإسناد حسب قواعد الشيعة وأصول القوم. ولا أدري على أي أساس قال ما قاله سيادته في ذلك، تبرئة لساحة الشيعة عما يلزمهم من الشناعة والسخرية بسبب عقائدهم الغريبة. ونود أن نورد هنا روايات كي يعرف القارئ الجفر الشيعي الذي يؤهل أئمة الشيعة أن يساووا الأنبياء والمرسلين، بل وأكثر من ذلك أن
следующие страницы →