← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 37555

أحكام العقيقة

حسام الدين عفانة

Полный текст (79 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

أحكام العقيقة د. حسام الدين عفانه

стр. 2

المقدمة إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده وروسوله. (يَاأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) (يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا) (يَاأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا) أما بعد فإن أصدق الحديث كتاب الله وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ وشر الأأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار. وبعد ... فإن العقيقة من السنن الثابتة عن الرسول ﷺ ولكنها تكاد تكون من السنن المنسية التي لا يعمل بها إلا قليل من الناس ولذا قمت بإعداد هذا البحث ونشره من أجل إحياء سنة من سنن المصطفى ﷺ ولتعريف الناس بهذه السنة وبأحكامها وما يتعلق بها حتى تجد طريقها إلى التطبيق العملي وحتى تحل السنن محل العادات الجاهلية التي اعتاد عليها كثير من الناس حتى غدت أحكام الشرع غريبة لدى المسلمين وللأسف الشديد وصارت العادات الجاهلية والبدع المحدثة هي السائدة والغالبة. وقد عرّفت العقيقة في اللغة والاصطلاح وجمعت كل ما وقفت عليه من الأحاديث الواردة في العقيقة من كتب السنة المشرفة وحاولت اسقصائها بقد الوسع والطاقة،

стр. 3

وذكرت كلام العلماء والفقهاء في مسائل العقيقة المختلفة وبيّنت بالتفصيل حكم العقيقة وشروطها وأوجه الانتفاع بها وما يتعلق بذلك وقد بذلت جهدي ووسعي في هذا البحث فإن أصبت فمن الله وحده وإن أخطأت فمن نفسي ومن الشيطان. وأسال الله العلي العظيم أن يجعل هذا العمل خالصاً لوجهه الكريم وأن ينفع به عامة المسلمين إنه سميع قريب مجيب. د. حسام الدين عفانه أبوديس/القدس في الثالث عشر من رجب ١٤١٥ هـ الموافق، السادس عشر من كانون أول ١٩٩٤ م

стр. 4

الفصل الأول ما يتعلق بالعقيقة

стр. 5

المبحث الأول تعريف العقيقة لغة واصطلاحاً أولاً: تعريف العقيقة لغة: هي الشَعر الذي يولد به الطفل لأنه يشق الجلد. قال امرؤ القيس: يا هند لا تنكحي بوهةً عليه عقيقته أحسَبَا وهي مأخوذة من عق، يَعِقُ ويعَقُ فنقول عق عن ابنه بمعنى حلق عقيقته أي شعر رأسه أو ذبح الشاة المسماة عقيقة، قال ابن منظور: [وقيل للذبيحة عقيقة لأنها تذبح فيشق حلقومها ومريئها وودجاها قطعاً كما سميت ذبيحة بالذبح وهو الشق] (١) وقال الجوهري: [وشعر كل مولود من الناس والبهائم الذي يولد عليه عقيقة ... ومنه سميت الشاة التي تذبح عن المولود يوم أسبوعه عقيقة]. (٢) ثانياً: تعريف العقيقة اصطلاحاً: هي الذبيحة التي تذبح عن المولود يوم سابعه شكراً لله على نعمة الولد ذكراً كان أو أنثى. (٣) وقد عرفها د. محمد أبو فارس بقوله: [هي الشاة التي تذبح عن المولود ... ]. (٤)

стр. 6

وهذا التعريف غير جامع لأن فيه قصراً للعقيقة على الشياه فقط وهذا على قول من لا يجيز العقيقة من الإبل والبقر وهو قول مرجوح كما سيأتي بيانه. فالأولى أن نعبر بقولنا هي الذبيحة فإن ذلك يعم الغنم والبقر والإبل حيث تصح العقيقة من هذه الأنواع كما سيأتي.

стр. 7

المبحث الثاني مشروعية العقيقة ثبتت مشروعية العقيقة بالسنة النبوية من قول النبي ﷺ ومن فعله كذلك. فمن السنة القولية وردت أحاديث كثيرة منها: ١. روى الإمام البخاري بسنده عن محمد بن سيرين: حدثنا سلمان بن عامر الضبي قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (مع الغلام عقيقة فأهريقوا عنه دمه وأميطوا عنه الأذى) ورواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وأحمد والدارمي والبيهقي. (١) ٢. عن سمرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (كل غلام رهينة بعقيقته تذبح عنه يوم سابعه ويحلق ويسمى) رواه أبو داود واللفظ له والترمذي والنسائي وابن ماجة والبيهقي وأحمد والحاكم وصححه ووافقه الذهبي وقال الترمذي: حسن صحيح. وقال الشيخ ناصر الدين الألباني: صحيح. (٢) ٣. عن أم كرز الكعبية قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (عن الغلام شاتان مكافئتان وعن الجارية شاة) رواه أبو داود واللفظ له وأحمد والبيهقي. (٣) ٤. وفي رواية أخرى لحديث أم كرز أنها سألت رسول الله ﷺ عن العقيقة فقال:

стр. 8

(نعم عن الغلام شاتان وعن الأنثى واحدة، لا يضركم ذكراناً أم إناثاً) رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن حبان والحاكم وأحمد، وقال: الترمذي حديث صحيح. وصححه الحاكم ووافقه الذهبي وقال الألباني: صحيح. وقال الشيخ شعيب الأرناؤوط: حديث صحيح. (١) ٥. عن يوسف بن ماهك قال: دخلنا على حفصة بنت عبد الرحمن فسألناها عن العقيقة فأخبرتنا أن عائشة أخبرتها أن رسول الله ﷺ قال: (عن الغلام شاتان وعن الجارية شاة) رواه ابن حبان واللفظ له وأحمد والترمذي وابن ماجة وقال الشيخ شعيب الأرناؤوط: إسناده صحيح. (٢) ٦. وفي رواية أخرى للحديث السابق: (أن عائشة أخبرتهم أن الرسول ﷺ أمرهم عن الغلام شاتان مكافئتان وعن الجارية شاة) رواه الترمذي، وقال: حسن صحيح. والبيهقي وقال الألباني: صحيح. (٣) ٧. عن اسماء بنت يزيد أن النبي ﷺ قال: (العقيقة حق عن الغلام شاتان مكافئتان وعن الجارية شاة) رواه أحمد والطبراني. قال الهيثمي رواه أحمد والطبراني في الكبير ورجاله محتج بهم. (٤)

стр. 9

٨. عن أبي هريرة أنه ﷺ قال: (مع الغلام عقيقة فأهريقوا عنه دماً وأميطوا عنه الأذى) قال الهيثمي رواه البزار ورجاله رجال الصحيح. (١) ٩. عن يزيد بن عبد المزني عن أبيه أن رسول الله ﷺ قال: (يعق عن الغلام ولا يمس رأسه بدم) رواه الطحاوي والطبراني في الأوسط والكبير وقال الهيثمي: ورجاله ثقات. (٢) ١٠. عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ أمر بتسمية المولود يوم سابعه ووضع الأذى عنه والعق) رواه الترمذي وقال حسن غريب. (٣) ١١. عن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: (إذا كان يوم سابعه فأهريقوا عنه دماً وأميطوا عنه الأذى وسموه) رواه الطبراني في الأوسط والكبير ورجاله كما قال الهيثمي. (٤) ١٢. عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال: (للغلام عقيقتان وللجارية عقيقة) قال الهيثمي: رواه البزار والطبراني في الكبير وفيه عمران بن عيينة وثقه ابن معين وابن حبان وفيه ضعف. (٥) وقال الشيخ الألباني أخرجه الطحاوي بسند جيد في الشواهد وذكر أن طريق الطحاوي سالمة من الضعف. (٦)

стр. 10

وأما السنة الفعلية الثابتة عن رسول الله ﷺ فمنها أحاديث: ١. عن عكرمة عن ابن عباس: (أن رسول الله ﷺ عق عن الحسن والحسين كبشاً كبشاً) رواه أبو داود (١). وقال النووي: رواه أبو داود بإسناد صحيح (٢). وقال الألباني: وهذا إسناد صحيح على شرط البخاري وقد صححه عبد الحق الإشبيلي في الأحكام الكبرى (٣). وقال شعيب الأرناؤوط: وأخرجه ابن الجارود والطبراني وإسناده صحيح. (٤) ٢. وفي رواية أخرى لحديث ابن عباس: (أن الرسول ﷺ عق عن الحسن والحسين بكبشين كبشين) رواه النسائي وقال الألباني: صحيح. (٥) ٣. عن بريدة أن الرسول ﷺ : (عق عن الحسن والحسين) رواه أحمد والنسائي والطبراني (٦)، وقال الألباني: صحيح (٧). وقال الأرناؤوط: وإسناده صحيح على شرط مسلم. (٨) ٤. عن أنس بن مالك قال: (عق رسول الله ﷺ عن حسن وحسين بكبشين) رواه ابن حبان وقال محققه: حديث صحيح.

стр. 11

وأخرجه الطحاوي في مشكل الآثار وأبو يعلى والبزار والبيهقي (١)، وصححه عبد الحق في الأحكام الكبرى وقال الهيثمي: ورجاله رجال الصحيح (٢). وقال الساعاتي ورجاله ثقات. (٣) ٥. عن عائشة قال: (عق رسول الله ﷺ عن حسن وحسين يوم السابع وسماهما وأمر أن يماط عن رأسهما الأذى) رواه ابن حبان وقال محققه: إسناده حسن (٤). والبيهقي وقال النووي: بإسناد حسن (٥)، ورواه الحاكم ووافقه الذهبي. (٦) ٦. وعن عائشة أن النبي ﷺ : (عق عن الحسن والحسين وقال: قولوا بسم الله والله أكبر اللهم لك وإليك هذه عقيقة فلان) رواه البيهقي بإسناد حسن كما قال النووي. (٧) ٧. عن عبد الله بن عمرو: (أن النبي ﷺ عق عن الحسن والحسين عن كل واحد منهما كبشين اثنين مثلين متكافئين) قال الشيخ الأرناؤوط: أخرجه الحاكم بسند حسن في الشواهد. (٨) ٨. وعن جابر بن عبد الله: (أن الرسول ﷺ عق عن الحسن والحسين) رواه أبو يعلى والطبراني، قال الشيخ الألباني: [ورجاله كلهم ثقات رجال مسلم غير المغيرة

стр. 12

بن مسلم وهو القسملي وهو ثقة لكن أبا الزبير مدلس وقد عنعنه ولولا ذلك لقلت بصحته وقال الهيثمي: رواه أبو يعلى ورجاله ثقات]. (١) وقال الساعاتي: رجاله ثقات. (٢)

стр. 13

المبحث الثالث معنى قول الرسول ﷺ كل غلام مرتهن بعقيقته ورد في الحديث عن سمرة قال: قال رسول الله ﷺ : (كل غلام رهينة بعقيقته تذبح عنه يوم سابعه ويسمَّى ويحلق رأسه) (١)، وفي رواية عند أحمد والنسائي: (كل غلام رهين بعقيقته) (٢)، وفي رواية عند الترمذي وابن ماجة: (كل غلام مرتهن بعقيقته) (٣)، وقد اختلف العلماء في تفسير ذلك: ١. قال الخطابي: [قال أحمد: هذا في الشفاعة يريد أنه إن لم يعق عنه فمات طفلاً لم يُشفع في والديه. وقوله رهينة بإثبات الهاء معناه مرهون فعيل بمعنى مفعول والهاء تقع في هذا للمبالغة، يقال فلان كريمة قومه أي محل العقدة الكريمة عندهم]. (٤) وقول أحمد [هذا] روى البيهقي مثله عن عطاء الخراساني حيث روى بسنده عن يحيى بن حمزة قال: [قلت لعطاء الخراساني ما مرتهن بعقيقته؟ قال: يحرم شفاعة ولده]. (٥) ٢. وقيل أن المعنى أن العقيقة لازمة لا بد منها فشبه المولود في لزومها وعدم انفكاكه منها بالرهن في يد المرتهن وقال النوربشتي أي أنه كالشيء المرهون لا يتم الانتفاع به

стр. 14

دون فكه، والنعمة إنما تتم على المنعم عليه بقيامه بالشكر ووظيفته والشكر في هذه النعمة ما سنه الرسول ﷺ وهو أن يعق عن المولود شكراً لله تعالى وطلباً لسلامته. (١) ٣. وقيل أن المعنى أن الغلام مرهون بأذى شعره ويدل على ذلك قوله: (فأميطوا عنه الأذى). (٢) ٤. وقيل أنه مرهون بالعقيقة بمعنى أنه لا يسمى ولا يحلق شعره إلا بعد ذبحها (٣)، ولم يرتض ابن القيم هذه التفسيرات للحديث وردها وقال: وفيه نظر لا يخفى فإن شفاعة الولد في الوالد ليست بأولى من العكس وكونه والداً له ليس للشفاعة فيه. وكذا سائر القرابات والأرحام وقد قال تعالى: (يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا)، وقال تعالى: (وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ)، وقال تعالى: (مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ)، فلا يشفع أحد لأحد يوم القيامة إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى، فإذنه في الشفاعة موقوف على عمل المشفوع له من توحيده وإخلاصه. ومن الشافع من قربه عند الله ومنزلته ليست مستحقة بقرابة ولا بنوة ولا أبوة. وقد قال سيد الشفعاء وواجههم عند الله لعمه وعمته وابنته: (لا أغني عنكم من الله شيئاً) وفي رواية: (لا أملك لكم من الله شيئاً) وقال في شفاعته العظمى لما يسجد

стр. 15

بين يدي ربه ويشفع: (فيحد لي حداً فأدخلهم الجنة) فشفاعته في حد محدود يحدهم الله سبحانه له ولا تجاوزهم شفاعته. فمن اين يقال أن الولد يشفع لوالده فإذا لم يعق عنه حبس عنه الشفاعة له ولا يقال لمن يشفع لغيره أنه مرتهن ولا في اللفظ ما يدل على ذلك والله يخبر عن ارتهان العبد بكسبه كما قال تعالى: (كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ) وقال تعالى: (أُولَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا) فالمرتهن هو المحبوس إما بفعل منه أو فعل من غيره، وأما من لم يشفع لغيره فلا يقال له مرتهن على الإطلاق، بل المرتهن هو المحبوس عن أمر كان بصدد نيله وحصوله ولا يلزم من ذلك أن يكون بسبب منه بل تحصيل ذلك تارة بفعله وتارة بفعل غيره. وقد جعل الله سبحانه النسيكة عن الولد سبباً لفك رهانه من الشيطان الذي يعلق به من حين خروجه إلى الدنيا وطعن في خاصرته فكانت العقيقة فداء وتخلصاً له من حبس الشيطان له وسجنه في أسره ومنعه له من سعيه في مصالح آخرته التي إليها معاده فكأنه محبوس لذبح الشيطان له بالسكين التي أعدها لأتباعه وأوليائه وأقسم لربه أنه ليستأصلن ذرية آدم إلا قليلاً منهم فهو بالمرصاد للمولود من حين يخرج إلى الدنيا فحين يخرج يبتدره عدوه ويضمه إليه ويحرص على أن يجعله في قبضته وتحت اسره ومن جملة أوليائه وحزبه فهو أحرص شيء على هذا ... فكان المولود بصدد هذا الارتهان فشرع الله سبحانه للوالدين أن يفكا رهانه بذبح يكون فداه فإذا لم يذبح عنه بقي مرتهناً به فلهذا قال ﵊: (الغلام مرتهن بعقيقته فأريقوا عنه دماً وأميطوا عنه الأذى) فأمر بإراقة الدم عنه الذي يخلص به من الارتهان، ولو كان الارتهان يتعلق بالأبوين لقال فأريقوا عنكم الدم لتخلص إليكم شفاعة أولادكم. فلما أمرنا بإزالة الأذى الظاهر عنه وإراقة الدم الذي يزيل الأذى

стр. 16

الباطن بارتهانه علم أن ذلك تخليص للمولد من الأذى الباطن والظاهر، والله أعلم بمراده ورسوله. (١)

стр. 17

المبحث الرابع الحكمة من مشروعية العقيقة لا شك أن للعقيقة حكماً وفوائد كثيرة منها: ١. الشكر لله على نعمة الولد فإنها من أعظم النعم، والأولاد من زينة الحياة الدنيا، قال تعالى: (الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) (١)، وفطر الله الإنسان على السرور والبهجة عند قدوم المولود فكان حرياً بالإنسان أن يشكر الله الخالق الواهب وقد رود في الأثر عن الحسين ﵁ في تهنئة من رزق مولوداً أن يقال له: (بارك الله لك في الموهوب وشكرت الواهب وبلغ أشده ورزقت بره) (٢)، فالعقيقة نوع من أنواع الشكر لله تعالى والتقرب إليه. ٢. فيها فكاك المولود وفديته كما فدى الله سبحانه إسماعيل الذبيح بالكبش وكان أهل الجاهلية يفعلونها ويلطخون رأس المولود بالدم، فأقرها الإسلام ونهى عن تلطيخ رأس المولود بالدم. وأخبر النبي ﷺ أن ما يذبح عن المولود إنما ينبغي أن يكون على سبيل النسك كالأضحية والهدي فقال: (من أحب أن ينسك عن ولده فليفعل) فجعلها على سبيل الأضحية التي جعلها الله نسكاً وفداء لإسماعيل ﵇. وغير مستبعد في حكمة الله في شرعه وقدره أن يكون سبباً لحسن إثبات الولد ودوام سلامته طول حياته في حفظه من ضرر الشيطان حتى يكون كل عضو منها فداء كل عضو منه. (٣)

стр. 18

٣. الإعلان والأخبار بأن هذا الشخص قد رزق مولوداً وسماه كذا فيظهر ذلك بين الناس من الأهل والجيران والأصدقاء فيقدم هؤلاء لتهنئة وحضور عقيقته مما يؤدي إلى زيادة روابط الألفة بين المسلمين. ٤. فيها نوع من أنواع التكافل الاجتماعي في الإسلام حيث أن الذي يعق عن ولده يذبح الذبيحة ويرسل منها للفقراء والأصدقاء والجيران أو يدعوهم إليها ويساهم هذا الأمر في تخفيف معاناة الفقراء والمحتاجين. (١)

стр. 19

المبحث الخامس هل يكره تسمية العقيقة بهذا الاسم ؟ ذهب بعض أهل العلم إلى كراهة تسمية العقيقة بهذا الإسم وقالوا الأولى أن تسمى نسيكة أو ذبيحة. (١) احتجوا بحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: (سئل رسول الله ﷺ عن العقيقة فقال: لا أحب العقوق، وكأنه كره الإسم. فقالوا: يا رسول الله إنما نسألك عن أحدنا يولد له. قال: من أحب منكم أن ينسك عن ولده فليفعل عن الغلام شاتان مكافئتان وعن الجارية شاة) رواه أحمد وأبو داود والنسائي والحاكم والبيهقي، وقال الحاكم: صحيح الإسناد ووافقه الذهبي. (٢) وقال الشيخ ناصر الدين الألباني: حسن صحيح. (٣) وقال الشيخ شعيب الأرناؤوط: وهذا سند حسن. (٤) والحديث رواه البيهقي من طريقين الأول طريق عمرو بن شعيب المذكورة أعلاه، والثانية عن زيد بن أسلم عن رجل من بني ضمرة عن أبيه فذكره ثم قال: [وهذا إذا انضم إلى الأول قويا]. (٥)

стр. 20

قال الإمام الباجي: [قوله ﷺ لا أحب العقوق ظاهره كراهية الإسم لما فيه من مشابهة لفظ العقوق وآثر أن يسمى نسكاً]. (١) وقد أجاب التوربشتي عن ذلك بقوله: [هذا الكلام وهو أنه كره الاسم غير سديد إدرج في الحديث من قول بعض الرواة ولا يدري من هو وبالجملة فقد صدر عن ظن يحتمل الخطأ والصواب. والظاهر أنه ها هنا خطأ لأنه ﷺ ذكر العقيقة في عدة أحاديث ولو كان يكره الاسم لعدل عنه إلى غيره، ومن سنته تغيير الإسم إذا كرهه والأوجه أن يقال يحتمل أن السائل ظن أن اشتراك العقيقة مع العقوق في الاشتقاق مما يوهن أمرها فأعلم النبي ﷺ أن الذي كرهه الله تعالى من هذا الباب هو العقوق لا العقيقة]. (٢) وقد ثبت عن النبي ﷺ استعمال اسم العقيقة في أحاديث منها: أ. حديث سمرة ﵁: (كل غلام رهينة بعقيقته ... ). ب. وحديث سلمان بن عامر الضبي ﵁: (مع الغلام عقيقته). جـ. وحديث أسماء بنت يزيد ﵂: (العقيقة عن الغلام شاتان ... ). د. وحديث أبي هريرة ﵁: (مع الغلام عقيقته ... ). (٣) ففي هذه الأحاديث استعمل النبي ﷺ لفظ العقيقة فدل على الإباحة لا على الكراهة وفقهاؤنا يستعملون هذه اللفظة في كتبهم ولا يستعملون لفظة نسيكة). (٤)

стр. 21

المبحث السادس حكم العقيقة اختلف الفقهاء في حكم العقيقة على ثلاثة أقوال: القول الأول: أنها سنة مؤكدة وهذا قول جمهور أهل العلم من الصحابة والتابعين والفقهاء وهو قول الشافعية والمالكية والمشهور المعتمد في مذهب الحنابلة وبه قال الجمهور من العترة. (١) ونقل هذا القول عن ابن عباس وابن عمر وعائشة وفاطمة بنت رسول الله وبريدة الأسلمي والقاسم بن محمد وعروة بن الزبير وعطاء والزهري وأبو الزناد وإسحاق وأبو ثور وغيرهم كثير. (٢) قال ابن القيم: [فأما أهل الحديث قاطبة وفقهاؤهم وجمهور أهل السنة، فقالوا: هي من سنة رسول الله ﷺ ). (٣) القول الثاني: إنها فرض واجب وهذا قول الظاهرية وعلى رأسهم صاحب المذهب وابن حزم ونقل عن الحسن البصري وهو راية عن الإمام أحمد اختارها جماعة من الحنابلة وهو قول الليث بن سعد. (٤)

стр. 22

القول الثالث للحنفية وقد اختلفت الروايات في مذهبهم في حكم العقيقة والذي تحصل لي بعد البحث ثلاثة أقوال لهم هي: أ. أنها تطوع من شاء فعلها ومن شاء تركها، قاله الطحاوي في مختصره وابن عابدين في العقود الدرية (١)، وهذا موافق لقول الجمهور بشكل عام. ب. أنها مباحة قاله المنبجي ونقله ابن عابدين عن جامع المحبوبي. (٢) جـ. أنها منسوخة يكره فعلها وهو منقول عن محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة حيث قال: [أما العقيقة فبلغنا أنها كانت في الجاهلية وقد فعلت في أول الإسلام ثم نسخ الأضحى كل ذبح كان قبله]. (٣) وقال الخوارزمي الكرلاني: [كان في الجاهلية ذبائح يذبحونها منها العقيقة ومنها الرجيبة ... وكلها منسوخ بالأضحية]. (٤) وأما ما نسب لأبي حنيفة من قوله أنها بدعة فهو مردود وباطل، قال العيني: [هذا افتراء فلا يجوز نسبته إلى أبي حنيفة وحاشاه أن يقول مثل هذا] (٥)، وقد تطاول ابن حزم على أبي حنيفة وتهجم عليه فقال: [ولم يعرف أبو حنيفة العقيقة فكان ماذا؟ ليت شعري إذا لم يعرفها أبو حنيفة ما هذا بنكرة فطالما لم يعرف السنن]. (٦) وليت ابن حزم ﵀ التمس عذراً لأبي حنيفة ﵀ لكان أولى من هذا اللمز.

стр. 23

وأحسن الشوكاني إذ قال: [وحكى صاحب البحر عن أبي حنيفة أن العقيقة جاهلية محاها الإسلام وهذا إن صح حمل على أنها لم تبلغه الأحاديث الواردة في ذلك] (١)، وهكذا ينبغي أن نحسن الظن بعلمائنا فهم أتقى وأورع من أن يتعمدوا مخالفة سنة رسول الله ﷺ . أدلة الجمهور على أن العقيقة سنة: ١. عن سلمان بن عامر الضبي قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (مع الغلام عقيقة فأهريقوا عنه دماً وأميطوا عنه الأذى). ٢. عن سمر قال: قال رسول الله ﷺ : (كل غلام رهينة بعقيقته تذبح عنه يوم سابعه ويحلق ويسمى). ٣. عن أم كرز قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (عن الغلام شاتان مكافئتان وعن الجارية شاة). ٤. عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ عق عن الحسن والحسين. ٥. عن عائشة أن رسول الله ﷺ أمرهم عن الغلام شاتان وعن الجارية شاة. (٢) وجه الاحتجاج بهذه الأحاديث: قال الجمهور أن هذه الأحاديث تدل على أن العقيقة سنة مستحبة أكدها النبي ﷺ بقوله وفعله، حيث أنه قد عق الحسن والحسين ﵄. وقالوا أيضاً أن الأمر في حديث عائشة مصروف عن الوجوب إلى الندب ويؤيد ذلك أن النبي ﷺ جعلها لرغبة المسلم واختياره، وما كان سبيله كذلك لا يكون واجباً، فقد جاء في الحديث عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: سئل النبي ﷺ عن

стр. 24

العقيقة فقال: (لا يحب الله العقوق) كأنه كره الاسم وقال: (من ولد له ولد فأحب أن ينسك عنه فلينسك). (١) وقالوا أيضاً أنها لو كانت واجبة لكان وجوبها معلوماً من الدين لأن ذلك مما تدعو الحاجة إليه، وتعم به البلوى فكان رسول الله ﷺ يبين وجوبها للأمة بياناً عاماً كافياً تقوم به الحجة، وينقطع معه العذر. (٢) ٦. واحتجوا أيضاً بالإجماع على أنها سنة قال ابن قدامة: [والإجماع، قال أبو الزناد: العقيقة من أمر الناس كانوا يكرهون تركه] (٣)، وقول أبي الزناد من أمر الناس تفيد أن العقيقة متروكة لرغبتهم لم يوجبها الشارع ولو كانت واجبة لما تركوها كما أن ترك الواجب يكون حراماً وليس مكروهاً فقط. ٧. وقالوا أنها ذبيحة لسرور حادث فلم تكن واجبة كالوليمة والنقيعة. (٤) ٨. وقالوا أيضاً فعله ﷺ لها لا يدل على الوجوب إنما يدل على الاستحباب. (٥) ٩. وقالوا إنها إراقة دم من غير جناية ولا نذر فلم تجب كالأضحية. (٦) واحتج الظاهرية ومن وافقهم على أنها واجبة بما يلي: ١. حديث سلمان بن عامر الضبي السابق وفيه: (مع الغلام عقيقة فأهريقوا عنه دماً). ٢. وحديث أم كرز السابق وفيه: (وعن الغلام شاتان مكافئتان وعن الجارية شاة).

стр. 25

٣. وحديث سمرة السابق وفيه: (كل غلام رهينة بعقيقته). وقد ساق ابن حزم هذه الأحاديث بإسناده بعدة روايات ثم قال: [فهذه الأخبار نص ما قلنا وهو قول جماعة من السلف] (١)، ثم ذكر آثاراً عن جماعة من السلف منهم: حفصة بنت عبد الرحمن بن أبي بكر، وابن عباس، وعطاء، وابن عمر، وبريدة الأسلمي، ثم قال: [أمره ﵊ بالعققة فرض كما ذكرنا لا يحل لأحد أن يحمل شيئاً من أوامره ﵊ على جواز تركها إلا بنص آخر وارد بذلك وإلا فالقول بذلك كذب وقفو لما لا علم لهم به، وقد قال ﵊: (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم) (٢)، هذه حجج ابن حزم على الوجوب. ٤. واحتج غيره على وجوبها بأن الرسول ﷺ أمر بها وعمل بها، وقال الغلام مرتهن بعقيقته ومع الغلام عقيقة. (٣) قالوا وهذا يدل على الوجوب من وجهين: أحدهما قوله مع الغلام عقيقة وهذا ليس إخباراً عن الواقع بل عن الواجب ثم أمرهم بأن يخرجوا عنه هذا الذي معه، فقال: أهريقوا عنه دماً. (٤) ٥. واحتجوا أيضاً بحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن: (الرسول ﷺ امر بتسمية المولود يوم سابعه ووضع الأذى عنه والعق). (٥)

стр. 26

٦. واحتجوا بحديث يوسف بن ماهك وفيه ان عائشة أخبرتهم أن الرسول ﷺ : (أمرهم عن الغلام شاتان وعن الجارية شاة). (١) وجه الاستدلال بهذين الحديثين أن فيهما الأمر النبوي بالعقيقة والأصل في الأمر أن يحمل على الوجوب. ٧. واحتجوا أيضاً بحديث يزيد ب عبد المزني عن أبيه أن الرسول ﷺ قال: (يعق عن الغلام ولايمس رأسه بدم) (٢)، وقالوا هذا خبر بمعنى الأمر. (٣) واحتج الحنفية بما يلي: أولاً: بالنسبة للقول الأول عند الحنفية الذي يرى أن العقيقة مستحبة فأدلتهم عليه هي أدلة الجمهور السابقة. ثانياً: بالنسبة للقول بأنها مباحة فاحتجوا عليه بحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده السابق، وفيه: (من ولد له ولد فأحب أن ينسك عنه فلينسك ... الخ) وهو يفيد الإباحة كما قالوا. (٤) ثالثاً: وأما قولهم بأنها منسوخة فدليلهم ما ذكره الكاساني: [ولنا ما روي عن رسول الله ﷺ أنه قال: (نسخت الأضحية كل دم كان قبلها، ونسخ صوم رمضان كل صوم كان قبله ونسخت الزكاة كل صدقة كانت قبلها) والعقيقة كانت قبل

стр. 27

الأضحية فصارت منسوخة بها كالعتيرة، والعقيقة ما كانت قبلها فرضاً بل كانت فضلاً وليس بعد نسخ الفضل إلا الكراهة بخلاف صوم عاشوراء]. (١) واحتجوا أيضاً بما رواه أبو يوسف في الآثار عن أبي حنيفة عن حماد عن إبراهيم أنه قال: [كانت العقيقة في الجاهلية فلما جاء الإسلام رفضت] وبما رواه أبو يوسف أيضاً عن ابي حنيفة عن رجل عن محمد بن الحنفية: [أن العقيقة كانت في الجاهلية فلما جاء الأضحى رفضت]. (٢) واحتجوا بحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده السابق وفيه: (سئل رسول الله ﷺ عن العقيقة، فقال: لا يحب الله العقوق). واحتجوا أيضاً بحديث أبي رافع مولى رسول الله ﷺ قال: (لما ولدت فاطمة حسناً، قالت: ألا أعق عن ابني بدم؟ قال: لا، ولكن احلقي رأسه وتصدقي بوزن شعره فضة على المساكين والأوفاض. ففعلت ذلك فلما ولد حسيناً فعلت مثل ذلك) وفي رواية أخرى قال ﵇: (لا تعقي عنه) رواه الإمام أحمد وقال الهيثمي: رواه أحمد والطبراني في الكبير وهو حديث حسن. (٣) وقال الساعاتي: [وفي إسناده عبد الله بن محمد بن عقيل، فيه لين وله شواهد تعضده ولعل الحافظ الهيثمي حسن لذلك]. (٤)

стр. 28

مناقشة وترجيح: بعد إجالة النظر والفكر في أدلة العلماء في هذه المسألة يتضح لنا رجحان قول جمهور أهل العلم بأن العقيقة سنة مؤكدة وليست فرضاً واجباً كما قال الظاهرية وليست مكروهة أو منسوخة كما قال بعض الحنفية. ومما يؤكد لنا هذا الترجيح: إن الأدلة التي ساقها الظاهرية ومن وافقهم على وجوب العقيقة مصروفة عن ظاهرها بالنص وهو قوله ﵊: (من ولد له ولد فأحب أن يسنك عنه فلينسك) فعلق ذلك على المحبة والاختيار فهذه قرينة منصوصة صرفت الأمر من الوجوب إلى الندب، وأحاديثهم محمولة على تأكيد الاستحباب جمعاً بين الأخبار. وأما أدلة الحنفية على كراهيتها أو نسخها فالجواب عنهما بما يأتي: ١. إن الحديث الذي احتج به الحنفية أولاً: (نسخت الأضحية كل دم كان قبلها ... ) حديث ضعيف لا يصح الاحتجاح به، وقد روي هذا الحديث من عدة طرق ذكراها الدارقطني في سننه وبين ضعفها كما يلي: أ. حدثنا ابي أن محمد بن حرب نا أبو كامل نا الحارث بن نبهان نا عتبة بن بقظان عن الشعبي عن علي قال: قال رسول الله ﷺ : (محى ذبح الأضاحي كل ذبح قبله ... ) هذا الحديث فيه عتبة بن يقظان وهو متروك كما قال الدارقطني (١)، وقال الحافظ في التقريب: ضعيف. (٢) ب. نا محمد بن يوسف بن سليمان الخلال نا الهيثم بن سهل نا المسيب بن شريك نا عبيد المكتب عن عامر عن مسروق عن علي قال: قال رسول الله ﷺ (نسخ

стр. 29

الأضحى كل ذبح ... ) هذه الرواية فيها المسيب بن شريك قال فيه يحيى بن معين: [ليس بشيء. وقال أحمد: ترك الناس حديثه. وقال مسلم: متروك]. (١) جـ. نا محمد بن عبد الله الشافعي نا محمد بن تمام بن صالح النهراني بحمص نا المسيب بن واضح نا المسيب بن شريك عن عتبة بن يقظان عن الشعبي عن مسروق عن علي قال: قال رسول الله ﷺ : (نسخت الزكاة كل صدقة في القرآن ونسخ صوم رمضان كل صوم ونسخ غسل الجنابة كل غسل ونسخت الأضاحي كل ذبح) (٢)، وفيه أيضاً المسيب بن شريك وعتبة بن يقظان وعرفت ما قيل فيهما فلا يحتج بهما، وقال صاحب التعليق المغني على الدارقطني: [حديث علي مروي من طرق وكلها ضعاف لا يصح الاحتجاج بها] (٣)، وقال النووي: [اتفق الحفاظ على ضعفه]. (٤) وأجاب ابن حزم عن احتجاجهم بنسخ الأضحى كل ذبح قبله بقوله: [واحتج من لم يرها واجبة برواية واهية عن أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين: (نسخ الأضحى كل ذبح كان قبله) وهذا لا حجة فيه لأنه قول محمد بن علي، ولا يصح دعوى النسخ إلا بنص مسند إلى رسول الله ﷺ ]. (٥) وقال الإمام أحمد في الأحاديث المعارضة لأحاديث العقيقة: [ليست بشيء ولا يعبأ بها]. (٦)

стр. 30

وادعاء الحنفية بأن الأضحية نسخت العقيقة باطل لأن الأضحية شرعت في السنة الثانية للهجرة وعق النبي عن الحسن والحسين في السنتين الثالثة والرابعة، وحديث أم كرز في العقيقة كان عام الحديبية وهو في السنة السادسة للهجرة والعقيقة عن إبراهيم ابن رسول الله كانت سنة ثمان للهجرة، فكيف ينسخ المتقدم المتأخر وهذا باطل. (١) وأما احتجاج الحنفية بحديث: (لا يحب الله العقوق) فلا دلالة فيه على كراهة العقيقة لأن بقية الحديث تثبتها وهي: (من ولد له فأحب أن ينسك عن ولده فلينسك). قال البغوي: [وليس هذا الحديث عند العامة على توهين أمر العقيقة ولكنه كره تسميتها بهذا الإسم على مذهبه في تغيير الاسم القبيح إلى ما هو أحسن منه فأحب أن يسميها من نسيكة أو ذبيحة أو نحوها]. (٢) وأما الجواب عن احتجاجهم بحديث: (لا تعقي) ما قاله الحافظ العراقي في شرح الترمذي يحمل على أنه ﷺ كان عق عنه ثم استأذنته فاطمة أن تعق هي عنه أيضاً فمنعها. وقال الحافظ بن حجر: [ويحتمل أن يكون منعها لضيق ما عندهم حينئذ فأرشدها إلى نوع من الصدقة أخف، ثم تيسر له عن قرب ما عق به عنه]. (٣)

стр. 31

وقال ابن القيم: [ولو صح قوله لا تعقي عنه لم يدل ذلك على كراهية العقيقة لأنه ﵊ أحب أن يتحمل عنها العقيقة فقال لها: (لا تعقي) وعق هو ﵊ عنهما وكفاهما المؤنة]. (١) وقال الشوكاني: [قوله: (لا تعقي) قيل يحمل هذا على أنه قد كان ﷺ عق عنه، وهذا متعين]. (٢) هذا هو الظاهر لأن الأحاديث قد ثبتت ثبوتاً لا مجال للشك فيه أن النبي ﷺ عق عن الحسن والحسين فحصل أصل السنة بعق الرسول عنهما ولا داع لأن تعق فاطمة عنهما مرة ثانية. والله أعلم.

стр. 32

المبحث السابع شروط العقيقة أولاً: أن تكون العقيقة من الأنعام وهي الضأن والمعز والإبل والبقر ولا تصح العقيقة بغير هذه الأنواع كالأرنب والدجاجة والعصفور وهذا قول جماهير أهل العلم من الفقهاء والمحدثين وغيرهم. (١) وخالف في ذلك ابن حزم الظاهري فقال: [ولا يجزئ في العقيقة إلا ما يقع عليه اسم الشاه إما من الضأن وإما من الماعز فقط ولا يجزئ في ذلك من غير ما ذكرنا لا من الإبل ولا من البقر الإنسية ولا من غير ذلك] (٢)، ونقل هذا القول عن حفصة بنت عبد الرحمن بن أبي بكر وهو رواية عن الإمام مالك وهو البندنيجي من الشافعية. (٣) واحتج هؤلاء بظاهر الأحاديث التي ذكر فيها لفظ الشاة والكبش كحديث ابن عباس: (عق عن الحسن والحسين كبشاً كبشاً) وكحديث أم كرز: (عن الغلام شاتان وعن الجارية شاة) قالوا لفظ الشاة يطلق على الواحدة من الضأن والمعز. قال ابن حزم: [واسم الشاة يقع على الضائنة والماعز بلا خلاف] (٤)، واحتج ابن حزم أيضاً بما رواه بسنده عن يوسف بن ماهك أنه دخل على حفصة بنت عبد الرحمن بن أبي بكر وقد ولدت للمنذر بن الزبير فقلت لها: (هلا عققت جزوراً عن ابنك قالت: معاذ الله كانت عمتي عائشة تقول على الغلام شاتان وعلى

стр. 33

الجارية شاة) (١)، وأما الجمهور فيمكن الاحتجاج لهم بقول النبي ﷺ : (مع الغلام عقيقة فأهريقوا عنه دماً) ولم يذكر دماً فما ذبح عن المولود على ظاهر هذا الخبر يجزئ كذا قال ابن المنذر (٢) وفيه ضعف. ولعل الأصح في الاحتجاج لقول الجمهور هو قياس العقيقة على الأضحية والهدي كما ذهب إليه كثير من العلماء، قال الإمام مالك: [وإنما هي - العقيقة - بمنزلة النسك والضحايا] (٣)، وأشار إليه النووي وابن قدامة وغيرهما (٤). وكذلك نقل عن جماعة من السلف جواز العقيقة من الإبل والبقر فعن قتادة: (أن أنس بن مالك كان يعق عن بنيه الجزور) رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح قاله الهيثمي (٥) وعن أبي بكرة أنه نحر عن ابنه عبد الرحمن جزوراً فأطعم أهل البصرة. (٦) وأما إدعاء ابن حزم بأن ذكر الشاة في الأحاديث يعني عدم جواز أن تكون العقيقة من الإبل والبقر فمردود لأن الأحاديث لا تحصر العقيقة في الشياه وإنما ذلك سبيل التمثيل ولأنه المتيسر للناس أكثر من الإبل والبقر واعتاد الناس على ذبح الشياه أكثر من الإبل والبقر. (٧)

стр. 34

قال الشوكاني: [ولا يخفى أن مجرد ذكرها - الشاة - لا ينفي إجزاء غيرها] (١)، هذا من جهة ومن جهة أخرى لا نسلم أن لفظ الشاة خاص بالضأن والمعز صحيح أنه المشهور في ذلك ولكن ورد في اللغة إطلاق الشاة على البقر وغيرها، قال ابن منظور: [والشاة الواحد من الغنم تكون للذكر والأنثى وقيل الشاة تكون من الضأن والمعز والظبا والبقر والنعام وحمر الوحش] (٢)، وخلاصة القول أنه يجوز أن تكون العقيقة من الضأن والمعز والإبل والبقر كما قال الجمهور. ووقع خلاف في الأفضل من هذه الأنواع: - فقال الشافعي وبعض المالكية أن البدنة والبقرة أفضل من الغنم قالوا لأنها نسك فوجب أن يكون الأعظم فيها أفضل قياساً على الهدايا. (٣) - وقال الإمام مالك: [الضأن أفضلها ثم المعز أحب إليه من الإبل والبقر لأن الرسول ﷺ عق عن الحسن والحسين بشاة شاة]. ثانياً: أن تكون العقيقة سليمة من العيوب وهذا مذهب جمهور أهل العلم (٤). والمقصود بالعيوب هي ذاتها التي تمنع الإجزاء في الأضحية كما نص عليه كثير من أهل العلم. قال الإمام مالك: [وإنما هي - العقيقة - بمنزلة النسك والضحايا لا يجوز فيها عوراء ولا عجفاء ولا مكسورة القرن ولا مريضة ... ]. (٥)

стр. 35

وقال الإمام الترمذي: [وقال أهل العلم لا يجزئ العقيقة من الشاة إلا ما يجزئ في الأضحية]. (١) وبناء على ذلك لا يجزئ في العقيقة العرجاء البين عرجها، ولا العوراء البين عورها، والمريضة البين مرضها، ولا العجفاء الهزيلة، ولا العمياء، ولا الكسيرة، ولا الكسيحة. والعقيقة قربة يتقرب بها العبد إلى الله فينبغي أن تكون سليمة من العيوب سمينة فإن الله طيب لا يقبل إلا طيباً. وخالف ابن حزم فأجاز المعيبة ولم يشترط سلامة العقيقة من العيوب وإن كان الأفضل عنده هو السلامة من العيوب فقال: [ويجزئ المعيب سواء كان مما يجوز في الأضحية أو كان مما لا يجوز فيها والسالم أفضل]. (٢) وقول الجمهور أقوىوأولى وقد ورد عن عائشة ﵂ أنها كانت تقول: (ائتوني به أعين أقرن). وقال ابن قدامة: [يستحب استشراف العين والأذن كما ذكرنا في الأضحية سواء لأنها تشبهها فتقاس بها عليها]. (٣) ثالثاً: أن تتوافر الأسنان المطلوبة في العقيقة كما هو الحال في الأضحية فلا تجوز العقيقة بالغنم إلا إذا أتمت الشاة سنة من عمرها وهذا القول بناء على إلحاق العقيقة بالأضحية.

стр. 36

نقل الخلال في الجامع أن الإمام أحمد قال: [وفي قول النبي ﷺ : (من ولد له فأحب أن ينسك عنه فليفعل) فالدليل على أنه إنما يجزئ فيها ما يجزئ في النسك سواء من الضحايا والهدايا ولأن ذبح مسنون إما واجباً وإما استحباباً يجري مجرى الهدي والأضحية في الصدقة والهدية والأكل والتقرب إلى الله فاعتبر فيها السن الذي يجزئ فيهما ولأنه شرع بوصف التمام والكمال ولهذا شرع في حق الغلام شاتان وشرع أن تكونا متكافئتين لا ينقص أحدهما عن الأخرى فاعتبر أن يكون سنهما سن الذبائح المأمور بها ولهذا جرت مجراها في عامة أحكامها]. (١) قال ابن قدامة: [وجملته أن حكم العقيقة حكم الأضحية في سنها] (٢)، وقال ابن رشد: [وأما سن هذا النسك وصفته فسن الضحايا وصفتها الجائزة]. (٣) وقال النووي: [المجزئ في العقيقةهو المجزئ في الأضحية فلا تجزئ دون الجذعة من الضأن أو الثنية من المعز والإبل والبقر هذا هو الصحيح المشهور وبه قطع الجمهور وفيه وجه حكاه الماوردي وغيره أنه يجزئ دون جذعة الضأن وثنية المعز والمذهب الأول]. (٤) والوجه الذي حكاه الماوردي نصره الشوكاني وقال أنه الحق (٥)، فلا يشترط عنده أن تتوافر في العقيقة الأسنان المطلوبة شرعاً في الأضحية.

стр. 37

المبحث الثامن ما هو الأفضل في العقيقة العقيقة قربة يتقرب بها العبد إلى ربه فينبغي أن تكون أطيب ما تكون من حيث السلامة من العيوب وبلوغ السن المطلوب شرعاً كما سبق وكذلك ينبغي استسمانها واستعظامها واستحسانها وأن تكون خالية من كل ما تنفر منه الطباع السليمة. وقد رود في الحديث عن أم كرز: (عن الغلام شاتان مكافئتان وعن الجارية شاة). قال أبو داود: [سمعت أحمد قال: مكافئتان مستويتان أو متقاربان] (١)، ووقع في رواية أخرى (مثلان) رواه أبو داود أيضاً. ولا بأس أن تكون العقيقة من الذكور والإناث لما في حديث أم كرز: (لا يضركم اذكرانا من أم إناثاً). والذكر أفضل إذا كان أسمن وأطيب ولأن الرسول ﵊ عق عن الحسن والحسين بالكباش. والأفضل في لونها البياض قياساً على الأضحية، وقالت عائشة: (ائتوني به أعين أقرن). (٢) وورد عن الإمام أحمد أنه سئل عن العقيقة: [تجزئ بنعجة أو حمل كبير؟ قال: فحل خير]. (٣)

стр. 38

المبحث التاسع العقيقة أفضل من التصدق بثمنها ولو زاد إن إحياء السنن مطلوب للمسلم لذلك نص الفقهاء على أن العقيقة أفضل من التصدق بثمنها ولو زاد الثمن عن قيمة العقيقة وإنني خلال بحثي لموضوع العقيقة لم أجد أحداً من أهل العلم قال بإخراج القيمة في مسألة العقيقة وكلهم فيما أعلم على أن الأصل هو اتباع السنة النبوية في هذا المقام، قال النووي: [العقيقة أفضل من التصدق بثمنها عندنا وبه قال أحمد وابن المنذر] (١)، بل أن الإمام أحمد يرى أنه يستحب للمسلم إن كان معسراً أن يستقرض ويشتري عقيقة ويذبحها وقد ورد عدة نصوص في هذه المسألة منها: ١. قال الخلال: [باب ما يستحب من العقيقة وفضلها على الصدقة أخبرنا سليمان ابن الأشعث قال: سئل أبو عبد الله وأنا أسمع عن العقيقة أحب إليك أو يدفع ثمنها للمساكين؟ قال: العقيقة]. ٢. وفي رواية أبي الحارث وقد سئل عن العقيقة أن استقرض قال أحمد: [رجوت أن يخلف الله عليه، أحيا سنة]. ٣. وقال له صالح ابنه: [الرجل يولد له وليس عنده ما يعق أحب إليك أن يستقرض ويعق عنه أم يؤخر ذاك حتى يوسر؟ قال: أشد ما سمعنا في العقيقة حديث الحسن عن سمرة عن النبي ﷺ : (كل غلام مرتهن بعقيقته) وإني لأرجو أن استقرض أن يعجل الله الخلف لأنه أحيا سنة من سنن رسول الله ﷺ واتبع ما جاء عنه. (٢)

стр. 39

وعقب ابن المنذر على هذه الروايات بقوله: [صدق أحمد إحياء السنن واتباعها أفضل وقد ورد فيها من الأخبار التي رويناها مالم يرد في غيرها]. (١) وقال بان القيم معقباً على كلام الإمام أحمد ما نصه: [وهذا لأنه سنة ونسيكة مشروعة بسبب تجدد نعمة الله على الوالدين وفيها سر بديع موروث عن فداء إسماعيل بالكبش الذي ذبح عنه وفداه الله به فصار سنة في أولاده بعده أن يفدي أحدهم عند ولادته كما كان ذكر اسم الله عليه عند وضعه في الرحم حرزاً له من ضرر الشيطان ... ] إلى أن قال: [فكان الذبح في موضعه أفضل من الصدقة بثمنه ولو زاد في الهدايا والأضاحي فإن نفس الذبح وإراقة الدم مقصود فإنه عبادة مقرونة بالصلاة كما قال تعالى: (فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ) وقال: (قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) ففي كل ملة صلاة ونسيكة لا يقوم غيرهما مقامهما ولهذا لو تصدق عن دم المتعة والقرآن بأضعاف القيمة لم يقم مقامه]. (٢)

стр. 40

المبحث العاشر هل يصح الاشتراك في العقيقة ؟ وتوضيح المسألة: أن يشترك سبعة أشخاص في جزور أو بقرة عن سبعة أولاد أو يشترك سبعة بعضهم يريد اللحم وبعضهم يريد العقيقة في جزور أو بقرة. والمسألة فيها قولان: ١. القول الأول: يجوز ذلك وهو قول الشافعية، قال النووي: [ولو ذبح بقرة أو بدنة عن سبعة أولاد أو اشترك فيها جماعة جاز سواء أرادوا كلهم العقيقة أو أراد بعضهم العقيقة وبعضهم اللحم كما سبق في الأضحية]. (١) ٢. القول الثاني: لا يجوز ذلك فإذا أراد أن يعق ببقرة أو جزور فيجوز ذلك عن مولود واحد فقط وهو قول الحنابلة ونص عليه الإمام أحمد (٢). قال الخلال في جامعة باب حكم الجزور عن سبعة: [أخبرني عبد الملك بن عبد الحميد أنه قال لأبي عبد الله - الإمام أحمد - يعق بجزور وقال الليث قد عق بجزور. قلت: يعق بجزور عن سبعة؟ أنا لم اسمع في ذلك بشيء ورأيته لا ينشط لجزور عن سبعة في العقوق. (٣) فالحنابلة يرون أن الرأس من البقر أو الإبل يجزئ عن مولود واحد فقط ولا يصح أن تكون البقرة عن سبعة ولا الناقة عن سبعة وهو قول المالكية فيما يظهر لي. (٤)
следующие страницы →