كلمات مضيئة
في الدعوة إلي الله
بقلم
محمد على محمد إمام
مراجعة
الشيخ / على سعد أبو الخير
طبعة مزيدة ومنقحة
стр. 2
دار الكتب والوثائق القومية
بطاقة فهرسة
فهرسة أثناء النشر إعداد الهيئة العامة لدار الكتب المصرية
إدارة الشئون الفنية
كلمات مضيئة في الدعوة إلي الله
إعداد / محمد على محمد إمام ... ميت غمر
الطبعة الأولي ٢٠٠٥
عدد الصفحات (٥٦٦ صفحة)
المقاس (١٨ × ٢١ سم)
رقم الإيداع: ١٧٩٩١/ ٢٠٠٢
حقوق الطبع محفوظة للمؤلف
стр. 3
تقديم
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبى بعده ..
بالدعوة إليه نتعرف عليه، ونحبه أكثر من أنفسنا وأولادنا حينما نبذل نعمه التى أعطانا إياها فى النفير فى سبيله ندعو الناس إلى حبه والعمل بما أنزل وبذلك نكون أتباعاً بحق للأنبياء نحيي ملة أبيهم إبراهيم ﵇ ونقيم دين خاتمهم محمد ﷺ الذى حملنا المسئولية من بعده ولا نبى بعده ولكن أهل الإسلام يريدون العمل بالحلال والبعد عن الحرام وتجنب البدع والشركيات دون تحمل أعباء وتكاليف هذه الدعوة التى تحقق لك التوحيد الكامل وليس بدايات التوحيد بل كماله فنمشى على ضوء القرآن:
١) زيارات مثنى .. مثنى .. مثل موسى وهارون ﵉ إلى الطالح والصالح.
٢) بعوث دعوية جماعية على غرار سورة يس ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ * إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ
стр. 4
فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُون﴾ (١) جاءوا دون طلب من أهل القرية وهذا هو الجهد الأعلى التى تبذل فيه ماء الوجوه وتتنازلون فيه عن أعراضكم إذا قابلكم الناس كما قابلوا الأوائل بقولهم ... ﴿قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلا تَكْذِبُونَ﴾ (٢) فصبروا وتحملوا وواصلوا الدعوة رغم التهديد هذا هو التوحيد (العملى) تثق بأسماء الله وصفاته (عملياً) الكلام عنها والكتابة والإجابة أسهل ألف مرة من الاستفادة منها على أرض الواقع وبذلك نصبح من أهل القرآن وأهل العلم وأهل السنة وتكون حياتنا وقراراتنا على طريق الأنبياء ﵈، أمر الله أعظم من كل أمر.
فواحزناه على شباب صالح يحمل دراسات كثيرة ولكن لا يشارك فى إحياء هذه البعوث التى نطالب مساجد المسلمين بإقامتها كما كانت فى العهد النبوى علماً وعملاً، وهذا هو ما يرجى من الأمة المسلمة الآن وهذا ما يستطيعه الجميع حتى يزداد الإيمان فإن كنت تعلم أن الإيمان يزيد وينقص ولا تعمل على زيادته حتى يرضى عنك الله فمتى تستفيد من هذه
стр. 5
المعلومة البديهية؟ التى هى بمثابة المدرس الذى يعلم التلاميذ أن ٢ × ٢ = ٤ ويحفظون جدول الضرب ولا يمارسون بقية الرياضيات.
الله يريد منا توحيداً باللسان يؤثر فى القلب وتتحرك به الجوارح ﴿ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّه﴾ (١) ولئن عجز المسلمون الآن عن مقدمة سورة الصف فلا يعجزون عن آخرها ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ﴾ (٢) وانطلق المسيح وحواريوه يدعون بنى إسرائيل - الذين كانوا مسلمين وانحرفوا عن طريق الأنبياء - كما هو المطلوب الآن وهذه قاعدة عند أهل السنة: إن عجزت عن أمرٍ فجاوزه إلى ما تستطيع (٣).
وإن من تلبيس إبليس أن يزعم بعضنا أن الدعوة للكفار وليس للمسلمين، بل للنوعين معاً. وبسبب هذا الكلام المخالف للحق تكاسل المسلمون عن دعوة بعضهم فكثر بينهم الشر وضعف إيمان المتحدثين عن الإسلام لأنهم اكتفوا بالفكرة (الطباعة والإذاعة) وتركوا السنة (الحوار المباشر وعرض النفس وبذل المال والوقت وماء الوجه وكل النعم فى إرضاء المنعم الذى لا يرضى إلا باتباع السابقين الأولين).
стр. 6
﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (١) ليس لنا فى مجال الدعوة والصبر عليها سلف سواهم أما سلفنا فى علوم العقيدة والأحكام والفتوى طابور طويل من الأئمة الثقات الذين قاوموا البدع الشركية والفرق الضالة أما فى مجالات الجهد والزهد فلا نقتدى إلا بالصحابة فقط لأن رضاء الله يرتبط باتباعهم بإحسان أى على أحسن ما كانوا يعملون وهذا من القول الفصل قرآناً وسنة.
وسيكون العلم النافع متدفقاً حينما نعود إلى المدرستين:
١) دار الأرقم فى مكة
٢) ومسجد الرسول ﷺ فى المدينة
فما بالنا انشغلنا عن القرون الفاضلة الثلاثة الأولى بالقرن الخامس والسابع .... والثانى عشر والرابع عشر؟ نحترم كل العلماء الثقات ونأخذ عنهم ونحبهم ولكن نضعهم فى رتبة أقل من الصحابة عند الدعوة والبذل لله فيصبح قدوتنا التى لا تتغير منحصرة فى: إبراهيم وآل إبراهيم، محمد وآل محمد .. وآل إبراهيم هم جميع الأنبياء وخاتمهم محمد ﷺ وآل محمد هم
стр. 7
الصحابة ومن سار على نهجهم نأخذ العلم الموثق عن فلان ولا ننظر إلى حياته بل ننظر إلى الصحابة الذين رضى الله عنهم.
ولا ندعو الناس إلى إمام واحد غير النبى وخلفائه ولا ندعو الناس إلى جمعية خيرية بعينها بل نحب كل جمعية خيرية تخدم المسلمين وليس فى عقيدتها دخن ونتعاون معهم على قدر النور الذى يحملونه، ونصحح لبعض الأخطاء .. نتكامل ولا نتفاضل .. نتساند ولا نتعاند .. ولا نعقد الولاء والبراء إلا للشريعة الغراء والسنة المشرفة ونعتبر المسلمين الذين يهتمون بأمر الإسلام ويجعلونه مقصد حياتهم عملةً نادرة لابد من المحافظة عليها مع التصحيح المستمر بنية النصيحة لا الفضيحة .. تصحيحاً لا تجريحاً .. لأنهم أبناء الإسلام - الذى لا شرك ولا بدعة فيها - وهم أفضل بكثير من المسلمين المستهترين بالدين والمستهزئين بأهله والذى لم يشارك فى دعوة الجماهير لا يعرف ذلك والذى يكتفى بالحديث إلى الصالحين ولا يدعو الظالمين لا يدرك ذلك.
فكل من رضى بالله رباً لم يطلب من غيره العون والمدد ورضى بمحمدٍ رسولاً فلم يجعل قدوته شيخاً أو إماماً، ورضى بالإسلام ديناً يشعر بالغيرة عليه فهو من جماعة المسلمين وإن شرب الخمر، ندعوه إلى التوبة ثم ندعو جميع من تخلص من الكبائر والمعاصى أن يتوبوا من الانشغال بالحلال
стр. 8
فإنه ذنب يحتاج إلى توبة ﴿سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا﴾ (١).
الانشغال بالمال (الوظيفة والورشة والمزرعة) والأهل (زوجه - أولاده) عن الدعوة ذنب يحتاج إلى مغفرة وبذلك يكتمل تعريف التوبة وتعريف الفقه وتعريف التوحيد الخالص.
ولابد من إحياء كل عمل جماعى - فى مقدورنا - كان فى العهد النبوى وإلا سنحاسب عن ذلك وبذلك يتحول الدعاء إلى عمل ﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي﴾ (٢) فلنستجب لله حتى يستجيب لنا.
﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ (٣) يرشدون باستجابتهم لله واتباعهم للخلفاء الراشدين الذين هداهم الله لأرشد أمورهم لأنهم كانوا يتشاورون كيف ينصرون هذا الدين وينشروه بين الناس يبتغون بذلك وجه الكبير المتعال الحى القيوم.
стр. 9
اللهم ردنا وجميع المسلمين المريدين للحق إلى الإسلام المحمدى الأصيل الذى كان فى المدرستين: (دار الأرقم بمكة. . مسجد الرسول ﷺ بالمدينة).
وهذا الإسلام يسر لا عسر ومادته العلمية فى متناول كل مسلم حتى لو كان أمياً ولكنه يحمل قلباً شغوفاً بالتلقى عن الوحى ويتحمل مسئولية هذا الإرث ويبلغ ما سمع ووعى حتى لو كان قليل البضاعة فإنها بذلك ستزيد ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً﴾ (١) العلم الذى ينبغى تبليغه للناس أى القرآن والسنة وليس الآراء والخلافات التى ليس فيها نص قاطع.
" رب حامل فقه إلى من هو أفقه منه " لو كان الأفقه منه منكسراً لله مفتقراً إليه " ورب حامل فقه ليس بفقيه " لو عادت الأمة إلى صفات الصحابة تشجع كل ناصح ولا تعنفه بقولة فرعون ﴿أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكَادُ يُبِينُ﴾ (٢) وشتان بين المذيعين وبين صانعى الحدث، فالصحابة بذلوا ونحن نتحدث عنهم فهلا نجيد العمل الصالح مثلهم وأعظم الأعمال الصالحة استمالة قلوب العباد إلى رب العباد وهذا يأخذ جهداً أكثر من مجرد النهى عن المنكر والأمر بالمعروف والكل مطلوب، ولكن على منهج السابقين الأولين.
стр. 10
انظر إلى المحدث العظيم الصحابى الجليل جابر بن عبد الله فى الصحيحين يخرج مع النبى وقد تزوج حديثاً والنبى لا يعلم بذلك وترك له أبوه سبعة من البنات وليس معهم رجل وترك له ديوناً أليس مثل هذا الرجل يجز له أن يعتذر عن ذلك العمل الثقيل على النفس، فهؤلاء سلفنا فى البذل والعطاء: الله أكبر من كل شئ، وصلوا إلى كمال التوحيد: اليقين بوعد الله فلما أنفقوا من راحتهم وأخروا ديناهم من أجل دينهم مكن الله لهم وهذه هى الكرامة ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (١)، ﴿يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ * بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ﴾ (٢) رغم أن هذا الرجل استهزئ به وضرب حتى الموت فى بلده ووسط أهله.
ولقد تشبه أبو بكر بمؤمن آل فرعون وتشبه عروة بن مسعود بمؤمن سورة يس.
هكذا كان الصحابة أهلاً للقرآن يعملون به، كانوا قرآناً يمشى على الأرض، وأثبتوا لنا أن قصص القرآن لابد أن يتكرر فى كل زمان ومكان وبالدعوة ستكرر الكرامة وستكون العزة خلف سيدنا محمد رسول الله ﷺ الذى كان يعرض نفسه على القبائل ولم يكتف بدعوة عشيرته الأقربين كما يريد المرجئة الجدد بل كان يخرج فى نفر من أصحابه إلى سوق عكاظ الذى
стр. 11
كان ينعقد مرة كل عام ثم يتلوه سوقان آخران وذلك فى شهور الحج شوال - ذو القعدة - ذو الحجة، وقد روى البخارى عن ابن عباس أنه لما كان فى عكاظ يصلى الفجر بأصحابه آمن أول طائفة من الجن ودعوا إخوانهم إلى الإسلام دون أن يأخذوا إجازة من النبى ﷺ لأن الإجازة فى الفتوى ليست فى الدعوة ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ (١) إذا كان الإنس لا يستجيب، فقد يهتدى الجن بإخلاصك، وأنت لا تدرى.
السؤال: لماذا كان النبى ﷺ يذهب إلى سوق عكاظ ومعه أصحابه؟
لعلهم يجدون من يقف معهم ويحمل الأمانة وكان المستجيب يتعلم قيام الليل والقيام بالدعوة نهارا ﴿قُمِ اللَّيْلَ﴾ (٢) ﴿قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ (٣) مما حدا بكل مسلم جديد أن يصبح داعية فى قومه ثم انتظم الجميع بعد الهجرة فى جيوش تدعو وتقاتل وفى بعوث تدعو ولا تقاتل، هذه سنة وهذه سنة فإن عجز المسلمون عن الأولى فلا يعجزون عن الثانية.
ولله الحمد وحده: نجح المسلمون فى العصر الحديث فى موادٍ كثيرة .. مثل اللحية والنقاب وصلاة العيد فى الخلاء والاعتكاف فى العشر الأواخر ..
стр. 12
وغيرها من الخيرات وبقيت المادة الأولى التى تعلمها الصحابة فى أول يوم .. وهى الدعوة إلى الله .. عليها تربوا ونزل كل القرآن فى مكة والمدينة يؤكدها ويحكى عن الأنبياء وأقوامهم.
- س: فماذا كانت مادة الدعوة التى تقال وتعرض؟
ج: انظر كتاب الله ستجد ما قاله كل نبى لقومه .. نعم الله لا تحصى وأولها أنه خالقهم ورازقهم ولكن الناس لا يبصرون ولا يعرفون ربهم حقاً فيا من نزل عليه القرآن ويا من تقرأ القرآن بيَّن للناس عظمة ربك وكبره تكبيرا ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ (١) ولا تسب أصنامهم واذهب إليهم بنفسك وجهاً لوجه وتحمل وستجد المعرضين مثل أبى جهل وستجد المقبلين مثل أبى بكر.
- يا علماء الأمة أحيوا هذه السنة .. وابذلوا من أوقاتكم لإحيائها وتصحيح الأخطاء فتعود المساجد إلى رسالتها الأولى دعوة للمعرضين وتعليماً للمقبلين .. خطان متوازيان وكذلك يا كل مسلم: احرص على مجالس تفسير القرآن وقصص الأنبياء وشرح البخارى ومسلم، على العلم الذى ينفع للدعوة واحرص أيضاً على نوبتك فى بعوث الدعوة فى خطين متوازيين .. الدروس مع البعوث والدعوة الانفرادية لا تغنى عن الدعوة الجماعية متعاونين كما لا تغنى صلاة النافلة عن صلاة الجماعة.
стр. 13
- وهذا الكتاب الذى بين أيدينا .. يلقى المزيد من الضوء على هذا العلم المهمل المظلوم - علم الدعوة - وهو علم لا ينسخ نأخذه من قصص الأنبياء جميعاً. فالكتاب والشريط من وسائل الدعوة الجميلة ولكن تبقى الطريقة النبوية هى الطريقة المثلى للدعوة إلى الله وتحمل أذى الناس رغم أننا ضيوف عليهم ذهبنا إليهم بأنفسنا ونتحين الفرصة المناسبة ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى﴾ (١) ولا نسألهم أجراً .. فإن شتمونا أو احتقرونا بجهلهم نعذرهم كما فعل النبى ﷺ ونرجوا لهم الهداية وهذه سنة نبوية قلبية لا ينالها إلا المخلصون.
- وهذا العلم العظيم العريق .. علم الدعوة .. يفهم عملياً بالبعوث ونظرياً بالبحوث والدروس .. فشكر الله لأخينا محمد على إمام الذى صنف هذا الكتاب ورزقه حسن النية حتى ينفع الله المسلمين به بفضل الله وكرمه على المفتقرين إليه ... آمين .. آمين
الشيخ / على سعد أبو الخير
* * * *
стр. 14
مقدمة
الحمد لله الذى أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون ... وأشهد أن لا إله إلا الله الملك الحق المبين .. وأشهد أن محمداً عبده ورسوله .. أفضل من بعث بالرسالة واشتكت إليه الغزالة وكلمه الحجر وآمن به المدر وانشق له القمر ولبى دعوته الشجر واستجار به الجمل وشكا إليه شدة العمل وحن إليه الجذع ودر عليه يابس الضرع وسبحت فى كفه الحصباء ونبع من بين أصابعه الماء.
، ... أما بعد ... ،
أكتب هذه الرسالة من منطلق قول ربنا ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (١).
لمن؟
إلى كل نفس مؤمنة تتطلع شوقاً إلى رؤية راية الإسلام خفاقة على
стр. 15
ربوع العالم.
إلى كل نفس مؤمنة تتطلع شوقاً إلى رؤية شمس الإسلام تشرق من جديد تأخذ بيد البشرية الضالة المتحيرة ببعدها عن منهج الله ويتجه بها: من .. الظلمات إلى النور .. ومن الجهل إلى المعرفة .. ومن الباطل إلى الحق .. ومن الشر إلى الخير .. ومن الشقاء إلى السعادة .. ومن الضلالة إلى الهداية .. ومن الخوف والقلق والحيرة إلى الأمن والطمأنينة .. ومن الأثرة والأنانية إلى الإيثار والتضحية .. ومن التناكر والتخالف إلى التعارف والتآلف .. إلى كل نفس تريد حمل أمانة الدعوة إلى الله وتحمل أعباء الجهد والتضحية، لإعلاء كلمة التوحيد.
فى هذه الآونة التى التبس فيها الحق بالباطل .. والمعروف بالمنكر .. والخير بالشر .. وكل يوم تعرض الفتن على القلوب، فما يفيق المسلمون من فتنة حتى يقعوا فى غيرها، فأصبح المسلم تائهاً لا يدرى ماذا يفعل .. ؟ ولا يدرى ما وظيفته .. ؟ وما مقصده فى هذه الحياة .. ؟
وللأسف مالت الأمة عن طريق الحق والنور الذى أراده الله للبشرية كما قال الله : ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ * وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً﴾ (١)
стр. 16
فأخذت الأمة طريق اليهود والنصارى وتركت طريق الرسول الكريم ﷺ وتمزقت وأصبحت الأمة ليست أمة لأن كل واحد فى الأمة أصبح له مقصد مختلف.
فهذا مقصده المال .. وهذا مقصده الجاه .. وهذا مقصده المنصب .. وهذا مقصده الأولاد .. وهذا مقصده الزراعة .. وهذا مقصده التجارة .. وهذا مقصده الصناعة .. وكثير جعل الدنيا مقصده وهى لا تغنى من الله شيئا.
ولكن الأمة .. هى التى مقصدها واحد وفكرها واحد ومنهجها واحد.
فلنقف ولنتساءل: ماالعلاج؟!
العلاج فى التعرف على الله .. العلاج فى رجوع الأمة إلى دينها وجهد نبيها عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم .. العلاج فى خروج الأمة فى سبيل ربها لحمل أمانة دينها .. والتعرف على ذلك يتم من خلال قراءتك لهذه الرسالة، راجياً الله أن ينفع بها كل من وعى حقيقتها .. وتكون شمعة نحو إضاءة طريق الحق والخير والسلام .. آمين .. آمين .. آمين ..
محمد على محمد إمام
* * * * *
стр. 17
البشارة بالرسول الخاتم ﷺ
وأمته فى الكتب المتقدمة
عن عطاء بن يسار قال، لقيت عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ فقلت أخبرني عن صفة رسول الله - ﷺ فى التوراة قال: أجل والله إنه لموصوف فى التوراة ببعض صفته فى القرآن ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً﴾ (١) وحرزاً للأميين أنت عبدى ورسولى سميتك المتوكل ليس بفظ ولا غليظ ولا سخَّاب (٢) فى الأسواق، ولا يدفع السيئة بالسيئة ولكن يعفو ويصفح ويغفر، ولن يقبضه الله حتى يقيم به الملة العوجاء بأن يقولوا لا إله إلا الله فيفتح بها أعيناً عُميا وآذاناً صُما وقلوباً غُلفا" (أخرجه البخارى والإمام أحمد) (٣).
стр. 18
وقال وهب ابن منبه: إن الله تعالى أوحى إلى نبى من أنبياء بنى إسرائيل يقال له (شعياء) أن قم فى قومك بنى إسرائيل فإنى منطق لسانك بوحى وأبعث أمياً من الأميين أبعثه ليس بفظ ولا غليظ، ولا صخاب فى الأسواق، لو يمر إلى جنب سراج لم يطفئه من سكينته، ولو يمشى على القصب لم يسمع من تحت قدميه، أبعثه مبشراً ونذيراً لا يقول الخنا، أفتح به أعيناً كمهاً وآذاناً صماً وقلوباً غلفاً، أسدده لكل أمر جميل وأهب له كل خلقٍ كريم وأجعل السكينة لباسه، والبر شعاره، والتقوى ضميره، والحكمة منطقه، والصدق والوفاء طبيعته، والعفو والمعروف خُلقه، والحق شريعته، والعدل سيرته، والهدى إمامه، والإسلام ملته، وأحمد اسمه، أهدى به بعد الضلال، وأعلَّم به بعد الجهالة، وأرفع به بعد الخمالة، وأُعرف به بعد النكرة، وأكثر به بعد القلة، وأغنى به بعد العيلة، وأجمع به بعد الفرقة، وأؤلف به بين أمم متفرقة، وقلوب مختلفة وأهواء متشتتة، وأستنقذ به فئاماً من الناس عظيمة من الهلكة، وأجعل أمته خير أمه أُخرجت للناس يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر موحدين مؤمنين مخلصين مصدقين لما جاءت به رسلى، ألهمهم التسبيح والتحميد والثناء والتكبير والتوحيد فى مساجدهم ومجالسهم ومضاجعهم ومنقلبهم ومثواهم، يصلون لى قياماً وقعوداً، ويقاتلون فى سبيل الله صفوفاً وزحوفاً، ويخرجون من ديارهم ابتغاء مرضاتى ألوفاً يطهرون الوجوه والأطراف، ويشدون الثياب فى
стр. 19
الأنصاف (١)، قربانهم دماؤهم، وأناجيلهم فى صدورهم، رهبان بالليل، ليوث بالنهار، وأجعل فى أهل بيته وذريته السابقين والصديقين والشهداء والصالحين أمته من بعده، يهدون بالحق وبه يعدلون، وأعز من نصرهم، وأؤيد من دعا لهم، وأجعل دائرة السوء على من خالفهم أو بغى عليهم أو أراد أن ينتزع شيئاً مما فى أيديهم، أجعلهم ورثة لنبيهم، والداعية إلى ربهم، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويوفون بعهدهم، أختم بهم الخير الذى بدأته بأولهم ذلك فضلى أوتيه من أشاء وأنا ذو الفضل العظيم ". (أخرجه ابن أبى حاتم عن وهب) (٢).
وذكر وهب بن منبه فى قصة داود ﵇ وما أوتى إليه فى الزبور:
يا داود: " إنه سيأتى من بعدك نبى اسمه أحمد ومحمد صادقاً سيداً، لا أغضب عليه أبداً، ولا يغضبنى أبداً، وقد غفرت له قبل أن يعصينى ما تقدم من ذنبه وما تأخر، أمته مرحومة أعطيتهم من النوافل مثل ما أعطيت الأنبياء وافترضت عليهم الفرائض التى افترضت على الأنبياء والرسل حتى يأتونى يوم القيامة ونورهم مثل نور الأنبياء، وذلك أنى افترضت عليهم أن
стр. 20
يتطهروا إلى كل صلاة كما افترضت على الأنبياء قبلهم، وأمرتهم بالغسل من الجنابة كما أمرت الأنبياء قبلهم، وأمرتهم بالحج كما أمرت الأنبياء قبلهم، وأمرتهم بالجهاد كما أمرت الرسل قبلهم.
يا داود: إنى فضلت محمداً وأمته على الأمم كلها، أعطيتهم ست خصال لم أعطها غيرهم من الأمم:
- لا آخذهم بالخطأ والنسيان.
- وكل ذنب ارتكبوه على غير عمد إن استغفرونى منه غفرته لهم.
- وما قدموا لآخرتهم من شئ طيبة به أنفسهم جعلته لهم أضعافاً مضاعفة وأفضل من ذلك.
- وأعطيهم على المصائب فى البلايا إذا صبروا وقالوا: إنا لله وإنا إليه راجعون، الصلاة والرحمة والهدى إلى جنات النعيم، فإن دعونى استجبت لهم فإما أن يروه عاجلاً وإما أن أصرف عنهم سوءاً وإما أن أدخره لهم فى الآخرة.
يا داود: من لقينى من أمة محمد يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له صادقاً بها فهو معى فى جنتى وكرامتى، ومن لقينى وقد كذب محمداً أو كذب بما جاء به واستهزأ بكتابى صببت عليه فى قبره العذاب صبا، وضربت
стр. 21
الملائكة وجهه ودبره عند منشره من قبره ثم أدخله فى الدرك الأسفل من النار " (١).
وعن كعب يحكى عن التوراة قال: " نجد مكتوباً محمدٌ رسول الله عبدى المختار لا فظ ولا غليظ ولا سخاب فى الأسواق ولا يجزى بالسيئة السيئة ولكن يعفو ويغفر مولده فى مكة وهجرته بطيبة وملكه بالشام وأمته الحمادون، يحمدون الله فى السراء والضراء، يحمدون الله فى كل منزلة، ويكبرونه على كل شرف، رعاة الشمس يصلون الصلاة إذا جاء وقتها، يأتزرون على أنصافهم، ويتوضئون على أطرافهم، مناديهم ينادى فى جو السماء، صفهم فى القتال وصفهم فى الصلاة سواء، لهم بالليل دوى كدوى النحل ". (هذا لفظ المصابيح ورواه الدارمى بتغيير يسير) (٢).
وروى الحافظ البيهقى بسنده عن وهب بن منبه اليمانى قال: إن الله لما قرب موسى نجيا، قال: رب! إنى أجد فى التوراة أمة خير أمة أخرجت للناس، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويؤمنون بالله، فاجعلهم أمتى، قال: تلك أمة أحمد، قال: رب! إنى أجد فى التوراة أمة هم خير الأمم السابقون يوم القيامة فاجعلهم أمتى، قال تلك أمة أحمد، قال: رب! إنى أجد فى التوراة أمة أناجيلهم فى صدورهم
стр. 22
يقرؤونها وكان من قبلهم يقرءون كتبهم نظراً ولا يحفظونها، فاجعلهم أمتى، قال تلك أمة أحمد، قال: رب! إنى أجد فى التوراة أمة يؤمنون بالكتاب الأول والآخر، ويقاتلون رؤوس الضلالة حتى يقاتلوا الأعور الكذاب فاجعلهم أمتى، قال: تلك أمة أحمد، قال: رب! إنى أجد أمة يأكلون صدقاتهم فى بطونهم وكان من قبلهم إذا أخرج صدقته بعث الله عليها ناراً فأكلتها، فإن لم تقبل لم تقربها النار، فاجعلهم أمتى، قال: تلك أمة أحمد، قال رب! إنى أجد فى التوراة أمة إذا همَّ أحدهم بسيئة لم تكتب عليه فإن عملها كتبت عليه سيئة واحدة، وإذا همَّ بحسنه ولم يعملها كتبت له حسنة كاملة فإن عملها كتبت له عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف، فاجعلهم أمتى، قال: تلك أمة أحمد.
قال: رب! إنى أجد فى التوراة أمة هم المستجيبون والمستجاب لهم فاجعلهم أمتى، قال: تلك أمة أحمد " (١).
وعن مقاتل بن حيان قال: أوحى الله إلى عيسى ابن مريم .. جد فى أمرى ولا تهزل، واسمع وأطع يابن الطاهر البتول، إنى خلقتك من غير فحل، وجعلتك آية للعالمين، فإياى فاعبد وعلى فتوكل، فبين لأهل سوران أنى أنا الحق القائم الذى لا أزول، صدقوا بالنبى العربى صاحب الجمل والمدرعة والعمامة والنعلين والهراوة، الجعد الرأس، الصلت الجبين، المقرون الحاجبين، الأدعج العينين، الأقنى الأنف، الواضح الخدين، الكث
стр. 23
اللحية، عرقه فى وجهه كاللؤلؤ، ريحه المسك ينفح منه، كأن عنقه إبريق فضه، وكأن الذهب يجرى فى تراقيه له شعرات من لبته إلى سرته، تجرى كالقضيب، ليس على صدره ولا بطنه شعر غيره، ششن الكفين والقدم، إذا جامع الناس غمرهم، وإذا مشى كأنما ينقلع من الصخر وينحدر من صبب، ذو النسل القليل (١)(٢).
* * * * *
стр. 24
الإعداد
لبعثة الرسول الخاتم ﷺ -
عن ابن عباس ﵃ قال: كان لنزار (١) أربعة أولاد: مضر وربيعة وإياد وأنمار، فلما حضرته الوفاة وصاهم فقال: يا بنى هذه القبة الحمراء من أدَمَ وما أشبهه من المال لمضر، وهذا الخباء الأسود وما أشبهه لربيعة، وهذه الخادمة وكانت شمطاء وما أشبهها لأياد، وهذه الندوة والمجلس وما أشبهه لأنمار، فإن أشكل عليكم واختلفتم فعليكم بالأفعى الجرهمى بنجران، فلما مات واختلفوا وأشكل عليهم أمر القسمة فتوجهوا إليه فبينما هم يسيرون إذ رأى مضر كلأ قد رُعى فقال: إن البعير الذى رعى هذا الكلأ
стр. 25
أعور، وقال ربيعة: هو أزور، وقال أياد: هو أبتر، وقال أنمار: هو شرود.
فلم يسيروا قليلاً حتى لقيهم رجل يوضع على راحلته فسألهم عن البعير.
فقال مضر: أهو أعور .. ؟ قال: نعم.
وقال ربيعة: أهو أزور .. ؟ قال: نعم.
وقال أياد: أهو أبتر .. ؟ قال: نعم.
وقال أنمار: أهو شرود .. ؟
قال: نعم، وهذه صفة بعيرى فدلونى عليه، فقالوا: والله ما رأيناه قال: قد وصفتموه بصفته فكيف لم تروه؟ وسار معهم إلى نجران حتى نزلوا بالأفعى الجرهمى فناداه صاحب البعير: هؤلاء أصحاب بعيرى وصفوه لى بصفته وقالوا لم نره، فقال لهم الأفعى الجرهمى: كيف وصفتموه ولم تروه؟
فقال مضر: رأيته يرعى جانباً ويترك جانباً فعرفت أنه أعور.
وقال ربيعة: رأيت إحدى يديه ثابتة الأثر والأخرى فاسدة الأثر فعرفت أنه أزور.
وقال إياد: رأيت بعره مجتمعاً فعرفت أنه أبتر، ولو كان ذيالاً لمصعه بذيله.
وقال أنمار: رأيته يرعى المكان الملتف نبته ثم يجوزه إلى مكان أرق منه وأخبث فعرفت أنه شرود.
стр. 26
فقال الجرهمى لصاحب البعير: ليسوا أصحاب بعيرك فاطلب من غيرهم ثم سألهم من هم؟
فأخبروه أنهم بنو نزار بن معد بن عدنان.
فقال: أتحتاجون إلىَّ وأنتم كما أرى فى جزالتكم وصحة عقولكم وآرائكم على ما أرى؟
ثم خرج عنهم وأرسل لهم بطعام فأكلوا وبشراب فشربوا.
فقال مضر: لم أر كاليوم خمراً أجود لولا أنها نبتت على قبر.
وقال ربيعة: لم أر كاليوم لحماً أطيب لولا أنه ربى بلبن كلبه.
وقال إياد: لم أر كاليوم رجلاً أسرى لولا أنه يدعى لغير أبيه.
وقال أنمار: لم أر كاليوم كلاماً أنفع فى حاجتنا.
وسمع الجرهمى الكلام .. فتعجب لقولهم وقال ما هؤلاء الشياطين وأتى أمه فسألها فأخبرته أنها كانت تحت ملك لا ولد له فكرهت أن يذهب الملك فأمكنت رجلاً من نفسها كان نزل به فوطئها فحملت منه به.
وسأل القهرمان عن الخمر.؟ فقال: من كرمة غرستها على قبر أبيك.
وسأل الراعى عن اللحم .. ؟ فقال شاه أرضعتها بلبن كلبه لأن الشاه حين ولدت ماتت ولم يكن ولد فى الغنم شاه غيرها.
فقيل لمضر من أين عرفت أن الخمر ونباتها على قبر؟
قال: لأنى أصابنى عليها عطش شديد.
وقيل لربيعة: من أين عرفت أن الشاه ارتفعت على لبن كلبة .. ؟
стр. 27
قال: لأننى شممت فيها رائحة الكلب. ولأن لحم الكلب يعلو شحمه بخلاف لحم الشاه فإن شحمها يعلو لحمها.
وقيل لإياد: من أين عرفت أن الرجل يدعى لغير أبيه .. ؟
قال: لأنى رأيته يتكلف ما يعمله. ولأنه وضع الطعام ولم يجلس معنا فيكون أصله دنيئاً. ثم أتاهم الجرهمى وقال: صفوا لى صفتكم فقصوا عليه ما أوصاهم به أبوهم نزار فقضى لمضر: بالقبة الحمراء والدنانير والإبل وهى حُمر فسمى مضر الحمراء.
وقضى لربيعة: وما أشبه الخباء الأسود من دابة ومال فهو لربيعة فصارت إليه الخيل وهى دهم فسمى ربيعة الفرس.
وقضى لإياد: وما أشبه الخادم وكانت شمطاء من مال فيه بلق فهو لإياد فصارت الماشية البلق له فقيل إياد الشمطاء.
وقضى لأنمار: بالأرض والدراهم.
وهذا الذى ظهر فى أولاد نزار من قوة الذكاء وحدة الفطنة، تأسيساً لتميزهم بالفضل، واختصاصهم بوفور العقل، مقدمة لما يراد بهم من بعثة النبى محمد ﷺ (١).
* * * *
стр. 28
إمام الدعاة ﷺ
يتحدث عن نفسه
١) عن واثلة بن الأسقع ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل واصطفى قريشاً من كنانة واصطفى من قريش بنى هاشم واصطفانى من بنى هاشم (رواه مسلم).
٢) وعن أبى هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : أنا سيد ولد آدم يوم القيامة، وأول من ينشق عنه القبر، وأول شافع، وأول مشفع. (رواه مسلم).
٣) وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : أنا أكثر الأنبياء تبعاً يوم القيامة، وأنا أول من يقرع باب الجنة. (رواه مسلم).
٤) وعن أبى هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : مثلى ومثل الأنبياء كمثل قصرٍ أحسن بنيانه وترك منه موضع لبنة، فطاف به النظار يتعجبون من
стр. 29
حسن بنيانه، إلا موضع تلك اللبنة، فكنت أنا سددت موضع اللبنة، ختم بى البنيان وختم بى الرسل.
وفى رواية: فأنا اللبنة، وأنا خاتم النبيين. (متفق عليه).
٥) وعن جابر ﵁ أن النبى ﷺ قال: " أنا قائد المرسلين ولا فخر، وأنا خاتم النبيين ولا فخر، وأنا أول شافع وأول مشفع ولا فخر". (رواه الدارمى).
٦) وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " أنا أول الناس خروجاً إذا بُعثوا، وأنا قائدهم إذا وفدوا، وأنا خطيبهم إذا أنصتوا، وأنا مستشفعهم إذا حُبسوا، وأنا مبشرهم إذا أيسوا الكرامة، والمفاتيح يومئذٍ بيدى ولواء الحمد يومئذٍ بيدى، وأنا أكرمُ ولدُ آدم على ربى يطوفُ علىَّ ألف خادم كأنهن بيضٌ مكنون أو لؤلؤ منثور ". (رواه الترمذى والدارمى)
٧) وعن أبى سعيد الخدرى ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر، وبيدى لواء الحمد ولا فخر، وما من نبى يومئذٍ آدم فمن سواه إلا تحت لوائى، وأنا أول من تنشق عنه الأرض ولا فخر ". (رواه الترمذى).
стр. 30
٨) وعن ابن عباس ﵁ قال: جلس ناسٌ من أصحاب رسول الله ﷺ فخرج حتى إذا دنا منهم سمعهم يتذاكرون قال بعضهم: إن الله اتخذ إبراهيم خليلاً، وقال آخر: موسى كلمه الله تكليما، وقال آخر: فعيسى كلمة الله وروحه، وقال آخر: آدم اصطفاه الله، فخرج عليهم رسول الله ﷺ وقال: قد سمعت كلامكم وعجبكم إن إبراهيم خليل الله وهو كذلك، وموسى نجى الله وهو كذلك، وعيسى روحه وكلمته وهو كذلك، وآدم اصطفاه وهو كذلك ألا وأنا حبيب الله ولا فخر، وأنا حامل لواء الحمد يوم القيامة تحته آدم فمن دونه ولا فخر، وأنا أول شافع وأول مشفع يوم القيامة ولا فخر، وأنا أول من يحرك حلق الجنة فيفتح الله لى فيدخلنيها ومعى فقراء المؤمنين ولا فخر، وأنا أكرمُ الأولين والآخرين على الله ولا فخر ". (رواه الترمذى والدارمى) (١).
* * * * *
стр. 31
الحبيب ﷺ
يصفه أصحابه
١) عن أبى عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر قال، قلت للرُبيع بنت معوذ ابن عفراء: صفى لنا رسول الله ﷺ : قالت: يابنى لو رأيته رأيت الشمس ساطعة. (رواه الدارمى).
٢) وعن جابر ابن سمرة ﵁ قال: رأيت النبى ﷺ فى ليلة أضحيان (١) فجعلت أنظر إلى رسول الله ﷺ وإلى القمر وعليه حُلة حمراء فإذا هو أحسن عندى من القمر. (رواه الترمذى والدارمى).
٣) وعن جابر بن سُمرة ﵁ قال: كان فى ساقى رسول الله ﷺ حموشة وكان لا يضحك إلا تبسماً وكنت إذا نظرتُ إليه قلت أكحل العينين وليس بأكحل. (رواه الترمذى).
٤) وعن كعب بن مالك ﵁ قال كان رسول الله ﷺ إذا سُر إستنار وجهه حتى كأن وجهه قطعة قمر وكنا نعرف ذلك. (متفق عليه).
стр. 32
٥) وعن أبى هريرة ﵁ قال: ما رأيت شيئاً أحسن من رسول الله ﷺ كأن الشمس تجرى فى وجهه، وما رأيت أحد أسرع فى مشيته من رسول الله ﷺ كأنما الأرض تطوى له وإنا لنجهد أنفسنا وإنه لغير مكترث. (رواه الترمذى)
٦) وعن ابن عباس ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ أفلج الثنيتين إذا تكلم رُئى كالنور يخرج من بين ثناياه. (رواه الدارمى)
٧) وعن جابر بن سمرة ﵁ قال: قال كان رسول الله ﷺ قد شمط مقدم رأسه ولحيته وكان إذا دهن لم يتبين (١) وإذا شعث رأسه تبين وكان كثير شعر اللحية. فقال رجل: وجهه مثل السيف، قال: بل كان مثل الشمس والقمر وكان مستديراً، ورأيت الخاتم عند كتفه مثل بيضة الحمامة يشبه جسده. ... (رواه مسلم)
٨) وعن أم سُليم رضى الله عنها أن النبى ﷺ كان يأتيها فيقيل عندها (٢) فتبسط نطعاً فيقيل عليه وكان كثير العرق فكانت تجمع عرقه فتجعله فى
стр. 33
الطيب فقال النبى ﷺ يا أم سليم ما هذا .. ؟ قالت عرقك نجعله فى طيبنا وهو من أطيب الطيب.
وفى رواية قالت: يا رسول الله نرجو بركته لصبياننا قال: أصبت. (متفق عليه) (١).
* * * * *
стр. 34
الجاهلية الأولى
والحاجة إلى بعثة نبى
بعث الله - - نبينا محمدٌ ﷺ على حين فترة من الرسل وانقطاع من الوحى، وفى الحين الذى بعث فيه الرسول ﷺ " نظر الله إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب " (١).
لأن الناس قد نسوا رسالة ربهم منذ عهد عيسى - ﵇ إلى أن بعث الرسول الكريم ﷺ وأظلمت الدنيا وعادت الجاهلية فى حياة الناس وبَعُدَ الناس عن مقتضى الإيمان بالله تعالى وعن عبادة الله تعالى وعن دعوة الله، ولقد ضربت الوثنية بجرانها.
ويصور الشيخ أبو الحسن الندوى ﵀ حال الناس فى تلك الفترة فيقول: بعث محمد بن عبد الله ﷺ والعالم بناء أصيب بزلزال شديد هزه هزاً عنيفاً، فإذ كل شيء فيه في غير محله، فمن أساسه ومتاعه ما
стр. 35
تكسر، ومنه ما التوى وانعطف، ومنه ما فارق محله اللائق به وشغل مكاناً آخر، ومنه ما تكدس وتكوم.
نظر إلى العالم بعين الأنبياء فرأى إنساناً قد هانت عليه إنسانيته، رآه يسجد للحجر والشجر والنهر، وكل مالا يملك لنفسه النفع والضر.
رأى إنساناً معكوساً قد فسدت عقليته، فلم تعد تسيغ البديهيات، وتعقل الجليات، وفسد نظام فكره، فإذا النظري عنده بديهي وبالعكس، يستريب في موضع الجزم، ويؤمن في موضع الشك، وفسد ذوقه فصار يستحلي المر ويستطيب الخبيث، ويستمرئ الوخيم، وبطل حسه فأصبح لا يبغض العدو الظالم، ولا يحب الصديق الناصح.
رأى مجتمعاً هو الصورة المصغرة للعالم، كل شيء فيه في غير شكله أو في غير محله، قد أصبح فيه الذئب راعياً والخصم الجائر قاضياً، وأصبح المجرم فيه سعيداً حظيا، والصالح محروماً شقياً لا أنكر في هذا المجتمع من المعروف، ولا أعرف من المنكر، ورأى عادات فاسدة تستعجل فناء البشرية، وتسوقها إلى هوة الهلاك.
رأى معاقرة الخمر إلى حد الإدمان، والخلاعة والفجور إلى حد الاستهتار، وتعاطي الربا إلى حد الاغتصاب واستلاب الأموال ورأى الطمع وشهوة المال إلى حد الجشع والنهامة ورأى القسوة والظلم إلى حد الوأد وقتل الأولاد.
стр. 36
رأى ملوكاً اتخذوا بلاد الله دولاً، وعباد الله خولاً، ورأى أحباراً ورهباناً أصبحوا أرباباً من دون الله، يأكلون أموال الناس بالباطل، ويصدون عن سبيل الله.
رأى المواهب البشرية ضائعة أو زائغة لم ينتفع بها ولم توجه التوجيه الصحيح، فعادت وبالا على أصحابها وعلى الإنسانية، فقد تحولت الشجاعة فتكاً وهمجية، والجواد تبذيراً وإسرافاً، والأنفة حمية جاهلية، والذكاء شطارة وخديعة، والعقل وسيلة لابتكار الجنايات، والإبداع في إرضاء الشهوات.
رأى أفراد البشر والهيئات البشرية كخامات لم تحظ بصانع حاذق، ينتفع بها في هيكل الحضارة، وكألواح الخشب لم تسعد بنجار يركب منها سفينة تشق بحر الحياة.
رأى الأمم قطعاناً من الغنم ليس لها راع، والسياسة كجمل هائج حبله على غاربه، والسلطان كسيف في يد سكران يجرح به نفسه، ويجرح به أولاده وإخوانه.
وانتشرت عبادة الأصنام قلما يخلو بيت من صنم، وكان فى جوف الكعبة المشرفة البيت الذى بنى لعبادة الله تعالى وحده، وفى فنائها ثلاث مائة وستون صنماً يعبدون من دون الله وإذا سُئلوا عن ذلك قالوا: ... ﴿مَا
стр. 37
نَعْبُدُهُمْ إِلا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ (١) وهو الشرك بعينه وكثرت الآلهة من الجن والملائكة والكواكب.
قال الكلبى: كانت بنو مليح من خزاعة يعبدون الجن وقال صاعد: كانت حمير تعبد الشمس وكنانة تعبد القمر وتميم الدبران ولخم وجذام المشترى وطئ وسهيلا وقيس الشعرى وأسد عطارداً، وكثُرت شرب الخمور، وفشي الربا، وكانوا لا يفرقون بينه وبين التجارة وقالوا ﴿إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا﴾ (٢)، وكان من شيوع تجارة الخمر أن أصبحت كلمة التجارة مرادفاً لبيع الخمر، وكان القمار من مفاخر الجاهلية، فكان الرجل يقامر على أهله وماله فيقعد حزيناً سليباً ينظر إلى زوجته وماله فى يد غيره فكانت تورث بينهم العداوة والبغضاء، وكثرت الأنكحة الفاسدة، وانتشر الزنا وكانت البغايا ينصبن الرايات الحمر على أبوابهن علماً على ذلك، وكان من العادات أن الرجل يتخذ الخليلات، ويتخذ النساء أخلاء بدون عقد. وقال ابن عباس – ﵁: كانوا فى الجاهلية يكرهون إماءهم على الزنا يأخذون أجورهم، وكانت المرأة فى المجتمع الجاهلى تُورث كما يورث المتاع ... أو الدابة وبلغت كراهية البنات إلى حد الوأد وهن أحياء، قال تعالى: ... ﴿وَإِذَا
стр. 38
الْمَوْؤُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ (١)، وكانت العصبية القبلية التى ملأت السكك والدور بالدماء، وكان جمهور الجاهلية لا يصدق بالميعاد والبعث بعد الموت وقالوا:
﴿مَا هِيَ إِلا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلا الدَّهْرُ﴾ ... (٢)
﴿إِنْ هِيَ إِلا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ (٣).
﴿ ... أَءِذَا كُنَّا عِظَاماً وَرُفَاتاً أَءِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً﴾ (٤).
والقرآن الكريم مليئ بالآيات التى تؤكد إنكارهم للبعث بعد الموت .. فبالجملة: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ (٥)(٦).
وما كان على الحنيفية السمحة دين إبراهيم الخليل ﵇ إلا القليل مثل قس بن ساعدة وزيد بن عمرو بن نفيل .. وغيرهم.
стр. 39
والله خلق الإنسان ليرحمه وليبين له ما يصلحه فقال تعالى ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ * وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً﴾ (١).
وقال تعالى ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ﴾ (٢).
وقال تعالى ﴿رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ (٣)
وقال تعالى ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ (٤).
وقال تعالى ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلا خَلا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ (٥).
стр. 40
وقال تعالى ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآناً عَرَبِيّاً لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾ (١).
والمقصود بالقرية فى لغة أهل العلم وفى لغة القرآن الكريم أهل المدن
وأهل الأمصار العظيمة فالله أرسل الأنبياء فى تلك المدن ومن تلك المدن تنطلق دعوة الأنبياء ﵈ إلى القرى المجاورة لها وما أهلك الله قوماً حتى يبين لهم. قال تعالى ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً﴾ (٢) فكيف كان حال الناس حين بعث الله نبيه محمد – ﷺ كانت الجاهلية ضربت أطنابها على البشرية كلها وكان كل شئ معكوس ومنكوس كما قال الله تعالى ﴿أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبّاً عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيّاً عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (٣) أو كما قال الله تعالى ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ