رأى ملوكاً اتخذوا بلاد الله دولاً، وعباد الله خولاً، ورأى أحباراً ورهباناً أصبحوا أرباباً من دون الله، يأكلون أموال الناس بالباطل، ويصدون عن سبيل الله.
رأى المواهب البشرية ضائعة أو زائغة لم ينتفع بها ولم توجه التوجيه الصحيح، فعادت وبالا على أصحابها وعلى الإنسانية، فقد تحولت الشجاعة فتكاً وهمجية، والجواد تبذيراً وإسرافاً، والأنفة حمية جاهلية، والذكاء شطارة وخديعة، والعقل وسيلة لابتكار الجنايات، والإبداع في إرضاء الشهوات.
رأى أفراد البشر والهيئات البشرية كخامات لم تحظ بصانع حاذق، ينتفع بها في هيكل الحضارة، وكألواح الخشب لم تسعد بنجار يركب منها سفينة تشق بحر الحياة.
رأى الأمم قطعاناً من الغنم ليس لها راع، والسياسة كجمل هائج حبله على غاربه، والسلطان كسيف في يد سكران يجرح به نفسه، ويجرح به أولاده وإخوانه.
وانتشرت عبادة الأصنام قلما يخلو بيت من صنم، وكان فى جوف الكعبة المشرفة البيت الذى بنى لعبادة الله تعالى وحده، وفى فنائها ثلاث مائة وستون صنماً يعبدون من دون الله وإذا سُئلوا عن ذلك قالوا: ... ﴿مَا
стр. 37
نَعْبُدُهُمْ إِلا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ (١) وهو الشرك بعينه وكثرت الآلهة من الجن والملائكة والكواكب.
قال الكلبى: كانت بنو مليح من خزاعة يعبدون الجن وقال صاعد: كانت حمير تعبد الشمس وكنانة تعبد القمر وتميم الدبران ولخم وجذام المشترى وطئ وسهيلا وقيس الشعرى وأسد عطارداً، وكثُرت شرب الخمور، وفشي الربا، وكانوا لا يفرقون بينه وبين التجارة وقالوا ﴿إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا﴾ (٢)، وكان من شيوع تجارة الخمر أن أصبحت كلمة التجارة مرادفاً لبيع الخمر، وكان القمار من مفاخر الجاهلية، فكان الرجل يقامر على أهله وماله فيقعد حزيناً سليباً ينظر إلى زوجته وماله فى يد غيره فكانت تورث بينهم العداوة والبغضاء، وكثرت الأنكحة الفاسدة، وانتشر الزنا وكانت البغايا ينصبن الرايات الحمر على أبوابهن علماً على ذلك، وكان من العادات أن الرجل يتخذ الخليلات، ويتخذ النساء أخلاء بدون عقد. وقال ابن عباس – ﵁: كانوا فى الجاهلية يكرهون إماءهم على الزنا يأخذون أجورهم، وكانت المرأة فى المجتمع الجاهلى تُورث كما يورث المتاع ... أو الدابة وبلغت كراهية البنات إلى حد الوأد وهن أحياء، قال تعالى: ... ﴿وَإِذَا
стр. 38
الْمَوْؤُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ (١)، وكانت العصبية القبلية التى ملأت السكك والدور بالدماء، وكان جمهور الجاهلية لا يصدق بالميعاد والبعث بعد الموت وقالوا:
﴿مَا هِيَ إِلا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلا الدَّهْرُ﴾ ... (٢)
﴿إِنْ هِيَ إِلا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ (٣).
﴿ ... أَءِذَا كُنَّا عِظَاماً وَرُفَاتاً أَءِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً﴾ (٤).
والقرآن الكريم مليئ بالآيات التى تؤكد إنكارهم للبعث بعد الموت .. فبالجملة: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ (٥)(٦).
وما كان على الحنيفية السمحة دين إبراهيم الخليل ﵇ إلا القليل مثل قس بن ساعدة وزيد بن عمرو بن نفيل .. وغيرهم.
стр. 39
والله خلق الإنسان ليرحمه وليبين له ما يصلحه فقال تعالى ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ * وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً﴾ (١).
وقال تعالى ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ﴾ (٢).
وقال تعالى ﴿رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ (٣)
وقال تعالى ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ (٤).
وقال تعالى ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلا خَلا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ (٥).
стр. 40
وقال تعالى ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآناً عَرَبِيّاً لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾ (١).
والمقصود بالقرية فى لغة أهل العلم وفى لغة القرآن الكريم أهل المدن
وأهل الأمصار العظيمة فالله أرسل الأنبياء فى تلك المدن ومن تلك المدن تنطلق دعوة الأنبياء ﵈ إلى القرى المجاورة لها وما أهلك الله قوماً حتى يبين لهم. قال تعالى ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً﴾ (٢) فكيف كان حال الناس حين بعث الله نبيه محمد – ﷺ كانت الجاهلية ضربت أطنابها على البشرية كلها وكان كل شئ معكوس ومنكوس كما قال الله تعالى ﴿أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبّاً عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيّاً عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (٣) أو كما قال الله تعالى ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ
стр. 41
نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ (١).
كان الناس أحياء بأجسادهم ولكن أمواتاً بقلوبهم وأرواحهم .. هكذا كان الحال فى جاهلية جهلاء، وضلالة عمياء .. لا يعرفون إلى الله سبيلا .. فالله اختار حبيبه ونبيه ومصطفاه محمداً – ﷺ ليكون للثقلين بشيراً ونذيراً قال تعالى ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ﴾ (٢) وقال تعالى ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النَّاس﴾ (٣)، وقال تعالى ﴿وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ * أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيّاً وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ (٤).
стр. 42
فما كان رسول الله ﷺ يلتفت إلى شئ من هذا فالله الذى اختاره، وبعثه يتولى الرد عنه (١) فيقول الله ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَه﴾ (٢).
وماذا بعد الصادق الأمين .. ؟! قالوا عنه (شاعر، مجنون، كاهن، ساحر، كذاب .. ).
فالله كذلك يتولى الرد عنه، قال الله ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلاً مَا تُؤْمِنُونَ * وَلا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ﴾ (٣).
وقال الله ﴿: وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ﴾ (٤).
وعجباً لهم ... فما جاء رسول الله ﷺ ببدعاً من القول فما جاء إلا بما جاء به إخوانه من الرسل ﵇ وهو التوحيد الخالص لله والإقرار بعبوديته:
стр. 43
قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ (١).
وقال تعالى ﴿: وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ (٢).
وقال تعالى ﴿: يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاتَّقُونِ﴾ (٣).
وقال تعالى: ﴿إِذْ جَاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلا تَعْبُدُوا إِلا اللَّهَ﴾ (٤).
وقال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ (٥).
وقال تعالى ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ (٦).
стр. 44
وقال تعالى ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ (١).
وقال تعالى ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ (٢).
ولذا كانت دعوة الرسول ﷺ هى الدعوة إلى توحيد الله ، فعن أشعث بن كنانة قال رأيت رسول الله ﷺ بسوق ذى المجاز يتخللها يقول .. يا أيها الناس قولوا لا إله إلا الله تفلحوا .. (رواه الإمام أحمد بسند صحيح).
وعن ابن عمر ﵃ قال، قال رسول الله ﷺ : " أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا منى دمائهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله " (متفق عليه) (٣).
وعن معاذ ﵁ قال كنت ردف الرسول ﷺ على حمار ليس بينى وبينه إلا مؤخرة الرحل، فقال .. يا معاذ .. هل تدرى ما حق الله على عباده؟ وما حق العباد على الله؟ قلت الله ورسوله أعلم. قال .. فإن حق الله على العباد: أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً، وحق العباد على الله أن لا يعذب من لا
стр. 45
يشرك بالله شيئاً، فقلت يا رسول الله ﷺ أفلا أبشر به الناس .. قال لا تبشرهم فيتكلوا. (متفق عليه) (١).
لذلك كانت بعثة الأنبياء ﵇ لتحرير الإنسان من عبادة غير الله ومن الخضوع لما سواه، والخضوع له وحده والرجوع إليه والإنابة إليه والاستعانة به والتوكل عليه، فلا يرجى سواه ولا يقصد إلا إياه ولا يُلاذ إلا بجنابه ولا تطلب الحوائج إلا منه .. فلا معطى لما منع، ولا مانع لما أعطى، ولا معز لمن أذل، ولا مذل لمن أعز، ولا قابض لما بسط، ولا باسط لما قبض .. كل قوى غيره ضعيف .. وكل عزيز غيره ذليل .. وكل عالم غيره متعلم .. لم يخلق ما خلق لتشييد سلطان ولا خوف من عاقبة زمان .. بل كل خلقه عبادٌ ضارعون وخلائق مربوبون.
* * * * *
стр. 46
موازنة
بين الجاهلية الأولى وجاهلية اليوم
ليست الجاهلية الأولى بأحوج إلى الإصلاح الدينى من الجاهلية الأخرى، بل ربما كانت هذه أحوج من تلك إليه .. فقد كانت الجاهلية الأولى تعبد الأوثان لتقربها إلى الله زلفى بينما جاهليتنا تعبد الأحجار والأشجار والأحياء والأموات والأبواب تبركاً وتقرباً (والدرهم والدينار والقطيفة والخميصة والموضة والسفور والخلاعة والمجون وقلة الحياء والتكالب على الدنيا ... )
(وإن كانت الجاهلية الأولى تنكر البعث بعد الموت وجاهليتنا أصبح فيها من يشك فى البعث بعد الموت).
وكانت الجاهلية الأولى متفرقة قبائل وشعوب وجاهليتنا متفرقة منازل وبيوت بل آحاداً وأفراداً .. فلا تراحم ولا تعارف ولا تعاطف ... حتى بين الأخ وأخيه .. والأب وبنيه.
كانت جاهليتهم تسفك الدماء فى طلاب الأوتار وجاهليتنا تسفكها فى سبيل السرقات وقضاء الشهوات، وكان أفظع ما فى جرائمهم وأد البنات .. فصار فى جرائمنا الانتحار، وكان بعضهم يبغى على بعض بسرقة ماله أو
стр. 47
إستياق ماشيته .. ففعلنا مثلما فعلوا وفوق ما فعلوا، وليتنا إذ أخذنا جاهليتهم أخذناها كما هى رذائل وفضائل فيهون على المصلحين أمرها ولكن أسأنا الاختيار فلنا خرافتهم الدينية وأمراضهم الاجتماعية وليس لنا كرمهم ووفائهم وغيرتهم وحميتهم وعزتهم ومنعتهم ... فكيف لا يكون الأمر خطير .. وكيف لا تكون الجاهلية الأخرى أحوج إلى دعوة كدعوة النبوة الأولى من الجاهلية الأولى (١).
* * * * *
стр. 48
إفتقار العباد إلى الهداية
قال الله ﴿مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاح﴾ (١).
قال أُبى بن كعب: مثل نوره فى قلب المؤمن.
ويقال: هو نور الرب .. والمراد نور الإيمان الذى جعله الله فى قلبه.
كما قال تعالى ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ (٢) فهذا النور إذا تمكن من القلب أشرق فيه .. وفاض على الجوارح .. فيرى أثره فى الوجه والعين ويظهر فى القول والعمل.
فالهداية: هى نور يقذفه الله فى قلب العبد على قدر تضحيته للدين، وبهذا النور يميز العبد بين .. الخير والشر .. النافع والضار .. الحق والباطل .. المعروف والمنكر .. الباقى والفانى .. العاجل والآجل .. وبهذا النور يسهل على الإنسان امتثال أوامر الله على طريق الرسول الكريم ﷺ ... وبهذا النور يأتى فى قلب الإنسان اليقين على ذات الله وصفاته.
стр. 49
ولذلك فالهداية هى أغلى شئ فى خزائن الله ولكن إذا فقدَ هذا النور وجاءت الظلمة فى القلب فيصير هذا القلب أعمى فيرى .. المعروف منكراً .. والمنكر معروفاً .. والحق باطلاً .. والباطل حقاً ..
فانتكاس القلب بسبب ضعف نور الإيمان والهداية فى القلب فلما تعرض عليه الفتن فيقبلها لأن المعاصى حجبت عنه النور.
قال تعالى: ﴿كَلا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (١).
وعن حذيفة ﵁ قال، سمعت رسول الله ﷺ يقول: " تعرض الفتن على القلوب كالحصير عوداً عوداً فأى قلب أُشرِبها نَكت فيه نُكتة سوداء وأى قلب أنكرها نُكتت فيه نُكتة بيضاء حتى يصير على قلبين: أبيض بمثل الصفا فلا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض والآخر أسود مرباداً (٢) كالكوز مُجخيَّاً (٣) لا يعرف معروفاً ولا ينكر منكراً إلا ما أُشرب من هواه " رواه مسلم (٤).
стр. 50
ولهذا كان مقصد بعثة الأنبياء أن يهتدى الناس، والهداية درجات ليس لها منتهى.
فالأنبياء عليهم الصلاة والسلام فى ترقى كل يوم تزداد هدايتهم يوماً بعد يوم ولم يصل لهدايتهم أحد. . وكذلك الأتباع بقدر متابعتهم لأنبيائهم عليهم الصلاة والسلام.
دعونا نتساءل .. كم تحصل أبوبكر الصديق ﵁ من الهداية .. ؟
لو وضع إيمان أبى بكر ﵁ فى كفه وإيمان الأمة فى كفه لرجح إيمان أبى بكر ﵁، ففى الحديث الذى رواه أبى سعيد الخدرى ﵁ قال: خرج علينا رسول الله ﷺ فى مرضه الذى مات فيه ونحن فى المسجد عاصباً رأسه بخرقة حتى أهوى نحو المنبر فاستوى عليه واتبعناه قال: والذى نفسى بيده إنى لأنظر إلى الحوض من مقامى هذا ثم قال: إن عبداً عرضت عليه الدنيا وزينتها فاختار الآخرة قال: فلم يفطن لها أحد غير أبى بكر فذرفت عيناه فبكى ثم قال: بل نفديك بآبائنا وأمهاتنا وأنفسنا وأموالنا يا رسول الله ﷺ قال ثم هبط فما قام عليه حتى الساعة. " رواه الدارمى (١).
وفى الصحيحين .. عن أبى سعيد الخدرى ﵁ قال: خطب رسول الله ﷺ الناس فقال: " إن عبداً خيره الله بين الدنيا وبين ما عند الله فاختار ما عند
стр. 51
الله فبكى أبو بكر ﵁ فعجبنا لبكائه فكان المخير رسول الله ﷺ ، وكان أبو بكر أعلمنا به فقال: لا تبك يا أبا بكر إن أمنَّ الناس علىَّ فى صحبته وماله أبو بكر ولو كنت متخذاً خليلاً لإتخذته خليلا ولكن أخوة الإسلام ومودته لا يبقى فى المسجد باب إلا سُد إلا باب أبى بكر " (١).
ففهم أبو بكر الصديق ﵁ مراد رسول الله ﷺ .. لماذا؟!
لأن قلبه ممتلئ بنور الإيمان وكذلك فى حرب المرتدين لما عارضه بعض الصحابة ﵃ عند الشورى وقال يعنى نتألف الناس وفى ذلك يقول عمر ﵁ فلما قبض رسول الله ﷺ ارتدت العرب وقالوا لا نؤدى الزكاة، فقال: لو منعونى عقالاً لجاهدتهم عليه فقلت يا خليفة رسول الله ﷺ تألف الناس وارفق بهم، فقال لى: أجبار فى الجاهلية وخوار فى الإسلام، إنه قد انقطع الوحى وتم الدين، أينقص الدين وأنا حى. رواه رزين (٢).
وفى رواية عندما قال أبو بكر الصديق لأسامة بن زيد ﵁ انفذ لأمر رسول الله ﷺ فقال عمر: كيف ترسل هذا الجيش والعرب قد اضطربت عليك فقال أبو بكر ﵁: لو لعبت الكلاب بخلاخيل نساء المدينة ما رددت جيشاً أنفذه رسول الله ﷺ فقال له عمر وغيره إذا منعوك الزكاة فاصبر عليهم فقال والله لو منعونى عقالاً كانوا يؤدونه إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم عليه، والله
стр. 52
لأقاتلن من فرق بين الزكاة والصلاة قيل ومع من تقاتل .. ؟ قال: وحدى .. حتى تنفرد سالفتى (١)(٢).
ويقول عمر فى هذا الموقف: فوالله ما هو إلا أن قد شرح الله صدر أبى بكر للقتال فعرفت أنه الحق (٣).
وفى رواية أخرى عن عمر ﵁ قال: لما اجتمع رأى المهاجرين وأنا فيهم حين ارتدت العرب فقلنا يا خليفة رسول الله ﷺ اترك الناس يصلون ولا يؤدون الزكاة فإنهم لو قد دخل الإيمان فى قلوبهم لأقروا بها. فقال أبو بكر ﵁ والذى نفسى بيده لأن أقع من السماء أحب إلىَّ من أن أترك شيئاً قاتل عليه رسول الله ﷺ إلا أقاتل عليه فقاتل العرب حتى رجعوا إلى الإسلام (٤).
ولذلك يقول أحد العلماء: أن أبا بكر الصديق ﵁ قد قام فى مقام الردة مقام نبى .. وقال أبو هريرة: لولا موقف أبى بكر لانهدم الدين.
فهذا الفهم لأن نور الهداية يشرق فى قلبه وكان أكثر الصحابة ﵃ تضحية لهذا الدين وأكثر الصحابة ﵃ جهداً لهذا الدين، ما ترك رسول الله ﷺ منذ أسلم.
стр. 53
فعن ابن عباس ﵄ قال: إنى لواقف فى قوم فدعوا الله لعمر وقد وضع على سريره إذا رجل من خلفى قد وضع مرفقه على منكبى يقول يرحمك الله إنى لأرجو أن يجعلك الله مع صاحبيك لأنى كثيراً ما كنت أسمع رسول الله ﷺ يقول: كنت وأبو بكر وعمر، وفعلت وأبو بكر وعمر، وانطلقت وأبو بكر وعمر، ودخلت وأبو بكر وعمر، وخرجت وأبو بكر وعمر، فالتفت فإذا على ابن أبى طالب ﵁. " متفق عليه " (١).
وصدق الله حيث يقول: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٢). وهذا حارثه بن مالك ﵁ عندما سأله رسول الله ﷺ كيف أصبحت يا حارثة؟ قال: أصبحت مؤمناً بالله حقاً يا رسول الله قال: إن لكل حق حقيقة فما حقيقة قولك؟ قال: عزفت نفسى عن الدنيا فاستوى عندى ذهبها بترابها فأظمأت نهارى وأسهرت ليلى وكأنى أرى عرش ربى بارزاً وكأنى أرى أهل الجنة فى الجنة يتزاورون، وكأنى أرى أهل النار فى النار يتعاوون، قال: إنك إمرؤ نوَّر الله قلبك بالإيمان، عرفت فالزم. أخرجه ابن عساكر عن أنس والعسكرى فى الأمثال وأخرجه النجار وابن المبارك فى الزهد (٣).
стр. 54
فبنور الإيمان رأى الحقائق الغيبية، ورأى أن الدنيا حقيرة، فاستوى عنده ذهبها بترابها.
ولذلك طلب الهداية ضرورى فكما أن الصلاة فرض إلى الموت، فكذلك طلب الهداية فرض إلى الموت، ففى الصلاة نقرأ الفاتحة سبعة عشر مرة يومياً غير النوافل .. ونقرأ فيها ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ (١).
فما هو الصراط المستقيم المقصود فى الآية الكريمة .. ؟
هو الطريق الذى يوصل إلى الجنة وهو طريق واحد يقول الله : ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (٢).
وعن ابن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " ضرب الله مثلاً صراطاً مستقيماً وعن جنبتى الصراط سوران فيهما أبواب مفتحة وعلى الأبواب ستور مرخاة وعند رأس الصراط داعٍ يقول استقيموا على الصراط ولا تعوجوا وفوق ذلك داعٍ يدعو كلما همَّ عبد أن يفتح شيئاً من تلك الأبواب قال: ويحك لا تفتحه فإنك إن فتحته تلجه ثم فسره فأخبره أن الصراط هو الإسلام وأن الأبواب المفتحة محارم الله وأن الداعى على رأس الصراط هو
стр. 55
القرآن الكريم وأن الداعى من فوقه واعظ الله فى قلب كل مؤمن ". (رواه رزين والإمام أحمد والآجرى والحاكم وقال صحيح على شرط مسلم ووافقه الذهبى) (١).
فانظر يا أخى الحبيب بعين البصيرة إلى خطر هذا الصراط .. إنه صراط واحد ومستقيم ليس فيه اعوجاج، وإذا أردت أن تسير على هذا الصراط فلا بد لك من: النظر فى سيرة الذين نهجوه قبلك وكيف مشوا عليه .. ؟
فإنهم هم السبب فى هدايتك فعندما يدخل أهل الجنة كل فوج يدخل الجنة يسلم على الذين سبقوه لأنهم كانوا سبباً لهدايته كما أن أهل الضلال كلما دخلت أمة النار لعنت أختها (اللاحقة تلعن السابقة).
فلننظر فى حياة الذين سبقونا بالجهد .. فكل فعل فعلوه، وكل أذى تحملوه، وكل نهج نهجوه، لنا فيه أسوة (الأنبياء ﵈ والصحابة رضى الله عنهم).
﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ (٢).
стр. 56
ومن هم الذين أنعم الله عليهم .. ؟!
هم الأنبياء والرسل والصديقين والشهداء والصالحين، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً﴾ (١).
فأول سبب فى هدايتنا من البشر هم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أجمعين، فيجب النظر فى حياتهم والإقتداء بهم وعلى رأسهم أولى العزم من الرسل (نوح، إبراهيم، موسى، عيسى، محمد، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين).
فانظر فى حياة نوح ﵇ (ألف سنة إلا خمسين عاماً) مجاهدة وتعب ومشقة. ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَنَهَاراً * فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائي إِلا فِرَاراً * وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَاراً * ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَاراً * ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَاراً﴾ (٢) وكم لاقى من الإيذاء والاستهزاء والسخرية.
стр. 57
وانظر فى حياة إبراهيم ﵇ كم لاقى من النمرود ومن قومه ألقوه فى النار وابتلاه الله بترك وطنه وأمره بذبح ولده إسماعيل – ﵇ وأمره بتركه هو وأمه بوادٍ غير ذى زرعٍ حتى اتخذه الله خليلاً وأمر سيد الخلق محمد ﷺ باتباع ملته، قال تعالى ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * شَاكِراً لأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ * ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِين﴾ (١). وأمر أمته باتباعه قال تعالى ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيم﴾ (٢)، وقال تعالى ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ (٣) وقال عنه ربه: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ (٤) بذل نفسه للنيران، وماله للضيفان، وولده للقربان .. لذلك سمى خليل الرحمن.
стр. 58
وانظر إلى حياة النبى موسى ﵇ كم لاقى من فرعون ومن قارون عليهما اللعنة ومن بنى إسرائيل وما آذوه به وجاهد فى الله شديد المجاهدة ..
وانظر إلى حياة سيدنا عيسى ﵇ وصبره على قومه واحتماله الأذى منهم حتى رفعه الله إليه وطهره من الذين كفروا وانتقم من أعدائه.
وإذا نظرت إلى حياة النبى محمد ﷺ وتأملت سيرته مع قومه وصبره فى الله واحتماله من الأذى ما لم يحتمله نبى قبله وتلون الأحوال عليه ﷺ من سلم وحرب، وأمن وخوف، وغنى وفقر، وإقامته فى وطنه وظعنه عنه وتركه لله، وقتل أحبابه وأوليائه بين يديه، وأذى الكفار له، وطرده من بلده مكة وهى أحب البلاد إليه، وألقى فرث الجذور على رأسه وهو ساجد يصلى، ودميت قدماه يوم الطائف وخرج من عندهم هائماً على وجهه ولم يستفق إلا بقرن الثعالب (١)، وما استطاع أن يدخل مكة إلا فى جوار كافر (المطعم بن عدى)، وفى غزوة أحد شج رأسه وكسرت رباعيته ودخلت حلقة المغفر فى وجنته، وقتل عمه الحمزة ﵁ (أسد الله) .. وأوذى بسائر أنواع الأذى من القول والفعل .. ولُقِّب بأحقر الألقاب كالسحر والكذب والافتراء والبهتان تنابذاً .. وهو صابر على أمر الله يدعو إلى الله فلم يؤذ نبى مثلما أوذى وفى ذلك روى عن أنس رضى الله عنه قال قال رسول الله ﷺ : " لقد أخفت فى الله وما يخاف أحد ولقد أوذيت فى الله لم
стр. 59
يؤذى أحد " (أخرجه أحمد والترمذى وابن حبان وقال الترمذى هذا حديث حسن صحيح) (١) ولم يحتمل أحد فى الله ما احتمله ﷺ ولذلك لم يعط نبى ما أعطيه فرفع له ذكره وقرن اسمه باسمه، كما قال حسان بن ثابت:
وضم الإله اسم النبى إلى اسمه ... إذ قال المؤذن فى الخمس أشهدُ
وشق له من اسمه ليجله ... فذو العرش محمودٌ وهذا محمدٌ (٢)
وجعله سيد المرسلين كلهم، وجعله أقرب الخلق إليه وأعظمهم عنده جاهاً وأسمعهم عنده شفاعة كانت تلك المحن والابتلاء عين كرامته وزاده بها شرفاً وفضلاً ورفعه بها إلى أعلى المقامات (مقام الإسراء – مقام الشفاعة – مقام الدعوة – مقام التحدى) (٣) وهذا حال ورثته من بعده فإذا أردت الهداية فاجعل حياتك شبيهة بحياة الأنبياء والمرسلين عليهم جميعاً
стр. 60
الصلاة والسلام .. قال تعالى ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ (١).
وعليك بحياة الأتباع ﵃ جميعاً من بعده، انظر فى حياة الصديق أبو بكر وعمر الفاروق، عثمان ذو النورين، على كرم الله وجهه، طلحة بن عبيد الله، الزبير بن العوام، سعد بن أبى وقاص، سعيد بن زيد، عبد الرحمن بن عوف، أبى عبيدة بن الجراح .. (٢) وباقى الصحابة الكرام ﵃ أجمعين ..
قال تعالى ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيم﴾ (٣)
فمنهم من قطعت يداه مثل جعفر الطيار، ومنهم من بقر بطنه وقطعت أذناه ومثل به مثل حمزة أسد الله، ومنهم من جدع أنفه وأذنه مثل عبد الله بن جحش، ومنهم من طعن أكثر من سبعين طعنه مثل أنس بن النضر .. وإذا أردت الاستزادة فارجع إلى التاريخ الإسلامى فستجد الكثير والكثير ..
فكلهم أوذوا وتحملوا وابتلوا وصبروا من أجل الدين وتركوا الأوطان وترملت نسائهم ويُتمت أولادهم وهم فى طريقهم لنشر دين الله .
стр. 61
فإذا أردت الهداية فعليك بطريقهم لا بطريق غيرهم ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ (١). لا بطريق المغضوب عليهم .. وهم اليهود، ولا بطريق الضالين .. وهم النصارى.
فإذا رأيت مالك ينقص، ومالهم يزيد .. فلا تحزن .. وإذا رأيت تجارتك تنقص، وتجارتهم تزداد .. فلا تحزن .. مثلهم مثل قارون وفرعون وأبى بن خلف وأبى جهل .. وغيرهم من اليهود والنصارى فى كل زمان ومكان .. فلا تحزن ومعك فاتحة الكتاب.
قال تعالى ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ * لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِنْهُمْ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (٢).
ولقد سميت بالسبع المثانى لأنها تُثنى فى الصلاة كل يوم سبعة عشرة مرة فى الفرائض وكذلك فى النوافل فى كل ركعة لأن أمر الهداية أمر عظيم.
، .. اللهم اهدنا الصراط المستقيم .. ،
стр. 62
ميادين الهداية
- أول ميدان: " النهار ":
قال تعالى: مخبراً عن نوح ﵇ ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَنَهَاراً﴾ (١) وقال الله لحبيبه محمد المصطفى ﷺ ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ * وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ * وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ * وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾ (٢).
قم فأنذر .. قم للأمر العظيم الذى ينتظرك، قم للجهد والتعب والكد وعظم ربك وخصه بالتمجيد والتقديس وأفرده بالعظمة والكبرياء فليس هناك من هو أكبر من الله تعالى (٣) ولذلك كان رسول الله ﷺ لا يُرى إلا غادياً أو رائحاً يقول للناس .. قولوا لا إله إلا الله تفلحوا ..
стр. 63
وقد قيل أنه لما أنزلت هذه الآيات قال المصطفى الكريم ﷺ .. اطوى الفراش يا خديجة، فقد انتهى عهد الراحة .. وكان رسول الله ﷺ دائم الفكرة، متواصل الأحزان، ليس له راحة .. (١)
وقال الله تعالى لنبيه ﷺ ﴿إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحاً طَوِيلاً﴾ (٢).
فمكة ليس فيها نهر يسبح فيه رسول الله ﷺ واتباعه ولكن يسبح فى قلوب الخلق يكلمهم عن عظمة الله وقدرته وأسمائه وصفاته وبره وعطفه وجوده وكرمه وعن اليوم الآخر والجنة والنار ..
فالداعى مثل السابح فى النهر فالذى يسبح فى النهر لا يغفل دقيقة واحدة وكذلك الرسول ﷺ عن الدعوة إلى الله.
- الميدان الثانى: الليل:
قال الله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلا قَلِيلاً * نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً * إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً * إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً وَأَقْوَمُ قِيلاً * إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحاً طَوِيلاً﴾ (٣).
стр. 64
فالله أمر نبيه ﷺ أن يقوم فى الليل بين يدى الله يدعوه جلا وعلا ينزل رحمته على عباده الذين يقوم بدعوتهم فى النهار ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً وَأَقْوَمُ قِيلاً﴾ (١) لذلك فقيام الليل يقّوم اللسان أثناء الدعوة فى النهار.
ورضى الله عن صحابة رسول الله ﷺ كانوا يسارعون فى امتثال أوامر الله حتى ذكرهم الله فى قرآن يتلى إلى يوم الدين .. ﴿كَانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُون﴾ (٢)، وقال الله فى موضع آخر ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ (٣).
وعن أبى أراكة يقول: صليت مع على ﵁ صلاة الفجر فلما انفتل عن يمينه مكث كأن عليه كآبة حتى إذا كانت الشمس على حائط المسجد قيد رمح صلى ركعتين ثم قلب يده فقال: والله لقد رأيت أصحاب محمد ﷺ فلما أرى اليوم شيئاً يشبههم، لقد كانوا يصبحون صفراً شعثاً غبراً، بين أعينهم كأمثال ركب المعزى، قد باتوا لله سجد .. قيام .. يتلون كتاب الله يتراوحون
стр. 65
بين جباههم وأقدامهم فإذا أصبحوا فذكروا الله مادوا كما يميد الشجر فى يوم الريح هملت أعينهم حتى تبل ثيابهم والله فكأن القوم باتوا غافلين ثم نهض فما رؤى بعد ذلك مفتراً يضحك حتى قتله ابن ملجم عدو الله الفاسق. (أخرجه ابن أبى الدنيا) (١).
بل إن الأمر ازداد وضوحاً إلى أن شهد به أعدائهم بأنهم يقومون الليل ويصومون النهار (فرسان بالنهار ورهبان بالليل) والفضل ما شهد به الأعداء.
- الميدان الثالث: الدعاء فى كل وقت وكل حين:
يقول الله لنبيه وحبيبه ﷺ ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ * وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ (٢) أى فارغب إلى الله فى الدعاء بعد أن قال عنه فى سورة الضحى ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ (٣) وقال الله ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٤).
стр. 66
وعلى الداعى أن:
• يدعو حتى تتنزل الهداية على المدعو.
• يدعو فى سبيل الله حتى يموت المدعو (كما حدث مع عم النبى ﷺ أبو طالب) .. وأن يستمر فى الدعوة حتى الموت.
стр. 67
من
علامات الهداية
١) انشراح الصدر: (للطاعة، العبادة، الجهد) لقول الحق ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ﴾ (١) ولحديث ابن مسعود ﵁ قال تلا رسول الله ﷺ ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ﴾ فقال رسول الله ﷺ " إن النور إذا دخل الصدر انفسح "، فقيل يا رسول الله ﷺ ! هل لتلك من علم (٢) يعرف به .. ؟ قال: " نعم .. التجافى عن دار الغرور، والإنابة إلى دار الخلود، والاستعداد للموت قبل نزوله " (رواه البيهقى فى شعب الإيمان) (٣).
٢) وجود الأعمال: يقول الله ﴿الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا
стр. 68
رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ * أُولَئِكَ عَلَى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (١).
فلينظر كلٌ منا إلى نفسه .. ويواجه نفسه بالحقيقة .. لو كنا مصدقين لقدمنا دنيانا لأُخْرَانا .. ولقدمنا أُخْرَانا على دنيانا .. قال تعالى: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ (٢).
فعلامة التصديق التضحية .. قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ (٣).
يقول العلماء:
كلما ضعف الإيمان .. ضعف العمل الصالح، ولو ضعف أكثر يتوقف العمل الصالح كما فى حديث الشفاعة .. عن أبى سعيد الخدرى ﵁ أن ناساً قالوا يا رسول الله ﷺ هل نرى ربنا يوم القيامة؟ قال رسول الله ﷺ نعم "
стр. 69
هل تضارون فى رؤية الشمس بالظهيرة صحواً ليس معها سحاب؟ وهل تضارون فى رؤية القمر ليلة البدر صحواً ليس فيها سحاب؟ قالوا: لا يا رسول الله قال ما تضرون فى رؤية الله يوم القيامة إلا كما تضارون فى رؤية أحدهما إذا كان يوم القيامة أذن مؤذن ليتبع كل أمة ما كانت تعبد فلا يبقى أحد كان يعبد غير الله من الأصنام والأنصاب إلا يتساقطون فى النار حتى إذا لم يبق إلا من كان يعبد الله من بر وفاجر أتاهم رب العالمين فقال فماذا تنظرون؟ يتبع كل أمة ما كانت تعبد قالوا ... يا ربنا فارقنا الناس فى الدنيا أفقر ما كنا إليهم ولم نصاحبهم.
وفى رواية أبى هريرة ﵁ .. فيقولون: هنا مكاننا حتى يأتينا ربنا فإذا جاء ربنا عرفناه. وفى رواية أبى سعيد: .. فيقول هل بينكم وبينه آية تعرفونه؟ فيقولون: نعم فيكشف عن ساق فلا يبقى من كان يسجد لله من تلقاء نفسه إلا أذن الله بالسجود ولا يبقى من كان يسجد اتقاء ورياء إلا جعل الله ظهره طبقة واحدة، كلما أراد أن يسجد خر على قفاه ثم يضرب الجسر على جهنم وتحل الشفاعة ويقولون: اللهم سلم .. سلم فيمر المؤمنون كطرف العين وكالبرق وكالريح وكالطير وكأجاويد الخيل والركاب فناجِ مسلم ومخدوش مرسل ومكدوس (١) فى نار جنهم حتى إذا خلص المؤمنون من النار، فو الذى نفسى بيده ما من أحد منكم بأشد مناشدة فى الحق قد تبين لكم من المؤمنين لله يوم القيامة لإخوانهم الذين فى النار يقولون: ربنا كانوا
стр. 70
يصومون معنا ويصلون ويحجون فيقال لهم أخرجوا من عرفتم فتحرم صورهم على النار فيخرجون خلقاً كثيراً ثم يقولون ربنا ما بقى فيها أحد ممن أمرتنا به فيقول: ارجعوا فمن وجدتم فى قلبه مثقال دينار من خير فأخرجوه فيخرجون خلقاً كثيراً ثم يقول ارجعوا فمن وجدتم فى قلبه مثقال نصف دينار من خير فأخرجوه فيخرجون خلقاً كثيراً ثم يقول ارجعوا فمن وجدتم فى قلبه مثقال ذرة من خير فأخرجوه فيخرجون خلقاً كثيراً ثم يقولون: ربنا لم نذر فيها خيراً فيقول الله شفعت الملائكة وشفع النبيون وشفع المؤمنون ولم يبق إلا أرحم الراحمين فيقبض قبضة من النار فيخرج منها قوماً لم يعملوا خيراً قط قد عادوا حمماً فيلقيهم فى نهر فى أفواه الجنة يقال له نهر الحياة فيخرجون كما تخرج الحبة من حميل السيل فيخرجون كاللؤلؤ فى رقابهم الخواتم فيقول أهل الجنة هؤلاء عتقاء الرحمن أدخلهم الجنة .. بغير عمل عملوه، ولا خير قدموه، فيقال لهم لكم ما رأيتم ومثله معه. متفق عليه (١)
ومن هنا نفهم أنه .. إذا ضعف نور الإيمان فى القلب يكون مثل المصباح الذى فى الحجرة إذا كانت إضاءته ضعيفة فهو لا يقضى على جميع الظلمات التى فى الحجرة، وكذلك الإيمان الموجود اليوم لدى المسلمين إلا من رحم ربى وعصم .. !! مثل المريض الذى نقل إلى غرفة الإنعاش فهو فى حياة ولكن أقرب منها إلى الموت.
стр. 71
والإيمان الضعيف لابد له من التضحية فى سبيل الله ولذلك مقصود الخروج فى سبيل الله أن يتقوى الإيمان واليقين .. فأعلى شعبة من شعب الإيمان هى .. لا إله إلا الله محمدٌ رسول الله .. إذا صحت فى القلب صح ما بعدها من الشعب وإذا ضعفت فى القلب ضعف ما بعدها من الشعب.
* * * * *
стр. 72
الدعوة
وسيلة الإيمان
الإيمان: أمر غيبى غير ملموس .. وغير مرئى .. وهو التصديق واليقين بالأمور الغيبية غير الملموسة .. وقد عرفه الرسول ﷺ بقوله: " الإيمان .. أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره .. " (رواه مسلم - عن عمر بن الخطاب) (١).
وبما أن الإيمان غير ملموس ومشاهد .. فالله ما قبل إيمان فرعون – عليه اللعنة – عندما رأى الآيات، والله لا يقبل إيمان آخر الزمان عندما تظهر الآيات (طلوع الشمس من مغربها، خروج الدابة ... الخ).
س: ولكن كيف أؤمن بشئ لم أراه .. ؟
стр. 73
الدعوة: هى وسيلة الإيمان .. فهذا حصين الخزاعى والد عمران بن الحصين وكانت قريش تعظمه وتُجله .. فطلبت منه أن يكلم محمد ﷺ فى آلهتها فقد كان محمد ﷺ يذكرها فجاء حصين ومعه قريش حتى جلسوا قريباً من باب النبى ﷺ فلما رآه النبى ﷺ قال: أوسعوا للشيخ فقال حصين .. ما هذا الذى بلغنا عنك؟ أنك تشتم آلهتنا .. فقال: يا حصين .. كم تعبد من إله؟ قال: سبعاً فى الأرض وواحد فى السماء. فقال: فإذا أصابك الضر فمن تدعو؟ قال الذى فى السماء، قال: فإذا هلك المال .. فمن تدعو؟ قال: الذى فى السماء. قال ﷺ : فيستجيب لك وحده وتشركهم معه يا حصين .. أسلم تسلم .. فأسلم فقام إليه ولده عمران فقبل رأسه ويديه ورجليه فلما أراد الحصين ﵁ الخروج قال الرسول الكريم ﷺ شيعوه إلى منزله (١).
وجاء رجل للنبى ﷺ فقال: أنت رسول الله أو قال أنت محمد .. ؟ فقال: نعم. قال: ما تدعو .. ؟ قال: أدعو الله وحده من إذا كان لك ضر فدعوته كشفه عنك ومن إذا أصابك عام فدعوته أنبت لك ومن إذا كنت فى أرض قفر فأضللت فدعوته رد عليك فأسلم الرجل، ثم قال: أوصنى يا رسول الله ﷺ . فقال: لا تسبن شيئاً أو قال أحداً، قال فما سببت بعيراً ولا شاة منذ أوصانى رسول الله ﷺ . (رواه الإمام أحمد) (٢).
стр. 74
فعرفه فاعلية الله وقدرة الله وعظمته فلابد أن نبين للناس فاعلية الله وقدرة الله .. الله على كل شئٍ قدير .. الله فعال لما يريد .. لله ملك السماوات والأرض .. لله خزائن السماوات والأرض (١)
стр. 75
وجوب الدعوة إلى الله
على الأمة المحمدية فى ضوء
الكتاب والسنة
بعض الناس يريد أن يتهرب من مسئولية الدعوة بحجة أنه ليس من العلماء وأن واجب الدعوة على العلماء فقط، وأن واجب الدعوة على سبيل الكفاية ويتحجج بالآية الكريمة ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (١).
والجواب على هذه الحجج الواهية يمكن أن نوجزها كما سيأتى:
يقول الإمام ابن كثير: