← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 37559

شم العوارض في ذم الروافض

الملا على القاري

Полный текст (148 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

شَمُّ العَوارِضِ في ذمِّ الرُّوَافِضِ تصنيف: الملا علي بن سلطان القاري (وفاته سنة ١٠١٤هـ) تقديم وتحقيق: د. مجيد الخليفة

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 3

مقدمة المحقق الحمد لله رب العالمين، نحمده حمد الشاكرين، ونستغفره استغفار المذنبين، ونصلي ونسلم على خير الخلق نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: فهذه رسالة لطيفة في موضوع مهم من مواضيع العقيدة، ألا وهو موضوع حكم سب السلف الصالح عند بعض طوائف الشيعة الإمامية، وكان هذا الأمر قد انتشر في خراسان بين كثيرٍ من العوام أبان ظهور الدولة الصفوية في بداية القرن العاشر الهجري (١)، فقام الملا علي بن سلطان القاري بتأليف هذه الرسالة وسماها (شم العوارض في ذم الروافض)، وكان السبب في ذلك هو النقاش الذي دار بينه وبين أحد علماء عصره حول الحكم الشرعي لمن سب صحابياً، فكان القاري يعتقد أنه كافر بالدليل الظني - على طريقة الحنفية في الأصول - وكان صاحبه يعتقد بكفره بالدليل القطعي، فكانت بين الرجلين جفوة أشار إليها القاري في صدر رسالته حيث قال: ((فترك صحبتنا واختار غيبتنا وعتبنا)) (٢).

стр. 4

والقاري وإن كان قد عرض هذا الموضوع على مذهب الحنفية الفقهي وطريقتهم في استنباط الحكم الشرعي، إلا أن هذه الرسالة جاءت غنية بمادتها فريدة في بابها، نظراً لما في مسألة التكفير من تردد بين العلماء، فلا يقولون به إلا عند المسلمات والمهمات من أمور الدين. ولابد في البدء أن نعرف بالمؤلف ثم نسبة وتوثيق المخطوط مع بيان ملاحظاتنا عليها، وأخيراً المنهج الذي سنسير عليه في تحقيق هذه الرسالة. الملا علي القاري: هو علي بن سلطان محمد القاري (١)، نور الدين الملا الهروي الحنفي، ولد بهراة وتلقى العلم على يد عدد من علمائها وعلماء خراسان منهم: أبو الحسن البكري، والأيجي الصفوي والحفيد التفتازاني وغيرهم (٢). نال الملا علي القاري ثناء عدد من العلماء نظراً لسعة مؤلفاته وتنوعها ما بين الفقه والحديث والأصول والعقائد، قال العصامي: ((الجامع للعلوم النقلية والعقلية والمتضلع من السنة النبوية ... )) ثم قال: ((لكنه امتحن بالاعتراض على الأئمة لا سيما الشافعي وأصحابه، واعترض على الإمام مالك في إرسال يديه)) (٣)، ولكن اعتراضه على بعض أصحاب الشافعي أو مالك لا يؤاخذ عليه إن كان يندرج تحت باب الفتوى والاجتهاد.

стр. 5

أما فيما يخص عقيدة الملا علي القاري، فهو في عداد الماتريدية، وإن كان كثيراً ما يثني على شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم، قال ... : ((لقد دافع القاري - جزاه الله خيراً - دفاعاً كاملاً عن شيخ الإسلام وابن القيم، ورد من رماهما بسوء الاعتقاد والتجسيم والتشبيه والضلال، وأقر عقيدة السلف في الصفات، وأنها لا تستلزم التشبيه كما دافع عن أهل الحديث ورد من يطعن عليهم بالتشبيه والحشو)) (١)، ولكن مؤلفات القاري لم تكن لتخلو مما يعارض عقيدة السلف، مثل قوله في الرسالة التي نحن بصددها - في معرض كلامه على عقيدته -: ((لا عَينَ ولا غَير في تحقيق صفَاتِ الذاتِ)) (٢)، ويبدو أن القاري لم يسلم من تأثيرات عصره، خاصة وأنه قد عاش في عصر الدولة العثمانية ذات العقيدة الماتريدية، وصاحبة الفروع الفقهية الحنفية (٣). من المرجح أن عدم الاستقرار الذي شهدته خراسان خلال الحروب التوسعية للدولة الصفوية، قد دفع القاري إلى الخروج من هذه الديار وسكن الديار المقدسة في مكة المكرمة، حيث ألف هذه الرسالة، وقال في توثيق ذلك: ((وَالحمدُ لله عَلى مَا أعطاني مِنْ التوفيق وَالقدرَة عَلى الهجرة مِنْ دَار البدعة إلى خير ديار السّنة، التي هِي مُهِبط الوحي وظهِور النبوة ... )) (٤)، حيث ألف هذه الرسالة قبيل وفاته ببضع سنوات (٥)، حيث توفى سنة ١٠١٤هـ (٦).

стр. 6

لقد ترك لنا الملا علي القاري عدداً كبيراً من المؤلفات في مختلف الفنون، توزعت ما بين التفسير والإقراء والفقه والحديث والأصول، وتجاوزت المائة والعشرين مصنفاً ما بين مجلدات كبيرة، ورسائلٍ صغيرة (١). اسم الرسالة وتوثيقها: التسمية التي اختارها الملا علي القاري لرسالته هذه هي (شم العوارض في ذم الروافض) هكذا ذكرها المؤلف بخطه في النسخة التي اعتمدناها كأصل في التحقيق، على ما سيأتي بيانه في الفقرة التالية، وقد ذكرها بعده أكثر من مؤلف بهذه التسمية، إذ ذكرها حاجي خليفة بهذا الاسم أيضاً (٢) وهي التسمية نفسها التي أثبتها إسماعيل باشا البغدادي في اثنين من مؤلفاته (٣)، فهذا يثبت صحة نسبة الرسالة للملا علي القاري، كما يثبت في الوقت نفسه دقة تسميتها. وقد ذكرت في نسخة دار الكتب المصرية بعنوان (شيم العوارض في ذم الروافض) وهو تصحيف نشأ عن عدم تحقيق التسمية، إذ أن المعنى لا يتناسب مع السياق، لأن العوارض تعني بلسان العرب الشبهة أو الآفة المعترضة في الفؤاد (٤)، ويقال: ((العوارض من الإبل اللواتي يأكلن العضاة عرضاً أي تأكله

стр. 7

حيث وجدته)) (١)، وربما استعار المؤلف هذا المعنى كي يجعله عنواناً لرسالته، فجمع ما بين الشبهة المعترضة في القلب، وما بين الإبل التي تشم الكلأ قبل أن تأكله، والله تعالى اعلم. موضوع الرسالة: لا شك أن موضوع الرد على أهل الأهواء والضلال من الأمور التي شغلت العلماء من أهل السنة والجماعة على اختلاف مذاهبهم، وقد اتخذت هذه الردود أشكالاً متنوعة تبعاً لظروف كتابتها أو مكانة مؤلفها، والرسالة التي نحن بصددها الآن لا يمكن أن نفصلها عن الظروف السياسية لعصر المؤلف، خاصة ظهور الدولة الصفوية في أرض إيران بعقيدتها الإمامية الغالية، وإذا ما علمنا أن هذه الديار كانت حتى القرن العاشر الهجري ذات أغلبية سنية عظيمة، تبين لنا عظم المصيبة التي ألمت بالمسلمين في إيران بظهور دولة الرافض فيها، إذ بدأت أعمال وحشية تبناها رجال هذه الدولة ضد سكان إيران من أهل السنة لتحويلهم قسراً إلى مذهب الشيعة الإمامية، وكان من أشد هؤلاء الشاه إسماعيل الصفوي الذي مارس ضد أهل السنة والجماعة أبشع أنواع القتل والتنكيل، فقد نقل المؤرخون أنه قتل في مجزرة تبريز أكثر من عشرين ألف شخص، ولم يفرق فيها بين رجل أو امرأة وشيخ أو صبي (٢). وكان الملا علي القاري شاهد عيان على هذه الحقبة، حيث كان يعيش في تلك الأثناء في مدينة هراة، وينقل لنا في رسالته هذه كيف دخلت جيوش إسماعيل

стр. 8

الصفوي إلى هذه المدينة، وأعلنوا سب الصحابة على المنابر، فامتنع علماء أهل السنة عن ذلك فقتلوا الشيخ معين الدين الأيجي خطيب الجامع الكبير في هراة، ثم قتلوا بعد ذلك حفيد التفتازاني عند دخول الشاه إسماعيل الصفوي إلى هراة، وكلا الشيخين الشهيدين كانا من مشائخ القاري (١). وهنا دار جدال بين العلماء من أهل السنة في حكم هذه الفرقة التي جاهرت بسب الصحابة على المنابر، وعده من أفضل القربات والطاعات، وهذه الرسالة تبين الحكم الشرعي في هذا الموضوع وفق ما يراه مؤلفها، وقد كان متأثراً بطبيعة الحال بنشأته العلمية وخلفيته المذهبية، إذ سار في طريق العرض والاستدلال في هذه المسألة وفق طريقة الحنفية في التفريق بين الدليل القطعي والظني عند النظر في الأحكام الشرعية، ولم يتطرق إلى أقوال الأئمة الآخرين إلا في النادر، وربما أن يكون السبب في تأليف هذه الرسالة - وقد تقدم ذكره - قد انعكس على أسلوبها ومنهجها. كما يمكن أن نلاحظ أن الرسالة - على قيمتها العلمية - عرجت إلى مواضيع أخرى بعيدة عن المضمون مثل تناولها لمسألة الاجتهاد وشروط والمفتي وغيرها من المواضيع، كما يمكن أن نلاحظ أن المؤلف أكثر النقل من كتب الفقه الحنفي، في حين كان يمكن له الاستعانة بأقوال الأئمة الواردة في كتب العقيدة. بقي أن نشير إلى أن الرسالة تفتقر أيضاً إلى النقل عن كتب الشيعة الإمامية التي ورد فيها سب الصحابة منسوباً إلى بعض أئمتهم، وهذا الأمر ليس بمستغرب خاصة إذا ما علمنا أن الشيعة الإمامية يخفون هذه المؤلفات عن أعين الناس لما فيها من فضائح، ولذا افتقرت ردود أهل السنة المبكرة عليهم من النقل من مؤلفاتهم،

стр. 9

وكان لعلماء الهند فيما بعد دورٌ كبير في اختطاط هذا المنهج والسير عليه ونقد عقائد الإمامية من خلال كتبهم، ثم انتقل هذا الأسلوب إلى العراق على يد الأسر العلمية التي ظهرت فيه، خاصة الأسرة الحيدرية والآلوسية. وصف المخطوط: اعتمدت في تحقيق رسالة (شم العوارض في ذم الروافض) على نسختين: الأولى: نسخة مكتبة الآثار العامة التابعة للمتحف العراقي ببغداد، وهي نسخة بخط المؤلف، وهي الرسالة الثانية في مجموع يحمل الرقم (٣٥١٩٤) ويضم خمس رسائل، وتحتل الصفحات (١٥ - ٦٣) من هذا المجموع وتبلغ لوحاتها (٢٥) لوحة من الحجم المتوسط، ومسطرتها خمسة وعشرون سطراً، في كل سطر حوالي عشر كلمات، وقياساتها: (٢١ × ١٥ سم)، وكتبت هذه النسخة بخط واضح قد شكلت معظم حروف كلماته، ولذلك اعتمدتها أصلاً ورمزت لها بالحرف (م). الثانية: نسخة دار الكتب المصرية بالقاهرة، وتحمل الرقم (٦٣ توحيد)، لا يعرف ناسخها، ويبلغ عدد لوحاتها (٣١) لوحة من الحجم المتوسط، ومسطرتها إحدى وعشرون سطراً، في كل سطر تسع كلمات، وقياساتها: (١٩ × ١٣ سم)، وكتبت هذه النسخة بخط واضح، فيها بعض السقط استدركه الناسخ في حواشي المخطوط، وفي حواشيها أيضاً بعض العناوين التي تشير إلى بعض المواضيع، وقد رمزنا لهذه النسخة بالحرف (د). وأخيراً نود أن نشير إلى أن صيغة الصلاة في (د) قد جاءت هكذا: (صلى الله تعالى عليه وسلم) في حين أن صيغة الصلاة في (م) قد جاءت هكذا ﷺ فجعلنا الصلاة كما في نسخة (د)، كما وردت كانت هناك صيغة

стр. 10

أخرى للصلاة على النبي ﷺ ، جاءت في أغلب الأحيان في (م) هكذا ﵇ في حين أنها كانت في (د) هكذا ﵊، فأثبتنا الصيغة الأخيرة، إلا في بعض الحالات التي جاءت الصيغة متوافقة، ولم نشر إلى ذلك عند المقابلة كي لا نثقل الهامش. منهج التحقيق: يمكن بيان المنهج الذي اعتمدناه في تحقيق هذه الرسالة بالنقاط الآتية: ١. نسخ الرسالة بالاعتماد على النسخة (م) لما فيما من ميزات، تمت الإشارة إليها سابقاً، ثم مقابلتها بالنسخة (د) وإثبات الفروق في هامش الرسالة، فاثبتنا في المتن ما اعتبرناه صحيحاً، كما قمنا بتصحيح بعض الألفاظ التي ترجحت لنا عند المقابلة. ٢. عزو الآيات القرآنية إلى مكانها من السور والآيات في المصحف، ووضع الآية بالقوس المشكل ثم تخريج رقم الآية واسم السورة وإلحاقه بالآية بقوسين معقوفين في متن الرسالة. ٣. وضع عناوين جانبية للمخطوط بالاستعانة بما هو موجود في نسخة (د)، أو بما رأيناه مناسباً من عندنا، وقد ميزنا عناويننا بقوسين معقوفتين. ٤. تخريج الأحاديث والآثار بذكر المصدر الذي يذكره المؤلف بالجزء والصفحة والرقم، واعتمدنا ذكر الكتاب والباب إذا خرج الحديث من الكتب الستة، ثم اتبعنا ذلك بذكر صحة الحديث أو ضعفه حسب قول أئمة الشأن في ذلك، خاصة أحكام الشيخ محمد ناصر الدين الألباني ﵀ على الأحاديث.

стр. 11

٥. تخريج الروايات الواردة عن السلف من الكتب المعتمدة التي خرجت هذه الآثار. ٦. ذكر الآراء الفقهية التي أشار إليها المؤلف من كتب الحنفية، وبما أن المؤلف اكتفى في معظم الأحيان بذكر آراء الأحناف، فقد أشرنا في الهامش إلى أراء الأئمة الثلاثة في المسألة التي يذكرها المؤلف من كتب الفقه المعتمدة. ٧. التعريف بالأعلام الوارد ذكرهم في الرسالة بترجمة مختصرة مع ذكر مصدرين على الأقل من مصادر ترجمتهم، كما تم التعريف بالكتب التي ذكرها المؤلف في متن الرسالة، حيث ذكرنا اسم مؤلفه ووفاته ومذهبه. ٨. تحقيق بعض المسائل التي ذكرت في متن الرسالة مما خالف في المؤلف عقيدة أهل السنة والجماعة، وهي قليلة جداً، ثم أثبتنا في الهامش القول الصائب من كتب أهل السنة والجماعة. ٩. إعداد قائمة بمصادر ومراجع التحقيق. في الختام لا بد من شكر أهل الفضل الذين ساعدونا في ضبط النص وتقويمه، فجزاه الله خيراً. د. مجيد الخليفة ٢٧ محرم ١٤٢٥هـ نسأله تعالى أن يجعل عملنا هذا خالصاً لوجهه الكريم، وأن يتجاوز عن سيئاتنا، ويختم لنا بالحسنى، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

стр. 12

شَمُّ العَوارِضِ في ذمِّ الرُّوَافِضِ

стр. 13

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ [مقدمة المؤلف] الحمدُ لخالقِ البَرايَا، وَالشكرُ لوَاهبِ العَطايَا، وَالمَدحُ لِدَافعِ (١) البَلايَا، والصَّلاةُ وَالسّلامُ على سَيدِ الأنبيَاءِ وَسَند الأصفيَاءِ، وعَلى آلهِ وأصحَابهِ الأتقِيَاء، رغماً للخَوارجِ والرّوَافِض مِنْ الأغبيَاء. أمَّا بعدُ: فيَقولُ الرّاجي برَّ (٢) رَبِهِ البارِي عَلي بن سُلطان محمد القارِي: إنَّ أول مَا يجَبُ على العِبَاد تحسِين الاعتِقاد بِطَريقِ الاعتماد؛ ليَنفَعهُم حيَن المعَاد يومَ التنادِ (٣)، وَمِنْ المعلُوم عند أربَابِ العُلُوم وَأصحابِ المفهوم أن مبنى العَقائدِ على الأدلةِ القَطِعية، [لاَ عَلى] (٤) الحجَج الظنِيّة المفيدَة في المسَائلِ الفقِهيةِ الفَرعية، وَذلكَ لقولِهِ تَعالى في ذَمِّ الكفَّار: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئا ً فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلاَّ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى﴾ [النجم: ٢٨ - ٣٠] وَالآيَاتُ في [هذا] (٥) المَعْنى كثيَرة،

стр. 14

والأحادِيثُ في المبنى كثيرة (١) شِهيرة، والإجماعُ منعقد عليَه [عند] (٢) من يؤخذ مَعِرفة لدَيه. وإنما الخلاف في أنَّ إيمانَ المقلدِ هَلْ هُوَ صحِيحٌ أم لا؟ [١/ب] فالجمهُور على أنْهُ يَصِحّ إلا أنه مُؤاخذ بتركِ ما يجَبُ علَيهِ، والمحققونَ لا يَميلُونَ إليَهِ، حَتى إمُامنَا الأعظم وَهمامَنا الأفخم (٣) أوجَب الإيمان بمجردِ العَقل، وَلو لم يبعثِ الرسُل، ولم يظهر النقل، ويؤيّدُه قَوله تعَالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذريات: ٥٦] أي ليعرفون (٤)، كما فسَّرهُ حَبرُ الأمَّةِ ومقتدى الأئَمة (٥).

стр. 15

وأما قوله تعالى (١): ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ [الإسراء: ١٥] فالمرادُ بِهِ عَذاب الدنيَا دُونَ عَذابِ الآخِرةِ (٢)، أو يجعَل العَقل أيضاً رَسُولاً؛ لأن بِهِ إلى مَعرفةِ الحَقِّ وصُولاً وَبُدونَه، حَتى معَ وجُودِ الرسول لم يكنْ حصُولاً (٣). ثمَّ مِنْ الغِرَيبِ ما وَقعَ في القريب أنه صدر عَني في بعضِ مَجالِسِ درسي وَمجامع أنسِي: أن سَبَّ الصحَابة ليسَ كفراً (٤) بالدلِيلِ القطعي بَل بالظني، وَإنَّما يقتلُ السَاب للأصحَاب في مَذهَبنا سَياسَة للِدوَاب عَن قلةِ الآدابِ في هَذا البابِ، فتوشوش خاطر بَعض الحاضِرينَ مِنْ الرجَالِ، مِمنْ يشبه الأعوَر الدَّجال، الذِي لم يفرقْ بَينَ الحَقِّ مِنْ الأقوالِ، وبَينَ البَاطلِ الصادرِ عَنْ أهلِ الضلالِ، وَاغتَر بمنْ (٥) قرأ بَعض المقَدمَاتِ الرسميَّةِ مِنْ العلُومِ الغريبةِ الوَهِمية، ولم يُميزْ بَينَ العَقائدِ القَطِعِية وَالفَوائدِ الظنيَّة، حَيْثُ ألتقط عَقيدَته من ألسِنةِ (٦) العَوامِ، أو مِنْ آبائِهِ الذِينَ لم يكونُوا مِنْ العُلمَاءِ الأعلامِ، وَقَدْ قالَ تعَالى في ذمِّ هَؤلاءِ الذِينَ كالأنْعَامِ، قالوا: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾

стр. 16

[الزخرف: ٢٣] أي: على أنوارِهِم مُهتَدونَ (١) و: ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٣] وَمُعتَمدُونَ (٢). فَتركَ صُحبتنا وحَضرتنا، وَاختارَ غيبتنا وَعتبنا (٣)، وكانَ الوَاجبُ عليِهِ مِنْ الأدَبِ لدَيِهِ (٤) أنْ يُغْمضَ عينه مِنْ بَعضِ عيُوبنا، لَو تحقق شَيْءٌ مِنْ ذنُوبنِا رعايَة لِحفظِ قلوُبنا، إذْ غايَته أنَّه إذَا (٥) وقع خطأ مِنا والمجتهد قَدْ يخطئ في مَذهَبنِا، أو انفَردنا بهذا القَوْلِ عَنْ غيرنا أو تبعنا أحداً مِنْ مَشائخِنَا [٢/أ] فتَعيَن عَلَيْهِ أنْ يَأتِينا بنقلٍ لدَيه، أو روَايةٍ وَصَلتْ إليَهِ، أو يبحَث معَنَا، ليظهرَ مَا عِنْدَنا فيَقبلهُ مِنا أو يَردهُ عَلينَا، فنَقبلهُ [منه] (٦) أو نَدفعهُ عَنا، كما هُو طِريقة العُلَماء وَالطلَبة مِنْ الفُضَلاءِ. هَذا الإمَام الأعظم وأصحَابه في مَقَامِهِ الأفخمِ، كانوا يتَباحثونَ في المسَائل، ويتَناقشونَ في الدلائلِ، ويتَنافسونَ في الفضائلِ، فإمّا أنْ يَرِجْعَ الإمَامُ في أقِوالهِم، أو يَرجعونَ (٧) إلى قولِهِ بتحسِين أحَوالهم، وكذَا كَانَ حَالُ السَّلفِ مِنْ الصَحابةِ والتَابعينَ في مجَالسِهم الجامِعينَ، يتَذاكرونَ في العِلمِ ويتبَاحثونَ بالحِلمِ هنالكَ،

стр. 17

بخَلافِ الخلف حَيْثُ كانَ خلقُهُم على خَلافِ ذلَكَ. وكذَا لمَّا منعَ الإمَامُ وَلدَه حَماد (١) عَنْ البَحثِ في علمِ الكلامِ، وأجَابَ عَنْه بأنَّي رَأيتك تَبحَثُ في هَذا المرامِ، فَقَالَ: نَعَمْ إنَّي كُنْتُ في الجنَّةِ مع صَاحِبي وأخَاف عَليِه مِنْ أنْ يخطئ في ذلكَ المقامِ، وأنتم في هذِه الأيامِ تتَباحثونَ، وكلٌّ (٢) منكِم يريدُ أنَّ صَاحبَه يقع في الكفرِ والملامِ، بَلْ أنتم بهذَا تَفرحونَ وتَتفاخرونَ، ومِنْ أرَادَ أنْ يذلَّ صَاحِبَه، وَيكفر كَفر قَبْلَ أنْ يكفرَ صَاحِبَه. ثم أغرب مِنْ هَذَا أنَّه انتقل مِنا إلى بَعضِ إخوانِنا مِمنْ (٣) يستعيض مِنْ عَدوِنا، وَيفيض مِنْ مَدَدنا حَيثُ لم يلقَ مِنْهُ مِنْ بَعدنا، فحرم مِن شمة وردنا وَسَابقة وَردنا بَعد اختِيار بُعدنا. وَمِنْ اللطائفِ في مَراتبِ الظرائف، أنْ بَعضَ طلبَة العِلم الشريف بَحث مع شيخه في مَحفلٍ منيف (٤)، وكلما أتَاه الأستَاذ في دَفع مَا أورده عليه من الإيراد نقضه، وأجَابَ بما يُناسِبُهُ (٥) مِنْ الأسِتَاذ، فلمَّا عَجزَ عَنه شيخه في الجوَابِ، قالَ لهُ في مَقامِ العتاب: ((مَا أحسَن دأبكم في مُرَاعَاة الآدَاب، أنْه إذَا وَقعَتْ [زلة مِنْ معلمكم] (٦) في فصِلِ الخطابِ، تَتعلقونَ بحلقه ولا تتَحملونَ بَعضَ غلطِهِ وزيفِهِ،

стр. 18

فما أحسنَ آدابَ الصَّوفيّة والمريدين، حَيثُ يصَدقونَ [٢/ب] مَشائخهم، ولو تَكلمُوا بما يخَالف مِنْ أمُورِ الدينِ، فقالَ (١) التلميذ هكذا دَأبهم وآدابهم، وعلى نَحو هَذَا العُلمَاء وَأصحَابهم (٢)، ثُمَّ (٣) عَلم كلُّ أُناسٍ مَشربهم، وعَرَف كلُّ طَائفةٍ مذهَبهم. إن قتل الأنبياء وطعنهم في الأنساب (٤) كفر: ثُمَّ اعلم (٥) أنْ مِنْ القَواعِدِ القطعِيَّة في العَقائدِ الشرعيّةِ، أن قتل الأنبياء وَطعنهم في الأنْساب (٦) كفر بإجماعِ العُلماء، فمَنْ قتلَ نبياً أو قتَله نبيٌّ فهو مِنْ أشقى الأشقياء (٧)، وأمَّا قتل العُلماءِ والأوليَاءِ وسبُّهم على ألسنَةِ الأغبياءِ، فلَيْسَ بكفرٍ إلاَّ إذَا كَانَ [عَلى] (٨) وَجه الاستحلالِ أَوْ الاستخفافِ، كما هُوَ ظَاهر عندَ أربَابِ الإنصاَفِ دُونَ أهلِّ التعَصبِ وَالاعتسَافِ (٩).

стр. 19

قذف عائشة ﵂: فَقاتلُ عثمَان بن عَفَّان وعَلي بن أبي طالب ﵄، لم يَقل بكُفْرهِ (١) أحَدٌ مِنْ العُلماء إلاَّ الرّوَافِض في الثاني وَالخَوارج في الأول، وَأما مَنْ قذَفَ عَائشة فكَافرٌ بالإجماعِ؛ لمِخالفَته نص الآياتِ المبرئة (٢) لَها مِنْ غَيْرِ النزاع، وكَذا مَنْ أنكر صُحبَة أبي بكرٍ الصديق [﵁] (٣) كفر؛ لإنكاره مَا أثَبتَ اللهُ بإخبَارِهِ في كتابه حَيثُ قالَ تعالى: ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: ٤٠] (٤) بخلافِ مَنْ أنكر صُحَبة عُمر أو عَلي لعَدَمِ تضَمنه مُخَالفة الكتاب، وَإنْ كاَنَ صِحَّة صُحبتهما بِطريقِ التوَاتر في هَذا البَابِ، لأن إنكار كل مُتوَاتِر لا يكُون كفراً في معرض الكتاب (٥). ألا ترى أن مَنْ أنكرَ [جود حاتم (٦) بل] (٧) وجُوده، أو عَدالة نوشروَان (٨) وَشهوده لا يصَير كافِراً في هذا الصّورَة؛ لأن إنكار مثل هذا ونحوه ليسَ مِما عُلِمَ

стр. 20

مِنْ الدينِ بالضرورَةِ. مسألة من اعتقد أن سب الصحابة مباح فهو كافر: وَأمَّا مِنْ سبَّ أحَداً مِنْ الصِحَابة، فهوَ فاسِق وَمبتَدع بالإجماع إذَا اعتقد أنه مُبَاح، كَمَا عَليه بَعض الشيعَة وَأصحَابهم، أو يترتب عَلَيه ثَواب كَمَا هوَ دَأبُ كِلامِهم، أو اعتقد كفر الصّحابة وأهل السنةِ في فصلِ خِطابهم فإنه كافر بالإجمَاع، ولا يلتفت إلى خِلاَفِ مخالفتهم في مقَامِ النِزاعِ، فإذَا عَرفت ذلك فلا بدَّ مِنْ تفصِيل هُنالك. [قول] (١) علماؤنا يقتل بالسياسة: فإذا سَبَّ أحَدٌ (٢) أحَداً مِنهُم، فينَظر هَل مَعَهُ قرائن حَالِية أو قالِية (٣) [٣/أ] عَلى مَا تقدمَ مِن الكفريات أم لا؟ فِفي الأولِ كافر وفي الثاني فَاسِق، وَإِنما يقتلُ عَندَ عُلمائنا بالسيَاسَة لدفعِ فَسَادِهم وَشر عنادهم (٤) (٥). لا يحل دم امرئ مسلم إلا بثلاث: وَإلا فَقد قالَ ﵊ في حَديثٍ صَحَّت (٦) طرقه عَندَ الُمحدثيَن الأعلام: ((لاَ يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ يَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَن محمداً رَسُولُ اللَّهِ إِلاَّ بِإِحْدَى ثَلاثٍ: الثَّيِّبُ الزَّانِي وَالنَّفْسُ بِالنَّفْسِ وَالتَّارِكُ لِدِينِهِ الْمُفَارِقُ لِلْجَمَاعَةِ)) رَوُاه البخاري وَمْسلم وأبوُ دَاود وَالترمذِي وَالنسَائي عَن ابن مَسعُود (٧).

стр. 21

وَقَد أخرجَهُ الإمَام أحمد في (مسندِهِ) أيضاً لكن عن أبي إمَامَة بن سَهْل قال: ((كُنَّا مَعَ عُثْمَانَ وَهُوَ مَحْصُورٌ فِي الدَّارِ، فَقَالَ: إِنَّهُمْ يَتَوَعَّدُونِني بِالْقَتْلِ، قُلْنَا: يَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، قَالَ: وَلِمَ يَقْتُلُونَنِي؟! سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: لاَ يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلاَّ بِإِحْدَى ثَلاَثٍ: رَجُلٌ كَفَرَ بَعْدَ إِسْلاَمِهِ أَوْ زَنَى بَعْدَ إِحْصَانِهِ أَوْ قَتَلَ نَفْسًا فَيُقْتَلُ بِهَا، فَوَاللَّهِ مَا أَحْبَبْتُ [أَنَّ لِي] بِدِينِي [بَدَلاً] (١) مُنْذُ هَدَانِي اللَّهُ، وَلاَ زَنَيْتُ فِي جَاهِلِيَّةٍ وَلاَ إِسْلاَمٍ قَطُّ وَلاَ قَتَلْتُ نَفْسًا، فَبِمَ يَقْتُلُونَنِي؟!)) (٢). تارك الصلاة يقتل خلافاً للشافعي: فِفي الحَديثِ جَاءَ بصِيغةِ الحَصرِ في العبَارةِ دلاَلة بطريقِ الإشَارةِ: لا يقتل أهل البدعَة مِنْ الرّوَافِض والخوَارجِ إلاَّ إذَا صَارُوا مِنْ أهِلِ البِغي، وكَذا تارك الصلاةِ لا يقتل خِلافاً للشافِعي (٣)، ولا رأيت سَنَداً عَليه يعول (٤).

стр. 22

وأما الحديث فليس على ظاهره: وَأمَّا قوله ﵊: ((مَنْ ترك الصَّلاةَ متعَمداً فقد كفر)) (١) فليسَ على ظَاهرِهِ عِندَ أهِل السَّنة مِمن اعتبر، بَل هو (٢) مؤول بأن مَعناهُ قرب الكفر، فإن المَعَاصي (٣) بريد (٤) الكفر، أو جَره إلى كفره في عَاقبةِ أمرِهِ إنْ لم يتدَاركهُ الله بلطفهِ، أو شابه كفر الكافرِ في تركهِ (٥)، أو محَمُول على مستحلِهِ فيَدخلُ في حَدِّ المرتد وَنَحوه. وَأمَّا تفسِير الشافعي للِحَدِيثِ بأنه أستحق عقوبةَ الكفرِ، فلَيْسَ ظاهِراً في المدعى؛ لأنهُ يحتمل استحقَاقَ (٦) عُقوبته في الدنيا والآخرة، مع أنه لا يتأول [٣/ب] بكفره في العُقبَى ولاَ يقتلهُ بناءً عَلى كفرِهِ في الدنيَا. وَأمَّا مَا ذكر بَعضهم من أنْ المراد بالمرتد في الحَدِيثِ الأول: ((مَنْ بدل دينه)) (٧)،

стр. 23

وَبالمفارق مَنْ غيّر بَعض دينه فَيدخل (١) في الحَدِيث أهل البَغي وَالخَوارج وَالرَوافِض، فيَجبُ المعَاملَة مَعهُم حَتى يَرجعوا إلى الحَقِّ، فِفيه مِنْ المُعَارضَة وَالمقابلَة أن الكلام في القتل لا في المعَاملة، أمَا ترى أن الإجماع عَلى عَدَم جواز قتِل بَاغٍ بانفِراده خَارجي أو رَافضي وَحِده مِنْ غير ظهُور كفر منهُ غَير بدعتِهِ. وكذَا مَانعُو الزكاةِ يقاتلون، بِخلاف مَنْ تركهَا بغَير قِتالٍ فَإنه لا يقتل (٢)، فكَذَا تارك الصَّلاة لا يقتل بَل يحبس وَيُعَزر، وإذَا كَانَ أهل قريَةٍ تركوُهَا، بَل تركُوا الأذان الذي هُوَ سُنة مِنْ شِعَارها (٣) لَقوتلُوا، كما صَرحَ بهِ الإمَامُ محمد (٤) مِنْ أئمتِنا، فحَصَلت المَوافقة وَالُمطابقة مِنْ هذا الحَدِيث الشريف. وحديث: ((أُمرتُ أنْ أقاتِلَ النَّاسَ حَتى يَشهَدُوا: أنْ لاَ إلَه إلاَّ الله، وأنْ محمداً رَسُول الله، ويقيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤتوا الزكَاةَ، فِإذَا فعَلوُا ذلك عَصَمُوا مِنّي دمَائهم وَأموَالهم إلاَّ بِحَقِّ الإسلاَمِ وَحِسَابهم على الله)) رَوَاهُ أصحاب الكتب الستة عَن أبي هُرِيَرة (٥).

стр. 24

وَروَاهُ ابن جرير (١) وَالطبَراني في (الأوسَط) عَن أنَس، وَلفظه: ((أمرتُ أنْ أقاتِل الناس حَتى يشهدوا أنْ لاَ إلَه إلاَّ الله، فإذَا قالُوها عَصَمُوا مِنّي دِمَائهم وَأموَالهم إلاَّ بحقها، قيلَ: وَمَا حَقها؟ قالَ: زَنا بَعْدَ إحصَان أو كفرٌ بَعدَ إسلام أو قتلُ نفسٍ فتقتلُ بِها)) (٢). وَأخرجَهُ مُسْلم عَن أنس، وَلَفظهُ (٣): ((أُمرتُ أنْ أقاتِلَ المشركِين حَتى يَشهَدُوا أنْ لاَ إلَه إلاَّ اللهَ، وأنْ محمداً عبدُهُ ورَسُوله، وأنْ يَسِتقبلُوا قِبلتنَا، وأنْ يَأكلوا ذَبيحتنَا وَأن يُصَلوا صَلاتنا، فإذَا فعَلُوا ذلكَ حرمت عَلْينَا دمَائهم وَأموَالهم

стр. 25

إلاَّ بِحقهَا، لَهُم مَا للمُسلِميَن وعلَيهم مَا عَلى المُسلِمينَ)) (١). إثبات كفر من سب الصحابة عموماً أو الشيخين خصوصاً: فلنَرجع إلى مَا نَحن بصِددِهِ [٤/أ] مِنْ إثباتِ كفر مَنْ سَب الصّحابة عمُوماً أو سَب الشيخَين خصُوصاً، فَلا شك في أنَّ أصول الأدِلةِ ثلاثة هَي: الكِتاب وَالسُنة وَإجمَاع الأمةِ، فأمَّا الكتاب فَهوَ خالٍ عَن هَذا الخطَاب، وكَذَا الإجماع مَفقود في هَذَا الباب، فبَقي الأحَاديث وَهَي آحَاد الإسناد، ظني الدَلالَة في مِقَام الأستِناد، وَلهَذا لم يذكرها الفقهاء كفر الرافضي في كلماتِ (٢) الكفر وَلا في بَابِ الارتدَاد، فإنْ كانَ عِندَ أحدٍ (٣) نقلَ قائلٍ (٤) للاعتِماد، فعَليَه بالبيَان في معرض مِيدَان الاعتِقاد. وإمَّا ما اشتهرَ عَلى ألسنة العَوَام من أنْ سبَّ الشيخَين كفر، فلم أرَ نقَلهُ صَريحاً ولا روَايته ضعيِفاً وَلا حَسَناً وَلا صحيحاً، وعلى تقدير ثبُوتِهِ وَتَسليم صِحتِهِ، فَلاَ ينبَغي أن يحمل عَلى ظاهرِهِ؛ لاحِتمالِ مَا تقدمَ مِنْ التأويلاَتِ في كفْرِ تارِكِ الصَّلاةِ، إذ لو حملَ الأحَادِيث كلهَا على الظَواهِر، لأشكل ضبط القواعِد وَحِفظ النوادر، وَحَيثُ يَدخل مِنهُ الاحتمال لاَ يَصلح الاستدلاَل، لاَ سيما في

стр. 26

قتل المُسلم وَتكفِيره، وَقد قِيل: لو كان تسعَة وتسعَونَ دَليلاً عَلى كفر أحَد، وَدليل وَاحد عَلى إسلاَمه، ينبَغي للِمفتي أنْ يَعمل بذلكَ الدليل الوَاحِد؛ لأن خطأه في خلاَصِه خيرٌ مِنْ خَطئه في حَدّهِ وَقصَاصِهِ. لا يقال كيف نسبت قول سَبّ الشيخين كفر إلى العَوام، مَع أنهُ مُذكوُر في بَعض كتب الفتَاوى لبَعض الأعلام، فإنِّا نقول: لم أرَ نقله إلاَّ مِنْ المجهُولينَ الذينَ هم في طريق التحقيق غَير مَقبُوليَن، فلاَ يعتبر في بَابِ الاعِتقاد الذي مَدَاره عَلى مَا يَصِح بِهِ الاعتماد. [حكم سب الصحابة عند الحنفية:] والحاصل: أنه ليس (١) بمنقولٍ عَن أحدٍ مِنْ أئمتنا المتقدمين كأبي حَنِيفة وأصحابه، وَأمَّا غَيرهم فَهم رجَال وَنحنُ رجَال، فلاَ نُقلد قَولهم مِنْ غَير دَليل عقلي وَنقلي، يؤتى به مِنْ طَرِيق ظنّي أو قطعي، مَع أنهُ مُخالف للأدلة القطعية والظنية المأخوذة مِنْ الكتاب وَالسنة المروية [٤/ب] التي تفيد في العَقائد الدينية أو تفيد (٢) في القَواعدِ الفقهية، فإن ما وَردَ فيها إمَّا ضَعِيف في سندِهِ أو مُؤول في مسَتندِهِ، لئلا يعَارض القَواعِد الشرعية، فإن القولَ بالتكفير مُعارض لمَّا نص عليه أبُو حَنِيفة في (الفِقه الأكبَر)، مُوافقٌ لمَّا عَليه جَمع المتكلِميَن مِنْ أهل القبِلة لا يكفر، وعليه الأئمة الثلاثة مِنْ مَالِك وَالشافِعي وَأحمد، وَسَائر أهل العِلم المعتَمد في المعتقد.

стр. 27

وَقد صرحَ العلامة (١) التفتازَاني (٢) في (شرح العَقائد) (٣) بأن سَب الصَحابة بدعَة وفسق (٤)، وكذا صَرح أبُو الشكور السالمي (٥) في (تمهيده) (٦): أنَّ سَبَّ الصَّحابة ليسَ بكفر، وَقد وَردَ عَنهُ ﷺ : ((أن مَنْ سَب الأنبيَاء قتل، ومَنْ سَب أصحَابي جلد)) رَواهُ الطبَراني عن علي كرمَ الله وَجهَهُ (٧)، رَواه أيضاً عَن ابن عَباس: ((مَنْ سَبّ أصحَابي فعَلَيه لعَنةُ اللهِ وَالملائكة وَالنَّاسِ أجَمعِينَ)) (٨).

стр. 28

ثم لا وَجه لتخصِيص الشيخَين فيما ذكر، فإن حكم الحسَنين كذلك، بَل سائر الصحَابة هنالك، كما يُستفَاد مِنْ (١) عُموم الأحَاديثِ وَخُصوصها، فَقد ورَدَ عَنه ﵊: ((مَنْ سَبّ عَليَّاً فَقَد سَبني، وَمَنْ سَبني فَقَد سَبَّ الله)) رَواهُ أحَمد وَالحاكم عَن أمِّ سَلَمة (٢). بَل وَقد بالغَ ﷺ وَقال: ((مَنْ سَب العَرب فأولئكَ هُم المشركونَ)) روَاهُ البيهَقي عَن عُمر ﵁ (٣). إلا أنه يَجبُ حَمله على أنه أراد باللام الاستغراق، أو الجنس الشامِل للنبي الصَّلاة وَالسَّلام بالاتفاق، فَهذا تحقيق هذِهِ المَسألةَ المشكلة عَلى مَا ذكرَ في (الموَاقف) (٤).

стр. 29

وأمَّا مَا في كتب (١) العَقائد، فمَنْ اعتقد غَير هذاَ فليَحذر (٢) عقيَدته، وَليَتب عَن تعَصّبه وَحمَاقتِهِ، وَيترك حمية جاهليته، وإلاَّ فيلهث (٣) غِيَظاً على حقدِهِ وحسَدِهِ وَطغيتهِ، وَيُدفن في تربة خباثته وَنجاسُته ظنيته إلى أن يتَبينَ بُطلان مَظنته في سَاعَة قيامتهِ [٥/أ] ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ﴾ [الطارق: ٩]، فَيظهر ضمائر وَيتمَيز الكفر مِنْ الإسلام وَالكبائر مِنْ الصغَائر. ثم [مَنْ] (٤) ادعى بطلان هَذا البيان، فعَليَه أن يظهر في ميدان البَرهان، إمَّا بتقرير اللسَان هو، وَإمَّا بتحرير البَيان والله المستعان، وَالحِق يَعلو ولا يعلى إلا (٥) البطلان، وَقد ثبت عنه ﵊: ((أن الله يَبِعَث لِهَذِهِ الأمة على رأس مائة سَنة مَنْ يجدد لها دِينها)) وَرَوَاه أبو دَاود وَالحاكم وَالبيهَقي في (المَعرفة) عَن أبي هريرة (٦). فوالله العَظيم، وربَّ النبي الكَريم، أني لَو عَرفت أحَداً أعلم مِنّي بالكِتَاب وَالسّنة، مِنْ جهة مَبناها أو مِنْ طريق مَعناها (٧)، لَقصَدت إلَيه ولو حبواً بالوقوف

стр. 30

لَدَيه، وهذا لا أقوله (١) فَخراً، بَل تَحدّثاً بنعِمةِ الله وَشكراً، وَاستزيد مِنْ ربي مَا يَكون لي ذِخراً. حديث: من سب أصحابي فعليه لعنة الله: نَعَمْ ورَد: ((حبُّ أبي بكر وَعُمَر ﵄ مِنْ الإيمان وَبغضهَما كفر، وَحبُّ الأنصَار مِنْ الإيمان وَبغضهَم كفر، وَحبُّ العَرب مِنْ الإيمان وَبغضهم كفر، وَمِنْ سبّ أصحَابي فعَلَيه لَعنة الله، ومَنْ حَفظني فيهم فأنا أحفظ يَوم القيامة)) رواه ابن عَسَاكر عَن جَابر (٢). المراد بالكفر كفران النعمة: وَالمُراد بالكفرِ كفران النعمة أو كفر دونَ كفرٍ، أو أريد به التغلِيظ وَالوعيد والتهديد الشدِيد مُبَالغة في الزجر وَالنهي، كَمَا هو مَعروف في الكتابِ وَالسّنة.

стр. 31

سباب المسلم: وجاءَ في حَدِيثٍ كادَ (١) أنْ يكُونَ مُتَواتراً: ((سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ وَقِتَالُهُ كُفْرٌ)) رَواهُ أحَمد وَالبخارِي وَالترمذِي وَالنسَائي وَابن مَاجَة عَن ابن مَسْعُود (٢). وَابن مَاجَة أيضاً عَن أبي هريَرة (٣) وعَن سَعد (٤)، وَالطبَراني عَن عَبد الله بن مغفل (٥)، وَعن عمَرو بن (٦) النعمان بن مقرن (٧)، والدّارقطني في (الأفراد) عن جابر، وَالطبَراني أيضاً عَن ابن مسعود، وَزادَ: ((وَحُرْمَةُ مَالِهِ كَحُرْمَةِ دَمِهِ)) (٨).

стр. 32

فَهِذا الحَديثِ صَريح في أنَّ سَبَّ المُسْلِمِ فسق غاية أنَّ الفسق لَهُ المراتب، كَمَا أن المُسلمينَ (١) لهم تفَاوُت باختِلافِ المناقِبِ، كَمَا رَوى ابن عسَاكر [٥/ب] عن البَراء موَقوفاً: ((لا تسبّوا أصحَابَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فوَالذِي نفسِي بيدِهِ لمقامُ أحَدهم مَع رَسُولِ اللهِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أفضَل مِنْ عَمل أحَدكم عُمره)) (٢) فكأنه أشارَ إلى قوله تعَالى: ﴿لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلاّ ًوَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [الحديد: ١٠]. [ذم التعصب في دين الله]: ثُمَّ اعلم أنَّ التعَصب في دِينِ اللهِ [تعَالَى] (٣) على وَجه التشدد وَالتصَلب ممنوع وَمَحظور؛ لأنه يترتب عَلَيه أمُور في كلِّ مِنها ضَرر ومحذور، قَالَ الله تَعَالَى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ﴾ [النساء: ١٧١]، و ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيراً وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ [المائدة: ٧٧]، وقالَ : ﴿وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلاَّ

стр. 33

الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٦]. وَقالَ سُبحانه: ﴿وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: ١٠٨] وَاستدَل بهذِهِ الآية شيخِنَا المبرور (١) المغفُور محمد بن أبي الحسَن البكري (٢)، في منع معرف كان بمكةَ في مقام الحنفي، ويقولُ بالصوتِ الَجلي: ((لعَن الله الرافضَة من الأوبَاشِ وَطائفَة القزلباش (٣)))، وقالَ هَذا يكون تسبيباً سَبهم (٤) طائفة أهل السّنة وَالجماعة، كَمَا عَلَيْه أهل العِناد في الصناعةِ. وَلقد صَدقَ الصديقي (٥) في مَقامِه الحقيقي، وَوَافق كلام أستاذي المرحُوم في

стр. 34

عِلم القراءة، مَولانا معين الدين بن الحافظ زين (١) الدين (٢) من أهل زيارتكاه، وهوَ أول مِنْ استشهد أيام الرافضَة في سَبيلِ الله، وَذلك أنه لما ظهَر سُلطانهم المسَمى بشاه إسمِاعيل (٣)، وَفتحَ مَلك العِراق بَعدَ القالَ والقيل (٤)، وَفشوّا القِتال وَالقتِيل، أرسَلَ إلى خراسان مكتوباً فيه إظهار غلبَته في هَذا الشأن، وكَتبَ [٦/أ] في آخِرهِ ِسَبّ بَعض الصحَابة مِنْ الأكابر والأعيان. وكانَ الحِافظ المذكور خَطيباً في جامع بَلد هراة المشهُور، فأمرَ بقراءتهِ فوَقَ المنبر بالاملاء عندَ حضُور العلماء والمشَائخ وَالأمَراء، ومِنْ جُملِتهم العَلامَة الوَلي شيخ الإسلام الهروي (٥) سبط المحقق الرباني مَولانا سعد الدين التفتازاني، فلما وَصَل الخطيب إلى مَحِل السَبِّ انتقل مِنه (٦) عَلى طَريق الأدب، فتعصّب كلاَب (٧)

стр. 35

الأرفاض لهَذَا السبب، وقالوا: تركت المقصُود الأعظم وَالمطلوب الأفخم، فأعد الكلام لتكُون على وجه التمَام، وَتوقف الَخطيبُ في ذلك المقام، فأشارَ شيخ الإسلام إليه أن يقرأ ما هو المسطور لَدَيه، لأن عَندَ الإكراه (١) لا جناحَ عَليه، فأبى عَن السبِّ وصمم عَلى اختيار العزيمة على الرخصة (٢) الذميمة، فنزلوُه وقتلوه وحَرقوه. ثُمَّ لمَا جاءَ السلطَان إلى خراسَان، وطلبَ شيخ الإسلام وسائر أكابر الزمان، وأمرَ الشيخَ بالسبِّ في ذلك المكان، أمتنعَ عَنه رضاء للرحمةِ، فاعترضَ عَليه بأنَّك أمرتَ بِهِ الخطيب سَابقاً، فكيَفَ تخالف الأمر لاحقاً، فقالَ: ((ذاكَ فتوى، وَهَذا كَمَا ترى تقوى، وَأيضاً ذلكَ الوُقت كانَ أيامَ الفتنة التامة، وَهجُوم الخلائق وَالعَامة، وَرأيت اليَوم في تَخت السّلطنة التي تجبُ عليك فيه العَدَالة، وَسماعَ مَا يتعَلق بِهَذِهِ المقَالَة، وَتَصحِيح مَا يكُون العَمل بِهِ أولى في هَذِهِ الحَالَة)). فسَألَهُ عَن كيفِيته وَتحقِيق مَاهِيته وكميته؟. فقالَ له: ((أفعلْ أحَد [هذين] (٣) الشيئين مِنْ الأمرَين الحسنين: أولهما: أني اثبت لك أنَّ مذهب أهل السنة وَالجماعَة هو الحق وغيره هُوَ البَاطِل المطلق، وذلك بأني أظهر لكَ تصَانيفَ آبائكَ وَأجدَادكَ مِنْ المَشائخ الذين سَلَفوا في بلادكَ بخطُوطهم، وَتعمل بما في سُطوُرهم وفق مَا في صدوُرهم، وإنْ كانُوا الآن في قبورهم. وَثانِيهما: أنَّكَ تنادي عُلماء مذهَبك [٦/ب] وفضلاء مشربك فتبَاحثت في مَجلسكَ، فمَنْ غَلب في الحجة نَقلاً وَعقلاً، فَيُتِبع فرعاً وأصلاً)).

стр. 36

فشاور وزرائه وأمرَائه وعلمائه وفقهائه (١)، فقالُوا لهُ: ((هَذَا عَالمٌ كبَيرٌ وفضله كثير لا يغلبه أحَدٌ منا في الكلاَمِ، وآبائكَ وَأجدَادكَ صَنفوا (٢) في زمَان السنة، وَكانَ يجبُ عَليهم التقيَّة في هَذِهِ القضِية)) فتبعهم وَصَارَ مِنْ أهل الطغيان وَالكفران، كفرعَونَ حَيثُ شاورَ هَامَانَ، فقتله شهيداً وجَعلهُ سَعِيداً. والحاصل: أن ولدَ الخطيب (٣) الذي هوَ أستاذي الأديب، كانَ يقولُ: إنَّ زيادة التعَصب وَالعناد في هَذِهِ الطائفة اللعِينة، إنما وقعَت مِنْ تعَصبَاتِ (٤) الطبقة الأزبكية (٥)، حَيثُ إذَا رَأوا شخصاً يبتدئ في غسل الأيدِي مِنْ مَرقٍ أو مسَحَ عَلى رجلهِ (٦)، أو وَضعَ حَجراً في مَسجدِهِ قتلوُه، فعَارضَهم بأن مَنْ غسَل رجله أو مسَحَ رقبتِهِ وَأذنِهِ قَتلوُه، وكلُّ مَنْ صَلى مُرسِلاً يدَيه قتلهُ هؤلاء، فعارضُوهم بأن مَنْ صلى وَاضِعاً يَديه قتَلوُه، إلى (٧) أن زدَادَ التعَصب بَينَ الطائفتين. فَمَنْ سَبَّ الصحَابة وَلو مَكرهاً قتلوهُ، فَزادُوا عَلَيهم في القبَاحَةِ وَالوقاحَةِ،

стр. 37

بأن أمرُوا أهلَ السّنة بسَبِّ الصحَابة فَمَنْ امتنعَ عَنه (١) قتلوُه، وأشتد الأمرُ عَلى القبيلَتَين حَتى كان مَدَار العقيدَة عَلى هَذا بَينَ (٢) المَسْألتين، وَكفَّر كل وَاحِد غيره مِنْ الطائفَتين (٣). [أصل الفساد بسبب ترك السنة وفعل البدعة:] وَأصل هَذا الفساد، وَإنما وقعَ بَينَ العِبادِ وَشايَة ترك السّنة وَفعل البدعَة، حَيثُ اختارَ بَعض السلاَطين وَالأمَراء أنْ يذكر اسمهُ فَوقَ المنبَرِ عَلى ألسَنةِ الخطبَاءِ، فقِيل لهمُ لم يتصَور ذَلكَ بأن يذكر الخلفاء الأربَعة أولاً هنالك. ثم أحدثَ بنو أمية سَبَّ علي وَاتباعه في الخطبة مُدة مَعُينة (٤)، إلى أنْ أظهرَ الله سُبحانه عُمَر بن عبد العزيز (٥) [وأعز الله الإسلام به انتهاء، كما أعزَّ الله الإسلام بعمر بن الخطاب] (٦) ابتداءً، فاظهر غاية العَدَالة وَنهاية الرعَاية في الرغبَة وَالجمَالة، فأول مَا خطبَ (٧) عُمَر هذا على المنبر، حَمدَ اللهَ سبُحانه (٨) وأثنى وَشكر وَوعظ وَنصح لمن اعتبَرَ [٧/أ] ثم لمَّا وَصَلَ إلى مَوضِع سَبِّ الخطباء لخاتم الخلفاء

стр. 38

وخاتم الحنَفاء قَرأ هَذِهِ الآية: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل:٩٠] أوصيكم عِبادَ اللهِ بتقوى الله، وَنزلَ عَن المنبَرِ، فصَارَ قراءة هَذِهِ الآيَة المقررَة المعتبرة (١). سب الصحابة الكرام من أكبر الكبائر: وَحَاصِل الكلام وتحقيق المرام أن سَبَّ الصحَابة الكرَام مِنْ أكَبَرِ الكبَائرِ، بَل متضَمن أكثرهَا عِندَ أهل السَّرائرِ؛ لأنه أجتمعَ فِيه حَق الله وَحَق العَبد وَحَق رَسُوله [صَلَّى اللَّهُ تَعَالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فإنه لا يهون عليه إهانة مَن يَكُون مقرباً لديه] (٢) وَمنسُوباً إلَيه. وأيضاً مِنْ المقرر إجماعاً أن قتل النفس أكبرُ الكبَائر بَعدَ الشِركِ باللهِ تعَالى، وَقتل المؤمن متعَمداً إنما يَقع المؤمن حَال كمَال غضَبه وذهَاب عقله وَأدَبه حَتى يكاد أن يكُون مجنوناً (٣)، ثُمَّ لاَ شَك أنْ يكُون بَعد ذلَك نَادماً وَمحزوناً، وَيتَوبُ إلى اللهِ وَيتضَرع إلى مَولاه، بخلاَفِ الرّفضَة (٤) حَيثُ يسبونَ في حَالِ اختِيارهم وَوَقت اقتِدارهم وَيُصَمّمُونَ على ذلَكَ ولا يَرجعُونَ عَمّا صَدر عَنهم هُنالك إذ لم يعتقدوا قبحه، بَل يتوَهّمُونَ (٥) رجحه.

стр. 39

وَكَذَا قيل ليسَ [تقبل] (١) توبة لأهِل البدعَة؛ لأن بدَعتهم عندهم قَربَة وَطاعَة، وَأمَّا مَا ذكر بَعض المَشائخ أنهم لم يسبّوا أصحَابَ النبي صَلَّى اللَّهُ تَعَالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَإنما سبّوا جميعاً زعِموا فيهم أنهُم ظلمُوا عَلياً كرّمَ اللهُ وَجهَهُ، وَأخذوا حَقه مَعَ جَعله ﵊ وصيّه، وَليسَ هَؤلاء بهَذا الوَصف مَوجُودينَ، وَلا بهذا النعت مشهورينَ، فلا يفيدُ ذلَك وَلاَ يكُون عُذراً هنالك، كَمَا قالَ بَعض جَهَلة الصوفية أن عَبدَة الأصنام إنما عَبدُوا الملك العَلام، سَوَاءٌ عَلمُوا هَذا المعنى أو عقلُوا عَن هَذَا المبَنى، فإن الشريعَة الغراء تُبطل (٢) مثل هَذِه الأشيَاء، فنحنْ نحكم بالظاهر وَالله اعلم بالسَرائرِ. ولا يخفى أن طائفة الشيعة تغاير (٣) طَوائف المبتَدعَة الشنيعَة، لمَّا لم يتبعُوا (٤) الأحَادِيثَ وَالأخبار [٧/ب] وَحرمُوا حَقائق الأسرار وَدقائق الأنوار التي حَملَته العُلماء الأبرار وَنقلَته الفضَلاء الكبَار عَن النبي صَلَّى اللَّهُ تَعَالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بروَاية الأصحَاب وَالتابعِينَ، وَأتبَاعهم مِنْ العُلماءِ العَامِلين وَالمشائخ الكامِلين بأسَانيد عدُول ضابِطين وَثقة حَافظِين، وَقعُوا فيما وقعُوا مِنْ الخطأ والخطل وافسدوا ما عندهم مِنْ العِلم وَالعَمل، وَاعتَقدُوا مَا بَنوُه على ما طاحَوا فيه مِنْ الزلل، وَإلا فكيفَ يبغض مَنْ كَانَ صَاحِب النّبي صلى صَلَّى اللَّهُ تَعَالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الغَار، ورَفيقه في سَائر الأسفار، وَأول مَن آمَنَ بِهِ مِنْ الرجَالِ الكبَارِ. وَقد جَعله الصَّلاة والسَّلام خليفةً في مَدِينةِ الإسلام بمنصّب الإمَامة لعَامة الأنام، كَمَا أجمعَ عَلَيه العُلماء الأعلاَم، حَتى قال عَلي كَرّمَ الله وجهه في هَذا

стр. 40

المقَام: ((قَد رضيهُ صَلَّى اللَّهُ تَعَالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لديننا أفَلا نَرضاهُ لدُنيانا)) (١) فإن لم يكن هَذا الأمر منه الصَّلاة والسَّلام صَريحاً في الوَصِية، فأقل مَا يكون جَعله إشارَةً إلى القضِيةِ، مَع أن المعَقول المقرر عِندَ أربَابِ العَقل المُعتبر أن الصحَابة الذينَ فدوا أنفسهم وَأموَالهم في الإيمان بالله وَمحبةِ رَسُول الله ﷺ ،لم يكونُوا مُجتمعين (٢) على الضَّلالةِ بتركِ الحَق الوَاضِح لعلي رعَايةً لأبي بكر الصدَّيق ﵁، مَع عُلو نسَبِ عَلي وَكثرةِ قَومه وَقبيلته وشجاعَته وَشوكته، وَقلة قومِ أبي بكر وَأهل حمية. إجماع المفسرين: وَأيضاً فقد ورَدَ النصّ القطعِي- وَلو كان مجملا - في [أبي بكر] (٣) رضي الله تعالى عنهُ وَعَن (٤) الصحَابةِ مجملاً (٥) بقَولِهِ: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة: ١٠٠] وَأجمعَ المفسُرونَ على أنَّ أبَا بكر [رضي اللهُ تعالى عَنِه] (٦) مِنْ السابقِين الأولينَ، وَكَذا عَلي وَخَديجةَ وَزَيد وَبلال ﵃ أجمَعِين.
следующие страницы →