← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 37559

شم العوارض في ذم الروافض

الملا على القاري

Полный текст (148 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

فشاور وزرائه وأمرَائه وعلمائه وفقهائه (١)، فقالُوا لهُ: ((هَذَا عَالمٌ كبَيرٌ وفضله كثير لا يغلبه أحَدٌ منا في الكلاَمِ، وآبائكَ وَأجدَادكَ صَنفوا (٢) في زمَان السنة، وَكانَ يجبُ عَليهم التقيَّة في هَذِهِ القضِية)) فتبعهم وَصَارَ مِنْ أهل الطغيان وَالكفران، كفرعَونَ حَيثُ شاورَ هَامَانَ، فقتله شهيداً وجَعلهُ سَعِيداً. والحاصل: أن ولدَ الخطيب (٣) الذي هوَ أستاذي الأديب، كانَ يقولُ: إنَّ زيادة التعَصب وَالعناد في هَذِهِ الطائفة اللعِينة، إنما وقعَت مِنْ تعَصبَاتِ (٤) الطبقة الأزبكية (٥)، حَيثُ إذَا رَأوا شخصاً يبتدئ في غسل الأيدِي مِنْ مَرقٍ أو مسَحَ عَلى رجلهِ (٦)، أو وَضعَ حَجراً في مَسجدِهِ قتلوُه، فعَارضَهم بأن مَنْ غسَل رجله أو مسَحَ رقبتِهِ وَأذنِهِ قَتلوُه، وكلُّ مَنْ صَلى مُرسِلاً يدَيه قتلهُ هؤلاء، فعارضُوهم بأن مَنْ صلى وَاضِعاً يَديه قتَلوُه، إلى (٧) أن زدَادَ التعَصب بَينَ الطائفتين. فَمَنْ سَبَّ الصحَابة وَلو مَكرهاً قتلوهُ، فَزادُوا عَلَيهم في القبَاحَةِ وَالوقاحَةِ،

стр. 37

بأن أمرُوا أهلَ السّنة بسَبِّ الصحَابة فَمَنْ امتنعَ عَنه (١) قتلوُه، وأشتد الأمرُ عَلى القبيلَتَين حَتى كان مَدَار العقيدَة عَلى هَذا بَينَ (٢) المَسْألتين، وَكفَّر كل وَاحِد غيره مِنْ الطائفَتين (٣). [أصل الفساد بسبب ترك السنة وفعل البدعة:] وَأصل هَذا الفساد، وَإنما وقعَ بَينَ العِبادِ وَشايَة ترك السّنة وَفعل البدعَة، حَيثُ اختارَ بَعض السلاَطين وَالأمَراء أنْ يذكر اسمهُ فَوقَ المنبَرِ عَلى ألسَنةِ الخطبَاءِ، فقِيل لهمُ لم يتصَور ذَلكَ بأن يذكر الخلفاء الأربَعة أولاً هنالك. ثم أحدثَ بنو أمية سَبَّ علي وَاتباعه في الخطبة مُدة مَعُينة (٤)، إلى أنْ أظهرَ الله سُبحانه عُمَر بن عبد العزيز (٥) [وأعز الله الإسلام به انتهاء، كما أعزَّ الله الإسلام بعمر بن الخطاب] (٦) ابتداءً، فاظهر غاية العَدَالة وَنهاية الرعَاية في الرغبَة وَالجمَالة، فأول مَا خطبَ (٧) عُمَر هذا على المنبر، حَمدَ اللهَ سبُحانه (٨) وأثنى وَشكر وَوعظ وَنصح لمن اعتبَرَ [٧/أ] ثم لمَّا وَصَلَ إلى مَوضِع سَبِّ الخطباء لخاتم الخلفاء

стр. 38

وخاتم الحنَفاء قَرأ هَذِهِ الآية: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل:٩٠] أوصيكم عِبادَ اللهِ بتقوى الله، وَنزلَ عَن المنبَرِ، فصَارَ قراءة هَذِهِ الآيَة المقررَة المعتبرة (١). سب الصحابة الكرام من أكبر الكبائر: وَحَاصِل الكلام وتحقيق المرام أن سَبَّ الصحَابة الكرَام مِنْ أكَبَرِ الكبَائرِ، بَل متضَمن أكثرهَا عِندَ أهل السَّرائرِ؛ لأنه أجتمعَ فِيه حَق الله وَحَق العَبد وَحَق رَسُوله [صَلَّى اللَّهُ تَعَالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فإنه لا يهون عليه إهانة مَن يَكُون مقرباً لديه] (٢) وَمنسُوباً إلَيه. وأيضاً مِنْ المقرر إجماعاً أن قتل النفس أكبرُ الكبَائر بَعدَ الشِركِ باللهِ تعَالى، وَقتل المؤمن متعَمداً إنما يَقع المؤمن حَال كمَال غضَبه وذهَاب عقله وَأدَبه حَتى يكاد أن يكُون مجنوناً (٣)، ثُمَّ لاَ شَك أنْ يكُون بَعد ذلَك نَادماً وَمحزوناً، وَيتَوبُ إلى اللهِ وَيتضَرع إلى مَولاه، بخلاَفِ الرّفضَة (٤) حَيثُ يسبونَ في حَالِ اختِيارهم وَوَقت اقتِدارهم وَيُصَمّمُونَ على ذلَكَ ولا يَرجعُونَ عَمّا صَدر عَنهم هُنالك إذ لم يعتقدوا قبحه، بَل يتوَهّمُونَ (٥) رجحه.

стр. 39

وَكَذَا قيل ليسَ [تقبل] (١) توبة لأهِل البدعَة؛ لأن بدَعتهم عندهم قَربَة وَطاعَة، وَأمَّا مَا ذكر بَعض المَشائخ أنهم لم يسبّوا أصحَابَ النبي صَلَّى اللَّهُ تَعَالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَإنما سبّوا جميعاً زعِموا فيهم أنهُم ظلمُوا عَلياً كرّمَ اللهُ وَجهَهُ، وَأخذوا حَقه مَعَ جَعله ﵊ وصيّه، وَليسَ هَؤلاء بهَذا الوَصف مَوجُودينَ، وَلا بهذا النعت مشهورينَ، فلا يفيدُ ذلَك وَلاَ يكُون عُذراً هنالك، كَمَا قالَ بَعض جَهَلة الصوفية أن عَبدَة الأصنام إنما عَبدُوا الملك العَلام، سَوَاءٌ عَلمُوا هَذا المعنى أو عقلُوا عَن هَذَا المبَنى، فإن الشريعَة الغراء تُبطل (٢) مثل هَذِه الأشيَاء، فنحنْ نحكم بالظاهر وَالله اعلم بالسَرائرِ. ولا يخفى أن طائفة الشيعة تغاير (٣) طَوائف المبتَدعَة الشنيعَة، لمَّا لم يتبعُوا (٤) الأحَادِيثَ وَالأخبار [٧/ب] وَحرمُوا حَقائق الأسرار وَدقائق الأنوار التي حَملَته العُلماء الأبرار وَنقلَته الفضَلاء الكبَار عَن النبي صَلَّى اللَّهُ تَعَالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بروَاية الأصحَاب وَالتابعِينَ، وَأتبَاعهم مِنْ العُلماءِ العَامِلين وَالمشائخ الكامِلين بأسَانيد عدُول ضابِطين وَثقة حَافظِين، وَقعُوا فيما وقعُوا مِنْ الخطأ والخطل وافسدوا ما عندهم مِنْ العِلم وَالعَمل، وَاعتَقدُوا مَا بَنوُه على ما طاحَوا فيه مِنْ الزلل، وَإلا فكيفَ يبغض مَنْ كَانَ صَاحِب النّبي صلى صَلَّى اللَّهُ تَعَالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الغَار، ورَفيقه في سَائر الأسفار، وَأول مَن آمَنَ بِهِ مِنْ الرجَالِ الكبَارِ. وَقد جَعله الصَّلاة والسَّلام خليفةً في مَدِينةِ الإسلام بمنصّب الإمَامة لعَامة الأنام، كَمَا أجمعَ عَلَيه العُلماء الأعلاَم، حَتى قال عَلي كَرّمَ الله وجهه في هَذا

стр. 40

المقَام: ((قَد رضيهُ صَلَّى اللَّهُ تَعَالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لديننا أفَلا نَرضاهُ لدُنيانا)) (١) فإن لم يكن هَذا الأمر منه الصَّلاة والسَّلام صَريحاً في الوَصِية، فأقل مَا يكون جَعله إشارَةً إلى القضِيةِ، مَع أن المعَقول المقرر عِندَ أربَابِ العَقل المُعتبر أن الصحَابة الذينَ فدوا أنفسهم وَأموَالهم في الإيمان بالله وَمحبةِ رَسُول الله ﷺ ،لم يكونُوا مُجتمعين (٢) على الضَّلالةِ بتركِ الحَق الوَاضِح لعلي رعَايةً لأبي بكر الصدَّيق ﵁، مَع عُلو نسَبِ عَلي وَكثرةِ قَومه وَقبيلته وشجاعَته وَشوكته، وَقلة قومِ أبي بكر وَأهل حمية. إجماع المفسرين: وَأيضاً فقد ورَدَ النصّ القطعِي- وَلو كان مجملا - في [أبي بكر] (٣) رضي الله تعالى عنهُ وَعَن (٤) الصحَابةِ مجملاً (٥) بقَولِهِ: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة: ١٠٠] وَأجمعَ المفسُرونَ على أنَّ أبَا بكر [رضي اللهُ تعالى عَنِه] (٦) مِنْ السابقِين الأولينَ، وَكَذا عَلي وَخَديجةَ وَزَيد وَبلال ﵃ أجمَعِين.

стр. 41

فبأيِّ دليلٍ مِنْ الكِتابِ أو السّنة أو إجماع الأمة يَستحق أبَا (١) بكر الصدّيق [٨/أ] شيئاً مِنْ الِملامَةِ وَالمذمةِ، وَإنما الحِكمة في ذلَكَ أن لَعنَ (٢) لاعِنيه يرجع إلَيْهم، وَيَكون سَبباً بغَضَبِ الله عليهم، وَمُوجباً لهُ في زيَادةِ الدرجَاتِ العَالِيَّة وَالمقامَات الغَاليَّة، كَمَا أن مُسَابقته في الإيمَانِ صَارت بَاعثاً لمشارَكتِهِ في ثوابِ إسلام أهل الإيمَانِ (٣). [خراسان ليست بدار حرب] وَبَهذَا الذي قررناهُ وفي هَذا المَقَام حررناه، تبَين أن خراسان ليست بدارِ الحَرب، كَمَا تَوهم (٤) بَعض الفقهاءِ، بَل دار بدعَة (٥) كَمَا هُوَ ظاهِرٌ عندَ العُلماء، وَتوضِيحه أن أكثر سُكانه على مَذهَبِ أهل السنة والجماعَة، وَغِالبهم الحنَفِية وَفيهِم بَعض الشافِعية، وإنما العَسكرية جماعَة مَعِدُودَة وشَرذمة قليلة، يَدعون أنهم الشيعَة [ولا يتحاشون عن الشنيعة] (٦). وَقد صَرحَ علماء الكلامية بأن الشيعة من الطوَائف الإسلامِية، نَعَمْ فيهم طوائف، فَمنهِم مَن يُحبّ وَلاَ يسَبّ، وإنما يفضل عَلياً عَلى البقِية، وَمنهم مَنْ لاَ يُحب وَلاَ يسَبّ [زعماً منهُ أنهُ عَلى الطريقة النقِية، وَمنهم مَنْ يسَبّ] (٧) وَلاَ

стр. 42

يَستَحل السَبّ، وإنما يشتم عِندَ الغضب، وَمنهم مَنْ يستَحل وَيستبيح (١) وَلاَ يُبَالي مِنْ العتَبِ، وَمنهم مَنْ يَعد السَبّ قربة وَطاعَة وَيجعَلهُ وَظِيفة وَصنَاعة. وَلقد سمَعت عَن سَيدي وسَندي في عِلم التفِسير، الشيخ عَطيّة المكي السّلمي (٢): أن خارِجياً مِمن يزعم أنه مِنْ الفضلاءِ العُلماءِ (٣)، كَانَ ورده سَبّ علي كرم الله وَجهه ألفَ مَرة، بَين صَلاة الصّبح وصَلاة العشاء، فسُبحانَ مَنْ خَلقَ في ملكه مَا يشاء. وَقد وَرد: ((لا تسبَوا الشيطان وَتعَوذوا بالله مِنْ شرِهِ)) (٤) وَفيه تنبيه نبيه عَلى الترقي مِنْ حَال التفرقة المعَبر عَنها بالأبنية إلى مَقامِ التوحيد الصّرف وَالجمعية، وَالحمدُ لله عَلى مَا أعطاني مِنْ التوفيق وَالقدرَة عَلى الهجرة مِنْ دَار البدعة إلى خير ديار السّنة، التي هِي مُهِبط الوحي وظهِور النبوة، وَأثبتِني عَلى الإقامَة مِنْ غَير حَول مِنّي ولا قوة. وَمع هَذا أكَره رُؤية هَذِهِ الطائفة الرديئة خصُوصاً عندَ طوافِ (٥) الكعبَة [٨/ب] الشريفة العَلية، مَع أنهم كالمنَافقِينَ في مَقام التقيّة، وَالتسَتر فيمَا بَينَ الجمَاعَة الشافعِية التقيّة حتى يسمعُوا الشافعية، وَبهذَا المُوجب اشتبَه، قالَ بَعض الشافعِية [عند السادة الحنفية لكن الفرق الشافعية] (٦) يقبضونَ أصابعهم

стр. 43

وَيشرون بالمسَبحة (١) عندَ التشهّد (٢)، كَمَا هُوَ المعتمد في مَذَهبَنا (٣)، بخلاف الشيعَة (٤)، فإنهم تركُوا هذِه السنة مِن سُنن الشريعَة مخالف لمِذَاهِب أهل السنة وَالجماعَة البديعَة المنيفة (٥). وَمِنْ عَلاماتهم في الطواف أنهم يوسوسُونَ (٦) في ابتدائِهِ، ويحرفونَ (٧) عَن الكعبَة حَالَ إنشائه، ثم في الشوط السابع قبل انتهائه يقفُونَ منحرفين في المستجار، نعوذ بالله من حال أهل النار. هذا وَإذَا تبَين لَكَ (٨) أن خرَاسَان مِنْ دَارِ البدعة لاَ مِنْ دَار الحَرب، ظهر بُطلاَن مَا يفعَله الأزبك في حقِهم مِنْ قتِلِ العَام وَعدم التمييز بَين الأنَامِ، وَسَبي نسَائهم وَذرَاريهم في تِلكَ الأيام، إلى أن وَقع النَّاسُ في كفر ظاهِر مِنْ استحلاَل فروُجهن وَاستخدَام أولادهن. وَأغرب من هذا أنهم فعلوا مثلَ هَذَا في بلاد أهِلِ السّنة، مثلَ تاشكنة (٩) وَغَيره مقام العلماء وَالسّادَةِ، حَتى بَاعُوا في سُوق بخارى بنت الأمير سَيف الدين (١٠)، كانَ

стр. 44

سَيداً وَمُفتياً وَصَالحاً مِتقياً بَعدَ حُكم سُلطانهم بقتل (١) عَامة البلَد، حَتى النسَاء وَالأطفَال وَالعُلمَاء وَالمَشائخ والسَّادَات وَأربَاب الأحَوال، لذَنب وقعَ مِن (٢) بَعضِ العَسَاكر الجهالِ فإنا لله وإنا إليه رَاجعُونَ، كيفَ يدعونَ الإَسلام وَيفعَلونَ هَذِهِ الذنوب العِظاَم. وَقد ذَكر ابن الهمام (٣): أن مَن فتح قَلعَة مِنْ بلاد أهل الكفر وَكَانوا ألُوفاً مُجتَمَعة، وَيقال إن فيهم وَاحِداً مِنْ أهل الذمة لاَ يَجُوز قتلهم على العُموم. مسألة سلطان الزمان: وَأغرب مِنْ هَذَا أن بَعْضَ العَوام يسمّونَ سُلطاَنهم عَادلاً، وَقد صَرح عُلماؤنا مِنْ قبل هَذا الزمَان أن مِنْ قالَ سلطان زمَاننِا عادلاً فهو كافر، نَعَمْ هُو عَادِل عَن الخلِق [٩/أ] كَمَا قَالَ تعَالى: ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ وَقد ظهرَ الفسَاد في البر وَالبَحر بما يَعملونَ، ولكن (٤) قَد وَردَ: ((لاَ تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ حَتَّى يَأْتِيَهُمْ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ ظَاهِرُونَ)) روَاهُ الشيخان عَن المغيرة (٥).

стр. 45

ثُمَّ إنَّي لم أقلْ بكفر الطائفة الأزبكية، كَمَا قالَ بعض العُلماء الحنفية، فإنهم - وَإن فَعلوا مَا فَعَلوا - لم يعرف مِنْ بوَاطِنهم أنهم مِنْ المستبيحِينَ لِذلَكَ، أو مِنْ المستقبحِينَ لما هنالك، فالسكَوت عَنهم أيضاً أسَلم، والله سُبحانه اعلم. مسألة: هل معك دليل ظني على كفر الرفضة ؟ فإن قلت: هَل مَعَك دَليل ظني عَلى كفر (١) الرفضة؟ قلتُ: نَعَمْ أمَّا الكتاب فَمنه قوله تَعَالَى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ﴾ الآية [الفتح: ٢٩] فإنه يشير إلى تكِفيرهم (٢) مِنْ وَجهَينَ: أحَدُهما: أنَّ الله بيّنَ أن النبي صَلَّى اللَّهُ تَعَالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأصحَابه وَأتباعه وَأحبَابه، مَذكورونَ (٣) في الكتب السالفِة مِنْ التوراة وَالإنجيل بما بينه مِنْ طَريقِ التمثيل، ثُمَّ ذكرَ وَعدهم بأن لهم مَغفرة وَأجراً عَظيمًا في العُقبَى لما أصَابهم مِن المَحن والبَلوى في مَحبة المَولى وَطريق المُصطفى في الدنيا، فمَنْ أبغضَهم يكون شراً مِنْ اليَهودِ والنصَارى؛ لأنهم قائلونَ بأن أفضلَ الخلق أصحاب مُوسى وَعيسَى، ولا شك أن الخلفاء الأربَعة هُم السّابقونَ الأولوُن مِنْ المهاجرينَ، وَقد قالَ الله تعَالى في حَقهم: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة: ١٠٠] ثُمَّ قوله سُبحانَه في الآيةِ السابقةِ: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً﴾ [الفتح: ٢٩] (٤) بلَفظ ليسَ لإخراج بَعضهم -

стр. 46

كَمَا زَعَم الرفضة - فإن (مِنْ) لِلبيَانِ لا لِلتبعِيض المنافي لمقام المنَّة (١). وثانيهما: أنه فسّر قوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ [التحريم: ٨] (٢) بأبي بكر الصّديق ﵁ (٣)، الذي رزق التوفيق بكوَنِه مَعَه في الدار وَالغار، وَفي سائر الأسفار إلى أن دُفن مَعه في بَرزَخِ داَر القرار، وَقد قالَ سَيد الأبرار: ((إنه يحشر أبو بَكر في اليَمين وَعُمر في اليسارِ [٩/ب] ﵄) (٤) وَهكذا يَدخل مَعَهُما في الجنَّة بإذن الملك الغفار. وَفسّر: ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ﴾ بعمر بن الخطاب (٥) الفاروق، المبَالغ في الفَرق بَينَ الخَطأ وَالصّوَاب (٦) المبين لقبه في الكتاب، حَيثُ قتل المنافق الذِي ما رَضي لحكم النبي صَلَّى اللَّهُ تَعَالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لليهَودي في فَصْلِ الخِطاب (٧).

стр. 47

وَفسّر: ﴿رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ بعثمان بن عَفّان، الذي استحى مِنْهُ مَلائكة الرحمَن، وَالذِي رزق الحَظ بالسرورَين (١) في تلقِيبه بذِي النورين، حَتى مِنْ كَمال رَحمه عَلى رَحمه له مَا جَرى في أنواع البلوى (٢). وَفسّر: ﴿تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً﴾ يِعَني (٣) المرتضى، وَابن (٤) عَمِّ المصطفى، وَزَوج البتول الزّهراء (٥)؛ لكثرة ركوعه وَخشوعه، ولإطَالِة سُجودِهِ مَع كمال كرَمه وَجُوده (٦)، حَتى جَادَ في حَالِ ركوُعهِ، وَفي مقام (٧) شُهوده كَمَا يشير إليه قوله تعَالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ

стр. 48

الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ [المائدة: ٥٥] (١) وَالتعبير بصِيغةِ الجمع: أمَّا تَعظيماً لشأنِه وَحَاله (٢)، أو تنبيهاً عَلى أن المراد هُوَ مَع أمثاله في تحسِين أقواله وَتزيين أفعَاله وَأحَوالِهِ (٣). تفسير قوله أشداء: وَالمقصُود أن قوله سبحانه: ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ﴾ [إشعاراً بأنه كان شديد

стр. 49

على الكفار الأولين فكذا على الكفار] (١) الآخرين، فإن شِدة الرّفضة في حَقِهِ مِنْ الأمر الظاهِر الذي لا ينكرهُ إلا المعَاند المكابر، حَتى يقولَ أحَدهم مَا حب عمري (٢) لتجنِيسه بعمري، وَيقوي هَذَا المَعنَى مَا رَتبهُ سُبحانَهُ عَلى وَجِهةِ التَمثِيل مِنْ تعِليل المبنى بقِولِهِ: ﴿لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ وَمَنْ في مَعناهُم مِنْ الفجّار. وَيؤكد هَذَا التحقيق مَا وَرَد في حَقِّ الصديق: ((أبى الله وَالمسُلمُون إلاَّ أبا بكر)) (٣)، وَذلَك عِندَ منصبِ الإمَامة المشير إلى صحة الخلاَفة (٤)، فمن أباه بعد أن النبي صلى الله [تعالى] (٥) عليه وسلم أجتبَاه، لا يكونُ دَاخِلاً في أهل الإسلام، [وَيكون خارجاً] (٦) عَن مقامِ الإكرام، وَهذا كَانَ سَبَب إجماع الصحَابة عَلى خلاَفِته، وَعدَم الالتفات إلى مَنْ توقفَ في إطَاعَته [١٠/أ] حَيثُ قالوا: ((رَضيَهُ ﵊ لِديننا، أفَلا نَرضَاهُ لِدُنيَانا؟)) (٧) وقد صح

стр. 50

أيضاً [عن] (١) علي (٢) هذِهِ المقَالة في تلك الحَالة. [منع الفيء عن من سب الصحابة:] وَمِنه قَوله تعَالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ﴾ [الحشر: ٨] إلى قَوله: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّأُوا الدَّارَ وَالأِيمَان﴾ [الحشر: ٩] إلى أن قال: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا﴾ الآية [الحشر: ١٠] (٣) فإن الله تعالى قسَم الفيء المأخذ مِن الكفار بين ثلاث طَوَائف: المؤمِنين الأبرَار وَبَدأ بالمهاجرين وَالأنصَار، ثُمَّ ختم بمَنْ بَعدهم مِنْ التَابِعيَن، وَمَنْ بَعدهم مِنْ سَائر المؤمِنيَن أجمعين إلى يوم الدين، بوصف أنهم: ﴿يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاّ ًلِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحشر: ١٠] (٤).

стр. 51

فخرج هَؤلاء الطائفة مِنْ بَين المؤمنين؛ لأنهم [لم] (١) يَستغفُروا للسَّابقينَ المُوقنِيَن، بَل جَعَلُوا غِلهم في قلوبهم حَتى عَكسُوا (٢) القضِية، وَبدلُوا طلب المغفرَة وَالرحمة بالسَبِّ وَالمذمةِ (٣)، بَل بَنُوا مدَار مَذهَبهم عَلى اللعنَةِ، وَمَا أحسَن قَول بَعض أهلِ الفطنة: لعن الله عَلى مَذهَب مَدَاره عَلى اللَعنةِ وَالطعنة، مَع أن لعنهم يَرجع إلَيهم في العَاقبَة، وَيكُون سَبَب زيَادَة الرحمة للِصحَابة، كَمَا رَواهُ ابن عَسَاكر عن جَابر بن عَبد الله ﵃ قَالَ: ((قيل لعَائشة: إن ناساً يتنَاولون أصحَاب رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتى إنهم يتنَاوَلُونَ أبَا بكر وَعُمر، فقالَت: أتعجبُونَ مِن هَذا؟! إنما قطعَ عَنهم العَمل فأحبَّ الله أنْ لاَ ينقطع عَنهم الأجر)) (٤). [الدليل من السنة على كفرهم:] وَأمَّا الدليل مِنْ طريق السنة عَلى كفرهم في مَقامِ العِنَاد، فَقد وَردَ في أخبارِ الآحَاد مَا يصلح الجملَة للاسِتناد بالاعتماد، وَلو كَانَ بغالِب الظن في بَابِ الاعِتقادِ؛ لأن أصل [تفصيل] (٥) هَذه المَسْألة مِن تَفضِيل الصحابة، بَل تَفضِيل

стр. 52

الأنبياء [عَلى بَعضهِم] (١)، وَتَفضِيل الملائكة عَلى البَشر ونحوه، مِنْ بحث الإمَامَة [١٠/ب] والخلاَفة كلها مِنْ الظنيات الفَرعيات المُنَاسب ذكرها في المَسَائل الفقهياتِ، لأن مَدار الاعِتقاد عَلى الدلالاَتِ القَطعِيات، إذ مِنْ المعَلُوم أنه لَو وَجدَ شخصٌ وَلم يعلم تفصِيل (٢) هَذِهِ الحالاَتِ، لم يحكم بكفره ولا ينقصُه في مَقام الديَاناتِ، وَلقد أخطأ خطاءً فَاحشاً مَنْ عَدَّ مثل هذِهِ الأمور المذكورة مِما عُلم مِن الدين بالضرورَة (٣). فَمِنها مَا وَردَ عَن علي كرَّمَ اللهُ وَجهَهُ قالَ رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ تَعَالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((سَيَأتي قَومٌ لهَمُ نبزٌ (٤) - أي لقب - يقال لهم الرّافضَة إن لقيتهم فاقتلُوهم فإنهم مُشركونَ، قلتُ: يَا نبي اللهِ مَا العَلاَمةِ؟ قال: يفرطُونك بَما ليسَ فيكَ وَيَطعَنونَ عَلى أصحَابي وَيشتمُونَهم)). رَوَاهُ ابن [أبي] (٥)

стр. 53

عَاصِمِ (١) في (السنة) (٢) وَابن (٣) شاهِين (٤). فهَذَا الحَديث يَدُلُ عُلى أن بَاغِض عَلي وَسَائر الصحَابة كَلّهم رَفضة، وإن اختصَ بَاغِض عَلي بالخَوِارِجِ بخرُوجهم (٥) عَلى عَليّ وَقتَ الفتنَة، وَذلَك لأن الرفض بِمَعنَى الترك لغةً، ثُمَّ نُقلَ إلى تركِ مَحَبة الصحَابة، فلاَ وَجه لتِخصِيص سَبِّ الشيخين للكفر (٦)، إلا لِكُونهما زيَادَة في الفَضِيلةِ بناءً عَلى قول جمهُور أهل السّنة؛ لأن أبا بكر أفضَل، وَقيل عُمَر وَهوَ (٧) المسمّى بالفارُوقية، وَقيل عَباس وَهم طائفة مِنْ العَباسِية [يقال لهم الراوندية (٨)، وَقيل عَلي وَهُم الإمَامِيَّة] (٩)، وَقالَ بَعض المتكلِمينَ باِلسوية، وقال بَعضهم إلى التوَقف في القضِية أو (١٠)

стр. 54

الفُضيلة، إن كانت بَمعنَى أكثرية المَثوبَة فهي غَيَر مَعْلُومَة لنَا، وإن كَانتَ بمعنَى أكثرية العِلم وَالِحلم فالأدلة فيه مُتعَارضَة عندَنا. وَاختلف هل عُثمان أفضَل أم عَلي؟ وَمَال الأكثر إلى الأول وَجمعَ إلى الثاني، وَالقولان مَرويّانِ عن (١) إمَامنا الأعظم وَالله سبحانَه [وتعالى] (٢) أعلَم. وَهذَا وَقد ذكرَ الكردري (٣) في (مَناقِب أبي حَنِيفةَ) (٤) قال: إنَّ مَنْ اعترفَ بِالخلافَةِ وَالفَضيلة للِخلفَاء، وَقالَ أحبّ عَلياً أكثر لاَ يؤاخذ (٥) إن شاء الله تعالى؛ لِقوله عَلَيه [١١/أ] أفضَل الصَّلاة وَالسّلام: ((اللَّهُمَّ هَذِهِ قِسْمَتِي فِيمَا أَمْلِكُ فَلاَ تُؤَاخِذْنِي فِيمَا لاَ أَمْلِكُ)) (٦).

стр. 55

[التفضيل] فيما عدا العشرة المبشرين بالجنة: وَأغربُ مِنْ هَذَا كله قول طائفة - مِنهم ابن عَبد البَر المالكي (١) -: ((إنَّ مَنْ توفي مِنْ الصحَابة حَال حَيَاته أفضَل مِمن بقي بعدهما)) (٢)، وَلعَله محمُول على مَا عَدا العَشرة المبشرة، وَممن كَمل في صِفَاتِهِ وَأمنَ الفتنة في وَقتَ وَفاتِهِ. وَقالَ بَعض المَشائخِ: إن عَلياً في آخِر أمره وَانتهاء عمره، صَارَ أفضَل مِن أبي بَكر الصدّيق وّغَيره؛ لِزيادةِ المَكاسِبِ العِلِميَّة وَالمراتب العَملية (٣). فهَذا الاختلافُ بَيْنَ هَذِهِ الطَوَائفِ الإسلامية دَليلٌ صَريحٌ عَلى أن مَسْألة التفضِيل لَيْسَت مِنْ الأمَور القطعِية؛ لأن الأحَادِيث المَروية - مَع كَونها ظنية - مُعترضة مَانعَة مِنْ كَونها مِن الأمُور اليقينِيّة، عَلى أنه لَيْسَ فِيهَا تَصريح بأن الأفضَلِية من أي (٤) الحَيثية، ليعلم أنه بِمَعْنَى الأكثَر ثواباً عِندَ اللهِ في العُقبَى، أو بِمَعْنَى الأعِلَميَّة باباً عِندَ الخلقِ في الدنيا، فترك الفَوز (٥) في هذه المبَحث هُوَ الأولى؛ لأن المدُار عَلى طَاعَة المَولى؛ وَلقوله تَعَالى: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا

стр. 56

كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلا تُسْأَلونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [البقرة:١٣٤] أي بَل تُسْأَلونَ عَن تَحسِين أعمالكم وَتزيين أحَوالكم (١). وَلقولِهِ الصَّلاة وَالسَّلام: ((إنَّ مِنْ حُسْنِ إِسْلاَمِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لاَ يَعْنِيهِ)) (٢). فَقد حُكي أن بَعض الصَّوفية لمَّا سمع الحديث قال: كفاني. وَهَو نظير صحَابي قرأ عَلَيه ﷺ قوله تعَالَى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧ - ٨] [فقال: حَسبي] (٣). وَقد ورَد عَنه الصَّلاة والسَّلام أنه قَالَ: ((إني أعلَم آيةً لو عمل (٤) بها جَمِيع الخلّق لكفتهم: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ

стр. 57

وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ﴾ [الطلاق: ٢ - ٣])) (١)، وذلك لأن مَن اتقى (٢) الله عَلمُه الله مَا يَأمرهُ وَنهاه، كَمَا يُشِير إلَيه قوله تعَالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢]. وَقد وَردَ: ((مَنْ عَمل بما عَلم وَرثه الله عِلم مَا لم يعلم)) (٣). وروي [١١/ب]: ((مَا أتخذ اللهُ وَلياً جَاهِلاً وَلو اتخذَه لعَلمَهُ)) (٤) أي بالعِلم الكَسِبي، أو العِمل اللدُني الوُهِبي، كَمَا يشير إليَه قوله : ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدىً وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ [محمد:١٧]. وَعَن زفر (٥) أن الإمام سُئل عَن عَلي وَمَعاوية وَقتلى صفين، فقال: ((إذا

стр. 58

قدمت عَلى الله يَسألني عَما كلفني وَلاَ يَسألني عَن أمورهم)). وروي أنه قالَ: ((تلكَ دماء طهّرَ اللهُ مِنْها سناتنا (١) أفلاَ نطهر مِنها لسَاننا؟!)) (٢) وَفي روَاية قرأ تلك الآية (٣). وَإنما بنيت هَذِهِ المسألة المعضِلة (٤) لمَا فيها مِن العَوارض المشكِلة المحتَاجَة إلى الأقِوالِ المفصَّلةِ، وَمما يَدُل عَلى عَدَم قطع الأفضَلِية مَا صَدرَ عَن عُمر في الشورَى، حَيثُ جَعَلَ الأمر لأحَدٍ مِنْ الستة، فإنه لو كَانَ أفضَلية عثُمان أو عَلي قطعيَّاً، لَكانَ تعين للخَلافةِ بالأولوية، مَع أنه يجوز صِحة الخلاَفة بشرائطها الشرعيّة في المفضول إجماعاً، خِلافاً لِطَائفةِ الشيعَة في أكاذيبهم الشنِيعَة. وَمنها مَا [روي] (٥) عَن عَلي أيضاً قال: قال رَسِول الله صَلَّى اللَّهُ تَعَالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((يا علي ألا أدلك عَلى عَمل إذَا فعلته كَنت مِن أهل الجنةِ - وَإنكَ مِن أهل الجنة - إنهُ سَيَكون بَعدِي أقوَامٌ يقال لهم الرافضَة، فإن أدركتهم فاقتلهُم فإنهم مُشركون وَقالَ عَلي: سَيَكونُ بَعْدَنا أقوامٌ ينتحلونَ مُودتنا تكونُونَ عَلينَا بارقة، وَآية ذلَك أنهم يَسبُّونَ أبَا بكر وعمر ﵄) (٦) رَواهُ خثيمة بن سُليَمَان الطرابلسِي (٧) في (فَضائل الصحَابة)

стр. 59

وَاللالكائي (١) في (السنة). وَفي روَاية لَهُ [عنه] (٢) أيضاً: ((يكون في آخِر الزّمَانِ قومٌ لهم نبز يسمّونَ الرافضِة يَرفضُونَ الإسلام، فاقتلُوهم (٣) فإنهم مُشركُونَ)) (٤) أي كالمشركينَ في الخروج عَن كمالِ دِينِ المُسلِمينَ، أو أطلق وَيُرَاد بِهِ للِزّجر وّالمبَالغَة في التهدِيد وَالوعيد، وكَذَا قوله (٥): ((يَرفضُونَ الإسلام)) أي بَعض مَا يَجبُ عَلَيهم مِنْ الأحكام. وَمنها عَن عَلي كَرّم اللهُ وَجهَه أن النبي صَلَّى اللَّهُ تَعَالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالَ لهُ: ((إن سَرك (٦) أنْ تكُون مِن أهلِ الجَنَّةِ، فإن قوماً ينتحلُونَ حَبكَ يَقرؤونَ [١٢/أ] القرآنَ لاَ يَجُاَوز تراقيهم، لهم نبزٌ يقال لهم الرافضَة، فإن أدرَكتهم فَجاهِدهُم فإنهم

стр. 60

مُشركونَ)) (١). رواه ابن بشران (٢) وَالحاكم (٣) في (الكنى). فَهَذِهِ الأحَادِيث وَإن كَانت أسَانيدهَا ضَعيفة، لِكن يتقوى بَعضها بَبعضٍ، فتَرتقي إلى دَرجَةِ الحِسَنِ، الذِي يَصِح الاستدلال بِهِ في الأمُورِ الظنيّة الفقهيّة، فيَقتل السّابُ للِصحَابة مِنْ الطائفة الخَارِجَة وَالرّافضَة، وَإنما قلنا بِطريقِ السَياسَة العُرفيَّة الفرعيّة (٤)، لاَ بِطَريقِ الأصَالةِ مِنْ الأمَور الشرعية؛ لِئلاَ يُخَالف القواعِدِ الكليَّة الثابتة مِن الكِتاب وَالسنة النبوية، أنه لا يقتل أمرؤٌ مُسلم إلاَّ بِإحدى ثلاث: قتل النفس بِالنفس، وَزنا بإحصان وَارتدَاد. وَالسيَاسَة وَاردَة في الأخبَار وَمشاهِير الآثار، وَمِن جُملتها تَغرِيب العَام للزاني وَقطع يَدِّ النبَاش وَأمثالهما، وَمنها قتل تارك الصَّلاة في مذهب الشافِعية، فانَدفعَ اعترَاضهم عَلى الحنَفِية في قتل الرّفضَة، حَيثُ وَهمُوا أنهم لَيْسَ لَهُم دَليل في ذلَكَ، وَلم يحقق مَا قدمنا هنالكَ. وَيُؤخذ مِنْ هَذِهِ الأحَادِيثِ أيضاً جَواز مقاتلة الأرفَاضِ، وَيؤيدهُ مُقاتلة عَلي للخَوارج في حَالِ الاعتراض (٥)، إلاَّ أنه يُعَامل مَعَهم مُعَاملة عَلي مَع أمثالِهم مِنْ عَدم سَبي نِسَائهم وَذرَاريهم، وَعَدم التعَرض لإِفرادِهم بَعدَ فَراغ قتالهم وَدخُولهم في

стр. 61

الإطاعَة، كَمَا حَققَ هَذِهِ الأمُور جَميعاً في مَحالها المفصلة في بَيان أحوالهم. وَمنها عَن عَلي ﵁ قَالَ: قَالَ ليّ النبي صَلَّى اللَّهُ تَعَالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((أنتَ وَشيعتك في الجَنَّة، وَسَيَأتي قَومٌ لَهُم نبزٌ يُقَال لَهُم الرّافضَة، فإذا لقيتمُوهم فاقتلُوهم فإنهم مُشركونَ)) (١) رَواه أبو نُعيم (٢) في (الحلية) والخَطِيب (٣) وَابن الجَوزي (٤) في (الوَاهِيات) (٥)، وَفيه: محمد بن حَجر (٦)، ثقة غالٍ في التشِيع رَوى [له] (٧) الشيخَان (٨)، وَلاَ شبهة أن شيعَته كلُّ مَنْ شايعه في

стр. 62

سُنته (١)، وَتابَعهُ في طِريقتهِ وَسيرتهِ المطابقة لمَا هِيَ عَليه النبي وَأصحَابه [١٢/ب] في ظَاهِره وِسريرَتهِ، وَيقويه قَوله تعَالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [الأنعام:١٥٩]. ويؤيّدُه مَا رَواه الدينُوري (٢) عَن المدَائني (٣) قَالَ: نَظَرَ عَلي بن أبي طَالب إلى قومٍ ببابه، فقال لقنبر (٤): ((يَا قنبر (٥) من هؤلاء؟ قَالَ: هَؤلاءِ شيعَتكَ، قَالَ: وَمَا ليَّ لاَ أرى فيهم سيما (٦) الشيعَة؟ [قال: وما سيمى الشيعة؟] (٧) قال: خَمْص البُطون مِن الطوى (٨)، يبسَ الشفاه من الضمأ، عش العيون مِن البكاء)) (٩).

стр. 63

وكأنه ﵁ وَكَرّمَ وَجهُهُ أشارَ إلى تفِسير قَوله تعَالَى: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ [الفتح: ٢٩] وقوله سبحانه﴾ وتعَالى في حقِّ أهِل الصفة: ﴿تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لا يَسْأَلونَ النَّاسَ إِلْحَافاً﴾ [البقرة: ٢٧٣] وقوله سبحانه ﴿(١) وتعالى في حق المنافقين: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ [محمد: ٣٠] (٢). وَمِن اللطائف مَا وَقعَ مِن أربَابِ الظرائف، وهو: كَانَ سنياً (٣) في غايَة مِن حسن الصّورة وَنور البَصِيرة، لِكنُه مُولع بالفِسقِ مِن شرب الخَمرِ وَغيرها مِن الأمُور الخطيرة، وَهَو مِن ندماء الشيعَي مِن الأمرَاء، فَذَكرَ في مَجلسِهِ بيَان أمَارَات الأتقِيَاء وَعَلامَات الأشقِيَاء، فَقالَ السَّني: ((أنا مِن فسّاق أهل السّنة وَانظروا في وَجهي مِن سِيما نُور أهل الجَنة، وَأبصروا في طلعَة الحسَامي وَغاظ (٤) الشيعَة وَاتقِيَائهم عَلى مَظِنتهم الشيعَة تروا عَلَيه مِن غبر (٥) الظلَمة المشَاهدة، على أنه من حملة الظلَمة)). ولعَلهُ أخَذَ هَذا المعنى اللطِيف وَالمبَنَى الظريف مِن قوله تعَالَى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ أُولَئِكَ

стр. 64

هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ﴾ [عبس: ٣٨ - ٤٢]. وَقدَ ورَدَ: ((كَمَا تعِيشونَ (١) تموتون، وكَمَا تموتوِنَ تحشرونَ)) (٢). وَقد صحَ: ((أن الظاهر عنَوان البَاطِنِ)) (٣). وَهِذا أصل في بَابِ الفراسَة (٤) وَكتَاب الكيَاسَة، وَقد قَالَ تعَالَى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ [الحجر: ٧٥] أي المتقين. وَفي الحَديث: ((اتقوا فراسَة المؤمن، فإنه ينظر بنورِ الله)) (٥) وَهذا قد يَكون بأمَارَات الظاهِرية، وَقد يكُون بِعلامَة بَاطِنية تتجَلى عَندَ أصحَاب نتِكشف لأربَابِ الأبصار [١٣/أ] والبَصِيرة (٦) وَالأسرَار.

стр. 65

وَمنها مَا [روي] (١) عَن جحيفَة (٢) سَمعت: عَلياً عَلى المنَبر يَقول: ((هَلكَ فيّ رجُلان مُحِبٌ غالٍ، وَمُبغضٍ غالٍ)) (٣) رَوَاهُ العشاري (٤) في (فضائل الصديق) وَابن أبي عَاصم (٥) وَاللالكائي (٦) في (السنّة). وَفي روَاية لاِبن أبي عَاصِم عَن علي قَالَ: ((يهلك (٧) فينا أهل البيَت فَريقان: مُحب مطرٍ وَباهت مفترٍ)) (٨) وَالإطراء: هو المجاوزَة عَن الحَدِّ في الثنَاءِ، وَالبَاهتُ: هُوَ الذي يَأتي بِالبُهتان علَى طَريقِ الافِتراء. وَفي رواية أخُرى لهُ عَنهُ قال: ((يحبني قَومٌ حَتى يدخلهُم حبّي النَّار، وَيبغضني

стр. 66

قومٌ حَتى يدخِلهُم بغضي النار)) (١). وَفي روَاية أخَرى عَنهُ - ورواية الأصبهاني (٢) في (الحجة) (٣) عَنهُ أيضاً - بلفظ: ((يهلكُ (٤) فيّ رَجَلانِ مُحبٌّ مُفرطٌ، وَمُبغضٌ مُفرطٌ)) (٥) ولا شك أن المحب الغالي هُوَ الرّافضَي، والمُبغضُ الغالي هُوَ الخَارِجي. وَأمَّا السنّي: فَمُحبٌّ لعَليٍّ في المقام العَالي؛ لأنه في الوسِط الذِي هو القسط الذي أشَارَ إلَيهِ قَوله تعَالَى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً﴾ الآية (٦) [البقرة: ١٤٣] وتحقِيقه أن خيرَ الأمُور أوسَطها، وَهَذا يجَري في الاعِتقاد، وَفي الأفعَال وَالأخلاق وَسَائر الأحَوالِ، كَمَا لاَ يخفَى عَلى أربَاب الكِمال، فإن مَدَار التوحيد عَلى التوسّطِ بَيْنَ التشبيه وَالتنزيه، كَمَا في الآيَاتِ وَالأحَادِيث المتشَابهاتِ، [وكقولهم] (٧):

стр. 67

لا عَينَ ولا غَير في تحقيق صفَاتِ الذاتِ كَذَا مَذهبهم (١)، وَبَيْنَ (٢) المعَطْلةِ وَالمجسّمة وَبَينَ القَدرية والجَبرية وَبَيْنَ الرفض وَالخروج. وَكذا يعتَبر التوسط في استحِسَانِ الأخلاق كالشجاعَة، فإنهُ حَالة بَيْنَ التهوّر وَالجُبن، والسّخاوَة بَيْنَ التبذِير وَالبُخل، وَالتواضع بَيْنَ الكِبر وَالمهَانة وَنَحوها عِندَ مَن يعرف عِلم الأخلاق، وَيفرق بَيْنَ الخَسَّة وَالذميمة، وَقد قال تعَالَى في عِلم المعَاشِ: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً﴾ [الفرقان: ٦٧].

стр. 68

ما عال من اقتصد: وَفي [الحديث] (١): ((الاقتِّصَادِ نِصف المعِيشة)) (٢) وَفي روَاية: ((مَا عَال مَنْ اقتصَد)) (٣) وَقال تعَالَى: ﴿وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ [١٣/ب] ذَلِكَ سَبِيلاً﴾ [الإسراء: ١١٠] وَقالَ تعَالَى حِكايةً عَن وصَية لقمَان: ﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ﴾ [لقمَان: ١٩]. فإذا عَرفتَ ذلَك عَلمتَ أن شِيعَة عَليٍّ ليسَ إلاَّ أهل السّنة هنالكَ، فإن غيرهم إمَّا مُبغضٌ مُفرطٌ كالَخوراجِ، حَيثُ سَبوه وَلعَنُوهُ وَكفَّرُوه وَحَاربُوه، وَإمَّا مُحِبٌّ مُفرطٌ كالرّوَافِضِ، فإنهم فَضلُوه عَلى غَيرَ النبّي صلى الله تعالى عليه وسلم مِن سَائرِ الأنبيَاء وَالرسُل الأصفِياء، كَمَا يُنادي منَاديهم: ((مَا بَيْنَ الأرضِ وَالسماء محمد وَعلي خير البَشر)) (٤).

стр. 69

وَهَذَا مَع كَونه بدعَة قبيحَة في إدخَالهِ بَيْنَ كَلماتِ (١) الأذان، كلمة كفر فيها فضِيحَة عِندَ الأعيَان، بخِلاِف بدعَتهم في قولهم (٢): ((حَي عَلى خير العَمل)) فأمرٌ سَهلٌ، حَيثُ يَصِحّ في المعنَى، وَإن لم يرد في الآذان هَذَا المَبنى (٣)، مَع أنه مُستدرك مُستغنى عَنه بَعْدَ قَولهُ: ((حَي عَلى الصَّلاة، حَي عَلى الفَلاح)). ثُمَّ بَالغَ طائَفةٌ مِنهم فكفرّت أبَا بكر لأخذه حَق عَلي وَمخالفَته، وَكفرّت عَلياً لِسكوتِهِ عنه وَرضَائه بموَافقتِه، وَنَفُوا جَواز التَقيَّة، فإنها لَو كَانَت جَائزة لكانَ أولى أن يقاتل (٤) مَع مُعَاوية بهَذِهِ القَضِية، فإنه كانَ أكثر جنُوداً مِنْ الصديق، وَأكبَر قَبيلَة مِنُه عِندَ التحقِيق. ثُمَّ بَالغ طَائفة منهم في محبّته حَتى فَضلتهُ عَلى النبي وَسَائر أمتِهِ (٥)، كَمَا اشتهر عَن بَعضِ شعرَائهم المعتَبر عند كبرائهم أنه قَالَ: لم يَكن غرض مَن كسرَ الأصنامَ

стр. 70

إلا أنه يُوصلُ المصُطفى كتفه إلى قَدم المرتَضى وَيتشرف في ذلَكَ المقَامِ إلاَّ عَلي (١). وَمضمون هَذَا البيَت مَشهُور الآن في المكان ويقرؤونه وَينقلونَهُ وَيستَحسُنونه، وَلم يعرفُوا مِن كَمال حَماقَتِهم في مَرتبَة العَقل وَجَهالتهم في مقام النقل أن كسرَ الأصنام فرض في دِين الإسلام، وَأنه قط لم يفضل وَليٌّ عَلى نَبي في شيء مِن الأحكام. ثُمَّ بَالغَ طَائفة مِنهم في سِوء الاعِتقاد مِن جَعل النبي وعَلي في الإيجاد بوَصفِ الاتحادِ في المَعنَى، وَلو تَغَاير في المَبنَى (٢). ثُمَّ بَالغَ طائفة مِنهم فَقالُوا [١٤/أ] أخطأ جِبريل في إيصَال التنزيل، حَيثُ أنزلَه عَلى النّبي [صَلَّى اللَّهُ تَعَالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ] (٣) وَغَفل عَن عَلي، وَيسمّونَ هَذِه الطائفة بالغِرابية حَيثُ توهمُوا أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم يُشَابه عَلياً في كمال الصورَة، بحيث يتوهم الاتحاد حَال الضرورَة (٤).

стр. 71

وَمَن عَرفَ شمائله ﵊ في الخَلق وَالخُلق، عَرفَ أنه لاَ مُناسَبة بَيْنَه وَبَيْنَ علي، لاَ (١) في الصَّوَرة وَلاَ في السيرة، مَعَ أن تخطِئة جبريل مُستلزم لتخطِئة الربِّ الجليل، حَيثُ إنه سُبحانه مَا نبه جبريل عَليه وَلاَ أشارَ إليه في مُدةِ ثلاث وَعشرِينَ سَنةِ بِنجُومِ مُفَرقة، مَع قَوله تعَالَى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٣ - ١٩٥] وَهَذَا كَمَا تَرى كفرٌ صَرِيحٌ وَإلحاد قبيح. ثُمَّ بالغ طَائفة مِنهم تُسَمى النصيريةَ يقولون لِعَلي بالإلوهية (٢)، وَنحو ذَلَكَ مَما بيناه في مَواضِع مما ألفنَاهُ. [مشابهة علي لعيسى بن مريم:] وَالَحاصِل أن عَلياً لَهُ مُشابَهة بعِيسَى بن مَريَم في هَذِهِ القضِية، حَيثُ كفرَ اليَهُود بِسَبب إفراطِهم في بغضِهِ وَنسَبته إلى مَا لاَ يَلِيق به مَما يصَان عَنهُ اللسَان، وَكفر النصَارى في إفراطِهم في حبّه ونسبته إلى التثليث وَالاتحاد وَالعِينية، المُشاركة لهم في هذِهِ بخصُوصِهَا الطائفة الوجُودية، وبطلاَن (٣) أقَوال هَذِهِ الطوَائف ظاهِر لأهِل الإسلام مِن الخَوِاص وَالعَوام، وَقد أوضَحنَا هَذِهِ (٤) الأدِلة العقلية النقلية في كتُبنا المتعَلقة بالتفِسير والأحَادِيث وَأقوال الصوفية.

стр. 72

ثُمَّ مِن اللطائف مَا ذكرَه ُالمِرغيناني (١): أن الشيطانَ الطاق (٢) - وَهو شيخ الرافضَة عَلى الإطلاَقِ - كَان يتَعرض للإمَامِ الأعظم كثيراً مِن الأيَام، فَدخل الشيطان يوماً في الحمّام، وَكانَ فِيه الإمَام، وَكَانَ قَريب العَهد بموَتِ الأستَاذ حَماد (٣)، فَقالَ الشيطان: مَات أستاذكم فاسترضاه منه، فقال الإمَام: أستاذنَا مَاتَ وَأستاذكم مِن المنظِرينَ إلى يومِ الوَقت المعلُوم (٤)، فتحَير الرافضِي وَكشفَ عَورته، فغمضَ الإمَام ناظره فَقالَ الشيطَان: يَا نعمَان مُذ (٥) كم أعمَى الله بصَرك؟ [١٤/ب] فقال: مُذ (٦) هتكَ الله ستركَ، فبَادر الإمَام إلى الخرُوج مِن الحمام (٧)، وانشَأ هَذَا الكلام [يقول] (٨):

стр. 73

أقول وَفي قولي بلاغ وحكمة (١) ... وَمَا قلت قولا حَيثُ فيه بِمُنكر ألا يَا عِبَاد الله خافُوا إلهكم ... وَلاَ تدخلوا الحمّام إلا بِمِزر (٢) وَمنهَا مَا قَالَ أبُو الفَضل الكرمَاني (٣): ((إنه لما (٤) دخل الخَوارج الكُوفة، وَرأيهم تكِفير كل مَن أذنَب، وَتكفر كل تكفره، قِيلَ لَهَم هَذَا شيخ هَؤلاء، فأخذُوا الإمَام وَقَالُوا: تب مِن الكفر فَقالَ: أنا تائب مِن كلِّ كفر، فَقِيل لَهم: إنه قَالَ أنا نائب مِن كفركَم فاخَذوهُ، فَقَالَ لهُم: العلم (٥) قلتم أم نظن، قالوا: نظنّ، قال: إن بَعض الظن أثم، وَالأثم ذَنب فتوبُوا مِن الكفر، قالُوا: تبْ أيضاً مِن الكفر، فَقالَ: أنا تائبٌ مِن كلِّ كفر)). فهَذَا الذي قالَهُ الخصُوم: ((إن الإمَام استتب مِن الكفر مرتين)) (٦)، وَلبسُوا عَلَى النَّاس، انتَهى. وَوَقعَ لي نظر هَذَا الحال مَع بَعضِ الجهال مِن قضاة الأروَام (٧)، فإنه لما سَمعَ

стр. 74

بي (١) أني طعنت في كَلام ابن عَرِبي (٢) وَهوَ مُعتقد، قال: تب إلى اللهِ، فقلت: أتوب إلى الله مِن جَميع مَا ذكرَهُ الله. وَمنهَا ذَكرَهُ الغزنوي (٣) عَن شريك بن عَبد الله (٤) قال: ((كَنا عِندَ الأعمَش (٥) في مَرَضهِ الذي توفي فيه، فدَخلَ عَلَيه أبو حَنِيفَة وَابن أبي ليَلَى (٦) وَابن شبرمَة (٧)، وَكان الإمَام أكبر فبدأ بالكلام، وَقَالَ: اتقِ الله فإنكَ في أولِ يوم من أيّام الآخِرَة، وَقِد كَنتَ تَحدثت عَن عَلَي ﵁ بأحَادِيث لَكانَ أمسَكتها

стр. 75

لَكانَ خيراً لَكَ، فقال الأعمُش: اسندوني ألمثلي يُقال هَذَا؟! حَدثني أبو المتوكل الشامي (١) عَن أبي سَعِيد الخُدري قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إذَا كَانَ يَوم القِيامة قَالَ اللهُ تعَالَى لي وَلعَلي بن أبي طَالب: أدخلا الجنة مَنْ أحبكما وَأدِخل النَّار مَن أبغَضكما، وَذلَكَ قوله تعَالَى: ﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ﴾ [قّ: ٢٤] (٢) فَقالَ الإمَام قومُوا حَتى لا يجيء بأكثر مِن هَذَا، قال: فوالله مَا جزنا البَاب حَتى مَات)) (٣). وَمنها مَا ذكرَهُ الكردري أن للرافضَة [١٥/أ] أحَاديث مَوضُوعات وَتأوِيلات بَاطِلة في (٤) الآيَات، وزيادَات (٥) وَتصحيفَات كزيادَة: (وَالعصر
следующие страницы →